رسالتا أهل كولسي وإلى فيلمون

تقْديم

نقدّم في هذا الكتاب رسالة القديس بولس إلى أهل كولسي، ورسالته إلى فيلمون.
أما الرسالة إلى كولسي فتحدّثنا عن المسيح الذي هو صورة الله غير المنظور. لماذا كتبها بولس؟ أخذ المسيحيون في كولسي يتبعون معتقدات إيزوتيريّة، باطنيّة، تمزج عناصر وثنيّة بعناصر يهوديّة ومسيحيّة. وهذه المعتقدات أعطت أهميّة كبرى لقوى كونيّة، وقوّات ملائكيّة، وكائنات تتوسّط بين الله والانسان، وتتدخّل في مصير كل انسان. وارتكزت هذه المعتقدات أيضًا على ممارسات عديدة تتوخّى اجتذاب رضى هذه القوى.
تجاه هذه الممارسات "السحرّية"، أعلن بولس أن المسيح هو الوسيط الوحيد والشامل بين الله والانسان، بين الله والعالم المخلوق. كل ما تحقّق تحقّق به، منذ الخلق حتى الخلاص ومصالحة كل شيء مع الله. هو رأس الخليقة. والمسيحيّون يشاركونه في قدرته الخلاّقة والمحرّرة حين يتّحدون به في موته وقيامته. فالايمان بالمسيح هو الطريق الوحيد الذي يقود إلى الحكمة والحرّية. وهو وحده يستطيع أن يحطّم الحواجز بين البشر، ويولّد علائق بشريّة جديدة لا تتأسّس على المزاحمة. بل على الأخوّة.
والرسالة إلى فيلمون كتبها بولس طالبًا من فيلمون، ذاك المسيحيّ الشريف، أن يقبل بمحبّة أونسيمس، أحد عبيده الذي فرّ من بيته. كان بولس قد استقبله وردّه إلى المسيح وأعاده إلى سيّده، لا كعبد، بل كأخ حبيب. بل إن بولس طلب من فيلمون أن يردّ إليه أونسيمس، بعد أن صار نافعًا، ليعمل معه في رسالة الانجيل. لم يظهر بولس ثورة على العبوديّة، ولكنّه يبيّن بشكل ضمنيّ أنّ العبوديّة تتعارض مع الانجيل، حيث لا عبد ولا حر، وحيث الجميع هم إخوة في المسيح.
رسالتان في كتاب واحد. حملهما تيخيكس إلى موضع واحد هو كولسي. توجّهت كو إلى جماعة لم يبشّرها بولس ولم يزرها، جماعة جاءت من العالم الوثني. وتوجّهت الرسالة الثانية إلى مسيحيّ كان لبولس الأثر الكبير في ارتداده إلى الايمان. رسالتان بعث بهما بولس من سجنه حيث رافقه عدد من العاملين فأسّسوا جماعة مسيحيّة تكتب إلى جماعات أخرى، ومنها الجماعة التي تلتئم في بيت فيلمون.
رسالتان أرسلتا من موضع واحد أقام فيه بولس. ووصلتا إلى جماعة واحدة. حملتا إلينا تعليمًا يُبرز شخصيّة يسوع المسيح الذي هو رأس البشريّة كلها، ورأس كل جماعة مسيحيّة. يبقى علينا أن نسمع هذا التعليم فيتجسّد في حياتنا كما تجسّد في بيت فيلمون، ونعلنه في وجودنا كما أعلنه بولس لأهل كولسي حين قال لهم: "في يسوع خُلق جميعُ ما في السماوات وعلى الأرض... به وإليه خُلق كل شيء... وفيه ارتضى الله أن يحلّ الملء كله". له المجد إلى الأبد.
الفصل الأول
مدخل إلى الرسالة

1- كنيسة كولسي
كولسي هي مدينة في فريجية (في تركيا الحاليّة)، تقع في وادي ليكوس، وتبعد 200 كلم إلى الشرق من أفسس. أما لاودكية وهيرابوليس المذكورتان في كو 4: 13- 15، فهما أقرب منها إلى أفسس. تكوّنت مقاطعة آسية الرومانيّة سنة 129 ق ب، فضمّت الممتلكات القديمة التي سيطر عليها الملك أتالس الثالث البرغامي، والتي تخلّى عنها لرومة سنة 133. كانت تضمّ هذه المقاطعة من الشمال إلى الجنوب، ميسية وليدية وكارية. وإلى الشرق جزءًا كبيرًا من فريجية، وإلى الغرب جزر الشاطئ. كانت في هذه المقاطعة مدن هامة مثل أفسس، برغاموس، سميرنة (إزمير الحاليّة)، ميليتس، وعدد من المدن الثانويّة.
اجتاز بولس فريجية خلال الرحلة الرسوليّة الثانية من الجنوب إلى الشرق، ومن الشمال إلى الغرب (أع 16: 6)، في جزء لم يكن يخصّ مقاطعة آسية. وخلال الرحلة الرسوليّة الثالثة، اجتاز فريجية كلها (أع 18: 23) ليصل إلى أفسس حيث أقام سنتين. ولكن خلال هاتين الرحلتين، لم يتّصل بولس بجنوبي فريجية حيث نجد كولسي ولاودكية وهيرابوليس (كو 4: 13- 15). وإذا عدنا إلى ما قاله شيشرون، خطيب رومة، نفهم أن هذه المدن الثلاث امتلكت عددًا كبيرًا من اليهود. ولكن اللافت هو أنه لم يكن في كولسي سوى مسيحيّين من أصل وثنيّ (1: 21- 27؛ 2: 13).
ما زار الرسول كنيستَي كولسي ولاودكية (2: 1). فابفراس المولود في كولسي، هو الذي أسّس الكنيسة. ولما حمل المعلومات إلى بولس، كتب بولس رسالته. اعترف الرسول ملء الاعتراف بخدمة ابفراس "الحبيب الذي هو لنا رفيق في الخدمة، وخادم أمين للمسيح من أجلكم" (1: 8). بولس هو في السجن (1: 24؛ 4: 3، 10، 18). وابفراس قد أراد بملء إرادته أن يقاسمه سجنه (فلم 23). لهذا أرسل ابفراس سلاماته إلى الكولسيين (4: 12). وحمل تيخيكس الرسالة (4: 7).

2- تحليل الرسالة إلى كولسي
تبدأ الرسالة بالعنوان، فتتحدّث شأنها شأن 2 كور، عن "بولس رسول المسيح يسوع، وتيموتاوس الأخ". والذين تتوجّه إليهم الرسالة هم الكولسيون، "القديسون الذين في كولسي". والقديسون هم المؤمنون.
بعد هذا، نجد سبعة مقاطع:
أ- فعل الشكر (1: 3- 8)
تبدأ الرسائل البولسيّة كلها بفعل الشكر، ما عدا غل، 1 تم، تي. أما ما نجدُ في كو، فقد دوِّن في صيغة المتكلّم الجمع: "لا ننقطع عن شكر الله". فالرسول يتكلّم باسمه واسم تيموتاوس. وما يجب أن نشدّد عليه في فعل الشكر هو المضمون، لا الشكل. فالانجيل الذي بشّر به ابفراس الذي انضمّ إلى العمل الرسوليّ، أتاح للكولسيين أن يكون لهم الايمان والرجاء والمحبّة. "إيمانكم بالمسيح يسوع". "محبتّكم لجميع القديسين". "من أجل الرجاء المحفوظ لكم في السماوات".
ب- الصلاة (1: 9- 14)
ونجد هنا، في شكل صلاة، تحريضًا للكولسيين، يطلب فيه الرسول منهم أن يضعوا موضع العمل الايمان الذي قبلوه. "نصلّي لأجلكم لكي تبلغوا إلى معرفة مشيئته معرفة كاملة". أين تنتهي هذه الصلاة، وأين يبدأ النشيد الذي يأتي بعدها؟ هناك من توقّف عند نهاية آ 11: "تُحرزون صبرًا وأناة كاملين". وبعضهم توقّف عند نهاية آ 14: "أهّلكم للشركة في ميراث القديسين في النور". أما نحن فتوقّفنا مع فئة ثالثة عند نهاية آ 14: "الذي لنا فيه الفداء، مغفرة الخطايا".
ج- نشيد كرستولوجيّ (1: 15- 20)
في هذا النشيد يبدو المسيح "ضابط الكون" بيده. إنه صورة الله اللامنظور، والأول في الزمان وفي المكان وفي المرتبة وفي التكريم. هو رأس الخليقة كلها. إن هذا النشيد يندرج في سياق الرسالة بشكل أفضل من النشيد في الرسالة إلى فيلبي (فل 2: 6- 11). رأى بعضهم فيه قطعة من أصل أراميّ. وآخرون: ليتورجيّة المعموديّة، أو ليتورجيّة الافخارستيا (آ 12- 20). واعتبر آخرون أننا أمام نشيد يهوديّ أضيفت إليه بعض الأمور فصار نشيدًا مسيحيًا.
د- المسيحيون في كولسي وجهاد الرسول (1: 21- 2: 3)
بعد أن تصالح الكولسيون مع المسيح، وجب عليهم أن يثبتوا ولا يتزعزعوا عن رجاء الانجيل الذي صار بولس خادمه (1: 21- 23). وفي عبارة عميقة جدًا، يعلن بولس أنه يتألّم من أجل الكولسيين: "أفرح الآن في الآلام التي أقاسيها من أجلكم". ويتابع: "أتمّ في جسدي ما ينقص من مضايق المسيح لأجل جسده الذي هو الكنيسة". هذا يعني أنه يُتمّ من أجل الكنيسة، ما ينقص من مضايق المسيح في جسده. وفي معنى آخر: إن حضور المسيح في خدمته يجعله مشاركًا له في مضايقه. أو يعني: ما ينقص هذه المضايق يكمّله في جسده من أجل الكنيسة. فما يريد بولس أن يعلنه هو "السرّ" الذي تجلّى للقدّيسين وسط الوثنيّين (1: 24- 29). وجهادُه القاسي يشجّع المؤمنين للبلوغ إلى تفهّم عميق لسرّ الله ومعرفته (2: 1- 3).
هـ- تحذير من التعاليم الغريبة (2: 4- 23)
ولكن هناك تعليمًا دينيًا يجعل إيمان الكولسيين في خطر: نظريات دينيّة، أهميّة عناصر الكون (رج غل 4: 3- 9)، قوى ملائكيّة. مثل هذا. التعليم يتجاوز تجاوزًا كبيرًا نظريات العالم اليهوديّ والعالم الهليني. فكان ردّ بولس قويًا: في المسيح يقيم ملء اللاهوت. وينهي بولس هذا المقطع بايراد كلام مأخوذ من نشيد (2: 6- 15): "كنتم أمواتًا من جرى زلاّتكم وقلف أجسادكم فأحياكم معه، وسامحنا بجميع زلاّتنا". أما الحرّية المسيحيّة الحقّة، فلا تقوم في ممارسات تتعلّق بالطعام أو الشراب أو الاحتفال ببعض الأعياد (2: 16- 19). ويطبّق بولس هذا المبدأ على الكولسيين (2: 20- 23): إن كنتم متُم مع المسيح، فلماذا تتصرّفون كأنكم بعدُ في العالم، فتخضعون لأركان العالم.
و- دعوة إلى حياة مسيحيّة متّحدة مع القائم من الموت (3: 1- 4: 6)
وشرع بولس يدعو المؤمنين لكي يحيوا في اتحاد مع يسوع الذي قام من بين الأموات (3: 1- 4). يتعرّون من الانسان القديم أي يتخلّون عن سلسلتين من خمس رذائل (3: 5- 8). ولكن إن تضمّن هذا التحريض هنا لائحة برذائل وفي 3: 12 لائحة بخمس فضائل، فهو يتجاوز كل هذا بعبارات قاطعة. "لا يوناني ولا يهوديّ، لا ختان ولا قلف، لا أعجمي ولا اسكوتي، لا عبد ولا حرّ، بل المسيح هو كل شيء وفي كل شيء" (3: 11). ويوصي الرسول بالحياة الأخويّة، فيدلّ بذلك على أننا لبسنا الانسان الجديد (3: 10). هذه الروح تدرك الانسان في كل ظروف حياته: الزوجات والأزواج. الأبناء والآباء. العبيد والأسياد. كل واحد يجد الكلمة التي تعنيه (3: 18- 4: 1). يبقى على المسيحيّين أن يصلّوا (4: 2- 4) لكي يجدوا الموقف الذي يجب اتّخاذه تجاه اللامسيحيّين (4: 5- 6).
ز- تحيّات جديدة (4: 7- 17)
يذكر تيخيكس وأونسيمس اللذين يحملان أخبار الرسول. فبولس ليس وحده. فمعه ارسترخس ومرقس ويسوع يوستوس ولوقا الطبيب وابفراس، الذين يرسلون سلاماتهم. وتشير الرسالة إلى ابفراس الذي يتعب كثيرًا من أجل المسيحيّين في كولسي ولاودكية وهيرابوليس. هذا في كولسي. وفي لاودكية، يسلّمون على نمفا (أو نمفاس) والكنيسة التي تجتمع في بيتها (أو في بيته) (4: 15). ونلاحظ تفصيلاً ثمينًا يدلّ على تبادل الرسائل بين كنيسة وأخرى. بعد أن يقرأ الكولسيون رسالة الرسول إلى كولسيّ، فليبعثوا بها إلى مسيحيّي لاودكية. وليفعل أهل لاودكية كذلك حين يقرأون الرسالة التي بُعثت إليهم. وأخيرًا، نجد نصيحة تتوجّه إلى أرخبّس (4: 17؛ فلم 2) الذي يمارس خدمته: ليتمّها جيّدًا.
وفي الختام، وقّع بولس الرسالة بخطّ يده، كما اعتاد أن يفعل في رسائله (4: 18، رج 2 تس 3: 11؛ 1 كور 16: 21؛ غل 6: 11). اعتاد بولس أن يملي رسائله أو يطلب من أحد معاونيه أن يكتبها ويكتفي هو بأن يوقّع. وهذا ما فعله هنا. غير أن الرسالة إلى فيلمون هي، على ما يبدو، مكتوبة بخطّ يده.

3- ضلال في كولسي
أ- تساؤل
طلب بولس من قرّائه بأن يتجنّبوا تعليمًا يسمّيه "فلسفة" (2: 8) مع ممارسات خاصة به (2: 16؛ 2: 18- 21). ولكن ما هو هذا التعليم الذي يحاربه بولس؟ هنا تتوزّع الفرضيات فتصل إلى خمسين فرضيّة. ونحن إذا نقدّم نظرتنا، نفترض قراءة تفسير 2: 16- 23.
نبدأ فنبرز المواقف الكبرى المتعلّقة بالأوساط التي حملت هذه الهرطقة. (1) العالم الوثنيّ. (2) العالم اليهوديّ. (3) غنوصيّة من أصل مسيحيّ. (4) تعليم تلفيقي يجد أصوله في أحد التيارات الثلاثة الأولى.
ماذا نعني بالعالم الوثنيّ؟ ثلاثة أمور: فلسفة يونانية هلنستيّة. الديانات السرّانيّة. الغنوصيّة السابقة للمسيحيّة. وبالعالم اليهوديّ؟ ثلاثة أمور أيضًا: فلسفة من النمط التصوّفي والنسكي. فلسفة من النمط الجليانيّ. يهوديّة مطعّمة بالغنوصيّة. وامتزج العالم الوثنيّ مع العالم اليهوديّ فقدّم لنا تعليمًا تلفيقيًا ومزيجًا وصل بنا إلى غنوصيّة مسيحيّة.
ننطلق من كل هذا ونقدّم ثلاث فرضيات.
ب- الفرضية الغنوصيّة
إن الضلال الذي يهدّد الكولسيين هو غنوصيّ (يشدّد على المعرفة) ويهوديّ معًا. وقد اتخذت هذه الفرضيّة شكلين.
* الشكل الأول: يرى في العالم اليهوديّ أصل الغنوصيّة التي نجدها لدى المعلّمين في كولسي أو في مكان آخر (لا يتيح لنا النصّ أن نعرف إن كان الضلال نبت داخل كنيسة كولسي أو جاء من الخارج). كيف نستطيع أن نعتبر هذه الهرطقة غنوصيّة؟ أربعة أمور: رغبة في امتلاك حكمة سامية. نظرية كوسمولوجيّة (على مستوى الكون، رج لفظة "بليروما"، الملء). التشديد على الكائنات السماويّة المتوسّطة التي تؤمّن اتصال اللاهوت بالكون. وأخيرًا، دعوة إلى التقشّف للاتّحاد باللاهوت والانفلات من قوى الشّر التي تسيطر على الكون (كوسموس).
هذه السمات الغنوصيّة تتساكن مع عناصر يهوديّة (الملائكة، السبوت، أعياد بداية القمر أو القمر الجديد، ممارسات حول الطعام) تعود بنا إلى جماعة الاسيانيين. يصعب علينا أن نعرف كيف تلاقت هذه المركّبات المختلفة: هل تأصّلت الغنوصيّة في العالم اليهوديّ قبل أن تصبّ في المسيحيّة خلال القرن الثاني؟ أو هل نحن في الأصل أمام تعليم أسيانيّ تطعّم بعناصر غنوصيّة؟ عندئذ يُطرح السؤال: من أين جاءت هذه العناصر؟
* الشكل الثاني. فيه تنقلب معطيات المسألة: يبدو الضلال على أنه بداية تعليم غنوصيّ (تجذّر في المسيحيّة)، انضمّت إليه مركّبات يهوديّة. موقف فيه بعض الاعتدال وإن لم يقدر أن يفرض نفسه.
ج- تعليم ذات أصل صوفيّ
إن الذين يدافعون عن هذا الطرح يستندون إلى وجود لفظة "مستيريون" (سرّ) في 1: 26 (السرّ الذي كان مكتومًا)؟ 2: 2 (يبلغون إلى معرفة سرّ الله)؛ 4: 2 (نبشّر بسرّ المسيح). وفعل "امباتوو" (ولج) (2: 18) الذي يعود بنا بوضوح إلى احتفالات التدرّج في الديانات السّرانيّة. كما يستندون إلى ألفاظ أخرى مثل "عناصر العالم" أو "أركان العالم" (ستويخايا تو كوسمو، 2: 8- 20). و"السلطات" (اكسوسياي) و"السيادات" (أرخاي)، وهي آلهة تساعد. وأخيرًا "أفارّيديا سوماتوس" (إرضاء الجسد، 2: 23).
في الخطّ عينه، يرى عدد من الشرّاح في هذه الهرطقة تعليمًا تلفيقيًا بعد أن ضمّوا إليه عددًا من المركّبات. لهذا سُمّي هؤلاء المعلّمون الهراطقة في كولسي: "ملفّقين مسيحيّين متهودين". فالممارسات ترتبط مع الملائكة والقوّات، لامع إله العهد. وتحدّث آخرون عن غنوصيّة متهوّدة انطبعت طبعًا عميقًا بأفكار فارسيّة (مع معتقدات استرولوجيّة كلدانيّة وممارسات سرانيّة). بل تحدّث بعضهم عن سمات يهوديّة قانونيّة وممارسات عباديّة هلنستيّة.
د- الأفكار والممارسات اليهوديّة
بعد أن نُشرت كتابات قمران في الستينات، ظهرت دراسات عديدة حول الطبيعة اليهوديّة (من نمط أسياني) للهرطقة التي واجهها المؤمنون في كولسي. وقد جاءت في أربعة خطوط:
* الأول. هناك من يشدّد على الوجهة التنسكيّة الصوفيّة لهذا الضلال. ليست المشكلة في كولسي مشكلة كرستولوجيّة، بل تتعلّق بممارسات عباديّة ونسكيّة. وما يهدّد حياة جماعة كولسي وإيمانها، ليس عبادة الملائكة، بل الاتّجاه إلى المشاركة في عبادة الملائكة السماويّة انطلاقًا من ممارسات نسكيّة. ونتيجة كل هذا نجد الانقسامات في الجماعة. ورأى آخرون أن التعليم الذي يعارضه بولس يشبه الايمان والتقوى اللذين تتحدّث عنهما كتابات قمران.
* الثاني. يشدّد على التقارب بين الضلال المسيطر في كولسي والعالم اليهوديّ الجليانيّ. لا شك في أن صعوبات الكولسيين ترتبط بدور الايحاءات السماويّة والوسائل (ممارسات نسكيّة) الكفيلة بالحصول عليها. ولكن العالم الجليانيّ يشكّل أفضل خلفيّة للرسالة إلى كولسي، وللضلال الذي نجده في كو.
* الثالث. إن صاحب كو لا يعارض هرطقة في جماعة كولسي، بل يحذّر هذه الكنيسة الفتيّة من سحر المجمع الذي أثّر تأثيرًا سيِّئًا في غلاطية. ولكن لفظة "نوموس" (ناموس، شريعة) لا ترد في كو. ثم إنه لا يُعقل أن يتحدّث المجمع عن ممارسات نسكيّة دون أن يطلب في الوقت عينه ممارسات كل وصايا الشريعة الموسويّة.
* الرابع. يرى شرّاح أن العناصر اليهوديّة في التعليم الذي تعارضه كو 2، تدلّ على أن التعاليم اليهوديّة قد انتشرت في عالم آسية الصغرى. ولكن هذا لا يكفي لكي نبني المحيط الحياتي للهرطقة: هل نحن أمام مرسلين متهوّدين؟ هل نحن أمام جماعة مسيحيّة متهوّدة كانت هناك؟ هذا ما لا نستطيع أن نجزم به.
هـ- كيف نحدّد ضلال كولسي
يجب أولاً أن نميّز الطريقة التي بها يصوّر بولس هذا الضلال، وكيف يشدّد على النتائج الكرستولوجيّة (على مستوى يسوع المسيح) والسوتيريولوجيّة (على مستوى الخلاص). كما يشدّد على ما فهمه "الهراطقة" (بل المسيحيّون) الذين ما أدركوا إدراكًا أكيدًا البُعد الكرستولوجي والسوتيريولوجي للأهميّة المعطاة للقوى العليا أو السماويّة وللمارسات النسكيّة التي ينادون بها. إذن، ما تشدّد عليه كو ليس بالضرورة ما يشدّد عليه المعلّمون. هذا ما يجب أن لا ننساه حين نواجه مسألة طبيعة التعليم الذي تشير إليه الرسالة.
وعلى المستوى المنهجيّ، يجب أن نأخذ بعين الاعتبار الألفاظ (حول المعرفة) التي نقرأها، وتأكيدات الرسول (في 2: 6- 23) التي تعكس مشاكل كولسي كما تعكس براهينه بما فيها من هجوم: فكيف نكتشف الضلال الذي يحاربه إذا كنا لا نعلم ماذا يريد أن يبيّن وكيف يبيّنه. لهذا ننطلق من التقنيّة البراهينيّة لنفسر تأكيدات هجوميّة تصلح لأن تكون نقطة انطلاق للتعرّف إلى ضلال كولسي. وقد تعود هذه التأكيدات إلى الرسول الذي يقول ما يقول لكي يربّي المؤمنين مستبقًا استنتاجات خاطئة قد يستخرجها مراسلوه. ونأخذ على ذلك مثلاً في روم 11: 18 ي: لا نقدر أن نستنتج بشكل مباشر، أن أعضاء جماعة رومة الذين ارتدّوا من الوثنيّة، قد احتقروا الأعضاء الذين من أصل يهوديّ. فاسلوب الجدال والنقد، لا يتضمّن بالضرورة مثل هذا الوضع.
يبقى في النهاية، أنه لا جدوى من تحديد دقيق للضلال الذي عرفته كولسي. وهكذا نعود إلى التعليم التلفيقي. فالرسول لا يشير إلى محيط واحد، بل إلى أكثر من محيط، بما في هذه المحيطات من خطر على الايمان بالمسيح.

4- بولس والرسالة إلى كولسي
أول شاهد للرسالة إلى كولسي هو بردية شسشر بتي (رقم 46) التي تعود حسب بعض الآراء إلى بداية القرن الثاني. ونجد كو في السينائي والفاتيكاني اللذين يعودان إلى القرن الرابع ويرتبطان بالاسكندرية. ونجدها في الكودكس البازي الذي يعود إلى القرن السادس ويمثل الأسرة الغربيّة. وهناك أخيرًا الأسرة البيزنطيّة التي يعود أقدم مخطوط فيها إلى القرن التاسع.
في هذا الإطار، نطرح سؤالين: الأول: ما علاقة كو بسائر الرسائل البولسيّة؟ والثاني: من هو كاتب كو؟
أ- كو وسانر الرسائل البولسيّة
ظلّت كو حتى القرن التاسع عشر ترتبط ببولس. لكن جاء النقد الألمانيّ، فدرس الرسالة على مستوى الألفاظ والأسلوب واللاهوت. لا شكّ في أن هناك نقاطًا مشتركة أو موازية بين كو وسائر الرسائل. مثلاً، مباركة الله، رج 2 كور 1: 3، 20- 22: فعل الشكر من أجل الايمان. وصلاة، رج 1 تس 1: 2- 3؛ روم 1: 8؛ أف 1: 15، 16؛ كو 1: 4، 9. وساطة المسيح، رج روم 3: 24- 25؛ أف 1: 7؛ كو 1: 14. سمّو المسيح، رج 1 كور 15: 25- 27؛ أف 1: 20- 22؛ كو 1: 15- 20. الجسد والرأس، رج 1 كور 12: 12- 28؛ أف 1: 22- 23؛ 4: 15؛ 5: 23؛ كو 1: 18. الخلق والصليب والسلام، رج 1 كور 8: 6 ب؛ أف 2: 14- 18؛ كو 1: 16- 20. البناء والهيكل، رج 1 كور 3: 5- 17؛ أف 2: 20- 22. السرّ، رج 1 كور 2: 1؛ روم 16: 25- 27، أف 3: 1- 13؛ كو 1: 25- 29. نُدفن ونقوم مع المسيح، رج روم 6: 4- 8، 11، 13؛ أف 2: 1، 5، 6؛ كو 2: 12- 13؛ 3: 1. الانسان الجديد والانسان القديم، رج 2 كور 4: 16؛ أف 4: 17- 24؛ كو 3: 5- 11.
أما مسألة علاقة كو بسائر الرسائل البولسيّة فتعود إلى الأسماء والرسمة الاجماليّة للرسالة. يتكرّر اسم بولس أكثر من مرّة من العنوان إلى التحيّة الأخيرة، مع أسماء أخرى ذُكرت في سائر الرسائل. بولس (1: 1، 23؛ 4: 18). تيموتاوس (1: 1) أرسترخس (4: 10؛ رج فلم 24). مرقس (4: 10؛ رج فلم 24). ابفراس (1: 7؛ 4: 12؛ رج فلم 23). لوقا (4: 14؛ رج فلم 24). ديماس (4: 14؛ رج فلم 24 وربّما 2 تم 4: 10). أرخبّس (4: 17؛ رج فلم 2). أما اسم تيخيكس فلا يرد إلاّ في كو 4: 7؛ أف 6: 21؛ 2 تم 4: 12؛ تي 3: 12.
وعلى مستوى التأليف، تلتقي كو مع سائر الرسائل: العنوان، فعل الشكر والدعاء، الفكر اللاهوتي، التحريضات الخلقيّة، أخبار مختلفة، التحيّة الأخيرة. وعلى مستوى الاسلوب هناك بعض التبديل، ولاسيّما على مستوى اسم الفاعل والجمل الموصوليّة. أما المواضيع المستعملة في كو فنقرأ عددًا منها في الرسائل البولسيّة: الميراث، كليرونوميا، 3: 24؛ كليروس، 1: 12)، الخلاص (انتزع، خلّص، 1: 13؛ رج 1 تس 1: 10؛ روم 7: 14؛ 11: 26؛ 15: 31؛ 2 كور 1: 10)، الفداء (ابوليتروسيس، 1: 14؛ روم 3: 24؛ 8: 23؛ 1 كور 1: 30؛ رج أف 1: 7، 14؛ 4: 30)، التعارض بين ملكين مع نقل المؤمنين من ملك إلى آخر (ملك الظلمة أو الشر تجاه ملك النور أو الخير، 1 تس 5: 4- 5؛ روم 13: 12؛ 2 كور 6: 14؛ أف 5: 8، 11)، المؤمنون هم مع المسيح (2: 12- 13؛ روم 6: 4- 5؛ غل 2: 19- 20).
ومع ذلك، فهناك اختلافات بين كو وسائر الرسائل. لا تظهر لفظة "روح" (بنفما) سوى مرّة واحدة (1: 8). لا نجد سوى مرّة واحدة (كو 4: 1؛ ديكايوس) ما يتعلّق بالبرّ. وكذا نقول عن موضوع بنوّة المؤمنين (هم أبناء الله). أما موضوع الكرستولوجيا والاسكاتولوجيا في كو فيتعدّى سائر الرسائل. يُسمّى المسيح للمرّة الأولى رأس الجسد الذي هو الكنيسة. ويُقال للمرة الأولى بكل هذا الوضوح: "به خُلق كل شيء" (1: 16؛ رج 1 كور 8: 6 الذي يشير إلى الوساطة في الخلق وفي الفداء). ثم: "به وله كل الكائنات السماوية (بما فيها القوات الملائكيّة) والأرضيّة قد تصالحت" (1: 20). ويقال إن انجيل المسيح هو سرّ (1: 27).
ونجد رنّة جديدة في الحديث عن الاسكاتولوجيا في كو: ما دفن الله فقط المؤمنين مع المسيح (روم 6: 4). بل هو منذ الآن أقامهم وجعلهم معه في السماوات (3: 1- 4).
ب- من هو كاتب كو
ما انتظر الشرّاح القرن العشرين ليدرسوا صحّة نسبة كو إلى بولس. ولكن جاءت التحاليل دقيقة جدًا والنتائج، بحيث أثّرت على الدراسات اللاحقة. ولكن هذا لا يعني أن السؤال وجد الجواب النهائيّ في خط أو في آخر. ما هي المواقف؟
أولاً: على مستوى الاسلوب والنحو
من درس هذين العنصرين، وصل إلى اعتبار كو رسالة لم يكتبها بولس. ولكن جاء الردّ من المدافعين عن أصالتها. فالبرهان الاسلوبيّ لا يأخذ بعين الاعتبار تاريخ التدوين. فالاختلافات بين كو وسائر الرسائل قد يفسّر في أن المدوّن أخذ مواد تقليديّة ولاسيّما في المقاطع التي تبدو بشكل نشيد (1: 12- 20؛ 2: 13- 15). أو هو بدّل أسلوبه حين كبر في السنّ. ثم إن نهاية الرسالة (4: 18) قد تكون من يد سكرتير: تيموتاوس أو غيره، وهذا ما يفسّر الاختلاف على مستوى الألفاظ.
ويجب أن نعرف أن التقنيّات البلاغيّة للاقناع تدلّ على أسلوب بولس. كتب إلى كنيسة لم يؤسّسها ولم يزرها، فتصرّف كما فعل، لأنه رسول الأمم، ولأن أحدًا لا يستطيع أن يتصرّف مثله. أما الاختلافات البلاغيّة على مستوى البراهين والتقنيّات فتعود إلى طبيعة الرسالة نفسها: ما توخّت كو أن تقدّم قبل كل شيء براهين بيبليّة (أو غير بيبليّة) متراصّة، بل أن تُدخل القرّاء في معرفة السرّ. لهذا قبل أن نتحدّث عن صحّة النسبة، نتوقّف عند الخطبة وما تفرضه علينا.
وفي أي حال، حين تُطرح صحّة نسبة مقالة إلى كاتب، لا يمكن الجواب أن يكون كما في عمليّة حسابيّة واضحة، بل نصل إلى تخمين قويّ. فإذا أخذنا بعين الاعتبار الطريقة التي كانت بها تدوَّن الرسائل أو تملى، نفهم أن يكون هناك بعض الليونة بحيث لا نفهم الأصالة بحسب معاييرنا اليوم. فالرسائل البولسيّة كانت موضوع نقاش وحوار بين بولس ومشاركيه في العمل، قبل أن تدوّن، بحيث تعكس براهين أو اعتراضات هذا العضو في المجموعة أو ذاك. لهذا ظنّ عدد من الشرّاح أن تيموتاوس دوّن كو قبل موت الرسول، فاكتفى الرسول بأن يوقّع (كو 4: 17) ليدلّ على توافقه. أو أنه دوّنها بعد موته، وهكذا نفهم الاستمراريّة واللااستمراريّة. وهناك فئة ثالثة تتحدّث عن مدرسة بولسيّة شبيهة بالمدرسة اليوحناويّة. إذن، نحن أمام صياغة جماعيّة قد تكون تواصلت حتى بعد موت الرسول، فولّدت أف وكو.
ثانيًا: على مستوى المواضيع
ورفض عدد من الشرّاح أن ينسبوا كو إلى بولس مستندين إلى اختلاف في المواضيع اللاهوتيّة على المستوى الكرستولوجي (يسوع المسيح) والاكليزيولوجيّ (الكنيسة) والاسكاتولوجيّ (نهاية الزمن) والسوتيريولوجي (على مستوى الخلاص). فكان الردّ من قبل المدافعين عن صحّة نسبة كو إلى بولس: لماذا نمنع الرسول من أن يتطوّر في طرح الأسئلة بعد أن تطوّر الوضع الكنسيّ ففرض مقولات ومضامين جديدة؟
إذن، يجب أن نرى إن كانت اتجاهات بولس اللاهوتيّة الأساسيّة قد ظلّت هي هي. أن نرى أهميّة التبدّلات وطبيعتها وأسبابها، ولاسيّما في ما يتعلّق "بالسرّ" وبالاسكاتولوجيا.
وينطلق المدافعون من النتائج: أتكون الكنيسة ضلّت زمنًا طويلاً فقبلت في اللائحة القانونيّة للأسفار المقدسة كتابًا كاذبًا، كتابًا لابولسيًا؟ وهكذا تكون كوقد دخلت في مجموعة العهد الجديد بفضل جهل الأجيال اللاحقة. وهذا غير معقول.
أما نحن فنقول بارتباط كو ببولس. كتبها بيده أو كتبها سكرتيره، كما هو الأمر بالنسبة إلى روم أو غل... هل الجماعة تأمّلت في سرّ المسيح وطلبت من أحد أعضائها الموهوبين أن يدوّن ما وصلت إليه الجماعة في حوارها؟ فإن دوِّنت كو قبل موت الرسول، فتكون دوّنت سنة 61- 62. وإن دوّنت بعد موته فقد يكون ذلك قبل دمار أورشليم (سنة 70) وربّما بعده.
الفصل الثاني
شكر الله
1: 1- 8

جاء العنوان بشكل عاديّ: المرسل (في صيغة الغائب) والمرسَل إليه والتمنيّات. المرسل هو الرسول ومعه تيموتاوس. أما سائر المشاركين في العمل، فسيُذكرون في النهاية. اختلفت كو عن سائر الرسائل فما قدّمت موضوعها. بل لمحت تلميحًا خفرًا إلى ما سوف تتحدّث عنه: أولويّة المسيح في السماوات وعلى الأرض.
وتبدأ كو، شأنها شأن سائر الرسائل في العهد القديم، بفعل شكر تمتزج فيه صلوات الطلب في خطّ ما نعرف عن العالم البيبليّ واليهودي. إن هذا الشكر قد تغذّى عند بولس برؤية متفائلة حول نموّ الانجيل في العالم. هذا الانجيل الذي ينمو ويحمل ثمارًا كالزرع الذي يحدّثنا عنه يسوع في أمثاله.
بعد العنوان (آ 1- 2)، نتوقّف عند الشكر (آ 3- 8).

1- العنوان (1: 1- 2)
أ- التأليف
يرتكز التأليف على نمط من العلاقات بين المرسل والمرسل إليه. هذا الاطار الرسائلي يعود إلى العالم الهلنستي المحيط، الذي أخذ منه اليهود عاداته الرسائليّة. ولكن بدل "خايراين" (تحية) نجد "النعمة والسلام من الله الآب". إن هذا العنوان يشبه كل الشبه عنوان سائر الرسائل البولسية. وهو أقصرها مع 1 تس وأف. هنا نستطيع أن نذكر التأليف عينه في 1 مك 10: 18؛ 11: 30، 32؛ 12: 6، 20؛ 13: 36... رج 2 با 78: 2 (بداية رسالة باروك إلى القبائل التسع ونصف القبيلة التي في المنفى).
ب- التأويل
أولاً: المرسل (آ 1)
هناك أولاً بولس الذي يسمّي نفسه "رسول المسيح يسوع" (= 2 كور 1: 1). في روم 1: 1 بولس هو عبد (دولوس) المسيح يسوع المدعو ليكون رسولاً. في 1 كور 1: 1: بولس مدعوّ ليكون رسولاً. ق غل 1: 1.
"بمشيئة الله". رج 1 كور 1: 1؛ 2 كور 1: 1 (رج غل 1: 4)؛ أف 1: 1 أ؛ 2 تم 1: 1. أراد بولس أن يشير (دون أن يشدّد) على الأصل الالهي لرسالته. هو لم يمنح لنفسه هذا اللقب (أن يُرسل). فالاختيار مجاني، وهو يرتبط بالله وحده.
ثم يذكر "تيموتاوس الأخ". رج 1 و2 تم؛ 2 كور؛ فل. فلم.
ثانيًا: المرسل إليهم (آ 12)
هم "قدّيسو كولسي" و"الأخوة المؤمنون في المسيح". هل نحن أمام مجموعتين؟ أو نقرأ: "قديسو كولسي (الذين هم) الإخوة المؤمنون في المسيح. وهكذا نكون أمام مجموعة واحدة، والشقّ الأول هو بدل عن الشقّ الثاني. كو: "القديسون الذين في كولسي والإخوة المؤمنون في المسيح". أو: "القديسون والإخوة المؤمنون في المسيح (الذين) في كولسي". قد نأخذ بالترجمة الأخيرة. هو العنوان الوحيد في المجموعة البولسيّة حيث تستعمل تسمية "إخوة" للدلالة على من ترسل إليهم الرسالة. في أماكن أخرى يستعمل بولس التسمية ليدلّ على معاونيه في العمل الرسولي أو في تدوين الرسالة.
تتوجّه الرسائل الكبرى عادة إلى كنيسة أو كنائس (1 تس 1: 1؛ 1 كور 1: 2؛ 2 كور 1: 1؛ غل 1: 2؛ فلم 2)، أو إلى القديسين (2 كور 1: 1؛ فل 1: 1)، أو إلى أحبّاء الله (روم 1: 7). فهل أراد بولس أن يشدّد على العلاقة الأخوية الموجودة بين أعضاء كنيسة واحدة، بين جميع أعضاء جسد المسيح أو بين الرسول والكنائس؟ نقول إننا لا نجد لفظة "كنيسة" في هذا الموضع من الرسالة. لهذا نقول إن لفظة "إخوة" تدلّ في ذاتها على أن المؤمنين يعتبرون نفوسهم أعضاء في عائلة واحدة، عائلة الله الآب، وأن المسافة الاجتماعية والحضاريّة لا تمنع مثل هذه العلاقة التي استعملها صاحب كو الذي هو رسول يسوع، فدلّ على أن الرسالة لا تخلق بُعدًا، بل تدلّ على رسول هو أخ يعترف بأنه يكوّن مع أعضاء الكنائس علاقة "عائليّة" أساسيّة.
إن لفظة "أخ" قد توسّع استعمالها في العهد القديم. فدلّت على أكثر من العائلة أو العشيرة. دلّت على الأشخاص الذين ينتمون إلى شعب اسرائيل، رج طو 7: 3؛ 14: 4؛ يه 7: 30؛ 8: 14، 24؛ 14: 1؛ 2 مك 1: 3؛ 7: 36. وزاد بولس "في المسيح" ليدلّ على أساس هذه العلاقة الأخويّة.
لا نقرأ اللفظتين "قديسين" و"مؤمنين" معًا سوى هنا وفي أف 1: 1. ولكننا لا نجد هنا ما يدلّ على الهويّة المسيحيّة. فلفظة "بستوي" لا تدلّ على مجموعة المؤمنين. هي الصفة. بل يُستعمل اسم الفاعل: الذين آمنوا. أما "بستوي" هنا فتدلّ على ثبات الكولسيين واستمرارهم في الايمان. أما لفظة "قديسين" فترد مرارًا في الأدب البيبلي واليهودي لتدلّ على شعب اسرائيل المدعوِّ إلى القداسة (خر 19: 6؛ لا 11: 44- 45؛ 19: 2؛ 20: 7- 26؛ 21: 6، 22- 32؛ رج نظام الحرب 3: 5؛ 6: 6؛ 10: 10). نشير هنا إلى أن قداسة الإخوة ليست عملَهم. فهم دُعوا كذلك لأن الله أرادهم كذلك (هو مخطط الله، لا مخططهم، 1: 22؛ رج 1 تس 4: 3؛ 1 كور 1: 2؛ روم 1: 7). ثم إنهم تقدّسوا بيد الله (1 كور 1: 2؛ 6: 1). إذا كانت القداسة مسيرة وصيرورة متواصلة، فهي تُعطى منذ البدء في المعموديّة.
ثالثًا: التحية (آ 2 ب)
تكوّنت التحية من المثنَّى "النعمة والسلام"، فما اختلفت عمّا في الرسائل السابقة (1 تس 1: 1؛ روم 1: 7؛ 1 كور 1: 3؛ 2 كور 1: 2؛ غل 1: 3؛ فل 1: 2؛ فلم 3). تحيّة قصيرة. وهي لا تذكر "المسيح". نقرأ: "من الله أبينا". لماذا ذُكر الله الآب وحده؟ بسبب تسمية "الإخوة في المسيح". وهكذا نكون في إطار من الأبوّة والأخوّة.
أما تسمية الله "أب" فنجدها عند اليونان (زوش أبو البشر والآلهة) دون أن نعرف كيف كانوا يتصوّرون علاقة الاله بالبشر. ربّما ولدهم فصاروا من طبعه. وفي الكتاب المقدس سمّي يهوه أبا الشعب المختار، أبا داود، أبا المسيح (تث 32: 6؛ مز 88: 27- 33 حسب السبعينيّة؛ 2 مل 7: 14 حسب السبعينيّة؛ 1 أخ 7: 14 حسب السبعينيّة). ولكن العالم العبراني ابتعد عن الحلولّية واحتفظ بجود الله وحنانه (وإن كان لم يرفض القساوة والعقاب). فالله في رحمته اللامتناهية يعرف أن الانسان ضعيف، سريع العطب.
إن يسوع طلب من تلاميذه أن يصلّوا إلى الله على مثاله مع لفظة "أبّا" وهو اسم استعادته الكنيسة الأولى في هذا الشكل أو في شكل آخر: الله الآب، الله أبونا، أبونا، الآب، مت 6: 9؛ لو 11: 2؛ روم 1: 7؛ 6: 4؛ 8: 15؛ 15: 6؛ 1 كور 1: 3...
ج- نظرة عامة
كتب بولس إلى كنيسة لم يؤسّسها بصفته "رسول المسيح يسوع بمشيئة الله". ليس من أحد يعارضه في رسالة تلقّاها من الله نفسه، فقدّمت له في الكنيسة سلطةً يشير إليها لدى المؤمنين الذين لا يعرفونه معرفة شخصيّة (2: 2). ويضمّ إليه "تيموتاوس الأخ". فتيموتاوس هو بقربه (2 كور، فل 1 و2 تس، فلم)، أو هو شريك له في العمل، أو هو يوقّع الرسالة معه إلى كنيسة يمثّلها هذا الأخ. أهلُ كولسي الذين يرسل إليهم بولس رسالته هم "إخوة في المسيح"، وهكذا يعون حالاً العلاقة الروحيّة التي تجمعهم جمعًا وثيقًا بالرسول ورفيقه: فالايمان الواحد بالمسيح يجعل منهم "إخوة". في هذه الصفة هم "قديسون ومؤمنون" (أو بالأحرى: أمناء، حافظوا على الأمانة في حياتهم المسيحيّة وثباتهم). إن صفة "قديسين" تذكّرهم أنهم يخصّون الله الذي في يسوع المسيح انتزعهم من العالم وضمّهم إلى شعبه. والصفة الثانية (المؤمنون) تعلن أنهم ظلّوا أمناء ليسوع المسيح رغم دعاية الهراطقة الذي امتحنوا هذه الأمانة (2: 4- 7).
وتأتي التحيّة موجزة كما قلنا. أما مضمونها فهو هو: تمنّى بولس لمسيحيّي كولسي "النعمة"، أي محبّة الله وحنانه (تقابل "ح ن" العبريّة) من أجل البشر الخاطئين. هذه المحبّة التي تتجلّى في غفران الخطايا. وتمنّى "السلام" أي الخلاص الذي تمنحه النعمة في واقعه الحاضر والمقبل. ولا ننسى أن السلام في العالم البيبلي هو أبعد من "انتفاء الحرب". إنّه البركة التي يمنحها الله على الصعيد الماديّ وعلى الصعيد الروحي.

2- فعل الشكر (1: 3- 8)
أ- التأليف
ماذا نجد في أفعال الشكر البولسيّة؟ ثلاثة أمور: النواة (في صيغة الحاضر): أشكر (آ 3 أ) الله (آ 3 أ) دائمًا (آ 3 ب). التذكّر (الماضي): لأجلكم (آ 3 ب)، أذكركم في صلواتي (آ 3 ب)، لأسباب مختلفة (آ 4- 8). والأمر الثالث هو الطلب (في المستقبل). نجده في آ 9 ي. وهكذا يأتي الشكر والتوسّل، فيدلاّن على أكثر من بُعد إلى تنبّه بولس المتواصل إلى كنائسه. ومع أن الشكر لا ينفصل عن الطلب، إلاّ أننا نفصل آ 3- 8 عن آ 9 ي تسهيلاً للشرح.
هذا على مستوى الشكل الخارجي. وهناك أيضًا عرض للأسباب التي دفعت بولس إلى فعل الشكر هذا.
أ- سمعنا بإيمانكم ومحبتكم... الآن (آ 4- 5 أ)
ب- إعلان كلمة الحق (الانجيل) سمح بذلك... الماضي (آ 5 ب)
ج- الانجيل أثمر في العالم كله وفي كولسي... الآن (آ 6 أ ب)
ب ب- نعمة الله في حقيقتها قد أعلنها وعلّمها ابفراس... الماضي (آ 6ج- 7)
أ أ- أخبر ابفراس بالمحبّة التي تحرِّككم... الآن (آ 8).
يدلّ التأليف على العلاقة بين المحبّة والايمان... (أ) واعلان الانجيل الذي جعلها ممكنة، ودلّ على أن العناصر المذكورة في أ هي ثمر هذا الاعلان: إذن، ينطلق المقطع من ثمار الانجيل ويعود إليها مرورًا بإلاعلان الذي بدونه لا توجد هذه النتائج. ويورد قلب (ج) المقطع شموليّة إعلان الانجيل وثماره، فيدلّ هكذا على أن حقيقة الانجيل تُعرف في امتداد ثماره.

ب- التأليف
أولاً: نشكر الله (آ 3)
يبدأ النص بصيغة المتكلم الجمع (نشكر نحن). رج 1 و2 تس. فبولس ليس وحده، بل مع تيموتاوس، وكلاهما يشكران الله.
هذا الشكر يتوجّه إلى الله كما في سائر الرسائل (1 تس 1: 2؛ 3: 13؛ 2 تس 1: 3؛ 2: 13)، بالنسبة إلى لقب "آب"، رج آ 2. لا نجد إلاّ في كو 1: 3 أن فعل الشكر يسمّي الله "أبا ربنا يسوع المسيح". لماذا هذا التوسّع؟ قد نكون أمام عبارة ليتورجيّة في الكنيسة الأولى. أو بداية التوسّعات الكرستولوجيّة (1: 13- 20) مع ابراز العلاقة بين الله والمسيح. هناك ثلاثة احتمالات: "دومًا مصلّين لأجلكم". نستطيع أن نربط "دومًا" مع الشكر (نشكر الله دومًا) أو مع الصلاة. (1) إن بولس وتيموتاوس يشكران دائمًا حين يصليّان من أجل الكولسيين: هذا يعني أن الشكر يسيطر سيطرة كاملة على الصلاة. (2) يشكران كل مرة يصلّيان من أجل الكولسيين: عند ذاك توضَّح "دومًا" باسم الفاعل (مصلّين). أي جميع صلوات بولس وتيموتاوس تتضمّن فعل الشكر (وليس هذه وحدها). (3) الصلوات من أجل الكولسيين متواصلة. هذا لا يعني أن بولس لا يطلب من أجلهم (هذا ما يناقض آ 9 ي، بل يعني أن بداية الرسالة لا تشير إلاّ إلى فعل الشكر.
ثانيًا: سمعنا بإيمانكم (آ 4)
هو اسم الفاعل: سامعين. كيف ذلك؟ سننتظر آ 8 فنعرف أن ابفراس نقل الأخبار الطيّبة عن الكولسيين.
نجد هنا سببين من أجل تأدية الشكر: إيمان الكولسيين ومحبّتهم. أن يكون إيمان الجماعات مناسبة شكر لبولس، فأمر عادي (روم 1: 8؛ 1 تس 1: 3؛ فلم 5؛ رج أف 1: 15؛ 2 تس 1: 3). يقول بولس: "في المسيح يسوع" بعد "إيمانكم". فهل يدلّ على مضمون هذا الايمان أو على محيطه الحياتي (1 كور 12: 9؛ أف 1: 15؛ 1 تم 1: 14...)، على ينبوعه أو على صفته؟ وهكذا نستطيع اليوم أن نسهب العبارة كما يلي: "إيمانكم كجماعة مسيحيّة". قد نأخذ في الفرضيّة الأولى ببُعدين يتكاملان في حياة المؤمن كما في فلم 5: موضوع الايمان هو المسيح. وهدف المحبّة الإخوة. ولكن حين يتحدّث بولس عن الايمان، يستعمل مثلاً "إيس" في 2: 5: "ثبات إيمانكم في المسيح".
"المحبّة التي لكم لجميع القديسين". لا تصل المحبّة فقط إلى هذا الأخ أو ذاك. بل إلى جميع الإخوة الذين يسمَّون قديسين. وتصل إلى جماعة المسيحيين بدون استبعاد أحد. فهي في طبيعتها توحّد بشكل كامل كما في 3: 14. لا يقول الكاتب إن هذه المحبّة تصل إلى جميع البشر. وندهش حين نجد نفوسنا محصورين داخل الكنيسة. أما قال يسوع لنا بأن نحبّ حتى الأعداء (مت 5: 44 وز)؟ ولكن هذا الصمت لا يعني شيئًا. فكلام بولس يشدّد فقط على الثمار التي تشكلها جماعة كولسي كشاهدة للانجيل: فبالايمان والحبّ، الواحد تجاه الآخر، يشهد المسيحيون لكلام الحقيقة الذي هو الانجيل.
جمع بولس مرارًا بين الايمان والمحبّة (1 تس 3: 6؛ غل 5: 6؛ 1 كور 8: 7؛ فلم 5؛ رج أف 6: 23؛ 2 تس 1: 3)، وبينهما والرجاء (1 تم 4: 12؛ 6: 11؛ 2 تم 2: 22؛ 3: 10). فالايمان ليس الثمرة الوحيدة للانجيل. ثم يذكر الايمان أولاً لأنه أساس كل شيء. فهو يربط، بإعلان الانجيل، المؤمنَ بحدث المسيح ويعطيه هويّته.
ثالثًا: من أجل الرجاء (آ 5)
ويذكر الكاتب الرجاء كما في 1 تس. ما معنى عبارة "من أجل الرجاء المحفوظ لكم في السماوات"؟ هل ترتبط بـ "نشكر" و"نصلّي"؟ أو تحدّد الأسماء التي تسبق. "نشكر من أجل الرجاء". أو: إيمانكم ومحبّتكم للقديسين يجدان سببهما في الرجاء الذي هُيِّئ لكم في السماوات؟ في الحالة الأولى، نكون أمام سبب آخر لفعل الشكر وهو يرتبط بالكرامة الاسكاتولوجيّة في الجماعة. في الحالة الثانية، يشدّد النصّ على دوافع الكولسيين التي ليست ببشريّة بل ترتبط بموضوع منتظر وذات طابع سماوي. ولكن "الرجاء" بعيد عن الصلاة والشكر. لهذا نتوقّف عند الحالة الثانية.
ولكن ما معنى "هلبيس" (الرجاء)؟ نحن هنا أمام العمل (ترجّى) بدل موضوع العمل ونتيجته (الرجاء). أي الرجاء الذي نستشفّه. ولكن ما هو هذا الموضوع؟ المجد، الجزاء الاسكاتولوجيّ للمحبّة والأعمال الصالحة، أو الكنز السماوي الذي يتكلّم عنه مثلاً مت 6: 19- 21؛ 2 تم 4: 8؛ 2 مك 12: 45. فالرجاء السماوي لدى الكولسيين هو بالأحرى المسيح ربّهم الذي هو في السماء رجاء مجدهم (1: 27). غير أن آ 5 لا تسمح لنا بجواب واضح. ولكن إن اعتبرنا باقي الرسالة، يظهر أنه إن لم يكن موضوع رجاء الكولسيين منفصلاً عن المسيح، فهو لا يتماهى معه. ففي 1: 27 (يستند البعض إليه)، المجد هو ما يشكّل الرجاء الأخير للمؤمنين، وهو مجدٌ باكورتُه المسيح. في 1: 27، ليس المسيح موضوع الرجاء بل أساسه وعلّة وجوده. وإن 3: 1- 4 يؤكّد هذا التفسير لأن المسيحيّين هم منذ الآن في السماء مع المسيح، بدون أي انفصال، وهم ينتظرون أن يظهروا معه في ملء المجد.
في الرسائل الكبرى، يتوجّه الرجاء إلى المستقبل، إلى الفداء الأخير. وهو يسند ثبات المؤمنين وصبرهم. والمثلَّث "الايمان والمحبّة والرجاء" يحيط هكذا بالزمن المسيحي كله الذي ينطلق من التعلّق بالانجيل (في الماضي) إلى انتظار الفداء الأخير، مرورًا بالمحبّة الأخويّة اليوميّة. إن 1: 3 (رج 3: 1- 4) يدلّ على تبديل موضع الرجاء: ما ينتظره المؤمن ليس في الزمن المقبل، بل في المكان في السماوات. وهكذا ننتقل من اسكاتولوجيا زمانيّة إلى اسكاتولوجيا مكانيّة.
لا يقول بولس إن الرجاء يحدّد تحديدًا كاملاً الانجيلَ. بل إن الاعلان الأول للانجيل قد أعطى منذ الآن الكولسيين، السمات التي تميّز الرجاء المسيحي. وبما أن هذه العبارة موجودة في البداية، فنفترض أنها تودّ أن تجعل الانجيل في وجه الضلال الذي يحاربه ف 2.
رابعًا: بلغت إليكم كلمة الحق (آ 6)
تقدّم آ 6 أ ب السمات الجوهريّة في الانجيل (1) ما نحن نذهب إليه، بل هو يجيء إلينا، ويبقى حاضرًا بيننا (ديناميّة وثبات). (2) هو من أجل الجميع، ويجب أن يُعلن في العالم كله (امتداد للاعلان يشمل الكون). (3) يحمل ثمرًا (نوعيّة ونموّ). (4) في كل مكان أعلن (امتداد للنموّ يشمل الكون). نجد الامتداد والنموّ في عدد من الرسائل الكبرى (روم 1: 8؛ 1 كور 1: 5- 6؛ فل 1: 5- 7؛ 1 تس 1: 3). ولكن بولس يتكلّم عنهما منطلقًا من النتائج، من إيمان الكنيسة ومحبّتها (دون أن يسمّي الانجيل). أما هنا في آ 6، فهو يعتبر هذا الامتداد وهذا النمو انطلاقًا من السبب (لا يتكلّم عن المرسلين ولا عن الكنائس). وهكذا يماهي بين النموّ اللاهوتيّ للجماعات وبين الانجيل.
إن المثّنى "تثمر وتنمو" المستعمل في معنى رمزيّ، يهيّئ مع 1: 10 أحد المواضيع الرئيسيّة في الرسالة: موضوع نموّ المؤمنين وملئهم في المسيح.
وتقدّم آ 6 ج (منذ يوم سمعتم بنعمة الله) سمة أخرى من الانجيل. (5) لا يعود النموّ إلى "البارحة"، بل إلى زمن الاعلان. وليس هذا النموّ عابرًا وغير منتظم. بل يتواصل ويدوم: إن قوّة الانجيل تُعرَف أيضًا في هذا الثبات في النموّ. إن الفضائل التي أظهرها الكولسيون تدلّ على حقيقة الانجيل وقوّته. والانجيل هو الذي يشرح وضع الكنائس ويدفع الرسول إلى فعل الشكر. ليست آ 6 ج حاشية خارجيّة نستطيع أن نستغني عنها، بل هي تهيّئ جسم الرسالة حيث يبدو حاسمًا الصراعُ من أجل الانجيل ونموّه.
نجد هنا فعل "عرف" (ابيغينوسكاين، أدرك) الذي سيعود فيما بعد (1: 9...). إن الرباط بين فعل الشكر (آ 3، رفعه بولس) ونعمة الله (آ 6، وصلت إلى المؤمنين) واضح. فالافخارستيا تعرف ما هي النعمة، ما هي عطيّة الله. وهكذا نرى الرباط بين فعل الشكر والحياة المسيحيّة، الذي تشدّد عليه كو وأف. ولكن ما هي "نعمة الله" التي رأى حقيقتها الكولسيون؟ إن التوازي بين "الانجيل، كلمة الحق" (آ 5) وبين "نعمة الله في حقيقتها" (آ 6)، يدلّ على أن الكاتب يشير هكذا إلى الانجيل: الانجيل هو كلمة الحق، وهو أيضًا النعمة في سموّها التي بها نستطيع أن نؤدّي الشكر على الدوام. ونجد هنا كما في آ 5، التعارض بين حقيقة الانجيل والضلال.
خامسًا: تعلمتم من ابفراس (آ 7)
هل يعود فعل "تعلّم" (منتاناين) إلى اعلان الانجيل أم إلى التعليم الذي تلاه؟ لا يتيح لنا النصّ أن نميّز زمنين أو طريقتين في إدخال المؤمنين إلى الانجيل: الاعلان (بواسطة من؟) والتعليم (بواسطة ابفراس): من ابفراس "تعلّم" الكولسيون الانجيل. لا نجد هذا الفعل في الرسائل الكبرى ليصوّر كيف تقبّل المؤمنون الانجيل. ولكنه يتوسّع حقل التبشير (كما في روم 16: 17؛ فل 4: 9) الذي لا يتوقّف في نقطة محدّدة، بل يضمّ دومًا جزءًا من التعليم.
ابفراس هو "الحبيب". وهو "سيندولوس": يخدم معنا. ثم هو "خادم المسيح" الأمين. وظيفة متواضعة (خادم) ولكن فيها مشاركة (سين) ومساواة مع بولس وتيموتاوس. كان ابفراس خادمًا باسم بولس وحلّ محلّ بولس. مع ابفراس أو به، هو بولس نفسه الذي بشّر الكولسيين. ففعل "دولاواين" وفعل "دياكوناين" يدلاّن على الخدمة. وعلى أن خدمة المسيح (لا الكرامة الشخصيّة ولا ممارسة السلطة) هي الهدف الوحيد والأخير لرسالة الانجيل. ابفراس حبيب في علاقته مع بولس وتيموتاوس. وفي علاقته مع المسيح الذي يخدمه كممثِّل لبولس، فهو أمين. وما يُطلب من "دياكونوس" (الخادم) هو أن يكون أمينًا (1 كور 4: 2). هذا يكفي الآن كمديح لابفراس. وستتحدّث التحيّة الأخيرة (4: 12- 13) عن هذا الرفيق بحرارة كما في المقدمّة، وتؤكّد أنه خادم المسيح يسوع على مثال بولس (روم 1: 1؛ غل 1: 10؛ فل 1: 1). حين سمّاه بولس هكذا، لم يدلّ فقط على محبته وثقته بشخص صار سجينًا معه (فلم 23)، بل رأى فيه شخصًا أهلاً للثقة يتمتع بالسلطة التي يتمتّع بها هو وتيموتاوس. وحين ربط بولس ابفراس بتيموتاوس وبنفسه، دلّ أن تبشير ابفراس وتعليمه لا يفترقان عن تبشيرهما وتعليمهما. وبعبارة أخرى: الانجيل هو هو بأصله الرسولي وإلهامه البولسي. هو يستحقّ اسم "كلمة الحقّ": هذا يعني أن تبشير الكولسيين لم يكن تبشيرًا من النوع "الرديء". تبشير ابفراس هو تبشير بولس. وهكذا نرى، في هذا التقديم، التهيئة البلاغيّة البعيدة لما في 2: 6- 29 حيث يحارَب تقليدٌ بشري ليس له سوى ظاهر الحقيقة.
سادسًا: محبتكم في الروح (آ 8)
إن الأخبار التي نقلها ابفراس تدلّ بشكل غير مباشر أن بولس هو المسؤول عن كنيسة كولسي. وهذه الأخبار هي اعتراف بهذا الوضع.
"محبّتكم". هي محبّة الكولسيين لبولس، لا محبّتهم بعضهم لبعض. والمحبّة في الروح تبعدنا عن الشعور الخارجي والتعاطف البشري. وتحدّثنا عن علاقة ينعشها الروح. هي المرّة الوحيدة في كو يُذكر روحُ الله. هكذا تفترق هذه الرسالة عن الرسائل الكبرى. والسبب هو تركيز كو على الكرستولوجيا بشكل شبه حصري ردًا على الضلال الذي عرفته هذه الكنيسة.
ج- نظرة عامة
اعتاد الناس في ذلك الزمان أن يبدأوا رسائلهم بالتأكيد أنهم يصلّون لأجل من يرسلون إليهم الرسالة. ولكن هذه العادة لم تكن مجرد اصطلاح. فهي تجيب على حاجة في قلب الرسول وتتيح له أن يحدّد حالاً علاقاته مع إخوته الكولسيين على المستوى الروحي الذي هو خاص بهم. قال بولس في سائر الرسائل (روم 1: 8؛ 1 كور 1: 4) إنه يشكر الله. وزاد هنا "أبا ربّنا يسوع المسيح". قد يكون أدرك إيجازًا غير معهود في التحيّة السابقة، فذكر أن الله هو "أبونا" (آ 2) لأنه "أبو ربنا يسوع المسيح". وهكذا تكتمل هنا في آ 3 التحيّة التي قرأناها في آ 2.
ما زال بولس يؤدّي الشكر لله من أجل مسيحيّي كولسي، منذ سمع ابفراس يتكلّم عن "إيمانهم في المسيح يسوع". ولا يريد فقط أن يذكر أن موضوع إيمانهم هو المسيح، بل أن هذا الايمان مؤسَّس على عمل الله الفدائيّ في يسوع المسيح الذي صُلب وقام. وإيمان الكولسيين، شأنه شأن كل إيمان حقيقي، يظهر في محبّتهم لجميع القديسين، أي لجميع المؤمنين أينما كانوا ومن أين جاؤوا. يعرف بولس بعض الشيء عن هذا الوضع، ولا يعرفه كله، لأن شخصه غير معروف في كنيسة كولسي التي حمل ابفراس معه حبّها للرسول (آ 8).
وما يدفع بولس إلى هذا الشكر المتواصل من أجل إخوته في كولسي، هو "الرجاء الذي حُفظ لهم في السماوات". فالرجاء هنا كما في روم 8: 24- 25، ليس فعل الرجاء، بل موضوع الرجاء المسيحيّ: الحياة الأبديّة في ملكوت الله، الخلاص. والرسول متأكّد أنه "محفوظ في السماوات" لإخوته في كولسي. هو مهيّأ لهم وهو ينتظرهم بمنأى عن محاولات القوى المعادية. حين نسمع بولس يدعو الكولسيين أنفسهم ليؤدّوا الشكر من أجل هذا الخلاص (آ 12- 14)، نظنّ أنّ له سببًا في التحدّث مع كنيسة كولسي حول يقين الخلاص الذي حقّق الله جميع شروطه بحيث لا يهدّده شيء. سيعطينا وليُ الرسالة بعض المعلومات في هذا الشأن. ويبرز اهتمام بولس بهذا "الرجاء" في آ 5 ب: سبق وسمع الكولسيون "بكرازة الحقّ". سمّى بولس هكذا الانجيل ليعارض التعاليم الضالّة التي يعلّمها الهراطقة. ارتدّ الكولسيون بكرازة الحقيقة. وهي كرازة جديرة بالثقة بحيث لا يستطيعون أن يزيدوا عليها أو ينقصوا منها. "لهذا فهم يعترفون بواقع "الرجاء" الذي أعلنته.
وهذه الكرازة ما هي إلاّ الانجيل الذي بلغ إليهم. والانجيل الذي بدا كشخص حيّ، هو قوّة بدأت تحتلّ العالم. وقد وصل إلى كولسي. ورآه الكولسيون يتجذّر عندهم كما تجذّر عند غيرهم في الثمار والنموّ. وهو يدلّ على حضوره كما يولّد الايمان. ويدلّ على قدرته بانتصاره على الخطيئة بأعمال محبّة الذين قبلوه. وهو "ينمو" فيربح مؤمنين جددًا موسّعًا يومًا بعد يوم حلقة عمله. هذا ما حدث في كولسي "منذ يوم سمعتم بنعمة الله" أي الانجيل الذي صار فاعلاً. والطابع العمليّ لهذه المعرفة يبرز بوضوح في آ 6.
لقد تعلّم الكولسيون من ابفراس. هي الكرازة الرسوليّة. الانجيل نفسه، بل الوضع الجديد الذي منحه المسيحي، المسيحُ الذي يعلنه الانجيل بل الحياة الجديدة المعطاة للمؤمن والمفروضة عليه، بل ثمار النعمة من تحرّر وولادة جديدة (3: 1- 4: 6). ما تعلّم الكولوسيون من ابفراس يتعارض كل التعارض مع التعاليم الجديدة والفاسدة التي يلقيها الهراطقة في كولسي.
لهذا شدّد بولس على سلطة ابفراس. بالنسبة إليه هو الحبيب والرفيق. وبالنسبة إلى الكولسيين هو "الخادم الأمين". هو رجل في خدمة المسيح يتمّ عملَ الرب بأمانة تامّة. لهذا يستطيع الكولسيون أن يثقوا به. لقد صار صلة الوصل الحيّة بين بولس وكنيسة بعيدة عنه. فابفراس لم يكلّم الرسول فقط عن كنيسة كولسي، بل حمل إليه محبّتها التي هي ثمرة الروح الحقيقيّة.

