رسالة تيطس

تقديم
بعد الرسالتين إلى تيموتاوس، نقدّم في هذا الكتاب تفسير الرسالة إلى تيطس. في 1، 2 تيموتاوس جاء التفسير في ثلاثة أقسام: موضوع لاهوتيّ، دراسة النص، القراءة الاجماليّة. أما الموضوع اللاهوتي فطرح مسألة عامة فيّ الرسائل الرعائيّة الثلاث. ودراسة النصّ توخّت التعمّق في المفردات وفي المعاني الكتابية. والقراءة الاجمالية جاءت قراءة روحية ورعائيّة تساعد المؤمن على جعل الكتاب المقدس صلاة في حياتنا وتفكيرًا في عقيدتنا. وأضفنا شيئًا جديدًا لم نعرفه من قبل هو ترجمة بين السطور. أي نقدم النصّ اليوناني ونفسّره كلمة كلمة. قدّم هذه الترجمة الأب أنطوان عوكر الانطوني بالنسبة إلى الرسائل الرعائيّة الثلاث. وفي تي، كان جديد أيضًا. قسمنا دراسة النص قسمين: تحليل النصّ، تفسير النص. أما التحليل فحاول ربط الكلمات مع جذورها بما ورد في الأدب البيبلي بشكل عام والأب الدنيوي بشكل خاص. والتفسير توقّف عند المعاني الكتابيّة.
تلك هي طريقتنا في دراسة الرسالة إلى تيطس، التي هي إحدى الرسائل الرعائيّة، وهي رسائل اعتبرت رسائل بولسيّة ثانية، بمعنى أن بولس لم يكتبها، بل كتبها تلاميذه بعد أن مرّت سنوات على موته. وهكذا نكون أمام إرث بولسيّ امتدّ في ما نستطيع أن نسمّيه المدرسة البولسيّة. وهذا الارث دخل في اللائحة القانونيّة، فتساوى على مستوى الايمان والعقيدة والممارسة المسيحيّة مع الرسائل البولسية الأولى، أي روم، 1كور، 2كور، غل، فل، 1تس، فلم. لم يُناقَش موضوع نسبة هذه الرسائل الرعائيّة إلى بولس إلاّ في القرن التاسع عشر. أما قبل ذلك الوقت، فلم يُطرح سؤال في شأنها، بعد أن ذُكرت عند ايريناوس واكلمنضوس الاسكندراني، وفي قانون موراتوري (سنة 180)، أي في كنيسة رومة.
ما الذي دفع الشرّاح إلى اعتبار الرسائل الرعائيّة قد استعارت اسم بولس، مع أن بولس لم يكتبها؟ هناك أولاً صعوبات في تطابق معلومات تاريخية في الرسائل الرعائيّة مع ما نعرفه عن بولس في أع، وسائر الرسائل البولسيّة. ثانيًا، على مستوى التنظيم الكنسيّ حيث نجد عناصر بولسيّة (فل: أسقف، شمامسة) وعناصر من العالم المسيحي المتهوّد (شيوخ أو كهنة أو قسس، أع 11: 30؛ 14: 23؛ 15: 22؛ يع 5: 14). وهكذا نجد مسؤولين بمهمات ثلاثة: يرئسون الجماعات، يعلّمون كلمة الله، يردّون على التعاليم الكاذبة ساهرين على الايمان. وفوق هؤلاء المسؤولين المحليّين، نجد مساعدين مباشرين لبولس مثل تيموتاوس وتيطس المسؤولين عن منطقة بكاملها: واحد عن أفسس وجوارها. والآخر عن جزيرة كريت بمدنها.
والاختلاف الثلاث بين "الرعائية" وسائر الرسائل البولسية يقوم على مستوى التعليم: لم يعد الايمان علاقة حيّة بين الانسان والمسيح، بل صار عقيدة وتعليمًا. وهناك تشديد على ضرورة "الأعمال الصالحة" لا على الحياة في الروح. وصارت الحياة المسيحيّة خلقيّة التوازن مع تشديد على التقوى. والروح يُتمّ ولادةَ الانسان في ارتباط بالمعمودية التي هي غسل الميلاد الثاني (3: 5)، وهو أيضًا كافل الوديعة المسلّمة إلى الكنيسة. والمحبّة لم تعد الفضيلة السميا، بل صارت فضيلة من الفضائل. وأخيرًا، تتدخّل النعمة لتساند المجهود البشري.
هكذا بدت الرسائل الرعائية الثلاث. وهكذا بدت تي التي نرى أنها دُوّنت في نهاية القرن الأول إن لم يكن في بداية القرن الثاني. وتوجّهت إلى تيطس، أسقف كريت. فالكاتب اسم مستعار. ومتسلّم الرسالة اسم مستعار. ونحن في جوّ يقابل إلى حدّ بعيد كتاب الديداكيه أو تعليم الرسل. تعرّفنا فيها إلى بنية الكنيسة، إلى التعاليم الضالّة التي تهدّد الكنيسة. إلى تصرّف جماعة يجب أن تعيش الايمان لتشهد للمسيح بعد أن غاب الشهود الاوّلون، فلم نعد في الجيل المسيحي الأول، بل الثاني والثالث.
القسم الأول
تمهيد وبداية
نقرأ في هذا القسم ثلاثة فصول:
1- مدخل إلى الرسالة إلى تيطس
2- اللاهوت والكلام عن الله في الرسالة إلى تيطس
3- العنوان والتحية (1: 1- 4).
الفصل الأول
مدخل إلى الرسالة
إلى تيطس

الرسالة إلى تيطس هي الثالثة بين الرسائل الرعائيّة، كما في لائحة أسفار العهد الجديد. أرسلت إلى تيطس الذي اعتبره التقليد أسقف كريت، الجزيرة اليونانيّة الكبرى في البحر المتوسط، فدعاه إلى تنظيم الجماعة، وإلى إعلان الايمان، وإلى الحذر من المقاومين الآتين من العالم اليهودي مع مجادلاتهم السخيفة ومناقشاتهم حول الشريعة.

1- الرسائل الرعائيّة
منذ بداية القرن الثامن عشر، اعتاد الشرّاح في أوروبا أن يُسمّوا تي، 1تم، 2تم، رسائل رعائيّة. هي أولاً رسائل، لأنها تبدأ كما تبدأ كل رسالة: اسم المرسل: بولس. اسم من تُرسل إليه الرسالة: تيطس، تيموتاوس. وهي رسائل لأنها تنتهي حسب الأسلوب الرسائليّ بالسلامات والتحيّة الأخيرة، وذلك قبل الأخبار الذي أرسلها بولس إلى تلميذيه في أفسس وكريت. وهي رعائيّة لأنها تهتمّ بعمل الرعاية، تهتمّ بالجماعات التي بُشّرت عن يد الرسل أو تلاميذهم، فأرسلت إليها التعليمات الضروريّة من أجل استمرار هذا التجمّع الذي صار مؤسّسة وسُمّي كنيسة. غاب الرسل أو ماتوا، كما قال بولس في 2تم 4: 6- 8: ساعة رحيلي اقتربت. بل قد يكون رحل، بعد أن مات شهيد إيمانه سنة 67، على ما يقول التقليد.
بدا الموضوع الرئيسيّ في تي، 1تم، بنيةَ الكنيسة والنظام فيها، والكلام فيهما عن تسمية المسؤولين في هذه "المؤسّسة"، المسؤولين عن الجماعة المسيحيّة. فنسمّيهم "الرعاة": شمامسة، شيوخ (كهنة أو قسس)، أساقفة. إذا كانت رمزيّة العهد الجديد تتحدّث عن المرسل على أنه "صيّاد سمك" (لو 5: 1- 11)، فالذي يقود ويغذّي أولئك الذين جمعهم المرسل، هو الراعي. والجماعة تسمّى "الرعيّة". وبما أن تي، 1تم، 2تم، تتحدّث عن الرعيّة والاهتمام بها، فقد سُمّيت "رسائل رعائيّة".
رسائل ثلاث ترتبط الواحدة بالأخرى، وقد جاءت الواحدة قريبة من أختها على مستوى الأسلوب وعلى مستوى المناخ. فنستطيع أن نستنتج استنتاجًا منطقيًا يعتبر أن شخصًا كتب الثلاثة. أو أن من كتب واحدة تأثّر في كتابته بمن سبقه. ونحن في هذا المجال، نرفض أن نعالج هذه الرسائل كمجموعة واحدة. فإن 2تم تبدو قريبة جدًا من بولس. دُوّنت في نهاية حياته، أو حالاً بعد موته. ويمكن أن نقابل بين تي و1تم، وإن كانت هذه متأخّرة عن تلك. وهكذا يقول بعضهم إن كان كاتب 2تم قريب جدًا من الأسلوب البولسيّ، إلاّ أن تي، 1تم، تبدوان وكأن كاتبًا واحدًا دوّنهما. فهما تستعملان المفردات عينها. ومع ذلك، تبقى فوارق بين تي و1تم، لا تبدو على مستوى الفوارق بين 2تم من جهة و1تم، تي، من جهة ثانية.
أما الفنّ الأدبيّ في الرسائل الرعائيّة الثلاث، فيختلف بين رسالة وأخرى. فهناك من يقابل تي، 1تم مع "الديداكيه" (100-120) أو تعليم الرسل. هذا الكتاب القديم هو موجز كنسيّ يتضمّن تنبيهات من المعلّمين الكذبة وأنبياء الضلال. مثل هذا الموجز نجده أيضًا في "الدستور الرسوليّ" (بداية القرن الثالث، يتوجّه إلى جماعة من المهتدين من الوثنية، في سورية). فإن كان هناك بعض تقارب، فالتباعد باق لأن "الرعائيّة" لا تعطي توجيهات مفصّلة حول الطريقة التي بها يترتّب الجسم الكنسيّ كما هو حاضر في المجتمع. فإن 2تم لا تتحدّث عن تنظيم الكنيسة. وكلام تي في هذا المجال، جاء موجزًا. ولكن الأمر يختلف مع 1تم. واعتبر بعضهم، من الوجهة التقنيّة، أن 1تم تمثّل بلاغة تشاوريّة، إرشاديّة. أما 2تم فتحمل بلاغة البراهين والنموذج الذي يقدّم للراعي ولأبناء الرعيّة. ولاحظ آخرون أهميّة الارشاد بأسلوب يحثّ فيه الرسول تلميذه، كما لاحظوا شكلاً أدبيًا قريبًا من الرسائل السقراطيّة أو السقراطيّة المزعومة. بدت 2تم بشكل وصيّة يودّع فيها بولس تلميذه وتضمّنت أيضًا عناصر تقرّبها من رسائل السجن، فل، فلم، كو، أف.
وتبقى مشكلة ترتيب الرسائل الرعائيّة الثلاث، في لائحة أسفار العهد الجديد. وُضعت 1تم أولاً لأنها أطول الثلاث، وتي أخيرًا لأنها أقصرها. وجُعلت 2تم بين الاثنين. ولكن هذا لا يفيدنا في شيء. فإن كانت هذه الرسائل قد ارتبطت باسم مستعار، فيجب أن نكون متحفّظين بالنسبة إلى حكم يتأسّس على المضمون، لأن بعض التفاصيل قد لا تكون تاريخيّة. فبحسب ما وصل إلينا، يبدو الوضع الكنسيّ الذي تصوّره لنا تي، أقلّ ثباتًا وأقلّ تفصيلاً من ذاك الذي نجده في 1تم. وبما أن هذه الرسائل تعتبر موجّهة إلى أكثر من موضع (1تم، 2تم إلى أفسس؛ تي إلى كريت)، فإن الكنائس المزروعة في حوض البحر المتوسط لم تصل كلها إلى ذات المرحلة من التطوّر. ومع ذلك، فنموّ كنسيّ متشابه لا يقول لنا بدقة أية رسالة دُوّنت قبل أختها.
بدا موت بولس قريبًا في 2تم: فإن هو كتب الثلاث، فمن المنطق أن نقول إن 2تم كانت الأخيرة. غير أن 2تم لا تعرف مشاكل البنية الكنسيّة التي تعرفها 1تم، تي، لهذا، يبدو من المعقول أن 2تم كانت الأولى، وقد يكون دوّنها بولس أو شخص قريب منه. وبعد موت الرسول بوقت قصير أو طويل، انبرى كاتب نجهل اسمه فدوّن 1تم، تي، مقلّدًا أسلوب 2تم، فعالج مسائل البنية الكنسيّة بعد أن صارت ملحّة. وفي أيّ حال، نجد في تي أن الكاتب لم يتوسّع كثيرًا في الكلام عن بنية الكنيسة، وذلك عكس 1تم حيث جاء الكلام مستفيضًا. وأخيرًا توقّفت 2تم عند شخص بولس الذي أحسّ بنهايته قد أتت، وأنه سيراق دمه على مذبح الرب، على مثال معلّمه على الصليب.
2- خلفيّة الرسالة إلى تيطس
توجّهت تي إلى تيطس، وهو رجل هداه بولس إلى المسيح (1: 4) فكان مساعدًا هامًا لبولس في رسالته. وحين ترك بولس أنطاكية للمدافعة عن انجيله (2تم 2: 8) مع شيوخ أورشليم، أخذه معه (غل 2: 1- 3). وحين قُبل تيطس، وهو الآتي من الأمم الوثنيّة، كعضو في الجماعة، دون أن يُختن، برّر هذا القبولُ موقف بولس: "ما أجبروا رفيقي تيطس، وهو يونانيّ، على الاختتان" (غل 2: 3). لا يُذكر تيطس في سفر الأعمال، ولكنه يُذكر 13 مرّة في عدد من أسفار العهد الجديد: عمل مع بولس في أفسس، خلال الرحلة الرسوليّة الثالثة، ومن هناك أرسله الرسول إلى كورنتس ليساعد في عمل الكنيسة.
هنا نعود إلى 2كور 2: 12- 13 فنفهم أن بولس أمل في أن يجد تيطس في ترواس ويتلقّى منه أخبارًا عن كنيسة الكورنثيّين. ولكن تيطس لم يصل إلى ترواس، بل سار في الطريق المعاكسة، وهكذا لم يلتقِ الرسول وتلميذه. عندئذ قلق بولس بسبب الأخبار التي وصلت إليه من كورنتوس، فحضر إلى مكدونية، وربّما إلى مدينة فيلبّي. هنا نشير إلى تقدير بولس لتيطس "أخي"، حين سلّمه جمع التبرّعات في كورنتوس من أجل المسيحّيين الفقراء في أورشليم (2كور 8: 6)، وحين اختاره ليحمل رسالته هذه إلى المؤمنين في كورنتوس (2كور 8: 16-17).
وفي 2كور 7: 5- 6، يذكر بولس كيف أن أمله خاب لأنه لم يلتقِ تيطس. وإذ لم يعرف الراحة، قرّر الذهاب إلى مكدونية. ولما وصل إليها، وجد عزاء كبيرًا لما وصل تيطس وحمل إليه الأخبار التي كان ينتظر أن يسمعها، حول الوضع في كورنتوس. فبولس استُقبل استقبالاً رائعًا في المدينة، وأخبر بولس بشوق الكورنثيين وغيرتهم لأجله، وحزنهم العميق الذي عبّروا فيه تجاه ما أساؤوا إليه. وهكذا انتقل الرسول، بفضل تيطس، من الحزن إلى الفرح.
جاء تيطس إلى مجمع أورشليم، وهو غير المختون، فدلّ به بولس على أن الوثني يمكن أن يكون مسيحيًا حقيقيًا، دون أن يمرّ في الختان. وكما كان تيموتاوس مثال المختونين في الكنائس التي أسّسها بولس، كذلك كان تيطس مثال اللامختونين. وسيفعل بنجاح تام في كورنتوس. حمل الرسالة المكتوبة في الدموع من أفسس إلى كورنتوس، وتابع مهمّته فكانت المصالحة تامة بين الرسول والمدينة التي بشّرها سنة ونصف السنة.
حسب تي، جاء بولس إلى كريت مع تيطس، وترك تلميذه هناك لعدّة أسباب، ولا سيّما لكي يعيّن شيوخًا في كل جماعة مسيحيّة (1: 5). لا يُقال لنا أين كان بولس حين دوّن هذه الرسالة، وإن يكن شاطئ آسية الصغرى (أفسس) واليونان (مكدونية أو أخائية) موضعين مناسبين لنيّته بأن يقضي الشتاء في نيكوبولسيس، التي هي على ما يبدو مدينة في غرب اليونان (3: 12). ذُكر أربعة أشخاص في 3: 12- 13، منهم اثنان (ارتيماس، زيناس) نجهل عنهما كل شيء. وهناك تيخيكس (من آسية الصغرى). رافق بولس حين انطلق من كورنتوس إلى أورشليم (أع 20: 4- 5) عبر مكدونية وترواس، حيث مضى مارًا في أفسس. ويُذكر تيخيكس أيضًا كحامل كو (4: 7- 9) وأف (6: 21- 22)، وهما رسالتان كُتبتا في إطار السجن. وأبلوس الذي مرّ في أسفاره، في كريت، يُذكر للمرة الأخيرة في أفسس حين راد بولس أن يرسله إلى كورنتوس (1كور 16: 12). هذه التفاصيل تجعلنا نميل إلى منطقة أفسس كموضع حقيقيّ أو مفترض أرسل منه بولس الرسالة إلى تيطس. وإذا كان تأليف "الرعائيّة" يتضمّن ترتيبًا كرونولوجيًا، فقد يكون بولس دوّن 1تم بعد أن ترك أفسس متوجّهًا إلى مكدونية (1: 3).
في مسيرة بولس التي رواها أع أو الرسائل البولسيّة (ما عدا "الرعائيّة")، لا شيء يوافق التفاصيل الواردة أعلاه. حسب هذه المراجع، فالزيارة الوحيدة التي قام بها بولس إلى كريت، تقع خلال رحلة السجن، سنة 61، إلى رومة. توقّفت السفينة في "الموانئ الصالحة" (أع 27: 8). وتروي روم 15: 19 أن بولس جاء إلى اليركون سنة 58، ثم قضى الشتاء في كورنتوس. إن مجمل الشرّاح الذين يرون أن بولس هو كاتب تي، أو يقبلون التفاصيل التي نجدها في تي، يتحدّثون عن رحلة رسوليّة جديدة بعد أن تحرّر الرسول من سجن رومة كما يرويه سفر الأعمال (28: 30)، وذلك سنة 61-63. يكون قد رجع إلى الشرق، إلى كريت، وأفسس، ونيكوبوليس. ودخلت 2تم في هذه النظريّة فجعلت هذه الرحلة الرسوليّة الأخيرة تنتهي في رومة حيث قُبض على الرسول سنة 65-67 ونُفذ فيه حكم الاعدام.
3- تحليل الرسالة
بعد عبارة الفاتحة، تتوزّع تي في ثلاثة مواضيع: بنية الكنيسة. التعليم الكاذب. العلاقات في الجماعة، في ارتباطها بالايمان.

أ- عبارة الفاتحة (1: 1- 4)
هي طويلة، وهي تشبه روم التي توجّهت إلى جماعة لم يزرها بولس. هل يُعقل أن يقدّم بولس نفسه، بمثل هذا الكلام، إلى تلميذ يعرفه منذ سنوات؟ يجيب عددٌ من الشرّاح بالنفي، ويستنتجون أن بولس لم يدوّن تي. اعتبروا أن في تي 1: 1- 4 مقدّمة إلى الرسائل الرعائيّة الثلاث التي دُوّنت باسم مستعار. واعتبر آخرون أن بولس أراد أن يُسند تيطس في هذه المهمّة الصعبة التي كلّفه بها الرسول. فهذه الرسالة سوف تُقرأ في أكثر من جماعة في جزيرة كريت. كان الاهتمامُ الجوهريّ هو الحفاظ على الإيمان المسيحيّ في كريت. لهذا شدّد بولس على أن واجب الراعي الأول هو الاهتمام بايمان مختاري الله.

ب- جسم الرسالة (1: 5- 3: 11)
أولاً: الموضوع الأول: بنية الكنيسة أو التنظيم (1: 5- 9)
مسألة هامة في "الرعائيّة" ولا سيّما في تي، 1تم. فوثيقة موراتوري (القرن الثاني) تقول: إن كانت هذه الرسائل الثلاث تُعبّر عن عاطفة شخصيّة تجاه تيطس وتيموتاوس، فهي مهمّة في الكنيسة من أجل تنظيم الكنائس. ففي كريت نجد خطر المعلّمين الكذبة، فيجب على تيطس أن يُنظّم الكنائس ويجعل فيها شيوخًا. فالرسالة تشير إلى أن بولس، خلال إقامته في كريت، لم يكن قد أقام بنية ثابتة، فكلّف بهذه المهمة تيطس، الذي لبث في الجزيرة بعد ذهاب الرسول. أما 1تم فتطلّعت إلى جماعة منظمة مع شيوخ هم أساقفة. وما يُطلب من هؤلاء من صفات، يكفل أن رعايتهم تظلّ أمينة لتعليم بولس، فتحمي المؤمنين من عدد من البدع، لا ترتبط أي ارتباط بالتقليد الرسوليّ.
ثانيًا: الموضوع الثاني: التعليم الكاذب (1: 10- 16)
وتطرّقت تي إلى خطر ملحّ. نجد أن وصف المعلّمين الكذبة جاء بشكل هجوميّ فصعب علينا أن نميّز ما هو معلومة وثيقة وما هو عموميّات غامضة. كيف نحدّد هذا التعليم انطلاقًا من معلومات تقول: الخصوم هم متمرّدون وخطباء باطلون يجب أن نسدّ أفواههم. هم مغفّلون يقلبون عائلات كاملة ويعلّمون من أجل مكسب خسيس، لأن عقلهم نجس وروحهم فاسد. بما أنهم يُنكرون الله بسلوكهم، فهم ممقوتون، متمرّدون، لا يقدرون أن يقوموا بعمل صالح. في 1: 12 نقرأ ما قاله إبيمينيديس ابن كنوسوس (القرن 6 ق م) عن الكريتيين: هم دومًا كذّابون، وحوش رديئة. بطون كسالى. هذا يعني أن موطن هؤلاء المعلّمين هو كريت. ومع ذلك، فوصف معلّمي أفسس في 1تم 1: 3- 11 يشبه ما في كريت.
والمسيحيون الذي هم من أصل يهوديّ (المختونون) يهاجَمون هم أيضًا في 1: 10. يُتّهمون بأنهم يتبعون قواعد بشريّة تعلن بعض الأشياء نجسة (1: 15). هذا يعني أنهم يتبعون قواعد دقيقة في تفسير الشريعة الموسويّة (رج مر 7: 8). ولكن ماذا تعني عبارة "الخرافات اليهوديّة" في 1: 14؟ هل نحن أمام توسّعات في المنحولات اليهوديّة التي تشدّد على تفاصيل تتعلّق بالأعياد (الكلندار أو الروزنامة) ودور الملائكة؟ هل نحن أمام تنظيرات يهوديّة ترتبط بالغنوصيّة، حول أصل الانسان؟ فالعبارة "يقرّون بأنهم يعرفون الله"، تسير بنا في هذا الخطّ. هناك إمكانيّة تجعل تي مدوّنة في الربع الأول من القرن الثاني، فترتبط بالغنوصيّة كما بتاتيانس السوريّ الذي أنكر العهد القديم وكل ما يرتبط به من أسفار نقرأها في العهد الجديد (مت، مر، يو، رؤ...). ولكنّنا نبقى على مستوى الفرضيّة بحيث تنطبق تي على عدد من المعلّمين الكذبة في أكثر من زمان.
ثالثًا: الايمان والعلاقات داخل الجماعة (2: 1- 3: 11)
يشغل هذا الموضوع ثلثيّ مساحة تي. جاء الجزء الأول (2: 1- 10) شرعة بيتيّة نجد ما يشبهها في كو 3: 8- 14؛ أف 5: 21- 6: 9. ما نقرأ في كو وأف بدا مقسومًا في ثلاث مجموعات ثنائيّة القطب: الزوجات والأزواج. الأولاد والوالدون. العبيد والأسياد. أما في تي، فلم تأت الرسمة متوازنة: الشيوخ والعجائز. الشابات والشبّان والعبيد. فالمسألة ليست العلاقات بين الشيوخ والعجائز، بل التصرّف العام لدى هاتين المجموعتين اللتين تبنيان الجماعة، فتقدّمان قدوة للشبّان والشابات (تعلّم العجائز الصبايا. مع أن 1تم 2: 12 منعت المرأة من أن تعلّم وتتسلّط على زوجها). ولكن في 2: 4- 5 حيث يقال للنساء بأن يحببن أزواجهنّ، وفي 2: 9 حيث يقال للعبيد بأن يخضعوا لأسيادهم، بدت تي قريبة من الشرعة البيتيّة في كو وأف. فمتطلّبات تصرّف فيه الاعتدال والوقار، شبيهة بما فُرض على الشيوخ في 1: 7- 9، تتوافق والتعليم الصحيح وتتوخّى تكريم تعليم الله مخلّصنا (2: 10) بحيث يكون الايمان هو إيمان الجميع، وطريقة الحياة هي للجميع. وحين يربط مسيحيّو كريت تصرّفهم بالايمان والتعليم المسيحيّ، يتميّزون هكذا عن تصرّف مماثل، هو تصرّف يعلّمه فلاسفة يونان كطريقة حياة تستند إلى العقل.
في 2: 11- 3: 11، ينطلق الكاتب من أهميّة الرسالة، فيقدّم إلى المؤمنين تعليمات رعائيّة تستند إلى ما فعله المسيح. قبل اهتدائهم، كانوا متمرّدين وجهالاً. كانوا عبيدًا لشهواتهم (3: 3). ولكن إلهنا العظيم ومخلّصنا المسيح يسوع (أي يسوع هو الله) بذل نفسه لكي يفتدينا ويطهّر شعبًا يخصّه وحده، شعبًا غيورًا من أجل "الأعمال الصالحة" (2: 13- 14). بل هو بذل نفسه من أجل خلاص الجميع (2: 11؛ رج 3: 4- 7. نحن هنا أمام نشيد ليتورجيّ).
اعتاد بولس، في الرسائل الأولى، أن يقدّم نفسه قدوة للمؤمنين (فل 3: 17). وهو يقول الشيء عينه في الرسائل الرعائيّة (1تم 1: 16؛ 2تم 1: 13. بولس المنادي بالانجيل هو نموذج الفضائل التي تساعد الجماعات في حياتها: الثبات في المحنة، رجاء لا يُغلب. أمانة في تعليم وتصليح الخطأ)، فيطلب من الكريتيين أن يكونوا قدوة (2: 7) تجلب الآخرين إلى الايمان. وجزء من هذه "الغيرة للأعمال الصالحة" يقوم بالخضوع للسلطات (3: 1). بلطف ووداعة مع الجميع، ولا سيّما الذين في الخارج (3: 2). والخطر كل الخطر هو خلافات وخصومات بين المسيحيين. فأيّ مثال نعطيه حينذاك لغير المسيحيين (3: 9- 10)؟

ج- الخاتمة (3: 12- 15)
تحدّثنا عمّا في الخاتمة حين عالجنا خلفيّة تي: ارتيماس، زيناس، أبلوس، تيخيكس. والتحيّة والأخيرة تفترض أن قرّاء الرسالة هم تيطس مع الجماعة كلها، بل الجماعات في كريت وفيها ما فيها من مدن. لهذا قال لهم: "النعمة معكم جميعًا".
الفصل الثاني
اللاهوت أو الكلام عن الله
في الرسالة إلى تيطس
حين نتوقّف عند الرسائل الرعائيّة الثلاث، نلاحظ أن تي تتميّز ببعدها اللاهوتيّ. فالكلام عن "الله" (تيوس) واضح وهو يرد في 1: 1 (مرتين)، 2، 3، 4، 7؛ 2: 5، 10، 11، 13؛ 3: 4، 8. ففي التحيّة التي تفتتح الرسالة يرد اسم الله خمس مرات، منها ثلاث تصوّره كذاك الذي لا يكذب (أبسوديس). كذاك الذي هو مخلّصنا (سوتير)، والذي هو أبونا (باتير). ثم نجد كلامًا عن بولس الذي هو "عبد (دولوس) الله"، وعن إيمان "مختاري (إكلكتوس) الله". ليست الأهميّة في الكميّة والنوعيّة في هذه اللغة اللاهوتيّة، بل في أن اسم الله يرد خمس مرات في بداية هذه الرسالة.

