رسالة يهوذا إلى الكنيسة الجامعة

تقديم

رسالة يهوذا عظة جُعلت في شكل رسالة، فاهتمت بالمحافظة على إيمان الأشخاص الذين أرسلت إليهم. فجاءت في تحيّة تذكّر القرّاء بدعوتهم وتطلب منهم الثبات في الايمان الذي تسلّموه. كما تطلب منهم المدافعة عن إيمانهم رغم وجود الكافرين الذين سيظلّون في الجماعات المسيحيّة حتى نهاية العالم، كالزؤان بين القمح. ويشدّد الكاتب على شرّ الكافرين، كما يشجّع المؤمنين قائلاً لهم إن باستطاعتهم أن يفلتوا من شرّهم. وتأتي الخاتمة بشكل مجدلة فتصوّر لنا الله العظيم والقدير الذي يجازي كل واحد بحسب أعماله.
رسالة يهوذا نبعت في محيط يهودي، فعادت إلى العهد القديم تستلهم نصوصه، وأشارت إلى قايين وبلعام وفورح. كما عادت إلى الأسفار المنحولة المتحدّثة عن الملائكة وصراعهم مع إبليس، وعادت بشكل خاص إلى كتاب الساهرين في سفر أخنوخ. والتقت هذه الرسالة برسالة بطرس الثانية ولا سيّما 2: 1- 18 و3: 1- 3. تحدّثنا كلتا الرسالتين عن الكافرين، عن الانبياء الكذبة الذي ينتظرهم عقاب الله، بسبب فلتانهم الأخلاقي وإنكارهم للرب يسوع. كلتاهما تتحدّثان عن الملائكة الخطأة، عن سدوم، عن خطورة الخطايا التي يقترفها هؤلاء الكافرون. وحضورهم في المآدب المسيحية، في عشاءات المحبّة، في الأغابي، يجعلهم كسحب بدون مطر، وكأشجار تقتلعها العاصفة.
رسالة يسوع رسالة فيها التحريض والتنبيه من أجل المؤمنين، وفيها الهجوم على هؤلاء الكافرين الذين بدأوا يعيشون حياة الفلتان، فوصل بهم هذا العيش إلى تفكير يبتعد كل البعد عن التقليد المسيحيّ الصحيح، إلى تفكير يتعلّق بالرؤى والاحلام والنظرات السرابيّة التي لا ترتكز إلى الخلاص الذي حمله يسوع المسيح.
رسالة يهوذا رسالة ارتبطت باسم يهوذا، وباسم يعقوب أخي يهوذا، مع أنها كُتبت بعد موت يعقوب ويهوذا بسنوات عديدة. كُتبت بلغة يونانيّة أنيقة، شأنها شأن رسالة يعقوب، فدوّنها لا يهوذا الذي لم يكن متعلّماً، بل أحد تلاميذه، بل مسيحيّ هلينيّ من الجيل الثاني أو الثالث. هذه الرسالة أشار إليها قانون موراتوري، على أنها تُقرأ في كنيسة رومة في نهاية القرن الثاني. ووصلت إلينا في بردية بودمر أو بردية 72 خلال القرن الثالث. اعتبرها ترتليانس كتاباً مقدّساً، وامتدحها أوريجانس وإن كانت له تحفّظات بسبب عودتها إلى الأسفار المنحولة (المكتومة). رسالة قرأها إيرونيموس، وتحفّظت سورية بعض الوقت في قبولها. ولكن كل تحفّظ زال في نهاية القرن الخامس. أما الكنيسة اللاتينيّة فاعتبرت يهو قانونيّة منذ بداية القرن الخامس دون أن تتوقّف عند استعمالها للأسفار المنحولة.
إلى هذه الرسالة سنتعرّف. بعد نظرة عامة إليها، إلى تصميمها وتعليمها، ندرس نصوصها.
الفصل الأول
نظرة عامة إلى رسالة يهوذا

رسالة يبدو أن كاتبها هو يهوذا، أخو يعقوب، أخو الربّ. رسالة كُتبت إلى كنائس في منطقة من المناطق. رسالة كُتبت لتحذّر المؤمنين من معلّمين كذبة يُحدثون الشقاقات في الجماعات، يجدّفون على الملائكة، ينكرون ربنا يسوع المسيح. رسالة هي أشبه بعظة أرسلت بشكل رسالة في محيط عرف إكرام الملائكة ورفضاً للنجاسة وانفصالاً عن المنافقين. رسالة استفادت منها رسالة بطرس الثانية وتوسّعت في مواضيعها، ولكنها تأخّرت لكي تدخل بين الاسفار القانونيّة للعهد الجديد. إلى هذه الرسالة نلقي نظرة عامة، فنتعرّف إلى كاتبها، إلى مكان وزمان كتابتها، إلى قرّائها والخصوم.

1- كاتب الرسالة
أ- الرأي التقليدي
أولاً: الكاتب هو مسيحيّ متهوّد
إن التقاربات التعليميّة والأدبيّة مع العالم اليهوديّ، تدلّ على أن كاتب يهو هو من أصل يهودي. عاد إلى تك 4؛ 6؛ 19. إلى عد 14؛ 16؛ 22؛ تحدّث عن قايين (آ 11)، عن الملائكة (آ 6)، عن أهل سدوم (آ 7)، عن العبرانيين (آ 5)، عن قورح (آ 11)، عن بلعام (111). غير أن حديثه يدلّ على أنه أخذ ما أخذ من الأسفار المكتومة (أو: المنحولة): من أخنوخ، من صعود موسى، من كتاب اليوبيلات، من وصيّات الآباء الاثني عشر.
هو كاتب يهودي تحضّر بالحضارة الهلينية (اليونانيّة المطعّمة بالشرق) غنى الالفاظ، صحّة الأسلوب، عودة إلى الأسفار المنحولة في نصوصها اليونانيّة. وهو مسيحيّ من الجيل الثاني أو الجيل الثالث. يعرف التعليم البولسيّ ويشير إلى بعض مواضيعه. وإذ نراه لا يشدّد على بعض الأمور، نفهم أنه استقى تعليمه من الفقاهة المنتشرة في الكنيسة الأولى.
ثانياً: هو يهوذا، أخو يعقوب
سمّى الكاتب نفسه في العنوان: "من يهوذا، عبد يسوع المسيح وأخي يعقوب" نشير هنا إلى أن اسم يهوذا كان معروفاً جداً في العالم اليهودي، احتفاء بيهوذا بن يعقوب وأحد الآباء الاثني عشر وجدّ أهم قبيلة في العبرانيين (تك 49: 8- 12). وكان اسم يهوذا متواتراً في العهد الجديد، فدلّ على سبعة أشخاص، بل ثمانية إذا حسبنا يهوذا بن يعقوب (مت 1: 2- 3؛ 2: 6؛ لو 1: 39؛ 3: 33...) الذي هو مؤسّس القبيلة التي ستصير قبيلة يهوذا الملكيّة (رج 2 صم 2: 1- 4 ومَسْح داود في حبرون، كملك على قبيلة يهوذا أولاً).
هناك يهوذا بن يوسف (لو 3: 30 ونسب يسوع) الذي هو غير يهوذا بن يعقوب (لو 3: 33- 34). ويهوذا الجليلّي (أع 5: 37) الذي قاد ثورة على أثر الاحصاء الذي تم سنة 4 أو 6 ق. م. ويهوذا الذي أقام عنده شاول في دمشق (أع 9: 11). ويهوذا المسمّى برسابا الذي رافق سيلا وبولس وبرنابا إلى أنطاكية بعد مجمع أورشليم (أع 15: 22، 27، 32، 34). ويهوذا الاسخريوطي، أحد الاثني عشر (مر 3: 19؛ لو 6: 16؛ مت 10: 4؛ يو 13: 2، 26، الذي سمّي أيضاً يوضاس) الذي أسلم يسوع.
ويبقى أمامنا شخصان حملا اسم يهوذا في العهد الجديد. يهوذا بن يعقوب وهو أحد الاثني العشر (لو 6: 16؛ أع 1: 13) وهو يقابل تداي أو لابى في مت 10: 3. وتداي في مر 3: 18. ويهوذا في يو 14: 22 الذي ليس يهوذا الاسخريوطي كما أوضح إنجيل يوحنا. فيهوذا- تداي هذا لا يمكن أن يكون كاتب رسالة يهو، لأنه لا يُذكر على أنه "أخو الرب" (إلاّ إذا ترجمنا لو 6: 16 وأع 1: 13: يهوذا أخو يعقوب، لا ابن يعقوب).
وهكذا يبقى يهوذا، أخو يسوع، الذي يُذكر في مت 13: 55؛ مر 6: 3. في النصّ الأول نجده مع يعقوب ويوسف (أو: يوسي، تصغير يوسف) وسمعان. في النص الثاني، مع يعقوب ويوسي وسمعان. في النصين، نجد يعقوب ويهوذا اللذين هما من أخوة يسوع، أي من الاعمام والأقارب.
ويُطرح السؤال: أي يعقوب نعني؟ هنا أشخاص عديدون حملوا هذا الاسم تبرّكاً بشخص يعقوب أبي الأسباط الاثني عشر. هناك أولاً يعقوب والد يهوذا كما يرد في لو 6: 16؛ أع 1: 13. ثم يعقوب بن زبدى وشقيق يوحنا وأحد الاثني عشر مع أخيه (مت 4: 21 وز؛ 10: 2 وز؛ 17: 1 وز؛ مر 13: 3؛ أع 12: 2). قتل سنة 42 بيد هيرودس أغريبا. ثم يعقوب بن حلفى، أخو الاثني عشر (مت 10: 3 وز؛ أع 1: 13). ويعقوب أخو يسوع ويهوذا (مت 13: 55؛ مر 6: 3. ويذكر بدون يهوذا في أع 12: 17؛ 15: 13؛ 21: 18؛ 1 كور 15: 7؛ غل 1: 19؛ 2: 9، 12؛ يع 1: 1. هو أحد "عُمد" (غل 2: 9) كنيسة أورشليم مع كيفا (أي: بطرس) ويوحنا. ونستطيع أن نميّز "يعقوب الصغير" (مر 15: 40؛ رج مت 27: 56؛ مر 16: 1؛ لو 24: 10) من يعقوب بن حلفى. وهكذا نكون أمام خمسة أسماء ليعقوب.
إذن، نتوقّف هنا عند يعقوب "أخي الربّ" (غل 1: 19). لعب دوراً هاماً في تاريخ الكنيسة الأولى: هو أخو يسوع (مر 6: 3) وقد نعمَ بظهور القائم من الموت (1 كور 15: 17). وصار مع بطرس ويوحنا أحد القوّاد الرئيسيّين في جماعة أورشليم (غل 2: 9: "المعمّد") ثم ترأّس وحده كنيسة أورشليم بعد ذهاب بطرس (أع 21: 18). وسيأتي تقليد يقول إنه كان أول أسقف على أورشليم. نقرأ في أوسابيوس القيصري (التاريخ الكنسي 2/ 1: 2) بفم اكلمنضوس الاسكندراني: "يعقوب ذاك الذي سمّي أخا الرب... إذن يعقوب هذا الذي لقّبه الشيوخ "البار" بسبب سموّ فضيلته. أقيم كما قيل على الكرسي الأسقفيّ في كنيسة أورشليم" (اختاره بطرس ويوحنا لهذا المنصب). ومهما يكن من أمر هذا التنظيم، فقد تمتّع يعقوب بسلطة كبيرة في الجماعات الأولى، فامتدّ تأثيره إلى أبعد من أورشليم. مثلاً، نقرأ في غل 2: 12: "قبل مجيء قوم من عند يعقوب".
قُتل يعقوب سنة 62 خلال الأزمة التي سبقت الحرب الرومانيّة اليهوديّة سنة 66- 70. في تلك السنة، توفيّ الحاكم فستس فجأة. وقبل وصول ذاك الذي يخلف فستس، حكم عظيم الكهنة حنان الثاني مع مجلسه على يهوذا وأشخاص آخرين بالرجم (لنا شهادتان، واحدة من يوسيفوس في القديميّات، وسيذكره أوسابيوس، وأخرى من هاجاسبس كما يذكره أوسابيوس أيضاً). قال يوسيفوس إن يعقوب ورفاقه اتهموا بأنهم "تجاوزوا الشريعة": ما كنا ننتظر مثل هذا الاتهام يُلصق بشخص مثل يعقوب. وهذا يعني أن العناصر الوطنيّة الغيورة ضغطت على حنان الآتي من عالم الصادوقيين الغنيّ.
كان موت يعقوب ضربة قاسية على كنيسة أورشليم، التي هرب بعض أعضائها إلى شرقيّ الأردن قبل حصار أورشليم. غير أن إشعاع يعقوب ظلّ قوياً حتى وسط اللامسيحيّين (وحده ذُكر في نصّ غير مسيحي، في قديميّات يوسيفوس). وظلّ أخو يسوع "شفيع" مجموعة في قلب المسيحيّة المتهوّدة. وصار بشكل عام مثال الورع، وسمّي "البار". ونورد هذا المقطع الذي له مدلوله أن إنجيل توما (القول 12): "قال التلاميذ ليسوع: نعرف أنك ستذهب عنا. فمن يكون العظيم علينا؟ قال لهم يسوع: "إلى أين تذهبون؟ إلى يعقوب البار الذي لأجله وجدت السماء والأرض".
وارتبط الأدب المنحول (المكتوم) بهذا الشخص المعتبر: إنجيل يعقوب (بعض أجزائه تعود إلى القرن الثاني). رسالة من يعقوب إلى كوادراتوس. رسالة من بطرس إلى يعقوب. رسالة من اكلمنضوس إلى يعقوب (بداية العظات المنسوبة إلى اكلمنضوس). زد على ذلك أن بعض الأوساط الغنوصيّة وضعوا نفوسهم تحت حماية يعقوب، ولا سيما النحشيون (رج حنش أي الحية، وقد قُلب الحرفان الأول والثاني) الذين أرجعوا حكمتهم الخفية إلى امرأة اسمها مريم. كان يعقوب، أخو الرب، قد نقل إليها التعليم. وعلى مستوى العهد الجديد، هناك رسالة وُضعت تحت اسمه وقد تعود في تدوينها النهائي إلى سنة 75- 80.
وهكذا نرى في كل ما قلنا أنه قد ولد في ظلّ يعقوب، أخي الرب، تقليدٌ غنيّ ومتنوّع جداً. فمن استند إليه، سند في الوقت عينه صاحب يهو.
وفي أي حال، نحن لا ننسى السلطة المتعلّقة بيهوذا نفسه: فبين "اخوة الربّ" هو الذي بعد يعقوب قد ترك أكبر الأثر. لا شكّ في أن العهد الجديد لا يتحدّث عنه طويلاً. بل يذكره في مت 13: 55؛ مر 6: 3 (يُذكر أخوة الربّ معاً في مت 12: 46 وز؛ أع 1: 14؛ 1 كور 9: 5. وهذا يعني أهم مارسوا نشاطاً رسولياً بارزاً فذكرهم بولس). غير أن تقليداً قديماً ينسب إلى يهوذا نشاطاً إنجيلياً امتدّ إلى فلسطين وسورية وعرابية وبلاد الرافدين.
واحتفظ أوسابيولس بخبر لهاجاسبس يذكر فيه ابني يهوذا اللذين مثلا أمام دوميسيانس "لأنهما من نسل داود". فهذا الامبراطور كان يخاف مجيء المسيح مثل هيرودس. وبعد أن لاحظ وضعهما كفلاحين وسمع اعتراف إيمانهما، لم يحكم عليهما بل ازدراهما كرجلين بسيطين، وأطلق سراحهما وأوقف قرار الاضطهاد ضد الكنيسة. وبعد نجاتهما، قادا الكنائس كشهيدين وقريبين للربّ، وظلأ على قيد الحياة، بعد هذا السلام، حتى ترايانس (98- 117). نحن هنا أمام خبر مشكوك فيه على مستوى الدقّة التاريخيّة (لا نعرف شيئاً عن قرار دوميسيانس هذا. ثم قد نكون أمام سياسة دوميسيانس اليهوديّة، لا أمام اضطهاد المسيحيين. خاف منهما لأنهما ابنا داود).
ثم نتساءل: أين كانت هذه الكنائس التي وجّهها ابنا يهوذا، وكيف وجّهاها؟ مهما يكن من طابع هذا الخبر، فهو يدل على أن تقليداً متعلّقاً بيهوذا ونسله قد احتل مكامة رفيعة في بعض الأوساط المسيحيّة المتهوّدة في نهاية القرن الأول. ونشير أخيراً إلى تماهٍ قام به تقليد من أصل سوريّ، بين يهوذا وتوما الذي نُسب إليه تبشيرالرها. نقرأ في إنجيل توما (القول الأول): "تلك هي الكلمات الخفيّة التي فالها يسوع الحيّ، ودوّنها ديدمس (التوأم) يهوذا قدماً". وستجعل الأخبار من الرسول توما أخاً توأماً ليسوع (في الارامية: توم. والتوأم. واليونانيّة: توما) وأفضل من فهم فكره. وهناك اختلافات فى سريانيّة كيورتون والسريانية السينائيّة حول يو 14: 12 حيث نقرأ: يهوذا توما في الأولى. وتوما في الثانية. أما النصّ الإنجيلي فهو: "فقال له يهوذا، وهو غير الاسخريوطي".
بمختصر الكلام نستطيع القول إن صاحب يهو قدّم نفسه إلى قرّاءه بسلطة تعود إلى تقليدين: هو أخو الربّ مع ارتباط بالرسول توما. ثم هو أخو يعقوب الذي هو أخو الربّ. وهكذا نستطيع القول إن الرسالة توجّهت إلى جماعات مسيحيّة متهوّدة جعلت نفسها تحت سلطة يهوذا ويعقوب. هذا يعني شمالي شرقي سورية أو آسية الصغرى أي تركيا الحاليّة.
ب- الرأي الحديث
منذ بداية القرن العشرين تقريباً، برز لدى النقّاد رأي يقول إن كاتب يهو يخفي هويّته وراء شخص آخر. فإن كان اسمه يهوذا، فليس يهوذا الذي تذكره بداية الرسالة. فما هي الأسباب التي يقدّمها الشرّاح؟
* السبب الأول: كان يهوذا، أخو يعقوب، من الناصرة (مر 6: 1 ي)، وكان يتكلّم الأراميّة، شأنه شأن أهل الجليل (مت 27: 73). وظلّ أحفاده فلأحين بسطاء. فكيف استطاع أن يكتب رسالة بهذه اللغة الصحيحة؟ ولكن قد يكون عرف الأراميّة واليونانيّة. وقد يكون بقربه سكرتير مثل سلوانس قرب بطرس (1 بط 5: 12).
* السبب الثاني: كيف يمكن أن يكون يهوذا أخو يعقوب صاحب يهو، وآ 17 (نطق بها من قبل رسل ربنا) تقول إن الزمان الرسوليّ قد ولىّ. وهذا الشعور بماضٍ بعيد بالنسبة إلى يسوع، نستشفّه في نصّ موازٍ نقرأه في 2 بط 3: 1 ي. وهذا ما تثبته آ 3 حيث يبدو التعليم المسيحيّ الذي نُقل مرة واحدة وبشكل نهائي، مثبّتاً في خطوطه الرئيسيّة منذ بعض الوقت. ولكن يمكن أن نتساءل: عن أي الرسل نتحدّث آ 17؟ عن الاثني عشر أم عن مرسلين جاؤوا إلى قرّاء يهو. ونلاحظ أيضاً أن بولس تحدّث باكراً عن إيمان نُقل إلى المؤمنين في خطوطه الأساسيّة، كما تحدّث عن واجب الأخذ به في الحياة العمليّة (1 كور 11: 2 ي؛ 15: 1 ي؛ روم 16: 17؛ رج 1 تس 4: 1- 3).
* السبب الثالث: إن الضلالات التي تحاربها الرسالة تعود إلى نهاية القرن الأول المسيحي، أي بعد موت يهوذا أخي يعقوب. نحن هنا أمام ضلالات غنوصيّة تشدّد على ثنائيّة لاهوتيّة وترفض أوامر الشريعة. ولكننا لا نجد في يهو صورة حقيقيّة عن الضلالات التي هاجمها الرسالة. كما أن التيارات الغنوصيّة بدأت منذ القرن الاول المسيحي وإن وُجدت مدوّنة في القرن الثاني. ثم إن الضلالات التي تهاجمها الرسالة، قد كانت نتيجة فلتان أخلاقي. ثم إن أولى الآثار الغنوصية تبدو أكثر وضوحاً في النصوص البولسيّة واليوحناويّة.
إذن، من هو كاتب يهو؟ هناك ثلاثة مواقف. هناك من يعتبر أن يهوذا، أخا يعقوب هو كاتب الرسالة. وهناك من يرى أن الذي كتب الرسالة هو ابن يهوذا أو تلميذ من تلاميذه، وبالتالي ترتبط بأخي الربّ ارتباطاً حميماً. والموقف الثالث يقول إن كاتب يهو هو شخص نجهل اسمه وقد استند إلى سلطة يعقوب ويهوذا لكي يقدّم رسالته.