خاتمة
تلك كانت بداية كو، وقد أعلمتنا بشكل خاص بالدور الذي لعبه ابفراس في حمل الانجيل إلى هذه المدينة. ولكن ابفراس يعتبر أن بولس يبقى الرسول الأول، ولهذا ذهب إلى رومة يطلب منه كلامًا إلى المؤمنين في كولسي. وما نلاحظه في هذا المقطع هو ذكر الروح في آ 8، الذي لن يعود يُذكر فيما بعد، بل يلمّح إليه الكاتب تلميحًا في 3: 16. الروح هو ينبوع المحبّة (أغابي) بين المؤمنين. وإذ ذكر الرسول الروح، أخذ فعل الشكر في كو لونًا ثالوثيًا: نشكر الله أبا ربنا يسوع المسيح لتقدّم الانجيل، وهذا ما يظهر في حياة محبّة متبادلة يحرّكها الروح القدس.
الفصل الثالث
صلاة الرسول
1: 9- 14

استعاد بولس بوقفة احتفاليّة صلاته من أجل الكولسيّين. في محطّة أولى سيطر فعل الشكر لأنهم قبلوا "كلمة الحقّ"، ولأنهم دلّوا على عمق حياتهم المسيحيّة. والكلام يشير الآن إلى المستقبل. يجب أن ينموا في "معرفة الله". وهذه المعرفة تستند إلى وحي السرّ الذي تسلّم بولس مهمّة كشفه. ومعرفة الله هي ممارسة اتجاهات العهد الأساسيّة. هي إثمار "الأعمال الصالحة".
بعد التأليف والتأويل، نقدّم نظرة عامة عن صلاة بولس لأجل هذه الكنيسة التي عرف أخبارها وأحسَّ بصعوباتها.

1- التأليف
تبدو بنية النصّ واضحة بفضل الأفعال: إن موضوع الطلب ومعرفة مشيئة الله، يتبرّر بغائيّته (أن نحيا حياة تليق بالربّ). ويتوضّح في أربعة أشكال تحركه:
* موضوع أو غائية الطلب
أ- أن تمتلئوا بمعرفة مشيئته (آ 9 ب)
ب- لكي تسلكوا على ما يليق بالرب (آ 10).
* أربعة أشكال في الحياة المسيحيّة
- تحملون ثمرًا بكل عمل صالح (آ 10 ب)
- تنمون في معرفة الله (آ 10 ج)
- تشكرون بفرح الآب (آ 12 أ).
* أسباب فعل الشكر لدى الكولسيين:
الذي أهَّلنا
الذي انتزعنا... ابنه (آ 13)
الذي لنا فيه الفداء (آ 14).
تدلّ هذا البنية على تدرّج الأشكال التي بها نعبّر عن سلوك يرضي الله. أولاً، الفعل الخلقي الكامل. ثم النموُّ في معرفة الله. بعده الثبات في كل محنة. أخيرًا في الذروة: فعلُ الشكر الذي يعطي العناصر الثلاثة السابقة معناها، كما يعطي السبب لوجود النشيد الكرستولوجي في آ 15- 20. أما آ 13- 14 فتبدوان توسّعًا يرتبط مع آ 9- 12 دون أن ترتبطا ارتباطًا مباشرًا بالأشكال الأربعة التي وجدناها في آ 9- 12.
إنَّ ذكرَ صلاة التوسّل ارتبط ارتباطًا وثيقًا بفعل الشكر، كما يجد "ما ليس بعد" (الزمن المقبل الذاهب إلى الملء على كل الصعد) من حياة مؤمني كولسي، ديناميّتَه في ما "صار الآن" (الثمار الحاضرة: الايمان، الرجاء، المحبّة). فما "صار الآن" لدى الكولسيين يوافق فعل الشكر لدى بولس. وما ليس بعد يوافق توسّله ودعاءه.
إذا نظرنا إلى 3- 12، نجد رسمة سريعة عن كل ديناميّة الحياة المسيحيّة، من إعلان الانجيل إلى المجد السماويّ مرورًا بتحقيقها ونموّها الحاليين.

2- التأليف
أ- لذلك نصلي لأجلكم (آ 9)
"فلذلك". بهذه الأداة يرتبط فعل الشكر بصلاة التوسّل. نجد هنا حرف العطف (كاي) فنترجم "نحن أيضًا". ننتقل من معلومة إلى أخرى. من ابفراس الذي هو، صنع. فعل، إلى آخر، إلى نحن (أي بولس وتيموتاوس). إذن، لسنا أمام صلاة تُزاد على صلاة (نصلّي أيضًا) بل على شخصين يرد عملهما بعد شخص أول هو ابفراس.
"لا ننفّك نصلّي". فبعد فعل الشكر المتواصل من أجل ثمار الانجيل، يأتي الطلبُ الذي هو متواصل أيضًا لكي يبلغ الكولسيون إلى الكمال. إن فعل "امتلأ" (بليروستاي) يُطلق موضوع ملء المؤمنين وهو ملء يرتبط بملء المسيح في ف 2. ولكن يجب أن نعود إلى الطريقة التي بها يعالج الرسول الموضوع في آ 9. فالتماسك ليس تامًا. لقد صلّى الرسول لكي يمتلئ الكولسيون في معرفة مشيئة الله (هذا يعني أنهم لم يدركوا بعُد هذا الملء). ولكنه سيقول لهم في 2: 10 إنهم قد امتلأوا.
إن موضوع الطلب (تمتلئوا من معرفة مشيئته في كل حكمة وفهم روحيّ) ليس بجديد. ونحن نجد في الأدب البيبلي واليهوديّ مقاطع عديدة تشدّد على العلاقة بين معرفة مشيئة الله والتصرّف الخلقيّ لدى المؤمنين: كيف يتصرّفون باستقامة إن كانوا لا يعرفون ما يريده الله منهم. رج مز 1: 2؛ 15: 3؛ 39: 9؛ 102: 7، 21؛ 110: 2 حسب السبعينيّة.
سيعود هذا النموذج في جماعة قمران (نج 1: 5؛ 3: 1، 19- 20؛ 5: 10؛ 8: 9- 10...) وفي الانجيل نفسه (مت 6: 10؛ 7: 21؛ 12: 5؛ لو 12: 47). وهذه المعرفة لا يستطيع أحد أن يعطيها لنفسه. بل عليه أن يطلبها، فهي نعمة وأعظم نعمة (نج 3: 15؛ 4: 27؛ 5: 11؛ 11: 17- 18...). ونقول الشيء عينه عن المواهب (الالهية) الثلاث المذكورة في آ 9: المعرفة (ابيغنيوسيس). الحكمة (سوفيا). الفهم (سيناسيس). رج نج 4: 3 حيث نجد هذه الألفاظ الثلاث مع ذكر الروح الضروريّ لاقتنائها (مدا 12: 11، 12؛ 14: 25). وهناك نقطة أخرى مشتركة مع التقليد البيبلي: كلهم مدعوّون لمعرفة مشيئة الله. ولا حاجة إلى مجهود يفوق طاقة البشر (رج تث 30: 11- 14). فالله يمنحها لمن يرغب فيها حقًا ويطلبها. لهذا طلبها بولس لجميع المؤمنين، لا لبعض المتدرّجين. هذا يعني أن الجميع يستطيعون أن يحصلوا عليها، بل يجب. لسنا هنا أمام نخبة تقف تجاه الجموع ولا أمام تيار باطنيّ. نحن هنا أمام موضوع جوهريّ في العالم اليهوديّ وفي الكنيسة، وهو يفتح الطريق لمعالجة موضوع المعرفة في ما تبقّى من كو.
ب- سلوك يليق بالرب (آ 10)
إن فعل "تسلكوا" له معنى غائي: إن معرفة مشيئة الله التي تتكلّم عنها آ 9 ليست معرفة نظريّة. بل تتوخّى سلوكًا أخلاقيًا ودينيًا كما يقول فعل "باريباتاين" الذي يعني عاش هذه الحياة أو تلك. سلك (2 مل 20: 3؛ أم 8: 20).
من هو "الرب" (كيريوس)؟ الله الآب أو المسيح يسوع؟ و"في كل ما يرضيه، يعود الضمير إلى "الربّ". ولكننا نستطيع أن نضع صيغة الحياد: "نرضي في كل شيء". من نرضي؟ الآب، المسيح، الإخوة المؤمنين، العالم؟ إذا عدنا إلى النصوص الموازية في العالم اليهودي (فيلون، الشرائع الخاصة 1: 176؛ 1: 297؛ 317) أو البولسي (1 تس 2: 12؛ 4: 1؛ روم 8: 8)، يبدو أن الرب هو الله الآب. وهو وحده من يجب أن نرضيه. وفي أي حال، لا نبحث عن رضى البشر (كو 3: 22: كمن يرضي الناس). ولكن إذا عدنا إلى كو، نلاحظ أن يسوع يتخذ لقب "كيريوس" (1- 10؛ 3: 13) (يزيد الشهود خرستوس)؛ 3: 16 (كلمة الرب)؛ 3: 18، 20، 22- 23، 24 أ؛ 4: 1 ب، 7- 17). وهكذا نستطيع أن نقول: نسلك بما يليق بالرب يسوع لكي نرضي الله في كل شيء.
"حاملين ثمرًا في كل عمل صالح". مع هذا اسم الفاعل ننتقل إلى الأشكال التي بها تُعرف حياةً ترضي الربّ. فعل "كربوفوراين" (حمل ثمرًا). رج آ 6. يدلّ مرّة أخرى على الأهميّة التي يوليها الكاتب لسلوك المؤمنين كموضع تُعاش فيه حقيقة الانجيل وتُعرف. في آ 4 لا يُذكر من يصل إليه العمل. هذا يعني أن آ 10 تعتبر كمية الثمر لا غائتيه: لا يستطيع المؤمن إلاّ أن يثمر ثمرًا كثيرًا. ستعود كو إلى الأعمال ولاسيّما إلى الأعمال الشريرة (1: 21؛ 3: 7- 17) لتقابل بين حاضر حياة المؤمن (الآن) وماضي وضعه الخاطئ (بالأمس). وبما أن 1: 10 لا يجعل علاقة وثيقة بين الأعمال الصالحة والايمان، رأى بعضهم في هذه الآية تشديدًا على الأعمال وإغفالاً للإيمان البولسي. هذا تفسير خاطئ. فالتدرّج البلاغي في آ 10- 12، يدلّ على أن الأعمال هي العلامة الأولى لحياة إيمان جديرة بالانجيل. ثم لا ننسى أن الأعمال الصالحة التي تتكلّم عنها آ 10 هي ثمرة نعمة الله. هي تجلّي قدرة الله التي تعمل في المؤمن (آ 11). إذن، ليست نتيجة القوى البشريّة، ولا تتوخّى أن تجعلنا نربح استحقاقًا.
وينتقل النصّ من عمل المؤمن إلى معرفته. نحن نتدرّج في المعرفة. قرأنا في آ 9 "معرفة مشيئة" الله. ونقرأ في آ 10 "معرفة الله". هل تتوازى العبارتان؟ كلا، على ما يبدو. فالأولى تشير إلى ما يريده الله منا في عمل يرضيه. والثانية موضوعها المباشر الله. هذا ما نجد في هذه الآية. ولكن إن قرأنا آ 12- 20 حيث يصوَّر عمل الله الآب في الخلق والفداء، مع وساطة الابن الحبيب، نفهم أن هذه المعرفة هي ما يكوّن الكائن المسيحيّ.
ج- نتقوّى بقدرة الله (آ 11)
وبعد أن أعلن الكاتب عنصرين بهما نعبّر عن السلوك الذي يرضي الله، وهما العمل والمعرفة، ها هو يقدّم عنصرين آخرين يتوجّهان حسب الزمن: الأول يتوجّه نحو المستقبل (الصبر والأناة). والثاني نحو الماضي (تذكير بفعل الشكر وبالنعم التي نالوها). ويتكلّم عن قدرة الله بشكل يذكّرنا بالكتابات اليهوديّة.
"متقوّين بكل قوة". هذا ما يشدّد على التدرّج. وتأتي عبارة "حسب قدرة مجده" فتضيف أن قوّة المؤمن تأتي من الله وحده، وأن هذه القدرة، قدرة المجد الالهي، ستتجلّى في كل مؤمن. هل يعني هذا أن المؤمنين مدعوّون إلى أن ينعموا بحياة سهلة تُستبعد منها كلُّ مشكلة وصعوبة؟ هل يجب أن يكونوا أقوياء في نظر العالم ليدلّوا على أن الانجيل هو قدرة الله؟ لا ليست حياة المؤمنين انتصارًا سهلاً، بل لا تغيب عنها الآلام والصعوبات، لأن القوى التي ننالها نتوخّى أن تعطينا "كل صبر وأناة" يفترضان وضعًا صعبًا. فالقوة القديرة التي ننالها من الله ليست سحرًا يُبعد كل المضايق، بل سلطة تجعلنا ثابتين أمام الألم.
هناك الاسم "هيبوموني" الذي يفترض موقف عداء تجاه المؤمنين. لهذا يكون صبرهم جواب اللاعنف على العنف. والاسم "مكروتيميا" (طول الأناة) هو ردّة فعل تتألف من التفهم والتسامح والرحمة تجاه أعضاء الجماعة (1 كور 13: 4؛ 1 تس 5: 14؛ غل 5: 22؛ أف 4: 2). يدلّ هذان الاسمان على أن الصعوبات تأتي من خارج الكنيسة كما من داخلها. ولكن سيكون الكولسيون أقوياء ثابتين في كل محنة.
د- نشكر الآب بفرح (آ 12)
يشكل فعل الشكر العنصر الرابع الذي به تُرضي الربَّ حياةُ المؤمنين. إن التحريض على العمل لا يُفهم إلاّ بالنظر إلى الوضع الجديد للمؤمن والأشكال التي توضحه. وفعل الشكر هذا يتمّ في الفرح. ولكن من يستطيع أن يشكر في الحزن؟ لا ننسى أننا في الصبر والأناة، وهذا يعني صعوبات قد تقود القارئ إلى أن يظنّ أن العزاء غاب عن الجماعة. إن الدعوة في فعل الشكر تزيل كل شكّ في هذا المجال. يعود الشكر إلى الله الآب (رج آ 3). ولكن هنا، ترك الكاتب لفظة "الله"، وما ذكر بعد "الآب" عبارة "ربنا يسوع المسيح" التي سترد في آ 13 بشكل "ابنه الحبيب".
نشكر الآب. هناك علاقة بين الآب والابن الحبيب. هل غاب الموقف البنوي؟ كلا، وإلاّ ما معنى صلاة يشكرون فيها الآب إن لم يكن أباهم؟ حين ترك الكاتب الضمير (أبانا نحن) وعبارة "ربنا يسوع المسيح"، أعطى اللقب امتدادًا أوسع (أبو يسوع المسيح وأبونا). ففعل الشكر للآب يدعو المؤمنين ليعيشوا ويتصرّفوا كأبناء عرفوا ما صنعه الله لهم. وهكذا يبقى الموقف البنويّ مرتبطًا بفعل الشكر.
إن بواعث فعل الشكر المذكورة في آ 12- 13، لا تأتي من وضع المؤمنين ولا من سلوكهم، بل من العمل الخلاصي الذي أجراه الآب ذاته لهم: "أهَّلكم للشركة في ميراث القديسين". لا يتكلّم النصّ أولاً عن العلاقة التي عادت بين الآب والمؤمنين (مثلاً، صالحنا. أو: قدّسنا)، بل عن هذا العمل الذي جعل المؤمنين في علاقة مع مجموعة ثانية (القديسين) وضعُها وضعُ الورثة. لها "جزء في حصّة". هل لها الاختيار، البنوّة، المسيح، المجد السماوي أو الخلاص النهائي؟ لا نستطيع أن نختار. ولكن التوازي بين آ 12 وآ 13 يسير بنا من العام (آ 12) إلى الخاص (آ 13). ويُفسّر "جزء حصة القديسين في النور" كـ "انتقال إلى ملكوت الابن الحبيب". وهكذا تكون الحصّة ملكوت الابن الذي يشارك فيه كلُّ مؤمن منذ اليوم.
ومن هم القدّيسيون الذين يشاركهم المؤمنون في حصّتهم، في نصيبهم؟ هناك من يقول: الملائكة. وآخرون: جميع الذين أرضوا الله منذ البدء ويملكون معه الآن في السماء. الفئة الأولى تستند إلى تقارب بين 1: 3- 13 وكتابات قمران (نظح 10: 12؛ 12: 1؛ نج 11: 7- 8). وإن كو 3: 1- 4 قد تُسند هذه الفرضيّة: يقدَّم المؤمنون مع المسيح فيسكنون في السماء مثل الملائكة. والفرضيّة الثانية تعود إلى الآباء منذ ابراهيم، الذين يشاركون الله في مجده. حينئذٍ يصبح معنى الآية كما يلي: لقد قدّرنا الآب ليكون لنا نصيب النور الذي قدمّه للقديسين في جميع الأزمنة أي المجد أو المشاركة في الملكوت. وهكذا نلتقي مع الذين يرون في آ 13 الخاص الذي نجده عامًا في آ 12.
إن عبارة "جزء حصّة القديسين في النور" هي قريبة من حك 5: 5- 6 كما أن آ 13: 15- 20 هي قريبة أيضًا من عبارات نجدها في حك 10: 6- 15. فهل نستطيع القول بتأثير حك على كو 1: 12- 13؟ ولكن عمل التحرير المنسوب إلى حك في 10: 6- 15 يُنسب هنا إلى الله الآب (لا إلى الابن). فالتشابهات في الألفاظ بين حك وكو 1: 12- 14 تحيلنا إلى محيط يهوديّ واحد.
هـ- انتزعنا من سلطان الظلمة (آ 13)
صوّرت آ 12 وضع المؤمنين على مستوى الامكانيّة (أهّلنا)، وبصورة إيجابيّة (مشاركة في النور الذي نالوه). وها هو الكاتب يعطينا ايضاحات حول الوضع نفسه وحول أشكال ظهوره.
تقسم الآية إلى شقّين متعارضين
13 أ: انتزعنا من سلطان الظلمة
13 ب: ونقلنا إلى ملكوت ابنه الحبيب.
ألفاظ تقليدية ومواضيع بولسيّة. فالفعل "انتزع، نجّى" (رواماي) يدلّ هنا على تدخّل الله الخلاصّي. وعبارة "انتزع من الظلمة" نقرأها مثلاً في "يوسف واسنات" (15: 13) وعدد من الكتب اليهوديّة. كما نجد التعارض بين النور والظلمة اللذين يرمزان إلى دائرتين وسلطتين تتقاتلان حتى النهاية: سلطة الشّر وسلطة الله (نظح 1: 11؛ 14: 9؛ 17: 5- 6). نشير هنا إلى تقارب بين هذا المقطع وما في أع 26: 18.
هذه التوازيات تتيح لنا أن نقدّم ثلاث فرضيات: إن أع وكو يعودان إلى تقليد واحد يتجذّر في العالم اليهودي (صار مسيحيًا في كو 1: 13) أو يعود إلى الكنيسة الأولى (بولس أو تقليد آخر) مع ارتباط بالعماد (انتقال من سيّد إلى آخر، الحياة الجديدة والحياة القديمة، غفران الخطايا). الفرضية الثانية: بما أن هناك تشابهًا بين لو وكو، فقد يكون لوقا دوّن كو. والثالثة: قد يكون أع استقى كو. ونبقى على مستوى الفرضيات وإن كنا نميل إلى الأولى.
الشق الثاني من الآية يدلّ على وضع المؤمنين الحالي: فلا معنى لانتزاعهم من العبودية (من السجن) إن كانوا سيتيهون دومًا فلا يجدون موضعًا يعيشون فيه حرّيتهم. جعلتهم آ 12 في علاقة مع القديسين والطوباويين (انتماء إلى مجموعة). وتذهب آ 13 أبعد من ذلك، فيرتبط المؤمن في كيانه بملك هو ابن الله. لا شكّ في أن المؤمنين يتركون سلطة ضاغطة، سلطة الظلمة، ويجدون سلطة أخرى، سلطة ملك قدير وهي سلطة غير ضاغطة. لا يقول الكاتب "اكسوسيا" أي سلطة بل "بسيلايا" أي ملكوت. وهكذا يكون الانتقال إلى ملجأ أمين، إلى ملكوت يتأسّس على المحبّة.
لا تتحدّث الرسائل الكبرى عن ملكوت المسيح (في أف 1: 6 يُسمّى الحبيب)، ولكننا نجد في كو 1: 13 وأف 5: 5: ملكوت المسيح والله. رج 1 كور 15: 23- 28؛ روم 7: 4 حيث يُقال إن المؤمنين يخصون المسيح القائم من الموت (2 كور 5: 15). في الواقع، لا يستعمل بولس سوى عبارة "ملكوت الله" ويعطيها رنّة مقبلة، لأنها يفهمها على أنها ستصير. وإن كو 4: 11 (يعاونني في أمر ملكوت الله) تفترض هذا النمط من الاسكاتولوجيا التي لم تتحقّق. إن 4: 11 تدلّ على أن ملكوت الابن لا يحلّ في كو محلّ ملكوت الله ولا يتماهى معه. إن لفظة "بسيلايا" تدلّ على أن الابن يملك (الآن، بسبب قيامته، 1- 18) بقدرة، وأن المؤمنين ينعمون بسلطانه الملكيّ. ولكننا لا نستطيع أن نستنتج "مزاحمة" بين ملكوتين، ملكوت المسيح وملكوت الله أبيه، لأن الآب نفسه هو الذي ينقل المؤمنين إلى ملكوت ابنه. حين تقول الآية إن الآب أراد أن يجعل المؤمنين تحت سلطة الابن الذي يحبّه فوق كل شيء، فهي تهيّئ الكولسيين (والقارئ أيضًا) لكي يعرفوا أنهم لا يرتبطون إلاّ بالمسيح من أجل حفظهم وحمايتهم (2: 6- 33).
و- لنا فيه الفداء (آ 14)
في هذه الآية عنصرمشترك مع أع 26: 18 وهو غفران الخطايا. وهذا العنصر يشكّل بدلاً مع عنصر آخر غاب عن أع 26: 18 هو "الفداء" (ابوليتروسيس) الذي يتخذ وجهًا خاصًا كغفران الخطايا. وهكذا يقدّم لنا هذا المقطع تفاصيل متلاحقة: أكّدت آ 13 أن المؤمنين انتُزعوا من سلطان الشر. وحدّدت آ 14 أننا أمام الفداء بل الغفران. "الفداء" يحمل رنّة اسكاتولوجيّة هنا كما في الرسائل الكبرى. أما "غفران الخطايا" فعبارة لا تظهر عند بولس إلاّ في كو 1: 14 وأف 1: 7. ولكننا نجدها في مت 26: 28؛ مر 1: 14؛ لو 1: 77؛ 3: 3؛ 24: 47؛ أع 2: 38؛ 5: 31؛ 10: 43...
مع غفران الخطايا، نصل إلى ذروة الوحدة بقدر ما يشكّل غفرانُ الخطايا جوهرَ عمل الله. إن الغفران يعطي الفداء قوّته، لأن الفداء يعني فقط تحرّرًا من السجن أو العبوديّة. فماذا يفيد المؤمنين إن تحرّروا فظلّوا في خطاياهم، إن لم يتبدّلوا في الداخل؟ نجد في خلفيّة هذه الآية موت يسوع، وإن لم يُذكر هذا الموت، لأن الكاتب لا يشدّد على "كيف" (وساطة المسيح)، بل على نتائج عمل الآب من أجل المؤمنين: لا ننسى أن آ 12- 14 شكرت الآب على ما فعل هو (لا الابن). ومع ذلك، فإن صوّرت هذه الآيات عملَ الآب الخلاصي من أجل المؤمنين، فهذا العمل بجعل المؤمنين بشكل تدريجيّ في ارتباط مع المسيح: لا يقول المقطع شيئًا عن العلاقة الجديدة بين المؤمنين والآب (صاروا أبناءه، تصالحوا معه...)، بل إن ثقل النصّ ينتقل من عمل الآب إلى ما ناله المؤمنون في المسيح. وهكذا يستعدّ الرسول ليدخل في النشيد الكرستولوجيّ.

3- نظرة عامة
أ- إن ذكر حبّ الكولسيين لبولس قد كشفته زيارة ابفراس. وهذا ما جعل الرسول يعود إلى توسّله من أجلهم، لأنه بهذا التوسّل أجاب على حبّهم منذ اليوم الأول. وتوسّلُه الأمين ليس فقط فعل شكر (آ 13)، بل هو أيضًا طلب. إنه يطلب لاخوته في كولسي نعمة فريدة تتضمّن سائر النعم: "ليكونوا مكمّلين في معرفة مشيئة الله". هذه النعمة هي شرط الحياة المسيحيّة، وهي وحدها تتيح للمؤمنين أن "يسلكوا سلوكًا يليق بالرب" (آ 10). لماذا طلب بولس هذه النعمة للكولسيين؟ إن كو (ولاسيّما 2: 10 أ) تفهمنا أن دعاية الهراطقة قدّمت للكنيسة "كذبًا" مسيحيًا أكمل من مسيحيّته، والوصولَ إلى ملء الحياة الالهية الذي يبهر المعمّدين الجدد.
ب- تجاه هذا السراب الخطر، أكّد بولس حالاً أن على المسيحيّين أن لا يكونوا "مكمّلين" إلاّ في معرفة مشيئة الله ليتجاوبوا بطاعة تامّة لخلاص تام يُعطى لهم في المسيح. وهذه المعرفة تُعطى لهم بشكل "حكمة وفهم روحي". فهي لا تُعطى لهم "معلّبة" منذ البداية، وكشريعة جديدة يعودون إليها بشكل آلي في كل الظروف. إنهم مسيحيون بالغون على المستوى الروحي. لهذا عليهم أن يميّزوا ما يطلب منهم الله بواسطة الحكمة والفهم اللذين يهبهما الروح على الدوام.
"الحكمة" هي معرفة طرق الله وهدفه ومشروعه. وهي تدلّ المسيحيّ على الاتجاه الذي يسير فيه، على القواعد التي يجب أن تتوافق معها أعماله. و"الفهم" هو معرفة الأشياء والأشخاص، وتقدير الأوضاع تقديرًا صحيحًا. وهو رؤية واضحة لما يجب على المؤمن أن يفعل في كل حالة من الحالات.
إذن، صلّى بولس بلا انقطاع لكي يفعل الكولسيون كل شيء ليعرفوا مشيئة الله في هذا الآن والمكان. وهم ينالون هذه المعرفة بحكمة وفهم ينالونهما من الروح.
ج- وكل هذا "لكي يسلكوا بشكل يليق بالرب بحيث يرضونه في كل شيء". إن اعتراف إيمانهم يجب أن يجد له امتدادًا في تصرّفهم. وعلى حياتهم كلها أن تشهد على انتمائهم للربّ. هم مسؤولون تجاهه. فيجب أن يكون همّهم الوحيد إرضاءه في كل شيء حتى اليوم الذي فيه يمثلون أمامه (1 كور 4: 4 ي؛ 2 كور 5: 10).
ويرسم بولس بخطوط كبيرة هذا السلوك "الذي يليق بالربّ". "يحملون ثمرًا في كل عمل صالح، وينعمون في معرفة الله". استعاد بولس هنا، لكي يتكلّم عن نشاط مسيحيّي كولسي وحياتهم، صورةً استعملها في آ 6 ليصوّر عمل الانجيل في كولسي وفي العالم كله. وهكذا دلّ على أننا أمام وجهتين لواقع واحد. حين نقول إن الانجيل "يحمل ثمرًا وينمو" (آ 6)، فهذا يعني أن الكنيسة "تحمل ثمرًا وتنمو". وإن الكولسيين "يحملون ثمرًا في كل عمل صالح" إمّا في حياتهم الشخصيّة، وإمّا في حياتهم الجماعية ولا تنفصل حياة عن أخرى.
امتنع الرسول عن كل تحديد، لأنه مقتنع بأن إخوته يعرفون أن يميّزوا الأعمال التي طلبها الله من طاعتهم وحبّهم. "ينمون" هم أيضًا "في معرفة الله"، وهي معرفة عمليّة للنعمة ولمتطلّبات الله التي هي شرط الحياة المسيحية (آ 9). ولكن كيف تشهد الكنيسة بكلامها وأعمالها؟ وكيف تنمو دون أن تلقى معارضة العالم؟
د- يجب على الكولسيين أن لا يخافوا هذه المعارضة، بل أن يثبتوا بالرغم من عداء العالم، وهكذا يدلّون على "صبرهم". عليهم أن يتحمّلوها بدون مرارة، ولا غضب، فيدلّون هكذا على "أناتهم". هكذا تظهر في حياتهم القوّة التي نالوها من الله، وهي قوّة تتعادل مع قتالهم وتجاربهم، لأنها تجد ينبوعها الذي لا ينضب في الله، ولأنها تدلّ على مجد الله.
هـ- غير أن الحياة المسيحيّة لدى الكولسيين لا تُستنفد في ثمارها، ولا في انطلاقتها، ولا في انتصارها على عداء العالم. هي لا تتمّ إلاّ في شكرهم الفرح لله الذي أهّلهم ليشاركوا في نصيب القديسين في النور. فحياتهم على الأرض التي فيها تتجلّى قدرة الله (آ 10) والتي بها يسعون لإرضاء الرب (آ 10)، لا تجد أصلَها في ذاتها ولا غايتَها. وحده عمل الله الفدائيّ في يسوع المسيح، جعلها ويجعلها دومًا ممكنة. لهذا، فالكولسيون لا يستطيعون أن يعيشوها إلاّ إذا تقبّلوها دومًا من الله جديدة، إلاّ إذا أدّوا الشكر بفرح للذي فتح أمامهم طريقًا يسلكون فيها الآن ليشاركوا يومًا "في نصيب القديسين في النور".
إن فعل شكرهم الفرح هو انتصار الروح، وعلامة الطابع الاسكاتولوجيّ لحياة الكنيسة التي ليست مدينة للعالم ولا تجد هدفها في العالم. هنا أيضًا يسمّي بولس الله "الآب " بدون أن يربطه بشيء بعده. في آ 2، جعل الكولسيين أمام الله أبينا، فوجب عليه الآن أن يذكّر الكولسيين أن الآب كشف عن نفسه في يسوع المسيح. وأن كل خوف يجب أن يُستبعد من علاقاتهم البنويّة معه، وأنه صاحب خلاص كامل يجب أن يشكروا الله عليه.
"أهلّكم لتشاركوا في نصيب القديسين في النور". إذا كان القديسيون هم الذين يخصّون الله، فقد أهّل الله الكولسيين ليقاسموهم مصيرهم حين جعلهم "قديسين" في يسوع المسيح. وسوف تقول لنا آ 13- 14 كيف يكون ذلك. أما هنا فحدّد بولس الخلاص المؤمَّن للكولسيين بعبارات أخذها من العهد القديم، وتبنَّتها الكنيسة الأولى في نظرتها الاسكاتولوجيّة. في العهد القديم، كانت أرض كنعان "حصة، نصيبًا" أعطي لشعب اسرائيل فنالت كل عشيرة "حصتها". هكذا بدا ملكوت الله، "حصّة" يشارك فيها كل مسيحيّ. أما عبارة "في النور" فنفهمها داخل العلاقة بين النور والخلاص (مز 27: 1؛ أش 42: 6؛ 49: 6؛ يو 1: 4؛ 8: 12).
هنا في آ 12، لا يترك بولس الاسكاتولوجيا في الزمن على مستوى المسيحيّة الأولى من أجل اسكاتولوجيا في الآخرة، لأن "نصيب القديسين في النور" هو الحياة الأبديّة في ملكوت الله، في اليوم الأخير. ومع ذلك، فالكولسيون، شأنهم شأن بولس (آ 3- 5) نفسه، يستطيعون منذ الآن أن يشكروا للآب هذا الخلاص الذي حقّق جميعَ ظروفه بموت يسوع وقيامته، ومنحهم عربونه بشكل الروح (2 كور 1: 22؛ 5: 5).
و- وذكر بولس في آ 13 فاعليّة العمل الفدائي في وجهته السلبيّة وفي وجهته الايجابيّة. قال أولاً: "انتزعنا من سلطان الظلمة". الواقع المذكور هنا هو ما يناقض نور ملكوت الله. فالظلمة التي تمدّ سلطانها على البشر، هي الكفر والجور (روم 1: 19) والوثنيّة بشياطينها وعبادة أوثانها وفساد أخلاقها. انتُزع المسيحيّون من سلطان هذه الظلمة مثل سجناء تعساء، و"نُقلوا إلى ملكوت الابن" الذي هو موضوع حب الله. لقد تبدّل وضعُهم تبدّلاً جذريًا. إنهم يعيشون تحت سماء أخرى. تحت سلطة الابن التي اعترفوا بها وتقبّلوها بملء إرادتهم فتجعلهم قديسين وأبناء الله.
ويحدّد بولس أيضًا (آ 14) جديدَ وضعهم بعبارتين: الفداء وغفران الخطايا. الفداء الذي هو واقع اسكاتولوجيّ (روم 8: 23) صار منذ الآن للايمان واقعًا حاليًا في المسيح. أفهمنا فعل "انتزع" أننا سجناء مساكين سقطوا في سلطة "ملكوت الظلمة". وجاءت كلمة فداء فأبقتنا في المناخ ذاته، لأن الفداء يدلّ على دفع جزية لاسترداد سجين. وها هو بولس يحدّد "الفداء" بـ "غفران الخطايا". فصلتنا خطايانا عن الله، وسلّمتنا إلى سلطان الظلمة. وها قد نجونا الآن حين غُفرت خطايانا. مع أن بولس يوجّه الأنظار إلى فاعليّة العمل الفدائي في يسوع المسيح، أكثر ممّا يشدّد على هذا العمل، إلاّ أن هذا العمل تفرضه كلُّ أقوال الرسول: بالابن الذي سُلّم بسبب معاصينا وأقيم من أجل تبريرنا (روم 4: 25) قد نلنا الفداء.

خاتمة
صلاة في صلاتين. الأولى صلاة من أجل نموّ الكولسيين في معرفة مشيئة الله (آ 9- 11). والثانية، فعل شكر من أجل الدخول في ملكوت ابنه الحبيب. معرفة تستمرّ وترافق الانسان في حياته اليوميّة. وشكر متواصل من أجل الخلاص الذي تمّ، ومن أجل ما ينتظر المؤمنين: مشاركة في ميراث القديسين في النور.
الفصل الرابع
سرّ المسيح
1: 15- 20

تشكّل آ 15- 20 مديحًا يُنشد عظمةَ المسيح في الكون. على مستوى الخلق ثم على مستوى القيامة. نصّ مسيحي يستلهم كتب الحكمة. فالمسيح، شأنه شأن الحكمة. هو صورة الله. هو موجود قبل كل خليقة، ويشارك مشاركة فعّالة في الخلق، ويقود البشر إلى الله. هكذا يعظَّم المسيح كرأس الكون. فينطلق المديح من حدث تاريخيّ هو حدث الصليب، فيوحّد بين الفداء والخلق، بين الاعتراف بالمسيح الربّ والمسيح المخلّص.
ندرس التأليف والتأويل قبل أن نصل إلى النظرة العامة.

1- التأليف
نطرح سؤالاً أول: هل نحن أمام قصيدة مديح أم اعتراف إيمان؟ نقول أولاً إن آ 15- 20 تشكّل وحدة مستقلة نستطيع أن ندرسها وحدها. هل نستطيع أن نتكلّم فقط عن مديح؟ ولكن لا نستطيع أن ننسى اعلان الايمان بالمسيح وسيط الخلق والفداء حتى على مثال اعترافات إيمانيّة نقرأها في العهد القديم والكتابات اليهوديّة. أن يستند المديح في العهد القديم والعهد الجديد إلى وحدانيّة الله، وبشكل خاص إلى مثنّى الخلق والخلاص، فأمر معروف. وهذا نستطيع أن نتحدّث عن مديح في خطّ العهد القديم، حيث ألقاب الله تتداخل مع تبرير هذه الألقاب.
وقد رأى الشرّاح في هذه الآيات (آ 15- 20) مديحًا كرستولوجيًا (قد يكون ألّفه المصلّون في كولسي) حول سموّ ووساطة المسيح القائم من الموت، على الكون. هذا المديح هو ردّ على قلق الانسان اليوناني الذي تواجهُه قوى الطبيعة التي تحرّكها قوّات روحيّة معادية. هنا نكون أمام موقفين. إن آ 15- 20 تهيّئ البرهان الكرستولوجي في ف 2. إن آ 15- 20 تشكّل نشيدًا مستقلاً يدلّ على عبادة صاحب كو للمسيح.
وقسم الشرّاح هذا النشيد إلى بيتين (آ 15- 17 ثم آ 18- 20). إلى ثلاثة أبيات (آ 15- 16 هـ+ 16 وز- 18 أ+ 18 ب- 20). إلى أربعة أبيات (أ: آ 15- 16+ ب: آ 17 أ ب+ ب ب: آ 18 أب+ أ أ: آ 17 ج- 20). إلى خمسة أبيات (15- 16 أ ب+ 16 ج- 16 و+ 17- 18+ 19: 20 أ+ 20 ب ج). يستند الشرّاح إلى "هوس استين" (الذي هو، آ 15، آ 18 ب) و"هوتي" (إذ، آ 16). وهكذا تكون القسمة كما يلي:
أ- الذي هو (آ 15)
ب- إذ هو (آ 16- 18 أ)
أ أ- الذي هو (آ 18 ب)
ب ب- فيه (هوس) (آ 19- 20).
تتحدّث آ 15- 17 عن وساطة المسيح في الخلق. وآ 18- 20 عن وساطته في الفداء. ونلاحظ غياب "الله" (تيوس). إذن، لا يشدّد النشيد على الله الذي يعمل، بل على الوسيط الوحيد الذي بفضله صارت هذه الأعمال ممكنة، الذي به وله قد تحقّقت. وهكذا يتركّز كل شيء على العلاقة بين "هو" و"كل شيء". ولكن اختلف هذا النشيد عن مقاطع أخرى في العهد الجديد (فل 2: 6- 11؛ 1 بط 2: 21- 24؛ عب 1: 3- 4) تتحدّث عن عمل الله. فأبرز الوساطةَ مع حروف الجر: من، ب، ل: ترتبط جميع الخلائق بالمسيح على كل المستويات.
نحن هنا أمام الابن الحبيب (مع اسم الموصول) ككلمة غير مخلوقة وكلمة متجسّدة كما قال آباء الكنيسة (ايريناوس، اوريجانس، ترتليانس). بالابن خُلق كل شيء. وهو الذي أحلّ الأمان بدم صليبه ورُفع في المجد. ويعطي هذا النشيد للابن الأزلي الذي وُلد ومات وقام، ألقابَ الصورة والمبدأ وبكر كل خليقة وبكر القائمين من الموت.

2- التأويل
أ- صورة الله
يبدأ المقطع بلقبين جعلا عددًا من الشرّاح يتحدّثون عن استعادة تك 1- 3 مع تلميح إلى آدم الأول الذي خُلق على صورة الله وكان أول الخلائق على مستوى الزمن وعلى مستوى الكرامة (تك 1: 26- 27). وهكذا يكون المسيح آدم الأخير. ولكن ها هم الشرّاح يعودون إلى صورة الحكمة وإليك السبب.
يُدعى المسيح أولاً "صورة الله الغير المنظور". هل هناك تأثير أفلاطوني غير مباشر؟ ربما. وذلك عبر اليهوديّة الهلنستيّة ولا سيّما الأدب الحكميّ. هنا نقرأ حك 7: 26 حيث يقال إن الحكمة هي صورة صلاح الله (فيلون، "التفسير الاستعاريّ" 1: 43) حيث تصوّر كـ "كمبدأ الله وصورته ورؤيته". إن تحليل النصّ يسير في الخطّ عينه. فقد نظنّ أن اللقب يقف بشكل ضمنيّ ومتعارض، بين الصورة التي هي واقع منظور والله الذي هو غير منظور. ولكن ليس الأمر كذلك. فلفظة "ايكون" (في العربية: أيقونة. صورة) لا تعبّر هنا عمّا يجعل الصورة عينها منظورة: فالرب القائم من الموت ليس منظورًا. وكذلك الحكمة: يقال أنها صورة صلاح الله دون أن تكون منظورة. إن الصورة في آ 15 لا تدلّ على امكانية الرؤية وإن كانت تدلّ على الله وتعكسه. فإن كان المخلوق (ولا سيّما الانسان) يعرّفنا أيضًا بالله (حك 2: 23)، فالظهور الذي يتمّه الابن يختلف عنه، بسبب مشاركته كوسيط في عمل الخلق (آ 16- 17).
إذن، تقف آ 15 أ (صورة الله الغير المنظور) في خطّ حك 7: 22- 26 حيث ترتبط "ايكون" بوظيفة الحكمة الكونيّة، كتجلٍّ لله بالمشاركة في نشاطه الخلاّق (قالت حك 7: 26 إن الحكمة هي صورة صلاح الله، فتضمّن كلامها الوجهة الخلاصيّة أيضًا). بعد هذا، ليس من كائن سماوي (وبالأحرى الانسان) يستحقّ، كما الابن، لقب صورة الله الغير المنظور: فالمقطع كله يتركّز على العلاقات بين الابن والخلق كله، وبالأخص القوّات السماويّة. لهذا نفسّره بالنظر إلى هذه الاشكاليّة.
ثم يسمّى الابن "المولود قبل (بروتوتوكوس، أي أول من وُلد) كل خلق". نجد هنا خمسة خطوط من التفسير، منذ آباء الكنيسة حتى اليوم. (1) الأصل. عند ذاك نقول: ولده الله قبل كل خليقة. (2) بداية سلسلة: الابن هو الرقم واحد في سلسلة الخلائق (خليقة فوق العادة، ولكنه يبقى خليقة). (3) لا المسيح الموجود قبل الزمن، بل المسيح الممجّد. إذن، لسنا على مستوى السموّ بل على مستوى الأسبقيّة. (4) الموجود من قبل، لم نعد أمام لقب عن الأصل بل عن السموّ فقط. (5) تتألّف اللفظة اليونانيّة من شقين: بروتوس أي الأول. توكوس: المولود. فيصبح المعنى: وُلد قبل كل خليقة. موقف يشبه الموقف الأوّل، ولكنه لا ينظر إلاّ إلى العلاقة بين المسيح والخليقة.
تأتي الصعوبة في اللقب حين يريد أن يجعل الابن خليقة. هو الأول. ولكنه يبقى خليقة. قال يوحنا الذهبي الفم (في كو 3: 2: الآباء اليونان 318): المولود الأول (بروتوتوكوس) ليس المخلوق الأول (بروتوكتستوس). ولكن الالتباس لا يزول. فالمولود الأول يدلّ على البكر. وهو في وضعه كبكر يكون الوارث الأول وينعم بالسلطة على إخوته (تث 21: 15- 17؛ 2 أخ 21: 3؛ رج تك 49: 3 حسب السبعينيّة مع لقبين نجدهما في كو 1: 15، 18: بروتوتوكوس وارخي أي البدء). ولكن هذا لا يخرجه من الوضع البشريّ. لا شكّ في أن اللقب أعطي لغير البكر: دُعي اسرائيل البكر دون أن يعني أسبقيّة في الزمن بالنسبة إلى سائر الشعوب. وهكذا يدلّ اللقب على الأفضليّة والاختيار (خر 4: 22؛ إر 31: 9؛ سي 36: 11؛ مز سليمان 18: 4. ثم نال اللقب الملك، مز 88: 28 حسب السبعينيّة، مع تفسير مسيحاني قبل أن يمتدّ إلى آدم والشريعة). ومع ذلك لا يخرج البكر من وضع الخليقة.
هنا نلاحظ أن "المولود الأول" مع كل خليقة، "لا يوجد إلاّ في كو 1: 15 ب. هذا يعني أن دراسة الألفاظ لا تكفي لتحدّد الخلفيّة الأدبيّة للعبارة. إن السياق (آ 16- 17) يدلّ على أن عبارة "المولود الأول في كل خليقة" يجب أن تُفهم بالنظر إلى وساطة فريدة للابن في عمل الخلق: ليس الموضوع خلق الابن، بل خلق كل مخلوق، من أدنى المخلوقات إلى أسماها كرامة. إذن، لا يتكلّم اللقب عن الابن كأول الخلائق.
فسَّر بعضُ الشرّاح لقب "المولود الأول" على ضوء أم 8: 22. ولكن الكتب الحكميّة لا تقول إن الحكمة هي "المولودة الأولى"، بل خُلقت "في البدء" (سي 24: 9)، "قبل كل شيء" (سي 1: 4، 9؛ أم 8: 22 حسب السبعينيّة). إذن العبارة في 1: 15 ب ملتبسة، لأنها تجعلنا نظنّ أن الابن خُلق، شأنه شأن الحكمة. ولكننا نستطيع أن نفسّرها أيضًا كلقب بنوّة فريدة (تدلّ على السموّ) وأبديّة، قبل خلق الكون (أسبقيّة). إن السياق اللاحق (آ 16) يتيح لنا أن نختار الفرضيّة الثانية مع خلفيّة حكميّة. لأن التيّار الحكمي البيبلي (مع امتداده في الادب اللابيبلي) يشدّد على وحدانيّة الوسيط ومشاركته في عمل الخلق، وعلى سموّه وأسبقيّته.
ب- فيه خُلق (آ 16)
إن وظيفة آ 16 هي أن تبرّر اللقبين اللذين قرأناهما في آ 15 مع التشديد على وساطة الابن الفريدة: "لأن فيه (وفيه وحده) خُلق كل شيء". ومع وحدانيّة الوساطة، نلاحظ حرف الجر: "إن" (في) "ديا" (في)، "ايس" (ل، لأجل). وهكذا تتحاشى كو الحلوليّة: نحن في علاقة بين كثرة الكائنات في الكون (بنتا، كل) ومبدأها الموحِّد. تشدّد حروف الجر على ارتباط "هذه الأشياء" التام بالمبدأ الوحيد.
ما معنى "فيه" (ان اوتو)؟ هل يعني: "بواسطته" كما في أم 3: 19؛ حك 9: 1- 2؟ ولكن النص استعمل "فيه" و"به". في الواقع، استعمل الكاتب ثلاثة حروف جر ليدلّ بشكل متكامل على وساطة الابن الخلاّقة. لهذا يجب أن نأخذها معًا. هنا يجب أن نكتشف دقائق كل حرف جرّ، ولاسيّما في عبارة "كل شيء يثبت فيه" (آ 17 ب). إن كان كل شيء يثبت فيه، فلأن فيه خُلق كل شيءكما في مركز وحدة وتناسق وتماسك، وهو يُعطي العالم معناه وقيمته وبالتالي واقعه. وإذا أخذنا بعين الاعتبار آ 16 أ (فيه خُلق جميع) و16 و(به وله خُلق كل شيء)، ففعل "خلق" (اكتستاي) في آ 16 يدلّ على أن وساطة المسيح لم تمارَس فقط في البداية، بل هي تدوم، كما أن "به" و"له" يحدّدان شكل هذه الوساطة: لقد تمّ النشاط الخلاّق حتّى في نتائجه الحاليّة بالمسيح وللمسيح. أما "بنتا" (كل شيء) فلا تستعيد فقط ما في آ 16 أ (كل ما في السماوات)، بل تستعيده عبر تعداد 16 ب- هـ.
"كلّ شيء". أي الكون بكلّيته بما فيه الملائكة. فحرف الجرّ في آ 16 أ (فيه) تتحدّد وتتكمل في آ 16 و. ولكن هذا الشطر يتكمّل بدوره في آ 17 ب: لا تمارس وساطةُ المسيح فقط في كل من الخلائق، بل في الخليقة إجمالاً (نلاحظ سين، مع، في سيناستيكن). ففيه تجد وحدتها وترتيبها المشترك. إذن، هناك وحدة حقيقيّة من آ 16 أ إلى آ 17 ب. لهذا نقول إن "فيه" تدلّ على أن العمل الخلاّق تشرّب من حضور الابن، وهو حضور ستوضح آ 16 و شكل نشاطه بواسطة "ديا" (به) و"ايس" (إليه).
إن فعل "كتيزاين" (خلق) يستعيد تأكيدًا أساسيًا للوحدانيّة البيبليّة واليهوديّة فيبعدنا عن كل حلوليّة: بما أن الخلائق خُلقت فهي ما وُلدت. لهذا لا خلط مع اللاهوت. أما خلفيّة آ 16 أ فهي حكميّة بقدر ما تذكّر بالتأكيدات المتعلّقة بوساطة الحكمة الخلاّقة (رج أم 3: 19؛ حك 8: 5- 6؛ 9: 9).
ما الذي تحويه عبارة "كل شيء". هذا ما تدلّ عليه بوضوح آ 16 ب- هـ: "في السماوات وعلى الأرض، المنظورة واللامنظورة".
* "في السماء وعلى الأرض" (آ 16 ب). نحن هنا على المستوى الكوسمولوجيّ (أي الكون) والمقولات المكانيّة. ولكن النصّ لم يميّز لكي يعارض كما في مقاطع تقف السماء تجاه الأرض كالالهي تجاه البشري. تشكّل السماوات والأرض الكلية. أي الكون المخلوق كله. فأرفع الخلائق وأدناها هي في الوضع نفسه.
"المنظورة واللامنظورة" (آ 16 ج). هذا الزوج يكمّل ما في آ 16 ب. إن عبارة "السماوات والأرض" قد تجعلنا نظنّ أننا على مستوى الكائنات المنظورة كالشمس والقمر والنجوم. أما لفظة "لامنظورة" (أؤوراتا) فتضمّ الملائكة التي قد تكون مزاحمة للابن. فرغم كمالهم ووضعهم ككائنات لامنظورة، فهم لا يُعتبرون مشاركين في خلق الكون، لأنهم هم أيضًا خُلقوا في الابن، بالابن، للابن.
تعود آ 16 د هـ إلى العالم اليهوديّ وتدلّ على الملائكة. هي تجمع وتكدّس، فتدلّ لا على السموّ فقط (في التراتبيّة السماويّة)، بل على سلطة هؤلاء الكائنات. العروش والسلاطين يدلّون على ملائكة رفيعين. ثم تأتي الرناسات والقوات كما في المجموعة البولسيّة (1 كور 15: 24؛ روم 8: 38).
وتؤكّد آ 16و أن كل شيء خُلق "له" (للابن). هنا يذهب المقطع أبعد من التيّار الحكمي الذي لا يقول أبدًا إن كل شيء خُلق للحكمة (إيس)، من أجل الحكمة. هناك من فكّر بالتجسّد، بمعنى أن الخليقة تصل في النهاية إلى المسيح. كل شيء خُلق لأجله، لكي يكون خاضعًا له. في الرسائل الكبرى نعرف أن كل شيء هو للآب. وهنا، هو للابن لأن الموضوع هو موضوع الوساطة.
ج- إنه قبل كل شيء (آ 17)
بعد أن أكّد النصّ أن كل شيء هو موضوع وساطة الابن الخلاّقة، أوضح متضمّنات هذا الوضع الحالي. ما قال: إذا كان كل شيء قد خُلق به، إذن هو قبل كل شيء. بل قال: كل شيء خلق به وهونفسه قبل كل شيء وكل شيء يقوم فيه.
هل تدل "برو بنتون" (قبل كل شيء) على الأفضليّة أو الكرامة أو الأسبقيّة؟ تدلّ على الكرامة حروفُ جرّ أخرى (إبي بنتون، روم 9: 5؛ أف 4: 6؛ هيبر بنتا، أف 1: 22). لهذا نحن هنا في مناخ الأسبقيّة: قبل. قد نستغرب أن لا يسبق اعلانٌ حول أسبقيّة الوسيط، الاعلان حول وساطته (فالأسبقيّة تجعل الوساطة الخلاقة ممكنة)، وأن لا يرد هذا الاعلان في صيغة الماضي (كان قبل كل شيء). ولكننا هنا أمام تفاصيل متعاقبة. لهذا لا ندهش إن ذُكرت أسبقيّة الوسيط بعد الوساطة، لأن الوساطة عرفت الأسبقيّة. وإن قيلت في صيغة الحاضر، فبصيغة الحاضر ندلّ على أزليّة الابن كما في انجيل يوحنا (يو 8: 58؛ 13: 19): هو (منذ الأبد) قبل كل شيء.
في آ 17 ب: "فيه يثبت كل شيء". هي خلفيّة رواقيّة (الكون هو مجموعة موحّدة وإلهيّة) استعادتها الوحدانيّة البيبليّة. ويُطرح سؤال آخر حول هذه الآية: هل نحن أمام الخليقة أو أمام الخليقة الجديدة؟ هل تؤكّد الآية أنّ في المسيح خُلق كل شيء وفيه وحده تجد الخلائق تماسكها ووحدتها؟ ولكن آ 16- 17 (مع خلفيّة حكميّة واضحة) تتحدثان عن الخليقة الأولى، لأن هدف المقطع هو وضع دور المسيح في الخلق (آ 16- 17) بجانب دوره في الفداء (آ 18- 20).
د- هو رأس الجسد (آ 18 أ)
"كافالي" (الرأس) يدل على "السلطة" كما على "الأصل". أي: له سلطة تامة على الكنيسة أو: هو ينبوع الكنيسة. المسيح ليس "الرأس" في المعنى البيولوجي، كعضو في جسم حيّ يحتاج إلى سائر الأعضاء ليثبت (1 كور 12: 21). فإن آ 16- 17 قد أكدّتا أنه قبل كل شيء. وأن كل شيء خُلق به. ولكن إن استندنا إلى آ 17 ب نقدر أن نقول إن الكنيسة لا تثبت بدون المسيح. وبما أن المقطع لا يطبّق على المسيح حرف الجر "إك" في الحديث عن المخلوقات، بل حروف جرّ أخرى (إن، ديا، ايس، برو)، نستطيع أن نستنتج أن "كافالي" لا تدلّ على الأصل أو الينبوع، بل على سلطة المسيح التامّة على كنيسته.
ونفهم لماذا وُضع هذا التأكيد هنا (لا في البيت التالي المكرّس للفداء). (1) فكما في الآيات السابقة، شدّدت آ 18 أ على أن الابن وحده هو الرأس، ولم تشدّد على معنى اللقب (كافالي). هذا يعني أنه ليس لأية قوّة سماوية سلطان المطالبة بهذا اللقب أو أي سلطان على الكنيسة، على المؤمنين. هنا نفهم أهميّة هذا الشطر بالنسبة إلى ما يلي من كو ولا سيّما 2: 6- 23. (2) ارتبط اللقب بتأكيدات حول أولويّة الابن في النظام المخلوق لا بشكل مباشر على مستوى السلام، فدلّ على أن سلطة المسيح المطلقة على الكنيسة ترتبط بسلطته على الخليقة كلها. فقد يعترض معترض فيقول إن قيامة المسيح (آ 18 ب) لا تكفي لتعطي الأولويّة على القوى الملائكيّة الذين يخدمون ويعبدون منذ القديم أمام العرش الالهي. لهذا ربطت كو سلطة الابن على الكنيسة بسموّه على جميع الكائنات، على مستوى وجودها عينه: خُلقت فيه وبه وله.
الكنيسة هي "الجسد" (مع أل التعريف). جسد المسيح. إذا قابلنا تأكيد آ 18 أ مع 2: 10 حيث المسيح هو "رأس كل رئاسة وسلطان" (لا يشكّلان جسده كما تفعل الكنيسة)، نفهم الرباط الذي يوحّد الكنيسة بالابن. قد نفهم أن الاثنين لا يفترقان. فالكنيسة في ارتباطها الأساسي تشهد لسيادة الابن الفريدة عليها. إنها، ككل جسم، واقع عضوي يحيا وينمو... المهم هنا ليس الكنيسة في واقعها العضوي كوحدة في الكثرة وتكامل الأعضاء، بل ارتباطها بالابن ووحدانيّة هذه العلاقة.
بعد أن أكّدت آ 16- 17 وساطة المسيح الخلاّقة، حدّدت آ 18 الاختيار، ودلّت على أن شعب الله صار منذ الآن شعب يسوع المسيح. لاشكّ في أن الآية تصوِّر العلاقة المميّزة والفريدة بين المسيح والكنيسة وهي علاقة ارتباط. ولكننا لسنا أمام انتماء كما في أف 1: 23 (جسده الذي هو الكنيسة). إن آ 18 أ تشدّد على واقع يقول إن للابن وحده كل السلطان والقيادة على كيان (= الكنيسة) يرتبط به ارتباطًا حميمًا، كما يرتبط الجسد بالرأس، ويتلقى منه أوامره.
هـ- المبدأ والبكر (آ 18 ب ج)
بفضل قول آ 18 أ حول سلطة الابن الوحيدة والتامة على الكنيسة، يصل النصّ إلى توسّع ثان يوازي التوسّع الأول حول الأولويّة التي نالها الابن بوساطته الخلاصيّة.
هو "المبدأ" أو "البدء" (ارخي). هكذا سمّيت الحكمة في أم 8: 22 حسب السبعينيّة. ولكن اللقب لا يدلّ هنا، كما في أم 8: 22، على أسبقيّة الحكمة على كل الخلق، بل على بداية جديدة تكوّنها القيامة. ولكننا لا نقف عند الأسبقيّة. بل نصل إلى المبدأ. فكما تقول آ 20، الابن هو وسيط مصالحة شاملة. هو الذي به تأتي النهاية. يأتي المجد. وهكذا نصل أيضًا إلى السموّ. أما "البكر بين الأموات" فيدلّ على أن الابن قام. وأن قيامته بدأت سلسلة وما كانت حدثًا فردًا. قيامته هي بداية ورجاء لجميع الموتى.
وبعد هذين اللقبين (المبدأ، البكر) كانت جملة تكشف هدف النشيد: تشديد على أولويّة الابن على كل المستويات وفي جميع الأبعاد، لأن فعل "بروتاوو" لا يدلّ فقط على أولويّة في الزمان أو في المكان، بل في الدرجة والكرامة.