1- بداية الرسالة
هذه الإشارات إلى الله عديدة، وأكثر ممّا يمكننا أن ننتظر. فما من تحيّة رسائليّة في العهد الجديد تتضمّن ذكرًا لكلمة "الله" (تيوس) كما في تي. فرسالة رومة بمقدّمتها الطويلة لا تحتوي سوى أربع إشارات، وسائر الرسائل البولسيّة تتضمّن إشارة واحدة (فل، 1تس، فلم) أو إشارتين (غل، أف، كو 1تم، 2تم) أو ثلاث إشارات (1كور، 2كور)، ومن الأكيد أن لهذه الاشارات الخمس في تي مدلولها اللاهوتيّ الأكيد. فالله يوصف بالحقيقة والأبوّة والخلاص. والفرد يرتبط بخدمة الله، والجماعة هي تلك التي اختارها الله.
هذا الملفّ يلفت النظر، لا سيّما وأن هذه اللغة اللاهوتيّة الغنيّة تبدأ في التحيّة التي تفتح الرسالة. تبدأ تي بعبارة تحيّة في شكل مثلّث الأقسام: تسمية الكاتب. تسمية من ترسل إليه الرسالة. التحية (1: 1- 4). وتنتهي بأخبار شخصيّة وملاحظات ارشاديّة والبركة الأخيرة (3: 12- 15). وهكذا نكون في الفن الرسائليّ، إن نحن توقّفنا عند بداية الرسالة ونهايتها.
حين نتحدّث عن اسم مستعار وراء كاتب هذا النصّ، نقول أيضًا باسم مستعار حول متقبّل الرسالة. فتيطس الذي يُفترض أنه تسلّم الرسالة، قد لبث في كريت (1: 5). لماذا كريت؟ هي لا تشبه أفسس المذكورة أكثر من مرّة في العهد الجديد (1تم 1: 3؛ 2تم 1: 18؛ 4: 12؛ رج أع 18: 18- 21، 24- 28؛ 19: 1- 9- 20: 1؛ 20: 16- 38؛ 1كور 15: 32؛ 16: 8؛ أف 1: 1). بل ذُكرت مرة واحدة خلال رحلة بولس إلى سجن رومة (أع 27: 7- 26). اعتبر بعضهم أن تحديد تي في كريت، يدلّ على اسم مستعار كمدوّن هذه الرسالة. واستند في كلامه إلى ما أورده كاتب تي من قول مأثور يجعل أهل كريت "جماعة من الكذّابين (1: 12). يبدو أن هذا القول هو ردّ على أسطورة كريتيّة تعتبر أن زوشًا (إله الآلهة لدى اليونان) دُفن في كريت. وبسبب هذه الأسطورة، جرت العادة بتسمية الكريتيين "كذابين" (مثلاً، كاليماخوس: تحدّثوا عن قبرك، يا زوش، ولكنك لم تمت، فأنت إلى الأبد). إذا وثقنا بأن هذا القول الوارد في 1: 12 يميّز الكريتيين كشعب ترك التعليم اللاهوتيّ القديم، نفهم أن هذا الكاتب المجهول أراد أن يقدّم اللاهوت القديم إلى الكريتيين. فقانون الأرثوذكسيّة التقليديّة (يشدّد على واجبات الراعي تجاه "كلمة الحقّ" ومسؤولياته التعليميّة، 1: 9- 14؛ رج 1تم 3: 2 وجدارة التعليم. في 1تم 3: 2- 7 الوظيفة التعليميّة هي واحدة من 13 صفة يتميّز بها الأسقف) هو بعض ما يحمله تيطس الأمين (1: 4) إلى الذين يخدمهم.
هناك أمر آخر يتعلّق باستقامة الايمان الذي نعبّر عنه في تأليف رسائليّ يشدّد على الارشاد. من هذا القبيل، يجب أن نتذكّر بعض النظرات المتفرّعة من تطبيق النقد البلاغيّ على تحليل الرسائل في العهد الجديد. ففنّ كتابة الرسائل يتعلّمونه في مدارس البلاغة في العالم اليونانيّ الرومانيّ. فكاتب أول رسالة في العهد الجديد، كان رجل خطاب وبلاغة، كان واعظًا (وظيفته البلاغيّة تذكر داخل التقليد المسيحيّ حين يكون موضوع الخطبة التعليم الانجيلي). كان بولس واعظًا، وكان كاتب رسائل. ونحن نتعلّم الشيء الكثير عن رسائله حين ندرسها بمساعدة ما نعرف من نقد بلاغيّ في العالم القديم.
ولقد أثّرت رسائل بولس كثيرًا في تدوين مجموعة الرسائل في العهد الجديد، ولا سيّما تلك التي تحمل اسمًا مستعارًا: أف، كو، 2تس، 1تم، 2تم، تي، 1بط، 2بط، رؤ... وربّما رسائل أخرى من العهد الجديد. فالرسائل ذات الاسم المستعار، حملت اسم رسول، فدلّت على سلطته، ودلّت على موقعها داخل التقليد الرسوليّ. وإذ ذكرت هذه الرسائل اسم رسول استظلّت اعتباره ونفوذه.
وإن تي، شأنها شأن الرسائل التي استعارت اسم بولس في العهد الجديد، أخذت بالأسلوب الرسائليّ. واستعمالُ هذا الفن لدى بولس، كان أسلوبًا جديدًا من التخاطب مع جماعات مسيحيّة مشتّتة، ساعة لا يستطيع الكاتب أن يكون حاضرًا معها (1تم 3: 14- 15). حين يُستعمل النقد البلاغيّ في تحليل الرسائل، تُقدّم هذه الرسائلُ على أنها خطب في مناخ رسائليّ. فرسائل بولس الحقيقيّة هي في الواقع شكل من الخطبة الشفهيّة. أملى بولس التعليم. وسمعته الجماعة (1تس 5: 27). في الواقع، كانت رسائل بولس طريقةً توصلُ اعلان الانجيل عبر الزمان والمكان.
واتصال بولس مع هذه الجماعات البعيدة تمّ في شكل رسائليّ، والسمات التي تميّز الفنّ الرسائليّ، نجدها في بداية الرسالة وفي خاتمتها (مع التحيّة والسلامات). أما عنوان رسائل بولس، فقد أملاه الرسول. وهكذا كانت العناصر المتنوّعة في السلامات الختاميّة (وقد يكون كتبها بيده، 1كور 16: 21- 24؛ غل 6: 11؛ فلم 19). والتحيّة في البداية والنهاية، كانت جزءًا لا يتجزّأ من هذا الاتصال مع الكنائس. والتحيّة كانت أكثر من ختم الرسالة. فقد كانت لها وظيفة بلاغيّة.
فوظيفة التحيّة في الرسالة (وفعل الشكر أيضًا. نجده عادة في الرسائل الأولى. وبما أننا لا نجده في "الرعائيّة" فهذا يدلّ أيضًا على أنه لم يكتبها) تشبه من وجهات عديدة، وظيفة المطلع والإخبار في الخطاب الكلاسيكيّ. فعلى المستوى الخطابيّ، يقدّم المطلعُ والاخبار هدفَ الخطيب الذي يريد أن يلفت انتباه السامعين، ويُبرز عددًا من الوقائع يتّفق عليها المتكلّم مع سامعيه. وتظهر سلطة الخطيب في شكل "جلب انتباه السامع ورضاه". والوقائع تقدّم الأسس التي إليها يستند البرهان الذي سوف يقدَّم.
حين نقرأ التحيّة الرسائليّة في تي، يبدو من الواضح أن كثرة الألفاظ اللاهوتيّة الواضحة في 1: 1- 4، تقدّم الأساس لبرهان قدّمه هذا الكاتب في شكل لاهوتيّ، فدلّ على عبقريّته.

2- بولس عبد (خادم) الله
إن مطلع الرسالة في العالم الهلنستيّ يبدو بشكل من الأشكال، كالتوقيع في رسالة حديثة. هذا ما يُثبت صفة الكاتب، ويجعله ينتظر الجواب المناسب من القارئ. فإن جعلنا جانبًا مطلع روم (1: 1- 6) (رج غل 1: 1- 2)، فمطلع تي (1: 1- 3) هو أطول ما في الأدب الرسائليّ، في العهد الجديد.
أولاً، يُدّعى بولس "عبد الله" (دولوس تيو)، وهي صفة قلّما نقرأها في العهد الجديد (أع 16: 17). فهي تظهر في رؤ 15: 3 كوصف لموسى، وفي يع 1: 1 في تحيّة رسائليّة (رج 2بط 1: 1؛ يهو 1). ولكن يُدعى الرسول، عبد يسوع المسيح في روم 1: 1؛ رج فل 1: 1. وفي غل 1: 10 يُسمّي نفسه عبد المسيح. وفي 1كور 3: 5 يُدعى خادم (خادم) المسيح مع أبلوس. إذن، يُسمّي كاتب تي نفسه: عبد الله. ولكن نقرأ اللقب في السبعينيّة أكثر من مرّة، كوصف لاسرائيل في موقفه العباديّ. واستُعمل أيضًا للكلام عن أبطال الشعب ومؤسّسيه، الأنبياء والآباء: ابراهيم (مز 104: 42 حسب السبعينيّة)، يشوع (قض 2: 8)، حزقيا (2أخ 32: 16)، زربابل (حج 2: 23). وأخيرًا، هناك تسمية موسى (نح 9: 14؛ ملا 3: 24؛ مز 104: 26؛ 1مل 8: 53؛ رج يش 1: 1 (العبري)، 2، 7؛ نح 1: 7، 8؛ 2أخ 24: 6) وداود (1مل 11: 13؛ 2أخ 6: 42؛ مز 77: 70؛ 88: 4، 21، 40؛ 143: 10؛ حز 37: 24، 25؛ رج 1مل 18: 26 (العبري)؛ 14: 8 (العبري)؛ 2أخ 6: 17؛ إر 33: 21، 22، 26 (العبري)).
في رسالة تواجه "الخرافات اليهوديّة" (1: 14). يبدو "عبد الله" لقبًا يذكّرنا بالأبطال الكبار في تاريخ اسرائيل الخلاصيّ، وقد استُعمل عن بولس. فعبقريّة بولس جاءت شبيهة بعبقريّة موسى وداود. فبولس، كعبد الله، يرتبط كل الارتباط بالله، ولا دافع لرسالته سوى أن يعمل مشيئة الله. وقد برزت كرامة بولس وسلطته واعتباره منذ مدخل الرسالة. فالاله الذي بولس عبده، هو إله خلاص اسرائيل في التاريخ. وتسمية بولس ك "عبد" (دولوس)، تدلّ على المسافة بين العبد وسيّده. ونستطيع القول إن هذا المطلع الرسائليّ هو مدى خفيّ للتساميّ الالهي. الله هو الله وهو يتجاوز كل تصوّراتنا. والرسول يبقى عبدًا له وخادمًا.
ويتواصل المطلع فيسمّي كاتب الرسالة: "رسول يسوع المسيح (رج روم 1: 1؛ 1كور 1: 1؛ 2كور 1: 1؛ غل 1: 1) من أجل إيمان مختاري الله ومعرفة الحق التي توافق التقوى". ويمضي كاتب الرسالة فيدلّ عمّا يعنيه بكلمة الحقّ. أن يكون بولس رسول يسوع المسيح، يبيّن صفة خدمته. أن يكون أرسل من أجل مختاري الله ومعرفة الحق، يدلّ على الهدف. فعبوديّة بولس هي في سبيل الجماعة التي تسمّى "مختاري" الله. هذه الألفاظ لها جذور بيبليّة عميقة، وإن لم تكن عبارة "مختاري" الله عبارة مقولبة في البيبليا اليونانيّة (1أخ 16: 13؛ مز 88: 4؛ 104: 6، 43، حسب السبعينية؛ أش 65: 9، 15، 23). وقد وُجدت عبارة مشابهة في كتابات البحر الميت فدلّت على جماعة قمران (تفسير حبقوق 10: 13). وظهور هذه الألفاظ في 2تم 2: 10 يشير إلى المدلول الاسكاتولوجيّ (أف 1: 4؛ كو 3: 12؛ 1بط 1: 1؛ 2تم 2: 10). غير أن هذه الألفاظ، تدلّ في حدّ ذاتها، على مبادرة الله حين اختار شعبًا خاصًا به. في نصّ يدلّ على مناخ يهوديّ، لا تستطيع هذه الألفاظُ إلاّ أن تشير إلى اختيار اسرائيل. فخدمة بولس للاله الساميّ، تُرى داخل سياق عمل الله الذي اختار بحريّته شعبًا خاصًا به ومنحه مصيرًا اسكاتولوجيًا.

3- التقوى
هناك جدالات عديدة حول العلاقة بين "معرفة (إبيغنوسيس) الحق (أليتايا)" و"التقوى" (أوسابايا). فهل تقوم معرفة الحقّ على عيش في التقوى، أو هي تقود إلى التقوى؟ إن التوازي الوثيق لعبارة "معرفة التقوى"، كما في تي، نجده خارج العهد الجديد (رج 1تم 2: 4؛ 2تم 2: 25؛ 3: 7)، في أدب قمران. هناك مسيرة من الوحي حول المعرفة الجماعيّة إلى العمل الجماعيّ (دع ت. إم ت. رج نظام الجماعة 9: 17؛ المدائح 10: 20، 29). فمعرفة الحقّ في تي 1: 1 تستبق النقاش في 1: 10- 16 حيث الحقيقة التي هي فهم الكاتب لتعليم الانجيل، تعارض الضلال، وبشكل خاص "الخرافات اليهوديّة" (1: 14). فالارتباط بالخرافات اليهوديّة، هو عمل الذين يعتبرون أنهم يُقرّون بالله ولكنهم ينكرونه بأعمالهم (غل 5: 6). فإنكار الحقيقة يقود إلى فساد العقل والضمير والعمل.
إذ حاول كاتب الرسالة أن يدلّ على عبقريّة الرسول، حدّد رسالة بولس على أنها ليست موجّهة فقط نمو إيمان الشعب المختار، بل أيضًا نمو معرفة التعليم الانجيليّ التي تقود إلى التقوى. هو الموضوع الوحيد الذي فيه يتكلّم كاتب تي عن "اوسابايا" على أنها الفضيلة الأولى في الرسائل الرعائيّة (1تم 2: 2؛ 3: 16؛ 4: 7، 8؛ 6: 3، 5، 6، 11؛ 2تم 3: 5). هي مخافة الله التي تصل بنا إلى احترام القيم والبنى الاجتماعيّة. وهي في تي تعني التصرّف المسيحيّ حيث تماهي أشكالَه الخاصّة مع ما تعرضه الرسالة. إن "التقوى" تشير إلى نوع من السلوك يتوافق مع جماعة تدرك نفسها أنها شعب الله المختار. وجواب التقوى الدينيّ، يقود إلى تصرّف ونموذج حياة يتوافقان مع اختيار الله لنا. ويصوّر الراعي في خطّ الفكر البولسيّ (حسب الرجاء، رج روم 4: 18؛ 5: 2؛ 8: 20؛ 1كور 9: 10) هدف "التقوى" على أنها "حياة أبديّة" ننالها لا بأعمالنا الصالحة، بل كهديّة من الله الذي وعد بها.

4- رجاء الحياة الأبديّة
إن "رجاء الحياة الأبديّة" يميّز الوجود المسيحيّ، وهو يرد في 3: 7 في إطار مقطوعة لاهوتيّة مكثفة (3: 4- 7)، تأتي بعد مقطوعة أولى ترد في 2: 11- 14. فالحياة الأبديّة هي "الحياة الحاضرة والحياة الآتية" معًا (1تم 4: 9). فالأزليّة صفة خاصة بالله، إله اسرائيل، الذي كشف عن نفسه لشعبه (مز 101: 13، 25- 26 حسب السبعينية). في التحيّة التي نقرأها في بداية تي، تظهر عبقريةُ بولس في إطار الأبديّة التي يعمل فيها الله من أجل شعبه. فالإطار الإخباريّ في التحيّة الرسائليّة هي أوسع ما يمكن. فهي تنطلق من الأزل إلى الأبد. من قبل "الأزمنة الدهريّة" إلى "الحياة الأبديّة". وتتحدّد خدمة بولس في الوقت المناسب، داخل هذا الاطار الإخباريّ حول الأبديّة.
في إطار الزمن "الأبديّ" الذي يميّز وجود الله، يصوّر الكاتبُ الله على أنه الاله الذي وعد بالحياة الأبديّة. ويظهر مضمونُ الوعد الالهيّ في الزمن اليهوديّ المتأخّر (رج 2مك 2: 17-18؛ 3مك 2: 10)، وهناك يتّخذ لونًا اسكاتولوجيًا. هذه الفكرة تجد جذورها في تفكير حول اختيار الله لابراهيم ونسله. كل هذا أعيد تدوينه في الأدب الجليانيّ (في 2مك 2: 17- 18 ارتبط الوعد بالخلاص. في 4 عز 7: 119- 120 بالدهر الأبديّ والرجاء الذي لا يفنى)، كما في الأدب المسيحيّ الأولانيّ. فحين يُشير العهد الجديد إلى الوعد الإلهيّ، نجد إشارة رئيسيّّة في الكتابات البولسيّة، ولا سيّما في روم وغل (في الرسائل الرعائيّة لا يرد فقط الوعد، سوى في 1تم 4: 8؛ 2تم 1: 1، وموضوع الوعد هو "الحياة في المسيح يسوع". أما فعل "وعد" فيظهر هنا في تي 1: 2 وفي 1تم 2: 10؛ 6: 21). في تي 1: 2، موضوعُ الوعد الالهيّ هو الحياة الأبديّة. وتتأسّس الحياة الأبديّة على الوعد الالهيّ. وجذورُ الوعد هي عطيّة الخلاص التي تتحقّق في الحياة الأبديّة، في تسامي الله ذاته.
وإذ أراد الكاتب أن يبيّن شرعيّة الوعد الالهي، سمّى الله "ابسوديس"، الصادق، الذي لا يكذب. إن استعمال هذه الكلمة الهلنستيّة كصفة مميّزة لله، يتماشى مع اللغة المستعملة عن الله في حلقة الكلام عن الراعي (رج 1تم 1: 17؛ 6: 16؛ "أ" في البداية هي النافية، أ - بسودس - لا يكذب، رج ما يقال عن الأسقف في 1تم 3: 2- 3). غير أن هذه الصفة لا ترد سوى مرّة واحدة في العهد الجديد. فهي تشير، ليس فقط إلى مفهوم الاله الحقّ والحقيقيّ، الذي لا يغشّ ولا يستطيع أن يغشّ (عد 23: 19؛ 1صم 15: 29؛ روم 3: 4؛ 2كور 1: 18؛ عب 6: 19)، بل أيضًا (في العالم الهلنستيّ) إلى نوع من معرفة نبويّة لا يمتلكها سوى الله. في النهاية، نحن أمام نظام إلهي يحفظ الكون. فبالنسبة إلى الرسول، ما أؤتمن به بولس بأن يعلن الكلمة هو في حدّ ذاته علامة أمانة الله على عهده.
إن الكلام بأن التقوى هي أساس رجاء الحياة الأبديّة، الذي يتأسّس بنفسه على الوعد الالهي، يجد صداه في فكرة عبّرت عنها 1تم 4: 8: "في التقوى كل الخير لأن لها الوعد بالحياة الحاضرة والمستقبلة" (قال ابيكتات: الفضيلة تحمل وعدًا يخلق السعادة والهدوء والطمأنينة، 1/4: 3). أبرز الكاتب هذا الاعلان كقول أكيد يستحقّ القبول التام (1تم 4: 9). من هذا المنطلق تفيد التقوى من جميع الأحوال. وتساعد بشكل خاص، لأنها تتضمّن الوعد بالحياة الآن وفي المستقبل. هذه الحياة هي "الحياة في المسيح يسوع" (2تم 1: 1؛ رج يو 10: 10). وهي مشاركة في حياة المسيح، في الدهر الحالي من الخلاص، وفي النهاية حين يتحقّق الخلاصُ في ملئه.
رفض كاتب تي صورة بولس الذي هو نموذج عمله الأدبيّ، فصوّر رسالته في هدفها الأخير: أن تشرك المؤمنين في الخلاص الأبديّ. "الحياة الأبديّة" هي رمز لموضوع الوعد الالهي. وهي الهدف الأخير لرسالة بولس، كما قدّرت تي هذه الرسالة حقّ قدرها. وإذ فسّر الكاتب رسالة بولس بهذا الشكل، لم يُبرز فقط عبقريّة مثاله، بل شدّد على قوّة الارشاد في ما كتب. فما توخّاه لقرّاء الرسالة في عرضه للتقوى، هو أن الاتّباع ليس سوى الحياة الأبديّة نفسها.