2- زمان ومكان كتابة الرسالة
أ- زمان كتابتها
قدّمت تواريخ متعدّدة عن زمن كتابة الرسالة. فالذين قالوا إن يهوذا كتبها عادوا إلى سنة 54. والذين رفضوا نسبتها إلى يهوذا، وصل بعضهم إلى نهاية القرن الثاني. أما معظم الشرّاح فيحدّدون زمان كتابتها في نهاية القرن الأول. وإليك العناصر التي تستطيع أن توجّه هذا الموقف دون أن تفرضه:
* إن 2 بط 2 قد استعمل يهو. أما 2 بط فتعود إلى بداية القرن الثاني. وهكذا لا تستطيع يهو أن تتجاوز بداية القرن الثاني.
* في آ 17، ميّز الكاتب بين زمنه وزمن الرسل فقال: "فاذكروا الأقوال التي نطق بها من قبل، رسل ربنا يسوع المسيح". هذا يعني أن يهو دوّنت بعد زمن الرسل، في الجيل الثاني أو الجيك الثالث المسيحي.
* نقرأ في آ 3: "أحرّضكم على الجهاد في سبيل الايمان الذي سلّم بشكل نهائي إلى القدّيسين". وفي آ 20: "فابنوا أنفسكم عَلى إيمانكم الأقدس". وهكذا يتكلّم الكاتب عن إيمان هو موضوع تسلّم وتقليد، عن إيمان تعدّى مرحلة التعابير الأولى. هذا يعني أننا تعدّينا حقبة الرسل. هذا مع العلم أن بولس أيضاً تكلّم عن التقليد (1 كور 11: 2، 23؛ 15: 1 ي).
* استعمل يهوذا الاسفار المنحولة (المكتومة) اليهوديّة. أما 2 بط فلم تستعملها. هذا يعني أن سلطتها غابت في بداية القرن الثاني المسيحي. وعلى كل حال، رُذلت هذه الأسفار أولاً في سورية. وفي القرن الثالث رُذلت من الأسفار القانونيّة في كل الكنيسة. وهكذا تكون يهو دوّنت قبل بداية القرن الثاني.
* هل عرف يهوذا رسائل بولس؟ ربّما مع آ 19 التي تقول: "فهؤلاء هم أولئك المشاقون، الحيوانيون، الذين ليس لهم الروح". الحيوانيون (أي الذي هم على مستوى النفس والتنفس، ولم يصلوا إلى مستوى الروح) هم فئة يحتقرها الغنوصيّون. إنهم لا يستطيعون أن يدركوا أمور الله (1 كور 2: 14؛ يع 3: 15).
* الخصوم الذين يحاربهم يهوذا قريبون جداً من المعلّمين الذين تهاجمهم 2 بط. هذا يعني تقارباً بين يهو و2 بط، مع العلم أننا أمام غنوصية سابقة للغنوصية في الرسالة الأولى إلى كورنتوس.
وهكذا نستطيع القول إن يهو قد دوّنت بين سنة 80 وسنة 100، هذا مع العلم أنه يمكن أن تكون هناك معطيات شفهيّة، قد وُضعت في لغة يونانيّة أنيفة بيد أحد المؤمنين الذين استندوا إلى سلطة يهوذا فقدّموا للكنيسة ما قدّموا.
ب- مكان كتابة الرسالة
من الصعب أن نحدّد الموضع الذي فيه دوّنت يهو. هل الكاتب بعيد أو قريب من قرّائه؟ هناك ولا شك تقارب على مستوى الاهتمامات والتقاليد، يترافق مع تقارب جغرافيّ يتضمّن بعض اتّصال بين الكاتب والقرّاء. إذن، نحاول أن نكتشف المحيط الحضاريّ والدينيّ.
لاحظنا أن الكاتب هو يهودي صار مسيحياً، وتحضّر بالحضارة الهلينية، واستند إلى سلطة يعقوب ويهوذا (من اخوة الربّ). وأن القرّاء هم مسيحيّون متهوّدون تشّربوا أيضاً الحضارة الهلينيّة مع تجذّرهم العميق في التقليد اليهوديّ. وأن خصوم الكاتب عرفوا ميولاً غنوصيّة ترفض الشريعة وتعيش فلتاناً ظهر باكراً في أولى الجماعات المسيحيّة.
لا تتيح لنا هذه الملاحظات أن نحدّد مكاناً دوّنت فيه يهو. قيل رومة. مصر وخصوصاً الاسكندرية. فلسطين وخصوصاً الجليل. سورية وخصوصاً منطقة الرها. آسية الصغرى ولا سيّما الجنوب. فالذين قالوا رومة أشاروا إلى الفلتان الذي عرفته فيها التيارات الغنوصيّة. والذين قالوا مصر استندوا إلى ما وُجد هناك من أسفار منحولة ارتبطت بيعقوب أخي يهوذا. وهكذا يكون كاتب يهو "مسيحياً مصرياً". نشير إلى أن الغنوصيّة التي وُجدت في مصر قريبة من تلك التي حاربها يهوذا، وقد ارتبطت بكربوكراتس الذي اعتبر في ما اعتبر أن الملائكة خلقوا الكون، وإن يسوع هو أبن يوسف...
وانطلقت فرضيّة من الجليل، فقالت إن مكان تدوين يهو هو الجليل امتداداً إلى سورية وأنطاكية. واستندت إلى سلطة يعقوب ويهوذا، وإلى ارتباط هذه الرسالة بالتقاليد اليهوديّة. وقد يكون المكان هو منطقة الرها وفيها ما فيها من تأثير يهودي على المسيحية الأولى، امتدّ حتى القرن الثاني.

3- قرّاء الرسالة وخصومها
أ- قرأء الرسالة
إلى من توجّهت يهو؟ لا يقول النصّ شيئاً عنهم، كما هي الحال في 2 بط. بل هو يكتفي بأمور عامة: "المدعوّين... المحبوبين في الله الآب، الموعوظين ليسوع المسيح" (آ 1). هل تعني هذه التحيّة أن الرسالة كلام عام لا يتوجّه إلى فئة خاصّة من الناس؟ كلا. فهي تشير إلى خطر محدّد يهدّد الجماعة: "اندسّ فيكم أناس" (آ 3). ولكن هل نستطيع أن نقول هي جماعة خاصة؟ كلا. بل نحن أمام مجموعة كنائس تتوزّع في مناطق واسعة.
ماذا قال الشرّاح في قرّاء يهو؟ هم مسيحيّون متهوّدون. أو: مسيحيّون آتون من العالم الوثنيّ. استندت الفئة الأولى إلى التجذّر اليهودي للرسالة، إلى استعمال الاسفار المنحولة، إلى حماية يعقوب ويهوذا اللذين كانت سلطتهما واسعة في المسيحيين الذين من أصل يهوديّ. واستندت الفئة الثانية إلى الطابع الهلّيني للرسالة، وإلى طبيعة الضلالات التي حاربتها لأنها تهدّد بشكل خاص المسيحيّين الامميين. ولماذا لا نكون أمام جماعات مختلفة من مسيحيين متهوّدين ومن مسيحيّين أمميّين؟
ب- الخصوم
يُذكر الخصوم في قسم كبير من الرسالة. ولكننا لا نعرف اسمهم، كما لا نعرف إلاّ الشيء القليل عنهم. يسمّيهم الكاتب خمس مرات "هوتوي"، هؤلاء، هؤلاء الناس (آ 8، 10، 12، 19). ولكن إن قابلنا معطيات يهو مع معطيات 2 بط، وإذا حسبنا حساب الاشارات الخاصة بيهوذا، نستطيع أن نحيط بعض الاحاطة بهؤلاء الخصوم الحاضرين في كل مكان، والذين يهاجمهم يهوذا بعنف.
يتميّز الخصوم عند يهوذا بشكل خاص بوقاحتهم وكفرهم (آ 4، 8، 10، 14، 18)، بلا أخلاقيتهم على المستوى الجنسيّ (آ 4، 8، 12، 16، 18). ببحثهم عن المكسب الرخيص والمنفعة الشخصيّة (آ 11، 16: لا يتعاملون إلاّ مع من يستفيدودن منه)، بتكبرّهم وجنونهم (آ 8، 16) واعتدادهم الروحيّ (آ 10). صورة قاسية عن تصرّف مشين (لسنا هنا أمام تعليم فاسد). هذه الأمور نجدها في 2 بط 1: 16- 20؛ 3: 1 ي، 15 ي. وتجعلنا نفهم أننا أمام ذات الفئة من الخصوم.
ولكن هناك اختلافاً بين يهو و2 بط. فخصوم يهوذا "اندسّوا" (آ 4) في الجماعة وظلّوا يعيشون فيها. نقرأ في آ 12 أنهم ينجّسون المآدب الأخويّة. رج 2 بط 2: 13، فالخصوم في يهو لا يشكّلون جماعة منفصلة عن الكنيسة.
في آ 6 يُذكر الملائكة "الذين لم يحفظوا منصبهم الرفيع، بل تركوا مسكنهم الخاص". نجد في جذور تصرّف الملائكة المستعفين (الذين يرمزون إلى المعلّمين الكذبة) قراراً بأن يخرجوا من النظام، من المرتبة التي أعطيت لهم. أرادوا أن يجعلوا على بساط البحث المسافة الضروريّة بين الله والخليقة. لقد ساءت الأمور، ولم يعد للعالم من معنى ولا قوام بعد أن أرادت الخلائق أن تتحرّر من وضعها، أو تحلم بالخروج منه والصعود إلى الله على مثال بُناة برج بابل. ونرى أيضاً صورة قايين وبلعام وقورح في آ 11 (احتفظت 2 بط 2: 15- 16 ببلعام فقط)، التي تظهر الوجه البشع لخصوم الجماعة كما تبرز الخطر الذي يجلبونه عليها. ونشير إلى "الاحلام الجنونية" في آ 8، التي قد تدلّ على آننا أمام جماعة "الروحيّين" الذين يعتبرون أنهم نالوا إيحاءات خارقة من خلال الرؤى أو الاحلام.
إن هذه الإشارة الأخيرة تتوافق مع نقطة واضحة في الرسالة: ففي آ 19 بعد أن يوبّخ الكاتب خصومه لأنهم أدخلوا الشاتاق (أو بالاحرى، كوّنوا طبقات داخل الجماعة)، يدعوهم "حيوانيين" (بأفكارهم الأرضيّة، وربّما الشهوانيّة)، ويقول "ليس لهم الروح". اتهام ساخر وخطير جداً، وهو يجرّد هؤلاء المعلّمين الكذبة من صفة ينسبونها إلى نفوسهم. فالتراتبيّة بين "الروحيين" و"الحيوانيين" (أو الماديّين) تلعب دوراً هاماً في الانتروبولوجيا (دراسة عن الانسان) والسوتيريولوجيا (الخلاص) الغضوصيّة، ولا سيّما عند ولنطينس. غير أننا نجد التعارض نفسه بين الروحين والحيوانيين في 1 كور 2: 14؛ 15: 44، 46؛ يع 3: 15. إن 1 كور 2: 14 هي أقرب ما يكون إلى نص يهو. ولكن لفظة "بسيخيكوس" ظلّت حياديّة عند بولس. أما عند يهوذا، فدلّت على الكافرين والمنافقين والفاجرين.
وهكذا نكون مع رسالة يهوذا أمام تيار غنوصيّ فريب مما رأينا في كورنتوس. مثل هذا التيّار وُجد في كل حوض البحر المتوسّط. بل هو اليوم حاضر في جماعاتنا. حاول البعض أن يقرّبه من القينيين أو الكربوكراتيّين أو حتى من النيقولاويين (رؤ 2: 6، 15) الذين يفصلون بين الجسد الروح، بين الظاهر والباطن، فيعتبرون مثلاً أننا نستطيع أن نذبح في الخارج للأوثان، ونبقى أمناء للسيد المسيح. كما اعتبروا أن يسوع لم يتجسّد حقاً، بل في الظاهر. ولا ننسى أن الغنوصيّة شدّدت على المعرفة من أجل الخلاص ونسيت دور الصليب.
الفصل الثاني
بنية الرسالة وتعليمها

تكوّنت رسالة يهوذا من فصل واحد يتألّف من 25 آية. فكانت مع رسالة بولس إلى فيلمون (25 آية) ورسالتي يوحنا الثانية (13 آية) والثالثة (15 آية)، أقصر أسفار العهد الجديد. تبدو وكأن يهوذا، أخا يعقوب، قد كتبها. ولكنها لا تقول لنا بشكل محدّد إلى من أرسلت. رسالة هجوميّة تندّد بخصوم يصفهم الكاتب بأقسى الصفات لكي يحذّر الجماعة منهم. وهي أيضاً رسالة يحثّ فيها يهوذا قرّاءه على الثبات في الايمان الذي سلّمه الرسل إليهم، لا التعليم الذي يحمله إليهم غنوصيون "نعموا" بوحي هو أقرب إلى رؤى خاصة وأحلام منه إلى التعليم الصحيح.
نتوقّف في هذا الفصل عند بنية الرسالة وتعليمها.

1- بنية رسالة يهوذا
تبدو رسالة يهوذا مرتّبة ترتيباً منطقياً. فعناصرها المختلفة تنمو لكي تبرز الفكرة الأساسيّة. لقد دوّن الكاتب رسالته لكي يطلب من قرّائه أن يظلّوا ثابتين في الايمان (والتعليم الايماني) الذي تقبّلوه مرّة واحدة وبصورة نهائيّة. وأن يقاوموا أولئك الذين يريدون أن يجتذبوهم إلى خارج هذا الايمان.
منذ العنوان والتحيّة (آ 1- 2)، تهيّأت الأفكار، حين ذكّرها الكاتب بدعوتها وبالمصير الذي ينتظرها (آ 21- 24). وتأتي التوضيحات حول ظرف الرسالة وهدفها: ضرورة الجهاد من أجل الإيمان الذي تسلّمناه (آ 3، 20- 23). العقاب المحفوظ للكافرين الذين يقاومون هذا الايمان (آ 4 أ، 5- 7، 11، 14- 15). شرّ هؤلاء الأشرار وفسادهم (آ 24- 25). كل هذا يدعو القرّاء لكي لا يخضعوا للكافرين، وهكذا ينالون السعادة الأخيرة. ويفهمهم أن عليهم أن يوجّهوا قلوبهم نحو الله. ابنوا أنفسكم. صلّوا في الروح القدس. احفظوا أنفسكم في محبّة الله. انتظروا رحمة ربنا.
وقبل أن يعيد الكاتب الطمأنينة إلى قلوب قرّائه رغم وجود الكافرين بينهم (آ 17- 19)، وقبل أن يدلّهم على السلوك الواجب اتّخاذه تجاه هذا الخطر (آ 20- 23)، أفهمهم أن العقاب الإلهي يصيب دوماً الخطأة (آ 5- 7)، وأن شرّ الأشرار الذين يتحدّث عنهم هو عظيم جداً (آ 8- 10)، وهو يشبه شرّ الضالّين في القديم (آ 11- 13، قايين، بلعام، قورح)، وأن الله قد أنبأ بعقاب ينتظرهم (آ 14- 16). وهكذا هيّأ يهوذا القارىء لسماع القسم الإيجابي من الرسالة (آ 20- 25).
نستشفّ المنطق في هذا التصميم حتى في العبارات المستعملة. ففكرة الخلاص المذكورة في البداية (آ 1: المحفوظين...)، سنجدها في شكل إيجابي مع سعادة نحصل عليها (آ 3، 21، 24)، وفي شكل سلبيّ مع عقاب نتجنّبه (آ 4 ب، 5- 7، 11، 14- 15، 23). والاشارة الواضحة في آ 4 ب إلى الكافرين، ستصبح ضمنيّة بواسطة استعمال "هوتوي" (هؤلاء، هؤلاء الناس) في آ 8، 10، 12، 16، 19، واستعمال "من جهة... من جهة أخرى" في آ 22- 23: من جهة، فالذين يتردّدون أقنعوهم... ومن جهة ثانية ارحموهم. ونجد تعارضاً بين "هؤلاء" (هوتوي آ 16- 19) و"أنتم" (هيميايس، آ 17- 20). وهكذا نحسّ أننا أمام نصّ قد صاغه الكاتب ولم يرتجله.

2- التعليم في رسالة يهوذا
هناك قسمان واضحان في يهو. قسم تحريضيّ يتوجّه فيه الكاتب إلى القرّاء بشكل مباشر (آ 1- 4، 20- 25). وقسم هجوميّ يئحدّث فيه عن الكافرين الذين يهدّدون الايمان التقليديّ (آ 4- 19).
أ- تحريض للقرّاء
في القسم الذي يحتفظ به الكاتب للقرّاء، هناك تعارض واضح بين قصر النصّ وغنى التعليم الذي يقدّمه. لسنا هنا أمام تعليم منهجيّ، بل إن ما يقوله الكاتب هو جزء من الحياة اليوميّة لدى قرّائه. هذا يعني العمق الذي وصلت إليه الفقاهة المسيحيّة لدى الجماعة. ما هي عناصر هذه الفقاهة؟
يؤمن يهوذا بوحدانيّة الله كما في التوراة (خر 20: 3؛ تث 4: 35) وبولس الرسول (1 كور 8: 4؛ روم 16: 27) والانجيل (يو 5: 44؛ مت 19: 17). قال: "الله الواحد، الله الأوحد" (آ 25). وهذا الاله هو أزلي. وصفاته أزليّة كالمجد والعزّة والسلطان التي هي "قبل جميع الأزمنة، والآن، وإلى جميع الدهور" (آ 25 ب). وبجانب الله الآب، مبدأ اللاهوت الوحيد (آ 1، 21)، هناك الربّ يسوع المسيح (آ 21) والروح القدس (آ 20). فهذه العبارة الثالوثيّة التي لا يتوسّع فيها يهوذا، تذكّرنا بما قاله بولس (2 كور 13: 13) ومتّى الإنجيلي (28: 19). هو لا يتطرّق إلى الأقانيم، إلى الأشخاص، على مستوى الطبيعة المجرّدة، بل على مستوى وظائفهم الملموسة فى عمل الخلاص. إذا كان المسيحيون قد دُعوا (آ 1) إلى الخلاص (آ 3)، إلى النعمة (آ 4 ب)، إلى الحياة الأبديّة (آ 12 ب؛ رج روم 8: 28؛ أف 1: 3 ي)، إلى المجد (آ 24)، فكل هذا يعود إلى الله الآب وإلى حبّه. فالله الآب هو "المخلّص" (آ 25 أ) الذي له المجد والسلطان (آ 25 ب)، والذي يطلب من البشر محبّتهم (آ 21) لقاء حبّه لهم.
ذُكر اسم يسوع خمس مرات (آ 1 ب، 4 ب، 17 ب، 21 ب، 25 ب، رج آ 5 ب). إنه "سيدنا الوحيد" و"ربنا" (آ 4- 17، 21، 25). فلقب "كيريوس" (الرب) يُعطى أيضاً لله الآب (آ 5، 9- 14)، وهذا يعني أن يسوع يشاركه في المجد والعظمة. أما لقب السيّد فيدل (رج 2 بط 2: 1) على نداء البشريّة إلى المسيح. ففي آ 25، يعلن يهوذا أن الله هو مخلّصنا بواسطة يسوع ربنا. ويسوع الفادي الممجّد يمارس دوره كديّان للكون، شأنه شأن الله الذي يعاقب الكافرين عقاباً لا رجوع عنه، ولكنه يرحم المسيحيّين على عتبة الحياة الأبديّة. وهكذا يعلن يهوذا عن طريقة التلميح الحقائق المسيحيّة الكبرى حول افتداء يسوع لنا وقيامته المجيدة (رج أع 2: 33- 36)، ورجوعه والدينونة العامّة (أع 1: 1؛ 3: 20- 21).
ويتحدّث يهوذا عن الروح القدس الذي يكفل ثباتنا في الايمان التتمليدي. فبدونه، تبقى صلواتنا بدون جدوى (آ 20)، ويبقى البشر أرضيين، حيوانيين، على مثال الكافرين (آ 19).
حين أعلن يهوذا أن الايمان سلّم إلينا بشكل نهائي (آ 3)، أفهمنا أنه يريد التكلّم عن التعليم الذي تقبّلناه، عن وديعة الايمان كما يقول بولس الرسول (1 تم 6: 20؛ 2 تم 1: 12)، عن قانون الإيمان الذي نتلوه في جماعاتنا. فعلى المسيحبّين أن يحفظوا هذا الإيمان كما تعلّموه، وكما عرضَه عليهم الرسل (آ 17). وعلى هذا الايمان يجب أن يبنوا حياتهم (آ 20). غير أن الخطر يتربّص بهم فيدفعهم إلى أن يتركوا هذا الايمان إن خضعوا لضغط المؤمنين الذين كفروا (آ 14- 16، 18- 19). فالجهاد للحفاظ على الايمان يفرض نفسه (آ 3). فلا يكفي أن نتذكّر (ونعيش على أمجادنا)، بل يجب أيضاً أن نصلّي بواسطة الروح، ونشهد لله بالمحبّة الواجبة علينا (آ 20- 21)، ونهرب من رفقة الكافرين المتعنّتين (آ 23). كما يجب أن لا نتكّل على قوانا الخاصة، ونتيقّن أن الله وحده يستطيع أن يحفظنا من السقوط (آ 24)، أن يبقينا بلا لوم إلى يوم نحضر أمام مجده.
ويجب على المسيحيّين الطيّبين أن يعرفوا أنهم ما زالوا معرّضين للضعف. لهذا، فهم يحتاجون إلى رحمة الله لكي ينالوا الحياة الأبدية (آ 21 ب؛ يع 3: 1- 2؛ 1 يو 1: 18. فرجاؤهم يتأسس على واقع يقول إن الله يحفظهم من أجل يسوع (آ 1 ب)، ويريد أن يخلّصهم بواسطة يسوع (آ 25).
ب- هجوم على الكافرين
في القسم الثاني من الرسالة الذي فيه يندّد الكاتب بالكافرين الذين يهدّدون الايمان التقليدي، لا نجد النصّ واضحاً كما في القسم الأول. فالعبارة ملتبسة. ونحن لا نعرف إن كان يوبّخ الكافرين بسبب ضلالهم في التعليم، أم أنه يتوقّف فقط عند حياتهم اللاأخلاقيّة وفجورهم. وإن كان هناك من ضلال، فيصعب علينا أن نصفه الوصف الوافي.
لا شكّ في أن الكاتب يوبّخ الخصوم على سلوكهم اللاأخلاقي. هو يتحدّث عن فجور الكافرين (آ 4؛ رج غل 5: 19؛ 2 كور 12: 21)، وهو فجور "ينجّس الجسد" (آ 8)، ويشبه خطيئة أهل سدوم (آ 7). ويشير النصّ أيضاً إلى روح التمرّد (آ 5، 11)، والمشاكسة الوقحة (آ 8، 15، 16)، إلى روح التشيّع لدى هؤلاء الناس الذين يبحثون عن مصالحهم (آ 11، 12 ب، 16) لا عن مصلحة الرب، وإلى روح الممالقة والمحاباة التي في النهاية تقسم الجماعة إلى طبقات (آ 16 ب). إن النص الموازي في 2 بط يبرز الفجور (آ 18- 22) والجشع (آ 14- 18). وستبرهن نصوص أخرى في العهد الجديد أن مثل هذا السلوك اللاأخلاقي قد عرفته الكنيسة الأولى عامة، والكنائس البولسيّة خاصة، وهي الآتية من العالم الوثني. فكم مرّة تدخّل بولس ليوبّخ هؤلاء المسيحيين الفاجرين، المتشيّعين، المتكبرّين، الوقحين، الذين يتصرّفون بأنانيّة في الجماعة (1 كور 11: 21 ي) أو في الحياة العاديّة (1 تس 4: 11؛ 2 تس 3: 6 ي). وتبيّن لنا رسالة يعقوب أيضاً روح التشيّع عند بعض المؤمنين (2: 1- 9) واستغلال الأغنياء للفقراء (5: 1- 6).
هل تتأسّس هذه اللاأخلاقية على ضلال في التعليم؟ قال يهوذا عن هؤلاء الكافرين إنهم "يحوّلون نعمة الله إلى عهارة" (آ 4 أ). هم يعتبرون نفوسهم "روحيين". يتعبرون أنهم وحدهم يمتلكون الروح (آ 19). يعتبرون أنهم نالوا وحباً خاصاً بهم، وكأنهم الكمّال تجاه المسيحيّين البسطاء (آ 8 أ). إنطلقوا من فكرة خاطئة عن الحريّة المسيحية ونعمة الفداء، فسمحوا لنفوسهم بالعيش في فوضى أخلاقيّة. ظنّوا أن لا شيء يستطيع أن ينجّسهم بعدما نالوا الخلاص بشكل نهائيّ، وحصلوا على النعمة، وتحرّروا من عبوديّة الشريعة. إنهم صورة مسبقة عن الغنوصيّين.
ويعلمنا يهوذا أن هؤلاء الكافرين "ينكرون" سيّدنا وربّنا يسوع المسيح (آ 4 ب). هل هو نكران نظري أم نكران عمليّ؟ والسؤال نفسه يُطرح مع آ 8 واحتقار السيادة، احتقار سيادة المسيح أو الله. هل نحن كما في كو 1: 15 ي؛ 2: 1 ي أمام موقف جعل شخص يسوع أدنى من الملائكة، من القوى السماويّة؟ أم كما في 1 يو 2: 22- 23 أمام رفض لمسيحانيّة يسوع الحقيقيّة كما قال قرنتيس؟ أم نحن أمام غنوصيّة ثنائيّة تقابل بين الله السامي فوق الدهور، مع إبراز رفض لكل شريعة؟
لا نستطيع أن نؤكّد أي شيء، لأن العبارات غير واضحة. ولكن إن أخذنا بعين الاعتبار سياق النصّ، يبدو أن هؤلاء الكافرين ينكرون الربّ أو يحتقرونه في حياتهم العمليّة. فالرسالة تقرّب بين الفجور وإنكار الربّ في آ 4، وبين نجاسة الجسد واحتقار الربّ في آ 8. والنصّ يشدّد كله على اللاأخلاقية. على رفض للخضوع لشريعة المسيح، رفض لسلطته واحتقار لفرائضه. فالمعلّمون الكذبة في كريت، هم أيضاً أنكروا الربّ في حياتهم العمليّة: "يعلنون أنهم يعرفون الله، ولكنهم ينكرونه بأعمالهم". ولكن لا نستطيع أن ننكر أن الكفّار في يهو يهاجمون الله بشكل نظريّ، فيتلفّظون ضدّه بالكلام القاسي (آ 15)، ويشتكون ويتذمّرون كما فعل الشعب العبراني في البرّية فناله العقاب. وبما أن الكاتب ذكر أخنوخ، فهذا يعني أن كلام هؤلاء الكافرين بدا بشكل تهجّم عل تدبير الله وعنايته.
الفصل الثالث
المعلمون الكذبة
1- 7