و- فيه حلّ الملء (آ 19)
نحن هنا أمام جملة سببيّة تشدّد على الابن. فيه وفيه وحده جاء يسكن ملء الله. إن فعل "ارتضى" يأخذ مفعولين في اليونانيّة (اودوكيسن): الله (هو مستتر) أو الملء (بليروما) في آ 16 أ (المجهول اللاهوتي، خلق). تركنا فعل الله وشدّدنا على "فيه". وكذلك هنا في آ 19 حيث غابت لفظة "الله" لكي يبرز الابن الذي فيه أقام الملء. ولكن مع ذلك يبقى الله هو الفاعل، لهذا يوضع في النصّ المترجم: ارتضى (الله).
ماذا يعني الملء؟ الكنيسة. اللاهوت، روح الله؟ أولاً، لا نفصلها عن "ارتضى" ولا عن "حلّ" بخلفيّته التوراتيّة. فالله ومجده وروحه ومواهبه، ارتضى أن يقيم. هنا نعود إلى حياة يسوع على الأرض حيث حل الروح في المعموديّة لكي يُتمّ يسوعُ عملَ المصالحة والسلام.
ز- مصالحة وسلام (آ 20)
بعد أن دلّت آ 19 على امكانية الابن، صوّرت آ 20 وساطته الخلاصيّة. نجد موازاة بين آ 16 وآ 20 ب: كما أن المسيح هو من له خُلق كل شيء، كذلك هو من له تصالح كل شيء: إن المصالحة تتبع سيادة المسيح وسمّوه على كل شيء. هي المرة الأولى في الرسائل البولسيّة يشدّد فيها النصُّ على الغائيّة الكرستولوجيّة للعمل الخلاصي. حتى الآن، في الوحدات الأدبيّة، كانت تُستعمل الكروستولوجيا البولسيّة لإبراز نتائج الخلاص في المؤمنين وللمؤمنين. هذا لا يعني أن آ 15- 20 لم تُستعمل لهدف سوتيريولوجي (آ 21- 23 تبرهن عكس ذلك). بل إن الوساطة الخلاصيّة في قلب الوحدة الأدبيّة نفسها، هي موجّهة توجيهًا كرستولوجيًا، وهذا هو الجديد هنا.
بالابن تصالح "كل شيء" (تا بنتا). كيف نرى العلاقة بين آ 20 ب وآ 20 ج؟ هناك ثلاثة تفاسير. (1) صالح الله السماويّات مع الأرضيّات. (2) صالح بين السماويات وبين الأرضيات، كل في مجاله. (3) صالح جميع الكائنات مع ذاته. بحث الشرّاح عن الخلفيّة الكونيّة، ودلّوا على أن هذه الآية تعكس اسكاتولوجيّة العالم اليهودي. وهذا السلام ليس كونيًا فقط، بل يعني الملائكة أيضًا. لا يتصالح الملائكة مع الله (بل مع البشر). إذن، لن يلامسهم السلامُ بالشكل عينه. بما أن لفظتي الفداء والخلاص لا يمكن أن تعبّرًا تعبيرًا وافيًا عن ارتباط الكائنات المشترك، عادت الآية إلى لفظتي "المصالحة" و"السلام" اللتين تشدّدان على شموليّة واتساع وساطة الابن. فالقوات هي أيضًا مرتبطة بالابن: فهي لم تستطع أن تعيد الانسان إلى الصداقة مع الله. بل إن علاقات السلام مع البشريّة قد جاء بها شخص آخر. إن 2: 6- 23 سيعود إلى هذه النقطة، فيذكّر المؤمنين بأن ليس لهم أن يتصالحوا مع هذه القوات.
لقد تمّت المصالحة بدم الصليب (آ 20 ب). لسنا هنا على مستوى الحاش والآلام تجاه المجد. لسنا أمام الدم كدم وفدية، بل على مستوى التشديد بأن هذا الدم هو دم الابن وحده (وليس أحد معه).

3- نظرة عامة
من هو هذا الابن، موضوع حبّ الله، "الذي لنا فيه الفداء"؟ تجيب الكنيسة: يسوع المسيح. ولكن من هو يسوع المسيح لكي يحمل إلى المؤمنين الخلاص؟ ومن هو ليتجرّأ المؤمنون أن يربطوا به وحده مصيرهم الأبدي؟ في آ 12- 14، مرّ بولس بشكل سريع من عمل الآب الفدائي إلى الابن الذي لنا فيه الفداء. وها هو الآن ينشد أولويّة الابن على جميع الخلائق التي هي مدينة له بالخلق والفداء. وهكذا يعرف الكولسيون بمن به آمنوا.
أ- يحدَّد المسيحُ هنا بوظيفة الوحي: من رآه رأى الآب (يو 14: 9). عاد بولس إلى الانسان الأول كما في سفر التكوين. فالمسيح صورة الله الغير المنظور. هو آدم الأخير والانسان السماويّ (1 كور 15: 45- 48) الذي كان آدم الأول نموذجه (روم 5: 14). في المسيح الانسان الذي على صورة الله، صار الانسان في قلب تاريخ الخلاص. لقد تجرّأ بولس وقال عن يسوع الناصري الذي صُلب وقام، ما لم يتجرّأ العهد القديم أن يقوله عن الانسان. ففي المسيح، وجد الله أمامه الخليقة التي أرادها على صورته. وإذا كانت صورة الله تحدّد الابن في علاقته مع الله، فعبارة "بكر كل خليقة" (بشكل بدل) تحدّده في علاقته مع الخلائق.
تعود عبارة البكر إلى العهد القديم. في اسرائيل، البكر هو الوارث. وبما أنه وُلد قبل إخوته، فكانت له الأولويّة على إخوته. وهكذا فالعنصر الذي يكوّن مفهوم البكر هو أولويّة على مستوى الحقوق، شرطها أولويّة على مستوى الولادة. في رسائل بولس، الأولويّة الزمنيّة للبكر لا تهمّ بقدر الرفعة والسموّ (روم 8: 29). غير أننا لا نستطيع أن نفهم الكرامة التي أقرّ بها للابن هنا، إن لم ندرك العلاقة الوثيقة التي تجمع لقب "البكر" ولقب "صورة الله" مع صورة آدم الأول. ففي نظر بولس، "آدم هو نموذج ذاك الذي سيأتي أي المسيح" (روم 5: 14). فقد أعلنه. إن آدم المخلوق على صورة الله، قد أعلن ذاك الذي سيكون صورة الله في تاريخ الخلاص. لقد أعلن آدم الخاطئ ذاك الذي سيكون آدم البارّ. لقد أعلن آدم الذي مال عن الله، ذاك الذي يكون متّحدًا بالله. وآدم الذي حمل الموت أعلن آدم الذي حمل الحياة. حين خلق الله آدم جعل أمامه يسوع المسيح. ففي يسوع المسيح، حصل الله أخيرًا على الانسان المخلوق على صورته، هذه الخليقة التي تستطيع أن تتجاوب مع حبّه.
ب- وإذا فكرنا بموضع خلق الانسان في خبر الخلق (فيكمّله ويتوجّه) مع أولويّة آدم على جميع الخلائق الحيّة، نفهم أن الابن الذي هو "آدم الأخير" وصورة الله الغير المنظور، هو بكر كل خليقة (آ 16 أ). ففيه خُلقت كل خليقة في كمالها. يرد الفعل في صيغة المجهول ليدلّ على الله. إنه الخالق الذي يخلق بابنه. فبدون الابن لم تدعَ خليقة إلى الوجود. فإذا كان الابن وسط خلق جميع الخلائق من أدناها إلى أسماها، إلاّ أن بولس يركّز هنا على الخلائق الروحيّة، على الملائكة في السماء، والبشر على الأرض، على الخلائق المنظورة (الانسان)، التي تُرى، وتلك التي لا ترى أو الخلائق اللامنظورة (الملاك). وما خاف بولس أن يجعل الملائكة بين الخلائق التي نالت الحياة بوساطة الابن. أجل، حتى هذه القوات اللامنظورة التي تدلّ بأسمائها على سلطتها على مصير البشر: العروش، السيادات، الرئاسات، السلاطين. أجل، كل شيء خُلق به وله.
ج- وهكذا استعدّ المؤمن ليسمع اعلان تفوّق الابن على جميع الخلائق. فأيها تساويه؟ وأيها لا تخضع له؟ هو يسود عليها كلها، لأنها كلها ترتبط به في أصلها وفي غايتها. "هي تثبت به". وعلاقاتها معه تحدّد ظروف وجودها. تجذّرت فيه فتُتمّ مصيرها بحسب الهدف الذي فيه.
وتتوقّف نظرة الرسول فجأة، في عالم الملائكة والبشر، على الجماعة البشريّة التي تعترف هي أيضًا بأولويّة الابن. تتوقّف عند الكنيسة. ولكن لا نكتفي هنا بالتكلّم عن الأولويّة، لأن العلاقات بين الابن والكنسة هي علاقات حيّة تجمع الرأس إلى الجسد. فالابن هو رأس هذا الجسد الذي هو الكنيسة: فهو يحفظها واحدة وينظّم نشاط أعضائها ويمنحها الحياة (2: 19). مع ذكر الكنيسة، انتقلنا بشكل غير متوقّع من نظام الخلق إلى نظام الفداء. ومع ذلك، فعمل المسيح الفدائي يتجاوز حدود الكنيسة في كل الاتجاهات. فالمسيح، مع قيامته، يتجاوز بسموّه العالم الحاضر ليصل إلى العالم الآتي الذي هو بدؤه. لأن قيامته هي العمل الأول في دراما النهاية (1 كور 15: 23- 28) وعربون قيامة الموتى. يسوع هو منذ الآن في نظر الايمان، بكر الموتى، كما هو بكر القائمين من الموت في العالم الآتي.
د- إذا كان المسيح الذي حمل في التاريخ اسم يسوع الناصري، هو وسيط الفداء الذي يضمّ السماء والأرض، فلأن الله رضي في نعمته السامية أن يحلّ فيه. يسمَّى الله هنا "الملء" لكي نتأكّد أن الله ذاته كان في ابنه، وأن في موته وقيامته تمّ فداء على مقدار الله، فداء كامل في فاعليته، لا حدود له سوى حدود الخلق.
ويقدَّم هذا الفداء بشكل مصالحة جميع الخلائق بالابن ومع الابن، مصالحة قام الله بها في الابن، وكان غايتها. وكما أنه كان انقطاع في العلاقات بين الخليقة والبكر، كذلك كان بين الخلائق والله. وهكذا جاءت المصالحة، أعيدت هذه العلاقات مع الابن الذي تتحدّد أولويّته على العالم الآتي بلقب "بكر الموتى". وكيف أتمّ الله هذه المصالحة؟ "صنع السلام بدم صليبه". وهكذا وضع حدًا للقطيعة بين الخالق والخلائق، جعل الوفاق بين المتمّردين وربّهم. صنع السلام بوسيلة غير متوقّعة، بموت قبلَه الابنُ بإرادته.

خاتمة
نشيد شدّد على المسيح بل على عمله بالدرجة الأولى، بل على شخصه. هناك جمل تورد وساطة المسيح، ولكنها لا تصوّرها. بل تشدّد على وحدانيّة الوسيط (فيه وحده، به وحده، إليه وحده). وهي وحدانيّة تدلّ على العظمة التي تعلنها هذه الألقاب.
إن وساطة الخلق تتضمّن وجود المسيح قبل كل خليقة، وذلك دون تمييز بين الكلمة الأزلي والمسيح الذي وُلد ومات وقام. فإن لقب الابن في آ 13 يجعلنا نتجاوز كل فصل بين الكلمة الموجود منذ الأزل والمسيح الانسان العائش على الأرض. ثم إن لقب الابن يبرز العلاقة الحميمة مع الآب، ويشدّد على ما سوف يُسمّى فيما بعد "لاهوت المسيح".
لماذا يُبرز هذا المقطع أولويّة المسيح على الكائنات الروحيّة السامية؟ لأن المعلّمين في كولسي أنكروا أولويّة المسيح هذه على القوات. السؤال المطروح: هل المسيح هو الوسيط الوحيد الذي أعطي لنا فيه كل شيء؟ وهكذا تلعب آ 15- 20 دورًا هامًا فتقدّم لنا العناصر الكرستولوجيّة التي سيستند إليها جسم الرسالة إلى كولسي.
الفصل الخامس
مصالحة المؤمنين
1: 21- 23

بعد النشيد للمسيح الخالق والفادي (آ 15- 20)، بعد إعلان صفات المسيح والأعمال التي قام بها الابن الحبيب، نصل إلى النتيجة. نحن نشارك في نعمة هذا الخلق، فلم نعد غرباء. نحن نشارك في هذا الخلاص فنبقى راسخين في الايمان. نحن على مستوى المصالحة (آ 20 و22). بموت يسوع (آ 22، في آ 20 بدم الصليب). لا نحن المؤمنين فقط، بل كل خليقة تحت السماء (آ 15- 16 و23). أما هدفُ هذا الفداء فهو قداسة الكنيسة كلها. وشرطُه الثبات في الايمان والرجاء تجاه الضلال الذي يتربّص بالكنيسة.

1- التأليف
وتنتهي المقدمة بمدخل إلى مواضيع الرسالة. بعد أن شدّد الكاتب على أولويّة المسيح المطلقة، ها هو يدلّ على ما تتضمّنه هذه الأولويّة في حياة الكولسيين، في الماضي والحاضر والمستقبل.
قال الشرّاح في الماضي: إن آ 21- 23 جاءت تصحيحًا لما في آ 15- 20. بعد أن أبرز الكاتب (وأفرط) سموّ المسيح، ها هو يوازن الكرستولوجيا المجيدة والكونيّة بكروستولوجيا ثانية في ذكر موت المسيح. ولكن مثل هذا التفسير لا يأخذ بعين الاعتبار مرمى آ 21- 23 الذي ليس في الدرجة الأولى لاهوتيًا وكرستولوجيًا، بل سوتيريولوجيًا (يشدّد على الخلاص). لا يصحّح الكاتب ما قاله من قبل، بل يذكّر المؤمنين بعمل الله في المسيح تجاههم ونتائجه من أجل حياتهم.
ولكن حين نجعل من هذه الآيات فقط تطبيقًا على وضع الكولسيين، نحصر وظيفتها التي هي بلاغيّة في الدرجة الأولى. وُضعت في نهاية المقدّمة، فاستعادت خطوطها الرئيسيّة، وفي الوقت عينه أعلنت التقسيمات الرئيسيّة في الرسالة.
أجل إن آ 21- 23 هي صدى للوحدات الأدبيّة السابقة.
* آ 22 أ والامتداد المديحي (آ 20 وموضوع المصالحة):
آ 20: "ويصالح به... مسالمًا بدمه"
آ 22 أ: "صالحكم بجسد بشريّته بموته".
* وفعل شكر المؤمنين للآب (موضوع قداسة المؤمنين):
آ 12 ب: "الذي جعلكم أهلاً لتشاركوا في نصيب القديسين"
آ 22 ب: "ليظهركم لديه قديسين بغير عيب ولا مشتكى"
آ 21- 22 وآ 13 (مع التقابل قبل/ بعد).
* آ 23 وبداية المطلع (آ 4- 6)
آ 4- 6: "الايمان... الرجاء... الذي سمعتم... الانجيل... في العالم كله"
آ 23: "الايمان... عن رجاء الانجيل الذي سمعتموه... لكل خليقة تحت السماء".
غير أن آ 21- 23 تعلن الأقسام الرئيسيّة في الرسالة بمواضيعها التي توافق تلك التي أشرنا إليها واكتشفناها في 1: 1- 20: إن جسم الرسالة يتوسّع بشكل معاكس في المواضيع التي وجدناها في آ 21- 23.
ج- آ 21- 22
ب- آ 23 أ
أ- آ 23 ب
أ- 1: 24؛ 2: 5: جهاد بولس لاعلان السرّ
ب- 2: 6- 23: الأمانة للانجيل الذي تسلّمناه
ج- قداسة المؤمنين.
ونعود إلى آ 21- 23.
ج- إن آ 21- 23 تعلن الموضوع الذي يتوسّع فيه 3: 1- 4: 1 (قداسة المؤمنين):
- العلاقة بين الماضي والآن: يستعاد في 3: 7- 8
- ماضي الأعمال الشريرة: رج 3: 5- 9 (لائحة الرذائل)
- اليوم هو يوم التجديد والقداسة: رج 3: 10- 11، 12- 17.
ب- إن آ 23 أ تهيّئ الموضوع الذي يتوسّع فيه 2: 6- 23، وهو موضوع الأمانة للانجيل:
- كائن متجذّر، متين، رج 2: 6- 7.
- في الانجيل الذي نلناه، رج 2: 6 (السرّ= المسيح).
- بدون تبديل: رج 2: 8- 19.
أ- إن آ 23 تفتتح 1: 24؛ 2: 5 الذي يتكلّم عن الانجيل كسرّ يعلنه بولس:
- الرجاء الذي يعطيه الانجيل: رج 1: 28.
- اعلان الانجيل وانتشاره: رج 1: 27؛ 2: 2- 3.
- بولس خادم: رج 1: 25- 29؛ 2: 1.
إذن، تستعيد آ 21- 23 مواضيع سابقة وتطلقها لتعالجها بشكل أوسع في جسم الرسالة. وهكذا تبدو بشكل مفصل فتنهي مقدّمة الرسالة.
أما الترتيب الذي فيه ظهرت الأقسام والمواضيع، فيدلّ على طريقة الكاتب. هو يبدأ بما يشكّل أساس حياة الايمان، الانجيل، يسوع المسيح الذي أعلن (بيد بولس) وأومن به (1: 24؛ 2: 5). ثم يدلّ على أنه يجب أن نقاوم جميع الذين يميلون بنا عن المسيح الذي فيه نال المؤمنون كل شيء (2: 6- 23). وأخيرًا، يدعو المؤمنين لكي يشهدوا لتجدّد كيانهم، للقداسة التي دُعوا إليها في المسيح (3: 1؛ 4: 1). هذا المنطق الإجمالي يفرض نفسه. وإن كانت آ 21- 23 لا تكفي وحدها لتحدّد أهميّة المواضيع والأقسام، فالتوسّع الكرستولوجيّ (1: 15- 20) واستعادته في القسمين الأولين من الرسالة، يدلاّن على أن الأولويّة وغنى المسيح الذي لا يُستقصى يشكّلان الخط الذي يقود مسيرة البراهين ويجعل تصرّف المؤمنين ثابتًا.
إن تأليف كو لا يتوسّع فقط في موضع محدّد ويبرزه، بل يدلّ على أن مختلف مركبات الوجود الايماني ترتبط فيما بينها: انطلق الكاتب من سر أعلن، من المسيح الذي هو الأساس الذي عليه بُني كل شيء (أ)، فبيّن النتائج من أجل الحرية (ب) والعمل الخلقيّ لدى المؤمنين (ج).

2- التأويل
أولاً: كنتم غرباء (آ 21)
بُنيت آ 21- 22 حول تعارضات لفظيّة نجدها في رسائل بولس والكرازة المسيحيّة الاولى (1 كور 6: 11؛ غل 3: 25؛ 4: 7؛ أف 2: 2، 3، 11، 13، 19؛ 5: 8). على مستوى الزمان والمكان: من قبل- الآن (بوتي- نين). مقابل: بعيد- أمام (ابو- كاتانوبيون). على مستوى الانتقال من السلبي (أعداء...) إلى الايجابيّ (المصالحة).
تتحدّث آ 21 عن الحالة السلبيّة التي سبقت اعتناق الانجيل. إن فعل "كان غريبًا" (ابولوتريوو) يعود بوضوح إلى عبادة الأوثان، ويفترض أن الكولسيين كانوا وثنيين (الآلهة غرباء هي، رج في السبعينيّة يش 22: 25؛ هو 9: 10؛ إر 13: 27؛ 19: 4؛ حز 14: 5- 7؛ 3 مك 1: 3؛ وص بنيامين 10: 10؛ موشحات سليمان 17: 13 مع غرباء وأعداء. رج أف 2: 12؛ 4: 18 واستعمال الفعل). وصيغة الفعل تشير إلى أن هذا الوضع استمرّ ودام طويلاً. لا تقول الآية إن كانوا غرباء عن العهد، أو عن الشعب المختار، أو عن جماعة القديسين، أو عن الله (آ 22). ليس المهم كونهم غرباء، بل حالة الغربة في حدّ ذاتها. ولكن الكيان الغريب قد يأتي من رفض الغير (أو الله) أن يقبلونا على أرضهم وفي محيطهم. وتدلّ اللفظة التالية (أعداء) على أن أصل الوضع هو الوثنيون أنفسهم. سببه عداوة (رج روم 5: 10) إراديّة تشدّد عليها "ديانويا" (روح- فكر. في العبرية، "ل ب ب" الذي هو عضو العواطف والأفكار والرغبات والقرارات. رج اللب والقلب في العربية). هي عداوة ظهرت على المستوى الخلقي بواسطة "الأعمال الشّريرة". أن يكون مقياس العداوة لله العمل الشرير والفساد، يعود بنا إلى التقليد البيبليّ الذي استعاده العالم اليهوديّ والكنيسة الأولى: إن روم 1: 19- 32 قد أوضحت العلاقة بين العداوة لله والجور، وفساد الأخلاق.
ظلّ الوضع السابق بما فيه من سلبية، تلميحًا: لا يقول الكاتب أي أعمال يعني. قد أشير إلى هذا الوضع من أجل إبراز الانقلاب في الوضع.
ثانيًا: صالحكم الآن (آ 22)
بعد إشارة سريعة إلى الماضي الخاطئ، ينتقل النصّ إلى مبادرة الله ووساطة المسيح اللتين بفضلهما تبدّل كلُّ شيء. نجد هنا ثلاثة أمور: العمل، الوساطة، الهدف الذي خضع له العمل والوساطة.
العمل هو المصالحة. الله هو الذي يصالح (في النصوص، صيغة المعلوم وصيغة المجهول. ولكن المعنى هو هو). مع تشديد على وساطة المسيح كما في آ 15- 20. هناك من يقول إن المسيح هو الذي يصالح. ولكن التواصل مع النشيد يفرض أن يكون الله هو الذي يصالح. ولكن النصّ لا يذكره لكي يشدّد على طريقة المصالحة: كيف يصالحنا الله.
إن وساطة المسيح تذكر في "جسد بشريّته" لتتجنّب الخلط مع الجسد الكنسي للقائم من الموت (آ 18 أ) والجسد الذي مات. وقد نكون هنا في رد على الغنوصيّة. ما معنى حرف الجرّ "ان" (في جسد)؟ المعنى المكاني: جسده هو الموضع الذي فيه تمَّت المصالحة. أو الاداة: جسده هو وسيلة المصالحة. بفضل عبارة "بالموت" (ديا) نستطيع أن نقدّم فرضيّة لأن الآية تبدو كما في 1: 16 أ حيث "فيه" (ان) يتحدّد بـ "به" (ديا) و"إليه" في 1: 16 و: "بالموت" يدلّ على دور "جسد البشريّة". فبشريّته (ساركس، لحم، بشريّة الابن وبشريّة وجسده) عرفت الموت، لهذا صولحنا. وهكذا تستعيد الجملة بعض عناصر آ 20 أ ب: يتوخّى التكرار أن يقول مرّة أخرى وساطه الابن، لأن مرمى الآية يستند إلى الجزء الثاني الذي هو غائيّة المصالحة والوساطة.
وغائيّة المصالحة: "ليظهركم لديه قديسين...". أي لدى يسوع. لقد صالح الله الوثنيين بموت الابن ليقدّمهم إليه أطهارًا وبلا عيب (رج آ 13 ب و20 أ حيث ينقل الله المؤمنين ويصالحهم ليجعلهم خاصة المسيح أو يخضعهم لسيادته. إن فعل "باراستيساي" (قرّب، قدّم) يجعلنا في إطار ذبائحي (روم 12: 2) أو قانوني (أع 23: 33؛ روم 14: 10). ولكن الشرّاح مالوا الى المعنى القانوني كما في 1 كور 1: 8. ولكن هذا لا يعني أن آ 22 تتكلّم عن الدينونة الأخيرة. بل إن المؤمنين يعيشون منذ الآن في حضرة المسيح (أو الله) بالطريقة التي فيها يعيشون الانجيل. وهكذا تأتي قداسة (وحياة بلا عيب) المؤمنين من الله. لا أحد يستطيع أن يعطيها لنفسه أو ينالها بقواه الخاصة. كل ما يُطلب منا هو الممارسة.
ثالثًا: استمرّوا مؤسّسين على الايمان (آ 23)
بعد أن اشار الرسول إلى الوضع القديم للخطيئة (آ 1) والتحول الحالي (آ 22)، ها هو يعلن الآن الشرط الذي بدونه لا يستطيع هذا الوضع الايجابي ان يستمرّ.
نستطيع أن نفهم العبارة الأولى بشكلين مختلفين وصحيحين معًا: (1) "إذا حقًا بالايمان". (2) "إذا حقًا تظلون راسخين في الايمان". الترجمة الأولى تتضمّن أن الايمان هو تعلّق جذري، به يجد الوجود المسيحيّ كلُّه متانته. الترجمة الثانية تراعي صيغة النحو البولسيّ فتعني: إلبثوا في موقف (أو تعلّق) الايمان الذي هو موقفكم. أو: إلبثوا في تعليم الايمان الذي تعلّقتم به. وهكذا نكون أمام الايمان الذي تهدّده التعاليم الضالة. نحن هنا كما في 1: 23 حيث يتعلّق الرجاء بمضمون الانجيل. فالمسألة التي تتحدّث عنها هذه الآية تترافق مع تعلّق المؤمنين، وهي علامة هذا التعلّق.
لم يتوضّح بعدُ مضمون الانجيل. ولكن ذُكرت شموليّة الاعلان: فيها وصل الانجيل الواحد الوحيد إلى البشريّة كلها. قد نقول إن هذا الكلام ليس "بصحيح"، لأن الانجيل لم يُكرز به بعد إلى "كل خليقة تحت السماء". لا يتطلّع بولس الى كميّة من البشر وصل إليهم الانجيل، بل إلى تنوّع هؤلاء الناس: ففي مختلف الاتنيات والحضارات، قد بُشّر بالانجيل فآمن الناس به، وها قد نما نموًا عجيبًا. كل هذا يدلّ على شموليّته وقيمته الخلاصيّةُ لكل خليقة تحت السماء. وهكذا يعرّفنا بولس بمصداقيّة الانجيل.
وينهي الكاتب هذه المقدمّة، فيعلن دوره كخادم للانجيل الواحد. فيشدّد على أن شرعيّة الانجيل وقوّته تأتيان من طابعه الرسوليّ. ولكن يبقى أن الكلمات الاخيرة في آ 23 تهيّئ القسم الأول من جسم الرسالة (1: 24- 2: 5). وفي نهاية هذا القسم نستطيع أن نحدّد نوعيّة العلاقة بين بولس والأنجيل. هنا نرى بعض الشهود الذين زادوا على "خادم" لفظتين: "المنادي" (كيريكس) و"الرسول" (أبوستولوس) ليدلّوا على العلاقة بين الانجيل والصفة الرسوليّة. فيبقى الآن أن نرى على ضوء 1: 24- 2: 5 لماذا ربط بولس شخصه بالانجيل.

3- نظرة عامة
أ- مع آ 21 يعود بولس إلى مسيرة النصّ بعد أن جاء النشيد الكرستولوي (1: 15- 20) بشكل قاطعة كبيرة. فيعلن للاخوة في كولسي أنهم قد ضُمّوا هم أيضًا إلى هذه المصالحة الشاملة التي كان الابن وسيطها (آ 19- 20). في الماضي، حين كانوا في الوثنية، كانوا غرباء عن الله ولا علاقة لهم به. بل أكثر من ذلك، انتصبوا أمامهم كأعداء حقيقيين. لا بشكل واعٍ، ولكن باستعدادات حميمة دلّوا عليها في أعمالهم الشريرة في عبادة الاصنام وحياة لا أخلاقية (روم 1: 21- 23).
ب- "أما الآن". في وضعهم الحاضر الذي يختلف اختلافًا جذريًا عن وضعهم السابق، قد صالحهم الله مع ذاته بموت ابنه. أعاد إلى الشركة أولئك الذين غرّبتهم الخطيئة وذلك "بجسد بشريّة المسيح، بواسطة موته". وهكذا ذكّر بولس قرّاءه أن مصالحتهم مع الله قد تمّت بموت المسيح. هي لا ترتبط بهم. لقد تقبّلوها بالمعمودية وهم يعيشونها في الايمان. وكما أن موت المسيح دلّ على شجب جسد الخطيئة (روم 8: 3)، فقد حرّر أيضًا من قبضتها أولئك الذين اتّحدوا بالمسيح، وردّهم إلى الله الذي سيقودهم إلى هدف ما كانوا يتخيّلونه من قبل. وحين صالحهم الله معه بهذه الطريقة، وضع أمامه هدفًا يقوم بأن يظهرهم أمامه قديسين على مثال الذين هم خاصته بلا عيب ولا مشتكى، جديرين به على مثال الذين تبرّروا في يسوع المسيح (روم 8: 33).
لا يستطيع الكولسيون أن يشكّوا في أن عمل الله الفدائي قد تكيّف وهدفه، فجعل منهم قديسين (آ 2) وفتح لهم الطريق التي عليها يسيرون بشكل يليق بالرب (آ 10) حتى النهاية. أجل، إن مصالحتهم مع الله بموت المسيح تبسط كل فاعليّتها في حياتهم.
ج- غير أن كل هذا يتم بشرط وهو أن "يثبتوا في الايمان" (آ 23). أن يؤمنوا دومًا بالمصالحة التي نالوها. وبالتالي أن يتصرّفوا انطلاقًا من هذا الوضع. فعمل الله الفدائي هو الأساس الذي تقف عليه الكنيسة في كولسي كما في أي مكان آخر، وهو الذي يؤمِّن لها متانتها. ولكن منذ الساعة التي فيها يضعف ايمان الكنيسة، فقد تتزعزع على أساسها. لهذا يجب ان لا تفصل عملَ الله في يسوع المسيح الذي صُلب وقام، عن تتمته في اليوم الأخير. إذن لن يسمح الكولسيون أن يُبعدوا عن رجاء الانجيل، عن رؤية الهدف الذي يقودهم الله اليه (آ 22 ب)، عن مصير القديسين في النور (آ 12)، عن الرجاء المحفوظ لهم في السماوات (آ 5) الذي عرفوه بالانجيل الذي سمعوه بالايمان.
ويشدّد بولس هنا بقوة كما في آ 6 على شموليّة الانجيل الذي كُرز به لكل خليقة تحت السماء. فالإنجيل بعيد كل البعد عن هذه التعاليم الخاصّة التي ينقلها الهراطقة في حلقاتهم الصغيرة من المتدرّجين. إنه لا يعرف الحدود الوطنية ولا الحواجز الاجتماعية. هو يعلَن في كل مكان كما بفم المنادي على كل خليقة بشرية. وإن كان بولس رسوله فليحكم الكولسيون بذلك على شموليّة خدمته وليعلموا أن هذه الخدمة تعنيهم أيضًا.

خاتمة
هذا ما تدعونا اليه الرسالة: بعد أن تصالحنا نبقى ثابتين غير متزعزعين. من أين تأتي قوتنا؟ من المسيح الذي أسلم للموت من أجلنا. اتخذ يسوع جسدًا بشريًا، جسدًا من لحم ودم. لبس الضعف. ولكن بقيامته لم يعد هذا الجسد جسد الضعف، بل جسد القوّة. في هذا الجسد تألم يسوع آلامه وسيشارك الرسول في هذه الآلام من أجل "جسد الكنيسة" (آ 24). وهكذا ننتقل من جسد المسيح الذي رآه تلاميذه وسمعوه ولمسوه إلى الكنيسة التي هي جسده، التي هي نحن المدعوّين لنكون قديسين وبلا عيب أمام الربّ.
الفصل السادس
جهاد الرسول
1: 24- 2: 5

يتميّز هذا المقطع بسلسلة من الأفعال في صيغة المتكلّم المفرد: الآن أنا أفرح. صرت أجاهد. أريد أن تعرفوا. أقول هذا. هو الرسول يدخل في جسد المسيح، في الكنيسة، ويدعو الموافقين لكي يلاقوه في هذا "الوضع". ويكون اللقاء على مستوى الفرح مهما كانت الآلام والصعوبات والاضطهادات. كان قد دعاهم في 1: 12 إلى أن يشكروا الله بفرح، وها هو يبيّن لهم كيف يفعلون: "أفرح في آلامي". هي فرحة التطويبات الانجيليّة مع اتجاه رسوليّ خاص: الآلام التي أقاسيها لأجلكم. لا ينظر بولس إلى نفسه، بل إلى المؤمنين الذين جاؤوا من عالم وثنيّ، والذين بسببهم هو يتألّم. إنه رسول الأمم لأجل هذا اضطهده اليهود. ولأجل هذا هو الان في السجن. ولكن بولس لا ييأس من آلامه، بل يرى فيها علامة على أن السرّ الذي كان خفيًا حتى الآن تحقّق في الكنيسة.

1- التأليف
نجد قسمين في هذا المقطع.
أ- الرسول واعلان السرّ لكل انسان (1: 24- 29)
آ 24: أفرح
آ 26- 28 أ: أعرّف
غنى مجد السرّ
آ 28 ب: لنجعل كل انسان كاملا في المسيح
آ 29: ففي ذلك أتعب وأجاهد.
ب- الرسول وشرعيّة إيمان الكولسيين (2: 1- 5)
آ 1: أريد أن تعرفوا أيّ جهاد
آ 2 أ: تتشدّد قلوبهم...
آ 2 ب- 2: كل غنى
نحو معرفة سرّ... المسيح
آ 5: أفرح.
إن عودة الألفاظ عينها تدعونا إلى قراءة المقطع كسلسلة من المعلومات تأتي بشكل تصالب حول الجهاد الذي يقوم به بولس من أجل الكنائس. ولكن استعادة 1: 24- 29 في 2: 1- 5 لا يشكّل برهانًا لتوحّد المقطعين. ولماذا لا نرى في 2: 1 بداية قسم ينتهي في 2: 23؛ لأسباب عديدة. (1) بعد 2: 6، يخرج بولس عن المسرح ويترك الدور الأول للكولسيين. (2) السبب الثاني هو بلاغي وها نحن نقدّمه.
بعد توسّعات كرستولوجية نستشفّ من خلالها برهانا لاهوتيًا، نتساءل: لماذا انتقل بولس الى موضوع لا يتعلّق به مباشرة وهو أتعابه وآلامه من أجل الكنائس؟ لا شك في أنها ليست المرة الأولى التي فيها يتكلّم بولس عن نفسه في بداية رسائله (غل 1- 2؛ 2 كور 1: 15- 24؛ فل 1: 12- 26). ومع ذلك فهو لا يفعل فقط لكي يعطي أخبارًا عن نفسه: فإن تكلّم عن سلوكه أو عمله، فليدلّ على الأهميّة التي يعلّقها على الانجيل وعلى الذين يبشرّهم به. فآلامه وجهاده تدلّ على هدف هذا الحديث الذي يلي فيشكّل برهانًا ينطلق من الوقائع عن قيمة التعليم الذي يعلن: فإن قام بمثل هذا الجهاد، فإن مرّ بمثل هذه المضايق، فلانه يتطلّع إلى الانجيل وأمانته في بناء أولئك الذين يتوجّه إليهم. وهكذا نرى لماذا يشكّل 2: 4- 5 جزءًا من هذه الوحدة. فملحاحيّة الجهاد تظهر هنا في ملئها، لأن حقيقة الانجيل مهدّدة في كولسي. وفي أي حال، كل الاشارات (على مستوى النحو والألفاظ والموضوع) تدعونا إلى أن نربط هاتين الايتين بما سبق، لأن بولس يتكلّم فيها عن خدمته من أجل الكولسيين. هذا من جهة. ومن جهة ثانية إن 2: 4 تهيّئ القسم التالي. هذه الظاهرة (تهيئة الموضوع التالي) تتكرّر فتجعل الأقسام ترتبط بعضها ببعض لتكوّن براهين مترابطة ترابطاً عضويًا. إن آ 23 ب (أنا بولس، خادم الانجيل) تهيّئ القسم الأول (أ) الذي يبدأ في 1: 24 وينتهي في 2: 5. وإن 2: 3- 4 تهيّيء القسم الثاني (ب) الذي يبدأ في آ 6 وينتهي في 2: 23. وإن 2: 20- 23 يدشّن موضوع القسم الثالث (ج) الذي يبدأ في 3: 1 وينتهي في 4: 1.
ما يلفت النظر هو تكرار لفظة سرّ (مستيريون) التي تحلّ محلّ انجيل الذي استعمل حتى الآن (1: 5- 23). إذا كان الانجيل قد قيل ليعلَن على كل انسان إطلاقًا، فلماذا استعمال كلمة سرّ التي تجعلنا في عالم المتدرّجين؟ وما يلفت النظر أيضًا هو ألفاظ المعرفة (رج 1: 9- 10) المرتبطة بالسرّ. وها نحن نذكرها. "فاناروو": أعلن في 1: 26؛ 3: 4 (مرتين)؛ 4: 4؛ أف 5: 13؛ 1 تم 3: 16؛ "غنوريزو" عرّف، أعلم في 1: 27؛ 4: 7- 9؛ أف 1: 9؛ 3: 3، 5، 10؛ 6: 19. "ابيغنوسيس"، معرفة في 1: 9، 10؛ 2: 2؛ 3: 10؛ أف 1: 17؛ 4: 13. "ابيغينوسكو"، عرف في 1: 6؛ "غنوسيس" معرفة في 2: 3؛ أف 3: 19؛ "غينوسكو"، عرف في 4: 8؛ أف 3: 19؛ 5: 5. "سوفيا" حكمة في 1: 9؛ 1: 28؛ 2: 23؛ 3: 16؛ 4: 5؛ أف 1: 8، 17؛ 3: 10. "سيناسيس"، فهم في 1: 9؛ 2: 2؛ أف 3: 4. "أويدا"، عرف في 2: 1؛ 3: 24؛ 4: 1، 6؛ أف 1: 18؛ 5: 5؛ 6: 8، 9، 21. ولكن ما يلفت النظر أخيرًا هو غياب جذر "كشف" الذي نجده في أف 3 حيث يبدأ بولس فيكشف السرّ الذي أعطي له وللرسل القديسين والأنبياء.

2- التأويل
أ- الرسول وإعلان السرّ لكل انسان (1: 24- 29)
إذا نظرنا إلى نوعيّة العلاقات المصوّرة هنا، نكتشف منطقًا حقيقيًا في آ 24- 29.
أ- آلام بولس من أجل الكنيسة (آ 24)
ب- خدمة بولس في الكنيسة (آ 25)
ج- الموضوع: السرّ والأشخاص الذين يوجّه إليهم (آ 26)
ج ج- الموضوع: البعد المجيد للسرّ والأشخاص الذين يوجّه إليهم (آ 27)
ب ب- خدمة بولس الشاملة وغايتها (آ 28)
أ أ- آلام بولس (آ 29).
أولاً: أفرح الآن (آ 24)
هناك صعوبة. فهذه الآية تبدو وكأنها تعارض الخلاص (سوتيريولوجيا) الذي تمّ كما في الآيات السابقة (آ 13- 23)، وتقول إن آلام المسيح تحتاج إلى تكملة. ولكن حين نتبع النص اليوناني، نرى الأمور مختلفة.
* أجد فرحي في آلام (آلامي)
* من أجلكم
* وأتمّ ما ينقص من مضايق المسيح في جسدي
* من أجل جسده الذي هو الكنيسة.
لا نضع في عبارة واحدة "مضايق المسيح" من أجل جسده ونترك "في جسدي"، لأن بولس هو الذي يتألّم هنا ويدلّ على غائيّة آلامه (من أجل الكنيسة جسد المسيح). لا نترجم: "أكمّل في جسدي ما ينقص من مضايق المسيح"، بل "ما ينقص من مضايق المسيح في جسدي". إن مضايق (آلام) المسيح قد انتهت: إن كو تشدّد كل التشديد على الملء. على سموّ المسيح الممجّد (الآن مع الكليّة) الذي لا ينقصه شيء. ولا تقول كو أيضًا إن المسيح لم يتمّ ما وجب عليه أن يتمّه (1: 19- 20، 22؛ 2: 9- 10؛ 2: 13- 14؛ 3: 1)، كما لا تقول إنه لم يتألم بما فيه الكفاية ليُطلب من الرسول أن يتمّم الآلام الفدائيّة من أجل الكنيسة: حينئذ لا تكون وساطة المسيح كاملة، وهذا عكس ما تقوله الرسالة. فما ينقص بعد، وما يجب على بولس أن يكمّله هو مسيرته الخاصّة التي يسمّيها "مضايق المسيح في جسده" (في بشريّته، في لحمه ودمه)، والتي تستعيد مسيرة المسيح في طريقة حياته وألمه من أجل (أو بإعلان) اعلان الانجيل ومن أجل الكنيسة. بل يستحيل أن تلمّح "مضايق" آ 24 إلى موت المسيح، لأنها لا تعني أبدًا في الرسائل البولسيّة "آلام المسيح الفدائيّة" (رج روم 5: 3؛ 8: 35؛ 12: 12؛ 2 كور 1: 4، 6- 8؛ 2: 4... اللفظة اليونانية هي "تلبسيس").
ألمُ الرسول هو من أجل الكنيسة. إن عبارة "هيبار هيمون" (من أجلكم) تذكّرنا بمقاطع يقال فيها أن المسيح مات "لأجلنا". ولكن الرسول لا يريد أن يقول إنه يزيد بعض الشيء على عمل المسيح الوساطي والفدائي، لأن كو تقول للكولسيين: لا وسيط إلاّ واحد، وقد نالوا جميع نعمه. ولكن بولس يتألم لخير الكنيسة، لمتانتها، لثباتها، لنموّها في معرفة الكنوز التي أظهرها الله في ابنه: كل ما يفعله ويتحمّله هو "لأجلها" لأنها جسد ربّه وهو خادم هذا الجسد (دياكونوس). لا يفرح بولس في الألم مثل مريض، بل لأن ما يحتمله يفيد الكنيسة، ولأن المضايق هي جهاد ضروريّ لكي يستطيع جميع الأمم (كل انسان) أن يسمعوا الانجيل ويؤمنوا به ويصيروا كاملين في المسيح.
إن لفظة "اكليسيا"، هنا وفي آ 18 أ، لا تعني جماعات المؤمنين في منطقة أو مدينة، بل مجموعة المؤمنين المشتّتين في العالم، والذين يقول عنهم بولس إنهم يكوّنون جسد المسيح: منذ الآن يُنظر إلى الكنيسة ككيان شامل وكوني ومسيحاوي. وإن لم تربط الآيات التالية ربطاً واضحًا بين البعد الشامل للكنيسة والسرّ، فلا بدّ من البحث هنا عن منطق مستتر: فقد فهم بولس (بوحي، أف 3) أن مضمون الانجيل ليس فقط مسيرة المسيح ووساطته، بل أيضًا وبشكل خاص حضوره التام والنهائي "وسط الأمم"، وهو حضور شامل، وعامل تجميع ووحدة وحياة ونموّ، بحيث يجعل من المؤمنين كيانًا واحدًا، يحدّده المسيح (جسد المسيح): للمرة الأولى، نستطيع القول إن الكنيسة جزء من مضمون الانجيل.
ثانيًا: كنيسة صرت لها خادمًا (آ 25)
بعد أن تحدّث بولس بإيجاز عن آلامه، وبيّن غائيتها، ها هو يدلّ على خدمته وأصلها الالهي وغايتها التي هي ملء تحقيق كلام الله.
في الرسائل الكبرى، قال بولس عن نفسه إنه "خادم" الله، خادم العهد الجديد (2 كور 3: 6؛ 6: 4؛ 11: 23). ولكنّها المرّة الأولى يعلن فيها أنه خادم الكنيسة أو خادم الانجيل (1: 23). إن لقب خادم الكنيسة لا يدهشنا، لأن بولس (حسب 1 كور 3: 5- 17) قد فهم دومًا مهمته في التبشير وتأسيس الجماعة كخدمة. ولكن الموضوع كان خدمة الله ومسؤوليّته في هذه الخدمة. ولكن إذا كانت كو جعلت من بولس خادم الكنيسة، فلأسباب قلناها في آ 24 حول علاقة السرّ بالكنيسة. فكما أن الانجيل والكنيسة هما منذ الآن واقعان مرتبطان في شخص المسيح (كرستولوجيًا)، فمن صار خادم الواحد (آ 23) صار خادم الآخر (آ 25). ولكن ما يلفت النظر هو أن بولس لا يتحدّث عن "النعمة التي أعطيت له" بل عن "خدمة الكنيسة" حسب وظيفة (أويكونوميا، تدبير) أعطاني الله إياها. وهكذا استعادت لفظة "اويكونوميا" وجهة الخدمة التي نجدها في "دياكونوس" مع بُعد جديد هو بُعد المهمّة والواجب والالتزام. ما تشدّد عليه هذه الآية، ليس العطيّة المجانيّة، بل المسؤوليّة التي تتضمنها "الوظيفة" التي نالها من الله.
وغائية هذه المهمة تفسّر الإلحاح على الوظيفة: فنحن أمام كلام الله، أمام السرّ الذي يجب أن يتمَّم: ما دام الانجيل لم يصل إلى كل خليقة، فهو لم يكتمل. هذا هو البعد المكاني. وهناك بعد آخر، البعد النوعي: تتمة الانجيل هي ثماره وكمال كل مؤمن في المسيح.
ثالثًا: السرّ المكتوم (آ 26)
بعد أن تحدّث النصّ عن خدمة بولس (رسول السرّ)، ها هو يتوقّف على ما يعلن الرسول لا ليحدّد المضمون، بل ليدلّ على خصوصيّات تجلّيه. كان السر موضوعًا، فصار ذاتًا وتركّز كل شيء عليه:
الموضوع: السرّ
العمل: "كان مكتوماً فظهر
الزمان: خلال الدهور والأجيال الآن
الأشخاص: الدهور والأجيال قديسيه".
إن فعل "كتم" (ابوكريبتاين) يدلّ على أن وظيفة "الدهور والأجيال" ليست فقط زمانية، بل تدلّ على الأشخاص الذين كتموا، أخفوا (كما في أف 3: 5). إذن، وظيفة الزمن ووظيفة الشخص الذي يفعل.
"أعلن". نحن في صيغة الماضي. ولكن هذا الماضي قد بدأ: هذا الحدث الماضي بدأ يُعلن. و"الآن" (نين) تدلّ على الحقبة الأخيرة التي دشّنها حدث، المسيح، وتشير إلى الاسكاتولوجيا. وهكذا نستطيع أن نقول: "في هذا الزمن، زمن النهاية الذي نحن فيه، أعلن السرّ". لا تعني لفظة "الآن" أن البعد المقبل للسرّ قد اختفى، بل هي تشدّد على ما هو حاضر الآن، على وجهة ما تمّ وحصل.
هنا نتساءل: هل نحن في خلفيّة جليانيّة؟ وفعل "أعلن" هل يشير إلى نشر الانجيل بواسطة إرسال أو اعلان مباشر من عند الله؟ يرتبط الجواب بهويّة من يرسَل إليهم. ما معنى "قدّيسيه"؟ جميع المؤمنين كما في روم 1: 7؛ 1 كور 1: 2؛ 6: 1- 2... أو مجموعة محدّدة (أف 3: 5: رسله القديسين والأنبياء)؟ إذا عدنا إلى استعمال "أغيوي" في كو، نقول إن النصّ يعني المؤمنين بشكل عام. ولكن الكاتب لا يريد أن يقول إن جميع المؤمنين (القديسين) عرفوا السرّ بوحي مباشر من الله وبدون إعلان رسولي. وإذا عدنا إلى دا 2: 19، 22، 28، 29، 30؛ 10: 11- 35، معرفة الأسرار تتمّ في شكلين مختلفين: بوحي مباشر من الله (ابوكالبتاين) ثم بالاعلان والنشر (غنوريزاين): لا يكشف الله أسراره إلاّ للذين اختارهم، وهم بدورهم يعرّفون العالم بها. هكذا هو الأمر في كو 1: 26. فولْي الرسالة ولاسيّما 4: 4 يؤكّد هذا التفسير لأن بولس يطلب من الكولسييين أن يصلّوا لكي أعلن (= السرّ) كما يجب أن أتكلّم عنه: وهذا الاعلان هو التبشير الرسوليّ. أجل، بولس يعلن السرّ لقدّيسي كولسي وللكنيسة جمعاء. اختلف بولس هنا عن أف 3: 1- 13، فما تحدّث عن الطريقة التي بها أوحى الله إليه بالسرّ: ما يريد هو التشديد على مسؤوليّته وعلى تعبه في إعلان السرّ ونشره. هنا نفهم لماذا لم يستعمل الرسول "كشف". فالمعلّمون يدعون المؤمنين ليرغبوا في الرؤى والايحاءات. أما كو فدلّت على أن الرؤى (تمنح ايحاءات جديدة) غير مفيدة، لأن المؤمنين نالوا كل شيء في المعموديّة.
رابعًا: غنى مجد هذا السرّ (آ 27)
بعد أن أشار الكاتب إلى طريقة نشر هذا السرّ، بدأ يعطينا مضمونه الكرستولوجيّ. في آ 26 كان الفعلان في صيغة المجهول. (المجهول اللاهوتي، الله هو الذي أعلن، كشف). أما هنا فذُكر "الله" الذي به ترتبط كل مبادرة في إعلان هذا السرّ وتتوضح الأدوار:
أ- الموجّه: الله (الفاعل القدير)
ب- الموضوع: (1) المسيح مع تشديد على كرامته السامية (المجد). (2) اعلان السرّ هو تجلّي مجد الله. (3) ليس السرّ فقط مخطّط الخلاص الذي (على سبيل المفارقة وبشكل نهائيّ) اتخذ جسدًا في المسيح (1 كور 2: 1 ي؛ روم 16: 25- 27)، بل مخطّط الله الذي أراد أن يُعلن أع ويكون حاضرًا لدى الوثنيين أو لدى الأمم.
ج- الموجّه إليهم: القدّيسون أي المؤمنون.
كيف نترجم "إن هيمين"؟ "فيكم". وهكذا يشدّد بولس على حضور المسيح في كل مؤمن. ولكن معظم الشرّاح يقولون: بينكم، في وسطكم. لا ننسى أن السياق يتحدّث عن الكرازة (آ 28): كرازة بين الأمم، كرازة بين المؤمنين.
هناك من قرأ آ 26- 27 على أنّ "القدّيسين" ليسوا من يوجّه إليهم السرّ، بل من يحملون هذا السرّ، من يعرّفون بهذا السرّ، وسط الأمم (رج روم 16: 25- 26). ولكن بُعد "أعلم" عن "الأمم" يمنع مثل هذا التفسير. "إلى القديسين وصل السرّ". هو "السرّ بين الأمم". ورأى آخرون أن آ 27 تستعيد روم 9: 22- 24، لأن النصيّن يذكران مخطّط الله من أجل الأمم، ويريان في عمل الله هذا قمّة مجد الله في قوّته وغناه. لاشكّ في أن حضور الانجيل (= المسيح) بين الأمم هو التجلّي الأخير والذي لم يُسمع به. فالأمم الوثنيّة ما كانت تنتظر المسيح، لأنه كان عليها أن تصعد إلى أورشليم المدينة المقدسة. ولكن مع اعلان المسيح، جاء الخلاص إلى الأمم حيث هم ليبقى في وسطهم بشكل نهائيّ في تنوّع حضاراتهم. وهكذا تبقى الأمم "أممًا" ولا يصيرون يهودًا. هذا هو السرّ السامي. "المسيح بينكم": إن حضور المسيح وسط الأمم (وبالأخص في كولسي)، بالاعلان والحياة التي تنتج عن هذا الاعلان، يدلّ على أن مخطّط الله الخلاصي قد بلغ هدفه.
ونستشفّ منذ الآن لماذا استعملت كو "مستيريون" (رج 2: 2- 3). "السرّ" يوصف في عبارتين متوازيتين تشدّدان على المجد: سرّ وسط الأمم غنيّ بالمجد. المسيح عندكم رجاء المجد. إن التشديد على المجد المرتبط بالمسيح يتحدّد في خط المقدمة: في المسيح أعطي كل شيء، أعلن كل شيء. والمجد هو مجد المسيح القائم من الموت. إذن مجد الله، مجد نرجوه، مجد ينتظره جميع المؤمنين.
خامسًا: الانسان الكامل في المسيح (آ 28)
وينتقل بولس إلى صيغة المتكلّم الجمع. فقد يدلّ الضمير (نبشّر، نحن) على بولس وتيموتاوس (1: 1) وابفراس (1: 7) وسائر المشاركين في العمل بمن فيهم ابفراس (4: 10- 14). ولكنه يدلّ بشكل خاص على بولس الذي يملأ الساحة بحضوره في 1: 24- 2: 5.
هنا نستعيد مركبات "السرّ" الأربعة كما أعلنت في آ 26- 27:
* التبشير به (كاتانغالاين). اعلان رسمي. كرازة رسوليّة، "ننصح (نحرّض) كل انسان. نعلّم كل انسان". إذن، التبشير عمليّة طويلة تمرّ في التحريض والاصلاح والتنبيه والتعليم. يُعطى التعليم والاصلاح بكل الحكمة المطلوبة لئلاّ تكون النتائج سلبيّة، لئلاّ يقود إلى الضلال والقنوط.
* موضوع التبشير هو المسيح، لا حقيقة مجرّدة. هو شخص أحبّ جميع البشر، وقد تعلّم البشر أن يعرفوه ويقابلوه الحبّ بالحبّ.
* البعد الشامل للتبشير: البشريّة كلَّها. تتكرّر ثلاث مرات عبارة "كل انسان". كلهم مدعوّون إلى أن ينتموا إلى جسم القديسين الكنسي، أن يعيشوا فيه، أن ينموا فيه بمعرفة الله والسرّ، دون حصر ولا تمييز. والشموليّة جزء أصيل في السرّ: لهذا، لا ينحصر التعليم والنصح في مجموعة صغيرة من المتدرّجين، بل يُعرضان على الجميع. قالت الأسفار الحكميّة إن الحكمة هي في متناول الجميع. ولكن تختلف كو عن الأسفار الحكميّة، التي تقول إن هذه الحكمة التي فيها يعبَّر عن مخطط الله في كماله، ظلّت مخفيّة على جميع الدهور. وهذا ما يدهشنا.
* هي تُدهشنا. لا ندهش فقط حين نعلم أن الانجيل يمكن أن يُعاش في جميع الحضارات، بل ندهش حين نعلم أنه جُعل ليعلن في العالم كله، ومع ذلك لم يفعل الله شيئًا ليعرّف به البشر حتى مجيء المسيح. لا يقول المقطع لماذا أخفى الله السرّ كل هذا الزمن، ولكن الجواب غير المباشر نجده في لفظة "سرّ".
* غاية هذا التبشير: "نجعل كل انسان كاملاً في المسيح". غاية إعلان السرّ خلاصيّة في جوهرها وفي شمولها. ولكن أي كمال نعني؟ وهل يحصل الآن أم في القيامة الأخيرة؟ إذا عدنا إلى 3: 14 و4: 14 والقسم التحريضيّ كله، نفهم أن الكمال المذكور في 1: 28 هو على المستوى الخلقيّ. وهو يصدر عن تجدّد المؤمنين الداخليّ: كمال المؤمنين هو "في المسيح"، وهو يرتبط بملئه وغناه.
وموضوع كمال المؤمنين ليس بالجديد. فهو يجد جذوره في العهد القديم (تك 6: 9 ونوح؛ سي 44: 17؛ تث 18: 13؛ 2 صم 22: 26)، في العالم اليهوديّ (مثلاً، نج 3: 9- 10)، وفي الكنيسة الأولى (مت 5: 48؛ 19: 21؛ روم 12: 2؛ 1 كور 2: 6؛ 14: 20؛ فل 3: 15؛ يع 1: 4؛ 1 يو 4: 18). غير أن هذا الكمال الذي إليه يُدعى كل انسان في المسيح، هو ممكن منذ الآن: في كو 3: 14 يفترضه الكاتب ممكنًا، حين يطلب من الكولسيين أن يحبّوا برباط المحبّة (اغابي) الكامل. إذن، ليس الكمال حلمًا محفوظًا لبعض الناس لزمن آخر أو للملكوت الآتي، بل واقع يشارك فيه منذ الآن كل مؤمن، وينفّذ متطلّباته.
ليست المرة الأولى التي فيها تتكلّم كو في عبارة مشابهة عن كمال المؤمنين. لماذا هذا التشديد؟ لأن التبشير بالمسيح (المسمّى هنا مستيريون) غايته كمال جميع الذين تلامسهم هذه البشارة. ونلاحظ هنا دور المسيح. فإن لم يكن الأمر هكذا، يبقى علينا أن نبحث عن وسيط آخر.
سادسًا: أتعب وأجاهد (آ 29)
بعد أن أورد بولس مركّبات "السرّ"، كرّر أنه لهذا يتعب (كوبياوو: عمل الأيدي كما في 1 كور 4: 12، والعمل الرسولي لخير الجماعات، روم 16: 6، 12؛ 1 كور 15: 10؛ 16: 16؛ غل 4: 11؛ فل 2: 16؛ 1 تس 5: 12). ويجاهد (اغونيزوماي، ضد الأعداء والصعوبات). ولكنّه لا يشدّد على الجهاد بقدر ما يشدّد على أشكاله. هناك قوّة المسيح العاملة. وهكذا يذكّر بولس أن البشارة بالانجيل ليست ذات بعد بشريّ، وأنها تفشل إن لم تسندها قوّةُ المسيح. في 1 كور 4: 7؛ 6: 7؛ 12: 9؛ فل 2: 13؛ 4: 13... تشدّد النصوص على قدرة الله. أما هنا فتشدّد كو على قدرة المسيح.
هناك علاقة قويّة (لا يمكن أن نتجاهلها) بين الانجيل وبولس على مستوى المضمون: فإذا كان بولس قد جاهد، فلكي يبقى الانجيل كما بشّر به وأوصله. ولكن بولس لا يستعمل سلطته ليسند براهينه. فالسلطة (رج 2: 1- 5) هي معرفة السرّ وغنى المسيح الذي اختبره المؤمنون: إن الكرستولوجيا قائمة في ذاتها وهي تعطي بولس سلطته ولا تأخد منه قوّتها. الكرستولوجيا هي البرهان الوحيد النهائي في الرسالة.
ب- الرسول ومتانة إيمان الكولسيين (2: 1- 5)
إن القسم الثاني من المقطع (2: 1- 5) يبدو في تأليف دائري، ولكنّه في خدمة ما تبقى من البرهنة، لأنه يدلّ على أهداف ملموسة في معرفة السرّ، من أجل جماعة المؤمنين:
أ- جاهد بولس من أجل الكولسيين ومن أجل الكنائس (آ 1)
ب- من أجل تعزيتهم لكي يبلغوا إلى المعرفة (آ 2 أ ب)
ج- معرفة سر الله (آ 2 ج- 3)
ب ب- لتقاوموا الخطب المموّهة (آ 4)
ب- سهر بولس على متانة إيمان الكولسيين (آ 5).
أولاً: أي جهاد أعاني (آ 1)
وها هو بولس يشير مرّة ثانية إلى جهاده بطريقة بلاغيّة. يعلن أولاً أنه أراد التكرار الذي يوافق رغبته. ثم يقول إن الجهاد قاس عنيف، وكل هذا من أجلهم لأنهم ينتفعون منه. وأخيرًا يفهمنا أنه لا يجاهد فقط من أجل الكنائس التي اسَّسها وعرفها معرفة شخصيّة، بل أيضًا من أجل تلك التي ما زارها أبدًا، مثل كولسي ولاودكية وغيرهما. وهكذا دلّ على الجديّة التي بها يمارس مسؤوليّته كرسول للأمم ويهتمّ بالجميع.
وتدلّ هذه الآية حين نقرأها في سياقها الكنسيّ، أن الصعوبات التي واجهها الكولسيّون، قد امتدّت إلى المنطقة كلها. مثل هذا الخطر دفع بولس بلا شكّ إلى أن يتدخّل شخصيًا فيشدّد على تعلّقه بمن يكتب إليهم وجهاده الناجح، أكثر ممّا يشدّد على سلطته الشخصيّة.
ثانيًا: لتتشدّد قلوبهم (آ 2)
وتقدّم آ 2 أسباب جهاد بولس (وبالتالي هدف هذا الجهاد) من أجل الكنائس. نقرأ "باراكالاين"، شدّد، عزّى. نحن أمام التحريض والتعزية لا الاصلاح والتوبيخ (رج 4: 8). (1) سبق لبولس وعبّر عن فرحه حين علم بمتانة إيمان الكولسييين. (2) ذكر جهاد النصر الذي يفترض وضعًا صعبًا، وهذا لا معنى له إلاّ إذا توخّى تشجيع الكولسيين. وهناك فعل "سيمبيبازاين" (1 كور 2: 16) الذي يعني "علّم"، "عرف". والمعرفة قد تدلّ هنا على الوحدة "التأموا في المحبة". وتأتي عبارتين مع "إيس": من أجل كل غنى ملء الفهم، ومن أجل معرفة سرّ الله، المسيح. الموضوع هو معرفة السرّ. إن سرّ الله الذي فيه أخفيت كل كنوز الحكمة هو المسيح. رج 1: 27. إذا كان كل مسيحيّ يقدر أن يصبح كاملاً في المسيح، فلأن فيه يسكن كل الملء الذي يُعطى لجميع الذين يؤمنون. لا تزاحم بين "كمال المؤمنين" (1: 28) و"ملء فهم السرّ" (2: 22). فالهدف الأخير هو بلا شك كمال (خلقي) كل واحد في المسيح. ومع ذكر المعرفة الكاملة للسرّ، للمسيح، يشير الكاتب إلى أن كمال المؤمنين يجد أساسه ومضمونه في المسيح: فحين يدخلون بشكل أعمق في السرّ يستطيعون أن يعيشوا غنى طرق الله لهم، الذي لا ينفد.
الألفاظ المستعملة هي ألفاظ العالم الجلياني اليهودي كما في قمران. يبقى أن نحدّد وظيفة هذه الخلفيّة ونشرح لماذا فضّلت كو أن تتكلّم عن السرّ لا عن الانجيل كما في 1: 23 ب الذي أعلن القسم الذي ندرس.
ثالثًا: كنوز الحكمة والعلم (آ 3)
إن ملء الفهم الذي يجب على المؤمنين أن يبلغوا إليه، يرتبط ارتباطًا واضحًا بملء المسيح "الذي كُتمت فيه كل كنوز الحكمة والمعرفة". أجل، كل هذا يعود إلى المسيح كما في 1: 27- 28؛ 2: 2- 3، لاسيّما وأن كو تشدّد على أولويّة وغنى الحياة في المسيح (2: 9- 15).
ما يلفت النظر حول الكمال الذي تؤكده الآية عن المسيح، ليس أن له الحكمة والمعرفة وحسب بل في أنه يمتلك ملئهما: كل حكمة وكل معرفة. إذن يجب أن نذهب إليه واليه وحده لننال الحكمة والمعرفة. ثم إن الكاتب لم يحتفظ إلاّ بالحكمة والمعرفة، لأنه جعل نفسه في خطّ الكتاب المقدّس والعالم اليهوديّ ليضع صفات الله في المسيح، ويدعو المؤمنين ليعرفوا فيه الملء الذي بدونه سيضلّون ويُحرمون من خيرات الله عينها. في الواقع، إن الاقوال الكرستولوجية في 2: 2- 3 (تستعيد وتكمّل ما في 1: 27) تهيّئ البرهان اللاحق (2: 9- 23) الذي سيستعيدها ويستند إليها (2: 9- 15) فيدلّ على أن ملء الوحي في المسيح يعفي المؤمنين من خطب وممارسات نسكيّة وسرية يقدمها معلّمون مزعومون (رج 2: 24؛ 2: 23). إن الطريقة التي بها يقدّم النصّ هنا المسيح تتحدّد بتوسّع البرهان.
رابعًا: لا يغويكم أحد (آ 4)
"أقول هذا": قد تعلن ما يلي، أو تعيدنا الى ما سبق؟ نقدر أن نقول: "قلت لكم هذا لئلا يغويكم أحد". وهكذا تدل الآية على وظيفة 1: 24؛ 2: 5: تقديم الأسس الكرستولوجية التي عليها يرتاح إيمان الكولسيين وما تبقّى من البرهان. وتقدّم الآية أيضًا للكاتب سببًا حاسمًا ليكتب الى جماعة لم يزرها أبدًا. أجبرته الضرورة فكتب.
"كلام مموّه" (بيتانولوغيا). براهين قد تقنع أو تجعل الخطبة معقولة. لهذا فهي خطرة. لها ظاهر الحقيقة فتجذب الانسان وتهدّد باقناعه. والعودة إلى أساس متين يقدّمه السرّ (أو النظرة الكرستولوجيّة السامية)، تبدو ضرورية.
خامسًا: أنا غائب في الجسد (آ 5)
لا تزيد هذه الآية شيئًا جوهريًا على مستوى الأفكار، ولكن وظيفتها البلاغيّة هامة: تتوخّى أن تؤكّد للقرّاء اهتمام بولس بهم وتنبّهه المتواصل لوضعهم: ما استسلموا للتجارب فصحّ فيهم قول بولس حول متانة الايمان في المسيح. وهكذا يستطيع الكاتب أن يواجه في القسم الثاني (2: 6- 23) المسائل العالقة.