5- تحقيق الوعد
قدّم لاهوت تي الله في إطار يمتدّ إلى ما بعد الزمن. ومع ذلك، فإله خلاصنا هو إلهٌ عملَ داخل الزمن فتأكّدنا أن الوعد الذي تمّ قبل دهور الزمن، منذ الأزل (1: 2)، هو وعد تمّ في تاريخ البشر. وأصل لفظ وعد (إب، انغاليا) يدلّ على أن هناك شخصًا أعلن له وعدٌ. ومع ذلك وبالنسبة إلى كاتب التحيّة في تي، فالتجلّي الأول للخلاص الالهيّ هو وحي الكلمة عبر إعلان اؤتمن بولس عليه. فالله وعد بالحياة الأبديّة، والله كشف كلمته. والله هو الذي أوكل »عبده« بالمهمّة، وعبده هو سفير يسوع المسيح. ذاك هو نموذج معاني الخلاص في التاريخ البشريّ.
لقد تحقّق وعدُ الحياة الأبديّة كوحي (فانارون، رج 2: 11، 13؛ 3: 4) كلمة الله كما وصل إلى بولس. فكلمة الله هي انجيل يسوع المسيح. غير أن الكاتب لا يصوّر كلمة الله تصويرًا صريحًا بهذه العبارة. فهو لا يستعمل لفظ "انجيل" (إونغليون)، ولا الفعل "أنجل"، أعلن (أونغليزوماي). فكلمة (لوغوي) الله كلمة صادقة (بستوس) (1: 9). هي تعليم يتلخّص في 3: 4- 7 الذي هو "قول صادق" (بستوس، لوغوس). فالكلمة التي اؤتمن عليها بولس تُعلَّم ويُكرز بها لدى الذين كُلّفوا بتدبير الجماعة وتحمّلوا مسؤوليّة القيادة في بيت الله الذي جاء بعد بولس. وسلسلة النقل تنطلق من بولس إلى تيطس، ومن تيطس إلى الأسقف، ومن الأسقف إلى الذين هم في داخل بيت الله (2: 5- 9). ومصداقيّة كلمة الله في العالم، في كل مدينة (كاتا بولين، 1: 5)، ترتبط بتصرّف أولئك الذين يعيشون في بيت الله، حتى لو شغلوا منصبًا اجتماعيًا بسيطًا داخل البنية الاجتماعيّة في ذلك الزمان (2: 5، 9؛ رج 1: 16). مصداقيّةُ كلمة الله ترتبط بتقوى الذين يقيمون في بيت الله (سلوك المؤمنين يؤثّر في الذين هم من الخارج).
وفي لغة تذكرّنا بما في 1تس 2: 4، صوّر الكاتبُ بولسَ كشخص أوكله الله بأن يكرز (كيريغما) بكلمته (1: 3). الصورة هي صورة بلاط ملكيّ فيه يمنح المحسنُ الكبير، المخلّص (سوتير)، مهمّة إلى أحد عبيده (في 1: 3، نقرأ "إغو"، أنا. هذا يعني فرادة المهمة التي أوكل بها بولس). ويبرز المشهد من خلال تصوير الله على أنه "مخلّصنا"، وباستعمال لفظين خاصين. الفعل: أئتمن (بستاوو). والاسم: أمر (إبيتاغي). في الاستعمال الكلاسيكيّ، فعل "بستاوو" في صيغة المجهول يعني أئتمن شخصٌ على واجب. والأمر (ابيتاغي) يدل على الاحتفال الذي فيه تُسلّم المهمّة، ويشير إلى سلطة ذاك الذي يتسلّم المهمّة. في أفق القارئ المسيحيّ لهذا النصّ، تبدو الحياة كعطيّة المحسن السامي. هذا ما يدلّ على فهم دينيّ لعبارة "الله مخلّصنا"، خصوصًا حين يشير المشهد كله إلى موضوع التقوى (أوسابايا، 1: 1).
6- التحيّة
إن التحيّة الرسائليّة التي نقرأها في 1: 4 هي فريدة داخل العهد الجديد. هي لا تنسب إلى يسوع المسيح لقب "الربّ" (كيريوس، نشير إلى أن لقب كيريوس الذي هو صفة مميّزة عند بولس، لا يرد بعد ذلك في تي)، كما اعتاد بولس أن يفعل (روم 1: 7؛ 1كور 1: 3؛ فلم 3؛ 2كور 1: 2؛ غل 1: 3؛ فل 1: 2) وكما اعتدنا أن نقرأ في 1تم 1: 2؛ 2تم 1: 2 (رج 1تس 1: 1؛ أف 1: 2). ولكن الكاتب يعطي ليسوع صفة مميّزة: مخلّصنا، كما فعل حين سمّى الله "مخلّصنا" (1: 3: هي المرّة الوحيدة يُدعى فيها الله المخلّص) والمسيح المخلّص. فاستعمال "سوتير" كلقب يسوع بهذا الشكل، يميّز كاتب هذه الرسالة. ففي 2: 13 وفي 3: 6 يُدعى يسوع "المخلّص" في سياق يرتبط ارتباطًا وثيقًا باستعمال ذات الصفة التي تميّز الله. نشير هنا إلى أن "سوتير" ترد عشر مرات في "الرعائيّة". في 1تم تطبّق فقط على الله: 1: 1؛ 2: 3؛ 4: 10. في 2تم ترد مرة واحدة، 1: 10، وتطبّق على المسيح. ما يميّز تي هو أن الصفة تنطبق على الله وعلى المسيح، في ذات السياق الأدبي. 1: 3؛ 2: 10؛ 3: 4 بالنسبة إلى الله. 1: 4؛ 2: 13؛ 3: 6 بالنسبة إلى المسيح. وهكذا أراد الكاتب في "التحية" (1: 4) أن يستبق ما سوف يقوله في الرسالة.
واستعمل الكاتب عبارة "النعمة والسلام" كمضمون يعكس استعمال بولس للفنّ الرسائليّ. لا يضيف "الرحمة" إلى التحيّة في 1، 2تم (إلايوس، نجدها في الاسكندراني وعدد من المخطوطات البيزنطيّة). فالنعمة والسلام اللذان يتمنّاهما الراعي للجماعة، هما عطيّة آتية من عند الله أبينا والمسيح يسوع مخلّصنا. تكلّم الكاتب هنا فقط عن الله على أنه "الآب". فكلامه تقليديّ. الأبوّة صفة إلهيّة. ولكن لا يتوسّع فيها. وإذ تبدو هذه العودة إلى الله الآب تقليديّة، فهي تستبق موضوعين نجدهما في 3: 4- 7: الولادة الجديدة والميراث.

7- تي 3: 4- 7
إن وظيفة الاستباق في عنوان الرسالة ككل، يقدَّر تقديرًا تامًا حين نقابل التحيّة مع العبارة الايمانيّة التي نقرأها في 3: 4- 7. حين ذكر الكاتب بولس، تحدّث عن "الله مخلّصنا". إنها تحيّة فريدة. فهي تتكلّم عن المسيح مخلّصنا. فالصورتان عن المخلّص نجدهما في هذه المقطوعة الايمانيّة (3: 4- 7). إن هذا القول الكنسيّ يعرض موضوع الخلاص الالهيّ كما أعلن في التحيّة، في بداية الرسالة. نحن هنا أمام "قول صادق". يعني: تعليم يجب أن نؤمن به. هو المقطع الوحيد الذي يوصف بهذا الشكل في الرسالة كلها (جاء المقطع في إطار عماديّ، وظهرت قوّة الارشاد في إطار "قبل/بعد"، آ 3).
يبدو أن هذه القطعة كانت نشيدًا عماديًا أو إعلانًا إيمانيًا في الكنيسة. فالكتاب لا يتكلّم عن "العماد" كما اعتادت الكنيسة أن تفعل، بل عن الغسل (لوترون) الذي يرتبط بما يتمّ في "الحمّامات العامة"، في الحضارة اليونانيّة والرومانيّة. فالنشيد يجعل من الحنان والمحبّة والرحمة صفات لله مخلّصنا. فحنان الله (سخاؤه) هو موضوع بيبليّ نجده في المزامير، وسيجعله بولس في رسائله إلى مختلف الكنائس: محبّة الله للبشر هي: فيلانتروبيا" (كلام قيل في الآلهة الوثنيّة واستُعمل هنا). دلّت على تنازل الله ورأفته، كما دلّت على هبات حقيقيّة وخدمات سخيّة من أجل الجماعات. نحن هنا أمام موقف روحيّ وعمليّ. على المستوى الدنيويّ، تتضمّن "فيلانتروبيا" اللطف والأدب والتهذيب، السخاء وحبّ مساعدة الآخرين. إن حنان الله وحبّه الحنون تجلّى في ظهور يسوع المسيح (2: 11). فحضورُ يسوع المسيح هو تجلّي حنان الله ورحمته المحبّة.
إن الصفة التي تنطلق فيها تي مع استعمال فريد للفظ "فيلانتروبيا"، تنطلق من مضمون بيبليّ حول لفظ "ح س د" الذي يقال في الله. نشير هنا إلى أن السبعينيّة لا تنقل "ح س د" العبريّة إلى "فيلانتروبيا" اليونانيّة. بل هي تستعمل اللفظ اليونانيّ لكي تتحدّث عن صفة ملوكيّة. رج أس 8: 13 (الملك أحشويروش)؛ 2مك 6: 22 (انطيوخس الرابع إبيفانيوس)؛ 3مك 3: 15، 18 (بطليموس).
إن اللفظ العبريّ "ح س د" يُنقل في السبعينيّة بلفظ "إلايوس" (رحمة)، وهو يرد في تي 3: 5 (رج تك 24: 12، 14، 44، 49؛ 39: 1؛ 40: 14...). فرحمة الله تذكّرنا بعهد محبّته، وبالسبب السامي الذي جعل الله يدخل في علاقة عهد مع شعب اختاره وحافظ على هذه العلاقة. ففي نظر كاتب تي، رحمةُ الله هي السبب الوحيد للخلاص. وهي تشكّل مع صلاح الله وحبّه وحنانه، نعمة (خاريس) الربّ (3: 7؛ رج 2: 11). ورجاء الحياة الأبديّة (3: 7؛ رج 1: 2) يتأسّس على نعمة الله.
كيف يكون هذا؟ بما أن الله مخلّصنا خلّصنا (سوزاين)، لا لأجل أعمال برّ عملناها (هي المرّة الوحيدةُ يذكر فيها البرّ في "الرعائيّة")، بل عبر ماء الولادة الثانية والتجديد بواسطة الروح القدس، فروح الله القدوس الذي ذُكر هنا (3: 5) للمرة الأولى في تي، هو ينبوع الولادة والتجديد المرتبطان بالعموديّة التي بدت أداة لعمل الروح. استعمل الكاتب صورة أدبيّة مع لفظ بولسيّ جديد (أناكاينوسيس، رج روم 12: 20؛ وأيضًا أفعال قريبة في 2كور 4: 16؛ كو 3: 10؛ عب 6: 6) ليعطي رنّة مسيحيّة خاصة للفظ في الفلسفة الهلنستيّة والأدب الدينيّ، ولا سيّما مع "بالينغاناسيا". يؤكّد الكاتب أن غسل العماد، بواسطة الروح (في تي 3: 5؛ 2تم 1: 14، يُذكر عمل الروح في الكنيسة) يهيّئنا للقيامة الأخيرة ولتجديد حياتنا. إنه يستبق المشاركة الاسكاتولوجيّة في القيامة وفي ينبوع تجديد الحياة الذي يميّز أولئك الذين تدرّجوا فدخلوا إلى شعب الله، إلى بيت الله. وتجديد الحياة هذا يتعارض تعارضًا جذريًا مع طريقة الحياة التي عرفها المسيحيون المولودون، في ما مضى. وقد صُوّرت تلك الطريقة، طريقة الحياة القديمة، في لائحة الرذائل التي جعلها الكاتب (3: 3) حالاً قبل أن يبدأ كلامه عن تجلّي حنان الله ومحبته للبشر.
عبر طقس العماد، أفاض (إكساخاين، صيغة الاحتمال) الله بغنى (بلوسيوس)، روحَه على شعبه. الصورة هي صورة طوفان يفيض، وفيه تُعطى موهبة الروح إلى شعب الله، بالقوة والوفرة. هذا يعكس الصور البيبليّة عن الله الذي يُعطي روحه لشعبه، في شكل مشابه (رج يو 3: 1- 2؛ زك 12: 10؛ أع 2: 17؛ 18: 33). إن عطيّة الله السخيّة، عطيّة روحه القدوس، لا تعمل فقط بواسطة غسل العماد، بل تعمل أيضًا عبر يسوع المسيح مخلّصنا. فالأداة "ديا" مع المجرور، تُستعمل في تي مرة واحدة، في 3: 5- 6. بهذه الطريقة تحدّث الكاتب عن رجاء القيامة وتجديد الحياة، لا بالنسبة إلى غسل العماد وحسب، بل بالنسبة إلى يسوع المسيح مخلّصنا أيضًا. هي المرّة الثالثة يُدعي فيها يسوع المسيح مخلّصنا، وكل مرّة في سياق يُسمَّى الله مخلّصنا. فعبر الروح القدس، يسوع المسيح هو أداة الخلاص الذي هو ظاهر في القيامة وجدَّة الحياة، بحيث استحقّ لقب "مخلّص". بهذا الشكل، وقف القولُ الصادق في 3: 4- 7 على عتبة اللاهوت الثالوثي في الكنيسة الأولى.
وبدلاً من أن يبرَّر المسيحيّون بواسطة أعمالهم، برّرهم الله عبر الروح القدس. هي نعمة الله التي جعلت المؤمنين أبرارًا. وإذ يتبرّرون، يصبحون ورثة مع رجاء الحياة الأبديّة ولفظة الميراث التي استعملها الكاتب في 3: 7، لكي يصوّر علاقة المسيحيّين بالحياة الأبديّة، هي فريدة في الرسائل الرعائيّة. لا شكّ في أنها صدى الاستعمال المسيحي البولسيّ الأول، وقد يكون ألهمها كون المسيحيين صاروا أولاد الله بالمعمودية. ميراثُهم هو الحياة الأبدية، مع القيامة التي تتضمّن لفظ "بالنغاناسيا" (3: 5).
إن القول الصادق (3: 4- 7) الذي أشير إليه في التحيّة (1: 1- 4)، يصف طريقة ثانية بها يدلّ الله على نفسه بأنه صادق في موعد الخلاص الأبديّ. بالاضافة إلى إئتمان بولس بأن يكرز بكلمته، أفاض روحه بواسطة الغسل العمادي على الذين اختارهم ليكونوا وارثي الحياة الأبديّة. فخلاص الله بدأ يتحقّق في التاريخ البشريّ، حين سُلّمت الكلمة إلى بولس، والغسل العماديّ للمسيحيين.
وقد يُطرح سؤال: ما هي وظيفة هذا الاتحاد بالمسيح الذي تحمله هذه الوحدة اللاهوتيّة العميقة داخل نصّ ذي هدف ارشاديّ؟ سؤال ضروريّ، لأن 3: 4- 7 هو المقطع الوحيد في هذه الرسالة، الذي وُصف بأنه قول صادق (3: 8). وهذا ما يدلّ على فرادته. يبدو الجواب مرتبطًا في مقطع يسبق 3: 4- 7 بشكل مباشر (3: 1- 3). فالوحدة الارشاديّة تتميّز برسمة (لأن، عندئذ) كلاسيكيّة تعارض طريقة الحياة في السابق (3: 3) مع الحياة (3: 1- 2) التي ينتظرها الآن أولئك الذين توجّه إليهم هذا الكلامُ الارشاديّ.
يُنتظر منهم أن يخضعوا في حياتهم "للحكّام وأصحاب السلطة"، وأن يكونوا مستعدّين لكل عمل صالح، خصوصًا بعد أن ظهر حنان الرب ورحمته. عليهم أن يعيشوا حياة صالحة، حياة مسؤولة في الجماعة، لأنهم خلصوا ويعيشون في رجاء الحياة الأبديّة. في الواقع، ما يقال في 3: 4- 6 يقدّم الباعث اللاهوتي من أجل الارشاد الذي نقرأه في 3: 1- 3. في هذا المجال، يرتبط القول الصادق ارتباطًا وظائفيًا وثيقًا بتحيّة الكاتب في بداية الرسالة (1: 1- 3). فكل قول من هذه الأقوال اللاهوتيّة العميقة، يلعب في الرسالة وظيفة تأمين تبرير لاهوتيّ للارشاد (فيه حضّ خلقيّ ومتطلّبات من أجل النظام في الكنيسة) الذي يقدّم في الرسالة. وكل من هذه المقاطع اللاهوتيّة الصريحة تؤمّن الاسناد الذي على أساسه يُعلن الارشاد، كما تجعل من الزمن الحاضر زمن نعمة. وهكذا يبدو الكاتب في هذين المقطعين واعيًا لبنية تأليفه اللاهوتيّ.

8- تي 2: 11- 14
إن هذين المقطعين اللاهوتيين اللذين ذكرناهما (1: 1- 4؛ 3: 4- 7) يكتملان بمقطع ثالث هو 2: 11- 14. يقع هذا المقطع الثالث حالاً في بداية القسم الثاني من الرسالة. ارتبط هذا المقطع الكرازي بالمقطعين الأولين، بالعودة إلى نعمة الله (2: 11؛ رج 1: 4؛ 3: 7)، فصوّر قدرة نعمة الله في تربية شعبه لكي يحيا حياة يرضى عنها المجتمع، حياة بحسب الله. وهذا المقطع الذي يتحدّث عن الظهور (ابيفانيا)، يلعب وظيفة شبيهة بوظيفة 3: 4- 7. كلتا هاتين الوحدتين بدأتا في عودة إلى الظهور: ابيفاناين، 2: 11، لا يرد في موضع آخر من الرسائل البولسيّة (رج لو 1: 79؛ أع 27: 20)؛ في تي 3: 4 نقرأ الفعل. أما الاسم "ابيفانيا" فيظهر في 2: 13 فيجعل من 2: 11- 14 مقطع ظهور. لا ترد اللفظة إلاّ هنا، في تي 2: 13. ولكنها ترد أيضًا في 1تم 6: 14؛ 2تم 4: 1، 8. فالظهور صفة من صفات الله، وهو "نعمة" في 2: 11 و"حنان ومحبّة" في 3: 4.
حين ماهى هذان المقطعان الظهوريّان صفات الله هذه، في تي، ارتبطا ارتباطًا وثيقًا بالتحية الرسائليّة (1: 1- 4) التي دلّت على الله الذي لا يكذب (آ 2)، الذي هو مخلّص (آ 3)، الذي هو أب (آ 4). وهكذا بدت هذه المقاطع الثلاثة مشابهة، بحيث يشدّد كل مقطع على نوع الزمن الذي فيه يُدعى القراء لأن يعيشوا هذه الحياة. فالتحية تشير إلى الزمن الحاضر على أنه الزمان المؤاتي (1: 2). ومقطعا الظهور يعتبران الزمن الحاضر (2: 12) كزمن يأتي بعد أن يُظهر الله صفاته لشعبه من أجل خلاصهم. في 2: 11- 13 الذي هو مقطع يضمّ عناصر من عبارة اعتراف عماديّ يتحدّث عن تبدّل في حياة المعمد الجديد، صُوّرت حياةُ المسيحيّ حياة يجب أن نعيشها بين ظهورين (2: 11، 13).
كان الظهور الأول تجلّي نعمة (خاريس) الله التي تحمل الخلاص إلى جميع البشر (انتروبون، 2: 11). في 2: 11، أبرز الكاتب وحي موهبة الله. أما 2: 14 فأعلن أن نعمة الله تجلّت في ظهور يسوع المسيح "الذي ضحّى بنفسه لأجلنا حتّى يفتدينا من كل شر ويطهّرنا ويجعلنا شعبه الخاص الغيور على العمل الصالح". والظهور الثاني الذي هو موضوع الرجاء المبارك، هو تجلّي مجد إلهنا العظيم ومخلّصنا يسوع المسيح (2: 13).
يشير 2: 13 إلى مجيء (باروسيا، 1تس 2: 19؛ 3: 13؛ 4: 15؛ 5: 23؛ 1كور 15: 23؛ 2تس 2: 1- 8) يسوع. سواء اعتبر الكاتب أن المجيء هو تجلّي مجد الله، أو أراد أن يشير إلى يسوع المسيح على أنه "إلهنا العظيم ومخلّصنا"، فالصعوبة هي في دراسة تي. فالنصّ اليونانيّ ملتبس، وهو يحمل أكثر من تفسير. نذكر هنا أن عبارة "إله ومخلّص" هي عبارة تُستعمل للاله الواحد في العالم اليهودي الهلنستيّ وفي الأدب الدنيويّ (مز 41: 12؛ 42: 5 حسب السبعينية). وإن بدت اليونانيّة البيبليّة وكأنها تعكس الظروف التي فيها استعملت السبعينية "الاله العظيم" للكلام عن يهوه، فمن المعلوم أن الأمم الوثنيّة استعملتها أيضًا للكلام عن آلهتها (مز 76: 14 حسب السبعينية. وهناك مدوّنات عديدة). قدّمنا بالعودة إلى الشرّاح براهين تدلّ على أن عبارة "إلهنا العظيم ومخلّصنا" تدلّ على يسوع، مع العلم أن هناك موقفًا آخر.
فإن كانت العبارة "إلهنا ومخلّصنا" تؤخذ ككلام عن يسوع، على أنه المخلّص، يطبّق "تيوس" (الله) على يسوع، لا بشكل اسم (كما في رسائل بولس) بل بشكل "وظيفة". فيسوع مارس كالله وظيفة الخلاص. في أي حال، ما أراد أن يُبرزه الكاتب هو ظهور يسوع الاسكاتولوجي الذي لأجله يتأسّس الرجاء المسيحيّ على وعد الله، ويكون تجلّي خلاص الله.
مقابل هذا تبدو وظيفة 2: 11- 14 شبيهة بوظيفة 3: 4- 7. فالمقطعان استعملا اللغة التقليديّة. وكلاهما شدّدا على أن قرّاء الرسالة يعيشون في الزمن الذي يلي تجلّي صفات الله الجوهريّة. ويقدّمان المسيحيّين على أنهم عائشون في زمن الانتظار. ويسمّيان يسوع، المخلّص، أي الأداة السامية من أجل تنفيذ مخطط الله الخلاصيّ. وكلاهما صدى لتقليد مسيحيّ قديم حول العماد. وفي النهاية، يُسندان إسنادًا لاهوتيًا الارشاد السابق لكل منهما.

خاتمة
قبل الدهور، وعد الله بالحياة الأبديّة، وهذا الوعد هو موضوع الرجاء المسيحيّ. هذا الاله هو الاله الذي لا يكذب أبدًا. وقد حقّق وعده، وأظهر حنانه في ثلاثة أزمنة مميّزة. الظهور الأول لالتزام الله بالخلاص كان ظهور نعمة وتجلّي المخلّص يسوع المسيح. وكان وقت آخر حاسم في تاريخ الخلاص، حين كُلّف بولس، عبد الله والرسول الرسول، بأن يعلن كلمة الله الخلاصيّة. والزمن الثالث يتّخذ مكانه في العماد المسيحيّ، ساعة يُولد المسيحيون ثانية ويتجدّدون عبر عطيّة الروح. وهكذا يتحقّق ملء التحقّق رجاء المسيحيين المبارك في تجلّي مجد إلهنا ومخلّصنا يسوع المسيح.
فالاله الذي وجوده يمتدّ إلى كل دهور الزمن، هو الاله الذي حقّق وعد الخلاص في التاريخ البشريّ، وهو سيُتمّ هذا الخلاص في مجيء يسوع المسيح، وظهوره كالاله والمخلّص. والذين اصطفاهم كمختاريه يُنتظر منهم أن يعكسوا حنانه في مختلف تصرّفاتهم، كما تقول تي. يبقى عليهم أن يؤمنوا بالله مخلّصنا (3: 8ب)، هذا الاله الذي وعد وهو يحقّق ملء التحقيق خلاص بيته (1: 7). 
الفصل الثالث
العنوان والتحيّة
1: 1- 4

العنوان في تي طويل، وقد جاء في لهجة احتفاليّة، فبدا قريبًا ممّا في غل 1: 1- 5 وروم 1: 1- 7. ونحن ندهش حين نرى بولس يطالب بألقابه ويلحّ عليها في رسالة يرسلها إلى أحد معاونيه. لهذا رأى عدد من الشرّاح أن هذه الرسالة هي من تدوين أحد تلاميذ بولس، لا بولس نفسه. وما أسند قولهم هو العمق اللاهوتيّ حول الرسالة في التدبير الخلاصيّ. نجد هنا في هذه الفاتحة، الطابع الشخصيّ: أب يكتب إلى ابنه. والطابع الرسميّ: توصيات رسول تشدّد على واجبات الراعي والمؤمنين، وعلى طبيعة التعليم الذي يجب أن يُنقل في الكنيسة. ليس هذا بتعليم جديد لا أساس له، بل تعليم يتجذّر في الماضي ويتوجّه نحو المستقبل، فيحدّثنا عن الحياة الالهيّة في حياة الجماعة.