رسالة كُتبت لتحريض المؤمنين. ولكنها في الواقع حرب على أناس اندسّوا في الجماعات محاولين أن يدمّروا النظام الخلقيّ والدينيّ فيها. هكذا تبدو يهو التي قد تكون عظة وُضع في بدايتها عنوان فجُعلت بين الرسائل الجامعة.
ثلاثة أقسام في هذه المقطوعة: العنوان والتحيّة (آ 1- 2)، مناسبة الرسالة وهدفها (آ 3- 4)، عقاب المعلّمين الكذبة (آ 5- 7).

1- العنوان والتحيّة (آ 1- 2)
عاد الكاتب إلى ما يفعله كتّاب الرسائل في أيامه، فقدّم نفسه، وذكر الأشخاص الذين أرسل إليهم رسالته، وحيّاهم: "لتكثر الرحمة والسلام والمحبّة".
أ- من يهوذا (آ 1)
هناك أولاً ملاحظات نصوصيّة. بدل "المدعوّين"، تقرأ بعض المخطوطات الجرّارة: "إلى الأمم المدعوّة". وبدل "المحبوبين في الله" (بردية 72 والسينائي والاسكندراني والفاتيكاني وعدد من المخطوطات الجرارة واللاتينية العتيقة والشعبية...)، قرأت بعض المخطوطات مثل موسكو القرن التاسع والرقم 24. من القرن السادس والرقم 49. من القرن التاسع، 56. من القرن العاشر، 142. من القرن العاشر وبعض المخطوطات الجرارة: "مقدّسين في الله". قد نكون هنا في خط 1 كور 1: 2. وقال هيلاريوس: "المختارين".
إن التحيّة التي تفتتح هذه الرسالة تتضمّن ثلاثة عناصر: المرسل، المرسل إليه (آ 1)، وتمنيات إلى المراسلين (آ 2).
أما المرسل فهو "يهوذا عبد (عابد، خادم) (دولوس) يسوع المسيح وأخو يعقوب". قد نجد عبارة "عبد المسيح" في معنى عام جداً لتدلّ على جميع تلاميذ المسيح (مت 10: 24- 25؛ يو 13: 16؛ 1 بط 2: 16)، على الذين حرّرهم المسيح من عبوديّة الخطيئة والموت (روم 6: 16 ي)، على الذين يخصّون بكليتهم يسوع (1 كور 7: 22- 23؛ غل 3: 28- 29). غير أنها تستعمل بشكل دقيق ومحدّد فتدلّ على ذلك الذي تسلّم مهمّة لخدمة الجماعة (روم 1: 1؛ فل 1: 1؛ غل 1: 10؛ كو 4: 12؛ تي 1: 1؛ 2 بط 1: 21. في رؤ 1: 1؛ 10: 7؛ 11: 18؛ 22: 6 يسمّى الانبياء "عبيد الله"). نحن هنا في خطّ العهد القديم مع "عبد يهوه" الذي هو لقب افتخار أعطي ليشوع (يش 24: 29؛ قض 2: 8) وابراهيم (مز 105: 42 حسب السبعينية).
بعد ذلك، قدّم يهوذا نفسه كـ "أخي يعقوب". عاد الكاتب إلى يعقوب الذي هو شخص مشهور في الجماعة الأولى، فأراد أن يَنعم بسلطة ذاك الذي سمّاه أخاه. ونلاحظ أيضاً أن الكاتب لا يستند إلى صفته كـ "أخ الربّ " (مر 6: 3؛ 1 كور 9: 5). قد نكون في خطّ التقليد الأول الذي يعتبر أن ليس ليسوع اخوة في المعنى الحصري للكلمة (من أمّه وأبيه). أو قد يكون الكاتب تجنّب قلّة حماس عائلة يسوع للربّ خلال حياته على الأرض (مر 3: 20- 21؛ 3: 31- 35).
بعد المرسل، نصل إلى المراسلين، إلى الذين أرسلت إليهم الرسالة، إلى القرّاء. يسمّون "كليتوي": المختارين، المدعوّين. أي: المؤمنين (روم 1: 6- 7؛ 8: 28؛ 1 كور 1: 21- 24). بهذا يضمّ الكاتب إلى هذه اللفظة التي صارت معروفة عبارتين: "المحبوبين في الله الآب". ثم: "المحفوظين ليسوع المسيح".
"محبوبين في (أو: من) الله الآب". نجد ذات العلاقة بين الاختيار والمحبّة في روم 1: 7؛ 8: 28؛ كو 3: 12؛ 1 تس 1: 4؛ 2 تس 2: 13. فالمحبة هي العلامة والسبب لاختيار الله للبشر. غير أن العبارة هنا تتضمّن صعوبة صغيرة. ما معنى: "محبوب في الله". قد نفهم حرف الجر "إن" (في) كما لو قابل العبرية "ب" (الذي يعني: في وحرف الجر ب). إن الجماعة المسيحيّة التي هي إسرائيل الحقيقيّ هي محبوبة من الله الآب (لو 11: 1- 4؛ روم 8: 15؛ غل 4: 6) على مثال الشعب الأول (تث 32: 15 حسب السبعينية؛ 33: 5 حسب السبعينية؛ أش 5: 1...).
وهكذا تتميّز الحياة المسيحيّة بالمحبّة التي هي موضوعها والتي إليها دُعيت. لله كل مبادرة. ومحبّته هي في الوقت عينه الأداة والهدف للنداء الذي يوجّهه إلى البشر. ولكن الحياة المسيحيّة هي أيضاً حياة أناس "محفوظين ليسوع المسيح". هم يخصّون يسوع، أو يُحفظون بيسوع، أو يُحفظون ليسوع. وهكذا نتذكّر البُعد الاسكاتولوجيّ للحياة المسيحية مع فعل "تيراين": حمى الآن وحفظ من أجل اليوم الأخير، يوم الدينونة (يو 17: 11، 15؛ 1 تس 5: 23؛ 2 تم 4: 7- 8؛ 1 بط 1: 4؛ 2 بط 2: 4- 9، 17؛ رؤ 3: 10).
"أن نُحفظ ليسوع المسيح" يعني أن نتلقّى الوعد بالحياة الأبدية الذي سيتمّ في يوم الربّ، وأن نُحفظ لله في محبّة الله بسبب يسوع المسيح (رج آ 21 مع المعنيين). وهكذا ذكرت الرسالة منذ البدء هذا الحفظ (أو: الحماية) الحاضر (الآن) والاسكاتولوجي (في نهاية الزمن) في وجه المخاطر التي تهدّد المؤمنين.
ب- لتكثر الرحمة (آ 2)
وتتضمّن التحيّة بحصر المعنى ثلاثة عناصر: الرحمة (الايوس)، السلام (ايريني)، المحبّة (أغابي). ونجد أيضاً هذه التحيّة في ثلاثة عناصر في 1 تم 1: 2 (نعمة ورحمة وسلام)، في 2 تم 1: 2 (نعمة ورحمة وسلام) و2 يو 3. ولكن التحيّة تكون عادة في عنصرين. رج روم 1: 7 (نعمة وسلام)؛ 1 كور 1: 3... لقد حاول الكاتب أن يرسم هنا صورة موجزة عن الحياة المسيحيّة كلها. تأسّست هذه الحياة على المغفرة أي على علاقة نستعيدها مع الله، في اتحاد مع الله (سلام)، وتجذّرت في المحبّة. فالمغفرة والسلام والمحبّة التي هي دوماً ضروريّة، يجب أن تنمو، تكثر، تتوافر للمسيحيّين. والله هو صاحب هذا النموّ وأصل هذه الخيرات الجوهريّة الثلاثة. نشير إلى أننا نجد ذات العبارة في بداية استشهاد بوليكربوس: "ليُعط لكم ملء رحمة الله الآب وربنا يسوع المسيح والسلام والمحبّة".

2- مناسبة الرسالة وهدفها (آ 3- 4)
بعد أن أنهى يهوذا العنوان والتحيّة (آ 1- 2) دلّ على الظروف التي كانت سبب تدوين الرسالة (آ 3- 4). أحسّ بنفسه مضطراً للكتابة ليعالج موضوعاً محدداً، لأنه تسلّم معلومات عن نشاط الكافرين الذين يبلبلون المؤمفين.
في آ 3 تقرأ بعض المخطوطات (ارارة، اللاتينية العتيقة، الشعبية...) في صيغة المخاطب الجمع (خلاصكم) بدل المتكلّم الجمع (خلاصنا) الذي نجده في أعظم المخطوطات وأكثرها. وجاءت مخطوطات أخرى فألغت المخاطب والمتكلم فقالت: الخلاص. نحن نختار صيغة المتكلّم لثلاثة أسباب. الأول: أهمية التقليد المخطوطي في هذا المجال. الثاني: التقابل بين الخلاص الذي يخصّ جميع المؤمنين والحرب الخاصة التي إليها يدعو الكاتب قرّاءه. الثالث: تماسك المعنى. هذا الخلاص هو مشترك بين الكاتب والقرّاء.
أ- أيها الأحباء (آ 3)
نقرأ "أغبيتوي". رج آ 1- 2. يسمّي المراسلين "محبوبين" (ضمنياً: من الله. أي الله يحبّهم). وحبّ الله هذا الذي يشارك فيه كل المؤمنين في الجماعة، يخلق في الوقت عينه حبّ المؤمنين بعضهم لبعض. نجد هنا المصدر في صيغة الحاضر (غرافاين) وفي صيغة الماضي (غربساي)، وهكذا يظهر التعارض بين اهتمامه بالكتابة عن الخلاص (مهمة متواصلة وذات نفس طويل) وبين عمل محدّد (حين دوّن الوسالة). فهذه الرسالة قد دوّنت حين أجبر الكاتب على أن يقدّم تحريضاً محدّداً. وهكذا تكون الجملة المبنيّة باسم الفاعل بشكل تعارض: إذ كنت أرغب. كنت أرغب بشدة (2 بط 1: 5؛ سي المقدّمة آ 22).
"بشأن خلاصنا العام". هذا ما يدلّ على عمل الله في يسوع المسيح بواسطة لفظة "سوتيريا". رج روم 1: 16؛ 10: 1؛ 11: 11؛ 13: 11؛ 2 كور 6: 2؛ 7: 10؛ أع 4: 12؛ 13: 26. والخلاص ليس فقط بأن نخرج "معافين" (بلا جراح) من الدينونة الاسكاتولوجيّة، بل ميزة الوضع الحاضر الذي يعرفه المؤمنون، بل حياة يشاركون فيها الآن كلهم إن ارتبطوا بالايمان. في آ 23، يستعمل الكاتب الصور الجليانيّة (كما في سفر الرؤيا) عن الخلاص الاسكاتولوجيّ (انتزعهم من النار)، ولكنه توخّى أن يدعو قرّاءه إلى أن يعملوا الآن في وضع متأزّم ليخلّصوا أولئك الذين يتردّدون بين البدعة والايمان الرسولّي. الخلاص هو أن ننتزع الضعفاء من تسلّط الكافرين (آ 18) وندخلهم من جديد في شركة الكنيسة المؤمنة والأمينة. إذن الخلاص هو ما ينتج منذ الآن من تعلّقنا بالايمان الرسوليّ.
وهذا الخلاص يشارك فيه الجميع. إذن، يجب أن نميّز الخلاص المسيحيّ المقدَّم لجميع البشر من الخلاص الذي تحتفظ به الديانات السرانيّة لبعض المتدرّجين.
"رأيتني مضطراً أن أكتب إليكم". هناك حدث اضطرَّ الكاتب. وسيقوله في الآية التالية. وتوقّف الكاتب عند نقطة محدّدة. هو لا يتوخّى أن يتكلّم بشكل عام عن خلاص الجميع، بل أن يحرّض (باراكالاين) المؤمنين على الحرب من أجل الإيمان.
"إباغونيزستاي": قاتل، جاهد. فعل لا يرد إلاّ مرّة واحدة في العهد الجديد الذي يعرف "اغونيزستاي" (بدون الاداة "ابي") في معنى أخلاقيّ (لو 13: 24) أو حربيّ (يو 18: 36)، أو رياضيّ (1 كور 9: 25). إن بولس يذكر "الجهاد" المسيحيّ بواسطة صور رياضيّة (1 كور 9: 24- 27؛ فل 3: 12- 14). كما يستعمل الصور الحربيّة في روم 13: 12؛ 1 تس 5: 8؛ أف 6: 10- 17. وسوف يتكلّم في الرسائل الرعائية عن "جهاد الايمان" (1 تم 6: 12؛ 2 تم 4: 7). وتتقوّى صورة الجنديّ المسيحيّ بصورة المصارع في 2 تم 2: 3- 5. أما هنا في يهو، فالمؤمن لا يحارب ضدّ آخر، بل من أجل آخر هو يسوع المسيح. هو يجاهد "في سبيل الإيمان الذي سُلّم دفعة واحدة للقديسين".
ما هو معنى لفظة "الايمان" هنا؟ هناك معنى موضوعيّ كما في العهد الجديد عامّة وعند القديس بولس خاصّة. ليس الايمان في نظر بولس فقط عملاً شخصياً أو جماعياً يدلّ على ثقة تامة بكلام الله، في القيمة الفريدة لعمل المسيح الخلاصيّ. بل هو أيضاً وفي معنى أكثر موضوعيّة كلمة وحياة يتقاسمها جميع المسيحيين الأمناء للربّ. نقرأ في غل 1: 23 أننا نستطيع أن ندمّر الايمان أي أن نضطهد المسيحيين. وفي 3: 23 أن الايمان هو ميزة زمن خاص، بين إلغاء حكم الشريعة والمجيء. وفي روم 10: 8 هناك كلمة إيمان نعلنها. وفي 3: 27، شريعة إيمان. وفي 12: 6، قاعدة إيمان. ونقرأ في أف 4: 5: "رب واحد، إيمان واحد، معموديّة واحدة". وفي تي 1: 4: "إيمان مشترك" (خلاص مشترك في يهو). في 1 تم 3: 9: "سر الايمان". في 1: 19؛ 4: 1؛ 6: 21، نستطيع أن نترك الايمان أو نجاهد من أجل الايمان.
هذا هو المعنى الذي نجده في يهو 3، كما في آ 20. الإيمان هو مجموعة الحقائق التي تكوّن أساس ومضمون العقيدة المسيحيّة وحياة الكنيسة. فإن كان هذا التعلّق التزاماً شخصياً، إلاّ أن موضوعه ليس فقط المسيح الحيّ الذي نؤسّس حياتنا على كلمته، بل الطريقة التي بها تشهد الكنيسة لهذا الايمان وتحيا منه. فبين المسيح والمؤمن، نجد في شكل من الأشكار "الايمان" الذي نفهمه كواقع موضوفي "ينتقل دفعة واحدة للقديسين". هذا ما يشدّد على الوجهة الجماعيّة والكنسيّة. آمن يعني شارك في الايمان المشترك، الإيمان الذي يحدّد الكنيسة في أمانتها لأصولها.
لهذا يستطيع الكاتب أن يتكلّم عن إيمان "ينتقل بشكل نهائي" (دفعة واحدة)، إن للفظة "هاباكس" معنى لاهوتياً محدّداً: مرّة واحدة ولا تُعاد. كما في عب 9: 26 ي؛ 1 بط 3: 18؛ ونجد "إفاباكس" في روم 6: 10؛ عب 9؛ 12؛ 10: 10. هذا ما يدلّ على القيمة الفريدة والكافية كل الكفاية لعمل يسوع. و"القديسون"، أي الكنيسة، قد نالوا الايمان مرة واحدة ولا رجعة، لأن موضوع الايمان هو عمل المسيح النهائيّ والكامل. إذن، لا نستطيع أن نزيد عليه شيئاً، ولا أن نبدّل فيه شيئاً. وهكذا ذكّرنا الكاتب بالمبدأ اللاهوتيّ الأساسيّ، مبدأ ارتباط الكنيسة بالايمان الأول، دون أن يعالج مسألة تفسير هذا "الايمان".
وهناك فعل "باراديدوناي" (سلّم). رج 1 كور 11: 2، 23؛ 15: 1- 3؛ 2 تس 3: 6؛ 2 بط 2: 21. فالايمان الذي نتسلّمه يأتي من الربّ (1 كور 11: 23) بواسطة الرسل (يهو 17).
ب- لأنه قد اندسّ أناس (آ 4)
وتأتي الاداة "غار" لأن، فتفسّر ما فرض على الكاتب أن يبدّل مشاريعه الأولى. قد اندسّ أناس في الجماعة، فحمل عملُهم وتعليمُهم الخطر للمؤمنين. إندسّ بعض الناس. عبارة زريّة. "بعض" (تينس). رج 2 كور 10: 12؛ غل 1: 7؛ 2: 12. لا تحسبوا لهم حساباً (ما بيحرزوا). زاحهم الكاتب من الجماعة المسيحيّة. ليسوا بإخوة، ليسوا من جماعة "القديسين" (آ 3). ومع ذلك فهم ناشطون في قلب الجماعة كما يقول يهوذا نفسه (آ 12). نظن أنهم أعلنوا أنهم مسيحيّون. ولكن من أين جاء هؤلاء الناس الذين اندسّوا في الكنيسة؟ قد يكونون وعّاظاً متجوّلين يشبهون أولئك الذين واجههم بولس (2 كور 10: 12 ي؛ غل 2: 4- 5)، وتحدّث عنهم أغناطيوس الانطاكي في الرسالة إلى أفسس (7: 1؛ 9: 1؛ رج 1 يو 2: 19). ويحدّد يهوذا وجه هؤلاء الناس بسمتين اثنتين. أولاً: هم مجرمون عُرفوا منذ زمن بعيد وكُشفوا. ثانياً: هم منافقون يحوّلون نعمة الله إلى عهارة..
نجد هنا عبارة يصعب علينا تفسيرها: "كُتب عليهم القضاء من قديم". هناك ثلاثة تفاسير ممكنة.
* الأول: القضاء أو الحكم (كريما) ضد هؤلاء الناس قد كُتب منذ البدء في الأسفار السماويّة حيث يدوّن الله مصير كل واحد (أش 65: 6؛ مز 56: 9؛ 69: 29؛ 139: 16؛ دا 7: 10؛ 12: 1؛ رؤ 3: 5؛ 20: 12؛ أخنوخ 89: 62 ي؛ 108: 7؛ وصيّات الآباء الاثني عشر، أشير 7: 5؛ رؤيا باروك 24: 1). هكذا فهم اكلمنضوس الاسكندراني هذا النصّ. في معنى خلاص مهيّأ سلفاً. ولكن هذا التفسير اعتبر أن "بالاي" تعني منذ البدء. نجيب: ليس ذاك معناها في العهد الجديد. فإن "بالاي" تدلّ دوماً على الزمن التاريخيّ (الماضي)، لا على الأبديّة التي هي خارج الزمن. ما يسند هذا التفسير هو قربى يهوذا من الأدب الجلياني المكتوم (المنحول) حيث نجد موضوع الكتاب السماويّ.
** الثاني: قد أعلن الكتاب المقدس الحكم ضد الكافرين منذ زمن بعيد. والكتاب المقدس هو التوراة وسائر الكتب التي يؤمن يهوذا بسلطانها. وإذ عاش هؤلاء الناس كما يعيشون، دلّوا على أنهم كافرون. ولكن الكافرين قد حكمت عليهم الأسفار المقدسة منذ زمن بعيد. هذا هو معنى الاستشهادات المأخوذة من العهد القديم (يهو 5- 9). إذن، ليس مصير هؤلاء الناس هو الذي ترتّب مسبقاً، منذ البداية، بواسطة الله، بل بالحريّ مصير الذين يتصرّفون كالكافرين والمجدّفين.
*** الثالث: نلاحظ أن ألفاظ هذه الجملة مأخوذة من العالم القانونيّ. "بروغرافاين". يحمل معنى جزائياً محدّداً. يدل على اتهام عام يوجَّه إلى المجرمين. أما "كريما" فيعني الجنحة والجريمة والحكم. عند ذاك يصبح معنى الجملة: أشخاص اتهموا منذ زمان طويل بهذه الجنحة. أو: طُردوا بسبب هذه الجريمة. في هذه الحال، يشدّد النصّ على الطابع العلنيّ المشهور لجريمة كفر اقترفها هؤلاء الناس. هذه الجريمة تقوم في أنهم "منافقون" (اسابايس).
نظنّ أن الفهم الصحيح للنصّ يكمن في دمج التفسيرين الثاني والثالث. فالذي يتّهم هؤلاء المسيحيين الكاذبين بالكفر، هو الكتاب المقدس الذي يعلن مسبقاً المصير الذي ينتظرهم.
ويقال أيضاً عن هؤلاء الأشخاص إنهم "منافقون" (اسابايس). فالكفر يدلّ على خصوم الايمان (2 تم 2: 16؛ تي 2: 12؛ 2 بط 2: 5؛ 3: 7). نجد في يهو 15 الصفة والفعل وفي آ 15 و18 الموصوف. أما هنا فتحدّد المفردة بطريقتين. الأولى: الكافر هو من يحوّل نعمة إلهنا إلى عهارة. والثانية: الكافر هو من ينكر سيدنا وربنا يسوع المسيح.
* الطريقة الأولى: منذ البداية، مزج المسيحيّون بين التحرّر من الخطيئة والسماح بعمل كل الأعمال. وقد قاتل بولس ضدّ سوء التفاهم هذا (روم 6: 1- 6؛ 1 كور 6: 12- 20؛ غل 5: 13؛ رج 1 بط 2: 16). وقد حاربت 2 بط 2: 16 هؤلاء "الروحيين" الذين نادوا بالحرية ومزجوها بالانفلات الخلقيّ. وأشار يهوذا إلى مسيحيّين اعتبروا نفوسهم روحيّين (آ 19)، فتذرّعوا بهذا الوضع لكي يعيشوا في العهارة والزنى. وتقوم خطيئتهم بأن يحوّلوا الخلاص الذي يربطنا بالله إلى خلاص (وتخلّص) يسمح لنا بأن نعمل ما نشاء.
** الطريقة الثانية: هنا يطرح سؤال صعب في نهاية آ 4. هل نفهم "دسبوتس" (سيّد) مثل "كيريوس" (ربّ) ونعتبر أنهما صفتان ليسوع؟ أو هل ندخل بشكل ضمنيّ لفظة "تيوس" (الله) (وكأنها اختلافة نصوصيّة نجدها في السريانيّة، في مخطوط 24. الذي يعود إلى القرن السادس، وفي مخطوط 44. الذي يعود إلى القرن الثامن أو التاسع ويأتي من جيل أتوس في اليونان) بعد "دسبوتس" فنفصل هكذا السيّد (الله) عن الربّ يسوع المسيح؟
بالنسبة إلى الفرضيّة الأولى نقول إن لا وجود لأل التعريف أمام "كيريوس)، وهذا ما يدل على أن أل التعريف أمام "دسبوتس" تحكم أيضاً (كيريوس). رج 2 بط 2: 1 حيث يدل "دسبوتس" على المسيح.
وبالنسبة إلى الفرضيّة الثانية، نلاحظ أن لفظة دسبوتس في العهد الجديد (ما عدا 2 بط 2: 1) تُحفظ دوماً لله في معناها الدينيّ (لو 2: 29؛ أع 4: 24؛ 2 تم 2: 21؛ رؤ 6: 10). ثم إن الصفة "مونوس" (الوحيد) تدلّ هي أيضاً على الله، على الاله "الواحد" الحقيقيّ تجاه الآلهة الكاذبة في العالم الوثنيّ. رج مت 4: 10 وز؛ لو 5: 21؛ يو 5: 44؛ 17: 3؛ روم 16: 27؛ 1 تم 1: 17؛ 6: 16؛ رؤ 15: 4. ونظنّ أيضاً أنه كان من الأهميّة بمكان تجاه خصوم ينكرون متطلّبات الواقع لأنهم يعتبرون نفوسهم "روحيّين"، أن تُذكر وحدة عمل خلاص المسيح وعمل الله الخالق وسيّد كل شيء.
أي الفرضيّتين نختار؟ لا بأس بالفرضيّة الأولى. ولكن الثانية تبدو معقولة بدرجة أعلى. لأن يهو تميّز دوماً بين الله ويسوع المسيح (آ 1، 21، 25). أما "مونوس" فتدلّ على الله. وهكذا تصبح الترجمة. "ينكرون السيّد الوحيد (أي الله) وربنا يسوع المسيح.
وهكذا ينكر هؤلاء الناس الله ويسوع المسيح بأعمالهم التي تدلّ بشكل ملموس على إنكار لإيمان نُقل إليهم مرة واحدة وبشكل نهائي، على تخلٍّ روحيّ ولاهوتيّ عن هذا الايمان.