3- نظرة عامة
نجد هنا قسمين. في قسم أول (1: 24- 29) نعرف ارتباط الكولسيين بخدمة بولس رسول الأمم. وفي قسم ثان (2: 1- 25) نعرف هدفه ونواياه.
أ- ارتباط الكولسيين ببولس
* كان بولس في السجن، فما عاد يستطيع أن يخدم الانجيل فيكرز به في العالم الوسيع. فلا يبقى له إلاّ أن يخدمه بآلامه التي يتقبلها بفرح. فالآلام التي يتحمّلها بسبب الكرازة، تنتمي، شأنها شأن الكرازة، إلى خدمته كرسول الأمم وتعمل على فاعليّتها. قد يستصعب الكولسيون أن يفهموا كيف أن آلامه في سجن بعيد قد تفيدهم. ليعرفوا أن يروا فيها وجهة من الخدمة التي يقوم بها الرسول من أجل الكنيسة كلها.
"وأتمّ في جسدي...". نحن لا نقول إن بولس "يكملّ" الخلاص الذي كان ناقصًا. إن المسيح حين أتمّ العمل الفدائي لاقى معارضة العالم. اصطدم بمقاومة دلّت آلامُه على عنفها. عرف المضايقَ وسيعرفها تلاميذه بدورهم وللأسباب عينها (مت 10: 24- 28؛ يو 15: 18؛ 21: 16- 33). ولكن بولس لا يرى في ضيقاته ضيقات كل تلميذ وحسب، بل يربطها بضيقات المسيح باسم الطابع الفريد لرسالته كما يعيها. فهو، بدعوته، رسول الأمم (روم 1: 5- 14: 15: 15- 16؛ غل 1: 15- 16؛ 2: 7- 8). وارتداد الأمم هو حدث حاسم في نهاية الأزمنة (روم 11: 25- 26) والنهاية الحقيقيّة للمخطط الفدائي في تاريخ هذا العمل.
في هذا المنظار الاسكاتولوجيّ، ترتدي ضيقات بولس في نظره أهميّة فريدة. فإن وجب عليه أن يتألم بعد المسيح، وإن كانت هذه الآلام الرسوليّة تضاف إلى آلام المسيح، فلأن عمل المسيح لم يصل بعد الى هدفه. فالانجيل لم يُكرز به بعدُ على جميع المسيحيّين، وكنيسة الله لم تجتمع بعد، ونموّ جسد المسيح لم ينته (2: 19؛ أف 4: 12- 13، 16). ما ينقص للبلوغ إلى هذا الهدف هو أن يواصل بولس الكرازة بالانجيل للوثنين فيتألم في هذه الخدمة الفريدة ما يجب عليه أن يتألم. لقد تيقّن بولس كل اليقين أن الله يستعمل آلامه كرسول الأمم لكي يقود الكنيسة إلى قامتها النهائيّة.
* بما أن الكولسيين ينتمون إلى جسد المسيح، فهم يفهمون أن بولس السجين في البعيد يستطيع أن يتكلّم عن فرحه لأنه يتألّم من أجلهم بعد أن صار "خادم الكنيسة". وتابع بولس كلامه: "حسب مخطط الله الذي كلّفتُ بتنفيذه في ما يخصّكم ". لم يتعدَّ بولس على صفة "خادم الكنيسة" التي منحه الله إياها في إطار المخطط الفدائي الذي يواصل تحقيقه مع هدف خاص في ما يتعلّق بالكولسيين: "تتميم كلمة الله" أي الكشف عن كل معناها وكل فاعليّتها. فهذا الانجيل قد كُرز به في كولسي (آ 2- 6: 23) وهو يعمل فيها (آ 6). غير أن الكولسيين لا يدركون كل مضمونه إدراكًا واضحًا من أجل تصرّفهم الحاضر (آ 9 ب، 10، 11)، أو من أجل مصيرهم الأبديّ (آ 5، 12، 23 ب). في هذين الاتجاهين أظهرت كلمة الله "فجوات" (هستاريماتا، 1 تس 3: 10) قد تستفيد منها دعاية الهراطقة، إن لم يردمها بولس فيعرّف بكل نعمة كلمة الله ومتطلّباتها.
* ويتوقّف بولس مطولاً عند كلمة الله فيشرحها: هي السرّ المكتوم منذ الدهور الذي لم يعرفه أحد من قبل، بل لم يستشفّه. أما الآن، ولأن الحدث المركزي في تاريخ الخلاص قد حصل، فقد كُشف هذا السرّ لقدّيسي الله أي للمؤمنين، للكنيسة. ولكن لا يكفي أن نتكلّم عن هذا السرّ، بل يجب أن نعرف "غنى مجده" (آ 27) الذي سُرّ الله أن يعلنه لا في قلب الشعب المختار، الذي احتفظ حتى ذلك الوقت بالوحي (روم 3: 20)، بل وسط الوثنيين الذين ظلّوا حتّى ذلك الوقت مفصولين فصلاً جذريًا عن شعب الله وغرباء عن عهده. ففيهم يشعّ الآن مجد "السرّ" الذي كُشف، والحدث الاسكاتولوجيّ الذي تحدّد منذ القديم في مجلس الله، والذي حصل الآن.
حينئذ يحدّده بولس بالنسبة إلى الكولسيين، الذين هم وثنيون في الأصل. وقد امتدّ عليهم نوره منذ زمن قصير: "المسيح في وسطكم رجاء المجد". فالواقع غير المنتظر، هو أن المسيح حاضر في كنيسة كولسي، يحمل إليها غفران الخطايا والتقديس والفداء. ونعمته الحاليّة تحمل فيها رجاء تتمّتها في يوم الربّ، "رجاء المجد". كان الكولسيون في الماضي وثنيين. وها هم "يشاركون في نصيب القديسين في النور" (آ 12). ذاك هو بالنسبة إليهم "الغنى" و"مجد" السرّ الذي تمّ الآن في المسيح وكُشف للكنيسة.
* وبعد المعترضة المكرّسة للحديث عن "السرّ"، عاد بولس إلى رسالته: هو المسيح الذي يبشّر به فينبّه كل انسان ويعلّم كل انسان في كل حكمة. يبشّر بالمسيح أي يعلن الحدث الفدائي في خدمة الكلمة من تنبيه وتعليم. فإن اكتفى الرسول بإعلان الانجيل ثم ترك المرتّدين الجدد وشأنهم، يكون وكأنه عرّضهم لأن يعودوا إلى الوثنيّة التي خرجوا منها، أو لأن ينجذبوا إلى أشكال منحرفة في المسيحيّة. فإن كانت عبارة "المسيح فيكم" قد أشارت إلى الوجهة الجماعيّة في الحياة المسيحيّة، فهذه الحياة تجد ينبوعها في المؤمن الذي دُعي دعوة شخصيّة ويبقى مسؤولاً على هذا المستوى. لهذا، لا بدّ من تنبيه كل مؤمن من الضلال والتجارب والسقطات التي تهدّد خطواته الأولى في الحياة المسيحية، وتعليمه بما ينتظر الله منه، وبالغلبة التي يمكن أن يحرزها، وبالنعمة التي يمكن أن يستند إليها. وهذا "في كل حكمة" (آ 9)، لأن معرفة طرق الله في المسيح ونعمته ومتطلباته، تتيح للرسول بأن يُسمع كلَّ واحد "التنبيهات" و"التعاليم" الضروريّة لتجعل كل انسان كاملاً في المسيح.
يعتبر بولس أنه لم يُنه مهمته تجاه الذين ربحتهم كرازتُه. يبقى عليه أن يجعل من كل واحد منهم مسيحيًا مكمّلاً، وقد وصل إلى نضجه الروحي، وتأهّل ليتحمّل مسؤوليّة حياته وشهادته كمسيحيّ. هو لا يتوخّى أن يقوده إلى كمال "ملائكي" يتعدّى قوى الانسان. ولكن إلى كمال "في المسيح". ففي المسيح فقط يبلغ المؤمن إلى نضجه الروحي، وفي الايمان بيسوع المسيح وعمل نعمته.
* وفي النهاية يذكر بولس معنى عمله الرسولي الذي هو جهاد حقيقي لا يتجاسر على القيام به لولا يقينه، في وسط عمله لكي يجعل من الكولسيين مسيحيين جديرين بالاسم المسيحي، من أن المسيح يعمل فيه بقدرة فيؤمِّن فاعليّة مجهوده وينصره في حربه.
ب- هدف بولس ونواياه (2: 1- 5)
* حتّى الآن تكلّم بولس بشكل عام عن الخدمة التي كلّف بها لدى الكولسيين (1: 24 أ، 25 ب)، والتي جمعت الكرازة إلى الاهتمام بالنفوس (آ 28)، وفرضت مجهودًا مناسبًا للقدرة التي جعلها المسيح في خادمه (آ 29). وها هو يعود الآن إلى موضوعه. يريد أن يعرف الكولسيون الجهادَ الذي خاضه لأجلهم، ولأجل الإخوة الذين في لاودكية، وبشكل عام لأجل الذين لا يعرفونه معرفة شخصيّة. فهو يحمل "همّ جميع الكنائس" (2 كور 11: 28). وذكرُ كنيسة لاودكية يجعلنا نفكّر بأن كنائس وادي ليكوس هي موضوع اهتمامه الرعائي. فهي تتعرّض للخطر. وهو يجاهد لأجلها في الصلاة، ويوجّه إليها في الرسائل، التنبيهات والتعاليم.
* هو يجاهد أولاً (آ 2) لكي يتقوّى قلب إخوته الذين لا يعرفهم، فيتشجعّوا في مقاومتهم لدعاية الهراطقة، موافقين على كلام رسولهم وما يقدّمه إليهم من سند. إن بولس يريدهم أيضًا "متّحدين في الحب" ليصلوا إلى المعرفة الكامل لـ "سرّ الله". هناك علاقة بين المحبّة والمعرفة، لأنه يجب على الجماعة أن تدرك "كل غنى ملء الفهم". وهي لا تبلغه إلا إذا شارك كل عضو في الغنى الذي يشارك فيه الجميع. وموضوع هذه المعرفة الكاملة هو "سرّ الله، المسيح". رج 1: 27 مع موضوع السرّ أي مخطّط الفداء الذي تمّ في المسيح وكُشف به فتضمّن مشاركة الوثنيّين في الخلاص.
* وغنى هذا السرّ هو عظيم بحيث إن "جميع كنوز الحكمة والمعرفة" قد وُجدت "فيه". فالبحث في موضع آخر سراب باطل ووهم رديء. لا معرفة دينيّة لها قيمتها خارجًا عن المسيح. وهذه المعرفة هي كلها فيه وهي تشمل مجمل الطرق التي يتبعها الله ليحقّق مخطّطه بالنسبة إلى الكنيسة والبشريّة (حكمة). هكذا نعرف المسيح، نعرف الله الذي يكشف فيه عن ذاته وعن النعمة التي يقدم (معرفة). وهذه الكنوز هي مكتومة، مخفيّة، لأن الناس في هذا العالم لم يعرفوا بحضورها في المسيح، فلا تصل إليها إلاّ معرفة الايمان فتحتاج إلى التأمّل والخبرة والشهادة لدى كل أعضاء الكنيسة من أجل امتلاكها.
* في آ 2- 3، حدّد بولس بشكل إيجابي هدف تدخّله في كنيسة كولسي. وها هو الآن يحدّدها بشكل سلبيّ. "أقول لهذا لئلا يغرّكم أحدًا" (آ 4). إن الخطر الذي يهدّد الكولسيين يُذكر هنا للمرة الأولى. كانوا معرّضين لدعاية الهراطقة الذين يريدون أن يجعلوهم يقبلون بأن "كل كنوز المعرفة" ليست في المسيح وحده ويقدّمون لهم كنوزًا أخرى. كانت هذه الدعاية خطيرة وقد استعملت براهين تقدر أن تقنع سامعين غريبين فتضلّهم. ولكن إن كان بولس غائبًا (آ 5) "فهو مع الكولسيين بالروح". لا يريد أن يقول فقط إن فكره هو دومًا في كولسي، بل إن روح الله يوحّده توحيدًا وثيقًا بإخوته البعيدين الذين يعرف وضعهم بدقّة بعد أن أعلمه به ابفراس وبالتالي يستطيع أن يعينهم بتوجيهاته. ويضيف الرسول حالا: إن. كان يعرف الخطر الذي يهدّدهم، فهو يفرح بثباتهم في الايمان. فالخصوم لا يقدرون عليهم وقد تعلّقوا بالمسيح وحده تعلقًا لا ضعف فيه.

خاتمة
لماذا استعمل بولس لفظة "مستيريون"، سرّ؟
لاحظنا أهميّة الكرستولوجيا وإلحاح الكاتب على تقديم إعلانه للمسيح كسرّ. إن وجود اللفظة في 1: 26- 27؛ 2: 2 يرتبط بوجودها في الرسائل الكبرى للدلالة على الانجيل (روم 11: 25؛ 1 كور 2: 1؛ 4: 1؛ 13: 2؛ 14: 2؛ 15: 51). ماذا نكتشف من مركّبات هذه اللفظة في الرسائل البولسيّة؟
- أصل السرّ هو الله. هو موضوع مخطّط الله القدير، وهو مخطّط لم يتبدّل مع أنه لم يُعرف إلا في الزمن الحاضر.
هو موضوع وحي من عند الله. والانسان، وإن مؤمنًا، لا يستطيع أن يعرفه. والذي يُكشف له (مثل بولس) يعرّف به أولئك الذين يرسله الله إليهم. فالله يريد أن يُعرف سرُّه (أو: أسراره أو مخططاته).
- الذين يعرفونه ليسوا حكماء العالم الذين لا يقدرون أن يعرفوا طرق الله في المسيح، بل المؤمنين الذين يقدرون، بواسطة بولس، أن يدخلوا دخولاً أفضل في مخطّط الله من أجلهم.
- السرّ يدهشنا. إنه يعبّر عن طابع لا يُسبَر لمخطّط الله، ويُبرز تحقيقه بشكل لم يسمع به أحد. أن تكون حكمة الله قد أرادت أن تمرّ بجنون الصليب (1 كور 1- 2)، أن يكون الله قرّر أن يكشف عن عظمة قدرته في موت يحمل ظاهر الضعف، موت مسيح مصلوب، من كان يقدر أن يتوقّع مثل هذا؟ هذا مع العلم أنه حتى بعد موت المسيح على الصليب، يرفض العالم أن يؤمن. ونجد ذات المخرج اللامتوقّع في روم 11: 25، لأن "السرّ" الذي أعلم به بولس، ليس خلاص اسرائيل الذي أعلنه الأنبياء وانتظره كل يهوديّ تقيّ، بل رفض اسرائيل الأمين للشريعة بأن يؤمن بالمسيح يسوع الناصريّ باسم الشريعة عينها. ولكن هذا الرفض ليس إلى الأبد، بل هو يخدم مخطّط الله الخلاصي. ونجد عنصر الدهشة هذا أيضًا في 1 كور 15: 51 حيث يقول بولس إن الأحياء أنفسهم يتحوّلون في أجسادهم عند مجيء الرب ليشاركوا في المجد الأخير.
- في 1 كور 1- 2 وفي روم 16، موضوع السرّ هو كرستولوجيّ.
- نحن في إطار اسكاتولوجي في روم 11: 25 و1 كور 15: 51.
لا نجد هذه المركّبات في كل المقاطع وبالقوّة عينها. فهناك "أسرار" مختلفة وايحاءات متنوّعة وصلت إلى بولس. ولكننا لا نجد كلامًا عن الانجيل على أنه "سرّ الله" إلاّ في كو وأف اللتين توحّدان الاستعمال البولسي حول المركبَّة الكرستولوجيّة. وهكذا تتكلّم كو عن السرّ على مثال الرسائل الكبرى، فتعطيه طابعًا كرستولوجيًا وتوسّعه وسع الانجيل نفسه. وسببُ هذا الاستعمال هو وضعُ هذه الكنائس الجديد في أكثر من مجال: يستطيع الانجيل أن يُعاش في كل حضارة ولدى جميع أمم الأرض التي لا تحتاج أن تبدِّل هويّتها (تبقى "أمم"). وهذا التنوّع يترافق مع وحدة قويّة في المسيح بحيث سمّيت الكنيسة جسده.
الفصل السابع
تحذير من المعلِّمين الكذبة
2: 6- 15

يبدأ هذا المقطع بتحريض لكي يعيش المؤمنين متجذِّرين في المسيح، فيقابل بين التقليد الحقيقيّ وتقليد البشر. فالمسيحيّ لا يبحث عن ملء آخر سوى ملء المسيح الذي يشاركه في حياته بواسطة العماد. أما القوّات فقد عُرّيت من كل سلطان لها بواسطة صليب المسيح. نصّ غنّي جدًا نجد في قلبه (آ 12 ب- 15) نشيدًا حول غفران الخطايا وهزيمة هذه القوات بالصليب. وهو لا يتوقّف فقط عند آ 15 بل يصل إلى آ 23 في موضوع عام هو الأمانة للانجيل. في 2: 6- 15 نفهم كيف نعيش في أمانة المسيح، رئيس القوّات، بالتنبّه من المعلِّمين الكذبة. وفي 2: 16- 23 نعود إلى حرّية المعمّدين.

1- التأليف
* تحريض أول بشكل عام: في صيغة الأمر الايجابي (آ 6- 7) "أسلكوا في المسيح، كونوا متأصّلين".
أ- تنبيه يتعلق بالممارسات العباديّة: في صيغة الأمر السلبي (آ 8): "إحذروا".
ب- أسباب كرستولوجيّة: المسيح والمؤمنون معه (آ 9- 15): سيادة المسيح المطلقة. 
أ أ- استعادة التنبيه مع فعلين سلبيين في صيغة الأمر (آ 16- 19): "لا يحكم عليكم أحد".
* تحريض ختامي (آ 20- 23): "قد متّم مع المسيح...".
إن آ 8- 19 تميّز التحريض البولسي، ونحن نجده في رسائل أخرى مثل 1 كور.
أ- انتبهوا (تحريض أو أمر)
ب- الاسباب
أ أ- إذن، انتبهوا (يتجذّر التحريض أو الأمر).
أما (ب) أو الوحدة المركزيّة (آ 9- 15) فتقدّم الاسباب في محطتين براهينيتين.
+ أسباب ترتكز على الوضع الحاضر (آ 9- 10)
* الآن فيه (= المسيح) يكمل ملء اللاهوت جسديًا (علاقة المسيح بالله)
* وفيه تمتلئون (علاقة المسيح بالمؤمنين)
* هو رأس كل رئاسة وسلطان (علاقة المسيح بالقوى).
+ أسباب ترتكز على الأحداث الماضية (آ 11- 15)
* انطلاقًا من تحوّل تمّ في المؤمنين (آ 11- 12)
انفصال عن البدن والخطيئة (آ 11): ختان (إشارة إلى العماد)
اتحاد مع المسيح (آ 12): موت وقيامة (إشارة إلى العماد)
* انطلاقًا من عمل الله بواسطة المسيح من أجلهم بالصليب (آ 13- 14) وتعرية القوى (آ 15)
النقطة الحاسمة هي الملء الذي ناله المؤمنون في المسيح: امتلأوا فيه. قاموا معه. وهكذا يتّضح أن المؤمنين نالوا منذ الأن كل شيء في المسيح فلا يحتاجون إلى ممارسات تفترض أن عطايًا الخلاص التي نالوها في المسيح هي ناقصة أو هم لم يبلغوا إليها بعد.

2- التأويل (2: 6- 15)
أ- المقدّمة (آ 6- 7)
إن آ 6- 7 تؤمّنان الرباط مع القسم المتعلّق بالممارسات الكنيسيّة فتذكّران بأن الايمان بالانجيل كما بشِّر به وقبلوه، هو الأساس الوحيد والأكيد والثابت للحياة المسيحيّة.
"بارالمباناين" تقبّل (تعلّم). لسنا أمام استماع منفعل بل أمام ارتباط الحياة كلها بشخص هو المسيح وهو ارتباط يجد نموذجه في الرسل. هذا الفعل يلخّص القسم السابق (1) حيث صوّر بولس جهاده من أجل الجماعات. فعلى المؤمنين أن يجاهدوا مثله. (2) حيث الجوهر هو المسيح: لقد تقبلّ المؤمنون الانجيل الذي جاء إليهم في كلمة الرسول. (3) حيث المسيح هو رجاء المجد: فيه، هو الرب (كيريوس). في ملئه يجب أن يسلكوا. كل شيء يتأسّس على سيادة المسيح (هو الرب) وملئه.
في آ 7، يصوّر فعلُ "باريبتاين" (سلك) بشكل إجمالي سلوك الجماعة (1: 10). ويحدَّد هذا السلوك في أسماء فاعل ترسم خطًا متدرجًا ينطلق من الأساس الكرستولوجيّ إلى التعبير الكامل عن حياة المؤمن في فعل الشكر. لا يتوسّع النص في هذا السلوك كما في 1: 10- 12: لا يقول شيئًا عن الأعمال الصالحة ولا عن العمل الخلقيّ. والسبب واضح: إشكاليّة الفصل هي إشكاليّة متانة الايمان الذي موضوعه المسيح الرب فنعرفه معرفة أعمق كل يوم ونكتشف غناه.
إن صمورة الكائن المتجذّر (المتأصّل) وصورة الكائن المشيَّد على (المبنيّ) هما صورتان نجدهما في الكتاب المقدس (عا 5: 11؛ 9: 14- 15؛ إر 1: 9- 10؛ 2: 15...). لا نجدهما في العهد الجديد إلاّ هنا وفي أف 2: 18. هما تذكّراننا بـ "غرس" (فيتاواين) و"بنى" (اويكودوماين) كما في 1 كور 3: 10- 12 حيث المسيح هو الأساس الحقيقيّ الذي عليه يُبنى المؤمنون.
فالايمان الذي يجب على الكولسيين أن يثبتوا فيه هو بلا شك ايمان (فعل ايمان وموضوع ايمان) بالمسيح الربّ كما ذكّرت به بدايةُ الرسالة وعبّرت عنه، وكما سمعه الكولسيون يعلَن عليهم فاعترفوا به.
ويُذكر فعلُ شكر أيضًا كتعبير عن ايمان قويّ ومؤسّس في المسيح أو كطريقة سلوك، فيه فعل الشكر هو شكل من أشكال الحياة في المسيح والقمّة التي تعطي حياة المؤمن عنصر المجانية والدهشة كما في 2: 3.
ب- تنبيه حول الممارسات العباديّة (آ 8)
إن فعل الأمر (احذروا) يبدأ البرهان ويدلّ على وظيفته: هذه الآية تتوخّى أن تنبّه وتحذر فتدلّ على الخطر (أ- أ أ) وتُعارضه بالقيم الحقيقية (ب).
"استلب ". وضع خطير يقيم فيه الكولسيون: نحن أمام النصر أو الهزيمة، الحياة أو الموت. إن قُهر الكولسيون سيُسبون. سيصبحون سلبًا وغنيمة. هناك حديث عن "الغش" (اباتي). ولكن المدافعين عن هذه "الفلسفة" لا يعتبرون أنهم يحملون الضلال إلى الكولسيين بل أنهم يردّونهم إلى الحقيقة.
"الفلسفة (فيلوسوفيا) مع "الغشّ الباطل" يلخّصان تعليم "ملافنة" كولسي. هي الفلسفة مع أل التعريف. لا فلسفة غيرها. وهذا يكفي ليدلّ على الغشّ الذي فيها. "تقليد الناس"، رج مر 7: 7- 8؛ رج أش 29: 13. "أركان (أو: عناصر) العالم". رج غل 4: 3- 10، نحن هنا أمام تفاسير عديدة.
(1) تفسير عرفاني. الاركان هي مبادئ أو أفكار أوليّة لدراسة موضوع (آباء الكنيسة). حين استعمل معلّمو كولسي هذه المبادئ لم يصلوا إلى معرفة سامية، بل لبثوا على مستوى معرفة ماديّة لا تستطيع أن تبلغ بالمؤمنين إلى المستوى الرفيع الذي وصلوا إليه وهو المسيح.
(2) تفسير كوسمولوجي. الاركان أو العناصر هي الأرض والهواء والنار والماء (فيلون الاسكندراني). هذه العناصر تقيّد الانسان وتمنعه من الارتقاء إلى السماوات. ويعتبر معلّمو كولسي أن الممارسات النسكية تحرّرهم منها.
(3) تفسير شخصاني (التفسير المعاصر). "أركان العالم" هي أرواح تحرّك مركّبات الكون الماديّة، أو ملائكة أوكلوا بتسيير الكون. فيجب أن نربح ودّهم بعبادة وصلوات لكي نصل إلى معرفة الله السامية. نجد نصوصًا يهوديّة من القرن الأول المسيحي تُسند هذه الفرضيّة: هناك سلطات روحيّة تسود على عناصر الكون. وإن كو 2: 20 تتحدّث عن هذه القوى المشخَّصة. ولكن مثل هذه العبادة جاءت متأخرة كما في وصيّة سليمان (8: 2- 18). ورأى بعضهم في كو 2: 18 (عباة الملائكة) أول أثر لمثل هذه العبادة: حين نكرّم هذه القوى السامية نؤمّن حمايتها لنا، لأنها تؤمّن الوصول إلى الملكوت السماويء وإلى الرؤى السامية. ويذكر الشرّاح، كسند لهذا التفسير، المقاطع التي فيها يذكر بولس الرئاسات والقوّات. وهكذا نفهم ضرورة الممارسات النسكيّة. تردّ كو هازئة على مثل هذه الممارسات فتسمّيها "تقليد الناس" وهي لا علاقة لها بالمسيح الذي ملؤه يكفي المؤمن (رج 1: 15- 20).
من هم "أركان العالم"؟ لا نستطيع أن نقول الآن. بل ننتظر آ 20. ففي آ 11- 19 الممارسات المتعلّقة بالطعام والشراب كما تفرضها قواعد الطهارة (هي تقاليد بشريّة في نظر الرسول) هي خضوع لأركان العالم للأرض، وهذا الخضوع لا يليق بمؤمنين حرّرهم المسيح فصار منزلهم منذ الآن في السماء. فالعودة إلى القواعد (البشرية) التي تعتدّ بانها تحرّر المؤمن ساعة تبقيه عبدًا لأركان العالم (على مستوى الطعام والشراب)، أمر مذلّ ومهين.
ج- أسباب كرستولوجية: المسيح والمؤمنون معه (آ 9- 15)
أولاً: الوضع الحاضر (آ 9- 10)
السبب الأول يرتبط بملء المسيح. "فيه يحلّ كل ملء اللاهوت جسديًا". يستعمل النصّ صيغة الحاضر: لا يلمّح النصّ إلى يسوع الارضيّ ليؤكّد أن اللاهوت سكن (في الماضي) في جسده (ضدّ البدعة الظاهرية)، بل يتحدّث عن يسوع القائم من الموت (في الزمن الحاضر). ولكن كيف نفسّر "جسديا" (سوماتيكوس)؟ (1) هل يعود هذا الظرف إلى الجسد الروحي للقائم من الموت فيشعّ كل مجد الله (1 كو 15: 44؛ فل 3: 21)؟ حنيئذ تعني الجملة أن الجسد الروحي للقائم من الموت له مجد اللاهوت وقدرته. (2) هل يدل على ما هو واقعي كما يقول الأدب اللابيبلي؟ عندئذ تشدّد الآية على الواقع تجاه الظلّ (كو 2: 17)، تجاه لا شيء. يبدو أن السياق اللاحق يفرض هذا المعنى الأخير.
وقد فسِّر "سوماتيكوس" منذ آباء الكنيسة بأشكال مختلفة: كليًا، حقيقيًا، في الواقع (ضدّ ما هو ظاهر)، بالتجسّد، في الكنيسة لأنها جسد المسيح (الذهبي الفم)، في الكون الذي يعتبر جسد المسيح. إن ملء اللاهوت يُوجد في المسيح وفيه وحده وليس في أحد غيره (لا في الكنيسة ولا في الكون).
وتدلّ آ 10 على أنه لا يكفي أن نقول إن اللاهوت يقيم في المسيح (آ 9). فعلى المسيحيين في كولسي أن يقتربوا من هذا الملء دون اللجوء إلى قوّات روحيّة وإلى ممارسات تُفرض عليهم. فالملء لا يسكن فقط في المسيح بل يُمنح أيضًا للكولسيين، لجميع الذين انضمّوا إلى المسيح. ولا يكتفي بولس بالاعراب عن تمن بل يعلن خبرة حاليّة، حاضرة.
تعود آ 10 ب إلى أولويّة المسيح "الذي هو رأس كل رئاسة وسلطان". بعد العلاقة بين المسيح والمؤمنين، ها هي العلاقة بين المسيح والقوات. لا شكّ في أن العلاقة ليست هي هي في الحالتين. فالمؤمنون ينالون الملء من المسيح الذي يحيي الجسد، يسنده ويوحّده. أما على مستوى القوات، فنحن أمام تفوّق تخضع له هذه القوّات فلا تستطيع أن تهدّد الملء الذي يناله المسيحيون منه وحده. وهكذا نال المؤمنون كل شيء من المسيح فما عادوا خاضعين لأية قوة كانت، ملائكية أو أرضيّة.
ثانيًا: الوضع السابق (آ 11- 15)
إن آ 11- 12 تتحدّث بشكل متكامل عن عبور المؤمنين الذين وحّدهم بشكل نهائي بالمسيح في موته وقيامته. وهكذا ينتقل البرهان من وضع المؤمنين الحاضر (آ 9) إلى ما انتج هذا الوضع (آ 11- 15).
* فيه ختنتم (آ 11)
إن ذكر الختان لا يعود إلى ممارسة يريد المعلّمون فرضها على الكولسيين (كما هو الوضع في كنائس غلاطية). ولكن هذه الصورة التي تدلّ على الانتماء إلى العهد في نظر اليهودي، تُفيد بولس في برهانه: ينطلق بولس من الطقس (نتخلّص من اللحم) فيشدّد على السموّ الذي يميّز "ختانة المسيح": نحن أمام ختانة روحيّة تحوِّل الانسان كله فتحرّره من كل بدني فيه. وإذا كان لا بدّ من التخلّص من البدن لندرك الوحدة مع العالم السماوي (رج سياق آ 16- 23)، فهذه الموهبة قد وصلت إلى جميع المعمَّدين الذين يستطيعون أن يبلغوا إلى ملء اللاهوت باتحادهم النهائي مع المسيح الذي مات وتمجّد.
هل تلمّح العبارة "في خلع الجسد البشري" إلى موت المسيح؟ بل بالأحرى إلى وضع المسيحي الجديد الذي ما عاد ينتمي إلى البدن (رج 3: 9؛ روم 7: 24؛ غل 3: 27). حينئذ تدلّ العبارة على مرور من نظام البدن إلى نظام المسيح. وما يثبت هذا التفسير هو صورة الدفن "مع المسيح" (آ 12). اتّحد المؤمن بالمسيح، فدخل في جسد المسيح. وهكذا نكون في المعموديّة.
إن وظيفة الختان (اختاره بولس) الذي يتضمّن تجرّدًا عن اللحم وانفصالاً، هي أن تدلّ على أن العماد فصَل (وعرّى) جميعَ المؤمنين ممّا هو بشري، فما عادوا يحتاجون إلى شيء آخر، لا يحتاجون إلى ممارسات نسكية ولا إلى طقوس خاصة.
* تدفنون معه في المعموديّة (آ 12)
بعد أن عبَّر الكاتب عن تحوّل المؤمنين بالعماد بلغة الفصل والتجرّد، ها هو يصوره الآن بلغة الاتحاد: كموت وقيامة مع المسيح. هناك الحياد "ببتسما" (عماد) أي العماد المسيحيّ. أما المذكر "ببتسموس" فيدلّ على الاغتسال الطقسي الذي يمارسه اليهود والوثنيون (مر 7: 4؛ عب 6: 2؛ 9: 10). هل هناك تماثل بين الدخول في الماء كعبور والوضع في القبر، وهكذا تصبح المعموديّة تمثّلاً أسراريًا لموت المسيح (= يكون المؤمن مع المسيح)؟ بل إن المذكر "ببتسموس" يدلّ على أن العماد في المسيح يستعيد ويوحّد طقسين يهوديّين، العبور والارتداد.
"قمتم معه". في الماضي. هي المرة الأولى يتحدّث بولس عن القيامة كحالة حصلنا عليها. في الرسائل الكبرى، هي خير ننتظره في نهاية الأزمنة. أما هنا فهي نتيجة العماد الذي نلناه. ما يريد الكاتب أن يقوله هو أن المؤمنين يمتلكون منذ الآن الجسد الممجّد الذي تؤمّنه القيامة لهم في نهاية العالم. نحن هنا أمام استعمال يتفرّع، يفصل ما جمعته الرسائل، بين الحياة القائمة والمجد مع المسيح: ففي روم 6: 1- 14؛ 8: 1 ي؛ 1 كور 15: 1 ي، تتضمّن القيامة مع المسيح تحوّلاً تامًا للجسد الأرضي، بل تمجيدًا. فبه يشعّ المؤمنون مجد الله مع القائم من الموت ومثله، لأن مجده صار مجدهم، ولأن مجده لا يفترق عن مجدهم.
أما كو 2: 12- 13؛ 3: 1- 4 فتميّز بين ما هو هنا منذ الآن من الكائن الذي قام مع المسيح (تسمّيه الرسائل الكبرى حياة المعمّد الجديدة والمتحوّلة)، وبين الظهور الأخير حيث يكون المؤمنون في المجد مع مخلّصهم. إن قيامة المؤمنين مع المسيح قد تمّت لأنهم آمنوا "بقوّة الله الذي أقامه من الأموات". حين ينفتح المؤمن على قدرة الله التي يدلّ عليها الانجيل، فالحياة الجديدة هي هنا. هكذا تَبرز الأهميّةُ الحاسمة لفعل الايمان.
* كنتم أمواتًا (آ 13)
مع أن التعارضات التي قرأناها في آ 11- 12 تتواصل في آ 13 مع ألفاظ أخرى (موت- حياة؛ سقوط- مسامحة)، تعبّر أيضًا عن طريقة حياة المؤمن مع المسيح، إلاّ أن التبدّل واضح على مستوى النموّ: لم يعد المؤمن فاعل فعل في المجهول (خُتن). فالأفعال هي في المعلوم، والله (أو المسيح) هو الذي يعمل. الله هو الذي يعمل. ولكن لم يُذكر الله بوضوح لتبرز وساطة المسيح.
قبل المعمودية هو كيان ميت، هو انفصال يتعارض مع العيش مع المسيح. وسبب هذا الموت: السقطات، لاختان اللحم. لا يحتفظ الكاتب بتعديّات على وصايا محدّدة، بل بعدم ارتباط بإرادة الله (= لاختانة القلب، ورفْض بأن نتخلّى عن البدن). وتنتهي هذه الآية، شأنها شأن آ 11- 12، عند القطب الايجابي في التعارض، الحياة مع المسيح والمسامحة. مع هذه الصور الثلاث، بيّن الكاتب كيف أن المؤمنين انضمّوا إلى ملء المسيح بالذات.
* محا الصك المكتوب (آ 14)
إن آ 14- 15 آيتان صعبتان بسبب ألفاظ ترد مرّة واحدة في العهد الجديد. قد نكون هنا أمام مديح عماديّ. نحن في إطار السوتيريولوجيا: الوجهة الحاسمة لحدث الصليب الذي به محا الله الخطايا وعفا عن الخطأة.
"خايروغرافون". ما كُتب باليد. الصكّ المكتوب. نحن أمام وثيقة مكتوبة تقيّد ذاك الذي وقّعها. ورقة تقرّ بأننا استلفنا مالاً (رج طو 5: 3؛ 9: 5). رج فلم 19 حيث نجد الفكرة: "أنا بولس كتبت بيدي، سأدفع، سأعوّض". لم يقل الكاتب "كتاب الحياة" مثلاً، لأنه أراد أن يبرز الأصل اللاإلهي لوثيقة (الصكّ) ألغاها الله.
"دوغماتا" الأحكام (جمع حكم). هو قرار يفرض علينا أن ننفّذ حكمًا اتّخذ في شأننا. ما هو المعنى؟ (1) قرار شخصيّ يجبر ذاك الذي يأخذه (ولكنه معنى غير معروف في ذاك العصر). (2) أحكام الشريعة: "خطايا متعلّقه بأحكام الشريعة". ولكن وصايا الشريعة الموسويّة لا تسمّى عند بولس كذلك، بل "انتولاي". (3) وصايا الانجيل. هذا تفسير الآباء. ولكن لا سند لهذا المعنى في القاموس. (4) الخضوع للقواعد النسكيّة على مستوى الطعام وشعائر العبادة (رج 2: 20). حينئذ تصبح الأحكام: قواعد الاستعداد النسكي (مع فرائض الشرائع، الموسويّة) المعدّة للذين يريدون أن ينعموا بعبادة روحيّة ورؤى سامية. (5) عقاب يطلبه الملائكة الذين يشتكون على البشر. "بعد أن ألغى الوثيقة التي فيها سجّلت أعمال البشر مع الأحكام التي تحكم عليها والتي كانت معاكسة لنا". قد نتوقّف عند (4) و(5) اللذين يتكاملان.
* الدين وإلغاؤه
(1) إن آ 14 تفسَّر انطلاقًا من أف 2: 15: الوثيقة (مع الأحكام) هي الشريعة الموسويّة ووصاياها. حين ألغى المسيح الشريعة، ألغى كل ما استحققناه بسبب عصياننا. تحفّظ الشراح. إن كان هذا الصك قد كُتب بيد بشر يعترفون فيه بدين (محاه الاله)، فكيف يمكن أن تكون هذه الوثيقة الشريعة، إلاّ إذا كان موسى كتبها باسم البشريّة، وهذا ما يتعارض مع التقليد البيبلي كله؟ وفي الرسائل البولسيّة، ليست الشريعة هي التي سمِّرت على الصليب، بل المؤمن (غل 2: 19 ب) الذي مات هكذا مع المسيح عن هذه الشريعة.
(2) إلغاء الميثاق (آدم والبشريّة بعده) مع آدم. ولكن لا ذكر لميثاق مكتوب بين آدم وابليس، لا في العهد القديم، ولا في الأدب اليهودي، ولا في العهد الجديد.
(3) إذا قلنا بوثيقة مكتوبة فيها نعترف بالدين، فالله هو صاحب الدين ونحن ندفع له. وهكذا نكون أمام استعارة عن إلغاء الخطايا التي هي دين لله. هذا هو تفسير الآباء والتفسير الأكثر شيوعًا منذ ايريناوس حتى أيامنا. رج اللعنة كما في تث 27: 14- 26. وضمير المتكلّم الجمع (علينا) يفهمنا أن اليهود والوثنيين هم معًا.
ولكن يبقى علينا أن نعطي تفسيرًا إجماليًا لما في آ 14- 15.
* جرّد الرئاسات والسلاطين (آ 15)
"اباكديسامانوس". جرّد، عرّى، نزع عنه سلاحه، ثيابه. أو: كشف، عرّف الرئاسات والسلاطين. لسنا هنا أمام عداء بين هذه القوات والله. فالله هو الخالق القدير لهذه الكائنات السماويّة (1: 16). والمسيح هو رئيسها المطلق. وهكذا تصبح الترجمة: "كشف الرئاسات والسلاطين فعرضها (= الله) بشكل فاضح وجعلها تعرفه (في المسيح)".
من هم "الرئاسات والسلاطين"؟ في 1: 16 عرفنا أن القوات والسلاطين هم كائنات روحيّة سامية. هم الملائكة، لا الشياطين (لا حديث عن الانتصار). عملَ الله (أو المسيح) مثل قائد منتصر يعرض جنوده. وهذا بشكل علني. عملَ لا لفئة محدّدة تحصل على هذا الكشف بممارسات نسكيّة. إن هذا التطواف يراه جميع المؤمنين في المسيح. هذا تفسير. وهناك تفسير ثان: إن الله (أو المسيح) قد حرم الملائكة من سلطة كانت لهم على البشر قبل الموت على الصليب. ولكن إذا كان هؤلاء الملائكة لم يخطأوا، لماذا يُعرضون أمام الناس، إن لم يكن للتشديد على خضوعهم الذي به يعبّرون عن تعبّدهم للاله القدير أو مسيحه. والتفسير الثالث: إذا فُسِّرت آ 14- 15 على ضوء 1: 13- 14، نستنتج أن الاعفاء من الدين أو غفران الخطايا يترافق مع انتزاع سلطة الأرواح الذين اتهموا البشر وهددوهم وتعاملوا معهم كقوى معادية: الغفران الذي يمنحه الله للمؤمنين يعرّي هذه الرئاسات ويدلّ على ضعفهم الحالي.
"دايغماتيزو": عرّض للهزء. أو قدّمه ليصفّق له. كمثل يعجب به الناس ويقتدوا به. الغاية هي التي تحدّد المعنى. "تريامبوساين". لا النصر، بل احتفال وتطواف بالنصر مع الأناشيد، حول القائد. قد لا يكون الأعداء في الموكب. فقد يكونون ماتوا.
إذا عدنا إلى قواعد الصرف والنحو، نحن أمام انتصار على القوات (آ 15 أ) واحتفال بهذا الانتصار على حساب هذه القوات (آ 15 ب). إذن، القوّات قد تكون شريرة وتكون صالحة لكي يعاملها الله كمقهورة: فبين ملكوت الابن وملكوت الظلمة، وبين القوات السامية والقوات الأرضية، بل في داخل القوات السامية، هناك تعارض وصراع. فالسلام لم يتمّ بدون حرب بحيث إن هناك الغالب والمغلوب. وحين سمّت كو المسيح "الرأس" دلّت على أن كل سلطان يعارض هذا السلام منذ الآن، سيجرَّد من سلاحه.

3- نظرة عامة
نحن هنا أمام تحذير من هرطقة تقلّل من شخص المسيح وعمله.
* إن ظهور أول فعل أمر (اسلكوا، آ 6) يعلن بداية ارشاد (وتحريض) يمتدّ حتى 4: 6. يستند هذا الأمر إلى صيغة الحاضر: "كما تقبّلتم المسيح اسلكوا". مع الأداة "إذن" (أون) يعود بنا بولس إلى "متانة إيمان" الكولسيين (آ 5)، وينطلق من هذا الايمان ليقدّم لهم إرشاده. فعبارة "كما تقبّلتم المسيح يسوع الرب" تذكّرهم، في شكل احتفالي، بمن آمنوا به. هم يعرفونه منذ بشّرهم به ابفراس وعلّمهم عن شخصه وعمله (1: 7). وهكذا "تقبّلوا المسيح" الذي به تؤمن الكنيسة، الذي حمل في التاريخ اسم يسوع، والذي رُفع بقيامته إلى كرامة الربّ (أع 2: 36؛ فل 2: 9)، فمارس السلطان على كل خليقة (فل 2: 10). فإن أصاب تعليم الهراطقة أولويّة المسيح الشاملة (1: 15- 20)، يجب على الرسول هنا أن يذكّر إخوته في كولسي بسيادة (هو الرب) يسوع المسيح، ويدعوهم إلى استخراج النتائج من هذا الواقع. وهكذا يلحّ عليهم لكي يعرفوا كمال الخلاص الذي منحوه في المسيح، وذلك حين يعيشون فيه.
* استعمل بولس من أجل ذلك لفظة مصوّرة عزيزة على قلبه: أسلكوا فيه (1: 10؛ رج روم 6: 4؛ غل 5: 16...). ورافقها الضمير مع حرف الجرّ "فيه". هذا يعني أن على الكولسيين أن يظلّوا أمناء في الحالة التي جعلها الله لهم في المسيح، وهي حالة أناس مبرّرين، مقدّسين بعد أن تبنّتهم النعمة (آ 7). صاروا في هذه الحالة بواسطة المعموديّة. وعليهم أن يلبثوا فيها بطاعة الايمان. "تأصّلوا (تجذّروا، صارت جذورهم) وبُنوا فيه بناء". استعمل بولس هنا صورتين مختلفتين. "تأصّلوا" كما تتأصّل (تتجذّر) الشجرة في الأرض التي تغذّيها بواسطة الجذور التي تغرزها فيها. ولكن هذه الصورة تبقى جامدة. لهذا زاد عليها بولس صورة أخرى تشير إلى حركة الحياة في الجماعة. "مبنيّين". مثل بيت يُبنى. يرتفع يومًا بعد يوم.
بعد أن ألحّ بولس بقوّة على الحالة الوضعيّة للحياة المسيحيّة، التي هي "في المسيح"، ها هو يذكّر الكولسيين بالحالة الذاتية التي لا يمكن أن تنفصل عنها: "موطّدين في الايمان". وجب عليه أن يقول هذا لمسيحيين ما زالوا على أمانتهم، لأنه خاف عليهم أن يبتعدوا عن الايمان بسبب تعاليم الهراطقة: لا يستطيعون أن يظلّوا في المسيح، على الأساس الحقيقيّ للحياة المسيحيّة، إلاّ شرط أن يكونوا "موطّدين في الايمان"، في هذا الايمان الذي كان إيمانَهم منذ البداية وقد تكوّن بواسطة التعليم الذي تلقّوه. إن بولس مقتنع كل الاقتناع أن أفضل وسيلة بها يعطيهم المناعة ضدّ شرّ هذه التعاليم، هي أن يشجّعهم على الثبات في الايمان. والعلامة الأكيدة على أنهم موطّدون في الايمان، هي اهتمامهم بأن يؤدّوا الشكر لله. فبقدر ما يعون ما أعطي لهم في المسيح، يعون كل ما أعطي لهم، بقدر ذلك "يفيضون بالشكر".
* وبعد أن حرّضهم بولس على الأمانة للمسيح، الربّ الوحيد، وبعد أن حذّرهم من الضلال، ها هو يندّد أخيرًا بالخطر الذي يهدّد (آ 8) الكنيسة في كولسي. هذا ما استشففناه منذ بداية الرسالة، وها هو قد صار واضحًا الآن، بعد أن نُزع عنه القناع. خاف بولس من أن ينجح "شخص" في اجتذاب الكولسيين الذين يسيرون وراءه ويصبحون فريسة براهينه الكاذبة. فتعليمه يظهر لهم مع كل نفوذ "الفلسفة"، نفوذ حكمة رفيعة تعد بالنور على جميع المسائل الروحيّة تشغل بال البشر، ولاسيّما المسألة التي تشرف على كل المسائل وهي مسألة المصير. لو لم يكن في هذه الفلسفة كلام عن الخلاص وعن الوسائل التي بها ندرك هذا الخلاص، لما كانت دخلت في مزاحمة مع الانجيل، ولما شكّلت تجربة للمؤمنين في كولسي.
وإذ أراد بولس أن لا تعود هذه "الفلسفة" تجربة، بحيث لا يتردّد الكولسيون بينها وبين المسيح، عرّاها من نفوذ اسمها الكاذب، وأراهم إياها على حقيقتها على ضوء الوحي: غرور باطل. "أباتي": الوهم، الغشّ، الخداع. هذه الفلسفة تغرّ، لأنها تجتذب إليها أولئك الذين لا يستطيعون أن يميّزوا الكذب. هو "كاذب، فارغ، باطل". فإن واجهناه مع الحقياتة التي هي في المسيح، تلاشى مضمونه وما ترك شيئًا للذين وضعوا فيه ثقتهم.
هذه الفلسفة هي مخيّبة للآمال. هي حسب "تقليد الناس". حسب "أركان العالم"، لا "حسب المسيح". شدّد بولس على الضعف الجذريّ في تعليم الهراطقة، الذي لا يقدر أن يعطي الحقيقة والحياة اللتين لا تأتيان إلاّ من الله في المسيح. هل تذكّر الرسول تنديد يسوع بتقليد المعلمين فسمّاه "تقليد البشر" (مر 7: 8)؟ هل عاد الهراطقة إلى تقليد قديم في الكنيسة، فحطّ بولس من قدره وأعلنه "حسب تقليد البشر"؟ مهما يكن من أمر، إن بولس يعطي تنديده كلَّ بعده، فيضيف: "حسب أركان العالم. لا حسب المسيح". فما هي "أركان العالم" في نظر الرسول؟ بما أنه يجعلها تقاوم المسيح، فيجب أن تكون قوى شخصيّة وفوق أرضيّة. وإلاّ كيف يقبل الهراطقة في كولسي أن يكون تعليمهم بشريًا فحسب؟ بل كانوا يقدّمونه، بلا شك، كوحي فائق الطبيعة يرتبط بسلطة الله. وحين أعلنه بولس "حسب أركان العالم"، شدّد على طموحاته الدينيّة، وفي الوقت عينه ندّد بموقعه تجاه الوحي المسيحيّ. من المعقول أن يكون بولس رأى في "أركان العالم" القوى الملائكيّة التي ذُكرت في 1: 16- 20، والتي تشرف على العالم والتاريخ، كما تقول التعاليم اليهوديّة. هي تعمل من خلال كل أشكال الحياة التي سبقت المسيحيّة أو خرجت منها، من خلال وصايا وممارسات الشريعة الموسويّة، كما من خلال شعائر العبادة الوثنيّة.
فإن كانت تعاليم الهراطقة "حسب أركان العالم"، فهي ترتبط بالوضع الحاضر للبشريّة الخاطئة. وهي بالتالي لا تستطيع أن تشفي الانسان المشارك فيها، من شقائه. قد عفّاها الزمن مثل كل شيء وضع له المسيح حدًا في هذا العالم (1 كور 2: 6). لا مساومة ممكنة بين هذا التعاليم والايمان بالمسيح الذي تقبّله الكولسيّون (آ 6- 7). من جهة، نجد تعليمًا مطبوعًا بطابع هذا العالم. تعليمًا يشارك في شقاء العالم ولا يستطيع أن يخلّصنا منه. ومن جهة ثانية، المسيح "الذي تُوجد فيه كل كنوز الحكمة والمعرفة" (آ 3). الذي يُوجد فيه عمل فداء الله الذي "يجدّد كل شيء".
* في آ 9، بدأ بولس يبرّر بشكل إيجابيّ، التنبيه الذي وجّهه إلى كنيسة كولسي، بعد الشكل السلبي الذي قرأناه في آ 8 (احذروا). لهذا استعاد عبارة استعملها في 1: 19 وأوضحها ليدلّ الوثنيين على أنهم يكونون جهلة إن وضعوا في الميزان "فلسفة" الهراطقة من جهة والمسيح من جهة ثانية. قال: "فيه يسكن كل ملء اللاهوت جسديًا". لم يقل "ملء الله"، بل "ملء اللاهوت". فضّل اللفظة المجرّدة وغير المحدّدة كما هي الأولى، ليعبّر بقوّة عن الطابع المطلق للوحي في المسيح. أما مرمى كلام الرسول فنجده في الظرف: "جسديًا".
ولكن ألم يقل بولس كلّ شيء حين أكّد أن كل ملء اللاهوت يسكن فيه، في المسيح الذي هو موضوع إيمان الكنيسة، المسيح الذي صُلب وقام، الرب؟ إذن، على ما يبدو، لم يعد الموضوع سوى "جسد" القائم من الموت (فل 3: 21)، الجسد الذي ليس على مستوى هذا العالم، دون أن يكون واقعيًا مع ذلك. لقد أراد الرسول بلفظة "جسديًا" أن يشدّد بأكثر ما لديه من القوّة، على حضور ملء اللاهوت في المسيح. هو في شخصه، ويقدَّم في شخصه وفي شخصه وحده. ولكن حين تفسَّر اللفظة بهذ الشكل، هل تزيد شيئًا على تأكيد حضور ملء اللاهوت في المسيح؟ كلا، على ما يبدو. لهذا يجب أن نبحث عن تفسير آخر. ففي رسالة يكون جسدُ المسيح الكنيسة (1: 18، 24؛ 2: 19)، نستطيع أن نفسّر "جسديًا" بلفظة "جسد". وهكذا يدلّ على وضع حضور ملء اللاهوت في المسيح. أجل، يقيم "فيه" مع جسده الذي لا ينفصل عنه، فيه وفي الكنيسة، الواقع الوحيد الذي هو من التشعّب والغنى بحيث يكون مسكن ملء اللاهوت.
* ولا يتوقّف الرسول عند هذا القول الكرستولوجيّ ذي البعد الواسع. بل هو أطلقه ليؤسّس تأسيسًا متينًا أقوالاً سوتيريولوجيّة أوجزها في هذا الاعلان الأول: "وفيه أنتم تمتلئون" (آ 10). فكرة الرسول (الملء، امتلأ) تقف على المستوى السوتيريولوجي، لا الخلقيّ، ولا تفسَّر في معنى الكمال. وهي لا ترتبط أيضًا بنظريات الهراطقة المزعومة حول وسائل المشاركة في ملء اللاهوت. ما يريد بولس أن يقوله هو أن حضور ملء اللاهوت في المسيح وفي الكنيسة، يكفل للمؤمنين فداء تامًا وكاملاً. فهم في المسيح قد "امتلأوا". لا شيء ينقص لخلاصهم. وليس من ضلال أسوأ من البحث عن شيء آخر في خطى الهراطقة في كولسي.
ماذا نستطيع أن ننتظر من الملائكة والرئاسات والسلاطين الذين نالوا في المسيح رئيسًا انتزع منهم كل سلطان وأخضعهم لإرادته؟ غير أن بولس لا يتوقّف عند قول عام حول ملء الخلاص الكافي في المسيح. بل هو يتوسع فيه في آ 11- 15 بحيث تظهر كل وجهات هذا الخلاص.
* قال الرسول: "فيه خُتنتم ختانة" (آ 11). إن طريقة التحدّث مع المسيحيين هكذا عن خلاصهم هي غريبة، لاسيّما أنها استلهمت الختان الذي يمارسه الهراطقة في كولسي. نحن لا نعرف معنى هذه الممارسة بالنسبة إليهم. هل كانت بداية مجهود متواصل من إماتة الجسد ومن تطهير اعتُبر ضروريًا للخلاص؟ مهما يكن من أمر، فالختان الذي يعرفه المؤمنون لا يقابَل بهذا الطقس البشريّ الحقير. إنه عمل الله. وهو يُتمّ مرّة واحدة ما لا يستطيع ختان البشر إلاّ أن يصوّره، لأنه لا يستطيع أن يفعل سوى أن "يعرّي" المؤمن "من جسد بشريّته ". وبما أن البشريّة (أي اللحم والدم) هي في نظر بولس مركز الخطيئة، وبما أنها تغذّي الإرادة في ثورتها على الله، فتعرية الانسان من "جسد بشريّته" تعني تخليصه من الخطيئة التي تجتذب إليها اللعنة والموت، وتمكِّنه من الطاعة التي تقود إلى الحياة في اتحاد مع الله.
هذا الختان الالهي يقتلع جذور الخطيئة، ويحقّق ما رمز إليه الختان الطقسي. إنه "ختان المسيح" كما يقول الرسول، لأن الله أتّمه في موت المسح وجميع الذين اتّحدوا به. ولكن كيف يعيد بولس الكولسيين إلى هذا الختان السريّ كتاريخ حاسم في حياتهم؟ متى عرفوا هذا الموت الذي هو "خلع الجسد البشريّ"؟
* يجيب الرسول في آ 12: "حين دُفنتم مع المسيح بالمعموديّة". حين غاب الكولسيون في ماء العماد، دُفنوا مع المسيح. موته صار موتهم. ولكنَّ "خلعَ الجسد البشري" الذي تمّ في المعموديّة وموت الانسان العتيق (روم 6: 6)، ليسا إلاّ الوجهة السلبية للخلاص. وحالاً يذكّر بالوجهة الايجابية: "فيه شاركتم في قيامته بالايمان بعمل الله القدير الذي أقامه من بين الأموات". فالمسيح لم يُصلب فقط ويُدفن، بل قام (1 كور 15: 3- 4). والمؤمنون الذين ماتوا معه، قد أقيموا أيضًا معه. فإن ظلّ "جسد البشريّة"، في القبر مع شهواته ورغباته (غل 5: 24)، فهم يحيون الآن حياة لا يمكن ان تكون إلاّ حياة الروح، حياة تختلف كل الاختلاف عن حياتهم السابقة، حياة أعطيت لهم في قيامة حقيقيّة. حين ردّ الله الحياة إلى ابنه، ردّها لهم أيضًا بذات القدرة السامية. وكما يؤمنون بعمل الله الذي أقام يسوع من بين الأموات، كذلك يؤمنون برحمته القديرة التي وهبتهم فيه حياة جديدة، وهبتهم أن يعيشوا به وله (2 كور 5: 15).
* ولما وصل بولس إلى هذه النقطة (آ 13) أعلن للكولسيين في معنى آخر أيضًا أنهم نُقلوا من الموت إلى الحياة. قبل ارتدادهم كانوا "أمواتًا في زلاّتهم وعدم ختان بدنهم" كانوا، شأنهم شأن جميع الوثنين، يستحقّون بذنوبهم الحكم الذي يستبعدهم من الحياة. أمّا "لاختانة" (قلف) بدنهم" فجعلت منهم غرباء عن شعب الله، عن مواعيده، عن وسائل النعمة التي نظّمها العهد القديم. أمام الله الذي لم يكونوا يعرفونه والذي كانوا يتجاوزون إرادته، كانوا "أمواتًا". ولكانوا ظلوا أمواتًا لو لم يكن الله برحمته قد "أحياهم مع المسيح غافرًا لهم جميع ذنوبهم".
كانوا يشبهون الموتى لأنهم كانوا مذنبين أمام الله، فأعيدوا إلى الحياة بالغفران: الذي مُنح لهم في المسيح. هذا الغفران قد بدّل وضعهم تبديلاً تامًا. لهذا يشدّد بولس على هذه النقطة: غفران الله ليس كلمة فحسب. إنه واقع يتسجّل في واقع التاريخ. واقع وضعَ حدًا للعالم الحاضر. واقع لا يستطيع شيء أن يجعله موضوع تساؤل.
* أجل إن الله غفر لنا فألغى الصك (الدين) الذي كان ضدّنا. وهكذا شهد الله بعمل قام به، على واقع الغفران الذي يمنحنا. كان يمتلك ضدنا "وثيقة" (صكًا) تذكر خطايانا تجاهه، تذكر كل ديننا له وهو دين لم نردّه له. كان باستطاعة الله دومًا أن يضعه أمامنا كحاجز بينه وبيننا. ما كان بوسعنا أن ننكره لأنه كُتب بخطايانا. ولا أن نزيله لأنه لم يعد في يدنا. ولكن الله ألغى الصك الذي يجعلنا أمامه مديونين لا نستطيع أن ندفع، وذلك بنعمة مجانيّة.
كيف ذلك؟ "ألغاه مسمّرًا إياه على الصليب". إن الله أزال "الصك" الذي كان ثقيلاً علينا. سمّره على الصليب. وهكذا عبّر بولس عن يقينه بأننا أعفينا من ديننا. لم نعد مديونين، لأن الله تخلّى عن الوثيقة التي كانت في يده ضدّنا وأزالها بشكل علنيّ. وهكذا لا نستطيع أن ننكر حقيقة دَيننا، ولا الاعفاء الكامل الذي حصل لنا. إن "الصك" الذي سمِّر على الصليب يذكّرنا بما كنا عليه، وبما صرنا إليه بنعمة الله وحدها.
* إذن، حوّل الله تحويلاً جذريًا علاقاتنا معه (آ 5): لم تعد ترتبط بالشريعة، بل بالنعمة. وهذا التحوّل الذي حرّرنا فأتاح لنا أن نتقرب إلى الله بدالة كبيرة، تضمّن انزال القوات الملائكيّة والسلاطين والرئاسات عن عروشها. كانت تشرف على تدبير ديني، ولكن هذا التدبير قد زال اليوم.
ففي اليوم الذي فيه أحلّ الله النعمة محلّ الشريعة، بدم المسيخ، وضع حدًا للدور الذي لعبته القوى الملائكيّة. عرّاها من سلطتها. وأدخلها في الصفّ "مثل سائر الجنود"، في ركاب قائدهم. عرّفها بقدرته السامية التي حاولت أن تنساها ممارسة ببعض الاستقلاليّة سلطانًا نالته منه. ولما عرّاها الله من كرامتها ونفوذها في عالم البدن والخطيئة، جعنها مشهدًا علنيًا، واقتادها في ظفره بالصليب.
لا ننسى أننا أمام صورة. وهي تعبّر بقوّة عن فكرة تقول إن الله قد أنزل الموّات الملائكيّة عن عروشها بموت المسيح، فأجبرها أن تسير وراء مركبة انتصاره في مجموعة الأسرى الضعفاء. إذن، ما عادت تمثّل شيئًا بالنسبة إلى البشر الذين يطلبون الخلاص.