1- الرسالة والمرسل
تبدأ الرسالة بالتحيّة، والتحيّة تقدّم لنا المرسل والمرسَل إليه. المرسل، الذي أرسل الرسالة هو بولس. ولقبه: رسول المسيح (1تم، 2تم، تي). ولكن تي أضافت: "عبد (دولوس) الله. وكان توسّع. بأي سلطة يكتب بولس؟ حسب "أمر" (إبيتاغي) الله كما تقول تي 1: 3، و1تم. أما في 2تم فنجد "مشيئة" الله. رج 1كور 1: 2؛ 2كور 1: 1؛ أف 1: 1؛ كو 1: 1. دعت 1تم 1: 1 المسيح "رجاءنا"، فأوجزت اعتراف إيمان نجده في تي 2: 11- 14؛ 3: 4- 7. وتحدّثت 2تم 1: 1 عن "وعد الحياة الذي في المسيح يسوع". أما تي 1: 2 فتوقّفت عند "رجاء الحياة الأبديّة التي وُعدنا بها". نلاحظ هنا أن الرسائل الرعائيّة الثلاث استعارت بشكل لافت أقوالاً حول طبيعة الرسالة وأصلها، كما في سائر الرسائل البولسيّة.
وننتقل إلى الذي تسلّم الرسالة: تيطس، تيموتاوس. هو ابن حقيقيّ (غنيسيوس)، شرعيّ في تي، 1تم. وابن "حبيب" في 2تم. ما الذي جعل تيطس الابن الشرعيّ، الابن الحقيقيّ؟ "إيمان مشترك "بين الأب وابنه، بين المعلّم وتلميذه، حسب تي 1: 4. وحسب 1تم: الايمان. أما 2تم فتحدّثت عن "وعد الحياة".
وجاءت التحيّة التي تحمل النعمة والخلاص: نعمة (خاريس)، سلام (إيريني). وأضافت 1تم، 2تم: الرحمة (رج غل 6: 16: السلام والرحمة. يبدو أن النعمة تقابل الرحمة في الرسائل الرعائيّة). من أين تأتي هذه العطايا؟ "من الله الآب ويسوع المسيح"، كما تقول الرسائل الرعائيّة الثلاث. "من مخلّصنا" (سوتير) كما تضيف تي. من "ربنا" كما يقول 1تم، 2تم.
إن لفظتيّ "شرعيّ" (حقيقيّ) و"أمر" نجدهما في رسائل تعليميّة تتركزّ على المهمة التي انتُدب إليها شخص من الأشخاص (تي، 1تم). أما لفظة "حبيب" (2تم) فتتوافق مع عناصر الوصيّة التي يتركها انسان عند ساعة موته. "المشيئة" (2تم) تعيدنا إلى الأصل الدينيّ، أما "الأمر" فيتوجّه نحو عمل ملموس. إن كنا نجد عددًا من العناصر في المقولات السوتيريولوجيّة، في 1تم، 2تم، فالمقالة السوتيريولوجيّة في تي تظهر منذ البداية فتكون صدى لمقالتين تتحدّثان عن الخلاص، في قلب الرسالة (2: 11- 14؛ 3: 3- 7).
وإذا توقّفنا عند بنية تي 1: 1- 4، نلاحظ أن اسم الله (تيوس) يرد خمس مرات. في آ ،2 هو فاعل العبارة السوتيريولوجيّة: الله الذي وعد، أظهر كلمته. في آ 1، تأتي اللفظة في صيغة المضاف إليه: بولس »عبد الله«. المؤمنون هم »مختارو (إكلكتون) الله«. في آ ،3 الله هو في أصل الأمر (إبيتاغي) الذي تلقّاه بولس. وفي آ ،4 الله هو في أصل خيرات البركة: نعمة وسلام من قبل الله.
يُذكر »يسوع المسيح« في آ ،1 و »المسيح يسوع« في آ ،4 فنكون أمام تضمين. وترد الأداة »كاتا« (حسب) أربع مرات. في آ 1: حسب الايمان. حسب التقوى. في آ ،3 حسب الأمر. وفي آ ،4 حسب الايمان المشترك. يُذكر الايمان (بستيس) في آ 1 وآ ،4 فيشكّل أيضًا تضمينًا.
ونتوقّف عند الذي أرسل الرسالة. هو يرتبط بالله وبالمسيح (روم 1:1-6؛ غل 1:1-،2 مع تشديد على المسيح القائم من الموت) كينبوع دعوة بولس. بولس هو »عبد« الربّ الذي تجب له الطاعة. والله هو الذي أقام المسيح من بين الأموات. قالت 1تم، 2تم: »بولس رسول المسيح«. أما تي فقابلت بين »رسول يسوع المسيح« و »عبد الله« (استعمل لوقا لفظ »عبد« فدلّ على قربه من الرسائل الرعائيّة، أع 4:29؛ 6:3). لا نجد هذين اللقبين معًا إلاّ في يع 1:1. فكأننا أمام إجمالة تضمّ 1تم 2:7 و2تم 1:11 حيث بولس هو »المنادي والرسول والمعلّم«. ثم نتساءل عن علاقة الرسول بالله. أما نحن أمام تشديد على »اليتولوجيا« (النظرة إلى الله) على حساب »الكرستولوجيا« (النظرة إلى المسيح)؟ فالمسيح هو الذي يمثّل الخيرات الخلاصيّة. هو »رجاؤنا« (1تم 1:1). هو »وعد الحياة« (2تم 1:1). هو »رجاء الحياة الأبديّة« (تي 1:2). التقى به بولس، فكان اللقاء حاسمًا بالنسبة إلى الرسالة ومكوّنًا للرسول. وما نلاحظه هو غياب الرجوع إلى المسيح القائم من الموت (1تم 1:12-17).
ذُكر اسم الرسول في الرسائل الرعائيّة، كما في سائر الرسائل البولسيّة، لا ردًا على الذين يرتابون بشرعيّة دعوة بولس أو يزاحمونه، بل سعيًا لاعطاء التعليمات والارشادات والنصائح قوّة وسلطة. نشير هنا إلى أن لفظ »رسول« سيحلّ محلّه أدوار ووظائف في الجماعة التي صارت مؤسّسة لها هيكليّتها المحدّدة.
وماذا عن التعليم الذي يقدّمه الرسول؟ ما الذي يتوخّاه من رسالته؟ »الايمان«، »معرفة الحقّ الموافقة للتقوى«، »رجاء الحياة الأبديّة«. نحن هنا أمام نظرة إجماليّة. فهذه التعابير المأخوذة من كرازة الكنيسة والحاضرة في »التحيّة«، تبدو بشكل مواضيع في تعليم كنسيّ يُقرّ به المؤمنون. هو التعليم القويم الذي يأخذ به بولس. والعبارات الثلاث تدلّ، في زمن الرسائل الرعائيّة، أن عبارة واحدة لا تكفي لتعبِّر عن مجمل حدث الخلاص وتقبّله. لا بدّ من تحديد اتّجاهات تركّزت عند بولس في لفظ واحد: الايمان، البرّ، الخطيئة.
ويُذكر »إيمان المختارين«. هذا لا يعني أن بولس يأتي بالمختارين إلى الايمان، بل أنه يتوافق مع هذا الايمان. فإيمان المسيحيين اليوم (2تم 2:،10 يوم دوّنت الرسالة) يجب أن يكون إيمان الأصول البولسيّة. وعبارة »معرفة الحق« لا ترد مرارًا في العهد الجديد (1تم 2:4؛ 2تم 2:25؛ 3:7؛ رج 1تم 4:3؛ عب 10:26). فالحقيقة ليست فقط مضمونًا عقليًا نعرفه، بل أيضًا متطلّبات أخلاقيّة نتمّمها. فموضوع معرفة الحق مشترك بين اليهوديّة والمسيحيّة الأولى في طريقة طرح مسألة الاهتداء إلى الله (فيلون، ابراهيم 7؛ الفضائل 180؛ سي 36:14؛ يه 5:8؛ حك 2:27؛ غل 4:8-9؛ كو 1:6؛ 3:10؛ يو 4:42؛ 1يو 5:20). فإن كان الوثنيون يتركون أصنامهم ويتحوّلون إلى الاله الواحد الحقيقيّ، عندئذ يخلصون من يوم الدينونة (1تس 1:9-10: اهتديتم إلى الله وتركتم الأوثان لتعبدوا الله الحيّ الحق). مثلُ هذه الرسمة نجدها في كرازة موجّهة إلى الوثنيين وإلى اليهود (أع 4:12؛ 10:42؛ 16:31؛ 17:30-31. »معرفة الحقّ« هي ردّ على المعرفة الغنوصيّة التي هي معرفة كاذبة).
استعملت الرسائل الرعائيّة أكثر من مرة لفظ »أوسابايا«: احترام الاله الذي يكفل نظام الكون، ويتيح للبشر أن يعيشوا معًا دون أن يتناحروا. فعبر الاستعمالات المختلفة، دلّت »التقوى« على أسلوب حياة يتوافق مع »التعليم الصحيح« وعلى ممارسة يمكن أن نقوم بها (1تم 4:7). هذا ما تُثبته العبارة »معرفة الحقّ بحسب التقوى« التي تقابلها عبارة »التعليم حسب التقوى« (1تم 6:3) وتعارضها عبارة »التعليم الآخر«.
وتشير الحياة الأبديّة في فاتحة الرسائل الرعائيّة الثلاث، إلى الخلاص في نهاية الأزمنة، كما تكوّن الوعي للزمن الحاضر. الحياة الأبديّة، في الترجوم والأدب الرابيني، تقابل الحياة الحاضرة، الحياة العابرة. رج دا 12:2 (جزاء الأبرار)؛ 1تم 1:16؛ 4:8؛ 6:،12 19؛ 2تم 1:1-10؛ تي 2:13؛ 3:7. استعادت 1تم، 2تم، في ما بعد، المواضيع اللاهوتيّة التي قرأناها في المقدّمة (1تم 1:16: من أجل الحياة الأبديّة؛ 2:تم 1:1: حسب وعد الحياة التي في المسيح يسوع؛ 2تم 1:10: أنار الحياة والخلود. نحن هنا أمام استباق للمستقبل الاسكاتولوجي مع »ذلك اليوم« في 2تم 1:،12 18). أما تي، فتوسّعت في التحيّة (1:1-4) توسّعًا لاهوتيًا قبل العودة إلى جسم الرسالة. في 2تم 1:،1 أعلن »وعد الحياة«. في 1:،1 »الحياة« التي جعلها المسيح تشعّ حسب المقولة السوتيريولوجيّة المركزيّة (2تم 1:10). أما في تي »فرجاء الحياة الأبديّة« يعود إلى القلب اللاهوتيّ في الرسالة: »لنعيش، لنحيا« (2:12-13). »رجاء الحياة الأبديّة« (3:7).

2 - دراسة النصّ
بدت مقدّمة تي واسعة، وحملت غنى لاهوتيًا كبيرًا. لا شك في أن روم 1:1-7 جاءت واسعة أيضًا. ولكن بولس دوّن رسالة طويلة إلى كنيسة في عاصمة الامبراطوريّة، إلى كنيسة لم يؤسّسها فوجب عليه أن يربح ودّها. أما تي فهي موجّهة إلى شخص ارتبط ببولس، وشاركه في العمل الرسوليّ. ولكن يجب أن لا ننسى أن الرسائل الرعائيّة تتعدّى الفرد لكي تصل إلى الجماعة. كما نتذكّر أن تي هي رسالة دُوّنت في نهاية القرن الأول المسيحيّ، فسعت إلى تقديم نظرة بولسيّة إلى الخلاص، استقتها من رسائل بولس الأولى.

أ - تحليل النصّ
أولاً: أ 1
»بولس« يرد الاسم 158 مرة في العهد الجديد (128 في أع). مرّة واحدة لا يدلّ على بولس الرسول (أع 13:7: سرجيوس بولس، حاكم جزيرة قبرص). كل رسالة بولسيّة تستعمل الاسم أقلّه مرّة واحدة. والمرّة الوحيدة التي فيها يُذكر الاسم خارج أع ورسائل بولس هو 2بط 3:15. لا نجد الاسم في السبعينية. »عبد الله«. نجد لفظ »عبد« (دولوس) 124 مرّة في العهد الجديد. منها 30 في الرسائل البولسيّة. رج تي 2:9؛ 1تم 6:1؛ 2تم 2:24. »تيوس« هو الله (1300 مرة في العهد الجديد). مع التعريف، يعني عادة: الله الآب. نجد »تيوس« 548 في الرسائل البولسيّة، منها 48 في الرسائل الرعائيّة (13 في تي، 22 في 1تم، 13 في 2تم). إن عبارة »عبد الله« تُستعمل هنا وفي يع 1:1 لتدلّ على شخص الكاتب. دلّت على المسيحيين بشكل عام في 1بط 2:16؛ رؤ 7:،7 وعلى موسى في رؤ 15:3.
»رسول« (أبوستولوس). 70 مرّة في العهد الجديد، 34 مرّة في الرسائل البولسيّة. رج 1تم 1:1؛ 2:7؛ 2تم 1:،1 11. في السبعينيّة أحيّا هو »أبوستولوس« (1مل 14:9)، لأنه أرسل (ش ل ي ح) إلى امرأة يربعام. »يسوع المسيح« (32 مرّة في »الرعائيّة«). في 1تم 5:11: المسيح. أما اسم يسوع فلا يرد أبدًا وحده في الرسائل الرعائيّة.
»حسب« (كاتا). ترد 471 في العهد الجديد. حسب، ترد ست مرات في تي 1:1-9 ثم في 3:،5 7. ثم 13 مرّة في 1تم-2تم. »مختاري الله«: »المختار« يرد هنا وفي 1تم 5:21؛ 2تم 2:10. وفي العهد الجديد: 22 مرّة. ترد اللفظة في السبعينيّة مئة مرّة ونيّف، ولكننا لا نجد »مختار الربّ« سوى مرّة واحدة (2 صم 21:،6 عن شاول).
ثانيًا: آ 2
»حسب الرجاء«. نجدها في بولس فقط، في روم 4:18؛ 5:2؛ 8:20؛ 1كور 9:10 (مرتين) وفي أع 26:6. في السبعينيّة، قرابة عشر مرات. »إلبيس« (الرجاء) يرد 53 مرّة في العهد الجديد (لا نجد اللفظ لا في الأناجيل ولا في سفر الرؤيا). 36 مرّة في الرسائل البولسيّة. رج تي 1:2؛ 2:13؛ 3:7؛ 1تم 1:1. »وعد« (إبانغالستاي): 15 مرّة في العهد الجديد. منها 12 مرّة في كلامنا عن الله: روم 4:21؛ غل 3:19؛ أع 7:5. قد يعدُ البشر، ولكن مواعيدهم ناقصة أو باطلة. رج 1تم 6:21. »الصادق« (أبسوديس، لا يكذب). لا نجد اللفظ إلا هنا في العهد الجديد. رج حك 7:17. »منذ الأزل«. حرفيًا: قبل الدهور الأزليّة. رج 1تم 1:9؛ روم 16:25. »خرونوس«، الزمن: 54 مرّة في العهد الجديد.
ثالثًا: آ 3
»أظهر«، »فانارون«. رج 1تم 3:16. يرد 59 مرّة في العهد الجديد، وبشكل خاص في الرسائل البولسيّة. »كلمة« (لوغوس). ترد 30 مرّة في الرعائيّة، منها خمس مرات في صيغة الجمع. 1تم 4:6؛ 6:3؛ 2تم 1:13؛ 4:15. ونقرأ »بستوس« (صادق) مع الكلمة في 3:8. و »كلمة الله« في 2:5؛ 1تم 4:5؛ 2تم 2:9 (مع التعريف: كلمة الله الآب). في 2:8؛ 1تم 4:12؛ 5:،17 تدلّ الكلمة على نشاط انسان يشارك بولس في الرسالة. وعبارة »كلمة الحق« (أليتايا) تعني التعليم الذي من عند الله، الذي لا يكذب. هذا ما يقابل »كلامهم« أي كلام المعلّمين الكذبة الذين يُفرغون القيامة (وبالتالي الحياة الأبديّة) من مضمونها. تيموتاوس هو المنادي بالكلمة، أما تيطس فبالكرازة (كيريغما) وإعلان الكلمة للامؤمنين. »بأمر« (إبيتاغي). بدأت هذه اللفظة تظهر في بداية القرن الثاني ق م، للكلام عن أمر ملكيّ (عز 1:16؛ حك 14:17؛ 18:15؛ 19:6؛ دا 3:16: 3مك 7:20). ترد في العهد الجديد سبع مرات وكلها في الرسائل البولسيّة.
رابعًا: آ 4
تيطس. اسم لاتيني يعني يمامة أو حمامة بريّة. يرد أيضًا في 2تم 4:10. ويُذكر إسم تيطس في غل (2:،1 3) و 2كور (2:13؛ 7:،6 ،13 14؛ 8:،6 ،16 23). الابن »الحقيقي« (غنيسيوس). رج 1تم 1:2. ولا ترد العبارة بعد ذلك في العهد الجديد ولا في السبعينيّة. أما »غنيسيوس« وحدها فترد فقط في الرسائل البولسيّة (في العهد الجديد). رج فل 4:3؛ 2كور 8:8؛ رج سي 7:18. »تكنون«، الابن. هكذا يسمّي الأكبرُ من هو أصغر منه. نجده مرارًا في السبعينيّة، وفي صيغة المفرد في سي بشكل خاص. في الرعائيّة، يعطى ، في صيغة المفرد، لتيطس وتيموتاوس فقط: 1تم 1:،2 18؛ 2تم 1:2؛ 2:1؛ رج 1كور 4:17؛ فل 2:22. أما صيغة الجمع فترد (ما عدا 1تم 3:12) مع فعل »إخاين«. تي 1:6؛ 1تم 3:4؛ 5:4: له أولاد. »المشترك« (كويني). لا يرد إلاّ هنا. في الرعائيّة يرد الفعل في 1تم 5:،12 والاسم في 1تم 6:22. رج روم 14:14.
»النعمة والسلام«. نجد هذا في السينائي والافرامي والبازي. ويضيف الاسكندراني »الرحمة« (إلايوس). خارج الرعائيّة، تبدأ الرسائل البولسيّة مع »النعمة معكم والسلام« (رج 1بط 1:2؛ 2بط 1:2؛ رؤ 1:4)، والمخاطب الجمع يقابله المتكلّم الجمع (الله أبينا). ترد لفظة »نعمة« (خاريس) 155 مرّة في العهد الجديد، 13 مرّة في الرعائيّة، 87 مرّة في سائر الرسائل البولسيّة. النعمة تبدأ »الرعائيّة« الثلاث (1تم 1:2؛ 2تم 1:2) وتنهي كل واحدة (تي 3:15؛ 1تم 6:21؛ 2تم 4:4؛ 22). ونجد »إيريني« (السلام) في بداية البركة، في 1تم 1:2؛ 2تم 1:2. ونقرأ »السلام« أيضًا في 2تم 2:،22 في لائحة الفضائل. ويبقى حضور اللفظ 87 مرّة في العهد الجديد، منها 39 في سائر الرسائل البولسيّة. من الله الآب (باتير). رج 1تم 1:2؛ 2تم 1:1: في بداية البركة. ثم نقرأ فقط »باتير« في 1تم 5:1 بمعنى الأب البشريّ. إن عبارة »من الله أبينا« تفتتح الرسائل البولسيّة (تنهي أف 6:23) ولا نجدها في موضع آخر من العهد الجديد. أما العبارة القريبة منها فهي 2يو 3: »نعمة، رحمة، سلام من الله الآب«. في آ ،3 الله هو المخلّص. وهنا يقال عن الابن الذي لا يُسمّى بهذا الاسم في »الرعائيّة«، كما لا يُسمّى »الرب« في تي. 

ب - تعبير النصّ
أولاً: من بولس عبد الله (آ 1)
إن عبارات »عبد المسيح« »الله والمسيح«، »عبد ورسول المسيح« نجدها في يهو 1؛ يع 1:1؛ 2بط 1:1. استعمل بولس العبارة الأولى في روم 1:1. ولكنها المرّة الأولى يسمّي نفسه »عبد الله« ليدلّ على ارتباطه التام بالله والخدمة الفعليّة لسيّده الوحيد. حسب الاستعمال، عبد الله هو انسان يجعله الله خاصته (حج 2:23؛ زربابل). يكون تامًا و مستقيمًا (أي 1:8؛ 2:3؛ 42:8). لا يعود مُلك نفسه (1بط 2:6؛ رؤ 22:،3 6). وهو بشكل خاص، ممثّل الله، الذي يتكلّم ويعمل باسمه. يغمره الله بنعمه فيصبح وسيط العهد. ذاك كان وضعُ موسى (يش 1:7؛ نح 1:7-8... رؤ 15:3) وداود (1مل 8:26؛ 11:13) والأنبياء (عا 3:17؛ إر 7:25). نقرأ في 2مك 1:2: »ابراهيم واسحاق ويعقوب عبيده الأمناء« (رج مز 105:26). إذن هي عبارة تكريس دينيّة تشبه »رجل الله« (1تم 6:11). وهي لقب شرف للذي يمارس وظيفة في خدمة الله (مز 134:1؛ أع 16:17) وشعبه (لو 1:38).
بولس هو ممثّل الله في تدبير الكنيسة أو راعي القطيع (حز 34:23). وهو أيضًا رسول يسوع المسيح: أرسله الربّ وأعطاه سلطانه، فتكلّم باسمه، وما علّم سوى ما قاله له الربّ أن يعلّم حسب إيمانه. أي طُبع بايمانه الذي هو معيار الرسول الحقيقيّ. هو يتوافق مع الايمان الذي هو المجال الذي فيه تتمّ رسالته. بولس هو رسول من أجل خدمة إيمان المختارين: يحرّكهم، يدفعهم، يعلّمهم، يشجّعهم. توضَّح الايمانُ »بستيس« بالمعرفة (إبيغنوسيس)، فتحدّث عن أناس اختارهم الله كسامعين لكلمته وناعمين بخلاصه (2تم 2:10؛ رج روم 8:33). يبدو أن لفظة »مختارين« (إكلكتون) هي تسمية مميّزة لأعضاء الجماعة المسيحيّة في آسية الصغرى (أف 1:4؛ كو 3:12؛ 1بط 1:2؛ رج يو 15:16). لهذا جاءت نهاية هذه الآية فتصوّرت هذا الايمان كما يُعاش في الكنيسة: هو نتيجة نقل تقليد الرسل وتعليمهم. هو معرفة دقيقة وصحيحة للحقّ، معرفة 1تم 3:15-16 المعترف بها في العماد (1بط 1:22). وإقرار بالمسيح الربّ، حامل الوحي والخلاص (1تم 2:4-5؛ عب 10:26؛ رج 2تم 2:25؛ 3:7). هذا يعني الخضوع الأدبيّ (يع 1:22-23)، وأسلوب حياة خاصة »يوافق التقوى«. في هذا قالت أف 4:15: نعيش الحقّ بمحبّة. كما أن المعرفة تعارض معارف الهراطقة الضالّة، كذلك ترفض »التقوى« (اوسابايا) تنظيراتهم التي لا تعرف الأمانة للتقليد (1تم 6:3). فمهمّة مرسل المسيح هي في الوقت عينه مهمة المعلّم ومهمّة المربيّ (2تم 3:15-17). وتعليمه هو تعليم حقيقة دينيّة (1تم 6:20). إذن تعليمه آت من الله لكي يوجّه الانسان إلى الله.
ثانيًا: على رجاء الحياة (آ 2)
»على رجاء« (1تم 4:10؛ روم 4:18؛ 8:20...). ترتبط إما بالتقوى، وإما بالحقّ، وإما بالايمان والمعرفة، وإما بالرسول. ولكن بناء الجملة مع »كاتا« (حسب)، يدعونا لأن نرى توضيحًا للرسالة لدى مختاري الله. وموضوعها هو إبلاغهم إلى الحياة الأبديّة (3:7؛ 1تم 1:16؛ 6:،12 19؛ رج أع 13:48). رسالة من جهة، تعلّق الايمان من جهة ثانية، وهكذا يحقّق الله ما وعد به (إبانغالو). رج روم 4:21؛ 1تم 4:8؛ 2تم 1:1. منذ الأزل، وعد الله بأن يشركنا في حياته. والتزام الله الشخصيّ هو أساس أكيد لرجائنا، لأنه يُلزم صدق الله الذي لا يمكن أن يكذب (أبسوديس) أو يتراجع. إذن، بدت الحياة الأبديّة للمختارين أمرًا لا شكّ فيه. وهكذا رفع بولس الرسالة، فجعلها في إطار تدبير الخلاص كما رسمه الله منذ الأزل، قبل خلق العالم.
ثالثًا: أظهر كلمته (آ 3)
والبرهان بأن مواعيد الله ليست باطلة، هو أنه أظهر (فانارون، 1تم 3:16؛ روم 16:26) كلمته (أع 4:4) التي تلفّظ بها ابنه. أظهر الانجيل (يو 1:،14 18؛ عب 1:2؛ 2:3-4) الذي هو تحقيق الخلاص. وتحديدُ الزمن أمر معروف في الرجاء الاسكاتولوجيّ (مر 1:15؛ أع 1:7). فهو يرافق يقين قرار ناشط لا يتبدّل، تجاه إنباءات لا تعرف متى تتمّ: فالاله المخلّص يكشف عن نفسه في ساعة يحدّدها هو (1تم 2:16؛ 6:17)، فتوافق زمنَ الاستعدادات الطويل (روم 5:6؛ غل 4:4؛ أف 1:10). حُدّد الزمن. وحُدّدت الطريقة أيضًا: بإعلان إلى العالم، بكلمة اؤتمن عليها مناد لكي ينشرها في كل مكان (كيريغما، 1تم 2:7؛ 3:16؛ 2تم 1:11؛ 4:،2 17؛ كو 1:25-28). ولكي يكون هذا المنادي جديرًا بالثقة، عليه أن يرتدي السلطة الالهيّة وينال تعيينًا رسميًا (بستوتيناي، 1تم 1:11-13)، يؤتمن. فالرسل ممثّلو الله الذي لا يكذب (2كور 1:17-22) وحاملو كلمته الخلاصيّة. وما فعله بولس لم يكن بمبادرة شخصيّة، بل بأمر من الله (1تم 1:1: إبيتاغي). نال هذا الأمر من الله المخلّص الذي يختار خدّامه ليحقّق مخطّطه الخلاصيّ في وقت محدّد. وهكذا جعل بولس نفسه مع جميع المختارين (1تم 1:15-16) في قلب خلاص الله المجانيّ.
رابعًا: إلى تيطس ابني (آ 4)
سُمّي تيطس كما سُمّي تيموتاوس: الابن الحقيقيّ. ولده الرسولُ. هذا قد يعني أنه اهتدى على يد بولس (1كور 4:15؛ رج أع 11:17). وكيف تمّت هذه العلاقة بين الأب وابنه؟ حسب الايمان (بستيس) المشترك. إيمان بولس وإيمان تيطس. إيمان بولس وإيمان الجماعة (أع 2:44؛ 4:32)، نقرأ يهو 3: »الايمان الذين تسلّمه القديسون مرّة واحدة، كاملاً«. إذن، نحن أمام الايمان الذي يُعلنه جميع المسيحيين (2بط 1:1)، ايمان هو قاعدة الحقّ، كما قال الذهبيّ الفم. لم يذكر النصّ »الرحمة« (إلايوس) كما فعل في 1تم و2تم، فاكتفى بالكلام عن عبارة »الله المخلّص« وعمّا حقّقه »المسيحُ المخلّص«. 