3- عقاب المعلّمين الكذبة (آ 5- 7)
وقدّم الكاتب ثلاثة أمثلة مشهورة تدلّ على أن الله سيعاقب الكافرين. كيف يبدو هذا التحريض؟ بعد أن قرأنا ما قاله الكاتب حول ظروف الرسالة وهدفها، وحول الضلال الذي يجب محاربته، انتظرنا أن يقول لنا بشكل إيجابيّ كيف نحارب لكي نحافظ على هذا الايمان المهدّد. ولكن قبل أن يصل إلى هذه الخطورة (آ 20- 23)، بدأ يفهمنا بالأمثلة، أن الكافرين الذين لا يتوبون، لا يفلتون من عقاب الله (آ 5- 7). ثم شدّد على الفساد الذي يقودهم إلى هذه العقوبات (آ 8- 13). وانتهى بنبوءة تؤكّد على هذه العقوبات (آ 14- 16). ولكن الكاتب اتخذ طريقة أصيلة: بدأ فأعلن الشقاء للذين يتخلّون عن التعليم الذي سلّمه الرسل، لكي يدعو القرّاء إلى الأمانة والعمل بموجب إيمانهم.
لا شكّ في أن الكافرين الذين أفسدوا الايمان الذي سلّم للقديسين (آ 3- 4) سيكونون في يوم من الأيام موضوع عقاب الله، على مثال ما حدث في الماضي لخطأة رفضوا التوبة فنالوا أقسى عقاب (آ 5- 7). ستنطلق 2 بط 3 ب- 4 من هذا القول وتتوسّع فيه. أما يهوذا فعاد إلى ثلاثة أمثلة قديمة: هلاك العبرانيين الذين لم يؤمنوا في برّية سيناء (آ 5). سجن الملائكة الساقطين (61). زوال سدوم وعمورة (آ 7).
أ- هلاك العبرانيين (آ 5)
أولاً: التقليد النصوصي
ونبدأ بالتقليد النصوصي الذي هو متشعّب جداً في آ 5 ب. قال الاسكندراني والفاتيكاني: يعرفون كل هذا جيداً أن يسوع. وقال افرام: أن الرب. وقال اكلمنضوس الاسكندراني: أن الله. وقالت البردية 72: أن الله المسيح. وقال مخطوط موسكو (القرن التاسع): يعرفون هذا جيداً (حذفت لفظة كل). وقالت اللاتينية العتيقة والقبطية: أن يسوع وحده. والسينائي وجبل أتوس: أن الربّ وحده. واللاتينية العتيقة والأرمنيّة: أن الله وحده. وهذا ما يطرح ثلاثة أسئلة. الأول: هل نجعل "هاباكس" (مرة واحدة، بشكل نهائي) قبل أو بعد "أن يسوع"؟ الثاني: هل نقرأ "هاباكس بنتا" أو "هاباكس توتو"؟ والسؤال الثالث: هل نقرأ: يسوع، أو الربّ أو الله (المسيح)؟ وها نحن نستعيد هذه الأسئلة الثلاثة.
* الأول: ما الذي يريد أن يشدّد عليه الكاتب؟ هل يريد أن يقول إن المؤمنين يعرفون كل شيء بشكل نهائيّ، أو هل يريد أن يبرز التعارض بين الخلاص الذي تمّ مرة أولى (أو: في الماضي) والحكم الذي يأتي مرّة ثانية؟ نختار الفرضيّة الأولى لسببين. الأول: إن "هاباكس" لا تعني "المرة الأولى"، تجاه "المرة الثاني". الثاني: إن "هاباكس" في آ 5 تعيدنا إلى آ 3: فالايمان الذي تقبّلناه مرة يقابله التعليم الذي لا يمكن أن يتبدّل هو أيضاً.
** الثاني: ان "بنتا" تحمل صعوبة. أما "توتو" فهي أكثر رشاقة وتبدأ الجملة الخاضعة للجملة الرئيسية بشكل أوضح. ولكن قد يكون هناك تصحيح قام به أحد النسّاخ. ثم إن الجملة تصبح أقوى مع "بنتا": المؤمنون يعرفون (ما هو ضروريّ لهم). وهكذا نعتبر "تعرفون كل شيء بشكل نهائي" كمعترضة تصف "هيماس" (أنتم). أما "هوتي" (أن) فترتبط بفعل "أذكركم". وهكذا تصبح الجملة: "فأريد أن أذكركم، مع أنكم تعرفون كل شيء بشكل نهائي، أن الربّ...".
*** الثالث: نترك جانباً "تيوس" (الربّ) أو "تيوس خرستوس" (الربّ يسوع) لأن الشواهد ضعيفة. أما اللفظة "يسوع" فقد تكون مفيدة. لأنها تلعب على التقارب بين يشوع ويسوع. وتتيح لنا تفسيراً نمطياً (تيبولوجياً). هو يشوع/ يسوع الذي خلّص شعب إسرائيل من أرض مصر. نجد هذا التفسير عند يوستينوس في الحوارات 120. وعند اكلمنضوس الاسكندراني في المربيّ 1/ 7: 60. وعند أوريجانس في عظات على الخروج 11: 3، وفي كتاب يشوع بن نون. رج أيضاً يو 12: 41؛ 1 كور 10: 4، 9 (هناك اختلافة)؛ 1 بط 1: 11؛ عب 11: 26. هذه الفرضيّة توافق النظرة التيبولوجيّة التي تلهم يهو 5- 16: الماضي يعلن الحاضر الذي تتضمّنه الأحداث السابقة. ولكن ما يعارض هذا الموقف هو أنه ليس يشوع هو الذي خلّص شعب مصر، ولا هو الذي عاقب الكافرين. كل ما فعله، هو أنه حصل مع كالب على نعمة الدخول إلى أرض الموعد ساعة هلك كل العبرانيين بمن فيهم موسى ولم يروا أرض الميعاد. ثم إنه من الصعب أن يجعل الكاتب من عقاب الملائكة المتمردين عملاً من أعمال المسيح.
وهكذا نأخذ "كيريوس" (الربّ). فالله يسمّى الرب في آ 9، 14. وهكذا تصبح العبارة: "كل هذا بشكل نهائي، أن الربّ".
ثانياً: تفسير الآية
إذ أراد الكاتب أن يقدّم الأمثلة الثلاثة المأخوذة من العهد القديم، شدّد على أهميّة "التذكّر" (هيبومنيساي) بالنسبة إلى الجماعة المسيحيّة. وسنجد هذا الفعل في آ 17. والتذكر هو مهمّة تخصّ أولاً أولئك الذين كلّفوا بالخدمة في الكنبسة (2 تم 2: 14؛ تي 3: 10؛ 2 بط 1: 12- 13) وهو يقوم بأن يؤوّنوا من أجل المؤمنين في وضعهم الحاضر معنى ما تمّ بشكل نهائي أو قيل (لو 24: 6؛ يو 2: 17؛ 12: 16). في هذا المنظار لم يعد الماضي ماضياً، بل هو مستودع من المعاني للذين يتذكّرون. الماضي هو حاضر حين يعطي معنى أخلاقياً، فيحذّر من الأخطار التي تهدّد الجماعة. وهو يعطينا مفتاحاً لنفهم الحاضر. فالتفسير النمطيّ (تيبولوجي) يفترض أن الحاضر يتضمّن الماضي في حرفه بشكل نمط ونموذج ومثال.
قد نكون أمام مفارقة حين نرى الكاتب يذكر هذه الأشياء لأناس يعرفون كل شيء بشكل نهائيّ. في الواقع، لقد أراد الكاتب أن يربط الإيمان الحاضر الذي سلّم إلى القديسين بنمطيّة ماضية تكشف كل معناه.
بعذ ذلك، تطرّق الكاتب إلى المثل الأول: إن الربّ الذي خلّص شعبه (خر 12: 51) لم يتردّد في معاقبة الكافرين. غير أن النصّ يحمل صعوبة: ما هو معنى "تو دوتارون"، وبمَ نربط هذه العبارة؟ هل نربطها بـ "خلّص". عند ذلك نترجم: الرب بعد أن خلّص شعبه من مصر مرة ثانية (تو دوتارون) أهلك...". ولكن ما معنى هذا الخلاص الثاني؟ قد نستطيع أن نفهم أن الخروج من مصر هو التجلّي الثاني لخلاص الله تجاه شعبه، بحيث يكون الأول حدثاً سابقاً (مثلاً، الطوفان مع خلاص نوح، أو الضربات التي أصابت شعب فرعون). أو نفهم الخلاص الثاني من مصر بشكل رمزيّ كصورة عن خروج المسيحيّين من أورشليم ساعة الحرب اليهوديّة سنة 70 ب. م. في هذه الحالة يكون "الكافرون" الذين أهلكهم الربّ هم اليهود.
ونستطيع أن نربط "تو دوتارون" مع فعل "أهلك". عند ذاك نترجم: "الربّ الذي خلّص شعبه من مصر، أهلك بعد ذلك أولئك الذين لم يؤمنوا" ظلّوا كافرين. هذه الفرضيّة هي التي أخذ بها معظم الشرّاح لأخها تربط هذا النصّ بأحداث يوردها عد 14: 11- 25. غير أن "تو دوتارون" لا تعني "بعد ذلك" بل "المرة الثانية". فلا تصبح الفرضيّة ممكنة إلاّ إذا افترضنا "بروتون" أمام "خلّص" فيصبح النصّ: "عمل مرة أولى حين خلّص شعبه، ومرّة ثانية حين دمّر الكافرين".
وأخيراً نستطيع أن نربط "تو دوتارون" بـ "الذين لم يؤمنوا". حينئذٍ نترجم: "بعد أن خلّص الربّ شعبه من مصر، أهلك الذين كفروا مرّة ثانية". وهذه الحالة يفترض الكاتب كفراً أول (مثلاً، خر 4: 1؛ 5: 21؛ 6: 9) استمرّ فيه الشعب رغم عمل الخلاص الذي قام به الله حين أخرجهم من مصر. هذا الشرح يقرّب النص الذي ندرس من الفكرة التي تدافع عنها عب 6: 4- 6؛ 10: 26- 27 حول تنظيم التوبة في الكنيسة: لا مغفرة ثانية للذين وقعوا مرّة ثانية في الخطيئة بعد أن عرفوا الحقّ.
يبدو أنه يجب أن نأخذ بالفرضيّة الثانية من أجل تماسك المعنى. فهي تبرز نيّة الكاتب الذي أراد أن يبيّن أنه حتى الله المخلّص لا يترك الكفر بدون عقاب. وإن كانت مسافة بين عمل الخلاص وعمل الدينونة، فلا يجب أن تكون الدينونة وهماً وسراباً.
ب- سجن الملائكة الساقطين (آ 6)
ويشير المثل الثاني إلى مصير الملائكة الساقطين. وهدف المثل واضح: وهو يبيّن أن الله لا يعفو حتى عن الملائكة إن هم سلكوا سلوكاً رديئاً، إن هم رفضوا أمر الله. استعمل الكاتب التقاليد اليهوديّة حول سقوط الملائكة فشدّد لا على خطيئتهم بل على العقاب الذي نالوه. ولعب الكاتب على فعل "تيراين" (رج آ 1، 6، 13، 21) فقال: لم "يحفظوا منصبهم" فحُفظوا في الظلمة بيد الله من أجل الدينونة.
"أرخي" هي الوظيفة والمجال الذي فيه يمارس سلطان. في هذا المعنى تكلّم العهد الجديد عن "السلطات" ليدلّ على القوات الملائكية التي تشرف على مصائر البشر (روم 8: 38؛ كو 2: 15؛ 1 كور 15: 24؛ تث 32: 8 حسب السبعينية). هذه القوى هي ملتبسة: خلقها الله (كو 1: 16) فكانت معادية للانسان (أف 6: 12).
لم يحفظ الملائكة وظيفتهم، لم يقوموا بمهمّتهم. لماذا؟ هذا ما يذكره يهوذا بشكل غير مباشر: تركوا مسكنهم الخاص، أي سماء الله (2 كور 5: 2) لكي يتنجّسوا مع النساء كما يقول أخنوخ (12: 3). إلى هذه الحادثة المنطلقة من تك 6: 1- 4 (زواج الملائكة مع البشر) يلمّح يهوذا.
وجاء العقاب عقابين. هناك عقاب موقت: سجن الله الملائكة الخاطيّين في الظلمة بانتظار "اليوم العظيم" (صف 1: 7، 14- 18؛ 2: 3؛ عو 15؛ يوء 1: 15؛ 2: 11؛ ملا 3: 23؛ رؤ 6: 17؛ 16: 4)، أي يوم الدينونة. قيّد الملائكة بـ "قيود أبديّة". نأخذ لفظة "أبديّ" في معنى نسبيّ: مدة طويلة تمتدّ طول الزمان. والعقاب الثاني هو أن الملائكة يُحلّون في يوم الدينونة لكي يُدانوا ويُحكم عليهم بشكل نهائيّ. لا يقول لنا يهوذا شيئاً عن هذا الحكم الذي يفترضه. بل هو يشارك سفر أخنوخ في أفكاره (10: 4- 6): "قال الربّ أيضاً لرفائيل: قيّد عزازيل بيديه ورجليه وارمه والظلمة... وليبقَ هناك إلى الأبد. وليرمَ في النار في اليوم العظيم، يوم الدينونة".
إذن، الله عادل، وهو يعاقب الذين يرفضون أمره، حتى لو كانوا كائنات سماويّة. استعمل يهوذا هذا المثل فلمّح إلى الفوضى الجنسيّة التي تجعل هذه الكائنات قريبة من المعلّمين الكذبة "الذين يحوّلون نعمة إلهنا إلى عهارة" (آ 4). قد نرى هنا أيضاً تلميحاً إلى ثورة المعلّمين الكذبة على المسؤولين في الجماعة كما في رسالة اكلمنضوس الأولى (47: 5- 6). وسيأتي المثل الثالث فيذكر بشكل مباشر هذا الاتهام.
ج- زوال سدوم وعمورة (آ 7)
ويرتبط المثل الثالث بالمثل الثاني بواسطة "هوس" (كما): إذن، هناك علاقة بين خطيئة الملائكة (وصية نفتالي 3: 4- 5) وخطيئة سدوم وعمورة والمدن المحيطة (رج تث 29: 23؛ هو 11: 8: تُذكر ادومه وصبوئيم).
"وعلى مثال هؤلاء". من يعني "هؤلاء"؟ هناك ثلاثة أجوبة.
الأول: سدوم وعمورة. حينئذٍ نفهم: المدن المحيطة التي زنت مثل سدوم وعمورة. ولكن سدوم وعمورة هما في صيغة المؤنّث. فلماذا لم يكن اسم الاشارة في صيغة المؤنث؟
الثاني: المعلّمون الكذبة. حينئذ نقرأ: سدوم وعمورة والمدن المحيطة زنت كما زنا هؤلاء الناس (الذين نتكلّم عنهم). هذه الفرضيّة صحيحة من الناحية الغراماطيقيّة. ولكن يصعب علينا أن نفهم لماذا يكرّر الكاتب هذا التوبيخ في آ 8.
الثالث: إن "هؤلاء" تعود إلى الملائكة الذين تحدّث عنهم في آ 6، وهذا هو المنطق. فهناك رباط وثيق بين المثلين (مع "هوس"): فالملائكة، شأنهم شأن أهل سدوم، اقترفوا ذات الخطيئة. تركوا حدودهم ووظيفتهم واستسلموا للزنى. لقد أغوى الملائكة بنات البشر (تك 6: 1- 4)، وحاول أهل سدوم أن يتعاملوا بالزنى مع كائنات سماويّة (تك 19: 4- 25). هذا ما تشدد عليه العبارة: "ذهبت وراء جسد غريب". وهكذا نفهم الخطيئة المزدوجة التي اتُّهم بها الملائكة وسكان سدوم الملعونة: ظنّوا من جهة أنهم يستطيعون أن يحطّموا النظام الذي أراده الله، أن يتجاوزوا الحدود التي تفصل عالم السماء عن عالم الأرض. ومن جهة ثانية أن يعملوا من أجل الفوضى الجنسيّة. وهكذا أشار الكاتب بوضوح إلى المعلّمين الكذبة.
وزاد يهوذا: هذه المدن "نالها عقاب نار أبديّة". إن مثل عقاب سدوم وعمورة صار تقليدياً في الأدب اليهوديّ والمسيحيّ. رج أش 1: 9؛ 13: 19؛ إر 23: 14؛ حز 16: 48- 50؛ عا 4: 11؛ صف 2: 9. وجُعل فعل "بروكايستاي" (نال) في الحاضر، فدلّ الكاتب على أننا نستطيع اليوم أن نرى آثار الكارثة التي حلّت بالمدن الملعونة. رج حك 10: 7: "وإلى الآن يشهد بشرّهم قفرٌ يسطع منه الدخان، ونبات يثمر ثمراًَ لا ينضج، وعمود من ملح قائم تذكاراً لنفس لم تؤمن". وقال فيلون في "كتاب موسى" (2: 56): "واليوم أيضاً يروننا في سورية بقيّة هذه الكارثة الهائلة: دمار ورماد وكبريت ودخان، ونار مظلمة ترتفع أيضاً كما من حطب يحترق في نار خفيفة".