خاتمة
مع هذه الآيات، لم نعد أمام مقطع نثري نقرأه في أف 2: 1، بل أمام أسلوب شعري تعرفه الليتورجيا. أسلوب جميل بصوره الجريئة وألفاظه المختارة والنادرة. أصالة في المبنى وأصالة في المعنى. فالتأكيد على غفران الخطايا يتأسّس على إلغاء الصكّ الذي سمِّر على الصليب. على حطّ القوّات عن عروشهم بالصليب. هذه الأفكار لا نجدها في الرسائل البولسيّة عامة ولا في أف خاصة. هي صلاة الكنيسة في كولسي ردّدها بولس واستفادت منها الرسالة إلى أفسس.
الفصل الثامن
حريّة المعمّدين
2: 16- 23

في هذا القسم الثاني من البرهان، وبعد الحديث عن جهاد بولس من أجل البشارة بالانجيل (1: 24- 2: 5) توقّفنا في مقطع أول عند الأمانة للانجيل الذي تقبّله الكولسيون مع "تحذير من المعلّمين الكذبة" (2: 6- 15). وها نحن نصل إلى المقطع الثاني (2: 16- 23) مع حرّية المعمدين. في 2: 8 كان تنبّه حول الممارسات العباديّة (أ). وبعد الأسباب الكرستولوجيّة (آ 9- 15) ها نحن أمام استعادة للتشبيهات (أ أ). وكل هذا ينتهي بتحريض ختامي (آ 20- 23).

1- مقاومة التعليم الضالّ (2: 16- 19)
بعد أن أعطى الرسول الأسباب التي لأجلها يجب على المؤمنين أن يتعلّقوا بالمسيح وبه وحده، ها هو يقدّم النقاط الملموسة التي فيها يجب أن يقاوموا التعليم الضال. ورأى بعضى الشرّاح في هذه الآيات ضلال الكولسيين، لأنها تدلّ على تشابه بين هذه الضلالة والتقوى النسكيّة الروحيّة التي نجدها في عالم الجليان اليهودي وذلك في أربع نقاط: (1) ضرورة الايحاءات السماويّة (رج 2: 6- 23). (2) الشروط للتنعّم بهذه الايحاءات: قداسة، برّ، صلاة، نسك. والواسطة هي الأحلام والرؤى (آ 16، 18، 23). (3) مضمون هذه الايحاءات (العرش السماوي، البلاط السماوي والليتورجيا، الدينونة مع الشهود والكتب التي سجِّلت فيها أعمال البشر). رج آ 18 والليتورجيا الملائكيّة. (4) وأخيرًا، وظيفة هذه الايحاءات (تعزية الابرار وتشجيعهم، الدعوة إلى ممارسة الشريعة، تهديد المخالفين). رج آ 16، 18 حيث نفهم أن أصحاب الضلال فرضوا على المؤمنين ممارسات الكلندار الليتورجي والممارسات النسكيّة وهدّدوا المخالفين.
أ- لا يحكم عليكم أحد (آ 16)
في آ 16- 18، نجد فعل الأمر (لا يحكم عليكم، لا يخيّبكم أحد) مع لائحة من المواد يجد فيها مؤمنو كولسي أن المقاومين يستندون إليها. أما مرمى هذه الآيات، فهو إبراز التناقض الذي يتعرّض له "معلّمو" كولسي الذين يهتمون بممارسات تذلّ البدن من أجل الرؤى فيصلون إلى نقيض انتظارهم. يصلون إلى الكبرياء واحتقار الآخرين. أما ما يجب أن نطلبه فهو نموّ الجسد الكنسيّ نموًا متناسقًا بأوليّة المسيح الفريدة.
"لا يحكم عليكم أحد في المأكول أو المشروب" (آ 16 أ). إن متطلّبات الطعام والشراب هي متطلّبات ممثّلي ضلال كولسي: أرادوا أن يفرضوا الصوم الجزئيّ أو التام على كل أعضاء الجماعة. ولكن لا يقال شيء عن مضمون هذه المتطلّبات (ماذا نأكل أو نشرب؟ كيف؟ متى نصوم وكم يدوم صيامنا). إن "الطعام والشراب" يدلاّن على ما كان يفعله الاسيانيون، وما يقول كتاب اليوبيلات. كما يدلاّن على ما تطلبه ديانات غير الديانة اليهوديّة. ولهذا ما يدلّ على أننا في محيط يهوديّ هو "رأس الشهر والسبوت".
"من قبيل عيد..." (آ 16 ب). نجد هذه العبارة في الكتابات البيلية وأدب ما بين العهدين (عد 10: 10؛ 1 أخ 23: 31؛ 2 أخ 2: 3...). نحن هنا أمام موجز لمتطلّبات وممارسات تجعل من اسرائيل شعب الاختيار والعهد.
ب- هي ظلّ المستقبلات (آ 17)
بعد أن قدّم الكاتب ما يطلبه "معلّمو" كولسي من ممارسات، ها هو يبيّن ما فيها من سلبيّة، ملمِّحًا إلى الأسباب الكرستولوجيّة التي ذُكرت في 2: 9- 15. تبدأ هذه الآية فتعلن أن الممارسات المطلوبة هي "ظلّ الأشياء الآتية". أي هي تعكس بشكل ناقص الواقع الاسكاتولوجي المتين، الابدي. وتبقى مرتبطة بالعالم الزائل، البدني، الذاهب إلى الدمار. فإن لم تكن كظلّ، إن لم تكن وهمًا محضًا، فهي لا تتكيّف مع ما يعيشه المؤمنون، أي الواقع الأخير الذي حصل بالمسيح ومع المسيح. لهذا نقول في آ 17 ب: "ولكن الحقيقة، أي الخيرات التي لا تزول، فتأتي من المسيح. هي مسيحاويّة".
ج- لا يجرّدكم أحد من أهليّتكم (آ 18)
قد فسرّت هذه الآية بطرق مختلقة. فالفعل مع النفي يعني: جرّد من أهليّة. أو: حرم من النصر. وهناك صورة "الحكم" و"الجائزة" في الألعاب، كأننا في منافسة أو سباق. هناك بعض المؤمنين يعلنون (وكأنهم قضاة) أن الآخرين هم أقل تقوى (في ممارسات مذكورة في آ 16). تدلّ العبارة على سخرية حقيقيّة: إذا كان هدف هؤلاء المؤمنين هو التواضع، فكيف يجعلون نفوسهم حكمًا على الآخرين ليجرّدوهم من كل أهليّة، فيصلوا إلى ما يريدون أو يعلنون.
واسم الفاعل "تالون" يقوّي صيغة الأمر: "لا يخيّبكم أحد بإرادتكم. أما "التواضع" (آ 18- 23 يُذكر مرتين) فيعود بنا إلى ممارسات تساعد على التواضع (مثل الصوم وغيره)، كما يعود بنا إلى الروح التي تحرّك هذه الممارسات. وهكذا يكون التواضع (تاباينوفروسيني) شرطًا لقبول المؤمن في الليتورجيا السماويّة. فتصبح الجملة كما يلي: يرض بممارسات متواضعة (إماتات) ليشارك في الليتورجيا السماويّة.
ونجد هنا لفظة "ملائكة". هل تدلّ على ما دلّت عليه "القوات" و"السلطات" في 1: 16؛ 2: 10؛ إذا كان الجواب بالايجاب، فكيف نفسّر التبديل في التسمية؟ لا شك في أن الرئاسات والقوّات تدلّ في كو على جيوش السماء. ولكنّنا رأينا أن الكاتب استعمل هذه التسمية لأنه اعتبرها قد مارست دورًا في الدينونة والعقاب. ولكن هذا الدور قد زال بعد أن استولى المسيح على كل سلطة في نظام الخلق وفي نظام الخلاص. أما هنا فالنصّ يريد أن يتحدّث لا عن عبادة تؤدّى للملائكة، بل عبادة يؤدّيها الملائكة لله. هذه العبادة يتأمّل فيها "معلّمو" كولسي الذين قد نالوا الرؤى والأحلام.
إن نهاية آ 18 تُبرز تناقض "المعلّمين" الذين يوصون بممارسات تتوخّى اذلال البدن ولكنّها في الواقع تنفخه بالكبرياء. فكل كلام وكل ممارسة تقودان في النهاية إلى التناقض والكبرياء، يجب أن يكونا موضوع شكّ ويُرذلا.
د- نتمسّك بالرأس (آ 19)
ها قد عبّر الكاتب الآن بوضوح عن خطر الفلسفة بعبارة تذكّرنا بما في آ 18: هي تَفصل عن المسيح الذي منه وحده يتقبلّ الجسد النموَّ. ويُعطى لنا معيار آخر يدلّ على نمط الكلام الخاح والمموّه: فالكلام الذي يفصل المؤمنين عن المسيح، الذي يهدّد وحدة الكنيسة ونموّها، هو كلام يحمل الموت مهما كانت ظواهره ونبل براهينه. فمن لم يتمسّك بالمسيح الذي هو الرأس، بدا في الواقع وكأنه ينفصل عن الجسد وعن حياته. هذه الآية تدلّ على أن تعليم "المعلّمين" لا يعطي المسيح الأولويّة والمكانة اللتين له في حياة الكنيسة.
وهكذا لاحظنا التدرّج في هذا المقطع. في آ 16- 17 يُرفض الحكم على المؤمنين، لأن الممارسات هي ظلّ الواقع النهائي، فلا تحدّد الخلاص ولا الشجب. في آ 18- 19 لا سبيل إلى الاحتقار. فقيمة المسيحيّ تأتيه من اتحاده بالمسيح لا من الممارسات النسكيّة. فهذه الممارسات لا تجعل المؤمنين متواضعين ولا تقرّبهم من الله، بل تجعلهم متعجرفين وتبعدهم في الواقع عن المسيح.

2- تحريض ختامي (2: 20- 23)
مع آ 20 يدخل هذا القسم في الحقيقة الختاميّة التي تقابل آ 6- 7. تتبدّل اللهجة: لم يعد الموضوع تحذير الكولسيين، ولا تقديم البراهين لهم لكي يقاوموا تعليمًا جذّابًا، بل تذكيرهم بقوّة وإيجاز بحريّة المؤمنين في المسيح.
لقد توسّع البرهان الكرستولوجيّ (خصوصًا في آ 9- 15) ذاكرًا الرئاسات والقوات، فأكّد على سيادة المسيح وأولويّته. ولكن في التحذيرات (آ 8، 16- 19) لا يوضَّح سبب اللجوء إلى هذه الكائنات السماويّة. فهل للممارسات النسكيّة التي أعلنها المعلّمون ضروريّة للحصول على الخلاص، علاقة مع سلطة الكائنات السماويّة؟ وكيف تهدّد أولويّةَ المسيح المشاركةُ في الليتورجيا الملائكيّة التي تؤمّنها هذه الممارسات؟ إن العلاقة بين الممارسات النسكيّة والقوى السماويّة وأولويّة المسيح لا تُفهم إلاّ إذا رأى "معلّمو" كولسي أن القوى السماويّة قد كُلّفت بأن تنّفذ بدقّة هذه الممارسات وأن تعاقب المخالفين. حين درسنا 2: 14- 15 اكتشفنا أن بعض الكتابات اليهودية تشهد على هذا المعتقد. إن هذا الطرح يستطيع وحده أن يشرح خاصيّة هذا القسم.
أ- متمّ مع المسيح (آ 20)
إن بدايّة آ 20 تجعلنا في قلب الرسائل الكبرى التي أعلنت أن المؤمن قد مات مع المسيح عن الشريعة والخطيئة (روم 6: 2، 10، 11؛ 7: 6؛ غل 2: 19). أما التعبير هنا فيذكّرنا بما في غل 4: 9- 10 (مع إشارة إلى الاعياد كما في كو 2: 16). إن الخضوع لأركان العالم (طعام، شراب)، للأرض، لا يليق بالمؤمنين. فلماذا العودة إلى مثل هذه القواعد (لا تلمس، لا تذق) التي تعتبر أنها تحرّرنا من الأرضي، بينما هي في الواقع تجعلنا عبيدًا له.
بما أن المؤمن مات مع المسيح عن أركان العالم، فهو لا يستطيع أن يعيش بعد وكأن وجوده كمؤمن تحدّده نواميس العالم. هذا هو معنى عبارة "كأنكم عائشون في العالم" التي لا تعني أن المؤمنين لا يخضعون للظروف الطبيعيّة والاجتماعيّة التي يخضع لها سائر الناس، بل أن المؤمنين لا يقدرون بعد اليوم أن يستندوا إلى ما كان يعتبر من قبل طريقَ خلاص (قواعد متعلّقة بالطعام والشراب والأعياد).
ب- لا تأخذ، لا تذق (آ 21)
"لا تذق" تدلّ على الصيام أو مراعاة قواعد تتعلّق بطهارة الأطعمة. واعتبر بعض الشرّاح أن "لا تأخذ" و"لا تلمس" تشيران إلى العفّة على مستوى الحياة الجنسيّة. نحن هنا أمام تلميح. لهذا لا نستطيع أن نحدّد، مع أن مثل هذا النسك يتماشى مع ما تقوله آ 13 (قهر الجسد) لأن من لا يقهر جسده يصل إلى هذا الحدّ. ولكن سوف نرى مع شرح آ 22 أن النصّ لا ينظر إلى ممارسة على مستوى الطعام.
ج- أشياء تؤول إلى زوال (آ 22)
هذه الأشياء هي الأطعمة أو الممارسات التي تحرّمها آ 21. ولكن المعنى غير محدّد، لأن وظيفة العبارة تتبدّل. (1) كل هذه الاشياء هي للدمار (للزوال) بالاستعمال. أو استعمال كل هذه الأشياء يقود (حسب المعلمين) إلى هلاك (من يأكلها). فالمعلمون في كولسي يبرّرون المحرمات: لماذا نتعلّق بطعام يؤول إلى الهلاك؟ يردّ بولس في آ 22 على أن مثل هذا التبرير يستند إلى تعاليم بشريّة. (2) هذه الأشياء تؤول إلى أن تدمَّر باستعمالها. أي: هذه الأشياء صُنعت كلها لتُستعمل، لتؤكل، وبالتالي لتفنى: نحن هنا أيضًا أمام تبرير معلّمي كولسي الذين يشدّدون هذه المرّة على الطابع الموقت للطعام أو الممارسة الجنسيّة. في آ 22 ب، استعاد بولس أش 29: 13، وبيَّن الأصل البشري لهذا التبرير. (3) إن آ 22 ب هي تفسير ونقد من عند بولس: يفرض المعلّمون محرّمات تتعلّق بالأطعمة، ولكن تحريمهم يعود إلى تعاليم بشريّة، لأن الله خلق جميع الأشياء لكي يأكلها الانسان ويستعملها.
لا تنطبق آ 22 أ على أشياء (أطعمة وربما ممارسات جنسيّة) تصفها، بل على أفعال الأمر في آ 21، أي على محرَّمات "المعلمين" التي تشير إلى الافراط على مستوى الأكل والعلاقات الجنسيّة. ماذا نختار من هذه التفاسير؟
رُبطت "الأشياء" (أقله آ 22) بأفعال الأمر في آ 21: "لا تأخذ، لا تذق، لا تلمس" أشياء قد صُنعت لتستعمل (لتؤكل). حينئذ تكون آ 22 أ كلامًا من الكاتب لا استعادة لموقف "المعلمين". ووظيفتها أن تشدّد على التعارض داخل أفعال الأمر: لماذا نحرّم ما جُعل لكي يستعمل؟ أما عبارة آ 22 ب فترتبط بشكل مباشر مع آ 20 وغير مباشر مع آ 21 التي تكون لها امتدادًا وتحديدًا فوق آ 22 أ. فنقرأ: "لماذا تخضعون لقواعد وكأنكم تعيشون في العالم... حسب وصايا وتعاليم البشر"؟
إن موقف كو حول استعمال الأطعمة يتبع موقف الرسائل الكبرى (روم 14؛ 1 كور 8- 10): هي تدافع عن الحرّية التي نالها المؤمنون في المسيح. أما آ 22 ب التي تستعيد بشكل ضمنيّ أش 29: 13، فقد تكون جزءًا من برهان استُعمل في جدالات حول الشريعة (مت 15: 9 وز): إن استعمال هذا النصّ بشكل عاديّ، جعل الكاتب يظنّ أنه ليس من الضروريّ أن يورده كلَّه حرفيًا. أما وظيفة اللجوء إلى أش 29: 13 فهي واضحة: إنه وإن عاد المعارضون إلى تقاليد قديمة لكي يبرّروا قواعد يقدّمونها، فالكاتب يردّ فيقول إن هذه القواعد قد صنعها البشر ولم يطلبها الله بشكل مباشر.
د- قواعد عليها ظواهر الحكمة (آ 23)
يشدّد البرهان الأخير مرّة جديدة على التناقض الذي يقيم فيه "المعلّمون"، ويُنهي بحكم لا استئناف فيه حول الفائدة السوتيريولوجيّة (على مستوى الخلاص) لهذه الممارسات النسكيّة.
إن هذه القواعد (أو الوصايا)، وإن كان لها ظاهر الحكمة على مستوى العبادة والتواضع والنسك (أو قهر الذات)، فهي تقود في الواقع إلى وقاحة الجسد.
لها ظاهر الحكمة، ولكن لا قيمة لها ضد إرضاء البدن. أو: لا قيمة لها حول وقاحة البدن. أو: هي مجرَّدة من كل قيمة ولا تنفع إلاّ إلى إرضاء البدن. الفرضيتان الأولى والثانية تحترمان قواعد النحو والبلاغة، وتُبرزان التناقض بين كلام ومُثل المعلّمين الذين يتحدّثون عن التواضع والقساوة (أفايديا، حياة قاسية) تجاه الجسد وبين النتائج الملموسة التي هي الكبرياء التي بها لا يُذل البشريّ بل يزداد وقاحة.
إن لفظة "إتالوتريسكيا" لم تستعمل قبل كو. تبرز رغبة (أو: إرادة) الذين يستعدّون لكي يدخلوا في معبد سماويّ بفضل الرؤى. وتعني: عبادة ينادي بها هؤلاء المعلّمون من عندهم. هم استنبطوها. هي عبادة مصطنعة، ولا شيء يبرّرها.
إذن شدّدت هذه الآية على تناقض لدى هؤلاء المعلّمين. قدّموا ممارسات لإذلال البدن، من أجل التواضع، فأعطت نتائج معاكسة.

3- نظرة عامة
أراد بولس هنا أن يدافع عن الحرّية المسيحيّة. فمع تعليم الهراطقة، برزت ممارسة. فمن قبلَ التعليمَ قبلَ الممارسة. وجاءت آ 8- 15 فانتزعت من هذا التعليم، مع ما فيه من تجربة، كلَّ وهج ونفوذ. لن يكون الكولسيون بهذه الجهالة ليبادلوا ملء الخلاص الذي امتلكوه في المسيح مع "الضلال الفارغ" الذي يقدَّم لهم باسم "فلسفة".
* إذن، لا يتبلبلوا بحكم يغلقه هؤلاء الهراطقة على حرّيتهم المسيحيّة. فأساس هذا الحكم واه مثل النظريات البالية التي ينبثق منها. نعرف هنا أن هؤلاء الناس مارسوا العفّة عن الأطعمة، فتجاوزوا فرائض الشريعة الموسويّة على مستوى الطعام والشراب. وظهرت هذه الروح الدينيّة الخاصة بممارسة مثل هذه المحرّمات على مستوى الطعام بأصولها المتعدّدة. وبما أن كل هذا ترافَق في كولسي مع المحافظة على الأزمنة المقدّسة كما عرضها العالم اليهوديّ، من أعياد سنوية وبداية القمر والسبوت، ظهر بوضوح أن هذا التلفيق الدينيّ في كولسي هو ذو طابع يهوديّ.
عفّة عن الطعام. ممارسة أزمنة مقدسة. هما بعض الوسائل للانفصال عن العالم، لمحاربة الخطيئة، للاحتفاظ من نجاسة البدن، للتكرّس للاله واجتذاب نعمته.
* ولكن ما قيمة هذه الممارسات للذين يحكمون عليها في المسيح (آ 17)؟ إنها تدلّ على توق إلى خيرات روحيّة، لم تكن في متناول اليد قبل مجيء المسيح. قد كانت في عالم سابق للمسيحيّة في بعض نقاطها. كانت "ظلاً" غير ثابت. ولكنّها مع ذلك كانت تبشِّر بجسد يخصّ المسيح. ففي المسيح وحده تصبح "الخيرات الآتية" (الغفران، التقديس، الاتحاد مع الله الحياة) حاضرة وفي متناول يد المؤمنين، في جسده الذي هو الكنيسة. لم يعد "للظل" من قيمة لمن يشارك في "الجسد".
* إذن، لا يتأثّر الكولسيون بأحكام الهراطقة (آ 18) وكأن هؤلاء الناس الذين يتمّسكون بمعتقدات وممارسات بالية، قد أعطوا سلطة لكي "يحرموهم من الأجر" (أو: الجعالة). أي لينكروا عليهم الخلاص. هم لا يعرفون أو لا يريدون أن يعرفوا أن الممارسات الطقوسيّة والنسكيّة التي بها يربطون الخلاص قد خسرت كل قيمة بالنسبة إلى المؤمنين. هم ما زالوا "يتلذّذون في قهر الذات وعبادة الملائكة". جعل بولس في مناخ قهر الذات (أو: الاماتة أو: التواضع الذي يرافق الصوم)، ممارسات الهراطقة مع طابعها النسكي (آ 23).
ظنّ هؤلاء الناس أن عليهم أن يخضعوا لنظام قاس ودقيق لكي يسيطروا على البدن، ويحفظوا نفوسهم من نجاسات الحياة، وهكذا يظهرون بين التائبين الغيورين أمام الله. ولكن حين يصنعون ما يصنعون، هل يقدّمون عبادة إلى الله؟ كلا، بل إلى الملائكة. إلى ممثّلي وحرّاس التدبير الديني الذي وضع له المسيح حدًا. فهذه العبادة التي تقوم في ممارسات فرائض نسكيّة، لا يمكن أن تتوجّه إلى الله الذي في المسيح ألغى الشريعة الموسويّة وأحلّ محلها النعمة، بل هي تتوجّه إلى الملائكة الذين جاء الله يعرّيهم من سلطانهم ومن نفوذهم. فكيف يكون متشيّعو عبادة بالية، حكَمًا على حرّية المسيحيين؟
هؤلاء المعلمون يدينون المسيحيّين الذين يرفضون أن يتبعوهم. بل أكثر من ذلك. إن الذين ربطوا خلاصهم بممارسات تقوى متطلّبة وملتبسة، شعروا بنفوسهم أنهم أسمى من الآخرين فاحتقروهم. وما شكّوا أنهم حين يصنعون هذا يخضع فكرُهم للبدن، لما فيهم من بشريّ، وهكذا لا يتّخذون الاحتياطات تجاه هذا الميل. فالبدن يعرف أن يثأر لنفسه في وقت لا ننتظره. إذا عارضناه وعاقبناه في الخارج، فهو يلجأ إلى الداخل، إلى وجدان الذي ظنّ أنه "يُميته" ويتغذّى ممّا يجب أن يقتله.
* ولكن كيف يجد ذاك الذي ينصّب نفسه حكَمًا، أنه صار على مستوى البدن، على مستوى اللحم والدم؟
إليك الذنب الذي يفسّر كل شيء: "لم يعد متمسّكًا بالرأس"، بالمسيح (آ 19). هو لا يُقرّ به ربًّا. لا يعود يخضع له. يحتقر نعمته. وبكلمة، لم يعد مسيحًا. والذي لا يعود يرتبط بالرأس، لا يعود يرتبط بالجسد. والذي ينفصل عن المسيح، ينفصل عن الكنيسة من أجل هلاكه.
فالكنيسة هي جسم متشعّب يمتلك أعضاء اتصال تؤمّن الوحدة، وتحيا بالحياة التي يمنحها الله إياها بالمسيح. فالانسان الذي انفصل عن المسيح وعن كنيسته، لم يعد يشارك في هذه الحياة، لا يقيم في نور الوحي، وبالتالي يخسر حقّه في الحكم على المسيحيين المؤمنين.
* في آ 16- 19، أفهم بولس الكولسيين أن هؤلاء المتشيّعين الغيورين لديانة بالية، لا يقدرون أن يقاوموا الخلاص الذي أعطي للمؤمنين في المسيح. ومنذ آ 20، سيدعوهم إلى أن يعوا أن تقوى الهراطقة لا تتوافق إطلاقًا مع وضعهم كمؤمنين. فهذا "التعليم" بشريعانيّته النسكيّة، ما زال يرتبط بعالم قطعَ الكولسيّون معه كل علاقة. لهذا، فمثلُ هذه المتطلّبات لا تعنيهم.
قال الرسول: "إن كنتم متّم مع المسيح". ذاك هو وضع بشر نالوا العماد، فاتّحدوا بالمسيح في موته ودُفنوا معه (آ 11). هذا الموت هو تحرّر. فكما أن المواطن لا يعود بموته خاضعًا للدولة التي تطلب منه الطاعة لشرائعها والضرائب والخدمه العسكريّة، هكذا المؤمنون الذين ماتوا مع المسيح. لقد أفلتوا من سلطات القوّات الملائكيّة، التي ظلّت حتى مجيء المسيح، تُشرف على الحياة الدينيّة في العالم، وتحفظ البشر في وضع القاصر على المستوى الروحي (غل 4: 1- 3). أما الآن، فهي لا تستطيع بعد أن تطال الكولسيين الذين ما عادوا يخافون من شيء. غير أنه يبقى عليهم أن يعوا هذا التحرّر، ويؤكّدوا عليه في وجه الهراطقة الذين بدوا وكأنهم يجهلونه.
* لقد توهم هؤلاء الناس أنهم سيقفون معهم خاضعين لأركان العالم، وكأنهم ما زالوا يرتبطون بها، وكأنهم، وهم العائشون في هذا العالم، لا يمكن لعلاقتهم مع الله أن يكون لها سوى الشكل الذي يعطونه: الشريعانيّة أو التعلّق المفرط بالشريعة. الطقسانية أو الاكثار من الشعائر الطقسية. والتقشّف والزهد.
ويعطي بولس بعض الأمثلة حول هذه الفرائض التي تشرف على تقوى الهراطقة: "لا تأخذ، لا تذق، لا تمسّ". هذه المواضيع التي تبدو بدون موضوع محدّد (قد يشبه الأول الثالث) تصوّر دقة ووسوسة تقوى شلَّها همّ الاحتياطات التي يأخذونها ليحافطوا على طهارة أبدًا مهدّدة. لا نسأل بولس عن إيضاحات رفضَ أن يعطيها. كل ما يمكن أن نلاحظه، هو أن "الدقّة" في الممارسة وصلت إلى حدّ جعلت الهراطقة يتأثّرون بتيّارات لم تأتهم من العالم اليهوديّ. لقد صرنا على مستوى الشيع.
* وترد آ 22 بشكل جملة معترضة: "أشياء تدمَّر في الاستعمال". فالأطعمة التي تشير إليها فرائض الهراطقة ستدمّر بالاستعمال. لهذا يكون من العبث على المؤمن أن يربط بها طهارته وخلاصه. نجد هذه الفكرة في مر 7: 18- 19. وإن عبارة "حسب وصايا البشر وتعاليمهم" تحدّد الفعل الرئيسي في آ 20: لماذا تُفرض عليكم هذه الأوامر؟ فمن أطاع هذه الأوامر البشريّة، لم يفعل إرادة الله بل إرادة البشر. وهكذا جعل "المعلّمون" الكولسيين يطلبون خلاصًا يتخيّلون أنهم يستطيعون وحدهم أن يهيّئوا ظروفه ويفرضوا متطلّباته. ومن أين تأتي هيبة هذه الوصايا البشريّة التي تُولَد كل يوم من جديد، والتجربة التي تشكلّها لأعضاء كنيسة كولسي؟
* هذا ما يجيب عليه بولس في آ 23. لها شهرة، لها ظاهر الحكمة. تعتبر نفسها مؤسَّسة على معرفة سامية لسرّ المصير وشروط الخلاص. والذين يخضعون لها يتميّزون عن سائر البشر العاديين بجدّيتهم وغيرتهم وقداستهم. في القرن الأول، بل في أيامنا أيضًا، كل نظام حياة يشدّد على الزهد والنسك، يُلهم الاحترام والاعجاب. ويدلّ الرسول على ما في هذه الممارسات الزهديّة من "ظاهر الحكمة": تبدو الممارسة للذين في الخارج، وكانها "عبادة إرادية" تتجاوز متطلّباتها الدقيقة ما يستطيع أن يقوم به عامّة الشعب. ولكن هذه التقوى تحمل الرذيلة في مبدأها. يظنّ المؤمن أنه يقهر جسده. أنه يتعلّم التواضع. فاذا هو يتعلّم الكبرياء والوقاحة، ويبحث عمّا يرضي الجسد بحاجاته ورغباته.

خاتمة
حدّثنا الفصل السابق (2: 6- 15) عن سلوك في المسيح، في "حياة جديدة"، عن سلوك يتوافق مع التعليم الذي تسلّمناه. عن سلوك نكون فيه كالشجرة بأصولها والبيت ببنائه. ثم حذّرنا من هذه الفلسفة "التي هي تقليد بشريّ" يسير حسب "أركان العالم". وأفهمنا أننا نخصّ المسيح بالمعموديّة، هذا المسيح الذي انتصر بصليبه على ما في السماء وما على الأرض. وحذّرنا هذا الفصل (2: 16- 19) من ممارسات فيها الشعوذة والوسواس، فقال لنا: "الحقيقة هي المسيح". فلماذا تبحثون عن حقيقة أخرى؟ حرّيتنا في المسيح، فلماذا نجعل من نفوسنا عبيدًا لأفكار أو ممارسات أو رؤى؟ بالمعموديّة متنا مع المسيح عن الخطيئة. بل متنا عن كل هذه القواعد التي لها ظاهر العبادة. أما حياة المسيحي فهي اتحاد مع المسيح. وكل ما فينا ينطلق من هذا الاتحاد. فلماذا نبحث عن طريق أخرى لا يمكن إلاّ أن تقود إلى الهلاك؟
الفصل التاسع
إرشادات أولى
3: 1- 9 أ

ونصل هنا إلى العمل الخلقيّ لدى المؤمنين (3: 1- 4: 1) مع فصول ثلاثة: ارشادات أولى (3: 1- 9 أ). من الانسان العتيق إلى الانسان الجديد (3: 9 ب- 17). علاقات جديدة بين المؤمنين (3: 18- 4: 1). ونبدأ بدراسة عامة لهذا القسم الثالث (3: 1- 4: 1)، بعد قسم أول (1: 24- 2: 5) حول جهاد الرسول، وقسم ثان (2: 20- 23) حول الأمانة للانجيل الذي تسلّمه الكولسيون. أما موضوع هذا القسم الثالث فقداسة المؤمنين.

1- التأليف
بعد أن بيّن الكاتب للكولسيين لماذا يجب عليهم أن يرفضوا ما يأمرهم به هؤلاء "المعلّمون"، ها هو يوسّع كلامه في كل أبعاد الحياة الخلقيّة. بعد مقدّمة (آ 1- 4) تعلن قسمين من الارشادات (آ 5- 17)، نقرأ هذه الارشادات بما فيها من تجرّد عن الانسان القديم لكي نلبس الانسان الجديد. وينتهي هذا القسم بسلسلة تحريضات تتعلّق بالحياة داخل "البيت" في المعنى الواسع (3: 18- 4: 1). ويأتي 4: 2- 6 فيختتم هذه الارشادات ويوسّعها.
تبدأ الارشادات الخلقيّة، على غير ما في الرسائل الكبرى، بموضوع: كرستولوجي: "قمتم مع المسيح، فاطلبوا ما هو فوق حيث يقيم المسيح جالسًا عن يمين الله". وإذ يفعل الكاتب هذا، يواصل كلامه في خطّ ف 2 حيث البرهان كان من الطبيعة عينها: كائن المؤمن الذي قام مع المسيح، هو الذي يحدّد طريقة العمل لدى المؤمنين.
والرسمة التي تلي تبيّن أن جسم هذا القسم بُني مثل 2: 8- 19: ما يسند التحريضات الجانبيّة ويجمعها هو تأمّل في الكائن الجديد في المسيح.
آ 5- 9 أ: تحريضات (رج 2: 8)
آ 9 ب- 11: أسباب كرستولوجيّة (رج 2: 9- 15)
آ 12- 17: تحريضات (رج 2: 16- 19).
وهكذا يشدّد القسم الخلقيّ بطريقته على أن الكرستولوجيا اجتاحت كل أبعاد الوجود المسيحيّ. ويبيّن بشكل خاص أن البعد الخلقي هو في نظر كو، بُعد ينكشف فيه ملءٌ تقبّله المؤمنون لكي يشاركوا فيه: العمل الخلقي لدى المؤمنين هو في الوقت عينه ثمرة ملء يعيشونه مع المسيح، والموضع الذي فيه يُقرأ هذا الملء.
والطريقة التي بها يبدأ الكاتب غريبة. يذكر أولاً قيامة المؤمنين مع المسيح (آ 1) ثم موتهم (آ 3). وأسباب هذه الغرابة هي أسلوبيّة ولاهوتيّة: ستعود تحريضات آ 1- 4 في شكل معاكس فيما بعد، لأن الكاتب يريد أن ينتهي من التوصيات الايجابيّة، ليبرز الطريقة التي بها يستطيع المؤمنون أن يحيوا الكيان القائم مع المسيح والملء الذي نالوه. وهكذا تبدو المقدمة (آ 1- 4) وجسم القسم (آ 5- 17) بشكل دائرة، قلنا في معرض كلامنا عن 2: 6- 23، إنها تميّز التحريضات البولسية:
(1) أ- سبب كرستولوجي: قمتم مع المسيح (آ 1 أ)
ب- تحريضات. معارضة بين
* السماوي الذي نرغب ونفكّر فيه (آ 1 ب- 2 أ): ما هو فوق.
* الأرضي الذي لا نفكّر فيه (آ 2 ب): ما هو على الأرض.
أ أ- سبب كرستولوجي: متّم مع المسيح، وحياتكم مستترة (آ 3- 4).
(2) أ- تحريض لنميت الانسان الأرضي (آ 5- 9 أ)
ب- السبب: خلعتم الانسان العتيق (آ 9 ب)
لبستم الانسان الجديد (آ 10- 11).
أ أ- تحريض لعيش الجديد في المسيح (آ 12- 17)
تحريض من أجل الحياة العائليّة (3: 18- 4: 1).

2- التأويل
بعد المبادئ العامة (آ 1- 4) نتعرّف إلى العمل الخلقيّ في تعابيره السلبيّة (3: 5- 9).
أ- المبادئ العامة (آ 1- 4)
أولاً: قمتم مع المسيح (آ 1)
يبدأ القسم (3: 1- 4: 1) بكلام عن الكائن القائم مع المسيح، ويدلّ بوضوح (مع "أون" إذن أو حرف الفاء في العربية) على أن العمل الخلقيّ لدى المؤمن يرتبط بوضعه الذي هو كائن يحيا من حياة المسيح نفسها. ولا حاجة إلى تصوير وضع المؤمن هذا، لأنه قد صوِّر في ف 2 (2: 12). لهذا، سيكون منطلقًا لتحريض الرسول. ومن المهمّ أن نرى كيف يربط الكاتب، في هذا القسم، عمل المؤمن بالمسيح: هل حين يتّخذ المسيح كمثال لعمله (إفعلوا كما فعل)؟ هل حين يطيع أقوال المسيح ووصاياه (إفعلوا ما يقول لكم)؟ وبالنظر إلى نمط من العمل معلن، هل يتوافق مع الحياة في المسيح (نبييِّن غنى قيامته وحياته)؟
واختار الكاتب أيضًا طريقة أخرى، فدعًا المؤمنين إلى أن ينظروا "حيث هو المسيح، عن يمين الله". أن يرغبوا في "ما هو فوق". نحن هنا في البداية، وسوف ننتظر جسم القسم لنعرف ماذا يجب أن نفهم بـ "اطلبوا ما هو فوق". فقد تُشير العبارة إلى هرب من واقع العالم، أو إلى خلفيّة يوتوبيّة لا يمكن ممارستها: هل على المؤمن أن يتأمّل في المُثل السماويّة لينظّم سلوكه بحسبها؟
فماذا تقول آ 1 أ؟ لا تقول إن على المؤمنين أن ينظروا المسيح الذي من تحت. بل: بما أنهم قاموا معه، فهو إذن معهم. فعليهم أن ينظروا أمور المكان الذي يقفون فيه، الأمور التي هي فوق. وتقدّم لنا آ 1 بداية الجواب حين تعلن أن المسيح "جالس عن يمين الله". فعليهم أن يوجّهوا سلوكهم اليومي ناظرين إليه. أي في الطاعة له. ولكن كيف نعرف إرادة القائم من الموت؟ هذا ما يجيب عليه القسم كله.
ثانيًا: اهتموا لما هو فوق (آ 2)
ويتابع الكاتب استعارته المكانيّة حتّى النهاية دون أن يحافظ محافظة تامّة على الألفاظ: ليس التعارض بين السماء والأرض. ولا بين فوق وتحت. بل بين فوق والأرض. ونفهم الآن لماذا لم يُقل للكولسيين (أو للمؤمنين) إنهم "في السماوات": فقد يظنون أنهم يُدعون لأن يعيشوا في الحلم. ولكن مع ذلك، يجب عليهم أن لا يفكّروا (فروناين) في "أمور الأرض" (رج 1: 20. ما هو ثقيل فيمنعنا من الانطلاق). ما هي "أمور الأرض" هذه؟ ستحدَّد في ما بعد. ولكن إذ يدعونا الكاتب مع هذه التوصية الثانية بأن لا "نفكّر" في أمور الأرض، فهو يعلن سلسلة التحريضات السلبيّة التي نجدها في آ 5- 9 (لا يكذب بعضكم على بعض...).
ثالثًا: متّم وحياتكم مستترة (آ 3)
قال الكاتب إن المؤمنين قاموا (هم قائمون مع المسيح) مع المسيح. إذن، هم أحياء. وها هو يضيف: "متّم، أنتم مائتون". لا يستطيع المؤمنون أن يفكّروا في أمور الأرض، لأنهم ماتوا عن أمور الأرض. ما عادوا متعلّقين بها. فينبوع قراراتهم ورغباتهم هو منذ الآن في المسيح.
إن فعل "أميتوا" لا يحمل المعنى الذي نجده في "نكروس" (2: 13) الذي أشار إلى الموت الروحي. بل هو يشير بالأحرى إلى الدفن كما في 2: 12. قد يقال أننا أمام تناقض: إذا كان المؤمنون قد ماتوا، فكيف يمكن أن يكونوا بعدُ مائتين؟ هنا نتذكّر أن الفعل هو في صيغة الماضي وهو يعود بنا إلى المعموديّة: فالمسيحيّون مرّوا في الموت، مثل المسيح، لكي يدخلوا في حياة القائم من الموت ويحيوا من حياته (رج 6: 9). فالموت الذي تتكلّم عنه الآية، هو "موت عن" كما في روم 6: 2، 8، 10 (بهذا المقطع ترتبط كو 2: 13 و3: 1- 2). ويدلّ النصّ في موضع آخر كيف يجب أن يُقرأ، لأنه ينتقل من صيغة الماضي (سبق وماتوا) إلى الحياة الحاضرة: "حياتكم قد استترت مع المسيح في الله" (نحن أمام وضع بدأ في الماضي ويتواصل حتى الآن: كانت حياتكم مستترة ولا تزال).
وهكذا حصل الموت في الماضي. أما الحياة فتميّز الحاضر. فإن ذكرَ الكاتبُ الموت، فلكي يُبرز الوحدة بين المسيح والمؤمنين، وهويّة مسيرتهم. فكما أن المسيح مات وقام، ولكنه يبقى مستترًا (غير منظور) عن أعين الجسد، كذلك المؤمنون الذين ماتوا وقاموا معه، لا يظهرون أيضًا في المجد معه، إلاّ حين يظهر هو كذلك. 
رابعًا: ومتى ظهر المسيح (آ 4)
هذه الآية هي امتداد للآية التي سبقتها، ولا علاقة لها في الظاهر مع التحريضات الخلقيّة، ولكنها في الواقع تشير بشكل ضمنيّ إلى الرباط بين حياة المؤمنين الخلقيّة والمجد المقبل: خُلق المؤمن للمجد، وهو لا يستطيع أن يعيش حياته الخلقيّة وكأن الأمر ليس كذلك (لا تقول هذه الآية إن المجد المقبل يرتبط بالعمل الخلقيّ لدى المؤمنين).
ولكن الكاتب يؤكّد بشكل خاص على أنه يكون للمؤمنين تجلّيهم المجيدُ، وأن هذا التجلّي يرتبط بالتجلّي الأخير، تجلّي المسيح: فالحياة مع المسيح التي بدأت في المعموديّة، لا تنتهي. وهكذا يماهي الكاتب بين المؤمنين والمسيح في ثلاثة أحداث في حاسمة: الموت، القيامة، المجد.
إن الفعل الذي عبّر عن تجلّي المسيح المجيد والنهائي هو "فانرون" الذي استُعمل في 1: 26 (رج 4: 4) ليدلّ على تبشير الرسل بالسرّ. نحن نرى لماذا استعمل الكاتب ذات الفعل: (1) في 1: 26 و2: 4 نحن أمام تجلّ (2) رسميّ. يدركه الجميع (3) للمسيح الذي كان من قبل مستترًا. وكما أن السرّ يدلّ على مجيء المسيح وحضوره بين الأمم، كذلك يكون التجلّي الأخير تجلّي المسيح وجميع المؤمنين معه. مصيرهم يرتبط كله بمصيره. وكان 2: 13 قد أتاح لنا أن نشير إلى الاختلاف بين روم وبين كو حول قيامة المؤمنين (ما تمّت بعد في روم 6، ولكنها تمّت في كو 3: 1).
المسيح هو "حياتكم". رج غل 2: 20؛ فل 1: 21. نفهم اللفظة في طريقتين: (1) المسيح هو مثال حياة المؤمنين. (2) حياته كقائم من الموت هي الحياة التي ينالها المؤمنون في العماد، والتي تنعشهم في كل شيء، على المستوى الكنسي والاجتماعي والخلقيّ. يبدو أن السياق لا يقبل بالطريقة الأولى. ومن خلال طريقة الكلام عن حياة المؤمنين، نلاحظ التدرّج من 2: 13 إلى 3: 4. في 2: 13، قال الكاتب فقط إن الله أحياهم مع المسيح. إن عبارة "مع المسيح" دلّت على القرب، لا على التماهي في الحياة: هنا حياة المؤمنين هي حياة المسيح (وليست فقط قريبة من حياة المسيح).
صوّرت آ 1- 4 حياة المؤمنين في علاقتها بالمسيح، فشدّدت كيف أنهم نالوا كل شيء فيه ومعه. يبقى أن نرى كيف أن حياة المسيح هذه التي نالوها، تدفعهم إلى العمل.
ب- العمل الخلقي في تعابيره السلبيّة (آ 5- 9)
نذكّر أن آ 5- 9 قد أشارت إليها آ 2 ب: "لا أمور الأرض"، وأنها القسم الأول في جسم القسم (3: 1- 4: 1). نحن هنا أمام رسمة عرفتها الرسائل الكبرى:
- لائحة الرذائل: آ 5- 8؛ رج 1 تس 4: 3- 6 أ؛ غل 5: 19- 21 أ؛ أف 4: 31؛ 5: 3- 4.
- إشارة إلى دينونة الله: آ 6؛ رج روم 1: 32 أ؛ غل 5: 21 ب؛ 1 كور 6: 9 أ، 10 ب؛ أف 5: 5؛ (1 تس 4: 6 ب).
- تعارض بين العمل السابق (في الماضي، من قبل، بوتي) السلبي، والعمل الحاضر (الآن، نين) الايجابي: آ 7- 8؛ رج غل 5: 24؛ 1 كور 6: 11؛ أف 5: 8.
- يقابل هذا لائحة فضائل: آ 12؛ رج غل 5: 22- 23؛ أف 4: 32؛ 5: 9.
مع لائحة الرذائل والفضائل، نحن في فنّ أدبيّ على المستوى الخلقي، مع لائحة تساعد على الحفظ في الذاكرة، على التعليم والتحريض، وقد تأثّرت بالفلسفة الرواقيّة (وربّما بالعالم اليهوديّ).
أولاً: أميتوا أعضاءكم (آ 5)
تستعيد هذه الآية آ 2 ب (في المقدمة) وتبدأ الجزء الأول من التحريضات. إن هذا التحريض يناقض في الظاهر الأقوال السابقة: إذا كان الانسان العتيق مات في المعموديّة، فلا يبقى على مستوى المبدأ أيّ شيء نميته. إذا قرأنا روم 6: 1 (إحسبوا أنفسكم أمواتًا للخطيئة أحياء لله في المسيح يسوع)، نجد أن العمل يجب أن يتوافق مع الكيان. أما كو 3: 5، فيبدو وكأنه يقول إن ما تمّ في المعمودية يجب أن يتمّ أيضًا. ولا تشرح كو لماذا عملُ الموت (عن الخطايا) والقيامة مع المسيح، الذي تمّ في المعموديّة، يجب أن يتحقّق أيضًا بشكل تدريجيّ في الحياة اليوميّة.
ولكن هذا الجزء التحريضيّ ليس مقالاً حول العلاقة بين الكيان مع المسيح (في صيغة الحاضر- يصوَّر) والعمل الخلقيّ (صيغة الأمر، إفعل). ثم يجب أن لا نفهم التحريض كما لو أن انسان الخطيئة العتيق ما زال حيًا في المؤمن، لأن آ 9 تناقض هذا القول. في الواقع، إن السياق اللاحق يتيح لنا أن نفهم التوصية كطلب لكي لا نعود إلى الحالة السابقة للارتداد: لا تتصرّفوا الآن كما كنتم تتصرّفون من قبل.
ماذا يعني الكاتب بعبارة "أعضائكم الأرضية"؟ هل أعضاء الجسد في الانسان (مثل العين واللسان واليد والرجل...)؟ هل أعضاء الكنيسة الذين يسيئون التصرّف؟ هل الأعمال السيّئة؟ إن السياق اللاحق يدلّ أننا أمام الأعمال السيّئة التي تقابل الأعضاء التي بها نفعلها. لا يطلب الكاتب من المؤمنين أن يقلعوا عيونهم ويقطعوا لسانهم، بل أن يزيلوا كل عمل تقوم به هذه الأعضاء، وهو لا يليق بالحياة مع المسيح.
إن لائحة الرذائل الخمس لا تشير إلى طرق حياة معروفة في كولسي، بل إلى فوضى جنسيّة اعتبرها العالم اليهوديّ وبعده العالم المسيحيّ نموذجيّة في العالم الوثني. "بورنايا" (الزنى). تدلّ على كل علاقة جنسيّة محرّمة. "اكترسيا" (النجاسة، واللاطهارة): تدلّ على سلوك جنسي لاأخلاقي (روم 1: 24). "باتوس" (الاهواء): تدلّ على الأصل الداخليّ، على ينبوع الفوضى الجنسيّة. "ابيتيميا" (الشهوة). هي رديئة لأنها تريد أن تضع يدها على ما يملكه الآخرون ولا سيّما الجسد. "بليوناكسيا" (الطمع، الجشع): تجعل الانسان عبدًا، عابد أصنام (المال) ولبعده عن الله.
تنطلق هذه اللائحة من النتائج إلى الأسباب، فتبرز بإيجاز سلوكَ الذين لا يعرفون الله فصار وضعهم ميؤوسًا منه.
ثانيًا: غضب الله (آ 6)
ويتبع لائحةَ الرذائل (كما عند بولس وفي العالم اليهوديّ) ذكرٌ للدينونة المقبلة في لغة تقليديّة. إن آ 6 ب (ضد أبناء الكفر) لا توجد في البردية 46 ولا في الفاتيكاني. ولكن الطابع التقليديّ للنصّ لا يتعارض مع السياق وقد يدلّ على أصالته. وسواء أبقينا عليه أو تركناه، فمعنى الآية لا يتبدّل.
عادت بنا العبارة إلى دينونة الله، فدلّت على أن الله في الدينونة الأخير لن يترك الشّر إلاّ ويغلبه فيظفر من اللابرّ والجور. وقد سمّى أولئك الذين يتحمّلون الغضب (أورغي) كما في العالم اليهودي: "أبناء المعصية".
ثالثًا: سلكتم من قبل (آ 7)
"في هذه الرذائل أنتم أيضًا سلكتم حين كنتم عائشين فيها". إن "سلك" (باريبتاين) يقابل "عاش" (زين). في الواقع أراد الكاتب أن يشدّد على أن العمل الخلقيّ الشرّير يعبّر عن حياة اعتادت أن تكون رذيلة. هذا إذا تركنا جانبًا آ 6 ب وأخذنا بالنص القصير. أما إذا أخذنا بالنص الطويل نقول: "الأشرار الذين بينهم سلكتم أنتم أيضًا في ذلك الزمن". أو: "وأنتم أيضًا سلكتم في الوقت بشكل رذيل حين عشتم وسط الاشرار".
إن صيغة الاحتفال تدلّ على أن هذه الحياة المرتبطة بالرذيلة هي جزء من الماضي، وعلى أن الكولسيين تركوا سلوكهم الوثنيّ. ولكن، إن كان الامر هكذا، فلماذا يقول لهم بولس أيضًا أن يرذلوا الأرضي الذي سبق لهم ورذلوه؟ هل نحن أمام صورة أسلوبية أم هل يعني هذا أن المؤمنين الذين جاؤوا من الوثنيّة ما زالوا يحتاجون إلى بعض الوقت ليجعلوا تعلّقهم السخيّ والصادق بالانجيل أمرًا واقعًا على المستوى الأخلاقي؟ في الواقع، إذا كان تكرار الرذائل التي يهرب منها المؤمنون سببه أنهم يعيشون في عالم ما زال يجتذبهم ويجرّبهم، فهذا التكرار يعبّر بشكل خاص عن يقين يقول إن على الايمان بالانجيل أن يتجلّى على المستوى الخلقي من خلال رفض كل عبادة أوثان. وهكذا تظهر أهميّة الحياة الخلقيّة كأنها البرهان بأن الخلاص يعمل في المؤمنين.
رابعًا: اطرحوا كل هذا (آ 8)
تجاه حياة ماضية (بوتي) في الخطيئة، نجد "أما الأن" (نين دي) لحياة بحسب الانجيل. إن "الآن" يتعارض مع "من قبل" (آ 7)، فيدلّ على أن التبدّل لن يؤخّر إلى الزمن المقبل. ولكن ما يدهشنا هو أن النصّ لا يقدّم حالاً سلسلة من المواقف الايجابيّة، بل لائحة أخرى من خمس أو ست رذائل (رج آ 9 أ) يجب على المؤمنين أن يرذلوها، وهي تتعلّق خصوصًا بالكلام فتدمّر كل علاقة حقيقية: الغضب، السخط، الخبث، الشتيمة، الكلام القبيح، والكذب. من خلال هذه الرذائل نجد كل أنواع المواقف الشرّيرة. أما الترتيب فقد أملاه منطق العلاقة: انطلق الكاتب من ردّات الفعل العنيفة لاساءة ينالها الانسان (غضب، سخط) فانتقل إلى الشّر الناشط الذي يظهر بالكلام. وإذا كانت لائحة آ 5 تشير إلى رغبة في امتلاك الآخر، فلائحة آ 8 تشير إلى الرغبة في تدميره.
اعتبر بعض الشرّاح أن ما نقرأ في آ 5- 8 يعود إلى اللوحة الثانية في الوصايا العشر (زنى، سرقة، شهادة زور، رغبة في امتلاك مال القريب). ولكن إن قابلنا هاتين الآتين مع خر 20؛ تث 5، لا نجد سوى لفظة واحدة مشتركة بين النص. لهذا يجب أن نرى في هاتين اللائحتين بقايا فقاهة قدِّمت لوثنيين يريدون أن يدخلوا إلى الكنيسة، فاستلهمت ما قاله الفلاسقة والعالم اليهوديّ في ذلك الزمان.
خامسًا: لا يكذب بعضكم على بعض (آ 9 أ)
تنتهي الوحدة التفسيريّة مع آ 9 أ وفعل الأمر: لا تكذبوا. "بعضكم على بعض"، تدلّ على أعضاء الكنيسة. فهل هذا يعني أنه يحقّ لنا أن نكذب على الذين في الخارج، الذين ليسوا أعضاء الكنيسة؟ كلا. ولكن بما أن الانجيل هو "كلمة الحق" (1: 5)، فالمؤمنون لا يستطيعون أن يعيشوا فيما بينهم في الكذب. وإلاّ كانت حقيقة الانجيل في خطر.