3 - قراءة إجماليّة
كان وضع كنيسة كريت دقيقًا جدًا. فالجماعات المسيحيّة ما زالت فتيّة، وهي لم تتنظّم بعد (آ 5). هي في مرحلة البدايات حيث تؤخذ الاتجاهات الأساسيّة من أجل المستقبل. لهذا حدّد بولس، منذ البداية، وبدون لبس، الطبيعة الدقيقة لمهمّته الرسوليّة: مهمّة شريفة لأنها كلها خدمة. فالرسول خادم (عبد = دولوس) أرسله سيّده، ومنحه ثقته، فجعله يتصرّف في الطاعة لما تسلّمه من أوامر.
بولس عبد، خادم، مكرّس كل التكريس لله. ليست مهمّته محدّدة في الزمن. فقد وهب نفسه بكليّتها لله حتى اعماق حياته ووجوده. تكرّس بولسُ بكليّته لله، فأرسله يسوع المسيح. وكان هذا الارسال جوهريًا جدًا، بحيث سمّى نفسه »الرسول« (أبوستولوس).
تقدّم آ 1-3 المعنى العميق للمهمّة الرسوليّة، فتقدّم شرحًا للفظ »رسول«. ينظر الكاتب أولاً إلى الرسالة في علاقتها بالايمان. فالسبب الأول لدعوة الرسول هو أن يدعو الناس إلى الايمان، ويساعد المؤمنين للتقدّم في إيمانهم. هنا نتذكّر روم 1:5: »نلت النعمة لأكون رسولاً من أجل اسمه، فأدعو جميع الأمم إلى طاعة الايمان« (أو الايمان والطاعة). وفي روم 10:14-،15 أوضح الرسول ضرورة إرسال مرسلين لكي يبلغ البشرُ إلى الايمان: »كيف يدعونه وما آمنوا به؟ وكيف يؤمنون وما سمعوا به؟ بل كيف يسمعون به وما بشّرهم أحد؟ وكيف يبشّرهم من لم يُرسل إليهم«. والمسيح نفسه قدّم الغاية من الارسال: أن تؤمن كل خليقة بكرازة الانجيل (مر 16:15-16). فإن كان بولس قد أرسل لكي يدعو الناس إلى الايمان، فعليه أن يسهر لكي يتثبّت هذا الايمان وينمو (1تس 2:13؛ 3:1-10). والايمان المذكور هنا ليس قاعدة الايمان، بل تعلّق الناس بتعليم الانجيل.
والذين يبلغون إلى الايمان هم مختارو الله. اصطفاهم لا بالنظر إلى استحقاقاتهم، بل بنعمة مجانيّة من لدنه (يو 6:44؛ 15:16؛ أع 13:48؛ روم 8:28-130. نجد موضوع الاختيار في قلب تاريخ بني اسرائيل (تث 4:37؛ 7:6-7؛ 10:15؛ 14:2). ويهدف الاختيار إلى تكوين شعب مقدّس. مكرّس حصرًا لله (خر 19:4-6). هذا شرف كبير، وهو في الوقت عينه مسؤوليّة ثقيلة سيتهرّب منها بنو اسرائيل مرارًا في تاريخهم. ورغم خيانات الشعب، ظلّ الله أمينًا لمواعيده.
أرسل بولسُ من أجل المختارين. وأرسل أيضًا من أجل انتشار معرفة الحقّ. في 2تم 2:،25 الاهتداء إلى المسيح (وبالتالي ولادة الايمان) يقود إلى معرفة الحقّ. وفي 2كور 2:14؛ 4:2-،4 معرفة الحقّ هي اكتشاف سرّ المسيح، في الايمان. حين يصير الانسان بالايمان، انسانًا جديدًا، يتجدّد دومًا من أجل المعرفة (كو 3:10). نحن لا نصل في خطوة واحدة إلى »كل الغنى الناتج عن الفهم التام الذي به ندرك سرّ الله، أي المسيح الذي فيه تكمن جميع كنوز الحكمة والمعرفة« (كو 2:،2 3). وقال بولس هنا، كما قال في 1تم 6:3: كل معرفة لا تقود حكمًا إلى الخلاص، بل فقط تلك التي توافق التقوى، تلك التي تنبع من حياة دينيّة.
وإذ يفكّر بولس في معنى المهمّة الرسوليّة، يضمّ الرجاء الاسكاتولوجيّ إلى الايمان. وهو في أف 1:15-،18 ذكر الايمان (آ 15) والمعرفة (آ 17)، والرجاء الذي ينبع من نداء الله »لكي تعرفوا إلى أي رجاء دعاكم، وأي كنوز مجد جعلها لكم ميراثًا مع القديسين«. فالايمان بالانجيل يدعو المؤمن لكي ينتظر من السماء الابن الذي أقامه الله من بين الأموات (1تس 1:9-10). وهذا الابن هو للمسيحيّ »رجاء المجد« (كو 1:27). فالمؤمن الذي تبرّر بالنعمة، ما زال ينتظر الميراث السماويّ. هو يعرف أنه خُلّص في الرجاء (روم 8:24). لهذا كان هدف المهمّة الرسوليّة فتح قلوب المؤمنين على هذا الرجاء العظيم. فهي في خدمة الايمان وخدمة الرجاء ومعرفة الحقّ.
بين »الأزمنة الأزليّة« التي فيها أعطي الوعد، في الماضي، وبين »الحياة الأبديّة« التي تنتظر المؤمنين في المستقبل، نجد زمنًا محددًا، هو زمن ظهور كلمة الله. وهذه الكلمة تظهر بالكرازة، باعلان الانجيل، بوحي السرّ »الذي بقي مكتومًا مدى الأزل وظهر الآن« (روم 16:25-26) بفضل كرازة الرسل في العالم كله (1كور 2:7-9؛ أف 3:3-12؛ كو 1:26-28). 
وموضوع التعليم والمناداة (كيريغما) هو إعلان احتفاليّ للخلاص الذي يقدَّم، في يسوع المسيح، لجميع البشر، ولا سيّما للوثنيّين. وظهرت في الكرازة السمات التالية: يسوع أقيم ربًا بقيامته. والرسل هم شهود لهذه القيامة. بالايمان بالمسيح ينال المؤمن التبرير وغفران الخطايا. وبما أن الكرازة هي نداء إلى الايمان، فهي تتوجّه إلى اللامؤمنين. أما الفقاهة (التعليم المسيحيّ) فتتوجّه إلى المؤمنين.

خاتمة
ذاك هو مطلع الرسالة إلى تيطس. بولس أرسلها، كما يقول النصّ، وتيطس هو الذي تسلّمها. نال بولس لقبين متقابلين: عبد الله ورسول المسيح. وما تحدّد الناسُ الذين تتحدّث عنهم الرسالة. هم الذين اختارهم الله ودعاهم إلى الايمان. إذن، نحن أيضًا نستطيع أن نقرأ هذه الكلمة فنجد فيها ينبوع حياة. ذُكر الايمان الذي هو ارتباط بالله وتعلّق به لدى من سمع البشارة. وذُكر الرجاء في إطار وعد الله الذي لا يمكنه أن يتراجع عمّا وعد به. ووعدُه تحقّق في تجسّد الابن. وأعلن بواسطة الرسل. وهكذا تكون الكنيسة عائشة في إيمان بدأ مع الرسل، مع الذين عاينوا الربّ، وامتدّ إلى الجيل الثاني والجيل الثالث، حيث كُتبت تي. بل هو يمتدّ إلينا نحن الذين آمنا بالانجيل وتقبّلنا التقليد الآتي من الرسل. لهذا تكون لنا الحياة الأبديّة. 
القسم الثاني
تيطس وتنظيم الكنائس
1: 5- 16

نال بولس سلطته كرسول من الله (1: 1- 3)، فأرسل تعليماته الرعائيّة إلى تيطس. هكذا تتنظّم الكنيسة في كريت، وتُحفظ من كل ضلال تعليميّ. فمهمّة تيطس دقيقة، شأنها شأن مهمة تيموتاوس في أفسس. فعليه أن يختار أشخاصًا جديرين بالوظيفة الكنسيّة فيعلّمون التعليم الصحيح ويقطعون الطريق أمام دعاوة المعلّمين الكذبة.
وهكذا نقسم هذا القسم فصلين:
1- أسقف وشيوخ في الكنيسة (1: 5- 9)
2- حرب على المعلّمين الكذبة (1: 10- 16).
الفصل الرابع
أسقف وشيوخ في الكنيسة 
1: 5- 9

ترك بولس تيطس في كريت، من أجل هدف محدّد: تنظيم الكنائس والحرب على المعلّمين الكذبة. كنيسة كريت كنيسة فتيّة. يبدو أن بولس مرّ فيها، وجعل فيها تيطس أمام عمل صعب بسبب طبع الكريتيين، وبسبب وجود معلّمين ضالين ومضلّين. كيف ستتوجّه مهمّة هذا المسؤول منذ البداية؟ ولكن بولس أكيد من تلميذه، الذي سينظّم الكنيسة أفضل تنظيم، فيقيم أسقفًا وشيوخًا في كل مدينة من مدن الجزيرة.

1- الخدم في الكنيسة
إن الارشاد الموجّه إلى المسؤولين في الجماعة، الذين أرسلت إليهم الرسائل الرعائيّة، يبدو في درفتين. هي تعليمات غير مباشرة إلى تيطس وتيموتاوس. وهي أقوال مباشرة حول ظروف البلوغ إلى الخدم. وُضع هذان النوعان من النصوص، الواحد تجاه الآخر، بحيث نحذر من أن نرى في تيطس وتيموتاوس إسقاطًا للخدم. فمتسلّم الرسالة يدلّ على مسافة في الزمن (بين جيل الرسل والجيل الثاني أو الثالث) وعلى تواصل على مستوى التعليم. وهذا ما يتيح، بواسطة اسم مستعار، تأوين التقليد الكنسيّ الذي استعمله كاتب الرسائل الرعائيّة. فحين أعطانا صورة عن المسؤولين، من أسقف وشمامسة، في 1: 7- 9؛ 1تم 3: 2- 13، وتعليمات حول الشيوخ في 1: 5- 6؛ 1تم 5: 17- 18، دلّ على أمانته للتقليد. أما الارشاد للقرّاء، ومعارضته للمعلّمين الكذبة، فيفسّر دورَ الخادم في حاضر الجماعة.
ونقابل نصوص 1تم وتي، فنكتشف ما قلناه من ملاحظات:
- الخدم 1تم 3: 1- 3 (14-16) تي 1: 6- 9
- الخصوم 1تم 4: 1- 5 تي 1: 10- 16
- تعليمات مباشرة 
إلى القرّاء 1تم 4: 6ي تي 2: 1.
الطرح الاكليزيولوجيّ في "الرعائيّة" هو ردّ على مسألة الهرطقة: فالخدم والقرّاء يُفهمون في خطّ مناقض للخصوم. إن كانت الحرب على التعليم الآخر في 1تم 1: 3 هي مهمّة تيموتاوس الأولى، فمقاومة الخصم في تي 1: 9، 10 هي إحدى مهمّات الأسقف، ويتبعها توسّعٌ حول "المعلّمين الكذبة" (تي 1: 10- 16: هناك كثير من المتمرّدين). نقلتنا 1تم 3: 1 من ملاحظات حول سلوك أعضاء الكنيسة (الرجال والنساء، 1تم 2: 8- 15) إلى تعليمات حول الخدم (1تم 3: 1- 13) تنتهي بثلاث آيات تشكّل مفصل الرسالة (1تم 3: 14- 16). وهكذا يقدّم النصّ الشروطَ اللازمة لمن يرغب في الأسقفيّة (1تم 3: 1). ولكن اختلف الوضع في تي 1: 5ي، حيث اللائحة هي أداة يستعملها تيطس ليختار أشخاصًا "يقيمهم شيوخًا في كل مدينة" (تي 1: 5). في آ 6، يعيّن تيطس شيوخًا على أساس المعايير المعطاة، وفي آ 9، على الأسقف أن يردّ على الخصوم الذين تتكلّم عنهم آ 10- 16.
إن وظيفتَي التعليم والتوجيه اللتين أعطيتا للأسقف كما للشيوخ، واستعمال اللفظ "ابيسكوبوس" في صيغة المفرد (أسقف، 1تم 3: 2؛ تي 1: 7)، ولفظ "براسبيتاروس" (شيخ، قسّ، كاهن) في صيغة الجمع (1تم 5: 17؛ تي 1: 5)، والتشابه بين الأسقف والشيوخ حسب تي 1: 5ي (لا تقابل 1تم بين الاثنين). كل هذا قاد الشرّاح إلى تقديم فرضيّات مختلفة حول تنظيم الجماعة، وحول العلاقات بين الخدم التي تتحدّث عنها "الرعائيّة".
نجد لفظ "إبيسكوبوس" في 1تم 3: 2 وتي 1: 7: هو المراقب والمناظر والمشرف والمدبّر، منذ القرن الخامس ق م. ونجد "الشيوخ" في 1تم 5: 17، 19؛ تي 1: 5، في كلام عن الوظيفة، لا عن العمر. تعود اللفظة إلى المجمع، ولا نجدها في المجموعة البولسيّة إلاّ في الرسائل الرعائيّة. يُذكر الأساقفة والشمامسة في فل 1: 1، ووظيفتهم لا تتعارض مع المواهب. مهمّة هؤلاء الأساقفة جمع المؤمنين على أكثر من مستوى. نحن أمام أشخاص (مثل استفاناس، 1كور 1: 16؛ 16: 5) وضعوا بيوتهم في تصرّف الجماعة واهتموا بحاجاتها. في أع 20: 11 نراهم يرئسون العشاء الربّانيّ. أما لفظ "دياكونوس" (خادم، شمّاس) فلا يُذكر إلاّ في الأدب المسيحيّ. يدلّ على خدمة الموائد أو خدمة خاصة (أع 6: 1- 6). والتقليد الانجيليّ يقدّم عمل يسوع "خدمة" ترفض السلطة والامتيازات (مر 10: 45؛ لو 22: 27). والخدمة مطلوبة من الذي يريد أن يتبع يسوع. وبولس اعتبر نشاطه الرسوليّ خدمة للمسيح وللجماعة (1كور 3: 5؛ 2كور 3: 6؛ 4: 1؛ 5: 18؛ 11: 23؛ رج كو 1: 25؛ أف 3: 7). واستعملت 2تم 4: 5 لفظ "دياكونيا" لتصوّر خدمة التلميذ.
وعرف العالم اليهوديّ "الشيوخ" (براسبيتاروس) كسلطّة محليّة (يه 6: 16، 21؛ 7: 23؛ 8: 10؛ 10: 6). أو كسلطة على شعب أورشليم (1مك 1: 26؛ 7: 33؛ 11: 23). أو كسلطة في المجمع. إنهم يمثّلون التقليد والهويّة والخبرة، ويلعبون دور التوجيه والتمثيل (يمثّلون الجماعة). أخذت الجماعات المسيحيّة هذا النموذج، ولكننا لا نجد اللفظ عند بولس. أما في الرسائل الرعائيّة، فنجد الشيوخ الذين يتميّزون بالعمر (1تم 5: 1) كما بالوظيفة (1تم 5: 17، 19؛ تي 1: 5). هم يلعبون دورًا حين وضع اليد (1تم 5: 1) كما بالوظيفة (1تم 5: 17، 19؛ تي 1: 5) من أجل التكريس.
ما هي العلاقات بين هذه الوجوه المختلفة؟ هناك نظريات أربع. الأولى: التنظيم الكنسيّ في "الرعائيّة" هو تنظيم يكون فيه الأسقف (في صيغة المفرد) كالملك، فيتميّز عن الشيوخ (في صيغة الجمع) ويرئس الكنيسة المحليّة. الثانية: يرئس الأسقف حلقة الشيوخ الذين اختاروه لهذه المهمّة (1تم 4: 14). هذا ما يفهمنا صيغة المفرد التي تميّز الأسقف عن الشيوخ، وفي الوقت عينه تربطه بهم ربطًا وثيقًا (تي 1: 5- 7). الثالثة: صيغة المفرد للأسقف تحمل معنى عامًا (لائحة الصفات)، وتعود إلى مجموعة متفرّعة من الشيوخ: الذين يرئسون (1تم 5: 17). ينالون أجرًا مضاعفًا، يكرزون ويعلّمون. الرابعة: المفرد هو عام، ولكنه يدلّ على خدمة تتماهى مع خدمة الشيوخ.
في الواقع، هناك لقاء بين تقليدين: تقليد الشيوخ الذي يعود إلى العالم المسيحيّ المتهوّد. وعالم الأسقف والشمامسة الذي يرتبط بالجماعات البولسيّة. إذا كان تقليد "الشيوخ" الموجّه إلى مجمل الجماعة قد عمل على تقوية الجماعة المحليّة، فتقليد "الأساقفة والشمامسة" والارتباط بالبيت وبتنظيمه، يوافق محتوى المهمات المحدّدة وبناء الجماعة. وقد توحّد التقليدان في نهاية القرن الأول، وهذا ما تشهد له الرسائل الرعائيّة.

2- دراسة النصّ
انطلق بولس إلى الرسالة بأمر من الله. وها هو الرسول يرسل تيطس ليتابع عمله. فالمرسَل لا يُفصل عن رسالته. فمن رفض الرسول رفض الرسالة.

أ- تحليل النص
أولاً: آ 5 
"أبولايباين"، ترك. "إبيديورتون"، كمّل التنظيم. لا يرد هذا الفعل في السبعينيّة ولا في العهد الجديد، بل في اليونانيّة السابقة للمسيحيّة، في القرن الثاني ق م. حرفيًا: لتكمّل تنظيم ما بقي عليك أن تعمله. "لايباين". يرد الفعل في تي 3: 13، ثم أربع مرات في العهد الجديد (لو 18: 22؛ يع 1: 4- 5؛ 2: 15). "تقيم شيوخًا". لا ترد إلاّ هنا في عالم الكتاب المقدّس. "كاتيستاناي"، أقام. يرد هنا وفي روم 5: 19، ثم 18 مرّة في نصوص العهد الجديد (عب 5: 1؛ 7: 28؛ 8: 3 مع رئيس الكهنة). في كل مدينة. هذا يعني أنه كان في كريت أكثر من "كنيسة" محليّة. رج 2 مك 4: 36؛ 3مك 4: 4؛ 6: 41. "بوليس"، مدينة.
ثانيًا: آ 6
"كل من كان، كل واحد منهم". رج 1تم 3: 1، 5؛ 5: 4، 8، 16؛ 6: 3. هي حالة خاصّة "أنانكليتوس" (منزَّه عن اللوم). ينتمي إلى اللغة القانونيّة. نقرأه مرّة واحدة في السبعينيّة (3مك 5: 31). يرد أيضًا في تي 1: 6؛ 1تم 3: 10. رج 1كور 1: 8؛ كو 1: 22. "رجل امرأة واحدة". رج 1تم 3: 2، 12 والكلام عن صفات الأسقف والشمّاس. "أسوتيا"، الخلاعة وعدد من الرذائل. رج أف 5: 18 حيث "اسوتيا" تعني السكر. 1بط 4: 4 حيث تحمل اللفظة عددًا من الرذائل. ترد في السبعينيّة (أم 28: 7) فتعني الشراهة. وفي 2مك 6: 4، فتعني الزنى والفجور.
ثالثًا: آ 7
الأسقف (ابيسكوبوس). "داي" (يجب). رج 1: 11 (مرتين)؛ 1تم 3: 2، 7، 15؛ 5: 13؛ 2تم 2: 6، 24. "أويكونوموس" وكيل، انسان كلّف بتدبير أملاك رجل عظيم (ملك أو غيره). رج 2تم 4: 20 والكلام عن أراستس الذي هو في روم 16: 23، "أمين صندوق المدينة". تبقى تسعة استعمالات للّفظ في العهد الجديد، ولا سيّما في الأمثال. "غير متكبّر" (اوتاديس) رج 2بط 2: 10؛ أم 21: 24 (حسب السبعينيّة)؛ تك 49: 3، 7. "اورغيلوس" غضوب. لا يرد إلاّ هنا في العهد الجديد. رج أم 21: 19. "لا سكير ولا عنيف". رج 1تم 3: 3. ولا طامع في المكسب. رج 1تم 3: 8 والكلام عن الشماس. لا ترد اللفظة بعد ذلك لا في العهد الجديد (رج 1بط 5: 2) ولا في السبعينيّة.
رابعًا: آ 8
ويرد لفظان مع "فيلوس" (محبّ). "فيلو كسانوس"، يحبّ الغريب، مضياف. رج 1تم 3: 2؛ 1بط 4: 9. لا نجد اللفظ في السبعينيّة. "فيلاغاتوس" محبّ الخير. لا نجد اللفظ إلاّ هنا في العهد الجديد. ولكن نجد ضدّه في 2تم 3: 3 كرذيلة من الرذائل: أفيلاغاتوس. رج حك 7: 22. "ديكايوس"، بار (عادل). رج 1تم 1: 9؛ 2تم 4: 8، نجد الجذر في تي 3: 5، 7 (البرّ، تبرّر). يرد 8 مرات في العهد الجديد. رج 1تم 2: 8 (أيد نقيّة). والعكس "أنوسيوس" (غير نقي). رج 1تم: 1، 9؛ 2تم 3: 2. تستعمل 1تس 2: 10 الظرف وأف 4: 24 الاسم. "إنكراتيس"، يضبط نفسه. لا نجد هذه الصفة في العهد الجديد، بل ما يعاكسها: أكراتيس: غير ضابط نفسه. يستعمل بولس الاسم في غل 5: 23؛ 1كور 7: 5. والفعل في 1كور 7: 9؛ 9: 25. رج أع 24: 25؛ 2بط 1: 6 (مرتين). نجد الجذر ثلاثين مرة في السبعينية.
خامسًا: آ 9
يتمسَّك بالتعليم الذي يجب أن يصدّق، الذي لا يمكن أن يكذب. نقرأ فعل "انتاخستاي". رج 1تس 5: 14 (في معنى آخر)؛ لو 16: 13= مت 6: 24؛ رج أش 56: 2، 4، 6؛ إر 51: 10 (الماسوري 44: 10)؛ أم 3: 18؛ 4: 6. "ديداخي"، تعليم. رج 2تم 4: 2 مع جذر اللفظة؛ مز 59: 1 حيث يقال أن صلاة داود هي تعليم. "ديدسكاليا". نحن هنا أمام التعليم الرسوليّ. هو صحيح (هيغياينوسا). رج 2: 1؛ 1تم 1: 10؛ 2تم 4: 3. تنطبق هذه الصفة على الايمان (1: 3؛ 2: 2) ، على الكلام (1تم 6: 3؛ 2تم 1: 13). ربط لوقا الصفة بصحّة الجسد (5: 31؛ 7: 10؛ 15: 7). رج 3يو 2؛ أم 13: 13. التعليم (أو: الحضّ والتحريض) والردّ (الانخاين، التوبيخ) نجدهما في 2: 15. رج 33: 18- 19. "باراكالاين". ترد مئة مرّة ونيف في العهد الجديد. رج تي 2: 6؛ 1تم 1: 3؛ 2: 1؛ 5: 1؛ 6: 2. يرد هذا الفعل، في العهد القديم، بشكل خاص في سي والمكابيّين، فيميّز التقاليد الحكميّة والنبويّة. "المعارضين". يتكلّمون ضد "انتيلاغو". رج 2: 9 (خالف)؛ روم 10: 21 (= أش 65: 2)، رج سي 4: 25: "لا تعارض الحقيقة، بل اخجل من جهلك".