خاتمة
بعد عنوان الرسالة والهدف من كتابتها، توقّف الكاتب عند ثلاثة أمثلة فدلّ بها على العقاب الذي ينتظر المعلّمين الكذبة: موت العبرانيّين الذين لم يؤمنوا. عقاب الملائكة الساقطين بقيود أبدية بانتظار محاكمتهم. وأخيراً، زوال المدن الخاطئة مثل سدوم وعمورة. هذا ما ذكّر به يهوذا قرّاءه. وهذا ما يذكّرنا به نحن أيضاً إن سرنا في طريق الضلال وما عدنا إلى الرب بالتوبة. فلا يبقى لنا في ذلك الوقت إلاّ رحمة من الله تنتزعنا من شرّنا كما من النار. لا يبقى لنا إلاّ التمسّك بمخافة الله الذي له المجد والعزة إلى جميع الدهور. أمين.
الفصل الرابع
المنافقون والعقاب الذي ينتظرهم
آ 8- 16

أراد الكاتب أن يساعد قرّاءه على اكتشاف الكافرين الذين يقاسمونهم حياتهم الجماعيّة ويسيئون إلى التعليم التقليديّ، فتوسّع في شرّ هؤلاء المعلّمين الكذبة وكرّر العقاب الأخير المحفوظ لشرّهم، لكي لا تنتقل العدوى إلى المسيحيّين الطيّبين. وسيترك إلى آ 20- 23 عرض الموقف الواجب اتخاذه تجاه هؤلاء المنافقين.
بعد قراءة آ 8 التي تشكّل خاتمة لما سبق وفاتحة لما يلي، نتوقّف عند ثلاثة أقسام في هذه الحرب ضد المعلّمين الكذبة: مثال ميخائيل (آ 9- 10). المعلّمون الكذبة والخطايا السابقة (آ 11- 13). نبوءة أخنوخ (آ 14- 16).

1- هم ينجسون الجسد (آ 8)
أ- أحلام ورؤى (آ 8 أ)
رغم دروس الماضي (آ 5- 7) التي تؤكّد على عقاب ينتظر الخطأة، فالكافرون الذين يتحدّث عنهم يهوذا (آ 4 ب) يتصرّفون تصرّفاً رديئاً من ثلاثة وجوه. نلاحظ بشكل عابر اهتمام الكاتب بالرقم ثلاثة. في آ 2: "المحبوبين، المحفوظين، المدعوين". في آ 5- 7: العبرانيون، الملائكة، المدن. في آ 11: سلكوا. استسلموا للضلال. هلكوا. في آ 16 أ: يتذمّرون، يشتكون، يسلكون. وفي آ 8 نجد أيضاً المثلّث: ينجّسون الجسد، يحتقرون السيادة، يجدّفون على الامجاد.
هناك رباط قويّ بين هذه الآية والآيات السابقة. فالأداة "منتوي" (ومع هذا) تعود إلى الأمثلة الواردة وتشدّد على أن هذه الدروس كانت بدون جدوى على المستوى العملي. وتعود الأداة "هومويوس" (كذلك) إلى الخطايا الثلاث التي ذُكرت في آ 5- 7: خطيئة إسرائيل، خطيئة عالم الملائكة، خطيئة سدوم (لا خطيئة واحدة)، لأن هذه الثلاث موجودة عند الكافرين: مساس بالأخلاق الجنسيّة، مساس بسيادة الله، مساس بكرامة الملائكة. ويدلّ حرف العطف على التماهي الأساسيّ بين الخطايا المقترفة. ولفظة "هوتوي" (أولئك) تدلّ ببعض احتقار على بعض الناس الكافرين (آ 4) الذين ما زالوا يعيشون داخل الجماعة.
قبل أن نتوقّف عند الخطايا الثلاث التي يقترفها الكافرون، نلاحظ اسم فاعل يعني المحتلمين، أو أصحاب الأحلام، أو الأنبياء الكذبة، أو الجهّال (انيبازومانوي). رج تث 13: 1- 5؛ إر 34: 7- 9؛ 36: 8؛ أش 56: 10- 11؛ أع 2: 7= يوء 2: 28. المعنى الزريّ واضح. فالكافرون يستسلمون للأحلام أو يقولون إنهم قد استولت عليهم رؤى وأحلام. لو كانت اللفظة تتعلّق فقط بالخطيئة الأولى المذكورة (ينجّسون الجسد)، لقلنا إن الكافرين يستسلمون إلى الأحلام وإلى التخيّلات الفاجرة. أما إذا تعلّقت بالخطايا الثلاث (بسبب الأدوات اليونانية: من... دي... دي، من جهة، من جهة، من أخرى)، يجب أن نفهم أن الكافرين يستندون إلى تعاليم ترتبط بالخيال أو إلى وحي مزعوم لكي يشرّعوا الخطايا التي يقترفون (كو 2: 18). نذكر هنا 2 بط 2: 1 التي تسمّي هؤلاء الكافرين "أنبياء كذبة".
ب- الخطايا الثلاث (آ 8 ب)
وبّخ يهوذا أولاً هؤلاء الكافرين لأنهم "ينجّسون الجسد". أي يتبعون النزوات الجنسيّة (رج 2 بط 2: 14- 18) التي تترك نجاسة لدى الذين يستسلمون لها (حك 14: 26؛ 1 مك 4: 43). وهكذا نفهم فهماً أفضل ما أراد أن يقوله الكاتب في آ 4 ب: "يحوّلون نعمة إلهنا إلى عهارة".
والخطيئة الثانية تكمن في "احتقار السيادة". احتقار السيّد والرب، عدم الاهتمام به (2 بط 2: 10 ب؛ رج مت 6: 24)، إنكاره (2 بط 2: 1). نترك جانباً تفاسير تقول إن السيادة تدل على الملائكة (كو 1: 16؛ أف 1: 21). وإلاّ لكنّا في صيغة الجمع كما مع "الأمجاد". أو تقول إنها تدلّ على السلطات الكنسيّة، لأن الكافرين لا يعرفون حقاً ما يحتقرون (آ 10 أ). هم يحتقرون الله الآب كما تقول الديداكيه (4: 1: كيروتيس: سيادة) أو المسيح الربّ كما يقول راعي هرماس (التشابهات 5/ 6: 1). يبدو أنه من المفضّل أن ننظر إلى سيادة المسيح حسب 2 بط 2: 1 (ينكرون السيّد الذي افتداهم) وحسب يهو 4 ب: "ينكرون السيّد وربنا الوحيد يسوع المسيح". ولكن سواء قلنا الله الآب أو الربّ المسيح فالخطيئة تبقى هي هي.
ولكن ما هو هذا الاحتقار، وكيف تُنكر السيادة؟ لا نتوقّف فقط عند العصيان الاخلاقي ورفض الطاعة. فإنكار سيادة المسيح (أو الله) يكون أيضاً على المستوى العقائديّ كما تقول الرسالة إلى كولسي.
والخطيئة الثالثة: هؤلاء الكافرون "يجدّفون على الأمجاد"، أي الكائنات التي تشارك الله في مجده. هذه الأمجاد (دوكسا) لا تدلّ على رؤساء الكنائس لأن آ 10 أ تقول إن التجديف يصيب ما يجهله الكافرون. لهذا، فالسياق يدعونا أن نرى في الامجاد الملائكة الأخيار والأشرار (عب 9: 5؛ وصية لاوي 18: 5؛ وصيّة يهوذا 25: 2). وفي آ 9 سوف نرى ميخائيل رئيس الملائكة يخاصم إبليس. أما في 2 بط 2: 10 ب فالأمجاد تدلّ على الملائكة الأشرار وحدهم (2 بط 2: 11). ويقوم التجديف بنظر يهوذا (آ 10) بأن نحطّ من الكرامة الملائكية، بأن نتعامل معهم معاملة الندّ للندّ، أو كالأعلى بالنسبة إلى الأدنى.
ولكن يبقى ممكناً أن نقول إن التجديف يكمن في رفض الشريعة (آ 4)، في التحرّر من الشرائع التي أعلنها الملائكة (أع 7: 38، 53؛ غل 3: 19؛ عب 2: 2).

2- مثال ميخائيل (آ 9- 10)
أ- ميخائيل وإبليس (آ 9)
إن الموقف المجدّف الذي يقفه هؤلاء الكافرون ضد "الأمجاد" يتعارض مع المثل الذي أعطاه ميخائيل في الاعتدال. فهم يتجرّأون، رغم حالتهم الوضيعة والمائتة وجهلهم للطبيعة الملائكية (آ 10)، أن يّجدفوا على الكائنات المجيدة. "إنّ ميخائيل، رئيس الملائكة، لما خاصم إبليس، ونازعه في جثة موسى، لم يجسر أن يتلفّظ (ضده) بدينونة مجدّفة، بل قال (فقط): ليزجرك الربّ" (آ 9).
ميخائيل أي من مثل الله. يبدو ميخائيل في التوراة ذاك المحامي عن إسرائيل (دا 10: 13، 21؛ 12: 1) وخصم إبليس (رؤ 12: 7). أما لقب رئيس الملائكة الذي أعطي له، فلا نجده إلاّ هنا وفي 1 تس 4: 5. لا شكّ في أن هذا اللقب يأتي من دانيال الذي يسمّيه "أحد الرؤساء السبعة" (10: 13) ومن طوبيا الذي يتحدّث عن الملائكة السبعة الذين يشاهدون وجه الله (12: 15؛ رج رؤ 8: 2). كما يأتي من الأدب اليهودي المكتوم الذي يعظّم ميخائيل ويخلق تراتبيّة لدى الملائكة. وكان بولس صدى لهذه التراتبيّة (أف 1: 20- 21؛ كو 1: 16).
أخذ يهوذا الكلام حول خصومة ميخائيل مع إبليس حول جسد موسى، من اكلمنضوس الاسكندراني وأوريجانس وصعود موسى وهو كتاب منحول يتضمّن قسمين: وصيّة موسى وصعوده. ضاع القسم الثاني فلم يبقَ منه إلاّ جمل متفرّقة، وقد روى كيف أن ميخائيل كلّف في موت موسى أن يأخذ جسده ليحمله إلى السماء أو ليدفنه (رج تث 34: 6). ولكن إبليس حاول أن يعارضه متذرّعاً بسلطته على العالم الماديّ الذي كان جسد موسى جزءاً منه، أو بدوره كمتّهم للبشر أمام منبر الله (أي 1: 6 ي؛ زك 3: 1- 2؛ 1 بط 5: 8؛ يع 4: 7)، وقد لعب هذا الدور حين ذكر مقتل المصري بيد موسى (خر 2: 11- 12). أما ميخائيل "المولج بأفضل البشر" (أخنوخ 20: 5) والمحامي المكلّف بإسرائيل أمام منبر الله، فما استطاع إلاّ أن يقاوم إبليس، لأن موسى، رئيس إسرائيل، هو في الواقع أكبر القديسين. ومع ذلك تصرّف بنحافة (يهو 9) لأن إبليس وإن ساقطاً يبقى في نظره كائناً روحياً. وبدلاً من أن يتّهمه بكلام تجديف (هو لم يتجرّأ على ذلك) توسّل إلى الله لكي يزجره. إن الدعوة التي ينسبها يهوذا إلى ميخائيل قد أخذت من زك 3: 2 حيث "ملاك الربّ" يتصّرف بالطريقة عينها مع إبليس من أجل إعادة اعتبار أشارت 2 بط 2: 11 بشكل غامض إلى هذا الحدث، واستغلّته في الخط عينه.
وهكذا أشار يهوذا إلى اعتبارات المعلّمين الكذبة الذين يحكمون بصلف على النظام الذي خلقه الله، ويسمحون لنفوسهم أن يحكموا على الكائنات السماويّة وكأنهم الله. هكذا الكاتب بدّد وقاحتهم. ميخائيل نفسه لم يتجرّأ، أما هم فيتجرّأون.
ب- أما هؤلاء فيجدفون (آ 10)
لم يجسر موسى، "أما هؤلاء فيجدّفون على ما يجهلون" (آ 10). لقد اختلف الكافرون عن ميخائيل. فرغم أحلامهم تراهم يجهلون كل شيء عن العالم الروحي (السيادة، الأمجاد)، وجهلهم يدفعهم إلى التجديف. كان بولس قد قال إن الروحيّين وحدهم، إن الذين نالوا روح الله، يستطيعون أن يفهموا ما هو روحيّ ويتكلّموا عنه. أما "النفسانيون" (أو: الحيوانيون) أي الناس المتروكون في طبيعتهم البشرية، فلا يقدرون (1 كور 2: 10- 16). ومع ذلك فالكافرون يجدّفون على ما لا يعرفون (يع 10 أ).
إذا كان العلم الروحيّ المزعوم لدى الكافرين يؤذيهم، فالمعرفة التي يشاركون فيها الحيوانات تؤذيهم أيضاً. فهذه المعرفة تنحصر في الخبرة الشهوانيّة، في الفجور، في نجاسة الجسد، فتقودهم إلى الهلاك. "وأما ما يعرفون طبيعياً كالبهائم العجم، فبه يهلكون" (آ 10 ب).
نجد هنا بشكل معكوس الاتهامين المذكورين في آ 8: إتهام روحي، التجديف. إتهام أخلاقي، عيش مثل البهائم.
الاتهام الأول: "يجدّفون على ما يجهلون". هم يختلفون عن ميخائيل الذي عرف أمام من هو ومع ذلك لم يجدّف. أما المعلّمون الكذبة فيجدّفون باسم معرفة كاذبة تسمح لهم بأن يظنّوا أنهم أرفع من الكائنات السماويّة التي يحتقرونها. والاتهام الثاني: لا يكتفون بأن يجهلوا أمور الله التي يتكلّمون عليها بالاساءة والتجديف، ولكنهم يهلكون. فمعرفتهم الحقيقيّة تجعلهم على مستوى البهائم التي لا عقل لها. يعتقدون بأن لهم إيحاءات سامية تجعلهم فوق الممكنات الأرضيّة والطبيعيّة، ويعتبرون أنهم تخلّصوا من ثقل الانسان الأرضي، الحيوانيّ، ولكنهم في الواقع نزلوا إلى مستوى الحيوان فما عرفوا إلاّ غرائزهم الجنسيّة التي لها يخضعون. وبما أنهم رفضوا روح الله، فهم سيهلكون بهذه الأمور التي تسيطر عليهم.

3- المعلّمون الكذبة والخطايا السابقة (آ 11- 13)
أ- ويل لهم (آ 11)
إن هؤلاء المعلّمين الكذبة يجدون من يحكم عليهم في مثال ميخائيل. وهم يعيدون في الجماعة الخطايا التي ندّد بها الكتاب المقدّس. لهذا دعا عليهم يهوذا دعوة قاسية بعد أن عرض شرّهم وتحدّث عن هلاكهم. دعوة نجدها لدى الأنبياء (عا 6: 1؛ هو 7: 13: أش 3: 9 ي؛ 5: 11 ي) وبولس الرسول (1 كور 9: 26) وفي الأناجيل (26 مرة). هذه الدعوة التي تعلن الشقاوات الكبرى، تجد ثلاثة تبريرات لها: سلكوا طريق قايين. إستسلموا إلى ضلال بلعام. هلكوا في تمرّد قورح. أما الفكرة العامة فواضحة: سيُعاقب الكافرون لأن سلوكهم يشبه سلوك هؤلاء الثلاثة.
* طريق قايين (تك 4: 8). قد اتبعوا (أبوروتيسان، رج آ 16، 18). يؤخذ هذا الفعل في معنى زري: اتبع طريقاً رديئاً. ما الذي يعنيه الكاتب بسلوك قايين؟ هناك مدلولات أربعة. الأول: صار المعلّمون الكذبة قاتلين على مستوى الروح مثل قايين قاتل أخيه (استُعمل المثل في معنى واقعيّ في 1 يو 3: 12). الثاني: سعى هؤلاء المعلمون إلى إهلاك المؤمنين كما فعل قايين بهابيل. الثالث: يستسلم هؤلاء إلى ميولهم الشريرة ولا يطيعون الله. لهذا رفض الله تقدمة قايين (عب 11: 4). الرابع: طردهم الله كما طرد قايين، فصاروا بلا جذور، وما عادوا يعرفون راحة أو سلاماً.
استخدم العالم اليهودي مثلَ قايين ليندّد بالذين يتمرّدون على الله: فصوّر فيلون الاسكندرانيّ قايين كذاك الذي "لم يستطع أن يسيطر على طبيعته فتجرّأ وفال إنه يملك كل شيء" (وبالتالي لا يحتاج إلى الله). وجعل منه يوسيفوس مثال الكافر والفاجر والبخيل. وفي ترجوم يوناتان (تك 4: 7) قايين هو مثال الفكر القويّ الوقح. ويبدو أنه وُجدت شيعة منفلتة هي شيعة القينيّين، التي اعتبرت قايين فكراً سامياً يستطيع أن يتحدّى إله الشر في العهد القديم (كما قال إيريناوس، ضد الهراطقة 1/ 31، وأبيفانيوس في الهرطقات 38/ 1: 1- 3).
إذن، من اتّبع طريق قايين، دلّ على الكفر وعلى روح التمرّد (تتحدّث رسالة اكلمنضوس الأولى 4: 1- 7 ووصيّة بنيامين 7 عن نتائج الحسد المأساويّة).
* ضلال بلعام (عد 22- 24). هو مثال الجشع والحيلة. وفي النهاية، رمز إلى الشرير وإلى عدوّ إسرائيل. اكتفى يهوذا هنا بأن يذكر جشع (مستوس) بلعام. ونجد فعل "انخينستاي" الذي يعني: انصب، استسلم، انحدر (وصية رأوبين 1: 6).
* تمرّد قورح (عد 16). خبر قورح معروف. تمرّد مع صديقيه داتان وابيرام على موسى وعلى النظام الكهنوتيّ كما أسّسه موسى. التلميح واضح: فالمعلّمون الكذبة يرفضون، شأنهم شأن قورح، النظام في الجماعة، ويعتبرون نفوسهم فوق رؤساء هذه الجماعة. نقرأ "انتيلوغيا" تمرّد. رج عب 12: 3؛ أم 17: 11.
وبمختصر الكلام، قايين هو نموذج الشخص القوي الوقح، والمحتقر الآخرين، والذي يتحدّى الله. وبلعام هو نموذج ذاك الذي يخون الله والآخرين لقاء حفنة من المال. وقورح هو الذي يدلّ على كبريائه بتمرّده. بهؤلاء الثلاثة يشبَّه المعلمون الكذبة.
ب- هؤلاء أدناس (آ 12)
بعد أن تحدّث عن قايين نموذج القاتلين، وعن بلعام النبيّ الوثنيّ الذي اجتذب بني إسرائيل إلى الفجور، وعن قورح المتمرّد، وتحدّث عن ثورة هؤلاء المعلّمين على الايمان والخلق التقليديّ، على الله وعلى المسيح، عن ثورتهم ضد السلطات الدينيّة في الكنائس، وعن شقّ الصفوف، ها هو يترك المقابلات البيبليّة ليصف شرّ الكافرين بصور مأخوذة من الطبيعة. الأولى والرابعة تشدّدان على خسّة ودناءة الكافرين. والثانية والثالثة تبرزان خيبة الأمل التي سيسبّبونها عاجلاً أم آجلاً. قال يهوذا: هؤلاء (الكافرون) هم وصمة في مآدبكم (مآدب المحبّة، أغابي)، حيث يرغدون في وقاحة، ويعلفون أنفسهم" (آ 12).
إن لفظة "هوتوي" (هؤلاء الناس) قد استعملت في آ 8، 10، فدلّت بوضوح على المعلّمين الكذبة. وسيتكلّم عنهم يهوذا الآن بشكل مباشر، لا بواسطة أمثلة مأخوذة من الكتاب المقدّس. هنا نلاحظ أن آ 4- 16 مؤلّفة من تناوب بين شجب مباشر (آ 4، 8، 10، 12- 13، 16) وشجب غير مباشر بواسطة أمثلة تقليديّة (آ 5- 7، 9، 11، 14- 15).
اتهّم الكاتب الخصوم بأنهم يفسدون معنى "الاغابي" الجماعية وممارستها. إن "أغابي" تدلّ هنا على الطعام الأخوي. هذا هو النصّ الوحيد في العهد الجديد حيث تأخذ "أغابي" هذا المعنى الخاص (رج 2 بط 2: 13 والاختلافة بين "أغابي" و"أباتي" الغشّ). أرادت الكنيسة الأولى أن تتذكّر عشاء الربّ مع تلاميذه، واحتفاله بالافخارستيا (مت 26: 20- 29)، فنظّمت ممارسة المآدب الجماعيّة (أع 2: 46؛ 1 كور 11: 17- 34). هذه الغداوات رمزت إلى المشاركة والمقاسمة والوحدة والفرح الاسكاتولوجيّ، فكانت الإطار الطبيعيّ للاحتفال بالافخارستيا بحصر المعنى. بعد ذلك تمّ الفصل بين "الغداوين" تجنّباً لفوضى عرفها بولس (1 كور 11: 21- 22) وبطرس (2 بط 2: 13). وإن استعمال لفظة "أغابي" للدلالة على هذه الغداوات، تدلّ على أن المسيحيّين الأولين فهموا عشاء الربّ الأخير كأعظم عمل قام به حبّ المسيح (يو 13: 1، 34)، وكنداء ليجتمعوا ويحتفلوا بحضور الربّ. واستفادت الجماعة من الظرف فجسّدت بمقاسمة الخيرات الماديّة هذا الاهتمام بالوحدة الأخويّة. نشير هنا إلى أن اغناطيوس الانطاكي في الرسالة إلى سميرنة (8: 2) تحدّث عن عشاء المحبّة. وكذلك فعل اكلمنضوس الاسكندراني في المربيّ (2/ 1: 4) وفى الموشيّات (3/ 2: 10). وربط يوستينوس (الدفاع الأول 65- 67) وترتليانس في دفاعه عن الدين 39: 16 بين العشاء الأخويّ ومقاسمة الخيرات.
فمن جعل من هذه "الأغابي"، من هذه المآدب الأخويّة، مناسبة للأكل والشرب وعلف النفس، شكّك الآخرين وعرّضهم للهلاك. نجد هنا فعل "سينووخايستاي" (تنعّم). أما "افوبوس" (لو 1: 74؛ 1 كور 16: 10؛ فل 1: 14) فتعني بلا خوف، بلا حياء، بوقاحة. لا يتساءل صاحب هذا العمل إن كان موقفه يشكّك سائر أعضاء الجماعة. قد نربط "افوبوس" مع "تنعّم" أو مع "علف" (بويماينو). الأمران ممكنان. فمن يعلف نفسه ساعة يجوع الآخرون، يدلّ على أن هؤلاء الناس بلا حياء. أما فعل "بويماينو" الذي يستعمله العهد الجديد في معنى إيجابي (يو 21: 16؛ أع 20: 28؛ 1 بط 5: 2)، فهو يتخذ هنا المعنى الزري فيشبّه الانسان بالحيوان الذي لا همّ له إلاّ الأكل، فينسى الآخرين (حز 34: 8- 9).
من يقوم بهذه الأعمال هو "سبيلاس" (مراحدة، ترد مرة واحدة)، هو صخر لا تراه السفن فترتطم به وتتحطّم. ولكن الترجمة الشعبيّة وجّهت أنظارنا إلى "وصمة" كما فعلت 2 بط 2: 13 مع "سبيلوس". هنا نستطيع القول: إن هؤلاء هم "صخور، حجر عثرة وشكّ". أو هم "وصمة في مآدبكم". يعتبرون نفوسهم سامين على المستوى الروحي، وهم صخرة يتحطّم عندها الايمان ومحبّة المؤمنين. أرسلهم الربّ رعاة، فرعوا أنفسهم واستغلّوا القطيع.
وتأتي نهاية الآية فتشعل الحرب على هؤلاء المعلّمين. فالاستعارتان اللتان استعملهما الكاتب، استعارة السُحُب واستعارة الأشجار، لهما المعنى نفسه: فالسُحُب بلا مطر هي كالشجر بدون ثمر. تعد ولكنها لا تفي. والسحب التي تحملها الريح هي كالأشجار التي تقتلعها الريح. نجد فعل اقتلع (اكريزون)، رج مت 13: 29؛ 15: 13؛ لو 17: 6. هذا يعني أن الأشجار ليست ثابتة، ولا جذور لها. ويقول يهوذا عن الاشجار إنها "ميتة مرتين". ميتة لأن لاثمار فيها. وميتة لأنها قد اقتلعت. أما المؤمنون فيحملون ثمراً لأنهم تجذّروا في الايمان الذي تسلّمه القديسون (آ 3).
ج- أمواج بحر عاتية (آ 13)
وحين أراد يهوذا أن يشدّد على الفساد الأخلاقيّ عند هؤلاء الكافرين، شبّههم بأمواج البحر العتيّة التي تُخرج كالزبد عارهم. ثم عاد إلى خيبة الأمل التي يحملونها إلى الذين يتبعونهم. إنهم نجوم (أو: كواكب) تائهة حُفظ لها ديجورُ الظلام إلى الأبد.
ونتوقّف عند الصورتين اللتين استعملهما الكاتب هنا. صورة الأمواج (كيماتا) العاتية. تخرج الزبد (ابافريزاين، لفظة مراحدة، ترد مرة واحدة). عند ذاك تترك وراءها الأوحال والأوساخ التي تحطّ على الرمال. ذاك هو وضع الخصوم الذين يشبهون موج البحر. لا يتركون وراءهم إلاّ أعمالاً محمل العار إلى أصحابها (أش 57: 20).
وصورة الكواكب التائهة تعود هي أيضاً إلى عالم الطبيعة. قد أخذها يهوذا من أخنوخ حيث نعرف أن الملائكة المتمرّدين انضموا إلى الكواكب الخاطئة، وحكم على الفئتين بأن تُسجنا في الهاوية (18: 11- 16؛ 19: 1- 2: 21: 1- 10). هذه الكواكب التائهة تشير إلى هؤلاء الملائكة الذين تركوا مرتبتهم، بدلاً من أن يثبتوا في المكان الذي حدّده الله لهم. نجد بعض هذه الفكرة في تلميح أخنوخ إلى الكواكب السبعة التي حلّ بها العقاب لأنها تجاوزت وصيّة الربّ منذ شروقها، فلم تأتِ في وقتها.
لا ضوء في هذه الكواكب، بل هي تعكس ضوء كواكب أخرى. ولهذا، هي مظلمة. في هذا المعنى نفهم الصورة التي يقدّمها يهوذا. "إذا كان المعلّمون يشعون بهاء كالكواكب، والذين علّموا البرّ لعدد كبير من الناس، يكونون كالنجوم إلى الأبد" (دا 12: 13)، فالمعلّمون الكذبة يشبهون الكواكب التائهة، ويُحكم عليهم منذ الآن أن يكونوا في الديجور والظلمة الأبديّة. وهكذا لا نستطيع أن نثق بالكافرين وكأنهم موجّهون لنا صادقون. إنهم لا مؤمنون، ونهايتهم هلاك في الظلمة. والعقاب النهائيّ ينتظرهم.