3- نظرة عامة
* مات الكولسيون مع المسيح (2: 11- 20). فقطعوا بشكل جذريّ كل علاقة بالعالم الذي لا قيمة لديانته مهما كانت مشغولة في نظرهم. فهم مع المسيح قد قاموا أيضًا إلى حياة ليست من هذا العالم، بل نالوها من المسيح ونالوها ليعيشوها له. ويحدّد بولس الاتجاه بفعل في صيغة الامر، وحيد وايجابي، يتعارض مع المحرّمات العديدة التي يغرق فيها الهراطقة: "أطلبوا ما هو فوق" حيث المسيح جالس عن يمين الله (آ 1). لسنا أمام أمر بل أمام تذكير بمتطلّبات الوضع الجديد، التي هي قبل كل شيء نعمة. بعد أن قاموا مع المسيح، كيف لا يكون قلبهم حيث المسيح هو؟ كيف يقدرون أن يضعوا أمامهم غاية أخرى سوى ارضاء الرب والعمل بمشيئته؟
* هذا الاتجاه الجديد في حياة الكولسيين، يتعارض تعارضًا مطلقًا مع اتجاههم السابق، أو مع الاتجاه الذي طبعته الهرطقة بطابعها. لا مساومة ممكنة: حين يتعلّق قلب الكولسيين بالخلاص، ينفصل في الوقت عينه عن هذه "الأشياء الأرضيّة" التي هي مناسبة خطيئة ونجاسة، والتي سيطرت على الهراطقة (آ 2).
إن استحالة طلب "الأشياء التي على الأرض" هي بالنسبة إلى المؤمنين نتيجة موتهم مع المسيح (2: 11- 12 أ، 20). فهم بالنسبة إلى هذه الأشياء موتى ودّعوا والديهم وأصدقاءهم وأموالهم. ومع ذلك فهم أحياء. ولكنّهم أحياء بحياة جديدة، بحياة تفلَّتت من نظر البشر لأنها "مستترة مع المسيح في الله" (آ 3). تقبّلوها من المسيح وعاشوها من أجله (كور 5: 15)، فصارت في ملئها المسيح ذاته. لهذا في زمن الكنيسة، ما زال المؤمنون عائشين بعدُ في العالم، فهم: "مستترون مع المسيح في الله" (لا تُرى حياتهم العميقة).
فعلى المسيحيين الذين قال لهم الرسول "قمتم مع المسيح" أن لا ينسوا هذا أبدًا. فبالايمان وبالايمان وحده، يستطيعون (ويتوجّب عليهم) أن يعتبروا نفوسهم "قاموا مع المسيح"، وهم الذين ما زالوا عائشين في العالم الحاضر والذين سيموتون في يوم من الأيام. ولكن، وإن كانت حياتهم "مستترة مع المسيح في الله"، فهي لا تخسر شيئًا من واقعيّتها. بل هي في منأى عن عنف البشر وتقلّبات تاريخ هذا العالم. هي في موضع أمين حتّى يوم ظهور الربّ.
* فالكولسيون لن يكونوا دومًا في وضع أناس لا واقع لحياتهم (بما فيها من مفارقة)، إلاّ من أجل الإيمان ومن أجل الرجاء (آ 4). فالذي هو حياتهم، لن يظلّ دومًا "مستترًا في الله". فالكنيسة تنتظر مجيئه الذي سيكون تجليًا للعالم. ففي ذلك اليوم، يتجلّى أيضًا المؤمنون لأنه حياتهم. فيكونون ملء ما هم منذ الآن في الرجاء (روم 8: 23- 25). ولن يكون هناك توتّر بين وجودهم في بشريّتهم وفي العالم وبين حياتهم المستترة مع المسيح في الله. لأن هذه الحياة المستترة ستظلّ وحدها؟ وتتفتّح في هذا "المجد" الذي هو منذ الآن جسد المسيح الذي يشاركون فيه (روم 8: 17- 18).
* بدأ الإرشاد مع التحريض في 2: 2، 6، 7 الذي يمكن أن يتلخَّص في هذه الكلمات: "عيشوا في نعمة المسيح الذي به تؤمنون". ولكن وجب على الكولسيين ألا يصبحوا فريسة الهرطقة التي تستعبدهم لأشكال من التقوى البالية. من هنا كان التنبيه في 2: 8 ي. يبقى على الرسول الآن أن يذكّر الكولسيين بمتطلّبات الحياة المسيحيّة في وجهتها السبيّلة أولاً (اقطعوا كل علاقة مع أشكال الخطيئة المتنوّعة). ثم في وجهتها الايجابيّة (عيشوا في المحبّة التي توحّدكم بالاخوة، وبالشكل الذي يجمعكم إلى الله بالمسيح يسوع).
ربط الكاتب التحريض الذي يبدأ هنا (آ 5) بواقع أشار إليه في آ 3- 4: لقد مات المؤمنون عن العالم. فليستخلصوا النتائج (إذن) متخلّصين من خطايا البدن والجشع التي هي بقايا حياتهم الوثنيّة. ما هي هذه الأعضاء الارضية التي نميتها؟ أعضاء الانسان التي قال عنها يسوع بأنها سبب عثار (مت 5: 23- 30). أو نشاط الإنسان الخاطئ. وهناك محاولة أخيرة تجعل من "الأعضاء" أشخاصًا يتوجّه إليهم الرسول: "أيها الاعضاء، أميتوا الأشياء الأرضيّة مثل الزنى...". لا شكّ في أن المؤمنين، أعضاء جسد المسيح، قد ماتوا عن الخطيئة مع المسيح (2: 11، 20، 23). ولكق يبقى عليهم أن يشهدوا بشكل ملموس على أنهم قطعوا كل علاقة بالخطيئة. هم لا يميتون جسدهم، وهذا ما لا يدهشنا بعد شجب التقوى الزهديّة (2: 16- 23)، بل "الأشياء التي على الأرض"، بل كل أشكال الخطيئة بدءًا بالزنى والنجاسة...
إن تعداد الخطايا الجنسيّة، ينتقل من العمل إلى الشهوة التي تلد الخطيئة. أما "الجشع" (أو الطمع) الذي جعله الرسول مع الخطايا الجنسيّة، فهو الأكثر انتشارًا لدى الوثنيين. وهو عبادة أصنام. ويلي هذا التعدادَ ذكرٌ لدينونة تحلّ بالذين يقترفون مثل هذه الخطايا (آ 6).
* هذا التذكير جاء في وقته بالنسبة إلى الكولسيين (آ 7) لأنهم هم أيضًا، شأنهم شأنهم المسيحيّين الآتين من العالم الوثنيّ، قد عاشوا في هذه الخطايا التي ندّد بها الرسول. "ولكن الآن" (آ 8). في الوضع الروحيّ الجديد الذي صار لهم بالمعموديّة، عليهم هم أيضًا أن يتخلّصوا من الخطيئة بكل أشكالها. لا من الخطايا التي ذُكرت في آ 5 وحسب، بل من "الغضب والسخط...". أي الخطايا التي نقترفها ضدّ القريب بحيث تصبح الحياة الجماعيّة صعبة إن لم نقل مستحيلة.
وبين الخطايا التي نقترفها باللسان، يشدّد بولس بشكل خاص على الكذب (آ 9) الذي يسمِّم العلاقات بين المؤمنين أنفسهم. لا يستطعون أن يغشّوا بعضهم بعضًا بعد أن خلعوا الانسان العتيق مع كل أعماله.

خاتمة
تحدّثنا هنا عن الحياة كمشاركة في حياة المسيح مع النتائج التي تستتبع هذه الحياة. على المستوى السلّبي (2: 20- 23) نرفض "وصايا البشر". وعلى المستوى الايجابي (3: 1- 4) يدعونا النصّ لكي نطلب الخيرات العلويّة حيث يقيم المسيح. لكي "نهتم" لما هو فوق لا "لما هو على الأرض". بالمعموديّة متنا مع المسيح عن كل هذه الفرائض المتعلّقة بطهارة الأطعمة، واتحدنا بالمسيح. وإن ظلّت مشاركتنا في المسيح خفيّة، إلاّ أنها ستنكشف في كل بهائها عند تجلّي المسيح. عند ذاك تبدأ الارشادات حول حياة مسيحيّة في خط المعموديّة، ارشادات لنلبس الانسان الجديد ونخلع الانسان العتيق.

الفصل العاشر
من الانسان العتيق
إلى الانسان الجديد
3: 9 ب- 17

درسنا في فصل سابق التأليف، فجعلنا هذه المقطوعة التي ندرس الآن (3: 9 ب- 17) داخل القسم الثالث الذي يشدّد على قداسة المؤمنين. وها نحن نتوقّف في شقّ أول عند حياتنا في المسيح بظروفها (3: 9- 11) وفي شقّ ثان (3: 12- 17) عند التصرّف الخلقي في تعابيره الايجابيّة. وننهي بنظرة عامة إلى آ 9 ب- 17.

1- ظروف الحياة في المسيح (3: 9- 11)
بما أن المؤمنين قد تخلّصوا من الانسان العتيق ولبسوا الانسان الجديد، فقد استطاعوا أن يتركوا الرذائل التي شكّلت طريقة حياتهم السابقة. إن آ 9 ب- 11، تقع في خطّ المعلّلات الكرستولوجيّة التي قرأناها في آ 1- 4، فتكوّن أساسًا لسلسلتي التحريضات (وتربط بين هاتين السلسلتين)، تلك التي تطلب منّا أن نترك الرذائل الماضية (آ 5- 9 أ)، وتلك التي تدعونا إلى ممارسة القيم الانجيليّة.
أ- خلعتم الانسان العتيق (آ 9 ب)
"بعد أن خلعتم (خالعين) الانسان العتيق مع أعماله". هو اسم الفاعل. ننفصل عن بعض الممارسات لكي يتعرّى الانسان العتيق، فيُغسل ويُعرض ولكنه لا يُترك. وتجاه "خلع..." هناك "لبس من جديد". وهكذا يؤكّد الكاتب أن الانسان العتيق قد مات، فيرتبط بما في روم 6: 6 الذي يربط هذا الموت بالصلب (صُلب انساننا العتيق)، و8: 13 (إذا أمتّم بالروح أعمال الجسد تحيون). فالتعارض هنا بين الانسانين العتيق والجديد، يعود إلى خلفيّة عماديّة قرأناها في آ 1- 4، وإلى الدعوة (آ 5) إلى أن نميت الأعضاء الأرضيّة. وهكذا نفهم كيف انتقل النصّ من "الأعضاء" إلى الانسان كله.
ب- لبستم الانسان الجديد (آ 10)
ينتقل النصّ من صورة الانسان العتيق إلى صورة "الانسان الجديد" (نقرأ في 2 كور 5: 17؛ 6: 15 عن الخليقة الجديدة. وفي 2 كور 3: 6 عن العهد الجديد، عن الميثاق الجديد). هنا نتذكّر 2 كور 4: 16: "انساننا الداخليّ يتجدّد يومًا فيومًا". إذن، تشكّل آ 9 ب- 10 وحدة منظّمة حول صورتين متعارضتين. وسيزول هذا التعارض بزوال الشق الأول، بموت الانسان العتيق في المعموديّة: نخلع الانسان العتيق، نلبس الانسان الجديد.
إن منطق البرهان هو ما يفسّر ظهور المثنّى عتيق- جديد. فتجاه أعمال معروفة هي أعمال الوثنيين المحيطين بنا، مع رذائلهم، لا يمكن لأعمال المسيحيّ إلاّ أن تتحدّد في ألفاظ جديدة، وبتصرّف لا يفكّر فيه من ظلّ غارقًا في ثقل الخطيئة. استعمل الكاتب في إطار عمادي لفظتين تعنيان "الجديد" (نيوس، كاينوس). فما معنى "لبس الانسان الجديد"؟ إن دلّ "خلع" على موت عن الممارسات القديمة، عن الرذائل، فـ "لبس" يدلّ على ولادة من أجل بشريّة رفيعة تعيش في البرّ وتتكرّس للفضيلة. وإذا كان المعمّد مولودًا جديدًا (إلى هذا تشير لفظة نيوس)، فبشريّته الجديدة، وحياته الجديدة، لا يمكن أن تكون إلاّ حياة المسيح (آ 4). ويتمّ هذا النموّ بتجدّد متواصل. هو دومًا جديد، ولا يتحجّر في مضامين ثابتة لا تتبدّل. إذا كان الانسان الجديد مختلفًا كل الاختلاف عن العتيق، فهناك عنصر حاسم يجمع بينهما: الانسان وكيانه: إن التحوّل يتمّ بدون تبديل في الطبيعة.
ويضيف الكاتب أن الانسان الجديد يتجدّد على صورة خالقه، أي الله. تلك هي الصورة الأولى للتجدّد: يحافظ الانسان الجديد على انسانيّته، فيصير يومًا بعد يوم شبيهًا بالله. أبتصرّفه؟ هذا ما ستقوله الآيات اللاحقة.
إذا كان الكاتب لم يقل بعد في ما يقوم بالضبط هذا الجديد (على المستوى الخلقيّ)، فهو يدلّ على غايته: المعرفة (ابيغنوسيس). رج 1: 9 حيث المعرفة خضعت بنفسها "لسلوك يليق بالربّ ويرضيه". فغاية التجرّد هي خلقيّة. فإن كان المؤمن يصبح يومًا بعد يوم أكثر شبه بالله، فلكي يكون قدّيسًا، بارًا، صالحًا، صبورًا، كاملاً. وهذا ما يشدّد مرّة أخرى على أهميّة التصرّف الخلقيّ لمن يريد أن يحيا في المسيح.
ج- لا يوناني ولا يهودي (آ 11)
يمكننا أن نتساءل: لماذا لم يقل الكاتب في بداية آ 10 إن المعمّدين قد ارتدوا المسيح كما في غل 3: 27؛ لكي يستغلّ كل الاستغلال جميع وجهات الاستعارة التي استعملها وتتيح لنا آ 11 أن نقدّم جوابًا على مستوى آخر فنصوّر العلاقات الجديدة بالنظر إلى المسيح.
"حيث" (هوبو). هل يعني الانسانَ الجديد نفسه أم الجسد الكنسي؟ إن الكنيسة هي بلا شكّ الموضع الذي فيه يتجدّد كل مؤمن يومًا بعد يوم، على صورة خالقه، بقدر ما تظهر علاقات جديدة يعيشها أناس جدد. وهكذا تؤكّد الآية الملاحظة التي أوردناها سابقًا: يبدأ الجديد فيتجدّد بشكل سلبيّ وفي تعارض مع ما نعرف وما نعيش. أما البشريّة العتيقة فهي بشريّة تبرز فيها الاختلافات الأساسيّة والتمييزات والحواجز على مختلف الصعد، ولا تساعد على التبادل والوفاق: وضع المرأة في المجتمع في درجة ثانية. أما العبد فلا حقّ له إطلاقًا. والوثنيون (= اليونانيون) لا ينتمون إلى شعب العهد. وهكذا لا حقّ لهم بالبركات الالهيّة.
حين أنكرت غل 3: 28؛ كو 3: 11 كل تمييز، لم تعلنا المساواة في الأوضاع الاجتماعيّة والحضارات، بل قالتا إن المقولات الدنيويّة لتحديد وضع المؤمنين لم تعد في محلّها. لم تعد مقبولة. وغياب التمييز يدلّ، بشكل ايجابي، على الكرامة التي يشارك فيها الجميع بدون تمييز. ففي نظر كو 3: 11 ب، الانسان الجديد هو الذي يتقبّل كرامته من حضور المسيح فيه. وهكذا يشبه المؤمنون الله يومًا بعد يوم، لأن المسيح هو "كل في الكلّ".
هل يتضمّن هذا أن جميع المؤمنين يشبهون بعضهم بعضًا في كل شيء؟ وهل تعلن غل 3: 28 وكو 3: 11 غياب التنوّع على المستوى الأساسي، مستوى الايمان. بالمسيح، وعلى هذا المستوى وحده؟ واستنتج بعض المفسّرين خطأ بأن في الكنيسة، لا رئيس ولا مرؤوس، بل إن جميع المسيحيين يمارسون ذات الوظائف والخدم الكنسيّة. مثل هذا القول يعارض تماسك كلام بولس في كو 3: 11 كما يعارض 1 كور 12: 29 (هل كلّهم رسل؟ هل كلّهم أنبياء؟). إن غياب التمييز لا يمنع ترتيب النسيج الكنسي والاجتماعي. هنا نتذكّر صورة الجسد في 1 كور.
عاد بولس إلى لاحة تقليديّة في كو 3: 11، فوسّع حقل التمييز في سلسلة تنحدر ولا ترتفع. انتقل من اليهوديّ إلى اليونانيّ. ومن اليونانيّ إلى الأعجمي. وبين الأعاجم نظر إلى من هم في آخر السلّم الاجتماعيّ والحضاريّ. وقد توخّت هذه اللائحة أن تبيّن أن الجميع بدون استثناء، من الذين امتازوا بأن يكونوا شعب، العهد، إلى الذين يُعتبرون آخر البشريّة، يتمتعون بذات الكرامة. هذه الكرامة تقوم بأنهم أناس جدد في المسيح. ومنذ الآن قدّيسو الله وأحبّاؤه.
وتنتهي آ 11 فتؤكّد الوجه الكرستولوجيّ في كو. قالت 1 كور 15: 28 عن الله إنه يكون "كلاً في الكل" في نهاية الأزمنة. أما كو 3: 11 فأكدّت ذلك منذ الآن في المسيح: سيادته كاملة. أولويّته كاملة. وملؤه كامل. فهو كل شيء لجميع المؤمنين الذين امتلأوا فيه بشكل نهائي. فغياب كل تمييز على مستوى الهويّة والكرامة والامكانيّة الخلقيّة لدى المؤمنين، يجد ينبوعه في الكرستولوجيا، في شخص يسوع المسيح.

2- التصرّف الخلقي في تعابيره الايجابيّة (3: 12- 17)
والآن يستطيع الكاتب أن يصوّر التصرّف الخلقي الجديد الذي يُدعى إليه جميعُ المؤمنين بألفاظ تذكّرنا بما في الرسائل الكبرى. ولكننا تركنا التعابير السلبيّة كما في آ 5- 9، ووصلنا إلى التعابير الايجابيّة.
أ- أنتم مختاري الله وقديسيه (آ 12)
كما في آ 5 (إذن)، يتوسّع التحريض هنا أيضًا على أساس علاقة المؤمنين بالمسيح. فالطريقة التي بها يسمّي الكاتب قرّاءه (مختاري الله وأحبّاءه) يدلّ على أن خبرة محبّة الله هي ما يحرّك المسيحيّ في تصرّفه: بما أن المعمّد عرف رأفة الله ورحمته تجاهه، عرف صلاحه وصبره، فعليه أن يتصرّف كذلك تجاه سائر المؤمنين: إذن، لا يحثّ الكاتب المؤمنين من الخارج، يل يعيدهم إلى مسيرتهم الخاصّة وهويّتهم الجديدة: إن الانجيل الذي تقبّلوه وعاشوه يبقى في النهاية المعلّل الوحيد للتصرّف المسيحيّ.
وتأتي لائحة الفضائل بما فيها من أمور مشتركة مع غل 5: 22- 23: اللطف (خرستوتيس)، الوداعة (براوتيس)، الصبر (مكروتيميا)، المحبّة (أغابي، آ 14)، السلام (ايريني). وهكذا كما في آ 5، 8، 11، استعادت كو ما في غل. غير أن كو 3: 12 غير متوسّعة مثل غل 5: 22- 23. هي لا تحتفظ في حركة أولى إلاّ بالرحمة واللطف تجاه سائر المؤمنين. بما أن الكاتب شدّد على هذا، نحذّر من الاستنتاج أن الكولسيين لم يمارسوا المحبّة ولا الرحمة: فالكاتب لا يضع اصبعه على الجرح كما لا يصوِّر بالضرورة في آ 5- 8 الفوضى الموجودة في الجماعة: إن الجديد الخلقيّ الذي يُدعى إليه الكولسيون، يطلب منهم موقف المسيح نفسه الذي سامح ورحم. بما أن المسيح هو حياة المعمّد، نفهم أن يكون موقف المعمّد هو موقف ربّه. وهكذا نفهم لماذا ذكر الكاتب أول ما ذكر الرحمة واللطف.
إن عبارة "أحشاء الرحمة" (سبلانخنا اويكترمو) تستلهم فل 2: 1. ولكن الحثّ على الرحمة هو جزء من مقال يهوديّ ومسيحيّ (1 بط 3: 8؛ أف 4: 32؛ وص زبولون 7: 3؛ وص نفتالي 7: 4؛ وص شمعون 4: 4). فالرحمة التي نقرأها في روم 12: 1؛ 2 كور 1: 3 تدلّ أولاً على موقف الله والمسيح تجاه البشر. إن آ 12 تطبّق ما في آ 11 حيث قيل إن تحوّل المعمّد يقوم بأن يصبح يومًا بعد يوم شبيهًا بالله.
ب- احتملوا بعضكم بعضًا (آ 13)
نحن هنا في الواقع أمام اسم الفاعل: "محتملين بعضكم بعضًا". فعلى المعمّدين أن يسامحوا كما سامحهم الرب (رج روم 15: 7). فالرب هو مثال المعمّد في تصرّفه. غير أن هذا المثال ليس مثالاً يقدَّم إليه من الخارج. بل إن خبرة الغفران التي نالها المؤمن تحرّكه وتجعله قادرًا بدوره على الغفران.
ولكن من هو "كيريوس"؟ الله أو المسيح؟ لقد لاحظنا أن كو تتّجه إلى "إلغاء" الله كفاعل لعمَلَي الخلق والخلاص، لكي تُبرز وساطة المسيح الفريدة. وإذا عدنا إلى استعمال "الربّ" في كو، تبدو الاستنتاجات أكثر وضوحًا: (1) يظهر "الله" (تيوس) وحده أو مع لقب "الآب"، لا الرب. أما "المسيح" فنجده مرات مع "الربّ". (2) إن 1: 10 والمقطع حول الخلقيّة العائليّة (3: 18- 4: 1) يدلاّن على أن كو تحتفظ بلفظة "كيريوس" للمسيح.
ج- إلبسوا المحبّة (آ 14)
تواصل هذه الآية استعادة "اللبس" في خطّ بولسيّ واضح (روم 13: 8، 10؛ 1 كور 13؛ غل 5: 14): هي تجعل المحبّة فوق جميع الفضائل السابقة لتغطّيها كما بلباس، أو لتجعلها معًا دون أن تتماهى معها.
لا يتحدّث الكاتب إلاّ عن وظيفة المحبّة التي هي "رباط الكمال". المحبّة هي الرباط السامي، الرباط الكامل. والرباط الذي موضوعه الكمال أو يقود إلى الكمال. بما أن المحبّة هي فوق جميع الفضائل، تحيط بها وتجمعها، فهي أيضًا الرباط الكامل. وهناك تفسير كان يُعطي السبب الأخير لتصرّف المعمدين: الكمال. ولكن ماذا تربط المحبّة؟ الفضائل المذكورة في آ 12 أو فضائل المعمدّين؟ هذا ما لا يحدّده الكاتب. بما أن آ 15 ستتكلّم عن رباط بين أعضاء في جسم واحد، فالرباط المذكور هنا ينطبق بالاحرى على الفضائل التي تصل إلى الكمال بفضل المحبّة.
د- سلام المسيح (آ 15)
إن هذه العبارة (ليَسُد في قلوبكم سلام المسيح) هي بمثابة تمنٍ أكثر منه دعوة إلى "صنع السلام" أو العمل لأجله (كما في روم 14: 19). يبدو السلام هنا نعمة نتقبّلها لا قيمة نعمل لها (روم 15: 13؛ غل 14: 17). إن فعل "ليَسُد" يستعيد 2: 18. وهكذا يُدعى الكولسيون إلى موقف يتعارض مع موقف جميع الذين احتقروا المعمَّدين الذين لا يأخذون بالممارسات الزهديّة: معيار الحكم على الآخرين والنظر إليهم، هو معيار السلام كما يريده المسيح ويعطيه.
ويحدَّد السلام في أصله: يرتبط بالمسيح. هو مسيحاوي. ويحدّد في غائيّته: يرتبط بالكنيسة. هو إكليزيولوجي. لقد دُعي المؤمنون إلى السلام الذي هو سلام جسم وحيد موحَّد. فيجب أن نتبع مسيرة سلام المسيح هذا بما فيه من تشعّب: يجب أن يسود في قلب كل مؤمن لكي يمتدّ فيما بعد إلى الجسم الكنسيّ. فوحدة الجسم الكنسي تجد في السلام غايتها وأداتها.
إن المسيح يتلقّى دورًا أساسيًا في خلقيّة المعمدين، بحسب كو. ولكن اللون الكرستولوجي للبعد الكنسيّ للخلقيّة، يأتيه من الطريقة التي بها تصوّر كو العلاقات المميَّزة بين المسيح وكنيسته منذ البداية في 1: 18: السلام الذي يحركه المعمدون يأتي من المسيح الذي يسود على كنيسته ويعطيها الحياة. وهكذا يشدّد 3: 15 بشكل غير مباشر على التماسك العظيم في الرسالة إلى كولسي.
وعبارة: "كونوا شاكرين"، لا تشير بشكل مباشر إلى فعل الشكر الذي ستتحدّث عنه آ 17، بل إلى الموقف الذي به نعترف بعطايا قبلناها، كما نعترف بالمعطي: لسنا فقط أمام تصرّف، بل طريقة حياة نعود بها إلى الله وإلى الآخرين. هنا نجد الوجهة الثانية للخلقيّة المسيحيّة التي لا تقوم فقط بأن نذهب إلى إخوتنا لكي نغفر لهم ونعينهم ونحبّهم، بل لنتقبّل حبّ الآخر ومبادرته (وحب الله ومبادرته) تجاهنا.
و- لتحلّ فيكم كلمة المسيح (آ 16)
نحن هنا أيضًا أمام اسم الفاعل: معلّمين، ناصحين، مرنّمين. تلك هي الطريقة التي بها تحّل كلمة المسيح بوفرة في الجماعة. هذه الكلمة التي هي كلمة المسيح (الذي يتكلّم بواسطة أعضاء الجماعة) تتّخذ شكل التعليم والنصح (أو التحريض، كلمة من المعمِّد إلى المعمَّد. في خطّ واحد، أو تكون متبادلة) والصلاة (كلمة المعمّدين إلى الله). إذن لسنا هنا أمام إعلان الانجيل بواسطة المرسلين أو الرسل (رج 1: 29)، بل أمام الانجيل كما يستعيده المعمَّدون ويتأمّلونه ويعبِّر عنه بعضهم لبعض إذا أرادوا أن ينموا في معرفة الله ومشيئته. هكذا لا تكون كلمة المسيح (كبشرى وخبر طيّب) فقط واقعًا من الماضي، بل تظلّ تحرّك الجماعة وتبنيها في الوقت الحاضر.
ولكن ليس كل كلمة في الجماعة قطعًا كلمة "المسيح" (فهناك كلام المعلّمين). لهذا يأتي هذا النصح في النهاية، بعد اللطف والرحمة والمحبة والسلام التي جاءت بشكل طريقة حياة وتصرّف أساسيين وموصوفين بوصف كرستولوجيّ. لهذا، يجب على التعليم والنصح أن يتمّا "في كل حكمة" (رج 1: 9).
وهكذا يكون دور المسيح حاسمًا على جميع الصعد، وفي كل أشكال العلاقات بين المعمَّدين ومع الله، لأن كلمته تُحيي الجماعات بالطريقة التي فيها يمارس المعمّدون التعليم، والنصح المتبادل، والصلاة إلى الله.
ندهش حين نرى "الروح" يُذكر بشكل عابر (أناشيد روحيّة)، "فيكسفه" المسيح على ما يبدو: سبق وقلنا إن هذا لا يعني جهل القول المتعلّق بحياة المؤمنين بتأثير من الروح (لا تعتبر كو أنها قالت كل شيء على جميع الصعد)، بل تشديدًا على الانجيل، كلمة المسيح، كموضع وينبوع فيه يجد المؤمنون دومًا، كلَّ ما يحتاجونه لكي يعرفوا إرادة الله ويحيوا النعمة التي تلقّوها في المعموديّة، لكي يحيوا ملء الحياة.
والنهاية حول مختلف أشكال الصلاة، تستعيد ما قيل في 1: 12 عن الصلاة وفعل الشكر، وتُظهر أهميّته: لا يقول الكاتب لماذا تجد الحياة المسيحيّة كمالها في الصلاة الجماعيّة. ولكن جميع التوسّعات حول الملء الذي يناله المعمدّون في المسيح لا يمكن إلاّ أن يقود إلى هذا: التعرّف إلى العطايا يقود إلى المعطي، فنندهش من طرقه وننشدها معًا.
و- كل شيء باسم الرب يسوع (آ 17)
يستعيد بولس نصحه ويُجمله مذكرًا بذات المبدأ الكرسترلوجي: نعمل كل شيء، ونقول كل شيء "باسم الرب يسوع". ولكن المبدأ الكروستولوجيّ يقود إلى الآب: فالحياة المسيحيّة هي حياة في فعل شكر متواصل (1: 12). وهكذا تظهر غاية الحياة الخلقيّة لدى المعمّدين: أن يجعلوا من كل حياتهم جوابًا في المسيح ومع المسيح وبالمسيح، وفعل شكر إلى مجانيّة الله. لهذا، جعلت كو فعل الشكر في نهاية النصح الخلقيّ مع تشديد يدلّ بوضوح على أن الكاتب يجعله ذروة في الحياة المسيحيّة.

3- نظرة عامة
ويتابع بولس إرشاده كما قلنا في بداية الفصل. فنصل مع آ 9 ب إلى خلع الانسان العتيق مع كل أعماله. فمنذ ذلك اليوم الذي فيه ماتوا مع المسيح في المعمودية (2: 11- 12)، لبسوا الانسان الجديد، الذي صار لهم المسيح في الايمان.
* مهما كانت صورة اللباس جديرة بأن تعبّر عن التحوّل الذي حصل في حياة المؤمن، فالواقع يتجاوز الصورة (آ 10). لأن اللباس يبقى ما هو. أما الانسان الجديد فيتجدّد باستمرار بعمل الروح. هو لا يُعطى مرّة واحدة في كمال لا يتبدّل. ولا يُوجد إلاّ بالنسبة إلى الايمان الذي يتقبّله دومًا في المسيح. وهو لا يأخذ شكله إلاّ في الطاعة لمشيئة الله. هذا اللباس يتجدّد بدون انقطاع في علاقات حيّة تربط المؤمن بالمسيح والمسيح بالمؤمن.
وعلى هذا التجدّد أن يقود الانسان الجديد إلى معرفة أوضح وأكمل لنعمة الله ومتطلّباته في يسوع المسيح، وهي معرفة تعمل بدورها على تجديد "صورة الذي خلقها". هذه الكلمات الأخيرة تحدّد هدف تجديد الانسان الجديد وقاعدته: صورة الله. فالمسيح هو للمؤمن "آدم جديد" الذي ألبسه (غل 3: 7) والذي يجب عليه دومًا أن يلبسه (روم 13: 14). والمسيح "آدم الآخر" (1 كور 15: 45) هو صورة الله (كو 1: 15). فحين يجد المؤمن في المسيح بشريّته الحقيقيّة، يستعيد أيضًا صفته كـ "صورة الله" التي لا تنفصل.
* وحين يصل المؤمنون إلى هذه النقطة (آ 11) يفهمون أن عليهم أن يتخلّصوا من الكذب ومن سائر الخطايا (آ 8)، لأنها لا تتوافق مع تصرّفهم كأناس جدد، وهي تجرح اتحادهم في المسيح. فحيث يُوجد الانسان الجديد، "لا يوناني ولا يهودي"... لا عبد ولا حرّ، بل المسيح الذي هو أقوى من كل ما يفصل فئة عن فئة.
إن التناقضات العرقيّة والدينيّة والحضاريّة والاجتماعيّة قد تبدّدت كلها. وهي تسيطر بعدُ على العلاقات المباشرة لدى الذين لبسوا الانسان الجديد. هم لا يرون بعد الآن في أخيهم اليونانيّ واليهوديّ والاعجمي والعبد والحر، لا يرون فيهم الانسان الذي يرفضهم، بل المسيح الذي يؤمنون به ويطيعونه، وهو حياتهم (آ 3)، والكلّ في الكلّ.
* يبقى علينا أن نخلع العتيق ونلبس الجديد، أن نلبس المحبّة ونؤدي فعل الشكر (آ 12). فبعد النصح (أو التحريض) السلبيّ (لا، لا) يأتي النصح الايجابيّ. بعد النداء إلى التخلّص من الانسان العتيق وتصرّفاته الشرّيرة، يأتي نداء لكي نلبس استعدادات الانسان الجديد. هذا ما يُفرض على الكولسيين بصفتهم "مختاري الله وقدّيسيه وأحبائه". فما يفعلون، يجب أن يتوافق مع ما هم. إنهم "مختارو الله" الذي اختارهم في مجموعة البشر بحسب قصده الأزلي (روم 8: 28). إنهم "قديسون" لأن الله انتزعهم من العالم (غل 1: 4) ليكونوا له في كنيسته. إنهم "محبوبو" الله في الاختيار الذي به تقدّسوا.
وهكذا يقدّس اختيارُ الله المؤمنين، ويُظهر لهم محبّته. فليدّلوا بدورهم على ذلك. وليلبس الواحد تجاه الآخر استعدادات تليق بالذين كانوا موضوع هذه المحبّة. أحشاء الرحمة. أو الحنان. والرأفة التي تهتمّ بآلام الآخرين وتعمل على مدّ يد المساعدة. و"اللطف" الذي يتنبّه إلى الانسان وحاجاته. و"التواضع" الذي هو أفضل دواء ضدّ حبّ الذات الذي يسمّم العلاقات بين الإخوة. و"الوداعة" التي تساعدنا على تجنّب الصدامات. و"الصبر" الذي يحتوي انفجار الغضب.
* فما يطلبه الرسول (آ 13) هو المحافظة على الشركة المهدّدة حين يُجرح أخ أو تساء معاملته. فليتعلّم المؤمنون أن يحتملوا بعضهم بعضًا، أن يعيشوا التسامح المتبادل. فالغفران الذي منحه الرب لهم، يفرض عليهم ذلك. ولكن كيف نقدر أن نحسب حساب هذه الاستعدادت (آ 14) التي هي وحدها جديرة بأن تحافظ على هذه الوحدة؟ بالمحبّة التي تلهمها فتصبح بذلك "رباط الآخر". إن أحبّ الإخوة بعضهم بعضًا، يلبسون الحنان واللطف والتواضع والوداعة، يحتمل الواحد الآخر ويغفر للآخر، يتّحدون برباط أقوى من رباط المصالح والمعتقدات، برباط الكمال، أي بالحياة المسيحيّة في وجهها الكامل.
* وهكذا يكون بولس قد قال كل شيء حين نصح الكولسيين أن يطلبوا في المحبّة الحفاظ على وحدتهم. ولكنه يعود إلى أبعد من ذلك فيضيف: "ليَسُد في قلوبكم سلام المسيح" (آ 15). سلام المسيح هو ذاك الذي يخصّه والذي يستطيع وحده أن يعطيه. ويدلّ السياق أنه ليس فقط استعداد الروح والسلام الباطني، أو واقعًا أخلاقيًا، بل هو السلام بين أعضاء الجماعة. إنه واقع روحي، واقع الخلاص نفسه.
وحين يملك هذا السلام في القلوب، فهو يسود بسلطانه العواطفَ والأفكار والارادات، ويوجّه تصرّف المؤمنين. فإلى هذا "السلام" يدعو الله المؤمنين، يدعوهم معًا، لا كلَّ واحد وحده، يدعوهم في تضامن بعضهم مع بعض. "في جسد واحد". وهكذا لا يستطيعون أن ينفصلوا بعضهم عن بعض، ولا أن يتهرّبوا من عمل "سلام المسيح" بما فيه من سموّ.
* ويحضّ بولس الكولسيين على الشكر، لأنهم ما داموا يقبلون "سلام المسيح" مثل عطية الله، فهذا السلام يوجّه حياتهم ويحفظهم متّحدين. لهذا فهو يتوجّه في آ 16- 17 إلى جماعة متّحدة كل الاتحاد: "لتحلّ فيكم كلمة المسيح...". فالكنيسة لا تعرف فقط "سلام المسيح"، بل أيضًا كلمته. الكلمة التي تحمل سلامه، هذه الكلمة التي لا تني تكوّن كلمته في فم خدّامه وفي عمل كنيسته. ويطلب الرسول أن "تحلّ" هذه الكلمة في جماعة كولسي، وأن تعمل باستمرار ووفرة، فتنشر فيها كل قدرتها وتوزّع عليها جميع كنوزها وأولها "الحكمة" التي تمنح في كل ظرف معرفةَ النعمة ومتطلّبات الله في المسيح.
ويُمارس عملُ كلمة المسيح في إطار الجماعات العباديّة، وبالأخصّ في نشيد الجماعة. فـ "المزامير والتسابيح والأناشيد الروحيّة" تعبّر بطريقتها عن "كلمة المسيح". والروح يستخدمها ليُسمع هذه الكلمة للجماعة الخاشعة. وحين ينشد المؤمنون، فهم "يعلّمون بعضهم بعضًا وينبّهون في النعمة" التي هي مضمون الكلمة، وفي الوقت عينه ينشدون لله في قلوبهم.
هكذا تتّحد غايتا النشيد في الجماعة: هو يتوجّه إلى الله. ويبني المؤمن (آ 17). ولكن لا يكفي أن تنشد الجماعة مدائح وتبارك في تسابيحها الربَّ لما عمله من أجلها. فهي تعبّر له عن شكرها بكل حياتها، فتعمل كل شيء "باسم الربّ يسوع". وهكذا تُقفل دائرة الحياة التي تنزل بلا انقطاع من الله إلى الجماعة بكلمة المسيح، وبالمسيح تعود إلى الآب في فعل شكر لا ينقطع.

خاتمة
بعد التعاليم العقائديّة والتحذير من التقاليد البشريّة، تتواصل الرسالة بسلسلة من التحريضات بدأت مع الفصل السابق (3: 1- 9)، فتبدو على أنها "روحانيّة المعموديّة". يستند هذا الكلام إلى ضرورة التعرّي للنزول إلى حوض المياه. ويعدِّد ما يجب أن نتعرّى (نتجرّد) منه لنلبس الانسان الجديد. هناك جديد على مستوى الزمان. حياتنا تتجدّد سنة بعد سنة في المسيح. وهناك جديد على مستوى النوعيّة، حيث عهد الروح يقف تجاه عهد الحرف (2 كور 3: 6). ومع أن الغطس (العماد) في المسيح هو حدث فريد، إلاّ أنه يفرض نموًا مستمرًا. فهذا الانسان الجديد ما زال يتجدّد. يبتعد عن الرذائل ويأخذ بالفضائل من أجل حياة جماعيّة يُشرف عليها الحبُّ وفعلُ الشكر. فواقعيّة النعمة توجّه مسيرة الحياة المسيحيّة. بما أن المؤمنين محبوبون من الله، فعليهم في الجماعة أن يتجاوبوا مع حبّ الله الأول، هذا الحبّ المليء بالرحمة الذي تجلّى في شكل خاص بغفران الخطايا. وفي هذه الجماعة، ينشدون لله، ويسمعون كلام المسيح، ويحثّ بعضهم بعضًا على اكتشاف مشيئة الله في الحياة الملموسة. ذاك هو وجه الجماعة في حياتها المشتركة مع الإخوة، وفي صلاتها مع الله. هو وجه المعمّدين الذين وَضعوا موضعَ العمل ما يتطلّب منهم إيمانهم.
الفصل الحادي عشر
علاقات جديدة بين المؤمنين
3: 18- 4: 1

ما زلنا في إطار التصرّف الخلقي لدى المؤمنين. بعد فصل أوّل حمل الارشادات العامة، وفصل ثان حول الانسان العتيق والانسان الجديد، نصل إلى نصائح يقدّمها الرسول من أجل الحياة العائليّة: بين الرجال والنساء، بين الوالدين والأولاد، بين العبيد والسادة. بعد التأليف والتفسير، نقدّم نظرة عامة حول فكر معاصر عرفه العالم اليهوديّ والعالم اليونانيّ في القرن الأول المسيحيّ.

1- التأليف
أ- يبدو تأليف هذا الفصل واضحًا: هناك أزواج من الفئات، وفي كل مرّة يبدأ الكاتب من القطب الاجتماعيّ الأضعف: من النساء إلى الرجال (آ 19- 20). من الاولاد إلى الوالدين (آ 20- 21). من العبيد إلى الأسياد (3: 22- 4: 1).
هذه الوحدة تنتمي إلى التحريضات الايجابيّة التي تلي آ 9- 11 ب، وتصوّر تصرّف العمدين تجاه إخوتهم في الايمان. إنها تبدو كجسم غريب في كو على مستوى الألفاظ كما على مستوى تقديم البراهين.
إن الشرعة العائلية تنتمي إلى عالم خلقيّ يعود إلى أرسطو. ونجدها أيضًا في لوائح واجبات الانسان في الاطار الرواقيّ. استعاد الرسول أمورًا تقليديّة وجدها في الكنائس وفي المجتمع وشدّد على بواعثها: خضعت شرعة العائلة في العالم الوثني لأسباب اقتصاديّة وسياسيّة (النظام في العيلة هو شرط حياة متناسقة في المدينة). أما في العهد الجديد، فهي لاهوتيّة. وفي كو، هي بشكل خاص كرستولوجيّة.
ب- وتُطرح اسئلة على مستوى هذه الشرعة في كل الرسائل البولسيّة. (1) هل نرى فيها (مع بعض الشرّاح) علامة عن الانتظار الاسكاتولوجي، وعودة إلى النظام القديم في العالم؟ وهكذا تجد قيمُ العالم ختمَها ووجهها النهائي، ولا سيّما إذا صارت البواعث لاهوتيّة. (2) وظنّ آخرون أن الاعتراف بيسوع المسيح كوسيط الخلق والمصالحة الكونيّة، قد جعل المساكنة (بل المصالحة) ممكنة بين الجماعات المسيحيّة والنظام الاجتماعي في الكون الذي يحيط بهذه الجماعات. (3) وقد نستطيع أن نرى أمورًا دفاعيّة (أبولوجيا) في هذه الشرعة: النظام والسلام في العلاقات اليوميّة بين المؤمنين بالمسيح، يشهدان للكنيسة وللانجيل (4: 5؛ رج غل 4: 5). (4) هذه النصائح (أو التحريضات) هي بداية تبشير متدرّج (لا يتوقّف) للبنى الاجتماعيّة المرتبطة بالحضارات، لا من أجل تعميدها واسنادها إسنادًا غير مشروط، بل لكي ندلّ بفضل البواعث اللاهوتيّة والكرستولوجيّة أنها تقدر (بل يجب) أن تنفتح على الانجيل. إن تنوّع البواعث بين شرعة عائلية وشرعة في العهد الجديد، قد يدلّ على يقظة متواصلة لطبع العلاقات التي تعتبر عاديّة في زمان وفي مكان محدّدين، بطابع الانجيل. (5) ونستطيع في النهاية أن نفسّر هذا الشرعة تفسيرًا كنسيًا: فأمام طلبات النساء والعبيد في الجماعات المسيحيّة (باسم توجيهات بولسيّة حود إظهار الأوضاع الاجتماعيّة في وجهها العتيق، من أجل الدلالة على علاقات جديدة بين المؤمنين)، نصحهم المسؤولون في الكنيسة بالواقعيّة، فذكَّروهم بالقواعد الاجتماعيّة المعمول بها. وطلبوا منهم أن يتبعوها وإلاّ اعتبروا مدمري المجتمع، وأنجلوا (= طبعوا بطابع الانجيل) هذه الشرعة لكي يصبح عيشها ممكنًا في الكنيسة.
ج- وقبل أن نبدأ بتحليل الآيات نطرح سؤالين نحاول أن نجيب عنهما.
* الاول هو سؤال لغوي. في 3: 13، تحدّث النصّ عن الرب (كيريوس) دون أن يحدّد إن كان يشير إلى المسيح أو الرب. أما في آ 24 ب فنقرأ بوضوح "تخدمون الرب المسيح". إذن الرب هو المسيح لا الله الآب. ولكن بعض المخطوطات تزيد "تيوس" (الله) بعد "كيريوس" (الرب). فتصبح العبارة: "تخدمون الرب الاله". لقد أرادت هذه المخطوطات أن تكون منطقيّة مع ما نعرفه عن الله (لا المسيح) الذي لا يحابي الوجوه. إن الله هو الذي يدين.
رأينا في دراستنا 3: 13 أن كيريوس يرتبط بالمسيح لا بالله. وفهمنا كيف أن كو "أغفلت" عمل الله على مستوى الدينونة والخلاص، لتنسب هذا العمل إلى المسيح. هذا لا يعني أننا أمام "ضلال" لاهوتيّ. بل أمام تماسك واضح في كو، يطبّق مبدأ السيادة التامة (التي أرادها وحقّقها الله، رج 1: 13) التي يمارسها المسيح على الكنيسة وعلى كل من المؤمنين.
* الثاني هو سؤال يرتبط بالفاعل. هل جميع الفاعلين في المقطع هم من المعمّدين؟ من الواضح أن جميع الذين يتوجّه إليهم الكاتب هم من المعمّدين بدءًا بالزوجات. ولكن ماذا نقول عن الرجال؟ فالرجال المذكورون هنا، هل زوجاتهم مسيحيات؟ وهل هم أزواج (معمّدون) للزوجات المذكورات في الآية السابقة؟ وهل يسري النصح فقط حين يكون الزوجان مسيحيّين؟ هل يُفرض على المعمَّدة التي تزوّجت رجلاً لا مسيحيًا أن تخضع له؟
وكذلك العبيد الذين طُلب منهم أن يطيعوا هم أعضاء في الكنيسة. ولكن هل أسيادهم أعضاء فيها أيضًا؟ والأسياد المذكورون حالاً بعد ذلك، هل هم بالضرورة أسياد عبيد مسيحيين توجّه إليهم الكاتب: هل يجب على العبد المعمّد أن يطيع سيّدًا لامعمَّدًا؟
نستطيع أن نقول إن ارتداد ربّ البيت في ذلك العصر، كان يجرّ وراءه اعتماد كل أهل البيت من امرأة وأولاد وعبيد (أع 10: 2؛ 16: 15، 31، 34؛ 18: 8؛ 1 كور 1: 16). وهكذا نكون في إطارات علاقات بين معمّدين. ولكن 1 كور تتحدّث عن رجل مؤمن وامرأة غير مؤمنة والعكس بالعكس. هذا يعني أن الوضع كان متشعِّبًا. لهذا يبقى التفسير مفتوحًا. فالكاتب لا يقول مثلاً للرجال: "أيها الرجال، أحبّوا نساءكم لأنهن أخواتكم في المسيح". ولا يقول: "أيها الأسياد، عاملوا عبيدكم بالعدل، لأنهم إخوتكم في المسيح" (رج آ 11).

2- التأويل
أ- النساء والرجال (آ 18- 19)
نحن في إطار العائلة أو البيت، والمعنى مخصّص أوُجد الضمير (هيمون، رجالكنّ أنتن) أم لا. فالنساء لا يُطعن جميع الرجال، بل رجالهنّ. "كما ينبغي في الربّ". إن عبارة "في الرب" ترتبط بـ "ينبغي"، ولا نقول كما قال بعضهم: "إخضعوا في الرب كما ينبغي". إن الباعث (في الرب) يوازي: كما يليق بالمعمّدين، بأعضاء في الكنيسة. ونحن نفهم هذا بطريقتين مختلفتين: (1) ينبغي على المعمّدين أن يحترموا التراتبيّة العائلية المعمول بها. (2) إن الزوجات المسيحيّات يعرفن كيف يُظهرن الاحترام والخضوع لأزواجهنّ، لأن الرب يقول لهنّ ذلك (يعطيهنّ ملء الكلمة والفهم كما في بداية كو). التفسير الثاني هو التفسير المعقول لأنه يسير في خط كو حيث يستند تصرّف المعمَّد إلى خبرة مع المسيح لا إلى نظام اجتماعيّ يأتي من الخارج.
"إخضعن". ميّز النصّ بين خضوع الزوجة (هيبوتاسستاي) وخضوع الأولاد والعبيد (هيباكواين): ليست الزوجة في نظر الزوج في وضع الأولاد (الذين ما زالوا قاصرين) والعبيد (الذين لا حقّ لهم). ثم لا يقال إن الرجل هو "كيريوس" (سيّد) المرأة. وجد الشرّاح نصيّن فقط يُستعمل فيهما فعل "خضع" في ارتباط الزواج. وقد يكون التمييز هنا بين الخضوع والطاعة في خطّ بعض النصوص البولسيّة حيث الخضوع يدلّ أولاً (وليس هذا فقط) على الاقرار بوضع أعلى من وضع آخر (هذا يفترض تراتبيّة، مهما كانت، إلاّ الخضوع لمن هو "أعلى" لـ "رأس" و"رئيس"). لا يتضمّن الخضوع علاقة من القلب إلى القلب (1 كور 15: 26- 27). بخلاف الطاعة التي تفترض فقط موقف سماع ديناميكي (متحرّك)، ونظرة إلى رغبة الآخر للالتصاق بها دون اعتبار (أولاً) لوضعه. هذا لا يعني أن في الخضوع لا موضع للطاعة. الطاعة (هيباكواين) تلزم الشخصَ كله.
في هذه التحريضات (3: 18- 4: 1) ننتقل من علاقة بين وضعين اجتماعين (وضع الزوجة ووضع الزوج) إلى علاقة بين إرادتين (الولد والوالد، العبد والسيد): إن العلاقة من المرأة إلى الزوج ومن الزوج إلى المرآة، لا يُنظر إليها كما يُنظر إلى العلاقتين التاليتين (الاولاد والوالدين، العبيد والاسياد). طلب الكاتب فقط من الزوجات أن يعرفن كمعمّدات (أي مع النعمة التي نلنها من الربّ) أن يجدن مكانتهنّ الصحيحة في مجتمع يبدو فيه وضع المرأة أدنى من وضع الرجل.
لسنا هنا على مستوى مطالبة المرأة بحقوقها بشكل عامّ ولا بشكل خاص. فعبارة "كما ينبغي في الربّ" نداء إلى مسؤوليّة النساء، إلى الطريقة التي بها يستطعن كمعمّدات نلن ملء المسيح يسوع، أن يجدن الطريقة التي بها يدللن أزواجهن على الاحترام الذي يليق بهنّ.
ونقرأ في آ 19: "أيها الرجال أحبّوا نساءكم...". لم يكن النصح للنساء محصورًا فيهنّ، والنصح للرجال محصورًا فيهم. فإن لم يقل الكاتب لهنّ أن يحببن أزواجهن، فهل يعني هذا أن ليس عليهنّ أن يفعلن؟ وماذا نقول عن آ 14 التي تطلب من كل معمّد أن يلبس المحبّة (أغابي)؟
ولكن حين طلب الكاتب من صاحب الوضع الأرفع أن يجبّ الزوج الذي من وضع اجتماعيّ أدنى، فقد ذكرنا بما قال من قبل: ما يملي على المعمّدين سلوكَهم هو التواضع واللطف، لا سموّ وضع إجتماعي (يقود مرارًا إلى العجرفة والغطرسة). لهذا فالعلاقة من الرجل إلى المرأة لا تمليها حقوقُه (وضعه الأعلى)، بل موقف من نوع آخر، يأتي من الداخل، من خبرة الحياة في المسيح. وهكذا، نفهم غياب الباعث.
ب- الاولاد والوالدون (آ 20- 21)
في هذا الزوج الثاني من التوصيات، يبدو التأليف مختلفًا، لأن كل تحريض يتبعه باعث (وإن كان قصيرًا): "فإن هذا مرضيّ لدى الربّ". "لئلا ييأسوا". ولكن كما في الزوج الأول، الباعث المُعطى للشخص الادنى هو كرستولوجيّ. أما الباعث المعطى للأرفع فهو بشريّ.
ما معنى "مرضيّ لدى الرب"؟ نحن هنا على مستوى قيمة اجتماعيّة تُجمع عليها فئة من الفئات. أما هنا، فالمجموعة الكنسيّة (في الرب) هي التي تقرّ بقيمة هذا الموقف: على الأولاد في الجماعة المؤمنة أن يطيعوا والديهم (المسيحيّين). هذا يعني أن الوالدين مسيحيّون والأولاد أيضًا. فعلى الأولاد أن يرغبوا في سماع والديهم. هذا ما يجعلنا في خطّ النصائح السابقة حيث تمنّى الكاتب التعليم والنصح (أو الموعظة والتحريض): فالنموّ في المعرفة والحكمة يأتي منهما. ونطرح سؤالاً: هل كان الكاتب عبرّ عن نصحه في ذات الألفاظ (أطيعوا في كل شيء، حتى عبادة الاصنام) لو لم يكن والدو هؤلاء الأولاد من الجماعة المؤمنة؟ الجواب هو كلاّ. 
وطلب الرسول من الوالدين أن لا يغيظوا أولادهم. كانت القساوة معروفة في التربية (هيّئ له القضبان حزمًا حزمًا) ولاسيّما على مستوى الضرب. فعلى الوالدين أن يتفهّموا الأولاد ويعاملوهم بطريقة انسانيّة لكي يساعدوهم على النموّ، ويعطوهم فرح التعلّم والتقدّم في الحكمة. إن روح هذا التحريض هو ذاك الذي نقرأه في آ 12- 17.
ج- العبيد والأسياد (3: 22- 4: 1)
إذا قابلنا هذا الزوج الثالث (العبيد والأسياد) مع الزوجين السابقين بما فيهما من ايجاز، نلاحظ البواعث المختلفة بالنسبة إلى العبيد. نحن لا نرى العبيد وكأنهم يريدون أن يكونوا أحرارًا، أن يبدّلوا وضعهم الاجتماعيّ. هذا يعني أن الكاتب لا يطلب منهم أن يقرّوا بهذا الوضع الذي يتّعداهم. ما يُطلب منهم هو أن لا يسعوا إلى ارضاء أسياد بشر، أن لا يسعوا إلى "رضاهم" ممّا يفتح الباب أمام محاباة الوجوه، ويجعل الأسياد بعيدين عن العدالة والانصاف (4: 1). فالسيّد (كيريوس) الوحيد الذي يجب أن يرضوه هو ربّ السماء (رج 1: 10).
إذن، لا يردّ الكاتب على معارضة وضع بشريّ (العبوديّة) يناقض الحرّية التي أعلنها الانجيل، ويضع في وجهه عائقًا. بل عليه بالأحرى أن يسهر لكي يكون تصرّف العبيد صادقًا، لا يُدفعون إلى العمل برغبة التملّق وتقبّل رضى الناس. بل يتأسّس عملهم على واقع يقول: إن كان العبد لا يأمل أن يصير حرًا (إلوتاروس) في هذا العمل، فكرامته كمعمَّد تجعل منه ابنًا ووارثًا. ويمضي الباعث في آ 5، إلى أبعد من ذلك، لأنه يذكّرنا بأن الرب (المسيح) لا يحابي، لا يدين حسب تراتبيّة الأوضاع الاجتماعيّة: لا امتياز ولا واسطة. لا يهمُّ الوضعُ الاجتماعي، بل القلب والعمل الذي يتفجّر منه.

3- نظرة عامة
* وبعد تحريضات تتوجّه إلى الجميع، نصل إلى العائلة. فبدون انتقالة ظاهرة، يتوجّه بولس الآن إلى أعضاء العيلة المسيحيّة. يحرّض النساء "ليخضعن لأزواجهن"، وأن يقبلن بهذا الخضوع لا احترامًا للاصطلاحات البشريّة، بل في الطاعة للربّ. ولكن الطلب من المرأة أن تخضع لزوجها دون مقابل، يعني تسليمها إلى سلطة ما تعتّم أن تتحوّل إلى تسلّط. لهذا على الزوج واجبات تجاه امرأته.
عليه أن يحبّها (آ 19). يعني أن ينظر دومًا إلى خيرها، ويحاول أن يفهمها. فالمرارة (أو العنف) تجاهها وعدم احتمالها ومسامحتها، يعني أنه لا يحبّها ويجعل خضوعها الاراديّ الذي هو شكل من أشكال الحبّ، أمرًا صعبًا.
وطلب بولس من الأولاد خضوعًا تامًا لوالديهم. هذا هو التصرّف الذي يرضي الله، في عائلة تعيش تحت نظر الرب. ولكن يبقى على الوالدين أن يمارسوا سلطتهم في المحبّة. لهذا كان التنبيه إلى الآباء (آ 21) الذين يمتلكون السلطة. يجب أن لا تكون ظالمة لأنها دقيقة وتتوقّف عند التفاصيل، بحيث تجعل الولد ييأس (وبالتالي يفشل) حين تطلب منه المستحيل.
* وساعة عبّر النصّ عن واجبات النساء والأولاد، وواجبات الرجال والآباء بشكل موجز لا يتوقّف عند التناقضات، فقد عُرضت واجبات العبيد وبُرّرت بعناية خاصة (آ 22). لما طلب بولس من فيلمون العفو عن عبده الهارب أونسيمس (4: 9؛ فلم) تجنّب أن يعتبر نفسه رجلاً يأخذ جانب العبيد ويتسامح مع خيانتهم. لهذا فرض عليهم طاعة بدون تحفّظ لأسيادهم البشر دون الأخذ بعين الاعتبار ما يفرضه عليهم ضميرهم. فنظام العبوديّة لا جدال فيه، ولا هو موضوع تساؤل. ومع ذلك، فإن وضع العبيد المسيحيّين قد تبدّل تبدّلاً جذريًا، لأنهم لم يعودوا أمام أسياد بشر، بل أمام سيّد جديد هو الرب يسوع المسيح.
إن العبيد يخدمون بروح آخر (آ 23). لا غصبًا عنهم، بل بإرادتهم. كان العبيد يرغبون في خدمة أمينة ليراهم أسيادهم. وها إن الايمان جعل باعثًا آخر هو خشية الرب التي لا يفلت منها أحد والتي تطلب طاعة تامة. فالعمل الذي نقوم به لله لا للبشر، نعمله من كل قلوبنا. فلا يكون عمل سخرة لا أمل فيه. بل خدمة شريفة (آ 24) خاضعة لدينونة الرب الذي لا يدفع اجرًا خاصًا، بل يعطي ميراث الحياة الأبديّة.
ولكن خدمة هذا السيّد، هذا الرب، رهيبة. أن نكون عبيد الرب المسيح ليس بالأمر السهل (آ 25). فهو لا يرضى بالشرّ عند العبيد ولا عند الأحرار. فالخاطئ ينال العقاب الذي تستحقه خطيئته. فأمام الرب لا محاباة للوجوه، ولا تفضيل شخص على آخر (4: 1). ولكن العبيد ليسوا مسلّمين إلى نزوات أسيادهم الذين يعاملون الجميع "بالعدل والانصاف". ولكن كيف نعرف ما هو عدل تجاه أناس لا حقوق لهم أمام نواميس البشر؟ تبقى عدالة لا تحدّدها النواميس، بل استعداد القلب. يبقى الانصاف، المساواة "ايسوتيس". فالأسياد المسيحيون يعرفون ما يفرضه "الانصاف" منهم تجاه عبيدهم، لأن لهم "سيّدًا، ربًا"، يدين تصرّفهم ولا يقوم بتمييز على مستوى الأوضاع الاجتماعيّة: فأمامه لا سيّد ولا عبد.

خاتمة
بعد هذه التحريضات العامة (3: 1- 17)، جاءت سلسلة من الارشادات تتوجّه إلى مختلف الفئات التي يتألّف منها "البيت" في المعنى الواسع للكلمة: الزوجة والزوج. الأولاد والوالدون. العبيد والأسياد. سيكون هذا النص فاتحة نصوص عديدة في العهد الجديد (أف 5: 22؛ 6: 9؛ 1 تم 2: 8- 15؛ 6: 1- 2؛ تي 2: 1- 10؛ 1 بط 2: 13- 3: 7؛ 5: 1- 5) وعند آباء الكنيسة (اغناطيوس الانطاكي، بوليكربوس) للتحدّث عن الواجبات البيتيّة. قد يعود أصلها إلى العالم الهليني بشكل عام والرواقي بشكل خاص مع النصائح حول واجبات كل فئة في الجماعة. ولكننا نجدها بشكل خاص عند فيلون الاسكندراني حين فسّر الوصيّة الخامسة من وصايا الله.
الفصل الثاني عشر
النصائح الختاميّة والتحية الاخيرة
4: 2- 18

في هذا الفصل نتوقّف عند قطعتين: النصائح الختاميّة (4: 2- 6) ثم التحيّة الأخيرة (4: 7- 18).