ب- تفسير النصّ
مرّ بولس في كريت حيث أعلن الانجيل (في رحلة رسوليّة رابعة، بعد الخروج من سجن رومة)، فأعلن الانجيل هناك. وجعل تيطس في موضع المسؤوليّة. وها هو يقدّم له تنبيهاته.
أولاً: تركتك في كريت (آ 5-6)
جاءت تي، شأنها شأن 1تم، تكملة وتثبيتًا لتعليم شفهيّ أعطاه الرسول لتلميذه: تنظيم الجماعات ووضع المسؤولين فيها. تلقين الايمان المسيحيّ للمؤمنين. قال بعضهم: إن هذه الرسالة قد تكون ردًا على رسالة بعث بها تيطس. هي ردّ بولس وهو المهتمّ بكنيسة الله حتى نهاية حياته. فالعمل واسع في كريت: التعليم، التوبيخ، التقويم.... وأولاً: إقامة (كاتيستيمي، رج عب 5: 1؛ 7: 28) معلّمين. والجماعة تلعب دورها في هذا المجال. "شيوخا" (براسبيتاروس). في صيغة الجمع، هي حلقة الشيوخ (أع 14: 23؛ 20: 17؛ 1تم 4: 14) في كل مدينة. والأمر ليس بسهل، لأنه قيل عن كريت أنها جزيرة المئة المدينة، هذا مع العلم أنها أفرغت من سكانها مع الاحتلال الرومانيّ. "دياتاسو" أوصى، أمر. رج 1كور 7: 17؛ 11: 34؛ 16: 1. على تيطس أن يتبع أوامر الرسول. فبولس يبقى المسؤول الأول.
"من كان" يربط بالتوصيات الشفهيّة المزايا المطلوبة من المرشّحين لهذه المهمة. رج 1تم 3: 2- 3. من لا عيب فيه. من كان منزهًا عن اللوم. ربّ عائلة. تزوّج مرة واحدة. ربّى أولاده التربية الصالحة، ثم التربية المسيحيّة. فقد قيل في مجمع قرطاجة الثالث: "لا يُرسم أسقف أو كاهن أو شماس إلاّ بعد أن يكون جميع أهل بيته قد صاروا مسيحيين". ويجب أن يكون أولاد "المرسوم" ذوي سلوك حسن وسمعة طيّبة. لا تكون حياتهم حياة خلاعة. مثلُ هذه الحياة يرافقها السكر (أف 5: 18؛ 2مك 6: 4) بحيث يُصبحون عارًا لوالديهم (أم 28: 7؛ لو 15: 13). ويكون الأولاد خاضعين لسلطة الوالدين، غير متنكّرين لها: أنيبوتكتوس، غير خاضع، لا يقبل أن يكون تحت سلطة.
إن لم يكن الأمر كذلك، لا يُقبل مثل هذا "الشيخ"، لأن سمعته ملطّخة بعد أن دلّ على ضعف في تربية أولاده (رج شخص عالي في 1صم 2: 12- 17). إذن، يُستبعد مثلُ هذا الانسان عن المسؤوليّة الكبرى في الكنيسة. ذاك كان المبدأ في العالم اليونانيّ، وقد أخذ به بولس. وقال آباء الكنيسة: من لا يستطيع أن يعلّم أولاده فكيف يعلّم الغرباء. ومن لا يقدر أن يمارس سلطته مع الذين ولدهم وعالهم والذين يخضعون له بالطبيعة والناموس، فكيف يقدر أن يسوس الآخرين (الذهبيّ الفم).
ثانيًا: الأسقف وكيل الله
لماذا يكون "الخادم" بلا عيب في بيت الله (1تم 3: 15)؟ لأنه وكيل (أويكونوموس) الله. وهكذا يتماهى الأسقف مع الشيخ. أو هو يكون شيخًا من الشيوخ يرئس حلقتهم. هذا الوكيل يكون منزّهًا عن اللوم (لو 12: 42؛ 1كور 4: 1- 2؛ 1بط 4: 10). الوكيل هو المسؤول عن أملاك سيّده. والسيّد الذي يخدمه الأسقف هو الله، فما يكون مستوى خدمته؟ "أوتاديس" هو الذي يرضى بنفسه ولا يقبل ملاحظة من أحد. هو المفتخر بنفسه فوق العادة (رأوبين، تك 49: 3، 7). هو المتعجرف الوقح، والذي يسمّيه أم 21: 24: المستهزئ، المترفّع. مثلُ هذا الرجل لا يصلح أن يكون وكيلاً في بيت الله (الذهبيّ الفم). يكون الوكيل ذا قلب واسع ومزايا رفيعة: لا غضوب، لا سكير، لا جشع، لا مقاتل.
تجاه خمس رذائل ذُكرت في آ 7، نجد سبع مزايا في آ 8: مضياف (يحبّ الضيوف، 1تم 3: 2)، محبّ الخير، متعقّل، بار (عادل)، نقي، ضابط نفسه، صاحب تعليم صادق.
وتبقى الصفة الأساسيّة (آ 9) التي يتوسّع فيها الكاتب، لأنها ملحّة، وسوف تُشرف على التنبيه ضد معلّمي الكذب (آ 10ي): وظيفة التعليم. فالكلام الموافق للتعليم (ديداخي) يعود إلى تعليم رسميّ يرتبط بالتقليد، في الكنيسة (روم 6: 17؛ 16: 17؛ 1كور 15: 3). هو قاعدة حياة لأن مصدره المسيح (1تم 6: 3؛ 2يو 9). ولكي يكون هذا التعليم موضوع إيمان، لا يمكن إلاّ أن يكون الانجيلَ الذي نقله التقليد الشفهيّ وشرحه الرسل، بعد أن ثبّت الرب الكلمة التي كرزوا بها (مر 16: 15، 20؛ عب 2: 3- 4).
فالأسقف المعلّم هو في الجوهر، رجل إيمان وإيمان مستقيم (1تم 3: 2). يُكثر من التعليم والارشاد (1تم 4: 13؛ 6: 2) في أمانة تامّة للتعليم الذي وصل إليه (1تم 1: 10؛ تي 2: 1؛ 2تم 4: 3). ولكنه يفقه هذا التعليم بحيث يستطيع أن يقدّم البرهان الذي به يردّ على المعارضين. قال الذهبيّ الفم: "من لا يستطيع أن يقدّم التعليم الصحيح، فليبتعد عن منبر المعلّم". وقال تيودوريتس: "لا يُطلب منه أن تكون له لغة منمّقة، بل أن يكون عالمًا في الأمور الالهيّة".
3- قراءة إجماليّة
وضع بولس أسس كنيسة كريت (رج 1كور 3: 10). حرّكت كرازته الاهتداءات، ولكن الجماعات لم تتنظّم بعدُ بما فيه الكفاية. فعلى تيطس أن يرتّب الأمور. وأول خطوة يقوم بها، تأمين حلقة الشيوخ بشكل رسميّ: يعطيهم "وظيفتهم". فقد كانت للجماعات المسيحيّة حلقة شيوخ كما للجماعات اليهوديّة (أع 14: 23؛ 20: 17). وحين يقيم تيطس شيوخًا، يسير بحسب توصيات بولس وله ما له من خبرة. وخصوصًا لا يتأثّر بعوامل خارجة عن خير الكنيسة. مع المبدأ: لكل واحد حقل عمله، يقوم به ولا يتدخّل في عمل الآخرين (روم 15: 20- 21؛ 2كور 10: 14- 16؛ غل 2: 7- 8).
وهذه الوظائف الكنسيّة لا تُعطى إلاّ لمن امتلك المزايا المطلوبة. هناك ثلاثة شروط: لا يكون عرضة للهجوم، للانتقاد، ولا سيّما في بيته وفي عائلته. ليعرف تيطس تصرّفه في بيته: فهو يمارس مهمّة في بيت الله. هنا يطلب الرسول أمرين: أن يكون أولاده مسيحيين. أن يكون سلوكهم بلا عيب. ذاك الشرط الأول لا نقرأه في 1تم 3: 1- 7. ففي كريت، ما زالت الكنيسة في مهدها. أما في أفسس، حيث بُشّر بالانجيل منذ زمان بعيد، فقد كانت العائلات المسيحيّة كثيرة.
بجانب الوظائف التعليميّة (تعليم الايمان)، والوظائف الارشاديّة (الحثّ على ممارسة الصفات المسيحيّة)، هناك الوظائف التدبيريّة. هذا يعني أن الأسقف هو من يعرف أن يُطاع. وتبدأ هذه الممارسة في البيت. وإلاّ لن يُطاع في الجماعة.
ويُذكر الأسقف بشكل خاص وسط هذه الحلقة. هو وكيل من "وكلاء أسرار الله" (1كور 4: 1- 2). لا يكون ذاك الذي يرفض أن يسمع للآخرين، ذاك الذي يرفض الحوار، ويتعنّت في نظرته محتقرًا الذين لا يفكّرون مثله. وترد سبعُ صفات حسنة بشكل سريع. ثم يتوسع الكاتب في الصفة الثامنة التي ترتبط بالتعليم الصحيح. فتجاه دعوة معلّمي الضلال، لا خلاص إلاّ في وحدة الايمان. هذا يعني أن التعليم بدأ يتكوّن في مجموعة شبه ثابتة. هذا ما يُسمى "الوديعة" التي نحفظها بعناية وننقلها بأمانة (روم 6: 17؛ 16: 17؛ 1كور 15: 1- 11). وهكذا تتحدّد وظيفة الأسقف التعليميّة في آ 9: يحثّ المؤمنين على التعليم الصحيح. يوبّخ المعارضين، يردّ عليهم، بعد أن يجعل حقيقة الانجيل تجاه ما عندهم من كلام فارغ وعلم مصطنع (1تم 6: 20).

خاتمة
حين نتأمل في هذه القطعة، نرافق الكنيسة في نشأتها في جماعة محليّة، أو في جماعات عديدة تتكوّن في هذه المدينة أو تلك، في كريت أو في موضع آخر. نلاحظ أولاً أهميّة المسؤولين، مع رئيس عليهم. هناك الشيوخ الذين سيصيرون الكهنة والقسس في التقليد الكنسي اللاحق. وهناك الأسقف. ولا يكون سوى أسقف واحد في المدينة. فهو العلامة الخارجية لوحدة الكنيسة، لأنه وكيل بيت الله، سواء كان البناء أو الجماعة. وهو المسؤول عن التعليم والتوبيخ والردّ على المعارضين. من أجل هذا يكون اختياره حسب قواعد نجدها في الرسائل الرعائيّة، ومزايا تنطلق من الحياة اليومية فتطبّق على الحياة في الكنيسة: من لا يعرف أن يتدبّر بيته، لا يعرف أن يتدبّر الكنيسة. من لا يطيعه أهل بيته، فكيف يطيعه المؤمنون. ومن لا يكون قادرًا على إقناع الذين معه، فكيف يُقنع المخالفين، الرافضين. أجل، هي صفات بشرية هامّة ينميها الأسقف فيكون منزّهًا عن اللوم لكي يكون قدوة للقطيع الذي أوتمن على رعايته. 
الفصل الخامس
حرب على المعلّمين الكذبة
1: 10- 16

ارتبطت هذه القطعة بالتي سبقتها بواسطة الفاء (غار). لا بدّ من إقامة شيوخ في كل مدينة من مدن كريت. يجب أن يكونوا فوق كل شبهة، أن يكونوا رجال علم وفضيلة. لأنّ عليهم أن يردّوا على المبلبلين الذين بدأوا يعملون في قلب الجماعة. هم كثيرون، ومنهم اليهود العائشون في كريت، والآخذون بعوائد كريت الوخيمة. أما طبعهم فيتحدّد بشكل خاص في أنهم يتمرّدون على التعليم التقليديّ. والباعث على ذلك هو المكسب الخسيس، لا انتشار الانجيل. من جهة، يعلّمون خرافات لا قيمة دينية لها، وهكذا يبتعدون عن حقيقة الخلاص بالمسيح. ومن جهة ثانية، يفرضون ممارسات جانبىّة لا منفعة منها ولا فائدة. وهكذا يلقون البلبلة في الجماعة، على المستوى التعليميّ، كما على المستوى الخلقيّ. فلا بدّ من توبيخهم والردّ عليهم. ذاك يكون واجب تيطس، واجب الشيوخ، واجب الاسقف الذي يرئس حلقة الشيوخ، وإلاّ كانوا رعاة مرتزقة لا يهمّهم أمر القطيع.

1- الخصوم والمعارضون
ماذا نعرف عن الخصوم الذين قاوموا الكنيسة، فحاول تيطس (وتيموتاوس) أن يردّ عليهم؟ ماذا كانوا يعلّمون؟ وما هو الخطر الذي شكّلوه على الجماعة؟ هناك لا شكّ أقوال مقولبة وتعابير تدلّ على شيء محدّد. نحن في إطار غنوصيّ ويهوديّ يردّ عليهم النص الكتابي بشكل مباشر. نقرأ في 1تم 6: 20- 21: "تجنّب الكلام الفارغ والجدل الباطل الذي يحسبه الناس معرفة. وحين اتّخذه بعضهم زاغوا عن الايمان". فموضوع معرفة الله (1تم 1: 16) يجعلنا في إطار يهوديّ متأثّر بالغنوصيّة. والامتناع عن الأطعمة (1تم 4: 3) يجعلنا أيضًا في إطار يهوديّ. هنا نفهم تسمية "معلّمي الشريعة" (1تم 1: 7) الذين يأتون من الختان (تي 1: 10). هم يحسبون أنهم يعرفون الله، ولكنه في الواقع، يتوقّفون عند خرافات "يهوديّة" (1: 14 و16).
وهناك ردّ غير مباشر. بمعنى أننا لا نكتشف الضلالة إلاّ انطلاقًا من النصّ: نقلب ما يقوله الرسول. وهكذا نكتشف سمات أخرى تعطينا صورة عن المعلّمين الكذبة. هم قريبون من الظاهريين (لم يكن يسوع انسانًا حقًا). لهذا قالت 1تم 2: 5: المسيح يسوع الانسان. ووردت في النشيد الليتورجي عبارةُ "في الجسد"، في اللحم والدم"، في 1تم 3: 16. هم ينتقون من التعليم ما يوافق نظرتهم إلى الخلاص، ويعتبرون أن التعليم هو لفئة (الكمّال) دون أخرى (هذا ما يجعلنا في العالم الغنوصيّ). لهذا جاء الارشاد يتوجّه إلى جميع الناس (1تم 2: 1). والخلاص يتوجّه "إلى جميع الناس" (2: 4). فالله "مخلّص الناس جميعًا" (1تم 4: 10). ونعمتُه ظهرت لجميع البشر (تي 2: 11).
رفض هؤلاء "الهراطقة" السلطة السياسىّة، فدعا النصّ المؤمنين لكي يصلّوا من أجل الملوك (1تم 2: 2، حتى نحيا حياة مطمئنة). كما دعاهم للخضوع للسلطات: "ذكّرهم أن يخضعوا للحكّام وأصحاب السلطة ويطيعوهم" (تي 3: 1). في هذا الإطار، نفهم الاتّجاهات التحرريّة التي تريد التفلّت من النظام الذي يُعمل به في المجتمع. لهذا طلب النصّ من العبيد أن يخضعوا لسادتهم بكل احترام (1تم 6: 1- 2؛ تي 2: 9- 10)، ومن النساء أن لا يحاولن التسلّط (1تم 2: 12)، بل يطعن أزواجهن (تي 2: 5). في هذا الإطار، نفهم الكلام عن الزواج وعظمة الأمومة تجاه الذين يرفضون الزواج (1تم 2: 15). ونقول الشيء عينه بالنسبة إلى الأرامل الشابات (1تم 5: 14؛ رج ما يعاكس ذلك في 1كور 7: 40). والدعوة إلى شرب الخمر (1تم 5: 83) تردّ على الممتنعين عن بعض الطعام والشراب. وإن 1تم 4: 8 تعارض بين الرياضة البدنية والتقوى (تي 1: 15 ضد قواعد الطهارة اليهوديّة). ونستطيع أن نفسّر المزايا المطلوبة من مختلف الخدم، كردّ على مواقف المواهبيّين الذين ينسون أهميّة الصفات البشريّة لدى الاسقف والخادم، لدى الشيوخ. وقد قالت 1تم 3: 10: يتمّ اختبارهم. فإذا وُجدوا بلا لوم، أقيموا شمامسة.
أما الصراع الأساسي فحول "المعرفة" (غنوسيس). هناك معرفة باطنيّة لا تحتاج إلى علم يأتي من التقليد الرسوليّ بفم المسؤولين عن الجماعة وسائر المؤمنين. وهناك معرفة تتوقّف عند قشور العالم اليهوديّ، بما فيها من مجادلات فارغة وبحث عن الأنساب. وهناك معرفة نصل إليها عبر ممارسات نسكيّة، من امتناع عن الزواج، عن الخمر، عن بعض الأطعمة. وفي أي حال، هذه المعرفة محفوظة لفئة دون فئة. أما هكذا كانوا يقسّمون الناس في التيارات الغنوصيّة؟
لا نتوقّف عند القيامة وتأثيرها على الممارسات النسكيّة، بل نتوقّف عند الخلفيّة اليهوديّة لعدد من هذه الاتجاهات الضالة: 1تم 1: 4 (الخرافات، الأنساب)، 7 (معلّمي الشريعة)؛ تي 1: 10 (أهل الختان)، 14 (خرافات يهودية ووصايا)؛ 3: 9 (المناقشة في الشريعة). فتجاه الذين يعتبرون كل هذا صدى لجدال حقيقيّ، رأى آخرون وراء هؤلاء "المختونين"، مسيحيّين تأثّروا بأفكار يهوديّة، أو مسيحيّين من أصل يهوديّ. وهناك فئة أخرى رأت غياب الصراع البولسيّ الكبير حول الشريعة والأعمال في إطار الكلام عن التبرير. فإن الكلام عن "الطهارة" في 1: 15، ارتبط (رغم الظواهر) بتنظيرات كوسمولوجيّة وأنسابيّة مرتبطة بالغنوصيّة.
في هذا الإطار الدينيّ المرتبط بالعالم الغنوصيّ، نرى أن الوعد "بالمعرفة" يجعلنا في جوّ سوتيريولوجيّ ينعم به بعضُ الأشخاص. فالمعرفة في 1تم 6: 20 تتميّز عن معرفة الله في العالم اليهوديّ كما تقول حك 2: 13. ثم إن العناصر التي تشير إلى الخصوم تتوافق كلها مع عالم غنوصيّ. وهكذا نكون في المراحل الأولى لغنوصيّة سوف تعبّر عن نفسها كتابة في القرن الثاني المسيحي.
ونلاحظ أيضًا أن هذا التعليم الآخر، يتوسّع داخل التقليد البولسيّ، وهذا ما يبرّر العودة إلى بولس للردّ عليه. فمرمى الجدال هو تقليد الرسول وتفسيره تفسيرًا صحيحًا (كما كان الأمر بالنسبة إلى تفسير انجيل يوحنا). فالهرطوقيّ يعتبر نفسه أنه يرتبط ببولس، وهو اعتبار في غير محلّه، وإغفال الاسم يحاول أن يندّد بهذا الواقع. وما يدلّ على هذا الوضع، هو الإشارة إلى أن بولس تركه مشاركوه في العمل، بعد أن تخلّوا عن التعليم الصحيح (1تم 1: 9- 10؛ 2تم 1: 15؛ 4: 10، 14- 15). ثم إن الصدى الذي تلاقيه 2تم في كو 2: 12 وأف 2: 50، والرباط مع أعمال بولس المنحولة (الذين كانوا رفاق بولس اعتبروا أن القيامة قد تمت)، يُثبتان وجودَ مثل هذا الصراع الداخليّ في التقليد البولسيّ.
وهناك من يجد ثلاثة عناصر تفسّر تكوين تيّار غنوصيّ في جماعة مسيحيّة جاءت من الأمم الوثنية، وعاشت في آسية الصغرى، في نهاية القرن الأول. هناك التلفيق الهلنستي مع اتّجاهاته الروحانيّة والتنظيريّة. وهناك وجود تقليد يهوديّ حيّ. وهناك تعليم الرسول (وحياته) الذي يقدّم أمورًا يمكن أن تفسَّر في خط غنوصيّ. قد يكون المعلّمون الكذبة خرجوا من هذه الجماعة، ومن التقليد البولسي. لهذا، كانت الحرب قاسية وصعبة.
وحاولوا إعادة بناء تعليمهم. معرفة الله ليست للجميع (تي 1: 16). والجميع لا يصلون إلى الله الذي هو بعيد عن العالم الماديّ. مثل هذا الوصول يتطلّب معرفة باطنيّة تُعطى داخل حلقات صغيرة (2تم 3: 6ي). فالفصل بين الله والخليقة (1تم 4: 1- 5) يدلّ على أن المؤمن يشهد بانتمائه إلى الدائرة الالهيّة بالمسافة التي يجعلها بينه وبين عالم المادة والمجتمع. وتُفهم الممارسات النسكيّة في هذا السياق. وهناك التأكيد (في 2تم 2: 18) على القيامة كواقع نهائيّ حاضر منذ الآن، فهو يتيح للروحانيّ أن يعتبر نفسه محرّرًا من رباطات المادة. تجاه ذلك، دافعت الرسائل الرعائية عن الرجاء بقيامة الأجساد الأخيرة بقدرة الله الخالق. ورفضُ هذا الرجاء يحوّل الكرستولوجيا. لا يعود يسوع يكون، بتاريخه ومسيرته على الأرض، الطريقَ التي بها جاء الاله الخالق ليعيد حقّه على الخليقة بشكل نهائيّ. بل صار ممثّل تعليم خلاص كله روحانيّ، يرفض الكون والتاريخ.

2- دراسة النصّ
على تيطس أن يعمل في كريت، ما يجب أن يعمله تيموتاوس في أفسس: مواجهة الهراطقة والردّ على تعليمهم وما فيه من ضلال. 
أ- تحليل النصّ
أولاً: آ 10
وخصوصًا. أي أعني. اليهود. أو: المسيحيون المتهوّدون. حرفيًا: بين الذين من الختان (باريتومي). لفظ خاص ببولس. 32 مرة في الرسائل البولسية، وخمس مرات في سائر أسفار العهد الجديد. بالنسبة إلى بولس "باريتومي" تدلّ على اليهود الذين لم يؤمنوا بيسوع (روم 15: 8؛ غل 2: 7- 9). أو على المسيحيّين المتهوّدين (دائمًا مع الاداة "إك، من") في روم 4: 22؛ غل 2: 12؛ كو 4: 11. أو جميع المسيحيين سواء خُتنوا في اللحم أم لم يُختنوا (فل 3: 3؛ رج كو 2: 11- 13). إن سفر الأعمال والرسائل البولسيّة تستعمل وحدها "الذين من الختان" (المؤمنين) لتدلّ على المسيحيين المتهوّدين (أع 10: 45؛ 11: 2). المتمرّدين. أو المخالفين، المعارضين. رج آ 6 (أنيبوتكتوس). "ماتايولوغوس". لا نجده في السبعينية ولا في العهد الجديد. رج 3: 9 (ماتايوس، فارغ، باطل). في 1تم 1: 6 نجد الاسم: الكلام الفارغ.
ثانيًا: آ 11
"إبستوميزاين" (سدّ الفم). لا توجد في السبعينيّة ولا في العهد الجديد، ولكنها جد مستعملة في اللغة اليونانيّة.
هم يعلّمون أمورًا لا ينبغي أن تُعلّم. "ديدسكو". رج آ 9. مضمون تعليمهم ليس كما يجب أن يكون. رج 1تم 5: 13: لا يليق بالمؤمن، "ويخربون بيوتًا بكاملها". في 2تم 2: 18، كان المعلّمون يخربون الايمان. رج يو 2: 5 حيث قلبَ يسوع موائد الصيارفة. يرد الفعل اثنتي عشرة مرة في السبعينيّة: أناترابو. ذكرت تي "البيوت" (اويكوس) هنا. وفي آ 7، اويكونوموس، الوكيل على البيت. وفي 2: 5 "أويكورغوس": المتمّم أعمال البيت. رج 1تم 3: 4- 5، 12- 15 (بيت الله): 2تم 1: 16؛ 4: 19. يدلّ البيت هنا على عائلة مؤلّفة من الرجل والمرأة والاولاد. يرد "أويكوس" بالاضافة إلى ذلك 105 مرات في العهد الجديد. في 1كور 1: 16، نقرأ بيت استفاناس. "هولوس" كل، كامل. يرد أكثر من مئة مرّة في العهد الجديد. "قلب خسيس" يقابل آ 7 وما قيل عن المرشّح للأسقفيّة: لا يطمح في المكسب الخسيس. "كردوس"، المكسب. أيْسخروكرديس، مهتمّ بالمكسب الخسيس.
ثالثًا: آ 12- 13
"بروفيتيس"، نبيّ. نجد اللفظ أيضًا 143 مرة في العهد الجديد. رج النبوءة في 1تم 1: 18؛ 4: 14. كذّابون. رج 1تم 1: 10. "وحوش خبيثة". رج 1تم 1: 6- 10؛ 2تم 4: 14 مع "كاكوس" شرير، سيّئ، خبيث. "أرغوس" كسلان. رج 1تم 5: 13 والكلام عن الأرامل الشابّات.
"شهادة"، مرتيريا. رج 1تم 3: 7. رج "مرتيريون" في 1تم 2: 6؛ 2تم 1: 8. ونجد الصفة في 1تم 5: 19؛ 6: 12؛ 2تم 2: 2 والفعل المجرّد في 1تم 5: 10؛ 6: 13 (مرتيراين) والفعل المزيد (ديامرتيراين) في 1تم 5: 21؛ 2تم 2: 14؛ 4: 1. "لكي يكون ايمانهم". رج 2تم 1: 6، 12؛ لو 8: 47؛ أع 20: 21؛ 22: 24 (تشديد على السببيّة). صحيحًا. رج آ 9.
رابعًا: آ 14
"بروسخاين". تمسّك في معنى تحقيريّ في 1تم 1: 14 (الخرافات)؛ 3: 8 (الخمر)؛ 4: 1 (أرواح مضلّة). وهناك معنى حسن في 1تم 4: 13 (القراءة، الوعظ). لا نجد بعدُ هذا الفعل في سائر الرسائل البولسيّة. في العهد الجديد، 19 مرة، منها عشر مرات في لو+ أع (أع 8: 10- 11 في معنى تحقيري، الساحر فتن السامعين). "اليهودية"، يودايكوس". لا ترد هذه الصفة إلاّ هنا في العهد الجديد. ولا ترد في العهد القديم إلاّ في 2مك 13: 21. تستعمل غل 2: 14 الظرف الذي يدلّ على أسلوب حياة يهوديّ. "خرافات" ميتوس. في الجمع (رج 1تم 1: 4؛ 4: 7؛ 2تم 4: 4؛ 2بط 1: 16). تُستعمل في سي 20: 19 في صيغة المفرد. "انتولي" وصيّة. ترد مرارًا في العهد الجديد (66 مرّة) وفي العهد القديم، في معرض الحديث عن وصايا الله. أبوسترافو: مال، رفض. رج 2تم 1: 5 (تخلّى عن بولس)؛ 4: 4 (مال عن الحقّ). ثم هناك ست مرات في العهد الجديد، لو 23: 14؛ أع 3: 26؛ 500 مرّة في السبعينيّة.
خامسًا: آ 15
"طاهر" كاتاروس. ترد الصفة 26 مرّة في العهد الجديد، ومنها سبع مرّات في "الرعائيّة". في 1تم 1: 5؛ 2تم 2: 12 تدلّ على قلب المؤمن؛ وفي 1تم 3: 9؛ 2تم 1: 3 على الضمير. لا ترد سوى مرّة واحدة في الرسائل البولسيّة، في روم 14: 20. "كل شيء"، باس. يرد خمسين مرّة في الرعائيّة. نلاحظ صيغة التصالب هنا:
كل شيء طاهر للاطهار
وللانجاس 
وغير المؤمنين ما من شيء طاهر.
"ماميامانوس"، نجس. لا يرد الفعل (نجَّس) في العهد الجديد إلاّ في عب 12: 15؛ يهو 8. رج النجاسة الخلقيّة في يو 18: 28 (لئلاّ يتنجّسوا). تطبّق السبعنيّة الفعل "مياينو" على احتفال لا يجري حسب الأصول، على عبادة نجسة، على تصرّف غير أخلاقيّ، فاجر (أي 71: 11؛ إر 2: 7؛ حز 18: 6، 11 حسب السبعينيّة). "نوس" عقل. "سينايديسيس"، ضمير. العقل يدلّ على استعدادات خلقيّة داخليّة، كما يشير إلى طبع الكائن. لا نجد "نوس"، أكثر من ست مرّات في السبعينيّة، وهو يقابل "ل ب" في العبريّة. رج حك 4: 12. أما "ضمير" فيرد هنا فقط في تي. ولكنه يرد خمس مرات في 1تم، 2تم. في 1تم 4: 2 (كما في تي 1: 15) يقال إن الضمير تنجّس، ولا يضاف شيء. واستعمل بولس "سيناديسيس" 14 مرّة في روم وفي المراسلة إلى الكورنثيين.
سادسًا: آ 16
"يدّعون (هومولوغاين) أنهم يعرفون الله". رج 1تم 6: 12 في المعنى الايجابي: شهد شهادة حسنة. أما الاسم "هومولوغيا" (شهادة) فيرد في 1تم 6: 12- 13. واسم الفاعل يبدأ النشيد في 1تم 3: 16. "أعمالهم" (إرغون). يرد الاسم 20 مرّة في "الرعائيّة"، وهو عادة في صيغة الجمع، مبنى أو معنى (كل عمل، رج 3: 1؛ 1تم 5: 10؛ 2تم 2: 21؛ 3: 17؛ 4: 18). هذا العمل هو "صالح" (أغاتوس)، لا "حسن، جميل" (كالوس). رج 3: 1؛ 1تم 5: 10؛ 2تم 2: 21؛ 3: 17 (2كور 9: 8). ويقابله عمل السوء (2تم 4: 18). هم أرجاس (بداليكتوس، مراحدة في العهد الجديد)، عُصاة. ارنايستاي: أنكر. رج 2: 12؛ تم 5: 8؛ 2تم 12: 13؛ 3: 5. ولا يرد في غير مكان من الرسائل البولسيّة. رج حك 12: 27؛ 16: 16. المعنى: لفظ كلامًا احتفاليًا. "أبايتيس". رج 3: 3؛ 2تم 3: 2؛ لو 1: 17؛ أع 26: 19. نجد اللفظ ثماني مرات في السبعينيّة، مع كلام عن الشعب المتمرّد، عد 20: 10؛ سي 16: 6؛ 47: 21. "أدوكيموس". لم يختَبر بعد، ليس جديرًا، ليس أهلاً. رج 2تم 3: 8؛ روم 1: 28. رج 1كور 9: 27؛ 2كور 13: 5، 6، 7؛ عب 6: 8. في السبعينيّة تُستعمل الصفة عن النحاس (أم 25: 4؛ أش 1: 22) والذهب.