3- نبوءة أخنوخ (آ 14- 16)
أ- على هؤلاء تنبأ أخنوخ (آ 14 أ)
وأسند يهوذا كلامه حول العقاب الذي يصيب الكافرين حقاً ببرهان ثقة، بإعلان نبويّ لهذا العقاب. وهكذا ينمو الحوف الخلاصّي الذي يدفع القرّاء وربّما الكافرين إلى الاحتفاظ من كل ما يضرّ بالايمان التقليديّ. فقال: "وعلى هؤلاء أيضاً تنبّأ أخنوخ (الأب) السابع منذ آدم" (آ 14 أ).
تبرز أهمية أخنوخ ونبوءته بالاشارة إلى أنه سابع الآباء قبل الطوفان (تك 5: 18- 21؛ 1 أخ 1: 1- 3). الرقم 7 هو رقم البركة الالهية التي أغدقت على أخنوخ (تك 5: 24؛ سي 44: 16؛ حك 4: 10؛ رؤ 11: 1- 14؛ عب 5: 1 ي؛ اليوبيلات 4: 23؛ 10: 17). كان لكتاب أخنوخ أهميّة كبيرة في العالم اليهوديّ. وسنجد في العالم المسيحيّ عدداً من الكتّاب الكنسيّين الذين اعتبروا هذا الكتاب كل اعتبار. فلماذا نعجب من يهوذا الذي استفاد من هذا الكتاب المشهور ليسند تعليمه؟ وما أورده يهوذا (أخنوخ 1: 9) في آ 14 ب- 15 يرد بشكل إنباء دون أن يكون على مستوى النبوءات التوراتيّة. وكلام يهوذا يستند فقط إلى التهديد الذي عبّر عنه أخنوخ، وإلى الطريقة التي بها عبّر عن هذا التهديد.
ب- ها قد أتى الرب (آ 14 ب- 15)
قال سفر أخنوخ: "ها قد أتى الربّ في ربواته القدّيسة، ليجري الدينونة على الجميع...". هذا الإيراد من أخنوخ يعود إلى النصّ اليوناني. ونحن نستطيع أن نقابل يهو 14 ب- 15 مع أخنوخ 1: 9 (حسب نص أخميم). بنية النصّين واحدة: سيكون لمجيء الرب هدفان مماثلان: يحكم على الجميع (ولا سيّما الكافرين). يفحم هؤلاء الكافرين بخطأين: اقترفوا خطايا الكفر. وقالوا وقاحة ضد الله. ويضاعف نص أخنوخ الهدف الثاني: الهلاك يتبع الحكم. والخطأ يصبح خطأ في الكلام.
إن عالم الملائكة (أي بلاط الله السماوي) يحتلّ مكانة هامة في كتاب أخنوخ، وكذلك عقاب الكافرين الاسكاتولوجيّ. والربوات المذكورة هنا هي ملائكة هذا البلاط السماويّ (عب 12: 22؛ تث 33: 2) التي ترافق الله الآتي ليمارس الدينونة الاسكاتولوجيّة. وهذه الدينونة أكيدة جداً، بحيث إن يهوذا اعتبرها قد تحقّقت، فاستعمل الماضي النبويّ. وما يوبّخ عليه هؤلاء الكافرون من أعمال هو تجاوزات على المستوى الاجتماعيّ والشرعيّ والدينيّ (أخنوخ 5: 4؛ 94: 6- 7؛ 96: 4 ي؛ 99: 7- 9). أما في يهو 4، 8- 13، 16، 18- 19، فالفجور والتمرّد والبحث عن المكسب. جاء كلامهم ضد عدالة الله وعنايته في أخنوخ (27: 2؛ 101: 3). وفي يهو 4 ب، 8، 10، 16 ب، 18: نكران، احتقار، تجديف، ادّعاء، استهزاء.
ج- أناس يتذّمرون، يشتكون (آ 16)
بعد أن أورد يهوذا كتاب أخنوخ، عاد بشكل مباشر إلى هؤلاء الخصوم، وأعطاهم خمسة أوصاف.
أولاً: هم متدّمّرون (غوغستس). لفظة مراحدة. لا نجدها لا في العهد الجديد ولا في السبعينية. إنما نجدها في ترجمة سيماك، أم 26: 22؛ أش 29: 24. ولكننا نجد الفعل والصفة دلالة على تذمّر شعب الله في البرّية ضد الله (خر 16: 7- 12؛ عد 14: 27- 2؛ 17: 5، 10. في العهد الجديد نجد الفعل والصفة في معنى دنيويّ (اعترض، احتجّ، مت 20: 11؛ لو 5: 30؛ 15: 2؛ 19: 7؛ أع 6: 1؛ 1 بط 4: 9) وفي معنى لاهوتي (يو 6: 41، 43، 61؛ 7: 12، 32) للدلالة على اللاإيمان ضد يسوع. وفي 1 كور 10: 10 وفل 2: 14 يُستعمل الفعل والصفة بشكل تنبيه يربط موقف المؤمنين بموقف الشعب في البريّة.
وهكذا لمّح يهوذا إلى موقف الشعب في البرية، الذي فيه نكران الجميل والاحتجاج وعدم الايمان.
ثانياً: هم مشتكون (ممبسيمويوروي). هذه الصفة تعني: من لعن حظّه. استعمل فيلون الاسم ليدلّ على تذمّرات بني إسرائيل في البرّية. والمعلمون الكذبة يشتكون على الله. يشتكون منه ويئنّون. هكذا يصف يهوذا "كفرهم ضد الله". نحن أمام احتجاج على الله في تدبيره للعالم ومصير كل واحد منا. نحن هنا أمام اتهّام بشكل غنوصّي ضد الله الخالق الذي أخطأ حين حكم على النفس البشريّة بمصير مأساوي، بأن تُسجن هنا في جسد ماديّ (رج آ 9).
ثالثاً: يسلكون بحسب رغباتهم، في شهواتهم. هو يتّهمهم بالفجور والجشع (آ 11، 16). رج آ 4، 8، 10. هل يسيرون بحسب رغباتهم لأنهم يريدون أن يحتجّوا على قدَر يرونه جائراً ويائساً؟ أم لأنهم لم يتوصّلوا إلى السيطرة على رغباتهم التي تحكم عليهم أن يهاجموا خلق الله ونظامه، لكي يبرّروا ضعفهم؟ الأمران ممكنان. غبر أننا نلاحظ العلاقة بين اعتبارات الخصوم الذين يجرأون أن يهاجموا الله، وبين أعمالهم التي تشهد في رأي يهوذا على أنهم مستعبدون للاأخلاقيّتهم.
رابعاً: أفواههم تنطق بالكلام الطنّان. نجد "هيبارونكوس" التي تعني في اليونانيّة الكلاسيكية: فظيع، مفرط، فوق القياس. حرفيا: منفوخ أكثر ممّا يجب. في السبعينية (تث 30: 11) تعني: ما وراء الممكن. في تيودوسيون (دا 11: 36) تصف كلمات مفرطة تلفظ بها ضدّ الله انطيوخس أبيفانيوس. ونجد المعنى عينه في أخنوخ 5: 4: "أهنتم عظمته بأقوال مترفّعة وجارحة من فمكم النجس". وفي 101: 3: "تلفّظتم ضد عدالته بكلام الكبرياء والوقاحة". رج صعود موسى 7: 9. واتهّم يهوذا المعلّمين الكذبة بأنهم قالوا ضد الله كلمات تجديف وطيش (آ 8- 10) بإفراطهم واعتدادهم. ظنّوا أنهم أرفع من الله، ويستطيعون أن يحكموا على عمله من عليائهم.
خامساً: يحابون الناس من أجل مصلحتهم الخاصة. يكرّمون الناس، يمالقونهم. ولكن الله يتقبّل كل إنسان مهما كان. هو لا يحابي الوجوه. والعهد القديم يندّد بالذين يحابون في القضاء مثلاً من أجل الرشوة، أو ممالقة للعظماء (لا 19: 15؛ تث 10: 17؛ عا 5: 12؛ أم 24: 23). ونجد التنبيه نفسه في يع 2: 1- 9. وهكذا يعتبر المعلّمون الكذبة سائر أعضاء الجماعة بالنظر إلى مصالحهم. وهذا يعني أمرين. الأول: يميّزون في الجماعة بين الذين يتبعونهم والآخرين، ويمالقون الفئة الأولى. فبعد الجشع، هناك الشقاق: يمتدحون البعض ويحتقرون الآخرين. الثاني: يمالقون أولئك الذين يمنحونهم مالاً أي الأغنياء. قد يتوافق هذا المعنى الأخير بشكل أفضل مع الجشع الذي يُذكر في آ 11.

خاتمة
مواضيع عديدة اكتشفناها في هذا المقطع: حول سيادة الله أو المسيح. حول الأمجاد التي تدلّ على فئة من الملائكة تشارك الله في مجده. حول خصومة ميخائيل مع إبليس كما في أسفار الرؤى اليهودية وصعود موسى. حول ما يخصّ جثّة موسى. حول قايين القاتل، وبلعام المعلّم الكذّاب بحسب التقاليد اليهوديّة المتأخّرة، وقورح المتمرّد. حول أخنوخ، سابع الآباء بعد آدم. أورد يهوذا كل هذا ليدلّ على العقاب الذي سيصيب المعلّمين الكذبة الذين تبعوا خط قايين وبلعام وقورح، لا خطّ ميخائيل رئيس الملائكة، فصاروا سحاباً بلا ماء، وشجراً بلا ثمر لا يعتّم أن يُقلع.
الفصل الخامس
تحريض إلى المؤمنين
17- 25

في آ 4- 16، اهتمّ الكاتب فقط بخطيئة الكافرين وبالعقاب الذي ينتظرهم. فكأني به نسي قرّاء رسالته. في الواقع، كان هذا الاستطراد الظاهر تحذيراً للمؤمنين من خطر لم يحسبوا له حساباً: إنهم يعرفون الآن أن إيمانهم التقليديّ مهدّد في هذه الناحية أو تلك. وبعد أن أنهى يهوذا تنبيهه، عاد إلى الأسلوب الذي بدأ به رسالته، فتوجّه بشكل مباشر إلى قرّائه الذين قابلهم مع الكافرين (آ 17: أما أنتم. في آ 8، 10، 12، 16، نجد: أولئك، هؤلاء، هؤلاء الناس). بدأ يهوذا فأفهمهم أن حضور الكفّار لا يجب أن يبلبلهم، لأن ذاك أمر نطق به رسل ربنا. ثم دلّهم على السلوك الواجب اتّباعه في حياتهم الشخصيّة وفي علاقاتهم داخل الجماعة.
قبل دراسة النصّ نتوقّف عند التقليد المخطوطيّ، ولا سيّما في آ 22- 23. هناك خطان اثنان، ولكل خطّ اختلافاته. في الخطّ الأول نجد السينائيّ والاسكندرانيّ واللاتينيّة العتيقة، والشعبيّة والقبطيّة البحيرية والأرمنية وافرام. نحن أمام نصّ طويل في ثلاث عبارات. (1) أولئك المترددون اقنعوهم (الياتي. وفي الاسكندراني: النخاتي). (2) خلّصوا من النار من (أمكنكم) انتزاعهم. (3) أما الآخرون فارحموهم في خوف. في الخط الثاني نجد الفاتيكانيّ في عبارتين.
ترد هذه المقطوعة في ثلاثة أقسام: وجود الكافرين أمر عادي (آ 17- 19). السلوك أمام ما يتعرّض له الايمان (آ 20- 23). المجدلة الأخيرة (آ 24- 25).

1- وجود الكافرين (آ 17- 19)
يجب أن لا ندهش من وجود الكافرين، فهذا ما أنبأ به الربّ بواسطة الرسل. أيها الأحباء (اغابيتوي). رج آ 3. هنا نفهم أن الكاتب ترك حقل الهجوم مع "هؤلاء الناس" (هوتوي، آ 16) ليعود إلى حقل التحريض المباشر (هيمايس دي، أما أنتم) للمؤمنين. تذكّروا (منستاتي). إن صيغة الأمر هذه هي صدى للمصدر "هيبومنيساي" (تذكّر) في آ 5. وهكذا يبدأ هذان المقطعان من الرسالة بأهميّة التذكّر. نستطيع القول إن يهو تكمن في تذكيرنا بما عليه يتأسّس إيماننا المسيحي. وهذا التذكّر يأخذ وجهي تعليم التقليد البيبلّي حول العقاب الذي ينتظر المعلّمين الكذبة (آ 5- 16) وإعلان الرسل للصعوبات التي تنتظر الكنيسة. إذن، التذكّر هو فهم معنى ما يحدث في الزمن الحاضر: إن المحن الحالية لا تدهشنا، بل هي تثبت ما أنبأ به الرسل.
فالرسل (لا يحسب يهوذا نفسه بينهم) قد أعلنوا، شأنهم شأن الأنبياء، ما سيحدث في نهاية الأزمنة. والرسل هم الاثنا عشر، هم "رسل ربنا يسوع المسيح". وإحدى ميزات اقتراب الآخرة هو وجود المعلّمين الكذبة في الكنيسة (مر 13: 21 ي وز؛ 2 تس 2: 9- 10؛ 2 بط 3: 2؛ 1 يو 2: 18). إذن، أشار الكاتب إلى الرسل لسببين: هم يعطون بكلامهم معنى الانقسام الحاصل. وهذا الانقسام ليس كارثة تهدّد حتّى وجود الجماعة، بل علامة إيجابيّة لأنه يعلن اقتراب النهاية ويدعو إلى السهر (أع 20: 29- 30). غير أن الرسل هم أيضاً أولئك الذين نعود إلى كلامهم على أنه السلطة التي تقدر أن تحفظ الكنيسة أمينة في قلب المحنة والانقسام. فتذكّرُ كلام الرسل يُبقينا مؤسَّسين على الإيمان الذي نُقل إلينا في البدء وظللنا متعلّقين به (آ 3، 20). يجعلنا نرفض اتباع المعلّمين الكذبة.
قد يكون تعليم الرسل جاء بشكل شفهي فتذكّره المؤمنون. أما كلام هؤلاء الرسل فأشار إلى "الزمن الأخير"، وهو زمن سيأتي وهو يتحقّق منذ الآن بحضور الكافرين. هذا ما قالته آ 17. ونقرأ آ 18: "كانوا يقولون لكم: سيهون في آخر الزمان أناس مستهزئون يسلكون بحسب شهواتهم الكفريّة".
إذن، صوّر الرسل ما سيحدث "في نهاية الزمن" (اسخاتو تو خرونو). هي عبارة نادرة في العهد الجديد، الذي يورد عادة صيغة الجمع: "في الأزمنة الأخيرة" (يو 6: 39 ي؛ 12: 48؛ أع 2: 17؛ 2 تم 3: 1؛ 2 بط 3: 3). عبارة هامّة لأنها تأخذ بعين الاعتبار تأخّر المجيء: هي لا تتكلّم عن نهاية الأزمنة بشكل هجوم مفاجىء لا نتوقّعه (مر 13: 35- 36)، بل بشكل فترة طويلة ستصبح زمن محنة ومواجهة مع المعلّمين الكذبة. وهكذا انتقلنا من فكرة نهاية الأزمنة إلى فكرة زمن النهاية. رج 1 تم 4: 1- 3؛ 2 تم 3: 1- 5؛ 4: 3 ي: نجد ذات الفكرة حول فترة أخيرة تتميّز بصراع ضدّ التعليم الكاذب.
المعلّمون الكذبة هم "مستهزئون" (امبايكتاي). في 2 بط 3: 3، شدّد ارتيابهم الهازىء على نقطة محدّدة في الإيمان الرسولي، مجيء الربّ. أما هنا، فاللفظة المستعملة ظلّت عامّة ولم تحدّد. فالمستهزئون هم (كما في العهد القديم) متكبّرون وجاهلون. اعتبروا نفوسهم فوق الشرائع، فهزئوا بالخطيئة، وضحكوا من وساوس المؤمنين (أش 3: 4 كما في السبعينية؛ مز 22: 8؛ 44: 14؛ 52: 8؛ أم 14: 9؛ 19: 24، 29؛ 2 مك 7: 27، 29). في العهد الجديد، نجد فعل "امبايزاين" الذي يصوّر هزء الجنود بيسوع في آلامه (مت 20: 19 وز؛ 27: 29، 31، 41 وز).
إن هؤلاء المعلّمين الكذبة الذي أنبأ بهم الرسل في كرازتهم "يسلكون بحسب شهواتهم الخاصة". هي عبارة قرأناها في آ 16. يتوخّى هذا التكرار أن يفهمنا أن الذين أنبأ الرسل بمجيئهم، هم أولئك الذين حذّر يهوذا الجماعة منهم. وهم يصوّرون بذات الكلمات.
ونقرأ عبارة "شهواتهم الخاصة الكفريّة". قد نقول: رغباتهم الكافرة. أو: رغباتهم بأن يمارسوا الكفر. أو: شهواتهم الخاصة، لهم الكفرة. أجل، إن هؤلاء الناس يسلكون بحسب شهواتهم التي تدفعهم إلى اقتراف الكفر. هذا ما يبرزه شرّ المعلّمين الكذبة.
وكما استعاد الكاتب في آ 16 ما قاله أخنوخ (آ 14- 15)، وكما أورد نبوءة الأنبياء، ها هو يثبت ما قاله عن الكافرين للمرة الأخيرة: "هؤلاء هم أولئك المشاقون (يحدثون الشقاق)، الحيوانيّون، الذين ليس لهم الروح" (آ 19).
"هوتوي ايسين". هم حقاً هم. وهكذا يكون الرباط واضحاً بين أولئك الذين تكلّم عنهم الرسل، وأولئك الذين يندّد بهم يهوذا (آ 16). وزاد الكاتب هنا ثلاث عبارات لاحقة: هؤلاء الناس هم "مشاقون". إن الفعل "ابوديوريزاين" هو نادر في مجمل الأدب اليونانيّ، فلا نجده إلاّ هنا وعند أرسطو. في السبعينية نجد فعل "ديوريزاين" الذي يعني "فصل، شقّ" (لا 20: 24؛ أي 35: 11). في العهد الجديد نجد فعل "افوريزاين" الذي يعني: فصل، فرز (مت 13: 49؛ 25: 32؛ لو 6: 22؛ أع 13: 2؛ روم 1: 1؛ 2 كور 6: 17= أش 52: 11؛ غل 1: 15؛ :12).
فما هو مدلول "ابوديوريزاين" هنا؟ هناك تفسيران لا يتقاربان. الأول: هؤلاء الرجال هو "شاقون" (من شقّ، قسم) أي يخلقون داخل الجماعات الانقسامات والشقاقات والتحزّبات. يخلقون مجموعات من مسيحيّين "حقيقيّين" انفصلوا عن الآخرين. غير أن هؤلاء الخصوم ما زالوا ينتمون إلى الجماعة (آ 12)، ولم يكوّنوا كنيسة جديدة. فموقفهم وتعليمهم جعلا الجماعة تتفتّت. غير أن الحرب ظلّت داخليّة أقله في الوقت الحاضر. نحن هنا في وضع يشبه ذاك الذي صوّره بولس في 1 كور 1: 10 ي. الثاني: إذا عدنا إلى نصّ ارسطو نجد أن الفعل يعني ميّز، رتّب. فنظن أن يهوذا أراد أن يكشف لدى المعلّمين الكذبة سبب الشقاقات التي يدخلونها في الجماعة، أن يكشف طريقتهم في جعل المؤمنين طبقات مختلفة. فهم يرون في الأعلى "الروحانيين" أي المسيحيّين الحقيقيّين الذين ينعشهم الروح، فتحرّروا من كل ما يتعرّض له الانسان على المستوى الخلقيّ واللاهوتيّ. (لهذا تراهم يحتقرون ديانة إسرائيل العتيقة ومتطلّبات الشريعة). وفي الأسفل نجد "الحيوانيّين"، أي أولئك الذين لم ينالوا الروح، الذين ما زالوا يعيشون كأناس عاديّين. نشير هنا إلى أن بعض التيارات الغنوصيّة تحدّثت عن طبقة ثالثة في أدنى السلّم، هي طبقة الهيوليّين الذين يعيشون فقط بحسب المادة.
نحن نختار التفسير الثاني الذى يتحدّث عن فصل بين "الروحانيّين" وبين "الحيوانيّين". هم يقسمون الناس فئات. فليعرفوا أنهم حيوانيون. أي أناس لا يمتلكون الروح. واستعمل يهوذا بدوره مقولات خصومه، فوجّهها ضدّهم: فطريقة حياتهم وتعليمهم تدلّ على أنهم لا يمتلكون روح الله. وحريّتهم بالنظر إلى الشرائع واحتقارهم للإيمان المشترك، يدلاّن على أنهم ما زالوا يعيشون كـ "حيوانيّين"، كالحيوانات التي تسيطر عليها غرائزها (آ 10). إذن، يهوذا هو في خط بولس الذي استعمل ذات المفاهيم (1 كور 2: 11- 16). سيميّز بين المؤمنين (الروحيّين) واللامؤمنين (الحيوانيّين). أما المعلّمون الكذبة فقد استعملوا هذه المفردات ليميّزوا داخل الجماعة المسيحيّة بين مسيحيّين من درجة أولى ومسيحيّين من درجة ثانية. إذن، "الذين ليس لهم الروح" ليسوا مسيحيّين من الدرجة الدنيا، لم يتدرّجوا بعد في الأمور الروحيّة السامية المحفوظة للنخبة. إنهم بكل بساطة أشخاص غير مسيحيّين في نظر يهوذا. وأكبر برهان على أن ليس لنا الروح، هو أن نعتبر نفوسنا أعظم من الآخرين على المستوى الروحي.