1- النصائح الختاميّة (4: 2- 6)
أ- التأليف
قدّم الرسول نصائحه إلى أفراد الاسرة. فاستعاد نماذج من العالم القديم وطبعها بالطابع الانجيلي. لهذا، فهو يستطيع الآن أن يختتم تحريضاته، بل الرسالة كلها.
إن آ 2- 6 هي في الواقع نصائح ختاميّة، لأنها تستعيد المواضع الكبرى في الرسالة. وفي الوقت عينه تفتح المعمّدين على العالم، على الذين ليسوا من الكنيسة، على الذين يسميّهم الرسول "في الخارج". إقفال (آ 2- 4) وفتح (آ 5- 6). وهكذا تختتم هذه القطعة قسم التحريضات ومختلف المواضيع التي توسّعت فيها البراهين.
كيف نكتشف هذه الاستعادة؟ (1) بفضل الصلاة المتواصلة وفعل الشكر، وهذا ما يعود بنا إلى القسم التحريضي (ف 3). (2) بفضل الإشارة إلى القيود واعلان "السرّ" كصدى لما في 1: 24- 2: 5. (3) وعبارة "كما يجب عليّ أن انطق به" تلّمح إلى ضرورة تفرض على الرسول أن يبشّر بالمسيح بدون مساومة مع الضلال (تلميح إلى 2: 6- 23). هكذا على مستوى اقفال الموضوع (آ 2- 4). أما على مستوى الفتح (آ 5- 6) فهو فرض نفسه، لان الرسول يدعو قرّاءه لكي يكونوا في العالم: لا شيء يدفعهم إلى أن يخافوا أو يهربوا من الذين في الخارج. بل عليهم أن يمارسوا اللطف والتمييز. وهكذا تجد الأقسامُ الثلاثة (1: 24- 2: 5؛ 2: 6- 23؛ 3: 1- 4: 1) في الرسالة (مع البراهين التي قدّمت) خاتمةً قصيرة وإيجابية.
ب- التأويل
أولاً: واظبوا على الصلاة (آ 2)
يُدعى المؤمنون إلى المواظبة على الصلاة. هذا يعني أنهم يصلّون من قبل. وأن الصلاة مهمّة في حياتهم. وما يُطلب منهم الآن، هو أن لا يتركوا الصلاة، بل يتمسّكوا بها بقوّة، لانها أداة السهر (ساهرين، اسم الفاعل)، بمعنى أنها تتيح للمعمّد بأن لا ينسى الله الذي منه كل عطيّة.
صلاة (فعل) الشكر هي هذا الموضع الذي فيه تجد حياة المؤمن موضعها لأن بها وفيها تُذكر العطايا والعاطي من أجل فعل اعتراف ونشيد.
ثانيًا: صلّوا لأجلنا خصوصًا (آ 3- 4) 
إذا كانت الصلاة (بروسوخي) في آ 2 قد صارت فعل شكر، فهي تترافق هنا مع التشفّع (صلّوا من أجل فلان لكي). نذكر في هذا المجال تماسك لغة كو التي سارت في الخطّ عينه منذ سطورها الأولى: في 1: 3 وجدنا صلاة كلها فعل شكر من أجل ثمار الانجيل. وتواصلت هذه الصلاة في آ 9 بتشفّع لكي تصل هذه الثمار إلى كمالها. هنا، لم يعد على بولس أن يصلّي لأجل الكولسيين، بل عليهم هم أن يسيروا المسيرة عينها: ينتقلون من فعل الشكر إلى التشفّع (والتوسّل) من أجل الرسول. لا يطلب منهم بولس أن يصلّوا من أجل صحّته. فموضوع صلاة المؤمنين هو الجوهر، هو رسالته في خدمة الانجيل. "ليفتح لنا الله بابًا للكلمة".
إن صورة الباب المفتوح (بيد الله) التي استعملت مرتين في الرسائل الكبرى (1 كور 16: 9؛ 2 كور 2: 12؛ رج أع 14: 27؛ رؤ 3: 8)، تدلّ على أن حقل التبشير بالانجيل يرتبط، في نظر بولس، بالله وحده: ليس الرسول هو الذي يقرّر الأمكنة والأزمنة. ما هو إلاّ أداة إرادة الله التي تشاء أن ينتشر "السر" (مستيريون). لهذا، كان لصلاة المؤمنين دور تلعبه: فهم حين قبلوا انجيل السرّ (1: 26؛ 2: 2)، عرفوا الله ومقاصده من أجل البشريّة، وبركاته، وعرفوا أن طلبهم إلى الله سيكون انتشار هذا الانجيل. بل إن هذه الصلاة جوهريّة، لأنها تُدخل الرسول والمؤمنين في طرق الله الذي أراد أن يعرّف سرّه بواسطة بولس. ويبدو أن الله يتركه الآن بحيث لا يستطيع أن يحقّق هذا التبشير بسبب سجنه.
على المستوى النصوصيّ، نستطيع أن نقرأ نهاية آ 3 بطريقتين. إمّا كجملة مستقلة تبدأ مع "ديو" لذلك. وإمّا كجملة موصولية مع "دي هو" (الذي بسببه). نحن هنا أمام ثلاثة خيارات: "على الكولسيين أن يصلّوا لكي يفتح الله بابًا لكلمتنا، لكرازتنا" (1) "(كرازة من أجل) إعلان سرّ المسيح. بسببه (أي بسبب السرّ) أنا في القيود، لكي أبيّنه كما يجب عليّ أن أقوله": إن قيود بولس تشكّل قاطعة. ولكن الخاتمة التي تلي ترتبط بالجملة الغائية الأولى، أو ترتبط، شأنها شأن الجملة الغائية هذه، بصلاة الكولسيين. (2) "(كرازة من أجل) إعلان سرّ المسيح. فإليكم لماذا (ديو كاي) سُجنتُ: لكي أبيّنه كما يجب عليّ أن أقوله": كما في الحلّ السابق، تتوازى الجملة الغائيّة الثانية مع الجملة الغائية الأولى. ولا يتبدل سوى طريقة فهم "ديو" (لذلك) و"دي هو" (الذي بسببه). (3) "كرازة (لكي أعلن سرّ المسيح. فبسببه أنا في القيود لكي أبيّنه كما يجب أن أقوله": إن الغائيّة الأخيرة ترتبط بالجملة التي تتحدّث عن السجن الذي لم يعد عائقًا لنشر السرّ بل وسيلة ضروريّة لإعلانه الاعلان الوافي.
ماذا نختار؟ تبدو القراءة الأولى أقرب إلى السياق: ما يرغب فيه بولس، وما لأجله يجب على الكولسيّين أن يصلّوا، هو أن يُفتح باب لكرازته (أغلق الباب ظاهريًا حين وُضع في السجن)، لكي يستطيع أن يعرّف السرّ كما يجب عليه أن ينطق به.
ونجد صعوبات عديدة في آ 4. (1) يلاحظ الشرّاح أن بولس لا يقول في أي مكان آخر إنه "يكشف، يعلن (فنارون) السرّ" (هناك الانجيل، الكلمة، المسيح. والفعل: تكلّم، أنجل، كرز، بشّر). لا شكّ في ذلك. ولكننا في خطّ البرهان الذي بحسبه (1: 26) خفي السرُّ على جميع الدهور السابقة، وأعلن للمؤمنين. إن المجهول اللاهوتي في 1: 26 (أعلن، هل أعلنه الله؟) يجد مناديًا بشريًا به في 4: 4: بواسطة بولس، أراد الله حتى الآن أن يعلن السرّ، ولكي يستطيع أن يواصل إعلانه (في كل مكان وللجميع، رج 1: 27)، يجب على الكولسيين أن يصلّوا. (2) وزاد بولس: "كما ينبغي، يجب (داي) أن أتكلّم عنه". كما ينبغي أن أنطق به. هل يعني هذا فقط: "مع الكلمات التي تليق" بمثل هذا الموضوع؟ أما يلّمح هذا الرسول بالأحرى إلى قيوده (سيُعلن السرّ بهذه الوسيلة، إن شاء الله) في خطّ التفسير الثالث الذي ذُكر أعلاه؟ أو هل يلّمح إلى جميع الظروف التي يجب أن يخضع لها الرسول لكي يعلن الانجيل (رج 1 كور 9: 15- 23)؟ لا نستطيع أن نختار، بل نحافظ على ما في أسلوب الرسول من تلميح.
ثالثًا: انفتاح على "الذين في الخارج" (آ 5- 6)
أقفل الكاتب مواضيع الرسالة، وها هو يفتح المؤمنين على العالم الذي يعيشون فيه. ما هي علاقاتهم مع الوثنين الذي يقيمون معهم في ذات المدينة؟ لا يطلب منهم بولس أن يعتزلوا العالم ولا أن يهربوا من اللامسيحيين، بل أن يتصرّفوا "بحكمة" تجاههم: "أسلكوا بحكمة تجاه الذين في الخارج، عارفين أن تستغلّوا الظرف" (أو: الوقت الحاضر، المناسب، كايروس). فالحكمة التي يتكلّم عنها الرسول ليست فقط حنكة بشريّة في علاقاتنا مع الذين لا يقاسموننا أراءنا السياسيّة والدينيّة. بل هي نعمة نتقبّلها. هي نتيجة الحياة مع المسيح. نتيجة الملء الذي تقبلناه فيه "هو الذي فيه كل كنوز الحكمة" (2: 3): نتقبّل هذه النعمة لنعرف كيف نشهد لهذا الملء الذي نلناه.
كيف نفسّر الجملة الاسمفاعليّة "تون كايرون إكساغورازومانوي"؟ كدعوة لكي نستغلّ كل مناسبة تعرض لنا (في علاقاتنا مع الذين في الخارج)؟ أو في خطّ العالم الجلياني. كدعوة لاستغلال "الزمن الذي هو زمن النهايّة"، والزمن الملحّ حيث يجب أن لا يتأخّر شيء، حتّى العلاقة مع الذين "في الخارج"؟ هناك عدد كبير من الشرّاح يعتبر العبارة مقولبة (يستغلّ كل الظرف لكي). ولكن في هذه الحال يغيب ألـ التعريف (كايرون بدون تون). رج غل 6: 10. أما الذين يفسّرون العبارة على المستوى الاسكاتولوجيّ، فهم يستندون إلى أف 5: 16 حيث الألفاظ هي هي. وهكذا يمكننا أن نأخذ التفسير المعروف: استغلّوا كل ظرف. أو التفسير الاسكاتولوجيّ.
ويضيف الكاتب: "ليكن كلامكم (لوغوس) أيضًا على الدوام، مصلحًا بملح، لكي تعلموا كيف تجاوبون كل أحد كما ينبغي". نحن هنا أمام خاتمة عرفتها سائر الرسائل والأدب المعاصر.
ج- نظرة عامة
* توجّه بولس من جديد إلى جميع أعضاء الكنيسة ليوصيهم بالمواظبة على الصلاة (آ 2). فالملل يترقبّهم. أو لأن حرارة الصلاة تصبح فاترة. أو لأن الاستجابة تتأخّر. ومع ذلك، فبالصلاة وحدها يستطيعون أن يظلّوا ساهرين. وهي صلاة يبقى فعلُ الشكر شكلها الأول.
وطالب بولس بمكانة له في هذه الصلاة، كحامل الانجيل (آ 3): فالكولسيون يسألون الله بأن يفتح له باب الكلمة. أي يعطيه إمكانيّة ممارسة رسالته. فالكلمة تقدّم هنا كما في 1: 25- 26؛ 2: 2- 3، كـ "سرّ المسيح". وبولس السجين (آ 4) ينتظر من الله الامكانيّة بأن يعرّف به كما يجب.
* ويعود بولس إلى الكولسيين داعيًا إياهم لكي يسلكوا بحكمة مع الذين في الخارج (آ 5)، ولكي يستغلوا المناسبة بالنظر إلى زمن النهاية. فالمؤمنون هم على اتصال دائم مع اللامؤمنين من يهود ووثنيّين، أكانت استعداداتهم طيّبة أم لا. فعليهم أن يدلّوا على حكمتهم، وأن يعرفوا استغلال الوقت المناسب للشهادة للمسيح والتعريف به.
وليتكلّموا دومًا بلطف، ويتجنّبوا كل ما من شأنه أن يصدم الآخرين بدون فائدة. وليتلفّظوا بكلمات "مصلحة بالملح"، أي بعيدة عن كل تفاهة، كلمات تأتي في محلّها، بحيث يسمعها الناس بفرح داخليّ.

2- التحيّة الأخيرة (4: 7- 18)
نتوقّف أولاً عند الممثّلين العاملين (آ 7- 9). عند سلامات مشاركيه في العمل (آ 10- 14). عند سلاماته الخاصة (آ 15- 18) مع التوقيع.
أ- الممثلون العاملون (آ 7- 9)
ونبدأ مع إرسال تيخكس وأونسيمس. ويبدو النصّ بشكل دائري:
أ: آ 17 أ: "أما عن أحوالي كلها فسيخبركم تيخيكس
ب: آ 7 ب: "الأخ الحبيب، والمساعد الأمين، ورفيقي في الخدمة
ج: آ 8: أرسلته لكي تعلموا... ولكي يعزّيكم
ب ب: آ 19 أ: مع أونسيمس، الأخ الأمين والحبيب
أ أ: آ 9 ب: هما يخبرانكم بجميع ما وقع هنا".
لا حديث عن بولس، بل عن معاونيه اللذين سينقلان بشكل شفهي الأخبار التي تخصّ بولس. تجاه هذا، نجد حديثًا عن صفاتهما وامكانياتهما.
ذُكر تيخيكس في أف 6: 21- 22 لأنه قد يكون حمل الرسالتين معًا، والرسائل الرعائيّة تجعل منه رسول بولس (2 تم 4: 12؛ تي 3: 12). وحسب أع 20: 4، هو مع تروفيمس المذكور أيضًا في 2 تم 4: 20. كان تيخيكس هذا من مقاطعة آسية بعاصمتها أفسس. وقد رافق بولس من ترواس إلى أورشليم. هذا يعني أنه كان معروفًا في جماعات آسية كمعاون أمين للرسول، كشخص حاز ثقته لينقل الأحبار والتوجيهات، ليقرأ الرسالة التي يحملها ويشرحها.
هو "الأخ" (أدلفوس). وهكذا نكون على مستوى الأخوّة في الايمان. هو الحبيب (اغابيتوس) وهذا ما يدلّ على عاطفة الرسول تجاهه. والخادم الذي يحمل مسؤوليّة، شأنه شأن الرسول. الأمين (بستوس) الذي هو أهل للثقة، والذي ظلّ ثابتًا فلم يتبدّل. وخادم مشارك (سيندولوس، عبد مع). جعله الرسول على قدم المساوة في هذه الخدمة التي يقوم بها كعبد يسوع المسيح. كل هذا يدلّ على صفات تيخيكس على كل المستويات لدى قرّاء الرسالة.
على تيخيكس وأونسيمس أن ينقلاً الرسالة. وعليهما أيضًا أن يحملاً أخبار الرسول. ما أراد بولس أن يتكلّم عن وضعه الذي لا مخرج منه، لئلاّ يضع الاضطراب في جماعات آسية: ماذا سيصير بنا. لهذا كانت تعزية الكنائس أفضل الكلمات: "يطلعكم على أحوالنا ويعزّي قلوبكم".
ب- سلامات من معاوني بولس (10- 14)
بعد أن وصف بولس حاملَي الرسالة، واصل كلامه في سلسلة سلامات: من معاونيه ثم منه هو. إن السلامات من معاونيه هي بالأحرى جملة مدائح: هي لا تتكلّم عن القرّاء (الذين معي يسلّمون على هذا الأخ أو ذاك) بقدر ما تتكلّم عن المعاونين لتصف عملهم في خدمة الكنائس.
هذه الوحدة الأدبيّة الصغيرة (آ 10- 14) تقسم بدورها إلى ثلاث وحدات، بحسب أصل المعاونين. وكل وحدة تبدأ بفعل "سلّم" (اسبازاتاي) في صيغة الغائب الحاضر.
* في آ 10- 11: أرسترخس (فلم 24؛ أع 19: 29؛ 20: 4). هو رفيق بولس في الأسر. أما في فلم فابفراس هو رفيق الأسر. مرقس لا يعرفه الكولسيون. لهذا احتاج إلى رسالة توصية لكي يستقبلوه. هو نسيب برنابا الذي يعرفه الكولسيون، بل جميع المعمّدين (رج غل 2؛ 1 كور 9: 6؛ أع 4: 36؛ 9: 27؛ 11: 22؛ 11: 30؛ 12: 25؛ 13: 1، 2، 7، 43، 46، 50؛ 15: 2، 12، 22، 25، 35، 36، 37، 39. يُذكر مرقس بدون برنابا في فلم 24؛ 2 تم 4: 11). ويسوع المسمّى يوستوس أي البار. لا يرد هذا الاسم في أي موضع آخر من العهد الجديد. هؤلاء الثلاثة هم من أصل يهوديّ. وقد استفاد بولس من الظرف ليدلّ على أمانتهم. فنادرون هم اليهود المعمّدون الذين عاونوا بولس باستمرار في تبشير الوثنيين، بحيث ما استطاع أن يذكر سوى ثلاثة أسماء. هذه اللائحة القصيرة تعطينا فكرة عن الصعوبات التي لاقاها بولس حتّى لدى مسيحيّين من أصل يهوديّ.
* في آ 12- 13 يُذكر ابفراس. أصله من كولسي. صفته: عبد للمسيح يسوع، على مثال بولس في فل 1: 1. في بداية الرسالة (1: 17)، امتدحه الكاتب وأشار إلى دوره في التبشير بالانجيل وفي التعليم. أما الآن، فهو يتحدّث عن صلاة التوسل التي يرفعها من أجل الذين في كنيسته. وهكذا يدلّ الكاتب بشكل ضمنيّ على المستوى الروحي لابفراس: ففي التقليد اليهوديّ والمسيحيّ، كان الجميع يعرفون أن صلاة الأبرار قديرة على قلب الله (تك 18: ابراهيم؛ خر 32: موسى؛ وص رأوبين 1: 7، يعقوب لرأوبين... 2 مك 15: 14). وهكذا تلتقي صلاة ابفراس مع صلاة بولس في 1: 9 لكي يعرف المؤمنون في كولسي كل المعرفة مشيئة الله، ولكي يوافقوا عليها كل الموافقة.
* في آ 14، لوقا وديماس. لا يُذكر أصلهما لأنهما معروفان لدى القرّاء. يقال عن لوقا إنه "اغابيتوس" أي محبوب، ويقال إنه طبيب. وهكذا، ذكر بولس عمل كل واحد، فدلّ على تواصل بين الأجيال، بين ما فعله بولس ثم ما فعله معاونوه الذين يُطلب منهم أن يسهروا على "حقيقة الانجيل".
ج- سلامات من بولس نفسه (آ 15- 18)
إن السلامات الشخصيّة التى يرسلها بولس إلى كنائس المنطقة، تعطينا معلومات عن الجماعات المحليّة، وعن الطريقة التي بها كانت تنتشر الكتابات الرسوليّة.
إن آ 15 أ (سلّموا على الإخوة الذين في لاودكية) تفترض أن كنيسة كولسي كانت على علاقة مع كنيسة لاودكية، فترسل الواحدة أخبارها إلى الأخرى، إن لم يكن بشكل منتظم فأقله بشكل متقطّع.
في آ 15 ب، هناك من يرى في الشخص المذكور رجلاً (نمفاس)، وهناك من يرى فيه امرأة (نمفا). قد تكون نمفا أرملة غنية. امتلكت بيتًا واسعًا بحيث تلتئم فيه الجماعة المحليّة للاحتفال بعشاء الرب وسائر الأعياد الليتورجيّة. وسواء كان الشخص ذكرًا أو أنثى، فالاجتماع الذي يتمّ عنده لا يفترض أن ربّ البيت هو "رئيس" الكنيسة. هو شخص له تأثيره وامكانيّاته لكي يجمع الكنيسة أو جزءًا من الكنيسة في داره.
وتعلّمنا آ 16 بالطريقة التي كانت تُقرأ فيها رسائل بولس، وتنتقل من كنيسة إلى كنيسة. أن تقرأ الرسالة التي أرسلت إلى كولسي في لاودكية، والعكس بالعكس، يثبت ما قلناه على أن بولس لا يتوقّف عند ظروف محدّدة في مكان معيّن، بل يوسّع أفق كلامه لينطبق على كنائس أخرى. إن لم يقل بولس شيئًا عن طريقة القراءة، فلأنها كانت معروفة: قراءة علنيّة أو تلاوة جمهورية: يجتمع المؤمنون حول الذي حمل الرسالة (هنا تيخيكس وأونسيمس) وقد يكون شارك في تدوينها بشكل مباشر أو غير مباشر.
"الخدمة" (دياكونيا) التي تسلّمها أرخبّس والتي يجب أن يسهر لكي يقوم بها (17)، ليست محدّدة. والسبب هو ما قلناه قبل ذلك: لا يريد بولس أن يشدّد على نوعيّة الخدمة التي تسلّمها أرخبس. لا يهمّ أن تكون هذه الخدمة جوهريّة في حياة الكنيسة أو متواضعة. المهمّ العناية التي بها تتمّ هذه الخدمة، شأنها شأن سائر الخدم في الكنيسة.
ونقرأ في آ 18: "سلامي بيدي أنا بولس". رج 1 كور 16: 21. هل أراد بولس أن يؤكّد على صحّة المقال؟ ولكن لائحة السلامات التي تسبق (آ 10- 17) تجعلنا في خط 1 كور 16: 21. فالسلام الأخير في 1 كور لا يتوخّى أن يدلّ على صحّة الرسالة، بل أن يُعطي عاطفة محبّة بعد رسالة قاسية في بعض أقسامها. أما في كو حيث اللهجة تجاه القرّاء ظلّت حارّة، فهذا "التوقيع" يدلّ على رغبة في حضور شخصي ومحبّ (لجماعة لم تره أبدًا). وفي فلم 9، لعب التوقيع وظيفة أخرى: الاعتراف بدين من بولس إلى فيلمون، لا التأكيد على صدق الرسالة.
"أذكروا قيودي". هل يريد بولس الرسول أن يدلّ على أن سجنه هو نتيجة حبّه وجهاده من أجلهم؟ أو هل يطلب منهم أن لا ينسوا جهاده وأن يؤدّوا الشكر عن كل ما تسلّموه بواسطته؟ أو هل يقول لهم بأن يثبتوا في الايمان كما ثبت هو؟ لا نستبعد واحدة من هذه الفرضيات الثلاث. ولكن قرب التوقيع (أنا بولس أفكّر فيكم) من الطلب (لا تنسوا بولس السجين من أجلكم)، يُبرز صورةَ بولس الحاضر دائمًا وإن كان غائبًا. صورة موت مقبل أو قد يكون حصل.
"النعمة معكم". أقصر عبارة ختاميّة في المجموعة البولسيّة. هنا نتذكّر جواب الله على توسّلات الرسول: "تكفيك نعمتي" (2 كور 12: 9). فماذا يستطيع الرسول أن يتمنّى أفضل من ذلك لجماعة تعيش مواهب الروح لكي تشهد لها؟
د- نظرة عامة (4: 7- 18)
* أعلن بولس للكولسيين أنه يرسل تيخيكس ويحمّله جميع الأخبار التي تعنيه. هو أخ ارتبط به بأوثق الرباطات، فكان جديرًا بكل ثقة (آ 7). ويشدّد بولس على هدف رسالة تيخيكس (آ 8): أن يُعلم الكولسيين بأحواله، ويشجّعهم لكي يثبتوا في الايمان (2: 2). فتيخيكس حامل الرسالة، يرافقه أونسيمس المسمّى هو أيضًا الأخ الأمين الحبيب (آ 9)، لكي تستقبل الكنيسة أفضل استقبال هذا العبد الذي كان في كولسي والذي فرّ من خدمة سيّده فيلمون. لا يضيف بولس شيئًا على ذلك، تاركًا لفيلمون (الذي كتب له رسالة خاصة) الاهتمام بعودة العبد إلى البيت وإلى الجماعة.
* في آ 10، نقل بولس أولاً إلى التسالونيكيّين سلامات بعض الإخوة الذين يقيمون في محيطه. ارسترخس، رفيق السلاح، بل رفيق السجن لهذا القائد المنتصر الذي هو يسوع المسيح. ومرقس، نسيب برنابا، يحيّي كنيسة كولسي، وقد تسلّم رسالة توصية من بولس لكي تستقبله الجماعة. ويُذكر في آ 11 يسوع (يوستوس). ثلاثة من اليهود الذين صاروا مسيحيّين وعاونوا بولس في الكرازة بالانجيل، "في أمر ملكوت الله". هذا ما يدلّ على شجاعتهم تجاه بغض اليهود لبولس وقد لاحقوه من مكان إلى مكان.
* وبعد سلام الإخوة الثلاثة الغريبين عن كنيسة كولسي، ينقل بولس سلام ابفراس الذي هو واحد منهم. إنه عبد يسوع المسيح. وهو في غيابه ما زال يعمل من أجل الكنيسة البعيدة بالصلاة التي لها يتكرّس بكل قواه، كمقاتل في الحرب (آ 12). وهدفه أن يراها كاملة تامة في كل ما يريده الله منها ولها. ويشهد بولس شخصيًا لاهتمام ابفراس بالإخوة الذين في كولسي، كما في لاودكية وهيرابوليس. ويأتي سلام لوقا وديماس (آ 14). وبعد أن نقل بولس سلامات مشاركيه، ها هو يطلب من الكولسيين أن يسلّموا على الإخوة الذين في لاودكية (آ 15)، وأن ينقلوا إليهم هذه الرسالة. وهكذا تظهر العلاقة المتينة بين الكنيستين. وذكر الرسول ارخبّس وخدمته التي تدلّ على كل خدمة في الكنيسة.
وتنتهي الرسالة بالتوقيع كما في 1 كور 16: 21؛ غل 6: 11؛ 2 تس 3: 17. إن بولس هو في القيود، فهل يزيد الكولسيون على قيوده قيودًا بسبب الهموم التي يحمّلونه إياها. أم يثلجون صدره وهو بعيد في سجنه برومة. من أجل هذا يقول لهم: "النعمة معكم". هي نعمة ربنا يسوع المسيح. هي المحبّة المجانيّة التي بها تتصالح الكنيسة مع ربّها فيكون بولس من بعيد شاهدًا لهذه المصالحة، ومتعزيًا في هذه النعمة لا من أجل كنيسة كولسي وحسب، بل كنيسة لاودكية وهيرابوليس، بل أفسس عاصمة آسية كلها.

خاتمة
جاءت هذه الأخبار قريبة ممّا نقرأ في الرسالة إلى فيلمون، فحدّثتنا عن وضع بولس والذين يحيطون به. كما بيّنت لنا التقارب بين كو وفلم. وعادت الرسالة إلى الصلاة كما بدأت. وانتهت فحدّثتنا عن العلاقات بين الكنائس المختلفة (كولسي، لاودكية، هيرابوليس) داخل الكنيسة الواحدة التي أحبّها المسيح وضحّى بذاته من أجلها.
خاتمة الرسالة إلى كولسي

رسالة تدلّ على الخبرة المسيحيّة، وهذه هي أصالتها. لا شكّ في أن هناك مواضيع جديدة لا نجدها في سائر الرسائل البولسيّة، لا شكّ في أن الهرطقة تدقّ على باب كنيسة كولسي. ولكن ما يهمّ القارئ بشكل مباشر ليس "الفلسفة". بل إن العودة إلى المسيح، منذ بداية الرسالة حتى الارشادات، وفي كل المحطات، هي موضوع تأمّلنا وتساؤلنا.
كان السؤال الأول حول استعمال كلمة "سرّ" (مستيريون) للدلالة على الانجيل (1: 24؛ 2: 5) مع التشديد على الظروف الزمانيّة والمكانيّة لكشفه، على مضمونه الكرستولوجيّ، على الأشخاص الذين وُجّه إليهم.
والسؤال الثاني يشير إلى تطور المقولات السوتيريولوجيّة (على مستوى الخلاص) والاسكاتولوجيّة (على مستوى النهاية): لقد مات (في الماضي) المعمَّدون. ولكنهم قاموا أيضًا مع المسيح منذ الآن. وهم منذ الآن قد نالوا كل ملء. فوضعُ المؤمنين ليس وضع النقص والانعدام، بل وضع الحياة في المسيح ومع المسيح. من هنا، ومن هنا فقط تأتي كرامتهم. ونقول الشيء عينه على المستوى الاكليزيولوجيّ (على مستوى الكنيسة): لماذا يعبّر عن هذه الوحدة الفريدة بين المؤمنين وربّهم بلفظتي الجسد والرأس؟
ويشدّد جسم كو على السرّ، مستيريون: أي إن المسيح وصل إلى الأمم ولبث لديهم لكي يمنحهم كنوز حكمته (1: 28). إن الطبيعة الكرستولوجيّة للسر، تتوافق مع تشديد الرسول على الكرستولوجيا. وتقدّم لنا كو مركّبات السرّ: هو من أجل الأمم، من أجل الوثنيين. أعطي لهم هم الذين دُعوا إلى الكرامة وإلى الملء المقدّم لمن ينال المعموديّة. والسرّ هو المسيح ينبوع الملء، لكل معمّد، ملء يجعل كل بحث عن رؤى أو ايحاءات (بالمشاركة في العبادة السماويّة) باطلاً وعديمَ الفائدة. وهو المسيح الذي به يصل تصرّف المؤمنين الخلقيّ إلى كماله.
وهكذا نصل إلى أولويّة المسيح وملء المسيح اللَذين يعطيان للمعمّدين: فما عليهم بعد أن يبحثوا عن وحي خارجي، ولا أن يُخطفوا إلى مقام سماويّ لينالوا أسرارًا تتيح لهم بأن يعرفوا المستقبل وينالوا الخلاص. ولا يحتاجون أيضًا إلى قوى سماويّة تفتح لهم السماء وتفسّر لهم إرادة الله وأسراره: فالمعمّدون قد انضموا إلى المسيح في قيامته، في حياته. فماذا يطلبون بعد ذلك؟
ولكن هذه "السيطرة" الكرستولوجيّة قد تطرح علينا أسئلة: أين هو مكان الروح القدس في الكنيسة وفي العالم؟ ثم حين نحدّد الكنيسة فقط بالنسبة إلى المسيح (الكنيسة هي جسد المسيح)، أما ننسى علاقتها بالله (هي شعب الله) وعلاقتها بالروح القدس (هيكل الروح)؟ أما ننسى علاقتها بالعالم؟ هنا نجيب أن كو لا تقدّم التعليم اللاهوتيّ كله، بل وجهة محدّدة تردّ على ضلال عرفته كنيسة كولسي. وهي إذ تشدّد على الكرستولوجيا، تهتّم فقط بتثبيت جذريّة وساطة المسيح التي لا وساطة غيرها.
ويبقى سؤال أخير: لماذا لا تُذكر في كو وساطة الملائكة، على أنها تهديد لوساطة المسيح وبالتالي للملء الذي يُعطى للمعمّدين؟ في الواقع، ما تواجهه كو ليس وساطة الملائكة، بل علاقة سيادتهم ووضعهم بيسوع المسيح الذي تشدّد الرسالة على وساطته في الخلق وأولويته. إذا كانت كو 1: 16 (رج 2: 10، 15؛ رج 1: 13: سلطة الظلمة) تسمّي الكائنات السماويّة باسم وظيفتهم والسلطة التي يمثّلون (عروش، سيادات...)، فليس هذا من قبيل الصدف. فلا يمكن أن يكونوا مزاحمين للابن. فرغم كمالهم ووضعهم ككائنات غير منظورة، لا يشاركون في خلق الكون. فهم قد خُلقوا في الابن، وبالابن، وللابن.
الفصل الأول
مدخل إلى الرسالة

1- مضمون الرسالة وتصميمها
* العنوان والتحيّة (آ 1- 3). كتب بولس وتيموتاوس (كو 1: 1) إلى فيلمون "الحبيب والمعاون" للرسول. إلى أبفية التي هي مسيحيّة. إلى أرخبّس "رفيق السلاح". وإلى كل الكنيسة التي تجتمع في بيت فيلمون. جُعل أرخبّس مع فيلمون. يبدو أنه ابن فيلمون. وأبفية هي زوجته. وهكذا نفهم وجود صيغة المخاطب المفرد في آ 2.
* فعل الشكر (آ 4- 7). يرفع بولس الشكر من أجل الحب والايمان لدى فيلمون الذي أعان "القديسين" أكثر من مرّة.
* على فيلمون السيّد أن يغفر لعبده أونسيمس (آ 8- 17). فبولس هو شيخ وهو سجين. يحضّ فيلمون أن يغفر لأونسيمس الذي فرّ من العبوديّة، وأن يستقبله في بيته. فأونسيمس هذا قد صار مسيحيًا: التقى ببولس وكانا معه في السجن. إذن، عاد إلى كولسي كأخ حبيب (آ 16).
* دين متبادل (آ 17- 20). لينقل فيلمون على حساب بولس الدين الذي على أونسيمس. ولكن ليتذكّر أيضًا أنه مدين لبولس بنفسه، مدين له بارتداده إلى المسيحيّة.
* أمل بولس (آ 21- 22). يأمل بولس الكثير من فيلمون الذي سيفعل أكثر ممّا يطلب منه بولس. كما يأمل الرسول أن يُفرَج عنه بعد قليل بحيث يستطيع أن يذهب إلى كولسي.
* السلامات الأخيرة والبركة (آ 23- 25). تذكّر فلم ذات الاشخاص الذين ذكرتهم كو 4: 12- 14.

2- طابع الرسالة
هي تحفة أدبيّة تنبع من القلب وتدلّ على رهافة شعور الرسول الذي كتبها كلها بيده. عالج فيها الرسول بشكل جديد ومضيء قضيّة دقيقة حصلت بين سيّد مسيحي وعبده الذي صار مسيحيًا. هي رسالة خاصّة، شخصيّة. تتوجّه إلى فيلمون. وهي أيضًا رسالة عامّة، جماعيّة. لأنها تضمّ إلى فيلمون الكنيسة التي تجتمع في بيته. وهكذا أراد بولس أن يبيّن أن مثل هذه القضايا هي قضايا كنسية، لا قضايا خاصة فقط. هي قضايا جماعيّة، لا قضايا شخصيّة وحسب.
في أي ظرف كُتبت فلم؟ فرّ أونسيمس، عبد فيليمون، من بيت سيّده. والتقى ببولس. وارتد على يده إلى المسيحيّة، وذلك ساعة كان الرسول في السجن. هل سمع في كولسي بما عمله بولس، فذهب إليه؟ إذا كان الامر هكذا، نفهم الحرّية التي بها استقبل الرسول هذا العبد الفارّ. لقد لعب تجاهه دور "اللجوء". هذا ما يبدو معقولاً.
أما ما هو أكيد (رج كو 4: 9)، فإن علاقات من الصداقة القديمة وُجدت بين بولس وأونسيمس. فأونسيمس هذا عاد إلى كولسي حاملاً كو وفلم. قال الرسول لفيلمون: "استقبله كما تستقبلني أنا". وزاد عبارة "تجارة": "إذا كنت شريكًا لك" (آ 17). فيلمون هو عضو امتاز بالسخاء في كنيسة كولسي (آ 5- 7). ردّه بولس إلى الايمان (آ 19) فارتبط به ارتباطًا (آ 1). إن بولس يأمل منه أن يستقبل أونسيمس، لا كعبد، بل كأخ حبيب. بعد ذلك، يستطيع فيلمون أن يردّ أونسيمس إلى بولس لكي يكون شريكه في العمل الرسولي.
متى أرسلت فلم؟ ساعة أرسلت كو (كو 4: 7- 9)، والرسالتان حملهما أونسيمس. من كتب فلم؟ ليس هناك أي شك بأن بولس هو الذي كتب هذه الرسالة التي تنطلق من قلبه لتتوجّه إلى قلب فيلمون من أجل أونسيمس الذي هو ولده وأحشاؤه.
الفصل الثاني
العنوان والتحيّة
آ 1- 3

إن عنوان الرسالة مع قصره، يكشف ظروفًا وصفات خاصة. يقدّم الكاتب أولاً كاتبي الرسالة (بولس وتيموتاوس). ثم الذين أرسلت إليهم الرسالة: فيلمون، ابفية، ارخبّس. وينتهي هذا الفصل بالبركة التي هي "نعمة وسلام". هذا البناء المثلّث يوافق كل الموافقة ما نجد في بداية روم، 1 و2 كور، غل، أف، التي تجد ذروتها في مباركة ذات طابع ليتورجيّ. ومهما تكن السمات الشخصيّة الحميمة في فلم، فهي تبدو بشكل رسالة "رسوليّة". لا يلجأ بولس هنا إلى لقب رسول في ارتباطه بجماعة وبالانجيل الذي يؤسّس هذه الجماعة.
هذه الجماعة (اكليسيا) مؤلّفة من أشخاص محدّدين، يسميّهم باسمهم (أش 43: 1؛ يو 10: 3). وهكذا نجد خمسة أسماء علم، يضاف إليهم اسم يسوع المسيح والله الآب. منذ البداية ندخل في قلب الرسالة بالأشخاص والاسماء والتبادلات في العلائق وداخل الجماعة. إذن، هي رسالة تستند إلى نسيج من الوقائع البشريّة المتداخلة (حياة في كنيسة) لتحييها وتقوّيها. وهي تتسجّل في إطار جماعيّ من خيرات نتقاسمها (ضمير المتكلّم الجمع، حبيبنا نحن) وأخوّة نعيشها ومحبّة (أغابي، رج حبيبنا في آ 1).
هذه العلائق الجماعية "الافقيّة"، تسجل في الواقع البشريّ عموديّةَ علاقة أولى تولّدها وتحييها، هي علاقة عطيّة الله في يسوع المسيح، عطيّة "النعمة والسلام". لهذا، فكل الواقع الكنسي والجماعيّ الذي أشير إليه بإيجاز في آ 1- 2 يتأسّس (ويحيط به كما الاطار) على ذكر المسيح يسوع مرتين، فيكشف أبوّة الله ورحمته. لهذا تتّحد المحبّة والاخوّة في عمل مشترك (سينارغوس). في جهاد مشترك (سستراتيوتيس). هو البشارة بالانجيل.

1- من بولس أسير المسيح (آ 1 أ ب)
قدّم بولس نفسه بخلاف ما تعوّد أن يفعل. لم يقدّم نفسه كـ "رسول" بل كـ "سجين المسيح يسوع". لهذا حاولت المخطوطات أن تصحّح، فقال البازي مثلا: "رسول" (روم 1: 1؛ 2 كو 1: 1...). وقال غيره: "عبد" (روم 1: 1؛ غل 1: 1). وزاد البازي لفظة "أخ" على اسم فيلمون، وسمّى التقليد المشترك ابفية "الحبيبة". قال بولس "سجين" فدلّ على وضع تاريخيّ خاص، كما توخَّى نيّة خاصة.
إن لفظة "سجين" (داسميوس) أو "أسير" هي عند بولس خاصّة برسالتنا (آ 1- 9) وبالرسالة إلى أفسس (3: 1؛ 4: 1). وهي تترافق مع لفظة "قيود" التي نجدها في الرسالة إلى فيلبي (1: 7، 13، 14، 17؛ رج فلم 10، 13) ولا نعود نجدها في المجموعة البولسيّة إلاّ في كو 4: 18؛ 2 تم 2: 9. وهكذا نستطيع أن نتكلّم عن قرابة بين مختلف هذه الكتابات.
بولس هو سجين، لأن كرازته (هو سجين "المسيح يسوع"، سجين "بسببه") حرّكت القلاقل والمقاومة. وحياته هي في خطر (غل 1: 13- 21). كان باستطاعته أن يحسّن وضعه، بل أن ينجو من السجن لو أعلن أنه مواطن رومانيّ. ولكنه رفض بادئ ذي بدء، لأنّه ظنّ أن ساعته جاءت ليشهد للصليب حتى الاستشهاد. ولكن برزت ظروف لاحقة جعلته يغيّر رأيه (هذا ما نجده في غل وفي فلم 22).
شدّد بولس ثلاث مرّات (آ 9، 10، 13) على أنه سجين، فما كان لتشديده فقط هدف تاريخيّ. هذا التشديد "لوّن" طلب بولس بلون خاص. فهذا الذي يطلب طلبًا من فيلمون ليس حرًا. وهو لا يلجأ إلى سلطته كرسول، بل يقدّم نفسه على أنه سجين يلتمس خدمة. لا شكّ في أن هذا السجين ليس سجينًا كأيّ انسان آخر: هو يعيش تحت سلطة "يسوع المسيح"، ويسوع هذا هو الرب، ربّ الرسول وربّ مراسليه، بل ربّ الكون كله وبُناه بما فيها البنى الاجتماعيّة (غل 2: 9 ي) كما يقول الإيمان المشترك.
بالإضافة إلى ذلك، بولس هو انسان حُرم من أيّة إمكانيّة تصرّف. ومُنع من أن يحمل لانجيل بسبب الانجيل. وفي هذا الضعف الخاص، ستنكشف قوّة الانجيل (وهي قوّة تدعو ما هو غير كائن كأنه كائن) مرّة أخرى. إن اتّحاد ضعف الرسول بقدرة يسوع المسيح (رج 2 كور 12: 9)، يدلّ منذ الكلمات الأولى على المحور الرئيسيّ في الخطبة.
وانضمّ تيموتاوس إلى بولس كما في 2 كور 1: 1؛ غل 1: 1؛ كو 1: 1. وهذا ما يبرز أيضًا القرابة بين هذه الكتابات. يقدَّم تيموتاوس هنا على أنه "الأخ" (أي أخ في الإيمان. نجد اللفظة 133 مرّة في المجموعة البولسيّة). أصله من لسترة في ليكونية. هناك جنّده بولس خلال الرحلة الرسوليّة الثانية (أع 16: 1) فصار في الفريق الذي عمل في فيلبي (أع 16: 12 ي). ولكن دوره كان هامًا في كورنتوس (أع 18: 5؛ 1 كور 4: 7؛ 16: 10- 11؛ 2 كور 1: 1؛ روم 16: 21). كلّفه بولس، من سجنه في أفسس، بمهمّة في فيلبي (فل 2: 19- 24؛ أع 19: 21)، فقال فيه: "ليس لي نظيره للاهتمام بشؤونكم بنيّة خالصة: فإن الجميع يلتمسون ما هو لأنفسهم، لا ما هو للمسيح يسوع. أما هو، على ما تعلمون، فرجل مختبر، قد خدم معي في الانجيل خدمة الولد مع أبيه" (رج 1 تس 3: 2- 6).
ذُكر تيموتاوس هنا، مع أن الرسالة كُتبت بيد بولس، لتعكس أهميّة حضوره الفاعل بجانب الرسول. كما تعكس الطابع الجماعي والكنسي الذي به يطبع بولس كلامه. ونتذكّر هنا أن الرب طلب من حاملي الانجيل أن يمضوا اثنين اثنين (مرّ 6: 7؛ لو 10: 1، يحملون السلام؛ رج مت 10: 12- 13= لو 10: 5، رج فلم 3) لأسباب ماديّة واضحة. ولأن العالم اليهودي يفرض وجود شاهدين (عد 35: 30؛ تث 17: 6؛ 19: 15) لتصحّ الشهادة.

2- إلى فيلمون حبيبنا (آ 1 ج- 2)
أُرسلت الرسالة إلى ثلاثة أشخاص. ويضاف إليهم "كنسية بيتك": هناك رجلان يوصفان بذات الصفة. واحد هو "عامل معنا" (آ 2 أ) والآخر "جنديّ معنا". وامرأة هي "أخت".
فيلمون أي المحبوب، اسم دارج في ذلك الوقت. هو الشخص الرئيسي الذي وُجّهت إليه الرسالة، وسيّد العبد أونسيمس الذي سوف نتحدّث عنه. هو "أغابيتوس" أي الحبيب (روم 16: 5، 8، 9، 12، كل مسيحي حبيب الله) وسيحدّثه بولس عن "المحبّة" (أغابي)، محبته هو (رج آ 5، 7، 9، 16). أما لفظة "معاون، شريك" فتدلّ دومًا عند بولس (روم 16: 3، 21؛ 1 كور 3: 3، 2 كور 1: 24؛ 8: 23؛ غل 2: 25؛ 4: 3؛ كو 4: 11؛ فلم 24) على أشخاص شاركوه في عمله الرسوليّ. قد لا يكون هذا وضع فيلمون، أقلّه بشكل مباشر. غير أن آ 19 ي تدلّ على أنه كان لبولس دور قريب أو بعيد في ارتداده، بحيث اعتبر الرسول تأسيس "كنيسة في بيته" متابعة عمل مشترك. وقد تستبق هذه الصفة التي أعطاها الرسول لفيلمون، ما سوف نقرأ في آ 13 ي: ليشارك فيلمون في عمل التبشير البولسي فيعيد إلى بولس اونسيمس الذي صار مفيدًا جدًا. ولكن ما يجب أن نحتفظ به هو التلميح إلى الانجيل الذي هو "تعب" تتكوّن فيه الصداقة والأخوّة. وينكشف هذا الانجيل أيضًا على أنه "قاعدة" تميّز تصرّف هذا وذاك.
أبفية هي زوجة فيلمون. أو قريبة له. وقد تكون إحدى المسؤولات في كنيسة كولسي. هذا الاسم لم يكن نادرًا حتى في كولسي حيث وُجدت مدوّنة على أحد القبور: "هرماس إلى أبفية امرأته ". سُمّيت "الأخت" مثل فيبة الشماسة في روم 16: 1. هي أيضًا مسيحيّة. وكسيدة بيت سيكون لها دور هام في قبول أونسيمس أو رفضه. نلاحظ هنا بطريقة عابرة الدور الذي لعبته النساء في حمل الانجيل، ولاسيّما في الرسالة البولسيّة (فل 4: 2؛ 1 كور 16: 19؛ كو 4: 15). تيموتاوس هو "الأخ" (ادلفوس). وأبفية هي "الأخت" (أدلفي).
لا يمكن مع التقليد أن نعتبر أرخبس ابن فيلمون وأبفية. وإلاّ لقال بولس: "بيتكم" لا "بيتك". سيظهر هذا الاسم في كو 4: 17، ويطلب منه "السهر على الخدمة (دياكونيا) التي تسلّمها في الرب لكي يتّمها". هو "رفيق السلاح" (سستراتيوتيس)، وهذا ما يقابل "معاون" (قيل في فيلمون). نلاحظ القرابة بين اللفظتين أيضًا في فل 2: 25، وهما تدلاّن على ابفروديتس. لا ترد لفظة "رفيق السلاح" إلاّ في هاتين المرتين عند بولس. أما موضوع "جهاد الانجيل" فعزيز على قلبه (1 كور 9: 24، 27؛ فل 2: 16؛ 3: 12 ي؛ غل 2: 2؛ 1 تس 5: 8).
وأخيرًا، يوجّه بولس كلامه إلى "كنيسة بيتك". لا نجد هذه العبارة في العهد الجديد إلاّ عند بولس: في الحديث عن أكيلا وبرسكلة (مرة في كورنتوس، 1 كور 16: 19. ومرّة في رومة، أو أفسس، روم 16: 5)، وهنا في الحديث عن فيلمون وفي كو 4: 15 مع تحية لنمفا (أو: نمفاس) وهي مسيحيّة من لاودكية (رج روم 16: 14- 15، 23؛ 1 كور 16: 15). إن وجود مثل هذه الجماعات التي تلتئم في بيت هو في الواقع كنيسة، أمر معروف في العهد الجديد: في المنظار الذي رسمه يسوع حين أرسل تلاميذه (لو 10: 1- 11 وز)؛ أورشليم (لو 24: 36؛ يو 20: 19، 26؛ أع 2: 46؛ 5: 42؛ 8: 3؛ 12: 12)؛ فيلبي (أع 16: 15، 32)؛ ترواس (أع 20: 8)؛ كورنتوس وأفسس (أع 18: 7؛ 20: 20).
نحن نفهم هذه اللفظة حيث "البيت" (الذي هو في الوقت عينه بناء وأقرباء في المعنى الواسع) يشكل الخلية الأساسية في المجتمع، ويؤمن إمكانية اجتماع لجماعة تتكوّن، وما كانت تستطيع أن تلتئم لولا ذلك البيت. مثل هذا "البيت" يتضمّن العبيد. هل يعني أن جميع العبيد الذين في بيت سيّد تعمّد، كانوا معمّدين؟ هذا ليس بأكيد، وأونسيمس هو غير معمّد، إلاّ إذا كان أونسيمس أتى إلى بيت فيلمون بعد أن تعمّد كل "بيت" فيلمون.
إن وجود مثل هذه الكنائس البيتيّة قد أثّر على بعض وجهات الخلقيّات البولسيّة، كما أثّر على التنظيم الكنسيّ حيث ارتبطت حياة البيت وحياة الكنيسة ارتباطًا وثيقًا. هذا لا يعني أن هذه "البيوت"، كوّنت جوهر الاكليزيولوجيا البولسيّة في خطّ ما يُسمّى اليوم "الجماعات الأساسيّة" التي تتألف من بضعة أشخاص فقط. فالكنيسة عند بولس تتضمّن بُعدًا مسكونيًا، شاملاً. هي "كنيسة الله" (1 كور 1: 2؛ 2 كور 1: 1؛ 1 كور 10: 32؛ 11: 22؛ 15: 9). وهي ترتبط بكنيسة أورشليم التي هي نقطة انطلاق الانجيل. هذا ما تدلّ عليه اللمّة التي نظّمت في الكنائس البولسيّة من أجل "فقراء أورشليم". ولكن مع ذلك، يبقى أن كنائس البيت لعبت دورًا أساسيًا في نشر المسيحيّة الأولى وتجذّرها الاجتماعيّ، فشكّلت محطات متقدّمة من أجل نموّ الانجيل.
إن التطوّر التاريخيّ الذي نجده بشكل خاص في الرسائل الرعائيّة، يدلّ على بعض الخطر عندما تعيش هذه الكنائس البيوت في "إناء مغلق" (كالمياه الآسنة). ولكن التجذّر المحليّ يتيح للانجيل أن يدخل عميقًا في نسيج اجتماعيّ فيحوّله تحويلاً جذريًا، وفلم هي أفضل شهادة على ذلك: ففي قلب كنيسة البيت، يحوّل الانجيلُ العلاقات الاجتماعيّة والتراتبيّة في "هذا العالم" (رج غل 3: 27- 28؛ 1 كور 1: 26 ي؛ 12: 12- 13). لم يعد السيّد وحده وجهًا لوجه مع عبد مخطئ. فالعلاقات تحملها جماعة الإخوة والأخوات، المؤسّسة على النعمة والسلام من "الله أبينا والربّ يسوع المسيح".

3- نعمة لكم وسلام (31)
إن المباركة التي تختتم عنوان الرسالة، نجدها في كل رسائل بولس. طابعها طابع ليتورجيّ. وهذا ما يدلّ على أن الرسالة كانت تُقرأ في "الكنيسة"، خلال الليتورجيا.
"النعمة" (خاريس) و"السلام" (ايريني) هما مزيج بين تحيّتين معروفتين في ذلك الزمان. التحيّة اليونانية: أفرح، فرح لك (خايري). والتحيّة العبرية: سلام (ش ل و م). في النظام المسيحيّ، النعمة هي الأولى دائمًا وهي تؤسّس كلَّ عمل بشريّ. وهي تجرّ وراءها الملء والهدوء والسلام. ملء هذا السلام الذي يحمله إعلان الانجيل إلى البيوت التي فيها يُكرز به (1 يو 10: 5- 6؛ يو 20: 19 ي). لهذا، بما أن فيلمون نال مجّانًا، فهو مدعوّ لأن يعطي مجّانًا. ومن هذه العطايا تلد حياة من السلام والملء والبرّ (رج روم 5: 1 ي).
ليست النعمة والسلام كلمتين فارغتين. بل بُنيتا بالنظر إلى. من هو ينبوعهما: الله الآب والرب يسوع المسيح. وهكذا يُصاغ في الاعتراف الليتورجي سرّ الثالوث الأقدس، الذي يعلمنا بأحداث تمّت في يسوع المسيح وفي كنيسته، وارتبطت بالله. فهذا الاله هو، في يسوع المسيح، أب. هو أبونا. هو عطاء يسند كل كائن بشريّ وكل عمل. لهذا، فالعلاقات داخل الجماعة التي تعترف بهذه الأبوّة، لا يمكن إلاّ أن تكون أخويّة، تستمدّ قوّتها من أبوّة الله ونعمته. وهي تسجَّل أيضًا في ظلّ الرب. يسوع المسيح الذي صُلب وقام وهو يملك منذ الآن لا في كنيسته وحسب، بل في العالم، ويدعونا لأن نعيش في النعمة والسلام، في الحرّية والبرّ (روم 6: 15- 23). فهو سلامنا، وهو برنّا.
الفصل الثالث
فعل الشكر

والآن يتوجّه بولس بشكل مباشر إلى فيلمون (أنا، أنت) في هذه الآيات الأربع، ويفعل مراعيًا الظرف الذي يعيشه. يبدأ بفعل شكر طويل، يشكّل مع العنوان ثلث الرسالة تقريبًا، "ويدل" على الظروف التي دُوّنت فيها الرسالة. أما وظيفة فعل الشكر فهي أن تركّز الرسالة، وتدلّ على أننا أمام قضيّة مهمّة يعالجها بولس كما يعالج أية مسألة لاهوتيّة كبيرة على ضوء الانجيل وفي الاطار الجماعيّ للحياة في المسيح. غير أنه يهيّئ، بحسب بلاغة دقيقة وعلم نفسي رفيع، الطلب الذي يلي. فحين امتدح الرسول ايمان فيلمون ومحبّته، دعاه إلى أن يصير أكثر ممّا هو الأن تجاه أونسيمس. هو مسيحيّ، فليكن مسيحيًا أفضل.
وقدّم الرسول حين دخل في توسيعه المواضيع الرئيسية للرسالة، ومن خلالها لكل حياة مسيحيّة: الايمان (بستيس، آ 5- 6). المحبّة (أغابي، آ 5، 7، 16). هما يتجذّران في المسيح يسوع (آ 5، 6) ويمتّدان إلى "جميع القديسين" (آ 5- 7). "فالايمان يعمل بالمحبّة" (غل 5: 6) ويولّد الاتحاد كما يولّد الجماعة (آ 6 كوينونيا؛ رج آ 17). وتمتدّ هده النواة الأساسيّة للحياة المسيحيّة في صلاة (آ 4: 22) وتعزية وتحريض (آ 7، 9، 10، 20) وطلب للخير (آ 6- 14) يصل إلى أعماق "القلب" (آ 7- 20).
ويتوزّع الكلام في جملتين: الأولى (آ 4- 6) تقف في إطار فعل الشكر والصلاة (آ 4). والثانية في إطار الفرح والتعزية (آ 7). وكلتاهما تجدان ذروتهما في النداء الموجّه إلى فيلمون الذي هو "أخ": هو أخ لأنه مسيحيّ (آ 1، 2). هو "أخ" الرسول (آ 7، 20). وبعد قليل "أخ" أونسيمس (آ 16).
وقبل أن نبدأ بالتفسير، نقدّم دراسة نصوصيّة. في آ 5، هناك من جعل الايمان قبل المحبّة فقال: "عليه من إيمان ومحبّة". في آ 6، هناك من جعل "العمل الصالح" يحلّ محلّ "الخير" (رج كو 1: 10). وضمير المتكلّم (الخير الذي فينا) صار ضمير المخاطب (الخير الذي فيكم). وهناك من يزيد "يسوع" فيصبح النصّ "لأجل المسيح يسوع". وفي آ 7 هناك من جعل "خاريس" (النعمة، الاقرار بالجميل) محل "خارا" الفرح. كما جعلوا صيغة الجمع (أصبنا فرحًا) محل المفرد: أصبتُ فرحًا.

1- أشكر إلهي على الدوام (آ 4)
يبدأ بولس دومًا رسائله بفعل الشكر، فيدلّ بذلك على أنه مهما كانت المشاكل التي يواجهها، فهو لا يستطيع أن يقف إن لم يتجذّر في الله، إن لم يذكر (منايا، روم 1: 9؛ 1 تس 1: 21؛ غل 1: 3؛ أف 1: 16) كل ما فعل الله في الماضي. وهذا ما يقود إلى الشكر والمديح، لا إلى القلق والمرارة. لهذا استعاد الرسول عبارة من المزامير استعملت في روم 1: 8 وغل 1: 3، فتوجّه إلى الله يشكره (اوخارستو)، ليصلّي إليه (بروسوخو) ويذكر اسم فيلمون.
نشير هنا إلى أن "بروسوخي" تدلّ على أنواع الصلاة. و"منايا" هي الذكر الشخصيّ. ذكر اسم شخص من الاشخاص بشفاهنا في الصلاة. هكذا كان يفعل اليونان حين يأتون إلى الهيكل: يذكرون اسم الاهل والاصدقاء بشفاههم.

2- سمعت عن محبتك (آ 5)
حين يذكر بولس اسم فيلمون، يذكر ما سمعه عن محبّته وايمانه. موضوع الايمان هو "الرب يسوع". والمحبّة تتوجّه إلى "جميع القديسين" (رج كو 1: 4- 5). هناك من ترجم "بستيس" الأمانة، حيث الحبّ والامانة يعنيان الرب يسوع والقديسين معًا. قد يستعمل بولس "بستيس" في هذا المعنى حين يتكلّم عن أمانة الله (روم 3: 3) أو أمانة المسيحيين في علاقاتهم مع الغير (غل 5: 22). ولكنّه لا يستعمل أبدًا هذه اللفظة حين يتحدّث عن أمانة المسيحيين للرب يسوع.
فالايمان هو المعطى الأساسي، والواقع الذي لا جدال فيه في ما يخصّ فيلمون المسيحيّ. ولكن ما يريد الرسول أن يحرّكه لدى فيلمون هو المحبّة (أغابي، رج آ 7، 9، 16) التي هي "عمل الايمان" (غل 5: 6) والتي يجب عليه أن يمارسها أيضًا حين يستقبل أونسيمس. لهذا أبرز الرسول لفظة "اغابي" فأوردها قبل "بستيس" (الايمان). فمحبّة فيلمون المؤمن أمر معروف جدًا، وهي تصل إلى الجميع (بنتاس). إذن لن يكره فيلمون طبيعته (الجديدة. صارت كذلك بالعماد) لكي يتقبّل العبد الذي خطئ حين ترك بيت سيّده. فالمحبّة لا تعرف الحدود (1 كور 13: 2 ي) بين عبد وسيّد، وهي تصل إلى القديسين ولا تميّز بينهم.