ب- تفسير النصّ
أولاً: كثير من المتمرّدين (آ 10- 11)
في أفسس، كان الهراطقة أشخاصًا منعزلين (1تم 1: 3)، وكان عددهم قليلاً. أما في كريت، فهم كُثر بعد أن كثرت الدعاوة اليهوديّة. وهذه الكثرة شكّلت خطرًا على الجماعة. ثلاثة أمور تميّزهم: هم متمرّدون (أنيبوتكتوس) لا يسمعون كلمة الله ولا يطيعونها (يع 1: 1)، ولا يخضعون للكنيسة. هم "متكلّمون" (ماتايولوغوس، 1تم 1: 6) يهمّهم الكلام الفارغ، لا التعليم. لهذا لا يبنون الجماعة. هم خادعون ومخدوعون (فراناباتاي، غل 6: 3). يُقنعون الناس ولكن إقناعهم يقود إلى الخيبة، لأنه إقناع كاذب. أكثريّة المؤمنين هم من اليهود الذين كانوا كثرًا في الجزيرة (1مك 15: 23؛ أع 2: 11) ولا سيّما من الوجهاء (هناك اختار فلافيوس يوسيفوس امرأته). وإن وُجد مؤمنون من أصل وثنيّ، فقد تأثّروا بالتعاليم اليهودية، والممارسات العباديّة مثل الختان.
هؤلاء الثرثارون، يجب أن نُسكتهم، أن نكمَّ أفواههم (ابيستوميزو). نضع الكمامة على أفواههم كما نفعل مع الحيوان. هناك المعنى الطبيعي، وهناك المعنى الأدبي. كيف يُمنعون من الكلام؟ يمنعهم من الوعظ، يردّ عليهم، يوبّخهم، يحرّم عليهم حتّى زيارة البيوت ، ويمنع الناس من استقبالهم. لماذا؟ يقلبون (إنترابو)، يخربون البيوت، يدمّرونها. تعرف البيوت السلام، فيأتي هؤلاء المثرثرون وينشرون أفكارًا باطلة تقسم أفراد العائلة. وغيرتهم لا تدفعها كرامةُ الله وخلاص النفوس، بل المكسب الخسيس. فالبحث عن مثل هذا المكسب هو الذي يميّز الهراطقة (1تم 6: 5؛ 2بط 2: 3). فاليونان أنفسهم كرهوا السفسطائيّ الذي يبحث عن الولائم.
ثانيًا: شهادة على أهل كريت (آ 13- 14)
وانطلق بولس من شهادة في أهل كريت قالها واحد منهم، وهو معروف مثل أراتس (أع 17: 28) أو مناندرو (1كور 15: 33). هناك من قال: إبيمينيديس من كنوسوس (القرن 7- 6 ق.م)، وهم ايرونيموس، اكلمنضوس الاسكندراني، أوغسطينس، إيشوعداد المروزي (أخذها من تيودورس أسقف المصيصة). يبدو أن هذا "الفيلسوف" عمّر طويلاً و"أنبأ" بهجوم الفرس على اليونان، فسُميّ النبي (بروفيتيس). ولكن مثل هذا "النبي" بعيد كل البعد عن "رجل الله". فاليونان كانوا يسمّون شعراءهم أنبياء. تحدّث يو 11: 51 عن نبيّ هو قيافا. و2بط 2: 11 عن جحشة بلعام، ويهو 14 عن أخنوخ.
الهراطقة ليسوا فقط ثرثارين (فراناباتاي، آ 10)، ليسوا فقط كذّابين مثل أهل بلدهم، بل يُشبهون الوحوش التي لا يمكن تدجينها (أنيبوتكتوس). هم جائعون دومًا، نهمون، يجدون فريستهم في عائلات مسالمة.
استعاد الرسول ابيمينيديس ليحكم على أهل كريت، لأنه أصاب في ما قال عنهم. فماذا ينتظر تيطس لكي يوبّخهم بقساوة؟ "أبوتوموس". رج الفعل "أبو تمنو"، فصل وقطع. هكذا يفعل الرسول حيث لا ينفع اللطف (2كور 13: 10). فمحاولات الاقناع باطلة (2تم 2: 24- 25) تجاه أشخاص رافضين، كاذبين،، أشخاص صاروا كالمرضى (1تم 6: 4). فعلى المسؤول أن يكون ذاك الطبيب الذي يُعمل المبضعَ لتعود الصحّة إلى كل عضو، وبالاحرى إلى الكنيسة ككلّ.
وصحّة الايمان هي التعلّق بحقيقة الوحي، ورفْض كل ما يستنبطه البشر من خرافات وتعاليم باطلة، كاذبة (2بط 1: 16). وهنا نعود أيضًا إلى تعاليم يهوديّة وصلت إلى كريت. "الوصايا" (إنتولي) هي تعليمات تُشرف على الحياة الدينيّة والأخلاقيّة والعمليّة لدى المؤمنين. حين يقدّمها أناس لم ينتدبهم أحد، فقيمتها قيمة هؤلاء الناس (أش 29: 13)، مثل "تقليد الشيوخ" بأن يغسل الانسان يديه قبل الطعام (مر 7: 3- 5؛ رج كو 2: 16، 21، 22). فالحريّة المسيحيّة تقوم في الطاعة لسلطة الله، لكلامه ولتعليمه (تي 1: 1- 3) كما نقله الرسل (2بط 2: 21؛ 3: 22. والطاعة لمثل هذه الوصايا تحدّد من هم أعضاء الكنيسة (أع 12: 17؛ 14: 12). ولكن حين نسمع لخرافات أنساب ووصايا بشريّة (1تم 1: 4)، نميل (ابوسترافو، 2تم 1: 15؛ 4: 4) عن الحقيقة التي أخذنا بها واعتنقناها (1تم 2: 4؛ 4: 3).
ثالثًا: كل شيء طاهر للأطهار (آ 15- 16)
نحن هنا (آ 15) أمام قول مشهور، نقرأه عند فيلون وسينيكا وأفلوطين (لا شرّ للأخيار ولا خير للأشرار) وغيرهم. رج مت 15: 10؛ لو 11: 14 (أعطوا فيكون كل شيء لكم طاهرًا). في روم 14: 14 نقرأ كلامًا يُشرف على خلقيّة العهد الجديد فيلغي ما يقوله العهد القديم. قال يو 8: 23: الحقّ (يسوع المسيح) يحرّركم. إن "كاتاروس" (طاهر) تعني أيضًا في البرديات: من تحرّر من الهمّ، من تنزّه عن اللوم، من لم يثقله شيء. نحن هنا أمام فرائض طعاميّة (آ 14؛ 1تم 4: 13) عاد المعلّمون الكذبة إلى العمل بها ولكن الممارسات "البدنية" (على مستوى اللحم والدم) تعدّاها الزمن، منذ يسوع المسيح، كما قالت عب 9: 10، 13. هذا ما فهمه بطرس حين كان عند كورنيليوس: لا مكان للتمييز بين الطاهر والنجس (أع 10: 14- 15). فالمهمّ هو طهارة القلب (مت 5: 8؛ يو 13: 10؛ 15: 3؛ 1تم 2: 8). إذن، بالنسبة إلى انسان طهّره دمُ المسيح، وولده الروحُ ولادة ثانية (تي 3: 5- 7)، كل شيء طاهر على المستوى الطقسيّ، وعلى المستوى المادي. فالتدبير الجديد يعود إلى نظرة الله إلى الخلق: رأى جميعَ ما خلقه فإذا هو حسن (تك 1: 4، 10، 12، 18...) من أجل طعام أبناء الله (روم 14: 20؛ 1كور 5: 11- 12؛ 10: 23، 30- 31). لا نجاسة في الأشياء. فالنجاسة من الانسان، وما هو من الطبيعة المخلوقة هو طاهر، كما قال أوغسطينس.
تجاه ذلك، فالناس "الانجاس" الذين لامستهم الخطيئة (ميانياين، عب 12: 15؛ 2بط 2: 20؛ يهو 8. قال الذهبي الفم: الخطيئة وحدها هي النجاسة)، الذين لم يطهّرهم دم المسيح، (أبستوس) اللامؤمنون، فهم ينقلون نجاستهم إلى الأشياء. كل هذا يتعلّق بالعقل (نوس) وبالضمير (سينايديسيس): هناك يتكوّن الحكم الخلقيّ وتمييز الخير والشرّ (روم 12: 12؛ رج 6: 5؛ 2تم 3: 8). هناك طريقة التعامل مع المادة، وهي تحدّد خلقيّة الانسان.
أما "المعلّمون" في كريت فيعلنون بالفم الملآن (هومولوغاين، 1تم 3- 16) أنهم يعرفون (أويدا) كل المعرفة (علم اليقين، يسيطرون على دقائق الامور)، وأن لا شيء ينقصهم في هذا المجال. ولكن ما قيمة هذه المعرفة إن لم ترافقها الأعمال (يو 2: 14- 26). فهؤلاء ينظّرون حول الخرافات، أما أعمالهم فتنكر إيمانهم وتعارض ما يعلنونه ويقرّون به.
مثل هؤلاء الناس يمقتهم الله والبشر. فهم ارجاس (ماميامانوس). عصاة: بداليكتوس. رج "ب ث ت: في العبرية. علاقة بعبادة الأوثان. وأخذت الصفة ما يتعلّق بالنتانة والرائحة الكريهة. رج دا 9: 27؛ روم 2: 22. هؤلاء الثرثارون لا يُخضعون حياتهم لممارسات الايمان العمليّة (3: 3؛ أف 2: 2؛ عب 4: 6- 11). بل يرفضون أن يقتنعوا (أبايتيس). هم يديرون ظهرهم للحقّ (آ 14) فيصيبهم الغضب الالهيّ (حك 10: 7؛ أف 5: 6؛ كو 3: 6). يهيّئ الله مؤمنيه لكي يحملوا الثمار (2تم 3: 17). أما الهراطقة فينادون بالخلاص ولا ينعمون به (1كور 9: 27) لأنهم عاجزون (أدوكيموس) عن كل عمل صالح (تي 3: 1). هم يُشبهون أرضًا عقيمة قد نالتها اللعنة (عب 6: 8). فماذا يفعلون بعدُ في الكنيسة.
3- قراءة إجماليّة
إن الاعداء الذين يحاربهم بولس هم يهود صاروا مسيحيّين (آ 13)، ولكن مسيحيّتهم ظلّت على مستوى القشور (آ 13). هم لم يفهموا الجديد الجذريّ في الانجيل، ورفضوا أن يستخلصوا نتائجه من أجل حياتهم اليوميّة. اختلفوا عن الغلاطيين، فلم يشدّدوا على الختان كوسيلة ضروريّة من أجل الخلاص، بل شابهوا معلّمي كولسي الذين تعلّقوا بنظريّات كوسمولوجيّة وفرائض طقسيّة تدمّر حقيقة الانجيل. بالإضافة إلى ذلك، اجتذبتهم نظرات غنوصيّة فجعلت من ديانتهم تلفيقًا بمزج المسيحيّة باليهوديّة وبالنظريات السرّانيّة.
ظنّ هؤلاء المعلّمون أنهم فوق كل سلطة. فوق سلطة الرسول نفسه. لهذا تمرّدوا على كل توصية لا تأتي منهم. رفضوا، فوجب أن يدجَّنوا كالحيوانات الشرسة. هم ثرثارون يرتضون بالكلام الفارغ. كان اليهود يتّهمون الوثنيّين بأنهم لا يعرفون الله. وأنهم يصلّون صلاة هي أقرب إلى الثرثرة بكلامها الفارغ، منه إلى الحوار مع الله (مت 6: 7). فانتقد بولس هؤلاء المعلّمين المتهوِّديبن في كريت، كما كان اليهود ينتقدون الوثنيين. أما خطر هؤلاء الوعّاظ، فيقوم في أنهم يعرفون كيف يُقنعون الآخرين ويخدعونهم. عرف الانجيل مثل هؤلاء الأنبياء الكذبة الذين يبدون كالحملان وهم ذئاب خاطفة (مت 7: 15). وكان بولس قد نبّه شيوخ أفسس من هؤلاء الذئاب الذين يتغلغلون في القطيع، ويخدعون التلاميذ بكلامهم المسموم (أع 20: 29). بل رأى أن عددًا من المؤمنين سوف يُخدعون (1تم 4: 1- 2). ففي "الأزمنة الأخيرة" تكون تجربةُ الجحود كبيرة. فيقوم المسحاء الكذبة والأنبياء الكذبة في كل مكان فيقدّمون الآيات والمعجزات بحيث يُضلّون المختارين أنفسهم (مت 24: 24).
مثل هؤلاء الناس تُسدّ أفواهُهم (آ 11). تُوضع الكمامة لتكبح كلامهم الذي لا ينتهي. قد لا يبشّرون بشكل علني. ولكنهم يتسلّلون إلى البيوت فيدمّرون أسرًا بكاملها (2تم 3: 6). يمرّون، فتنقلب الأمور بعد مرورهم، وتحل الفوضى في العائلات المسيحيّة محلّ السلام. هذا يعني أن روح الله ليس هنا. فثمر الروح، كما قالت غل 5: 22- 23 هو: محبّة، فرح، سلام، وداعة، لطف. "ويعلّمون ما لا يجوز". رج 1تم 5: 13 وما قيل عن الأرامل الشابات اللواتي ينتقلن من بيت إلى بيت وينقلن معهنّ الكذب والافتراء والنميمة. وهكذا يتهدّد الايمان. والذي يدفعهم إلى ذلك هو حبّهم للمال. وهذه رذيلة عُرف بها أهل كريت، وقد يكونون أخذوا بقول لشيشرون خطيب رومة: "السرقة ليست أمرًا لاأخلاقيًا". فتميّزوا عن أهل الأرض، واعتبروا أن لا ربح غير شريف (كما قال بوليبيوس). ولكن ليست هذه الرذيلة الوحيدة لدى هؤلاء الذين وجب على تيطس أن يجعلهم في الطريق القويم.
واستعان بولس في كلامه عن أهل كريت بشاعر من شعرائهم، يصفهم وصفًا لا يشرّفهم كثيرًا: هم كذّابون، وحوش لا يدجَّنون، كسالى، يقضون وقتهم في الطعام. فيجب أن يحذرهم، بل أن يتّخذ الاجراءات ضدّهم، فيشرع بالتوبيخ بدءًا بالمسؤولين، والهدف هو إعادة الصحّة إلى الذين صار إيمانهم مريضًا. أما المرض فيأتي من العالم اليهوديّ في خراقات ترتبط بتنظيرات حول الأنساب، والملائكة، والشريعة، وهكذا يميلون بآذانهم عن الحقّ.
جاءت تعاليم الكريتيين عمليّة، لا نظرية فقط، فأشارت إلى التصرّف الخلقيّ بما فيه من ممارسات نسكيّة. ولكن ما قيمة "وصاياهم" التي هي بعيدة عن الوصايا العشر، وبالأحرى عن تعليم الانجيل. فالشريعة إلهيّة، كما يقول بولس، ولها دور هام في تدبير الخلاص (روم 7: 7- 16؛ غل 3: 9- 14). أمّا ما يعلّمه هؤلاء :الهراطقة:، فأقوال بشريّة تضع جانبًا وصايا الله، كما قال يسوع عن الفريسيين (مر 7: 7)، وبالتالي تلغي وصيّة الله. وكانت النتيجة: "هذا الشعب يكرمني بشفتيه، أما قلبه فبعيد عني" (مر 7: 6). هنا نلتقي مع كو 2: 21- 22 مع أقوال: "لا تمسّ. لا تذق، لا تلمس. هي كلها أشياء تزول بالاستعمال. هي أحكام وتعاليم بشريّة".
ما يقدّمونه هو طهارة على مستوى الشريعة، طهارة خارجيّة، عاجزة عن حمل الخلاص إلى الانسان. أما بولس فيتحدّث عن الطهارة الحقيقيّة. فالأشياء في حدّ ذاتها، ليست طاهرة ولا نجسة. فالانسان هو الذي يجعلها شريرة. والطهارة لا ترتبط بالأشياء، بل بالضمير. المهمّ هو أن تكون العين الداخليّة في النور، حينئذ يستضيء الجسدُ كله (مت 6: 22). ذاك هو تعليم الانجيل (مت 15: 10- 20؛ لو 11: 39- 41). فالذي هو نقيّ في الداخل (أي خاضع لله وللمسيح بدون مساومة) يحوّل كل شيء إلى نور. أما الذي هو بعيد عن الله، فيُفسد كل ما يلمسه. والنجاسة الجوهريّة، الداخليّة، هي في النهاية قلّة الايمان. ومن لم يفهم أن لا خلاص إلاّ في يسوع المسيح، فيبحث عن تبرير في ممارسات خارجيّة محضة، هو فاسد في أساسه. وهكذا يصبح تصرّفه مغلوطًا، يميل عن الاتجاه الأساسيّ. بعد هذا، لا يكون له شيء نقيًا. ولا شيء يقدر أن يقوده إلى الخلاص. فالأشياء الصالحة قد تقود إلى الشرّ إن استعملناها بروح الشرّ.
في 1تم 1: 7، كان بولس قد انتقد مزاعم هؤلاء المعلّمين الذين سمّوا أنفسهم اختصاصيّين في الشريعة، ساعة هم جهّال لا يعرفون شيئًا. فبيّن التناقض بين تعليم هؤلاء الناس وسلوكهم العمليّ. هم يؤكّدون أنهم يعرفون الله. ولكنهم ينكرونه بأعمالهم. هذه الملاحظة تكفي لتنزع القناع عنهم. يكفي لذلك أن نتذكر القول الانجيلي: "كل شجرة صالحة تثمر ثمارًا صالحة، وكل شجرة رديئة تثمر ثمارًا رديئة. فمن ثمارهم تعرفونهم" (مت 7: 17؛ رج 12: 33- 35). ما أهون أن نزعم أننا نعرف الله. ولكن يجب أن يأتي العمل بعد القول. :من قال أنا أعرف الله ولم يحفظ وصاياه، فهوكاذب. وليس الحقّ فيه" (1يو 2: 4). مثل هؤلاء الناس ينكرون، في الواقع، الله. يعتبرونه، في أعمالهم، غير موجود. لهذا، يُمقتون، لأنهم أرجاس يميلون عن الايمان الحقيقيّ الذي هو طاعة (روم 1: 5)، وخصوم لكلمة الله. هم عصاة، متمرّدون. ولا نستطيع أن ننتظر منهم شيئًا. فهم عاجزون حتّى عن عمل الخير. أما الرسول فهو "معدّ ومستعدّ لكل عمل صالح" (2تم 3: 17).

خاتمة
جاءت صورة المسؤول في الكنيسة، وصورة المؤمنين الحقيقيّين. وبعدهما جاءت صورة المعلّمين الكذبة. فاستند بولس إلى ما يقوله شعراء كريت عن أهل كريت. وطبّقه على أشخاص يُكثرون من الأقوال ولا يعملون شيئًا. هم كسالى في الحياة اليوميّة، لا يريدون أن يعملوا شيئًا سوى أن يملأوا بطونهم. وهم كسالى في الحياة الروحية، يُخفون تقاعسهم وراء مزاعم تعلن أنهم يعرفون وهم في الواقع لا يعرفون. وإن عرفوا، فهم لا يفعلون. يشبهون الفريسيين والكتبة الذين قال فيهم يسوع: يقولون ولا يفعلون. يحزمون أحمالاً ثقيلة (من الشرائع والفرائض) ويلقونها على أكتاف الناس، ولكنهم لا يحرّكونها بإحدى أصابعهم. فهؤلاء الهراطقة هم يهود صاروا مسيحيين أومسيحيون من أصل وثنيّ تأثّروا بالتعاليم اليهودية، فجاءت النتيجة هي هي: سمّوا نفوسهم أهل الختان، لا أهل العماد، وتوقّفوا عند خرافات يهودية ووصايا بشريّة، وتركوا وديعة الايمان التي حملها الرسل من فم المسيح وأوصلوها إلى الجبل الثاني والثالث في الكنيسة. أمام هذه الصورة البشعة، هل يتردّد المؤمنون في اختيار تعليم المسيح وترك التعاليم البشريّة، كما فعلت جماعة متّى؟ ويبقى على تيطس أن يتميّز عن هؤلاء بالتعليم الصحيح الذي يقدّمه، وبالسيرة التي يعيشها، فيقدّمها لمؤمنين يسلكون طريق القداسة فتكون حياتهم بلا لوم.
القسم الثالث
تيطس والحياة المسيحية لدى المؤمنين
3: 1- 3: 15

في الرسالة الأولى إلى تيموتاوس، أعطى بولس تعليماته إلى التلميذ الذي تركه في أفسس، فاهتمّ بثلاثة أمور: تنظيم الكنائس. الحرب على المعلّمين الكذبة الذين ينشرون هرطقاتهم. الحياة المسيحية لدى المؤمنين. هذا ما نجده أيضًا في الرسالة إلى تيطس. فبعد نصائح تنظّم إقامة الشيوخ في كريت (1: 5- 9)، وتحذيرات تنبِّه المؤمنين من المعلّمين الكذبة (1: 10-16)، ها هو يذكّر تلميذه بمسؤولياته الرسوليّة تجاه المؤمنين، حسب أعمارهم وأوضاعهم، وحسب صفتهم المشتركة كمؤمنين الايمان الواحد. انطلق الرسول من العقيدة لكي يصل إلى العمل، واهتمّ بالتأثير الذي يمكن أن يتركه سلوك المسيحيين على العالم الوثني: المسيحيّ نور العالم. فليحذر أن يكون النورُ الذي فيه ظلامًا. إن كان سلوكه بحسب الانجيل، عظّم الوثنيون تعليم الله مخلّصنا (2: 10). وإن كان سلوك المؤمن مشينًا، استهان المؤمنون بكلام الله (2: 5).
يتوزّع هذا القسم حسب الفصول التالية:
1- فئات المسيحيين المختلفة (2: 1- 10)
2- المسيحيّون شعب الله الخاص (2: 11- 15)
3- المسيحيون في عالم وثني (3: 1- 8)
4- تيطس وواجب التعليم في الكنيسة (3: 9- 15).
الفصل السادس
فئات المسيحيين المختلفة
2: 1- 10

بعد أن نظّم تيطس الكنائس ونبّه إلى وجود المعلّمين الكذبة، وجب عليه بتعليمه وحياته أن يرفع مستوى الحياة الأخلاقيّة في العائلات المسيحيّة التي بلبلها المعلّمون الضالّون. هذا التعليم ليس بجديد، بعد أن شدّد بولس على أهميّة الحياة العائليّة في المسيحيّة. غير أنه يشدّد هنا بشكل خاص، وبالنظر إلى الفساد المنتشر، على واجب كل واحد بأن يحيا حياة تليق بالايمان، بأن ينفصل عن العادات الوثنيّة، وأن يكون مثالاً في عيشه للفضيلة. فالانسان، سواء كان صغيرًا أم كبيرًا، رجلاً أم امرأة، غنيًا أم فقيرًا، عليه أن يمارس الفضائل التي تقابل حالته. ولكن تبقى المزيّة الأساسيّة التعقّل، الوقار، الرصانة. فالحياة المسيحيّة لا تقوم في تنظيرات من عالم الخيال، بل في ممارسة عمليّة يحدّدها التعليم الصحيح، وتتعارض مع ما لا يليق بالمسيحيّ أن يفعله. ولا يكتفي بولس أن يحثّ المؤمنين على الخير، بل يبرّر دومًا ما يفرضه، بأن تُنزع من الوثنيين كل مناسبة افتراء على الكنيسة. هذا يعني أن الكنيسة كانت في قفص الاتهام، وأنها تلاقي المضايقات إن لم يكن الاضطهادات على ما نقرأ في 1بط. كما يعني أنها صارت مؤسَّسة ذات وجه منظور، مع تراتبيّة في الخدم. فوجب على المسيحيين أن يكونوا نور العالم.