2- السلوك الايماني (آ 20- 23)
هنا يبدأ يهوذا فيحرّض المؤمنين بشكل مباشر على السلوك الواجب اتخاذه تجاه الخطر الذي يهدّد إيمانهم. فبعد أن حذّر قرّاء الرسالة من الكافرين (آ 4- 16)، ففهموا أن مخطّط الله ليس في خطر (آ 17- 19)، ها هو يدلّهم على الطريق الذي يتبعونه في حياتهم الشخصيّة (آ 20- 21) وفي حياتهم الجماعيّة (آ 22- 23). فيقدّم لهم برنامجاً موجزاً جداً وغنياً جداً على المستوى التعليميّ. يجب أن يكون سلوك المسيحيين مغايراً كل المغايرة لسلوك لكافرين. وهذا ما تشدّد عليه البداية (رج آ 17) التي نجدها في آ 20 (أما أنتم) تجاه "هؤلاء" التي قرأناها في آ 19. عليهم أن يحفظوا نفوسهم في الايمان والصلاة (آ 20)، في محبّة الله وانتظار رحمته (آ 21). توصيات تأتي في صيغة الفاعل (في اليونانيّة)، ولكنها تبدو كتوصيات يقدّمها الكاتب بطريقة شخصيّة.
أ- في الحياة الشخصية (آ 20- 21)
الموقف الأول الذي يوحي به الكاتب يذكّرنا بما في آ 3: لماذا ينبغي على المسيحيّين أن يحاربوا. "أما أنتم أيها الأحبّاء، فابنوا نفوسكم على إيمانكم الأقدس" (آ 20). يشبّه المسيحيّون ببناء يُبنى على الدوام، والمسيحيّون هم في هذا البناء العناصر والبناؤون. فعليهم أن يبنوا أنفسهم.
تشكّل آ 20- 21 وحدة. ونحن ندرسهما معاً. بُني تحريض يعقوب بواسطة جملة رئيسية (احفظوا أنفسكم في محبّة الله) تحيط بها ثلاثة أسماء فاعل: بانين أنفسكم... مصلّين... منتظرين الرحمة. ليس هذا البناء وليد الصدفة. فيهوذا يريد أن يبرز حركة الحياة المسيحيّة. فهناك أولاً شروط يجب أن نستوفيها (اسما الفاعلان الأولان) لنحصل على جوهر الحياة المسيحيّة ونحافظ عليه (الجملة الرئيسية). غير أن هذا الحاضر ممتلىء منذ الآن بالوعد الآتي لأن كليهما انطبعا بطابع رحمة المسيح (اسم الفاعل الثالث).
نقرأ فعل "تيراين" (رج آ 1، 6- 13) الذي يحمل معنيين: معنى حاضر: حرس، حفظ. ومعنى مقبل، اسكاتولوجي: حفظ من أجل الدينونة. هذان المعنيان نجدهما هنا: يُحفظ المؤمنون في حماية محبّة الله بقدر ما يظلّون مبنيّين معاً على أساس الإيمان، ويصلّون في الروح. غير أنهم يُحفظون أيضاً بالنظر إلى الدينونة لكي يختبروا هناك رحمة المسيح. وهكذا جاءت عبارة "احفظوا أنفسكم في محبّة الله" (آ 21) المركز المشّع لكل هذا التحريض، بل لكل نظرة يهوذا إلى الحياة المسيحيّة: المسيحيّ هو من يحفظ نفسه في حبّ الله.
وإذا أردنا أن نبقى في هذا الحبّ، فهناك شرطان اثنان.
الشرط الأول: "ابنوا أنفسكم على (أو: بـ) إيمانكم الأقدس". في العهد الجديد، تتواتر صورة البيت الذي يُبنى أو الهيكل، لتدلّ على جماعة المؤمنين. رج 1 بط 2: 4- 6؛ أف 2: 20- 22؛ 1 كور 3: 9- 17؛ رج أيضاً مر 12: 10- 11؛ 14: 58؛ يو 2: 19؛ مت 16: 18. بانت أصالة يهوذا حين جعل المؤمنين في الوقت عينه البنّائين ومواد البناء. أما العهد الجديد فيقول عادة إن الله أو الرسول يبني الببت بمواد تمثّل المؤمنين. حين استعمل يهوذا الاستعارة، أراد أن يبرز لا أهميّة الاساس وحسب، بل الوحدة في مشروع البناء هذا. فإذا أردنا أن يكون هناك بناء، يبنغي بلا شك أن تكون الحجارة كثيرة، ولكن ينبغي أيضاً أن يكون المشروع واحداً. إذن، يجب أن يكون المؤمنون متّفقين ليبنوا معاً بناء واحداً. هكذا يبتعدون عن المعلّمين الكذبة الذين يقسمون الجماعة إلى طبقات مختلفة فيمنعونها من التطلّع إلى هدف مشترك وبناء جماعيّ.
ويكفل وحدة المشروع وحدة الأساس: "إيمان أقدس". ما معنى هذه العبارة؟ قد نفهم الايمان في معنى ذاتي. حينئذ نفهم فعل "أبويكودوماين" كمرادف لفعل "أويكودوماين" بنى. في هذه الحالة، يقال إن الجماعة قد بناها إيمان المؤمنين، وهو إيمان مقدّس جداً، لأنه يقدّس كل حياة الذين يعترفون بهذا الايمان.
وقد نفهم الايمان في معنى موضوعي كما فهمه يهوذا في آ 3: الايمان هو واقع أساسي لا يمسّ قد انتقل إلينا وما من عودة. هو مضمون ما نقل إلينا الرسل حول شخص المسيح وعمله. إذن، ليس الإيمان وسيلة بها تُبنى الكنيسة، بل الأساس الذي عليه تُبنى. الايمان هو أساس الكنيسة كفعل يكشف عن الله في يسوع المسيح. لهذا يسمّى "أقدس" أو "مقدّس جداً"، لأنه يأتي من الله نفسه كوحي يبقى العالم غريباً عنه كل الغربة. وهكذا لا يختار المؤمن أساسه (عكس المعلّمين الكذبة)، بل إن هذا الايمان يعطيه الله ونحن نوافق عليه بعرفان الجميل (1 كور 3: 11). هذا التفسير الثاني هو وحده الممكن، على ما يبدو.
لا يستطيع أحد أن يحفظ نفسه في حبّ الله إن لم يحفظ نفسه مع سائر المؤمنين على أساس الإيمان الموحى. هذا ما تدلّ عليه صيغة المخاطب الجمع: إيمانكم أنتم. أي الايمان المشترك بينكم.
الشرط الثاني: إذا أردنا أن نبقى في حبّ الله، يجب "أن نصلّي في الروح القدس". نجد العبارة عينها في أف 6: 18 (رج يو 4: 24). ترتبط الصلاة مراراًَ عند بولس الرسول، بعمل الروح في المؤمن (روم 8: 15، 26؛ 1 كور 12: 3؛ غل 4: 6). حين نصلّي نترك الروح القدس الذي يقيم في قلب المؤمنين، يتكلّم فينا (4: 6). هذا هو معنى عبارة "في الروح". وإذ شدّد يهوذا على أن لا صلاة حقيقيّة إلاّ في خضوع مطلق للروح (هو يأتي إلينا كوعد، ولكننا لا نمئلكه وكأنه يخصّنا)، هاجم الاعتدادات الروحيّة عند خصومه. الروح هو الروح القدس. ليس قوّة روحيّة نجدها عند البعض، بل علامة حضور الله الذي هو الآخر الآخر. فالمصلّي يقرّ بهذا الواقع الجذري: الله هو الآخر.
وجد التحريضان الأولان ذروتهما في ما يكوّن مركز نداء الرمالة: "إحفظوا أنفسكم في محبّة الله" (آ 21 أ). نفهم عبارة محبّة الله في معنيين: حبّ المؤمنين لله. حب الله للمؤمنين. ما الذي يُسند المعنى الأول؟ بما أن مجمل المقطع هو ارشاديّ، فنحن نجد في هذه العبارة نداء إلى المؤمنين لكي يواصلوا باجتهاد حبّهم لله (حب الله أي حب لله. رج لو 11: 42؛ 2 تس 3: 5؛ يو 5: 42؛ 1 يو 2: 5- 15). ولكن اثنين يمنعان هذا التفسير. الأول، الموازاة مع الجملة التالية حيث لا تُفهم رحمة المسيح إلاّ معنى موضوعيّ (هو يرحمنا ونحن لا نرحمه). الثاني، إن هذه العبارة تذكّرنا بما في آ 1 حيث يصوّر المؤمنون كـ "محبوبين في الله الآب (يحبّهم الله الآب) ومحفوظين ليسوع المسيح".
وهكذا نفهم "محبّة الله" في معنى موضوعيّ، فنعرف أن الذروة في هذا المقطع هو نداء لكي نحفظ حبّ الله. وما سبق هو صورة لما يجب أن نفعل لكي يكون حبّ الله حقيقياً وفاعلاً الكنيسة، وهذا ما يُعلن أن الإيمان (وحي الله) والروح (حضور الله) لا يخصّان المؤمنين الذين ينالوما كعطيّة من عند الله. وهذا ما نقوله أيضاً عن محبّة الله: هذا الواقع الجوهري لا يمكن أن يكون صفة للمؤمن، بل عطيّة الله السامية.
ولكن لماذا ندعو المسيحيين ليحفظوا شيئاً لا يخصّهم؟ نلاحظ أولاً أننا أمام ذات المفارقة التي رأيناها في بداية التحريض: كيف ندعو المؤمنين لكي يبنوا أنفسهم على أساس (هو الإيمان) لا يتعلّق بهم بل يوحى لهم؟ كيف ندعوهم لكي يصلّوا في روح (أو بواسطة روح) لا يمكن أن يكون صفة شخصيّة في المؤمنين؟ ما يجب أن ندركه هو أن على الحياة المسيحيّة أن تُعاش كخروج دائم من الذات، حيث المهمّ (والحاسم) يُفلت من الانسان، ولا يمكن أن يكون مناسبة تكبّر وتعالٍ على الآخرين مليء بالاحتقار لهم. ولكن مسؤوليّة الكنيسة تكمن في القبول بهذا الخروج من الذات، في هذه المواجهة مع حبّ يأتيها كعطيّة، في رفض بأن تجعل نفسها أساس نفسها أو أن تستعمل الله لكي تبرز استحقاقاتها. هذه هي الطريقة الفضلى لكي نمكث في محبّة الله.
ونتيجة هذا الموقف هي نظرة جديدة إلى المستقبل: "منتظرين رحمة ربنا يسوع المسيح للحياة الأبدية" (آ 21 ب). وهكذا نكون في التوصية الرابعة. كان هناك موقف أول قرأناه في آ 20 (إبنوا). وموقف ثان (صلّوا والروح القدس). أما التوصية الثالثة فكانت دعوة إلى أن نحفظ نفوسنا في محبّة الله. وهكذا نصل إلى التوصية الرابعة فتنتهي معها سلسلة الفرائض المتوجّبة على المؤمن.
إن فعل "بروداخستاي" (كما في مر 15: 43؛ لو 2: 25؛ 12: 36؛ تي 2: 13)، يعني انتظر. فبسبب يسوع المسيح، لا نخاف من يوم الدينونة، اليوم الذي يفتح أمامنا باب الحياة الأبديّة. هذا اليوم لن يكون نحيفاً، بل مناسبة فيها نختبر رحمة الله. نجد عبارة مشابهة لهذه العبارة في سفر أخنوخ: "فالذين نالوا رحمة يباركون ربّ المجد هناك كل الأيام".
نجد هنا النظرة التي وجدناها في سائر أقسام التحريض: الخلاص الأخير ليس نتيجة برّ الانسان، بل رحمة الله وغفرانه، نتيجة حبّه المجاني ونعمته. فإذا كان للإنسان أن يستحقّ خلاصه، فالدينونة تبعث فيه الخوف والرعدة. أما إذا خرج الانسان من ذاته وجعل انتظاره وآخر، في رحمة الربّ يسوع المسيح، فنحن أمام أمر آخر،
وهكذا قدّمت لنا آ 20- 21 قلب الرسلة وتصويراً رائعاً عن الحياة المسيحيّة رسمتا أمامنا ديناميّة حياة الايمان وسمّت عناصره الجوهريّة: الإيمان، الصلاة، المحبّة، الرحمة. وأعادت كل هذا إلى ذلك الذي (إنه روح الله والرب يسوع المسيح) ما زال يعطي نفسه للإنسان لكي يتعرّف إليه الانسان كالإله المحبّ. وهكذا يعود الانسان عمق هذه المحبّة التي هي في الوقت عينه أساس كل وجود (الايمان الموحى)، وحضور الروح. ومغفرة تخلق الحياة الجديدة، الحياة الأبديّة.
ب- في الحياة الجماعيّة (آ 22- 23)
تجاه الخطر الذي يهدّد الإيمان، على المسيحيّين أن يسلكوا سلوكاً حسناً داخل الجماعة. وهذا السلوك يحدّد في آ 22- 23 بدون انتقالة حقيقيّة. كيف يتصرّفون مع الذين يرفضون الكافرين، ومع الكافرين أنفسهـم؟
أشرنا في البداية إلى المشاكل النصوصيّة التي تجعل قراءة هاتين الآيتين صعبة.
أولاً: النصّ الطويل
* العبارة الأولى: فالذين يتردّدون ارحموهم (الياتي) أإو اقنعوهم (حسب اختلافة: النخاتي). إن الاختلافة "النخاتي" توافق المعنى وتجد لها سنداً في المخطوطات. وقد تكون أصيلة، أو أقلّه تمثل تفسيراً صحيحاً. الاختلافة الثانية: ارحموهم. إن فعل "النخاين" يعني أقنع، أفحم (رج يو 8: 46؛ 16: 8؛ 1 كور 14: 24؛ 1 تم 5: 20). وهكذا يصبح المعنى واضحاً: "إن هؤلاء الذين يتساءلون ويتردّدون، الذين يتزعزعون بأقوال المبدعين، يجب أن تسرعوا فتقنعوهم ليخرجوا من ضلالهم، وتبيّنوا لهم بقوة أنهم يسيرون في الطريق السيّىء".
* العبارة الثانية: "والآخرون خلّصوهم منتزعين إياهم من النار". هناك أعضاء آخرون في الجماعة يتعرّضون أيضاً لخطر كبير. لا يحدّد النصّ هويّتهم، ولكننا نظنّ أنهم متشيّعون للمعلّمين الكذبة، وقد أخذوا بضلالهم عن سابق قصد. إنهم يتعرّضون لخطر الموت. وها هي الساعة الأخيرة لكي نخلّصهم، منتزعين إياهم من نار بدأت تصل إليهم. تدلّ النار هنا على الدينونة، على حضور الله الديّان (رج مت 13: 42، 50؛ 25: 41؛ مر 9: 48) الذي سيحكم عليهم. إن عبارة "انتزع من النار" نجدها في عا 4: 11؛ زك 3: 2، وتدلّ على عمل يطلب الشجاعة والجرأة، فلا مجال لإضاعة الوقت. ماذا يتضمّن مثل هذا العمل؟ لا يوضح النصّ شيئاً في هذا المجال.
* العباوة الثالثة: وآخرون في النهاية ارحموهم ولكن بخوف، مبغضين حتى اللباس الذي دنّسه جسدهم (اللحم والدم فيهم، ساركس). نشير أولاً إلى أن "النخاتي" (أقنعوهم) لا يمكن أن تحلّ هنا محلّ "ارحموهم " (الياتي).
تتضمنّ هذه الفئة الثالثة أولئك الذين ابتعدوا كثيراً عن الحقيقة بحيث يستحيل على المؤمن أن يبقى مرتبطاً بهم. يجب قطع كل ارتباط معهم (مت 18: 17؛ أع 8: 22- 24؛ 1 كور 5: 5؛ 1 تم 1: 20؛ تي 3: 10؛ 2 يو 10- 11)، يجب أن لا نقترب منهم لئلاّ نتنجس بهم حين نلمسهم.
لا نستطيع أن نفهم بسهولة واقع هذه النجاسة. هل نأخذ لفظة "خيتون" (قميص، لباس تحتي) في المعنى الحرفيّ أم في المعنى الرمزيّ؟ في الحالة الثانية، نحن أمام رمزيّة معروفة (أش 61: 10؛ زك 3: 4؛ غل 3: 27 "نلبس المسيح"؛ روم 13: 14). وهذا الرمز يعارض الاستسلام إلى أعمال البدن، أعمال اللحم والدم بما فيها من ضعف وخطيئة. رج أف 4: 22- 25؛ كو 3: 9- 14 (إلبسوا الانسان الجديد). 2 كور 5: 1- 4 (نلبس مسكناً سماوياً)؛ رؤ 3: 4 (ثياب نجسة). إن اللبالس يرمز إلى الشخص وإلى ما يأخذ به من أعمال. والخلاص والقداسة نعبّر عنهما بلباس أبيض (يو 20: 12 والملائكة؛ رؤ 3: 4- 5، 18؛ 4: 4 والابرار). والعار والدينونة يرمز إليهما العري (رؤ 16: 15) أو ثوب موسّخ (أش 64: 5؛ زك 3: 4). فإذا أخذنا نصّ يهو في معنى رمزيّ فهو يعني: أبغضوا ما تمثّله طريقة عيش هؤلاء الناس، ارفضوا الخيارات الخلقيّة والروحية التي أخذوها.
ولكن أما يبدو أنه يجب أن نفهم العبارة في المعنى الحرفيّ؟ إنه لخطر كبير أن تلمسوا قميص هؤلاء المبدعين. لماذا؟ لأن اللباس يحمل بعفر القوة (الصالحة والشريرة) التي تقيم في ذاك الذي يمتلكها. هذا ما نجده في مر 5: 27- 30 حيث المرأة النازفة تحاول أن تلمس ثوب المسيح، وهي مقتنعة أما ستُشفى بالقوّة التي ستنتقل إليها (آ 30). ونجد شيئاً مماثلاً في "استشهاد بوليكربوس" (13: 2): "حين هُيّيء الحطب، خلع بنفسه كل ثيابه وحلّ حزامه ثم بدأ يخلع نعليه. ما كان يفعل ذلك وما سبق لأن المؤمنين كانوا يتسابقون دوماً لكي يلمسوا جسده". 
لهذا، دعا يهوذا قرّاءه لكي يخافوا هؤلاء الرجال الذين يعيشون في الرذيلة: فنجاستهم الخلقيّة هي أيضاً نجاسة فيزيائيّة (على مستوى الجسد، اللحم والدم). نجد هنا "اسبيلومانوس" (نجس، هنا وفي يع 3: 6) من الفعل "سبيلون" نجّس. فهذه النجاسة تنتقل كالمرض المعديّ. إن بعض الرداءة والشّر ينتقل منهم إلى ثيابهم، ومن الثياب إلى أولئك الذين يلمسونهم فيحلّ بهم الشقاء. إن هذه الفكرة، فكرة واقع فيزيائي من النجاسة، معروفة في الديانات القديمة، ونجد بعض آثارها في الثوراة (لا 11- 16). نجد عند اغناطيوس الانطاكي (الرسالة إلى أفسس 7: 1) الفكرة عينها: يشبّه الهراطقة بكلاب يصعب معالجة عضّتهم. وهكذا يقابل تأثير المعلّمين الكذبة بانتقال فيزيائي للشرّ.
إذن، يجب أن نفهم لفظة "ساركس" في المعنى الزريّ: البدن (اللحم والدم) الذي هو خاضع للخطيئة (روم 6: 19؛ 7: 18؛ 8: 3). فاللباس الذي دنّسه البدن هو لباس يحمل نجاسة خلقيّة وفيزيائيّة لدى من يعيش في الخطيئة.
ولكن كيف نفهم "ارحموا" هؤلاء الناس؟ نخاف منهم، نبتعد عنهم، ونسلّمهم بالصلاة إلى رحمة الله. نجد الفكرة عينها عند أغناطيوس الانطاكي (إلى أهل سميرنة 4: 1): "ولكن أريد أن أحذّركم من هؤلاء الوحوش في وجه بشريّ... لا تستقبلوهم بل إن أمكن لا تلتقوا بهم، ولكن صلّوا من أجلهم لكي يرتدّوا إذا أمكن، ولكن هذا يبدو صعباً" (رج ديداكيه 2: 7؛ يوستينوس الدفاع الأول 57: 1).
ثانياً: النص القصير
* العبارة الأولى: "اقنعوا (أو: ارحموا) في ضلالهم أولئك الذين يتردّدون. خلّصوهم منتزعين إياهم من الخطيئة". نفضّل هنا أيضاً "النخاتي" التي تعطي معنى أفضل من "الياتي" (ارحموا). فالمسيحيون الذين يتردّدون، الذين يقعون في تجربة اتّباع المعلمين الكذبة، يجب أن تقنعوهم بسرعة وتبيّنوا لهم ضلالهم: بهذه الطريقة فقط نخلّصهم، ننتزعهم من النار التي تهدّدهم إن هم تبعوا الهراطقة. هذا النصّ الذي يجمع في جملة واحدة عبارتَي النصّ الطويل، يبرز ملحاحيّة العمل الذي يجب أن نقوم به، ويدلّ على مضمونه: نُقنع المتردّدين. ندافع أمامهم عن الحقّ ضدّ الضلال. فإن فشلنا في هذه المهمة، لن يبقى لنا إلاّ الرحمة (العنصر الثاني في الجملة) أي اللجوء إلى رحمة الله.
* العبارة الثانية: تشبه العبارة التي قرأناها في النصّ الطويل. وهكذا يعارض النصّ القصير الرحمة التي تميّز موقف الكنيسة تحاه الذين أنكروا حقيقة الوحي، مع الكرازة الناشطة والملحّة تجاه الذين لم يقطعوا بعد كل رباط مع الجماعة. إذن، تحدّدت فئتان من المحاورين: المتردّدون الذين نستطيع بعدُ أن نحرّضهم ونمسك بهم بعد أن وصلوا إلى حافة الهاوية. والمعلّمون الكذبة أنفسهم الذين يجب أن نقطع كل اتصال بهم، ولكنها قطيعة ترافقها الصلاة من أجلهم.
يبدو أن النصّ القصير يفضّل على النصّ الطويل، لأنه أوضح. فماذا يعني في النصّ الطويل التمييز بين الذين يتردّدون وبين الذين يجب أن ننتزعهم من النار. ولهذا يبدو أننا أمام تطوّر لاحق لعلاقات الكنيسة مع الهراطقة: ميّزت الكنيسة درجات في التعامل مع الضلال، ودعت إلى مواقف مختلفة من قبل المؤمنين، من الحوار الناقد إلى القطيعة، مروراً بالتنبيه الاحتفاليّ.