3- اشتراكك في الايمان (آ 6)
إن آ 6 تكتفي بأن توضح ما قيل في آ 5. فالايمان الذي هو أيضًا شركة (كوينونيا) يجب أن يصبح فاعلاً (انرغيس) ويكشف أشكال الخير (اغاتوس) الذي تجسّده. وهكذا يقدّم الرسول في شكل من الاشكال تحديدًا للخلقيّة المسيحيّة.
هذه الخلقيّة هي قبل كل شيء نتيجة صلاة. "هوبوس"، لكي. هذا هو موضوع الصلاة. أصلّي لكي (آ 4). رج غل 1: 9، كو 1: 9. ثم هي تتجذّر في "شركة الايمان". هل نفهم هذه العبارة الغريبة في معنى "اتحاد (شركة) بالمسيح بالايمان" (رج 1 كور 1: 9؛ 1 تس 4: 17)؟ أو "شركة مع جميع المسيحيين يخلقها الايمان" (روم 15: 27)؟ أو "نقل ايمانك" (إلى الآخرين ومنهم أونسيمس)؟ أو هل يجب أن نرى هنا تلميحًا إلى عمل ملموس من الاتحاد (والشركة) يقوم بفعل ايمان ينتهي بتحرير أونسيمس (روم 15: 26؛ 2 كور 9: 13؛ غل 1: 5)؟ أو حين نفهم الايمان عظمة وضعية، هل نفهم العبارة "مشاركة في الايمان"، وهذا الايمان يولّد بشكل خاص الاتحاد والجماعة؟
في الواقع، هناك نقطتان تلفتان الانتباه، فتشددّان على الطابع الملموس والمتجسّد والاجتماعي للشركة (كوينونيا). الأولى تشير إلى أن هذه اللفظة دلّت على مجمل العلاقات الاجتماعيّة والاقتصاديّة التي تُشرف على البيت. والثانية تنطلق من أن "كوينونيا" تنتمي (في العهد الجديد) بشكل حصريّ إلى الرسائل. لا توجد هذه اللفظة في الاناجيل. ولا نجدها سوى ثلاث مرّات في السبعينيّة. ولكنّنا نجدها 18 مرة في الرسائل. منها 13 مرّة في الرسائل البولسيّة. أما الفعل "كوينوناين" فلا نجده في الاناجيل. بل في الرسائل (8 مرات) وعند مار بولس (5 مرات). والصفة "كوينونوس" نجدها مرتين في الأناجيل. 8 مرات في الرسائل، وخمس مرات عند مار بولس.
في الرسائل البولسيّة هناك مفهومان خاصان للفظة "كوينونيا". من جهة العشاء السري "هو شركة في جسد المسيح ودمه". وهذا ما يفرض قطع كل علاقة مع الاصنام، قطع الشركة مع الأصنام (1 كور 10؛ 16، 4 مرات؛ رج أع 2: 42). ومن جهة ثانية، اللمّة التي تدلّ على التضامن تجاه "فقراء" أورشليم تسمّى أيضًا "شركة" (رج روم 15: 26- 27؛ 2 كور 8: 4؛ 9: 13 وروم 12: 13؛ غل 6: 6؛ فل 4: 15؛ 2 كور 8: 23). وهكذا تبرز الوجهة "الكنسيّة" في "كوينوينا" (رج غل 2: 9)، وهي تستند إلى حياة الروح (2 كور 13: 13؛ فل 2: 1)، وآلام المسيح (فل 3: 10؛ رج 2 كور 1: 7)، والانجيل (فل 1: 5) والايمان (فلم 6)، فتجتذب الجميع إلى حياة جماعيّة جديدة تتسجّل في الوقت عينه في واقع الساعة الاجتماعي والاقتصاديّ (تتجسّد)، وتنتقد هذا الواقع وتبتعد عنه. إن "شركة الايمان" تبدأ جدليّة عبارة "في العالم وفي الرب" التي ستكون ذروة طلب بولس بالنسبة إلى أونسيمس (آ 16) والتي ستتبعها إشارة أخرى إلى "التضامن" (كوينونوس) في آ 17.
لا يمكن أن تبقى المشاركة في الايمان مجرّد تعلّق عقليّ أو عاطفيّ. بل عليها أن تتفتّح في أعمال المحبّة التي تنتجها. عليها أن تكون "فعّالة". وما هو مفيد من وجهة الفكر الخلقيّ، هو أن هذه الفاعليّة تفترض تفكيرًا ومعرفة (ابيغنوسيس). والخير الذي يجب أن يحقّق ليس "مقوننًا" في شريعة أو عادة قديمة. بل يجب أن نكتشفه دومًا من جديد في ظروف الحياة المتنوّعة، على ضوء عمل الله الفدائيّ في يسوع المسيح (رج روم 12: 1، 2). وهذا التمييز يجنّد الانسان كله بدءًا بامكانيّات التفكير عنده. نحن هنا قريبون جدًا من فل 1: 9: "وصلاتي إليه أن تكون محبّتكم على نموّ صاعد في المعرفة والإدراك التام". إن لفظة "ابيغنوسيس" لا تعني فقط معرفة صوفيّة أو نظريّة، بل معرفة إرادة الله معرفة عمليّة وملموسة (كو 1: 9)، والطاعة المطلوبة من هذه المعرفة.
وهذا البحث له وجهته. فهو ينطبق "على كل الخير الذي فينا للمسيح". هذا يعني أن المعيار الأخير للعمل المسيحيّ هو المسيح والشهادة التي يجب أن نؤدّيها له (رج روم 16: 5؛ 2 كور 1: 21؛ 11: 3). إن حرف الجرّ "إيس" (للمسيح) يدلّ على الاندفاع، على الديناميّة التي تحمل العمل المسيحيّ والمنظار الاسكاتولوجيّ الذي يتسجّل فيه هذا العمل. فالمقابلة مع 1 كور 1: 7 وفل 1: 6 تبيّن أنه حصل لبولس أن يذكر في بداية رسائله "يوم المسيح". هكذا نجد إشارة خفيّة إلى العنصر الثالث الأساسيّ في الحياة المسيحيّة، الذي يقف في 1 تس 1: 8؛ 1 كور 13: 13 بجانب الايمان والمحبّة. عنيت به الرجاء.
وهكذا يقود اندفاع الرجاء إلى تمييز "كل خير فينا". هذا يعني أننا لسنا أمام بحث نظريّ يطلب أن يقوم بعمل على سبيل الفرضيّة، بل أمام اكتشاف (نستعيده دومًا ونستفيد منه) لما سبق وأعطي لنا، لهذا "الخير الذي فينا في المسيح". أي لكل ما أعطي لنا فرديًا وجماعيًا بواسطة الانجيل، والذي يتفتّح في أشكال من الايمان ومحبّة تتجسّد في الواقع وتتجدّد على الدوام. هكذا نفهم "الخير" (اغاتون)، الذي هو لفظة استعملها بولس 47 مرّة بشكل صفة و21 مرة في روم (2: 10؛ 3: 8؛ 12: 2؛ 13: 3...) ولكنه لم يحدّد معناها. هذا "الخير" ليس نتاج تحديد دقيق أو وحي شريعانيّ، بل متطلّبة تجنِّد كل حياتنا وتطلقها في بحث يتأصّل في عطيّة الله (فينا)، ويجد غايته في وحي في يسوع المسيح. هذه المتطلّبة (ليست أمرًا يُفرض علينا من الخارج) هي ما يتيح لفيلمون أن يكتشف طريق موقف صحيح تجاه أونسيمس (آ 10).

4- أصبتُ فرحًا جزيلاً (آ 7)
ويقول الرسول مرّة الثانية ثقته بمحاوره (فيلمون)، الذي تمنحه محبّته (التي ذكرها في آ 5، وأعطي لها أن تتجلّى) "فرحًا جزيلاً" و"عزاء". (باراكليسيس رج 2 كور 7: 4، 13؛ فلم 9، 10). ويلمّح أيضًا إلى حدث معيّن يشير إليه القسم الثاني من الآية ويدلّ على إراحة فيلمون لقلب القديسين. لا نعرف ما هو هذا الحدث. ولكن تذكّره والتعبير عنه، يهيّئان الطلب الذي يلي. فأونسيمس هو أيضًا قد صار "قديسًا" الآن. ولهذا فهو سيستفيد من محبّة فيلمون. بل هو صار "قلب" أو "أحشاء" (سبلنخنا) بولس نفسه (الاحشاء هي مركز العواطف في الانسان. تتكرّر اللفظة ثلاث مرات في آ 7، 12، 20. فكأن بولس أم ستلد أونسيمس لحياة جديدة). وهكذا يستطيع بولس أن يقول: "أجل، أيها الأخ، أتوسّل إليك في الرب، أثلج صدري (أحشائي) في المسيح" (آ 20). بهذه الطريقة يجد فعلُ الشكر ذروته في هذه التسمية التي أعطيت لفيلمون والتي كانت بداية الطلب: أيها الأخ.
الفصل الرابع
اونسيمس ابني
آ 8- 12

ووصل بولس الآن إلى قلب موضوعه في ثلاث "موجات" متعاقبة تراعي جانب فيلمون وبالتالي تؤمّن نجاح الطلب، وهو: استقبال أونسيمس أفضل استقبال. في مرحلة أولى، وفي أسلوب إيقاعيّ جميل، يتخلّى الرسول عن صفته كآمر، فيقدّم طلبه متضرّعًا (باراكالو، آ 9 أ؟ 10 أ). هو شيخ (برسبيتيس، آ 9 ب). وهو سجين (دسميوس، آ 9 ج). نحن هنا أمام أسلوب يتوخّى تحريك عواطف فيلمون. بل نحن أمام دعوة للمشاركة في سرّ الانجيل، الذي هو كشف للقوّة في عمق الضعف. وهذا السرّ قد بيّن فاعليّته في ارتداد أونسيمس، وهو سيفعل أيضًا حين يلتقي العبد مع سيّده.
لهذا يأتي ثقل الخطاب حول أونسيمس الذي أُظهر له حنانٌ ومحبّة كبيران في كلمات قليلة. فأونسيمس هو هذا الابن (آ 10) الذي ولده الرسول. هو لحم من لحمه (آ 10 أ). قبل أن يسمّي بولس أونسيمس باسمه، يغمره بعطف البنوّة التي تربطه به (آ 10 أ). وفي النهاية يذكر اسم العبد المتّهم لدى فيلمون والذي يستحقّ اللعنة بعد أن فرّ من بيت سيّده. تبدّل كليًا بما فعله الانجيل فيه، فصار نافغًا بعد أن كان غير نافع.
وقبل الشرح نقدّم ملاحظات نصوصيّة. في آ 9 هناك من اقترح "برسبوتيس" (سفير) بدل "برسبيتيس" (شيخ). في آ 10 نقرأ في الاسكندراني: "أنا هو الذي ولدته" (زاد "إغو" أنا). وفي غيره يزيد الضمير (مو، أنا): "في قيودي" (لا في القيود كما نقرأ في النصّ المنشور). في آ 11، لا نرى في بعض المخطوطات الإفادة المتبادلة من أونسيمس وتجاه بولس وتجاه فيلمون (سقط حرف العطف الواو). وفي آ 12 هناك تقليد نصوصيّ يزيد: "وأنت من جهتك تقبّله". من زاد هذه العبارة لم يرد أن ينتظر آ 17 ليجد تعبيرًا عن طلب بولس.

1- لا آمرك (آ 8)
"لهذا" (ديو) تُقدّم الفاعل بشكل خاص وتستند بشكل إجمالي إلى الاستعدادات الطيبّة لدى فيلمون كما ذُكرت في آ 4- 7، وإلى "محبّته" (آ 5، 7، 9) بشكل خاص. هذا المنظار يستبعد فرضًا يأتي من سلطة وأمرًا (إبيتاساين) من كبير إلى صغير. ويبقى الطلب والتضرّع "بسبب الحبّ". "بفضل الحبّ". هذا التخلّي عن السلطة ليس سيكولوجيًا وحسب. إنه يتماسك مع مجمل الرسالة: كان النظام القديم (الذي لم يُلغَ كليًا) يستند إلى التراتبيّة (من السيّد إلى العبد، من الرسول إلى المؤمن). أما النظام الجديد، نظام الانجيل، فيقيم علاقات تبادل وأخوّة. بعد هذا، كيف يستطيع بولس أن "يفرض" نفسه، أن يلجأ إلى حقوق، إلى سلطة وإن كانت شرعيّة؟ وعلى فيلمون أن يتخلّى عن ممارسة حقوقه وسلطته (الشرعيّة هي أيضًا) تجاه أونسيمس. لو ظللنا على مستوى التراتبيّة لكنّا غير منطقيّين مع الانجيل حيث الكل إخوة (مت 23: 8). ولكن الرسول يكرز بالمثل، فيدلّ محاورَه على الينبوع الذي يستقي منه. وهو يسوع. كما يدلّ على نتيجة التخلّي عن السلطة التي تنفتح على طلب الحبّ (آ 9 أ).
هذه السلطة (باريسيا، دالّة) هي الحقّ بأن يقول الانسان كل شيء "بان" في اليونانيّة: كل. ثم "ريسيا" في اليونانيّة: (كلام). هي حقّ أساسيّ في الديموقراطيّة القديمة، وهي ترتبط بـ "الحقيقة" (اليتايا) و"الحرّية" (الوتاريا). يستعمل بولس اللفظة ليتحدّث عن حرّية الكلام التي نالها من الانجيل (2 كور 3: 12؛ 7: 4؛ غل 1: 20؛ رج أف 3: 12؛ 6: 9؛ كو 2: 15؛ 1 تم 3: 13)
سلطة فيلمون هي سلطة المالك بالنسبة إلى أونسيمس. ولكنّه على المستوى الروحيّ (في المسيح) لدى الرسول الذي تعطيه وظيفته سلطة "بأن يأمر بالواجب" (بما يجب على المؤمن أن يفعله). إن لفظة "أنيكون" تحمل رنّة قانونيّة وسياسيّة، وهي تستعمل لدي الرواقيّين. لا تظهر إلاّ هنا وفي أف 5: 1؛ كو 3: 18 (واجبات البيت). هي تقابل تحديد "الخير" (اغاتون) الذي أعلن في المسيح (آ 6) وتجسّد في أوضاع ملموسة. قد يكون الرسول نال بعض الامتيازات في تحديد هذا "الخير". وهذا ما تدلّ عليه الارشادات الخلقيّة التي نجدها عادة في القسم الثاني من رسائله: غير أننا نلاحظ أنه لا يستعمل أبدًا لفظة "أمر" (إبيتاساين)، فيفضّل برهن أو أقنع. هنا نتذكر 1 كور 7. حين يعطي بولس "أمرًا" (إبيتاغي) فهو يعطيه من قبل الله (آ 25؛ روم 16: 26). أما هو فيقدّم مشورة. يعطي رأيًا (آ 17). ولكن هذا لا يستبعد بعض السلطة كما في 1 كور 11: 24؛ 16: 1؛ رج روم 10: 20؛ 16: 19؛ 2 كور 10: 20.

2- بل أتضرّع إليك (آ 9)
إن بولس يتضرّع (باراكالو) بمحبة، عبر (ديا) المحبّة (أغابي). ليست اللهجة لهجة العبد أمام سيّده. لأن فعل "باراكالوا" يعني أيضًا الحزم والارادة.
ولكن ما يوازي هذا النصّ نجده في 1 تس 2: 11- 12 حيث ذكر بولس الرباطات التي توحّده بقرّائه بحرارة الأمم ووداعتها (آ 7 ي). ثم قال: "تعلمون أيضًا كيف كنا لكل واحد منكم كالأب لأولاده، نعظكم ونشجعكم ونناشدكم لكي تسلكوا على ما يليق بالله الذي يدعوكم إلى ملكوته ومجده".
ذاك الذي يتضرّع ويحضّ، لا يستند إلى وظيفة تسلَّمها، بل إلى اسمه الخاص: بولس (آ 19). وهكذا يتّخذ مكانته في سلسلة الاشخاص المعنيين بشكل مباشر بمسألة الرسالة (آ 1- 3، 23 ي). وهذه المكانة تبدو قريبة من أونسيمس الذي سيُذكر اسمه بعد قليل (آ 10 ب، 11) كشخص مساو له، كشخص يحميه. كأني ببولس ترك فيلمون السيّد ووقف بجانب العبد على مثال يسوع الذي ترك سمعان الفرّيسي ووقف بجانب الخاطئة (لو 7: 36- 51).
بولس "شيخ". لا "سفير يسوع المسيح" كما اقترح البعض. مرمى النصّ واضح: يربط الشيخوخة بالسجن (آ 9، فيزيد ضعفًا على ضعف) وبالولادة (آ 10- 12). الرسول سجين (آ 1). يعني، لا يستطيع أن يفعك شيئًا. وصارت خدمة البشر عنده "عقيمة"! ومع ذلك ها قد جاء أونسيمس الذي لا نفع منه (آ 11). ومجيئه كشف خصبًا ممكنًا في وضع بشري بدا وكأن لا مخرج منه. وهذا اللقاء بين "المفيد واللامفيد" (يشدّد على ذلك تكرار "نيني دي كاي" وفوق ذلك الآن بالنسبة إلى بولس في آ 9، وبالنسبة إلى أونيسمس في آ 11) هو علامة عن حضور الانجيل ومولّد الايمان.
ووجه إبراهيم، أبي المؤمنين (روم 4: 1 ي)، الذي بدا ضعيفًا في شيخوخته، يقول فيه بولس: "لم يضعف في إيمانه حين نظر إلى جسده (كان له نحو مئة سنة) ولا إلى مستودع سارة الذي مات. لم يشككّ قط في وعد الله، بل تقوّى بالايمان ممجّدًا الله ومتيقنًا أن الله قادر أن ينجز ما وعد به" (روم 4: 19- 21).
ونشير بشكل عابر إلى أننا لا نستطيع أن نرتكز على لفظة "برسبيتيس" لنحسب عمر بولس حين كتب هذه الرسالة. فحسب هيبوكراتيس المزعوم، "برسبيتيس" هو الذي يقف بين الرجل البالغ (أنير) والعجوز (غاون). ولكن مراجع أخرى تقول إن "برسبيتيس" هو شخص قارب السبعين.

3- استعطفك لأجل ولدي (آ 10)
ويستعيد بولس الآن صورة الولادة الروحيّة (الاحشاء) ويوضحها. ويشدّد على طابعها الخارق بتلميح جديد "إلى القيود". لقد ولد بولسُ ولدًا. أنجب ولدًا. هو أحشاؤه. وهي عزيزة على قلب الرسول الذي يقدّم نفسه كأب وأم للمسيحيين الذين ولدهم (غاناوو 1 كور 4: 15؛ اودينو، غل 4: 19؛ رج 4: 27) بكرازة الانجيل (1 كور 4: 15؛ 1 تس 2: 9 ي)، والذين يحاول أن "يربيّهم" بالحنان والارشاد والمثل، وبعض المرّات بالتوبيخ. كل هذه السمات التي نقرأها في 1 كور 4: 14 ي؛ غل 4: 12- 20؛ 1 تس 2: 7- 12 هي في خلفيّة هذه الآية التي تتحدّث وحدها عن ولادة شخص (لا جماعة) (رج 2 كور 6: 12- 13؛ غل 2: 22؛ 1 تم 1: 2- 18؛ 2 تم 1: 2؛ 2: 1؛ تي 1: 4). ونضيف وجه ابراهيم، أبي المؤمنين، الذي اختبر حياة الايمان بالانجاب وهو "في شيخوخته".
لهذا لا يُذكر اسم "المولود"، إلاّ في نهاية الجملة: أونيسمس. هذا الاسم هو اسم عدد كبير من العبيد ومعناه: "ما هو مفيد". يُذكر في كو 4: 9. ويشير أغناطيوس الانطاكي، في بداية القرن الثاني، إلى أسقف أفسس الذي كان اسمه أونيسمس (إلى الافسسيين 1: 3).

4- كان لانافعًا فصار نافعًا (آ 11- 12)
الاسم في العالم القديم هو الشخص. وهكذا فالارتداد إلى المسيحية كان يقود إلى تبديل الاسم: سمعان صار بطرس. شاول صار بولس. أو إلى ابراز شخصيّة الفرد الحقيقيّة. وهذا ما يبيّنه الرسول هنا. فأونيسمس بارتداده قد استعاد معنى دعوته الحقيقيّة. كان عبدًا رديئًا في الماضي، حين هرب، فصار "لامفيدًا" (اخريستوس) مع أن اسمه "مفيد" (أونسيمس). في المسيح صار الآن "مفيدًا جدًا" (اوخريستوس) حسب دعوة اسمه (رج "بتروس" بطرس الذي صار "بترا" صخرًا عليه تُبنى الكنيسة، مت 16: 18). وهكذا يؤمّن الانجيل خروج "خليقة جديدة" (2 كور 5: 17؛ غل 5: 6؛ 6: 14 ي) تؤمّن الدخول إلى الكرامة الجوهريّة لكل انسان، مع ايراد الاسم واستعادة معنى الاسم. ذكر الرسول الماضي بلا فائدته، فوصل إلى الحاضر وإلى المستقبل اللذين افترقا عن الماضي افتراقًا جذريًا.
هذا الحاضر وهذا المستقبل يتوجّهان الآن إلى بولس (لي) وفيلمون (لك). فلم يعد فيلمون معزولاً في موقفه كالسيّد، بل دخل في مغامرة جعلته على قدم المساواة مع الرسول نفسه. والفائدة التي يحصل عليها من أونسيمس تقوم بخدم حقيقية قام بها بعد ارتداده (آ 13). وتقوم في أنه بيّن لبولس ما يستطيع الانجيل أن يفعل في وضع صعب. وقد رجا بولس أن يختبر فيلمون هذه الخبرة، حين يصل بواسطة أونسيمس، إلى إمكانيّات حياة جديدة.
لهذا ردّ إليه بولس أونيسمس (آ 12)، لا توافقًا مع الشريعة الرومانيّة، ولا تباعدًا عن الشريعة اليهوديّة، بل لكي يستطيع الانجيل أن يحمل ثمارًا تحوّل الأشخاص وعلاقاتهم. يبقى أن ذاك الذي يرسله بولس ليس عبدًا، بل هو "أحشاؤه" الخاصة، ذاك الذي وُلد منه، ذاك الذي هو لحم من لحمه وأعزّ أعزّائه، ذاك الذي حياته أثمن حتّى من حياة الرسول نفسه.
الفصل الخامس
أونسيمس أخوك
آ 13- 16

بعد أن تضرّع بولس لأجل الذي قدّمه كابنه، واصل برهانه فاستعاد مواضيع سبق وذكرها، فتعمّق فيها: هو لا يريد أن يملي على فيلمون السلوك الواجب اتباعه، لأن الانجيل خلاّق حرّية ومسؤوليّة (آ 13- 14). أونسيمس هو من وجهتين "أخ حبيب" (آ 16) لفيلمون. أولا "في المسيح" الذي يقيم بين أعضاء كنيسته أخوّة حقيقية. ثانيا، "في بولس" الآب الروحي لأونسيمس (آ 8 ي) وفيلمون (آ 13- 14، 17- 18) معًا. بعد ذلك، فالاستقبال الذي يُنتظر من فيلمون أن يحتفظ به لعبده، سيكون كما يريده بولس: لا استقبال قاضٍ يعاقب مجرمًا على شرّ فعله. لا استقبال سيّد رحيم يستعيد إلى خدمته عبدًا تاب عن ماضيه. بل استقبال أخ يستقبل أخاه. وهذه الاخوّة تمتد إلى جميع وجهات الحياة: ليست فقط "روحيّة" أو "دينيّة" (في المسيح آ 16) بل "جسدية" و"ماديّة".
وكان تساؤل حول النوايا الحقيقيّة للرسول: هل أراد حقًا أن يعود إليه أونسيمس (آ 13)؟ هل تمنّى فوق ذلك أن يراه محرّرًا، إما ليعود إلى عمله لدى فيلمون، وإما ليبقى لدى الرسول؟ لا جواب قاطعًا. وهذا ما نستطيع أن نفهمه. ففي الحقيقية، إن بولس يترك لفيلمون أن يختار ويقرّر. فالحرّية التي يمنحها الانجيل ليست حرّية ظاهرة وحسب. بل إن احترام استقلاليّة فيلمون هو الشرط الجوهريّ لإقامة علاقة متجدّدة، أخويّة، بينه وبين أونسيمس. فالحبّ والصداقة والأخوّة ليست أشياء نؤمر بها أمرًا. بل نتمنّاها. نشجّع عليها. نساندها. ولا شيء أكثر من ذلك.
بالإضافة إلى ذلك صار أونسيمس أخًا، صار شخصًا بكل ما للشخص من حقوق وواجبات. لهذا يجب أن لا ننساه. فما هو رأيه هو؟ هل التحرّر، مع أخذ الاعتبار بوضعه العائلي وامكانيّاته المادية، هو الحلّ الافضل لمستقبله؟ قد يكون ذلك. ولكن الأمر ليس كذلك على ما في آ 18 ي (رج تث 15: 16- 17؛ خر 21: 15- 16). وهكذا حين أعاد بولس أونسيمس إلى فيلمون، لم يخضع خضوع العبيد لما يقرّه النظام المعمول به في الامبراطوريّة. بل جعل الرجلين وجهًا لوجه. بعد أن تساويا في الكرامة، وفي امكانيّات التفكير والتبادل. بعد أن صارا أخوين. فعليهما أن يتكلما، أن يتفاهما، أن يتدارسا الوضع ويأخذا موقفًا من الحلّ القانوني والاجتماعيّ الذي يحافظ على الأخوّة. أما بولس فسيجيء بعد ذلك (آ 22). وقد يشترك في النقاش. ولكنه في أي حال يحترم حرّية ومسؤولية كل واحد منهما لأن الأمر يعنيهما.
هناك من حاول أن يَدخل إلى نوايا بولس العميقة من أجل أونسيمس، ليصل إلى فكر الرسول حول العبيد والعبوديّة، فجعل من أونسيمس حلقة في سلسلة نظريّة ورقمًا في مجموعة. ليست القضية في أن نحل مشكلة، بل أن نعيد الاعتبار إلى الانسان ونؤسّس علاقة جديدة (لا مثل القديمة، علاقة السيّد بالعبد). فالأخوّة تستطيع أن تلغي واقع العبوديّة، ولكن الانقلاب لا يستطيع أن يولّد الاخوّة.

1- كنت أود أن احتفظ به (آ 13)
إن سلطة بولس حاضرة بشكل خاص في هذه القضيّة: إنه رسول. شارك في ارتداد فيلمون (آ 19). وهو قد وَلد أونسيمس إلى الايمان. ولهذا كان بامكانه (رغبة وإمكانيّة) أن يحتفظ بأونسيمس لديه ليخدمه. نلاحظ هنا أن الرسول لا يهتمّ كثيرًا بمراعاة الشرائع المدنيّة: ما يوجّه عمله ليس الخوف من الانتقام، ولا الخوف ممّا يقول أولئك الذين يريدون أن يهاجموا الانجيل، ولا مراعاة النظام العام. فهو في السجن، وبالتالي في وضع لا يتوافق وهذا النظام من أجل الانجيل (آ 1، 9). بل نستطيع أن نفترض بحقّ وبدون اللجوء إلى منظار الاستشهاد، أنه يعتبر أن هذا السجن نفسه هو شهادة للانجيل. لهذا لا شيء يجعله يتردّد من تحدّي النظام العام بحيث يتحمّل السجن من جهة ويحترم من جهة أخرى النظام احترامًا عبوديًا. لهذا، من يعتبر أن عمل بولس في إرجاع أونسيمس هو عمل انسان يحافظ على قانون، يفهم النصّ فهما خاطئًا. ما قال بولس: "بما أن الأمور هي هكذا، ما أردت أن احتفظ بقربي بعبد هارب" بل قال: "بعد أن صارت الامور هكذا في المسيح، كنت أودّ أن احتفظ به عندي".
إن فعل "احتفظ" (كاتاخاين) يُستعمل للحفظ والحماية اللذين تقدّمهما الهياكل لعبيد فارّين. قد يكون هذا ما دفع أونسيمس للهرب إلى بولس: حين علم أن سيّده مسيحيّ، لجأ إلى من يمثلّ هذه العبادة. فبولس يريد أن يستفيد من أونسيمس من أجل "خدمة" (دياكونيا) عباديّة، من أجل خدمة الانجيل. أما الخدم التي يمكن أن تقدّم لرجل مسجون، ولكنه مسؤول عن جماعات حيّة تحتاج إليه بألف شكل وشكل، فهي معروفة. نلاحظ هنا رهافة الرسول والتحوّل الجذريّ الذي قام به الانجيل: هو يريد أن يستفيد من أونسيمس لخدمة (دياكونيا) حرّة ونبيلة، لا لخدمة العبيد (دولايا). فلفظة "دياكونيا" التي تستعمل بشكل خاص في 2 كور تميّز العهد الجديد وتعبّر عن "شريعته" و"روحه" (2 كور 2: 6 ي). كما تدلّ على خدمة متبادلة بين أناس أحرار ومصالحين (2 كور 5: 18) وتعارض عبوديّة ملتصقة بتعلّق أعمى بالشريعة.
ويُذكر هذا التبادل في لفظة "عنك" (مكانك، هيبر سو): ففي خدمة الانجيل لا يتميّز السيّد عن العبد (غل 6: 6؛ 1 كور 9: 13- 14؛ 2 تس 3: 8- 9). وهكذا حين يعمل العبد من أجل الانجيل، فهو لا يقوم فقط بمهمّة تفرضها عليه حالته، بل "يخدم" سيّده حين يقوم بـ "واجب" لا يستطيع هذا السيّد أن يقوم به.

2- ولكن ما أردت أن أفعل (آ 14)
رغب بولس. ولكنه ما أراد أن يفعل شيئًا دون موافقة (غنومي) فيلمون. تعني "غنومي" "الرأي" (1 كور 7: 25؛ 40؛ 2 كور 8: 10)، و"القصد" (رؤ 17: 13- 17)، و"القرار" (أع 20: 3: 1 كور 1: 10). ولكن لها معنى قانونيًا محدّدًا: قبول حرّ لاتّفاق. من هنا عبارة: توافق إرادي.
إذن يتمنّى بولس بقرار حرّ، لا بالاكراه، أن يرى فيلمون يتخذ موقفًا ويعمل "من أجل الخير" (رج آ 6). لا من أجل الاحسان. "خيرك" هو الخير الذي ينطبق على وضع فيلمون الحاضر، والذي يصل إليه في تفكير عميق في "ما هو فينا في المسيح" (آ 6). وهذا الخير لا يعني فقط أونسيمس، بل فيلمون أيضًا: حين يفعل السيّد "خيرًا" من أجل عبده، فهو يعمل أيضًا من أجل خيره الخاصّ.

3- ابتعد عنك فاستقبله (آ 15)
لا يُدعى فيلمون فقط إلى أن لا يتّهم عبده لأنه فرّ، بل عليه أن يهنّئ نفسه بهذا الفرار. وهذا نداء فريد في أخبار ذاك العصر: فهذا الفرار هو مناسبة لأن يُمتحن فيلمون ويعيش واقعًا جديدًا كل الجدّة. لا ليس أونسيمس هو الذي ربح بالدرجة الأولى، بل فيلمون. وإن بولس لم "يحتفظ" بأونسيمس، بل أرسله لكي يستقبله فيلمون كما يليق.
إن وصول أونسيمس إلى سيّده، يقدّم لهذا السيّد إمكانيّة عيش خبرة جديدة. فقد يُعطى له أن يكتشف قوّة تمتحن الأخوّة وسط الاهانة. في أي حال، ليس هناك من نسبة بين الاثنين: كانت الاهانة عابرة (لبعض الوقت، لهنيهة، هوران). أما اللقاء والحياة فإلى الأبد (أيونيون). هذا لا يعني أن فيلمون سيجد عبده أمينًا إلى الأبد ومستعدًا أن لا يفرّ أبدًا. ولكن هذه العلاقات قد تأسّست منذ الآن في المسيح، بشكل لا يُنقض، وهي لا تتوقّف عند هذه الحياة، بل تصل إلى الأخرى.
وهذا النموّ وهذا الغنى الممكنان، سببهما الله. في الواقع، لم يفرّ أونسيمس كمجرم، بل "أبعد" في المجهول. هذا ما يسمّى المجهول الالهيّ. هو الله فعل. يد الله هي التي عملت في هذه الأحداث. "لهذا" أبعد "لكي". هذا ما يعبّر عن حركة سرّية وديناميكيّة وعميقة، حركة الانجيل بما فيه من مفارقة: فكما أن من الصلب بزغت الحياة وشعّت القيامة، وكما أنه فاضت النعمة حيث كثُرت الخطيئة (روم 5: 20)، من الاهانة التي أصابت فيلمون والضرر قد تُولد خبرةٌ جديدة وتخصب وتعيد ولادة أونسيمس وسيّده. يستعمل بولس لغة القانون والمحاسبة (أباخو، تسلّم، فل 4: 18). ولكنّه جعلهما على مستوى آخر، على مستوى النعمة والموهبة والتقبّل الحرّ والمجّانيّ.

4- لا كعبد، بل كأخ حبيب (آ 16)
لا يكون هذا الاستقبال لأونسيمس استقبال سيّد حصل له ضرر، استقبالاً يحتفظ به لعبد فار (يعاقبه). يتجاوز بولس مستوى العبد ليصل إلى مستوى الأخوّة والمحبّة. هو أخ (ادلفوس) وحبيب (اغابيتوس). استعملت لفظة "أخ" مرارًا لدى المسيحيّين الأوّلين ليدلّ الواحد على الآخر. وكذا نقول عن صفة "الحبيب" بسبب الحبّ الذي يوحّد بينهم (آ 1، 5، 7، 9). ولكن جمع اللفظتين هو استثنائي عند بولس (رج 1 كور 15: 58؛ فل 4: 1؛ 1 تس 1: 4) ويدلّ على تفضيل يجعل من استقبال فيلمون لأونسيمس جوهر الحياة المسيحيّة كما وُلدت من الانجيل.
وهذه الحياة التي يشدّد عليها بولس منذ بداية الرسالة، تتّخذ ثلاث سمات أساسيّة: هي خلق جديد ينطلق ممّا بدا وكأنه ينكره. هي تقيم الديناميّة والتبادل: إن فيلمون الذي يحبّه بولس (آ 1)، والذي ينعشه الحبّ (آ 5- 7)، لا يستطيع إلاّ أن يحبّ كما أحبّ (آ 16). أن يحبّ أونسيمس كما يحبّه بولس (آ 8). هذه الحياة لا تدمّر "الطبيعة" بل تحوّلها في العمق وتجعلها تتجلّى. وهي لا تعارض واقع وجود عبيد، بل روح العبوديّة بالذات. فالكلام هنا يدور مرّتين عن "العبد" لا عن الحرّ. يدور حول الحرّية والتحرّر. هما لا يُستبعدان. ولكنّهما لا يُفرضان من الخارج، بل نستشفّهما كثمار ممكنة بدأت تنضج وتأخذ على عاتقها واقع العبودية لكي تحوّله وتنقله إلى أبعد من ذاته، تنقله ممّا كان عليه إلى واقع جديد اسمه الأخوّة والمحبّة. وهكذا يبدو روح (ومنطق) العبوديّة وكأنه ألغي قبل أن تُمسَّ أشكالُه الخارجيّة.
هذا لا يعني أننا نفهم هذه العبارات في معنى روحانيّ، فنتوقّف فقط عند النيّة وسلامة القلب. ولكن ننطلق ممّا يعطينا الرب. ننطلق من الحياة والعلاقات التي نعيشها فيه، فتدخل الحياة الماديّة والبشريّة في تجسّد جديد، في خلق جديد.
الفصل السادس
إخوة متّحدون
آ 17- 20

بعد أن شدّد بولس على ما كان له أونسيمس (آ 8- 12)، وعلى ما يمكن أن يكونه بالنسبة إلى فيلمون (آ 13- 16). قدّم تعبيرًا ثالثًا عن طلبه يستند بشكل خاص إلى العلائق التي تربطه بفيلمون (آ 17- 20). لهذا استعمل صيغة الأمر ثلاث مرات ثم لغة التمنيّ (آ 20 أ): يستقبل فيلمون أونسيمس وكأنه يستقبل بولس نفسه (آ 1 ب). وهناك أفعال في صيغة المتكلّم المفرد، مع "إغو" (أنا) ثلاث مرات (آ 19، 20 أ). وهذا ما يدلّ على التزام الرسول الشخصيّ تجاه محاوره. في الواقع جعل بولس من نفسه "كفيل" أونسيمس. لهذا بدت الكلمات مطبوعة بالطابع القانوني، بطابع البيع والشراء والافتداء (آ 18- 19).
والسبب في ذلك هو أن فرار أونسيمس قد شكّل ضرزًا حقيقيًا لسيّده (هذا يبقى أمرًا سطحيًا). وهناك الطابع القانوني مع التشديد على الحقّ العدل. في أي حال، لا يمكن أن تكون المحبّة طريقة بها نطمس الوضع الحقيقيّ. وليست مسألة عواطف "خارجيّة" نظهرها للسيّد كما للعبد. بل هي تحويل عميق للوضع حتى في وجهاته الماليّة. هكذا نصل إلى حياة الجماعة، "إلى الشركة" (كوينونيا) (آ 17 أ).
يدلّ هذا التقابل بين موضوعَي الحقّ والمحبّة، الذي يظهر حتى في بناء الجملة (هناك تصالب في التركيب، أ ب ب أ)، على موضوع الاستقبال والمحبّة في آ 17 و20. وعلى موضوع التعويض المالي في آ 18 و19. ثم إن آ 18- 19 قد بنيتا بشكل متواز: بعد الشرط (آ 17 أ: فإن كنت... آ 18 أ: إن كان) نصل إلى فعل الأمر (آ 17 ب: إقبله؛ آ 18 ب: احسب ذلك) الذي يشير أولاً إلى الاستقبال (آ 17 ب) ثم إلى المسألة الماليّة (آ 18 ب). فيلمون هو فاعل الأفعال في آ 17- 18، وبولس في آ 19- 20 (ما عدا 20 ب) بحيث نرى أننا أمام عهد "في المسيح"، "في الربّ" (آ 20) عهد بين رجلين، عهد أساسه المحبّة والحقّ، ومرماه هنا عودة أونسيمس.
نتوقّف هنا مع آ 20 ولا نمدّ المقطع، كما فعل بعض الشراح، إلى آ 21 أو آ 22. والبنية العامة لطلب بولس تصل بنا إلى ذات النتيجة. فعبارتا "في المسيح" و"في الربّ" في آ 20، تدلان على نقطة هامّة، وتبدوان كصدى لنهاية آ 16 (رج آ 3). ولكن نقول بشكل خاص إن الشقّ الثاني من آ 20 يستعيد بشكل شبه حرفيّ نهاية آ 17 مع "استراحة" (أناباوو) و"أخ" و"أحشاء" (سبلنخنا) التي لعبت دورًا كبيرًا في نهاية آ 12. وهكذا انتهت الدائرة في آ 20: ما هو معروف عن تصرّف فيلمون تجاه "القدّيسين" (آ 7)، يجب أن ينطبق الآن بشكل خاص تجاه بولس عبر أونسيمس (آ 20).
أما على مستوى النصوص، فلنا ملاحظتان. حسب البازي، زيد "في الرب" في آ 19 (أنا أفي في الربّ). وفي آ 20 حلّت محل "في المسيح" عبارة "في الربّ".

1- اقبله قبولك لي (آ 17)
ما عاد التعبير الثالث عن الطلب يضيع في اقتراحات، بل عُبّر عنه بدون دوران في صيغة الأمر: اقبله. غير أن هذه الصيغة ليست أمرًا لا جدال فيه، ولكنها ترتبط بجملة شرطيّة، فتبدو نتيجة وضع جعل فيه فيلمون نفسه: "إذا كنت تعتبرني شريكًا لك، متّحدًا معك...". وبحسب سمة تميّز لاهوت الرسول، ليست صيغة الأمر اعتباطيّة أو خارجيّة بالنسبة إلى الشخص الذي يتوجّه إليه. بل هو يحاول أن يستخرج النتائج الاخيرة لوضع اعتنقه هذا الشخص اعتناقًا حرًا. إن لفظة "كوينونوس" (رفيق، مشارك، أخ) تتلوّن بعدة تفاصيل. من جهة، تعود بنا إلى آ 6 التي امتدحت أهميّة وخصب "مشاركة" (كوينونيا) فيلمون في ايمان جعل جميع المسيحيين متّحدين في شركة واحدة. جعلهم أعضاء متضامنين في جسم واحد يشترك فيه الرسول، كما يشترك فيه منذ الآن أونسيمس. ومن جهة ثانية، فهذه اللفظة (التي لم يستعملها بولس كما اعتاد أن يفعل، لم يحدّدها) تُفهم أيضًا في معنى "شريك" في عمل تجاريّ أو في مشروع من المشاريع، وهذا ما يهيِّئنا للتبادل كما في آ 18- 19. فشراكة بولس مع فيلمون تحمل أكثر من وجه: هي تعني الحياة المسيحيّة بشكل عام (آ 6)، وتتجسّد بشكل خاص في إعلان الانجيل (آ 2- 13). وهذان الواقعان (الايمان وإعلان الانجيل) قد تجسّدا بشكل ملموس في ارتداد أونسيمس وعودته: كل هذا يتمّ في الاستقبال الأخويّ بدون أيّة خلفيّة وفي الوضع الجديد الذي سيكون منذ الآن لأونسيمس.
يستعمل فعل "بروسلمبانوماي" ليدلّ على علاقة كلها عمق وحرارة. يستقبل "الاقوياء" "الضعفاء" في الجماعة استقبال التفهّم والأخوّة (روم 14: 1، 3؛ 15: 7).
وبدا التشديد واضحًا حين ماهى الرسول نفسه مع أونسيمس (قبولك لي أنا). لا شكّ في أن مثل هذا التماهي يرتبط بأساليب أدبيّة وبلاغيّة عرفتها المرافعات في ذلك الزمان. ومع ذلك فهو يرتدي معنى عميقًا جدًا: أونسيمس هو بولس نفسه. هو "أحشاؤه" (آ 9، 20). لا على المستوى البلاغي فحسب، بل على المستوى العاطفي، على مستوى المحبّة. وهكذا ظهرت مرّة أخرى قوّة الانجيل (قوّة الله) ظهورًا مدهشًا ولافتًا، فخلقت جديدًا.

2- إحسب ذلك عليّ (آ 18)
لا يمكن لاستقبال أونسيمس (وعودته إلى ما كان عليه) أن يستند إلى سوء تفاهم، ولا إلى توبيخ خفيّ ومحصور باسم المحبّة. فيجب أن يكون الوضع واضحًا فيرتكز على أسس صحيحة. لهذا عرض بولس على فيلمون أن يدفع له ما على أونسيمس أن يؤدّيه. وهكذا يدلّ الرسول على التزامه الشخصيّ بالقضيّة، ويوقّع التماهي بين نفسه وبين العبد العائد إلى سيّده. فالألفاظ هي ألفاظ العدالة والحساب والمال. "أديكيو" (أضرّ، اقترف ظلمًا). "اوفايليو" (وجب عليه دين). "إلوغاوو" (جعله على حسابه). وهذا ما تعود إليه أيضًا آ 19.
تقوم المسألة هنا في المعنى الحقيقيّ للشرط الذي نجده مع "آي" (إن). هل نحن أمام دين حقيقيّ، أو عرضيّ ولا واقعيّ ذكره بولس في صيغة بلاغية؟ صيغة الفاعل تدلّ على أننا في العالم اللاواقعيّ. ومع ذلك، فصيغة الحاضر في الفعل الثاني، والتوازي مع الحاضر في آ 17، والالتزام الحقيقيّ في آ 19، كل هذا يجعلنا في عالم الواقع: "إن كان حقًا قد أضرّ بك". إن واقع دين أونسيمس تجاه فيلمون يقوم في الضرر الذي سبّبه له: توقّف عن العمل فلم يربح سيّده. وأرسل فيلمون من يبحث عن عبده. وقد يكون أونسيمس "سرق" بعض المال، ليسهّل فراره. استعمل بولس الشرط، لا ليتوقّف عند الضرر الذي سبّبه أونسيمس، بل ليرى كيف "يقدّر" فيلمون هذه الضرر؟ هل يعتبر فرارَ أونسيموس خسارة لأنه اشتغل عند بولس لا عند فيلمون (آ 13)؟ هل يخسر فيلمون إن أعيد إليه أونسيمس كأخ لا كعبد (آ 15 أ)؟ وهكذا لا يكون فيلمون من الخاسرين، بل من الرابحين في هذه القضية. يبقى على فيلمون أن يحكم: هل خسر أم ربح؟ وإن ظنّ أنه خسر، فبولس مستعدّ لأن يعوّض، لأن يفي.

3- أنا بولس أتعهد (آ 19)
جاءت آ 19 كامتداد لتعهّد أخذه بولس على نفسه، فكوّنت اعترافًا بدَين حقيقيّ: "أتعهّد بذلك بخطّ يدي". هو يوقِّع. وهذا يتوافق مع العادة المعمول بها فى ذلك الزمان، مع تشديد على الالتزام الشخصيّ. تكررت الأداة "إغو" (أنا) مرّتين: أنا بولس. أنا أفي. وأعلن الرسول عن نفسه "أنا بولس". إن ذكر بولس اسمه (وهو يذكره نادرًا) فليدلّ على الطابع الاحتفاليّ (2 كور 10: 1؛ غل 5: 2؛ 1 تس 2: 18). واستعمل فعل "أبوتينو" (دفع، أدّى) فدلّ على دفع غرامة. وهكذا نرى الحدّ الذي وصل إليه بولس في تجنّده من أجل أونسيمس وعمق قوّة الرباط المذكور في آ 15- 12، 17. ونفهم أيضًا أن هذا الرباط لا يترك جانبًا الواقع القانوني والواقع الاقتصادي، بل يأخذهما على عاتقه ويعطيهما وجودًا جديدًا.
ويعود الشقّ الثاني من الآية إلى هذا الالتزام، أو هو يحاول أن يخفّف من بُعده، فيذكّر فيلمون بأنه هو أيضًا مدين للرسول، مدين بنفسه، مدين بارتداده إلى المسيحيّة. فبولس قد ردّ فيلمون بشكل مباشر أو غير مباشر. وهكذا أصبح السيّد مدينًا لبولس. وسيزداد دَيْنه ممّا سيتيح له الرسول أن يعيشه من حياة جديدة حين يستقبل أونسيمس، فيرتفع معه من المستوى الماديّ والتجاريّ المحض إلى المستوي المسيحيّ.

4- أرح أحشائي في المسيح (آ 20)
وبعد أن تنظّمت المسألة القانونيّة والماليّة، عاد بولس إلى التتمّة التي فيها يتجاوز المؤمن نفسه "في الرب" و"في المسيح". وهكذا نكتشف مرّة أخرى الجدليّة مع "في العنصر البشريّ وفي الربّ": فمن خلال الحسابات التجاريّة وعبرها، تنكشف الأخوّة والفرح والاحشاء والاستراحة. وهنا يبدو بولس سائلاً واثقًا: واثقًا بالاستقبال الذي سيناله أونسيمس. وبعودته، وبالنتيجة التي ستتبع هذا الأحداث من فرح وسلام. نحن هنا أمام أفق جديد (في الرب، في المسيح) بشكل عام في الجماعة، وبشكل خاص في ما يخصّ أونسيمس.
وتعود هذه الآية أيضًا إلى آ 7 حيث نجد ذات الالفاظ: الفرح، الأخ، الاحشاء، الاستراحة. فالصفات التي دلّ عليها فيلمون بشكل عام، يدعى لكي يمارسها بشكل خاص بالنسبة إلى بولس وأونسيمس.
قدّم بولس أونسيمس في آ 12 ويشكل عميق جدًا. هو أحشاء بولس. هو ابن بولس. وها نحن نستشفّ حضوره هنا من خلال لفظة "أحشاء". كما نستشفّ هذا الحضور من خلال فعل "اونايمن" (أثلج صدري) الذي لا يرد إلاّ هنا في كل العهد الجديد، وتبدو رنتّه قريبة من اسم "أونسيمس". ونستطيع أن نقابل بين "اونايمن إن كيريو" (أرح قلبي في الرب) و"سبلنخنا إن خرستو" (أحشائي في المسيح). وما قرأناه في آ 11 حول أونسيمس الذي صار نافعًا: في المسيح، في الربّ، اتّخذ الفرح والسلام وجهًا بشريًا ملموسًا. لم نعد أمام لفظتين مثاليتين ومجرّدتين، بعد أن تجسدّتا في أشخاص محرّرين هم بولس وفيلمون وأونسيمس.

الفصل السابع
ختام الرسالة
آ 20- 25

ولامست الرسالة نهايتها: قال بولس مرة ثانية ثقته بفليمون، كما نظر إلى المخرج السعيد الذي وصلت إليه طلبته (آ 21). تم تطلّع إلى المستقبل وأعلن زيارته القريبة (آ 22) قبل أن يصوّر مرة أخرى (رج آ 1- 3) الإطار الجماعي للقضيّة التي رافع عنها. وهكذا ضمّ إلى تحيّته الرفاق المحيطين به (آ 23- 24) وانتقل من المخاطب المفرد (أنت، أعدّ أنت لي منزلاً) (آ 21- 22 أ، 23) إلى المخاطب الجمع (أنتم، سأردّ إليكم أنتم) (آ 25). هذه الرسمة قريبة ممّا نجد في خاتمة رسائل بولس.
غير أننا نلاحظ أن رسائل بولس تتميّز عن رسائل عصره بغناها: فهو يذكر الأشخاص بأسمائهم، بشكل مباشر أو غير مباشر. ويمزج الاهتمام بالاشخاص المحدّدين مع الوجهة الجماعيّة للحياة في المسيح. ولا ينسى أن يجعل كل هذا في ظلّ "نعمة الرب يسوع المسيح". ونلاحظ في فلم بشكل خاص أن التحيّات الأخيرة والبركات (آ 23- 35) تعود بنا إلى التحيّات الأولى التي تنتهي بالمباركات (آ 1- 3). والقول عن الثقة في محبّة فيلمون واستقباله لأونسيمس (آ 21- 22)، يتجاوب مع ما قرأناه في آ 4- 7.

1- أكتب إليك واثقًا (آ 21)
صارت "الطابة" حقًا في ملعب فيلمون. فيبقى على بولس أن يعبّر عن ثقته بأن محاوره سيجد في قلبه الأشكال التي تليق باستقبال أونسيمس وعدته. فما قاله وما كتبه بولس يعنيان مبدأ هذا الاستقبال وهذه العودة. أما شكلهما الملموس، فراجع إلى حرّية فيلمون وسخائه. فهو يستطيع أن يجد ما هو واجب، أكثر من بولس. جاءت العبارة مضخّمة لتحرّك حرّية فيلمون وكبر قلبه. وهي تعوا إلى آ 16 حيث أعلن بولس أمله بأن يرى فيلمون يستقبل أونسيمس "لا كعبد، بل كأخ حبيب".
لهذا يبدو من النافل أن نحاول تحديد الأشكال الملموسة لانتظار ترك بولس لفيلمون أن يحددّها: غفران بسيط. تحرير جزئي. تحرير كامل بحيث يعود أونسيمس إلى بولس من أجل عمل الرسالة. واعلان بولس عن سفره القريب إلى كولسي لا يُفهم على أن بولس يريد أن يتأكّد من تنفيذ أوامره، بل على أن لا حاجة إلى السرعة. فهناك عناصر عديدة ومتشعبّة سوف نجادلها في وقتها. وبما أن أونسيمس ذُكر في كو 4: 9 كشخص تحدّد من أجل نشر الانجيل. وبما أنه وُجد في نهاية القرن الاول في أفسس أسقف اسمه أونسيمس، نستطيع القول إن الأمور سارت كما أرادها بولس.
وتتحدّث الآية عن "طاعة" (هيباكوي) فيلمون. هناك من اعتبر أننا في تعارض مع الطريقة السمحة التي أخذ بها بولس في آ 12- 21. أن بولس استعاد سلطته ليسيطر في النهاية. بعد أن استعمل الطريقة الليّنة ها هو يستعمل الطريقة القاسية! ولكن بولس يتحدّث عن الطاعة. لا الطاعة للرسول. بل الطاعة لمبدأ المحبّة التي تتوافق كل الموافقة مع الحرّية (غل 5: 1 ي). هذه الطاعة هي اسم آخر للايمان. وهي تدلّ على التزام ملموس في الحياة اليوميّة (رج روم 1: 5؛ 15: 26).

2- أعدّ لي منزلاً (آ 22)
يتطلّع بولس إلى المستقبل: ما سيفعله فيلمون يملأ قلب الرسول، ويتّخذ ألوان الرجاء (البيزو). فسيُفرَج عن بولس فيعود إلى كولسي. وأونسيمس الذي حمل الرسالة سيهيّيء هذه الزيارة التي ربّما لن تحصل (كو 2: 1).
والطريقة التي بها عبّر بولس عن مشروعه تدلّ على أن رؤيته للعالم مطبوعة بطابع النعمة والحياة الجماعيّة. يذكر النعمة لأنه لا يقدر أن يتطلّع إلى الإفراج القريب عنه إلا في هذا الإطار، لا كنتيجة محاولة بشريّة. ويذكر الحياة الجماعيّة لأن صلاة المسيحيين (هي صدى للنعمة) من أجل أخ، تجعل هذا الأخ في ظلّ النعمة. وهكذا نفهم أن الانتقال من صيغة المتكلّم المفرد (أنت) إلى المتكلّم الجمع (نحن) يجعلنا في سياق جماعيّ مطبوع بالصلوات وفعل الشكر.

3- يسلّم عليكم ابفراس (آ 23)
وإذ أراد بولس أن يشدّد على الوجهة الجماعيّة في هذه المسألة، أورد تحيّات (اسبازوماي: سلّم بحرارة، قبّل) خمسة رفاق يحيطون به: أربعة منهم هم مشاركون في العمل (سينارغوس). الخامس مشارك في السجن (سينايخمالوتوس). محور هذه الجماعة هو حياة وعمل في خدمة الانجيل. وهذه الخدمة قد قادت بولمس إلى السجن. وهكذا ترتبط المجموعة التي حول بولس بتلك التي تلتئم في بيت فيلمون (آ 2- 3).
إن لائحة الأشخاص الواردة هنا تتوافق مع لائحة كو 4: 10- 14 وما فيها من ذكر لأونسيمس (كو 4: 9): الأسماء هي هي ما عدا يسوع يوستوس (كو 4: 11). جاءت كو أكثر توسّعًا فأعطت صفة الأشخاص المذكورين (ما عدا ديماس، آ 14)، وتوقّفت عند شخص يوستوس (آ 11) وإبفراس (آ 12- 13). وتذكّرُ هذين الشخصين يحيط به تذكّر أربعة أشخاص: ارسترخس ومرقس من جهة (آ 10)، لوقا وديماس من جهة ثانية (آ 14). هذا يعني أن كو وفلم كُتبتا في الزمن عينه. أو أن رسالة استوحت رسالة ثانية.
يُذكر ابفراس هنا. كما يذكر في كو 1: 7؛ 4: 12- 13. يبدو أن أصله من كولسي (4: 12). أنه يشّر هذه المدينة (1: 7)، واهتم بلادوكية وهيرابوليس (4: 12). سمّي "رفيق السجن" مثل اندرونيكس ويونيا المذكورين في روم 16: 7، ومثل ارسترخس المذكور في كو 4: 10. يبدو أن ابفراس هو "سكرتير" الرسول. أما العاملون الآخرون فنشاطهم في الخارج.

4- ومرقس وارسترخس وديماس (آ 24- 25)
مرقس. أو "يوحنا الملقب مرقس" (أع 12: 12- 25؛ 15: 37). أصله من أورشليم. وقد انتمى إلى جماعة الهلينيين (أع 6: 1 ي). فاسمه إسم يهودي (يوحنا) واسم هليني (مرقس). كان نسيب برنابا (كو 4: 10) ورفيق بدايات بولس الرسوليّة (أع 13: 1- 15، 39؛ رج 1 كور 9: 6؛ غل 2: 1، 9، 13). إن مرقس وبرنابا شكّلاً صلة وصل بين بطرس (أع 12: 12؛ غل 2: 13؛ 1 بط 5: 13) وبولس. وحين تأزّمت الأمور، انفصلا عن بولس الذي اتخذ سيلا (أو سلوانس) رفيقًا له (1 بط 5: 12)، وقاما برسالة خاصة بهما قادتهما، على ما يقول التقليد إلى قبرص (أع 15: 37). وهكذا يكون وجود مرقس بجانب بولس ساعة دوّن كو وفلم (رج كو 4: 10؛ 2 تم 4: 11)، دليلاً على أن الهدوء قد عاد. غير أن هذا لا يتيح لنا أن نعرف متى دوّنت فلم.
ارسترخس. ذُكر مع مرقس في كو 4: 10، وسُمّي رفيق السجن. أصله من مكدونية. من تسالونيكي. من أول الذين ردّهم بولس إلى الايمان (أع 19: 29؛ 20: 4؛ 27: 2). رافق بولس في سفره الأخير إلى أورشليم (أع 20: 4) وخلال الأسر الذي حمل الرجلين إلى رومة (أع 27: 2).
ديماس. يُذكر أيضًا مع لوقا في كو 4: 14 وفي 2 تم 4: 10. يقول عنه الرسول: "تركني حبًا بالعالم" ومض إلى تسالونيكي. أما لوقا "الطبيب الحبيب" (كو 4: 14) فيُذكر أيضًا في 2 تم 4: 11. يقول التقليد إنه دوّن الانجيل الثالث وأعمال الرسل.
وأخيرًا (آ 25)، يعود الرسول إلى عبارة ليتورجيّة (تشدّد على الوجهة الجماعيّة والعباديّة في تقبلّ الرسالة)، فيطلب نعمة الرب يسوع المسيح على سامعيه. هذه العبارة تذكّرنا بالبدلية (آ 3)، كما تذكّرنا بطريقة بولس في إنهاء رسائله (روم 16: 20؛ 1 كور 16: 24؛ 2 كور 13: 13، عبارة ثالوثيّة؛ غل 6: 18؛ 1 تس 5: 28؛ فل 4: 23). فالنعمة هي في أساس الحياة المسيحية وهدفها، كما هي في قلب الانجيل (آ 9 ي). ينبوعها سيادة يسوع المسيح الذي نعترف به ربًا في الاجتماع الليتورجيّ (غل 2: 5- 11). ونحن نعيشها في واقع الحياة الملموس كما "فعل" فيلمون حين استقبل أونسيمس "في المسيح"، "في الرب"، وأعاد له اعتباره، بل رفعه (آ 5، 6، 8، 16، 20).
خاتمة الرسالة إلى فيلمون

حين قرأنا فلم دهشنا لهذه السطور القليلة التي فيها يفتح بولس قلبه. هو أب تتحرّك أحشاؤه مثل أم تجاه أونسيمس. رسالة كتبها بولس بيده فما أملاها كما أملى سائر رسائله. لن نقف مع مدرسة توبنغن الالمانيّة التي رفضت نسبة الرسالة إلى بولس. ما عاد أحد يدافع عن هذا الموقف اليوم، بعد أن أُطلق في القرن التاسع عشر.
هذه الرسالة تكشف عن شخصيّة الرسول. وتلفت انتباهنا بالنظر إلى المسألة التي تعالجها: العبوديّة. كيف واجه الرسول هذه المسألة؟ ومن خلاله، كيف واجه الايمان المسيحيّ جور الواقع الاجتماعيّ والاقتصاديّ الذي عرفته الامبراطوريّة الرومانيّة ساعة انطلاق المسيحيّة؟ أترى بولس قبل بالعبوديّة وضعًا اجتماعيًا لا يمسّ، كما قبل بوضع المرأة كخاضعة للرجل؟ ماذا تقول فلم؟
أونسيمس هو عبد فيلمون المسيحي، وقد فرّ من بيت سيّده. فلجأ إلى بولس وهو في السجن، وهناك ارتدّ إلى المسيحيّة، ودلّ على أنه معاون نشيط يحتاج إليه بولس. ولكن بولس فضّل أن يردّه إلى سيّده، بعد أن يسلّمه "رسالة توصية" تاركًا لفيلمون أن يأخذ قراره منطلقًا من المحبّة التي تعمر قلبه. ولكن ما هو القرار الذي يتّخذه؟ أيعاقب أونسيمس؟ أيعيده إلى ما كان عليه كرامة لبولس؟ كلا. بل يستقبله بدون أي بغض أو حقد. بل يغفر له. ولا يعود يعتبره عبدًا، بل "أخًا في المسيح". بل إن بولس يطالب بأونسيمس ليعمل معه في خدمة الانجيل. ويبدو أن فيلمون تجاوب مع نداء بولس بحيث يخبرنا التقليد أن أونسيمس كان أسقف أفسس في نهاية القرن الأول. هذا يعني أنه عاد إلى بولس وعاونه في عمل الرسالة قبل أن يرسله الرسول إلى أفسس.
وماذا عن العبوديّة؟ في العمق، يقول بولس: لا عبد ولا حرّ. لا رجل ولا امرأة. هذا يعني المساواة بين العبيد والأحرار، بين النساء والرجال في المفهوم المسيحيّ. ولكن بولس ما أراد أن يدعو إلى ثورة خارجيّة على مثال ما فعل سبرتاكوس في القرن الأول ق م. بل هو دعا إلى ثورة تبدّل القلوب. هذا ما فعله مع فيلمون الذي تخلّى عن عبده واعتبره أخًا حبيبًا له. حرّره وأعاده إلى بولس. لو لم يفعل فيلمون هذا، لما ذُكر اسمه. كان صاحب عبيد، شأنه شأن أشخاص عديدين في أيامه. ولكنه تميّز عنهم حين فعل ما لا يفعله إلاّ المؤمن الذي بدّل الانجيلُ حياته. تحرّر من الوثنيّة ومن خطيئته السابقة. وتحرّر من العبوديّة الجسديّة. وهكذا استطاع أن يكون حرًا للمسيح، بانتظار أن يصبح مثل بولس عبد يسوع المسيح وخادمًا للجماعة المسيحيّة.