3- المجدلة الأخيرة (آ 24- 25)
وتنتهي الرسالة بمجدلة، لا بخاتمة رسائليّة انتظرناها فتضمنت نصائح وتمنيّات وسلامات من الكاتب. نجد في آ 24 (البردية 72) نصاً مختلفاً جداً مع "اسبيلوس" بلا عيب (نجده أيضاً في الافرامي) الذي يذكرنا بما في 2 بط 3: 14. ومع "ستيريزاين" ثبّت، قوّى كما في 2 بط 1: 12؛ رج روم 16: 25. وفي آ 25، قدّمت البردية 72 عبارة ليتورجيّة مبسّطة ومختلفة عن النص العادي: "لله الأوحد مخلّصنا، له المجد والقدرة والكرامة بيسوع المسيح ربنا له المجد والعزّة".
نجد قبل المجدلة بحصر المعنى طلباً ضمنياً من أجل القرّاء كما في روم 16: 25 وأف 3: 20. نحن هنا أمام استعمال تقليديّ. "للقادر أن يقيكم من كل زلّة ويوقفكم أمام مجده بغير عيب وفي الابتهاج" (آ 24). فالمسيحيّون الطيّبون يحتاجون أن يُحفظوا بعد أن انتُزعوا من النار. والله وحده يستطيع.
أجل، هذه المجدية التي تختتم يهو تنتمي إلى فن أدبي نجده في روم 16: 25- 27؛ أف 3: 20؛ فل 4: 20؛ 1 تس 5: 23؛ 1 تم 1: 17؛ 6: 15؛ 1 بط 4: 11؛ مت 6: 14 (في اختلافة)؛ رسالة اكلمنضوس الأولى 65: 7؛ استشهاد بولكيريوس 20: 2. وهذه المجدلة هي أقرب ما يكون إلى روم 16: 27 دون أن يكون هناك ارتباط نصّ بآخر. نحن نجد في هذه العبارات الليتورجيّة المدائحيّة عنصرين يرتبطان ارتباطاً وثيقأ: التعرّف إلى عمل الله من أجل المؤمنين. تعظيم بعض صفات الله. إذن، كل مجدلة هي مديح لما فعله الله من أجلنا، ولما هو في العالم. وفي يهو 24 نجد تصويراً عن عمل الله. وفي آ 25، نجد تعداداً لصفات تخصّ الله.
إن الله يفعل (يستطيع أنيفعل، ديناماي) من أجل أخصّائه في خطّين اثنين. في الأول، يحميهم (فيلكساي) (2 بط 3: 17) من السقوط (ابتايستوس، لا ترد الكلمة إلاّ هنا، وتشتقّ من فعل "بتاياين"، اصطدم). رج يع 2: 10؛ 3: 2؛ 2 بط 1: 10. إن موضوع قدرة الله قد ورد مراراً في الرسالة (آ 5- 14)، كما ورد موضوع قدرته بأن يدين اللامؤمنين. وهو يصوّرها قدرةً تجنّب المؤمنين مواجهة هذه الدينونة وحفظهم من السقوط في براثن المعلّمين الكذبة. في الخطّ الثاني، يقدر الله أن يجعلنا نثبت (ستيساي) بدون عيب (أموموس، ق آ 23 والنجاسة) أمام مجده في الابتهاج.
إن العبارة النادرة "كاتانوبيون اوتو" لا ترد إلاّ ثلاث مرات في العهد الجديد. في أف 1: 4 (بغير عيب أمامه)؛ كو 1: 22 (أمامه قديسين، بغير عيب)؛ وهنا (أمام مجده بغر عيب). وهي ترتبط دوماً باللفظة "أموموس" التي هي صفة العائشين أمام الله. فإذا أردنا أن نقترب من الله (هنا: أمام مجده. يعني أمام عظمته كما أوحي بها لنا فصارت منظورة في نهاية الأزمنة، رج 1 تس 3: 13؛ 1 بط 4: 13)، يجب أن نكون بلا عيب، حملاً بلا عيب كما في 1 بط 1: 19، حملاً سليماً يصلح للذبيحة. مثل هذا الحمل يليق بالخالق فيذكّرنا بصلاح خليقته منذ البداية: ورأى جميع ما خلقه الله فإذا هو حسن جداً.
لهذا، كان من الضروريّ أن نلجأ إلى قدرة الله. فمن يستطيع أن يقف أمامه في يوم اللقاء به (مز 51)؟ غير أن يهوذا زاد إشارة هامة. قد يمكن أن لا نخاف من دينونة الله. كما يمكن أيضاً أن نبتهج بهذا اللقاء، لأن هذا اللقاء يتمّ "الابتهاج" (أغالياسيس). إن "أغالياسيس" تُستعمل فقد في اللغة البيبليّة والكنسيّة للتحدّث عن الفرح أمام الله، الفرح في ممارسة شعائر العبادة، الفرح الاسكاتولوجيّ الذي نذوق طعمه منذ الآن (مز 50: 8، 12؛ 125: 2، 5، 6؛ أش 12: 6؛ 25: 9؛ 1 بط 4: 13؛ رؤ 19: 7). وهكذا تمارس قدرة الله (وسلطانه) في الحاضر حين تحفظ المؤمنين من السقطة، وفي المستقبل حين تهيّىء لمحبّي الله لقاء معه في الفرح والابتهاج.
وتأتي المجدلة بحصر المعنى، فتتوجّه إلى الله الآب: "لله الأوحد، مخلّصنا يسوع المسيح ربنا، المجد والعظمة والعزّ والسلطان، قبل جميع الأزمنة، والآن، وإلى جميع الدهور. آمين " (آ 25). أما في روم 16: 27 فنقرأ: "لله الحكيم وحده، المجد بيسوع المسيح إلى دهر الدهور. آمين". وفي أف 3: 21: "المجد له في الكنيسة وفي المسيح يسوع المسيح، إلى جميع الأجيال وإلى دهر الدهور. آمين". نجد في هذه النصوص الثلاثة اعترافاً بالله الواحد كما في تث 4: 25؛ 32: 39؛ خر 20: 4، بفم كتّاب مسيحيين عرفوا دور يسوع في مخطّط الله الخلاصيّ.
أجل، هذا الإله القدير هو واحد (مونوس). وتُستعمل عبارة "الله الواحد" في العهد الجديد لتعلن أن الله وحده يمتلك هذه الصفة أو تلك. رج يو 5: 44؛ 17: 3 (الله الواحد الحقيقيّ)؛ روم 16: 27 (الحكيم وحده)؛ 1 تم 6: 15- 16 (السامي وحده الذي لا يموت)؛ رؤ 15: 4 (القدوس وحده). وهنا كما في 1 تم 1: 17 وُضعت الصفة لتدلّ على وحدانيّة الله. فالاله الواحد هو موضوع أساسيّ في اعتراف الإيمان البيبليّ، وهو يعود مراراً في التوراة حرباً على الشرك عند الوثنيّين (2 صم 19: 15، 19؛ مز 86: 10؛ أش 37: 16، 20...). ولكنه موضوع نادر في العهد الجديد (1 تس 1: 9- 10)، لأن وحدة الله لم تعد مشكلة بالنسبة إلى المسيحيّين كما كانت بالنسبة إلى اليهود. رج 1 كور 8: 4، 6؛ مر 10: 18 وز؛ أف 4: 6؛ 1 تم 2: 5؛ يع 2: 19.
ونتساءل: لماذا شدّد يهوذا على هذه النقطة؟ هنا نتذكّر أنه في آ 4 قد ندّد بالذين يُنكرون "سيّدنا وربنا الوحيد" أي الله. وليس هذا التشديد من قبيل الصدف: إنه يتوجّه ضدّ الذين يحطّون من قدر الخليقة، وبالتالي من قدر الخالق، ولهذا يبرز وحدانيّة الله. ليس هناك إلاّ إله واحد هو خالق الكون، ومخلّص البشر، والأزليّ المجيد.
من هنا كان هذا الرباط الوثيق بين وحدانيّة الله وصفته كالمخلص (سوتر). في العهد الجديد، المسيح هو الذي يسمّى المخلّص (16 مرة). غير أننا نجد ثمانية نصوص يُدعى فيها الله "المخلّص" (لو 1: 47؛ 1 تم 1: 1؛ 2: 3؛ 4: 10؛ تي 1: 3؛ 2: 10؛ 3: 4 وهنا) نلاحظ أن الرسائل الرعائيّة تتحدّث عن الله المخلّص. فالتهديد الغنوصيّ خطير، لهذا برزت الحاجة إلى إعلان الله الواحد أنه الخالق والمخلّص.
هناك من ربط "بواسطة يسوع المسيح ربّنا" مع "المجد". بل نربط العبارة مع ما سبق: الله أو مبدىء الخلاص، والمسيح هو الذي يتمّمه في التاريخ. الله هو المخلّص لأنه أراد منذ البدء خلاص البشر. ويسوع هو ربنا لأنه حقّق بشكل ملموس هذا الخلاص طاعة للآب من أجلنا.
إن هذا الإله الواحد والمخلّص هو موضوع مديح المؤمنين الذين ينشدون مجده (دوكسا) (والمجد يدلّ على بهاء الله وعظمته؛ روم 11: 36؛ 16: 27؛ غل 1: 5؛ أف 3: 21...) وعظمته (ماغالوسيني) (لا ترد هذه اللفظة مراراً في المجدلات، 1 أخ 29: 11؛ تث 32: 3؛ عب 1: 3؛ 8: 1 للدلالة على الله) وعزّته (كراتوس، السلطة السامية والقدرة، 1 تم 6: 16؛ 1 بط 5: 11)، وسلطانه (اكسوسيا، يدلّ أيضاً على سلطان المسيح وقدرته، مر 1: 22، 27؛ 2: 10...). كل هذا يمتلكه الله من الأزل إلى الأبد.
إذ أراد الكاتب أن يتحدّث عن الأزليّة، استعمل عبارة "قبل جميع الأزمنة" (جميع الدهور، أيون)، يعني قبل أن يكون الزمان. قالت 1 كور 2: 7: "قبل الأزمنة" ويو 17: 24: "قبل أساسات العالم" (رج أف 1: 4؛ 1 بط 1: 20).
أما يهو فقال: "قبل جميع الأزمنة". وقال: "إلى جميع الدهور" (أو: الأزمنة)، فدلّ على المستقبل الأبديّ، وأظهر أصالته كما في العبارة السابقة. فالعهد الجديد يقول عادة "إلى الدهور، دهر الدهور" (غل 1: 5؛ فل 4: 20؛ روم 1: 25؛ 9: 5).
وهكذا، الله هو سيّد الزمن وقد خلقه. قد نكون أمام هجوم على الذين يفصلون الله الخالق الخاضع للزمن، عن الله الأزلّي الذي لا علاقة له بالزمن. غير أن هذه الطريقة في تصوير أزليّة الله وأبديّته قد عرفتها اليهوديّة الهلنستيّة، وقد عاد إليها يهوذا.
آمين. نقرأ مراراً هذا الهتاف الذي يدلّ على الاعجاب والموافقة في المجدلات (مز 40: 14؛ نح 8: 6.... روم 1: 25؛ غل 1: 5؛ أف 3: 21...).

خاتمة
وهكذا جاءت هذه المقطوعة بغناها، فقدّمت تحريضاً إلى المؤمنين انتهى بالموافقة على ما قيل من كلام إلهي: آمين. عرف الكاتب أن وجود الكافرين أمر لا جدال فيه. ولا نستطيع أن نفعل شيئاً ضدهم. إنهم كالزؤان بين القمح، على ما يقول المثل الإنجيليّ (مت 13: 24- 30)، وسيظلّون في العالم وفي الكنيسة حتى عودة المسيح، حتى زمن الحصاد والدينونة الأخيرة. فيبقى على المؤمنين أن يحذروا منهم، ويحاولوا أن يساعدوا من وقع في شباكهم. ويسلّمون الآخرين إلى رحمة الله. وتنتهي رسالة يهوذا بمجدلة طويلة تنشد الله الأوحد ومجده وعظمته إلى جميع الدهور. آمين.
خاتمة عامة

وهكذا قدّمنا في هذا الكتاب رسالتين توّجهتا إلى الكنيسة الجامعة، رسالتين أرسلهما يعقوب ويهوذا إلى المسيحيّين المشتّتين في عالم الشرق هذا الممتدّ من فلسطين والواصل إلى آسية الصغرى، أي تركيا الحاليّة.
قدّمنا رسالتين هما بشكل عظتين، واحدة طويلة هي رسالة يعقوب. وأخرى قصيرة هي رسالة يهوذا. وقد شدّدتا على الأخلاقيّة المسيحيّة التي يجب أن يعيشها المؤمنون في جوّ الضيق الذي يعرفونه، في مناخ الضياع الذي تولّد خلال الجيل المسيحي الثاني أو الجيل الثالث، وبعد وفاة الرسل والشهود الأولين للقيامة.
قدّمنا رسالتين لا نعرف بالضبط من كتبهما. يعقوب ويهوذا، أم تلميذان من تلاميذهما، أم مسيحيّان هلّينيان عرفا تقليد هذين "الرسولين" وأوصلاه إلينا في اللغة اليونانيّة، كما وصلت إلينا كل أسافار العهد الجديد. ومهما يكن من أمر الذين كتبوا، فالكنيسة التي هي جسد المسيح هي التي كتبت لنا مستعينة بأيدي أبنائها. فالروح هو الذي كتب لنا فكانت هاتان الرسالتان بل كل الأسفار المقدسة نتيجة عمل الله وعمل الانسان. عمل الله الذي يلهم الكاتب ليكتب ويعينه لئلا يخطىء على مستوى الإيمان والأخلاق. وعمل الانسان الذي يجعل كل مقدّراته في خدمة الكلمة، في تصرّف الروح الذي ما زال يكلّم كنائسنا اليوم. وعمل الانسان الذي يتطلّع إلى جماعة من الجماعات فيقدّم لها التعليم الذي يسندها في الوضع الذي تعيش فيه. غير أن هذا التعليم يتعدّى دوماً الكاتب البشريّ ليصل إلى جميع البشر في كل زمان ومكان.
يبقى علينا أن ندخل في جوّ هاتين الرسالتين، أن نكتشف الجماعات التي توجّهتا إليها لكي تصبح هذه الكلمة المكتوبة كلمة حيّة تحمل إلينا اليوم النور الذي نحتاج إليه. وقد تظلّ هذه الكلمة ميتة إن لم نجسّدها في حياتنا وأقوالنا وأعمالنا. هذا ما بدأنا به حين قدّمنا تفسير رسالة يعقوب إلى الأسباط الاثني عشر الذين في الشتات، وتفسير رسالة يهوذا إلى المحبوبين في الله الآب.
فرجاؤنا بعد قراءة نصّ الكتاب المقدس وتفسيره، أن يصبح كل واحد منا قريباً من الكلمة، بل أن تصبح الكلمة قريبة منه وهي التي ليست في السماء فلا ندركها، وليست في أعماق البحر فلا نعرف كيف نصل إليها. الكلمة يقول الكاتب هي في فمنا وقلبنا. نقرأها. نتلوها. نفهمها. نعمل بها. ذاك هو النداء الذي يتوجّه إلى كل واحد منا، إلى الكاتب وإلى القارىء وإلى السامع. يتوجّه إلى الكنيسة كلها.
خاتمة عامة

وهكذا قدّمنا في هذا الكتاب رسالتين توّجهتا إلى الكنيسة الجامعة، رسالتين أرسلهما يعقوب ويهوذا إلى المسيحيّين المشتّتين في عالم الشرق هذا الممتدّ من فلسطين والواصل إلى آسية الصغرى، أي تركيا الحاليّة.
قدّمنا رسالتين هما بشكل عظتين، واحدة طويلة هي رسالة يعقوب. وأخرى قصيرة هي رسالة يهوذا. وقد شدّدتا على الأخلاقيّة المسيحيّة التي يجب أن يعيشها المؤمنون في جوّ الضيق الذي يعرفونه، في مناخ الضياع الذي تولّد خلال الجيل المسيحي الثاني أو الجيل الثالث، وبعد وفاة الرسل والشهود الأولين للقيامة.
قدّمنا رسالتين لا نعرف بالضبط من كتبهما. يعقوب ويهوذا، أم تلميذان من تلاميذهما، أم مسيحيّان هلّينيان عرفا تقليد هذين "الرسولين" وأوصلاه إلينا في اللغة اليونانيّة، كما وصلت إلينا كل أسافار العهد الجديد. ومهما يكن من أمر الذين كتبوا، فالكنيسة التي هي جسد المسيح هي التي كتبت لنا مستعينة بأيدي أبنائها. فالروح هو الذي كتب لنا فكانت هاتان الرسالتان بل كل الأسفار المقدسة نتيجة عمل الله وعمل الانسان. عمل الله الذي يلهم الكاتب ليكتب ويعينه لئلا يخطىء على مستوى الإيمان والأخلاق. وعمل الانسان الذي يجعل كل مقدّراته في خدمة الكلمة، في تصرّف الروح الذي ما زال يكلّم كنائسنا اليوم. وعمل الانسان الذي يتطلّع إلى جماعة من الجماعات فيقدّم لها التعليم الذي يسندها في الوضع الذي تعيش فيه. غير أن هذا التعليم يتعدّى دوماً الكاتب البشريّ ليصل إلى جميع البشر في كل زمان ومكان.
يبقى علينا أن ندخل في جوّ هاتين الرسالتين، أن نكتشف الجماعات التي توجّهتا إليها لكي تصبح هذه الكلمة المكتوبة كلمة حيّة تحمل إلينا اليوم النور الذي نحتاج إليه. وقد تظلّ هذه الكلمة ميتة إن لم نجسّدها في حياتنا وأقوالنا وأعمالنا. هذا ما بدأنا به حين قدّمنا تفسير رسالة يعقوب إلى الأسباط الاثني عشر الذين في الشتات، وتفسير رسالة يهوذا إلى المحبوبين في الله الآب.
فرجاؤنا بعد قراءة نصّ الكتاب المقدس وتفسيره، أن يصبح كل واحد منا قريباً من الكلمة، بل أن تصبح الكلمة قريبة منه وهي التي ليست في السماء فلا ندركها، وليست في أعماق البحر فلا نعرف كيف نصل إليها. الكلمة يقول الكاتب هي في فمنا وقلبنا. نقرأها. نتلوها. نفهمها. نعمل بها. ذاك هو النداء الذي يتوجّه إلى كل واحد منا، إلى الكاتب وإلى القارىء وإلى السامع. يتوجّه إلى الكنيسة كلها.