1- الجماعة المسيحية أمام العالم
هذا التحريض (2: 1- 10) الذي يندرج في قلب تي، يتنظّم في متتاليتين متشابهتين حيث يتوالى الارشاد والموضوع السوتيريولوجي (2: 1- 10، 11- 14؛ 3: 1- 2، 3- 7). ونحن نقرأ فيه تعليمات تتوجّه إلى مختلف الفئات في الجماعة. أما 2: 1 (أما أنت) فتدلّ على تعارض مع التوسّع السابق (1: 10- 16) حيث تقف خدمة تيطس في وجه الهرطقة، وحيث يتوضّح التصرّفُ المطلوب من مختلف المجموعات في الكنيسة. توجّه التحريض توجهًا مباشرًا إلى تيطس، إلى متسلّم الرسالة. بدأ في صيغة الأمر (فتكلّم)، وتواصل في آ 6- 7 (وعظ) في صيغة الأمر. وانتهى كل هذا في آ 15، في صيغة الأمر (تكلّم وعظ، ووبّخ). والتعليم الصحيح في قلب هذا التعليم هو أيضًا تحريض لتيطس يشبه ما في 1تم (4: 6- 16؛ 6: 11- 14)، 2تم (2: 22- 26). إذن، جاء الكلام إلى تيطس إطارًا لتعليمات توجّهت إلى الجماعة. والعبارة في 2: 15 (هكذا يجب أن تتكلّم) تعود إلى ما في 2: 1 (أما أنت فتكلّم)، فتختم المتتالية وتدلّ على وحدتها (1تم 4: 6ي؛ 2: تم 2: 22ي؛ 3: 10ي).
في 2: 2- 10 نجد تكرار البنية الغراماطيقيّة خمس مرّات: مصدر بشكل أمر، تتبعه أربع جمل مع "هينا" (لكي، آ 4، 5، 8، 10) فتعطي الإرشاد أساسه وتنظّم المتتالية. وهكذا جاء الكلام إلى المؤمنين بشكل غير مباشر، فما توجّه إلى مختلف الفئات في الكنيسة، بل إلى المسؤول عن هذه الفئات. أما التحريض المباشر الوحيد فهو الذي يتوجّه إلى تيطس في آ 7 (كن أنت نفسك قدوة لهم). وما يتوجّه إلى الناس غيرُ مباشر على صعيدين: تيطس يعلّم العجائز ساعة العجائز يعلّمن الشابات محبّة أزواجهنّ (آ 3-4).
نحن هنا أمام "الشرعة البيتيّة". فيها تعليمات تتوجّه إلى ثلاث مجموعات: الرجال والنساء. والاولاد والوالدون. والأسياد والعبيد. فيجب أن تكون العلاقات صحيحة داخل كل مجموعة. على الأصغر أن يخضع للأكبر. رج أف 5: 21- 6: 9؛ كو 3: 18- 4: 1؛ 1بط 2: 13-3: 7. وهناك شرعة ثانية نجدها في الأدب المسيحيّ الأول: تتوسّع لا في العلاقات البيتيّة وحسب، بل تصل إلى العلاقات داخل الكنيسة. من أين جاءت هاتان الشرعتان؟ من العالم اليهودي ومن العالم اليونانيّ.
ولكن اختلفت تي 2: 1- 10 عن الشرعة الأولى. فهي لم تتوقّف عند المجموعات الثلاث التي أشرنا إليها، بل تصل إلى العمر، والجنس، وفي الأخير إلى العبيد. جاء الارشاد إلى الرجال كرجال، وما من كلام عن علاقتهم مع أشخاص آخرين. وجاءت التحريضات إلى النساء العجائز والشابات، وإلى العبيد، مع إسناد، كما مع تعبير عن علاقات مع مجموعات أخرى. وهكذا نكون لا على مستوى البيت فحسب، بل على مستوى الجماعة، حيث تبدو النساء العجائز مسؤولات عن النساء الشابات اللواتي يحببن أزواجهنّ وأولادهنّ ويخضعن لرجالهن. كما نلاحظ أن لا كلام يتوجّه إلى أسياد هؤلاء العبيد. فالمهمّ الشهادة التي تؤدّيها الجماعة في المحيط الذي تعيش فيه. وهكذا ننتقل من الشرعة البيتيّة إلى الشرعة الكنائسيّة. المهم لا علاقة بين رجل وامرأة، بين سيّد وعبد، بل علاقة بين الكنيسة والعالم الوثنيّ الذي يجب أن تكون له نورًا.

2- دراسة النصّ
بعد أن نظّم تيطس الكنائس المحلّية، وكوّن سورًا بوجه الهرطقة، وجب عليه أن يقدّم قواعد خلقيّة عمليّة إلى مختلف الأعضاء في الكنيسة. في الحياة الاجتماعيّة، يكون جميع المسيحيين خاضعين للسلطات، صالحين مع القريب، حسب النعمة العمادية التي هي موهبة من رحمة الله، وحسب التعليم الأساسيّ في المسيحيّة.

أ- تحليل النصّ
أولاً: 2: 1- 2
أما أنت (سي دي). هكذا يبدأ عرض جديد في الرسائل الرعائيّة. رج 1تم 6: 11؛ 2تم 3: 10، 14؛ 4: 5 "كلّم" (لالاين). رج آ 1: 9 (الكلام الصادق). رج 2: 15. ويُستعمل فعل تكلّم عن الأرامل (1تم 5: 3- 16): التكلّم بما لا يليق (آ 13).
"براسبيتاس"، شيخ. "براسبيتيس" عجوز. رج زكريا (لو 1: 18)، بولس (فلم 9). رج 4 مك 16: 14 "نيفاليوس" يقظ. معتدل، فطن. رج 1تم 3: 2، 11 في الكلام عن الأسقف وعن الشمّاس. لا نجد اللفظ في اليونانيّة البيبليّة. وهناك صفات أخرى: وقور،رصين. ويكون إيمانه قويًا، سليمًا. نجد هنا "بستيس" (الايمان) "إلبيس) (الرجاء)، "هيبوموني" (الصبر). رج 1تس 1: 3؛ 2تم 3: 10. تُذكر "المحبّة" هنا فقط في تي (ولكن هناك اختلافة في آ 10)، ولكنها تُذكر تسع مرات في 1تم و2تم كاسم (1تم 1: 7) وفعل (2تم 4: 8- 10) وصفة (1تم 6: 2؛ 2تم 1: 2). ونجد الصبر في 1تم 6: 11؛ 2تم 3: 10، في لائحة المزايا. ويرد اللفظ 13 مرة في سائر الرسائل البولسيّة، بينها ست مرات في روم.
ثانيًا: آ 3
"العجائز". رج آ 2. "هوساوتوس" (كذلك) تربط ما قيل عن الرجال وما قيل عن النساء. رج آ 6؛ 1تم 2: 9؛ 3: 8، 11. "لا... لا...". رج 1تم 1: 3- 4؛ 6: 17؛ 2تم 1: 8. "ديابولوس": نمّام. رج 2مك 14: 27؛ 3مك 6: 7. مدمنات. أي عبدات لخمرة كثيرة. رج 1تم 3: 8 بالنسبة إلى الشمامسة. رج 1تم 5: 23 مع نصيحة بأخذ الخمر. "دولون" استُعبد. لا يرد إلاّ هنا في الرعائيّة (رج دولاواين في 3: 3)، ولكنه يرد خمس مرات في سائر الرسائل البولسيّة. في العهد الجديد، تصوّر 2بط المستعبدين للفساد الخلقيّ. أع 7: 6 تورد تك 15: 13 حسب السبعينية (في المعنى الاجتماعي، بنو اسرائىل الذين يخدمون المصريين كعبيد. رج أم 27: 8، السبعينيّة)؛ حك 19: 4؛ 1مك 8: 11. ونجد المعنى الأدبي فقط في 4مك 3: 2؛ 13: 2. "كالوديدسكالوس"، معلّم الخير، يعلّم ما هو خير. أو يعلّم ما هو قويم.
ثالثًا: آ 4- 5
"الشابات" (نايا). لا نجد هذا المعنى في موضع آخر من العهد الجديد. بل في 2مك 5:13؛ 6: 24، 28، 31. في العهد الجديد "نايوس" جديد، يدلّ عادة على الأشياء. مثل الخمر. ولكن أدخله بولس في الخطبة اللاهوتيّة. 1كور 5: 7 (عجينًا جديدًا)؛ كو 3: 10؛ رج عب 12: 24 (وسيط العهد الجديد). نقرأ الفعل "سوفرونيزو"، علّم. نجد صفتين مع "فيلو" (أحبّ: فيلاندروس: محبّة لزوجها. فيلوتكنوس: محبّة لأولادها. هي صفات بيتيّة تشعّ في الخارج فتشهد للاسم المسيحيّ.
"سوفرون" متعقّل، رزين. "هاغنوس". عفيف. رج 1تم 5: 22. ثم 6 مرّات في العهد الجديد، في الرسائل فقط. أما الاسم فيرد في 1تم 4: 12؛ 5: 2. رج 4مك 18: 7- 8. يستعمل فيلون هذا اللفظ عن النساء والرجال. "أويكورغوس". يعمل في البيت. هناك مخطوطات بيزنطيّة تقرأ: "أويكوروس": يعمل في البيت. "أغاتاس"، صالحات. هي الصفة السابعة من أجل سبع صفات تدلّ على المرأة الشابة (البيت، الزواج). هيبوتاساين (أطاع) رج 2: 9 (عن العبيد)؛ 3: 1 (خضوع للحكام). وهناك طاعة (هيبوتاغي) المرأة والاولاد في 1تم 2: 11؛ 3: 4. يرد الفعل أيضًا 20 مرّة في الرسائل البولسيّة، وهو خاص بانجيل لوقا. كما يُستعمل 30 مرّة في السبعينيّة (مز، 2 مك) خلال الحقبة الهلنستيّة. "لوغوس"، كلام.
الشعبية والسريانية وغيرهما تضيف: ديدسكاليا: التعليم. "بلاسفاماين"، جدّف، استهان. رج 3: 2؛ 1تم 1: 20؛ 6: 1. ترد الصفة (مجدّف) في 1تم 1: 13؛ 2تم 3: 2. والموصوف (التجديف، الشتيمة) في 1تم 6: 4. يُستعمل الفعل ثلاث مرّات في روم 2: 24 (أش 52: 5)؛ 3: 8؛ 14: 16؛ رج 1كور 10: 30. يرد الفعل 8 مرات في السبعينية في معرض التجديف على الله.
رابعًا: آ 6- 7
"عظ، شجّع" باراكاليو. رج 1: 9. "نايوتاروس"، الشاب. "في كل شيء". رج آ 7. "باراخاين". أعطى، قدّم. "تيبوس"، مثال. قدوة. رج 1تم 4: 12. يرد اللفظ ست مرّات في سائر الرسائل البولسيّة. رج 1كور 10: 11؛ في روم 6: 17، مثال التعليم. رج 1بط 5: 13. في نصوص العهد الجديد، يدلّ على الأشياء. رسالة (أع 23: 25؛ 3مك 3: 30). الأصنام (أع 7: 43؛ عا 5: 26). خيمة الله في البريّة (أع 7: 44؛ عب 8: 5؛ خر 25: 40). ديدسكاليا: التعليم. "أفتوريا"، اللافساد. أي اللافساد في التعليم. تعليم منزّه عن الخطأ. التعليم الصحيح. "سامنوتيس"، كرامة، وقار. رج 1تم 2: 2؛ 3: 4. نحن قريبون من التقوى.
خامسًا: آ 8-10
"كلامك". رج 1: 3. "هيغييس". صحيح. رج 1: 9؛ في أع 4: 10 (عشر مرات في الأناجيل) يتحدّث عن صحّة الجسد. وتسع مرات في السبعينيّة. "أكاتاغنوستون". لا يهاجَم، لأن لا سوء فيه. "إنانتيوس"، الخصم، من يقف أمام، في وجه. يُستعمل اللفظ عن الريح (مر 6: 48 = مت 14: 24؛ أع 27: 4. رج 1تس 2: 15. "فاولوس"، خاطئ. سيّئ. لا يكون لهم من أساس سيّئ لكي يهاجمونا. "لاغاين"، قال. "إنتراباين". خزي. لا يرد إلاّ هنا في الرعائيّة. يرد ثماني مرات في العهد الجديد، منها 1كور 4: 4؛ 2تس 3: 14.
"دولوس". عبد. رج 1: 1؛ خضع. "هيبوتاساين". رج آ5. في كل شيء. رج 2: 10؛ 1تم 3: 11؛ 2تم 2: 7؛ 4: 5. "دسبوتيس" (سيّد). في الجمع، في الشرعة البيتيّة (1تم 6: 1- 2؛ 1بط 2: 18). المفرد في 2تم 2: 21 يدلّ على الإله، وهذا ما نجده في الصلوات اليهوديّة والمسيحيّة. لو 2: 29؛ أع 4: 24. رج رؤ 6: 10 (عن الله)؛ 2بط 2: 1؛ يهو 4 (عن المسيح). "اوارستوس" مرضيّ. هنا فقط في الرعائيّة. يُرضون أسيادهم. نجد اللفظ 8 مرات في العهد الجديد، منها 7 مرات في الرسائل البولسيّة. نرضي الله أو المسيح. "أنتيلاغاين". خالف. رج 1: 9.
"نوسفيزاستاي" اختلس، سلب، سرق، مال بالمال. لا يرد إلاّ هنا وفي أع 5: 2، 3 في كلام عن حنانيا وسفيرة اللذين اختلسا مالاً مكرّسًا للرب. "برهن" إندايكنيماي (14 مرّة في السبعينية. رج أم 12: 17؛ 4 مك 17: 12). نجد هنا "بستيس"، إيمان؛ "كوسماين"، رتب، زيّن. يصوّر هذا الفعل وظيفة الفضائل النسائيّة في عبادة الجماعة المسيحية في 1تم 2: 9. يرد هذا الفعل ثماني مرات في العهد الجديد، ولا يرد مرّة واحدة في الرسائل البولسية. رج لو 11: 25 = مت 12: 44 (مثل البيت الذي يأتي إليه الروح النجس)؛ 21: 5 (حجارة الهيكل) رج رؤ 21: 19؛ مت 23: 29؛ 25: 7 (العذارى العشر) في 1بط 3: 5؛ ورؤ 21: 2، نحن أمام زينة النساء.
2- تفسير النصّ
نقرأ هنا واجبات مختلف الفئات في الجماعة. هذا لا يعني أن هناك تعليمًا خلقيًا يتوجّه إلى العجائز وآخر إلى النساء الشابات. فليس هناك سوى انجيل واحد يعيشه كل منّا حسب وضعه وحاله وظروفه.
أولاً: الكبار (آ 1-2)
"أما أنت". رج 1تم 6: 11. تجاه تعليم لا يليق (1: 11) بالمؤمنين، تجاه الكلام الفارغ وخرافات الهراطقة اليهوديّة (2تم 3: 10؛ 4: 5). هم يعلّمون. أما تيطس فلا يتبلبل بهذه التعاليم الضالّة (تيودوريتس). بل تكون على شفتيه الأقوال التي تليق بالراعي الحقيقي، التي تليق (براباين) بالتعليم الصحيح (1: 9؛ 1تم 1: 10). وستأتي نصائح وارشادات خاصّة (لالاين، تكلّم). لسنا أمام خرافات وفرائض جانبيّة، بل أمام الفضائل المسيحيّة الضروريّة التي تليق بكل عمر وكل حالة.
"الكبار: (براسبيتيس). كبار السنّ، لا الشيوخ كوظيفة في الكنيسة. رج لو 1: 18؛ فلم 9. يكونون معتدلين (نيفاليوس، 1تم 3: 2، 11) تجاه شراهة أهل كريت (1: 2) والعادات اليونانيّة والرومانيّة (السكر وعدم تماسك النفس على مستوى حاجات الجسد). ثم، هناك صحّة العقل والتوازن الخلقيّ، المرتبطان بالفضائل الالهيّة. ساعة تضعف قوى الشيخ، يقوى يقينُه الايمانيّ الذي لا يتأثّر بالخرافات، "بالتعاليم الغريبة المتنوّعة" (عب 13: 9). وماذا يدلّ على الصحّة في المحبّة؟ رفض للشر، تعلّق بالخير (روم 12: 9- 10). أمانة لوصايا الربّ (يو 14: 15، 21؛ 15: 10)، وتصرّفات نجد تفصيلاً عنها في 1كور 13: 4- 7. أما الصبر (هيبوموني) فيرادف الرجاء (1تم 6: 11؛ 2تم 3: 10): احتمال، ثبات، مثابرة. هي فضيلة خاصّة بالشيوخ: يستمرّون دون ملل ولا كلل. يثبتون حتى النهاية بعد أن صاروا قريبين من الهدف (مت 24: 13).
ثانيًا: العجائز والشابات (آ 3- 5)
بعد الرجال الكبار في السن، نصل إلى النساء الكبيرات في السن، العجائز (براسبيتيس، مراحدة بيبلية). هنّ يمارسنّ الفضائل التي يمارسها الشيوخ (هوساوتوس، كذلك)، ويمارسنها كنساء لا كرجال. رج 1تم 3: 11 والكلام عن الشمّاسات. فالوقار عند الشيوخ تقابله الرزانة التي تفرض الاحترام. "كاتاستيما" طريقة التصرف، الوقفة (مراحدة بيبليّة). نحن أمام تصرّف يليق بالقديسين. والفطنة (سوفرون) عند الرجال، تقابل عند النساء السيطرة على اللسان. كان يقال عن العجائز اليونانيات: فضوليات، ثرثارات، لا عمل لهنّ سوى النقد. لا يتوقّفن عن الكلام. هنا تأتي النميمة والافتراء... ومع الكسل يأتي شرب الخمر. صارت النساء عبدات للخمر. أما عملهنّ الحقيقي، فهداية "الشابات" إلى الخير، على مثال لوئيس، جدّة تيموتاوس (2تم 1: 5؛ 3: 14- 15).
هناك تربية تحتاجها النساء الشابات (آ 4)، ويأخذنها ممّن يكبرنهن سنًا، من العجائز. نجد ثلاثة أفعال متقاربة: بايداواين: ربّى. نوتاتاين: عقّل. سوفروتيزاين: فطّن. علّم التربية والتعقّل والفطنة. تبتعد الشابات عن كل إفراط في الكلام، في التصرّف. يتعلّمن التوقّف عند الامور ويمتنعن عن التسرّع. ففي كريت حيث يبلبل المعلّمون البيوت (1: 11)، وفي أفسس حيث يتسلّلون ويطغون النساء، دورُ النساء الكبيرات الفاضلات كبيرٌ جدًا. يعلّمن الشابات: المحبّة، الاحترام، الطاعة، بذل الذات، محبّة الزوج (فيلندورس)، محبّة الأولاد (فيلوتكنوس).
وما تتعلّمه المرأة الشابّة في الدرجة الأولى (آ 5) هو الفطنة، الرزانة، الاحتشام، التعقّل (سوفرون). يذكر اكسينوفون كلام امرأة لزوجها: "ما علّمتْني أمي هو أن أكون حكيمة". ثم العفة والبراءة (هاغنوس، 1تم 2: 15؛ 5: 2) التي تتضمّن الاستقامة والصدق وكمال السلوك (1تم 5: 22؛ 2كور 6: 6؛ 1بط 3: 2). فكما تُطلب الطهارة الطقسيّة والخلقيّة من الداخلين إلى المعبد، كذلك يُطلب أن تكون النساء تقيّات، "قديسات". عاملات في داخل البيت (اويكورغوس) ومساعدات في العمل. وجاءت نهاية آ 5 كردّ على بعض تحرّر في مجتمع مسيحيّ فهم مساواة المرأة: لا رجل ولا امرأة (غل 3: 8). وما يُطلب من الرجل يُطلب من المرأة، والعكس بالعكس (1كور 7: 1ي). لم يستطع تلاميذ بولس أن يسيروا معه في طريق الحريّة المسيحيّة حتى النهاية، هذا مع العلم أن مثل هذه الحريّة لا يمكن إلاّ أن ترافقها المسؤوليّة (احترام للآخر ولا سيّما في ضعفه، 1كور 9: 22ي). أما الهدف الذي جعلته تي، فنزْعُ كل مناسبة لانتقاد كلام الله (2تم 2: 9)، أي التعليم الأخلاقيّ المسيحيّ، في فم الوثنيين. كان الشعب الأول مسؤولين عن كرامة اسم الله (أش 52: 5)، بحيث لا يجدّف أحد عليه (روم 2: 24). كذلك تشهد نساء كريت المعمّدات، للجميع بحياة توافق التعليم المسيحي، فيتعجّب الوثنيون ويدهشون. وقد تقودهم دهشتهم إلى الايمان المسيحي. وهنا نقول: كما أراد يعقوب أن يراعي اليهود الذين يعيش المسيحيون بينهم (أع 15: 13- 21)، كذلك أراد بولس (أو تلاميذه) أن يراعوا الوثنيين الذين لم يتعوّدوا على مثل هذه الحريّة التي ستصبح عند انسان لم يتبرّر، تحرّرًا من كل قيد وفلتانًا.
ثالثًا: الشبّان (آ 6-8)
مع الشبّان، لا يكتفي بولس بأن يتكلّم (لالاين)، بل يحثّهم، يشجّعهم، يعظهم (باراكالاين). يطلب منهم فضيلة الشيوخ: التعقّل (سوفروناين). رج روم 12: 3. هناك السيطرة على الذات والاتّزان الأدبي. هذا ما يقتنيه الشبّان تدريجيًا. ويكونون كذلك "في كل شيء"، سواء في الكلام، أو في المعاطاة مع الآخرين، أو في التصرّف الشخصي.
ما احتاج بولس أن يفصِّل المزايا المطلوبة من الشبّان. فمثال الشيوخ أكثر تعبيرًا من الكلام. وتيطس سيكون قدوة، كما كان تيموتاوس قدوة للذين في أفسس (1تم 4: 12). هكذا يكون كل مسؤول في الجماعة: ينظر إليه الناس فيتعلّمون الحياة السليمة، والتعليم الصحيح. رج 1تم 2: 2؛ 3: 8؛ 2كور 4: 3. فالمنادي باسم الله، لا يكون فقط بليغًا ببلاغة البشر. معلّمه هو المسيح، وإطار تعليمه تدبير الخلاص (1كور 2: 2).
حين يقدَّم كلام الله بدقة واعتدال، فهو يحتفظ بصحّته وفاعليّته (1كور 1: 7؛ 2كور 1: 18). هو تعليم صحيح (يتمتّع بالصحّة، هيغييس)، لأنه تعليم المخلّص، ولأنه يُعطى على ضوء الايمان. لهذا، لا يمكن أن يناله نقد، ولا يعترضه اعتراض (2كور 13: 8). "أكاتاغنوستوس" (مرّة واحدة في العهد الجديد). لفظ قانوني: لا نعرف شيئًا ضدّ. يدلّ على براءة متّهم في المحكمة (2مك 4: 47). هذا يعني أن المحاكمة تتوقّف، وتظهر براءةُ من لا لوم عليه. وهنا، يُنزع كل سلاح من الخصم (من كان تجاه، ضد، الوثنيّون). إذن، يتراجع المنتقدون، وهم الهراطقة، ويهربون (إنتراباين). رج عد 12: 14؛ مز 35: 26؛ 2تس 3: 14؛ 1كور 4: 14. أجبروا على الصمت حين رأوا حياة تيطس والمؤمنين، فما وجدوا عيبًا (فاولوس) يهاجمونه (يع 3: 61).
رابعًا: العبيد (آ 9-10)
وجاءت القواعد الاخلاقيّة الموجّهة إلى العبيد (كما في 1تم 6: 1) في المرحلة الأخيرة. فشدّدت على الطاعة الطوعيّة (أف 6: 5؛ كو 3: 22) وعلى أمانة تامّة لأسيادهم. "في كل شيء". هكذا يطيعونهم في كل المجالات. وهناك من يقول: يرضونهم في كل شيء. الطاعة ليست خضوعًا ولا خنوعًا، هي وقفة الانسان في موضعه (1كور 14: 34) في المحبّة والتواضع واحترام من هو أرفع منه، بل احترام الآخرين واعتبارهم أفضل منه (فل 2: 3). فالكون كله، الذي يسوسه الله، يخضع لسلطة المسيح (1كور 15: 27- 28؛ أف 1: 22؛ عب 2: 5، 8) والله (يع 4: 7؛ عب 12: 9). وكل انسان، ولا سيّما المسيحيين (3: 1؛ 1بط 2: 13)، يخضع للسلطات المقامة (روم 13: 52): المرأة لزوجها (أف 5: 22، 24؛ كو 3: 18؛ تي 2: 15؛ 1بط 3: 1، 5)، والعبد لسيّده (1بط 2: 18)، والمؤمن للمسؤول عن الجماعة (1بط 5: 5؛ 1كور 16: 16). في جميع الحالات، نعرف موقعنا تجاه اخوتنا (أف 5: 21؛ 1بط 2: 13). هذا لا يعني الذلّ، بل الدخول في نظام هو من عمل عناية الله: نحن نخضع "في الربّ".
حسب قول عن هلاّل (أبوت 2: 8): عبيد كثيرون، سارقون كثيرون. وقيل في التلمود (فصح 113 ب) بلسان كنعان الذي أعطى نسله خمس نصائح: أحبّوا بعضكم بعضًا. أحبّوا السرقة. أحبّوا الفجور. أبغضوا سادتكم. ولا تقولوا الحقيقة يومًا. أما العبد المسيحيّ فيتميّز بصدقه، ويقاوم تجربة السرقة (نوميزوماي). ويتميّز بأمانته (بستيس) التي هي المزيّة الأولى لدى الوكيل (مت 25: 21) ولدى العبد. هكذا يكون المؤمن ملح الأرض ونور العالم. وهكذا تتعظَّم في كل وقت تعاليمُ الله مخلّصنا.

3- قراءة إجماليّة
يتجنّب بولس تعليم المعلّمين الكذبة، الذي لا يعرف الصحة، بل يحمل المرض لهم ولسامعيهم (1: 13- 15). ويتعلّق بالتعليم الصحيح، الذي يوافق كرازة الرسل (1تم 1: 10).
ويهتمّ تيطس أول ما يهتمّ بالشيوخ، بكبار السن (1تم 5: 1). أما المزايا المطلوبة منهم فهي ست، وهي تتوزّع في مجموعتين. الثلاث الأولى تبدو سهلة الممارسة للشيخ: الاعتدال، الكرامة (الوقار)، الرصانة. فالأهواء لم تعد لديه عنيفة كما عند الشباب. هو سيّد نفسه، لأن الخبرة علّمته الامتناع عن حماس لا يُعرف عقباه. ولكن قد تنقص الشيخ المحبة والايمان والصبر. فالخبرة لها حسناتها. ولكنها قد تولّد الشك في الآخرين. فالذي سمع الآراء الكثيرة، لا يستعدّ أن يصدّق كل ما يُسمع، أن يؤمن بكل ما يقال له. ثم إن الشيخ لا عمل له، فينغلق على ذاته، ويتوقّف عند إنشغالاته الشخصيّة، فتبرد المحبّة عنده، وتحلّ محلّها الأنانيّة. قد يُعذر على موقفه، ولكن الأنانيّة تبقى الأنانيّة. وأخيرًا، كثرةُ المحن والأمراض تجعل الشيخ قصير النفسَ، تجعله يفقد صبره بعد أن بدأت قواه تخدعه. لهذا طلب بولس من كبار السنّ أن يتحلّوا بالايمان والمحبّة والصبر.
ودُعيت النساء الكبيرات السن (= العجائز) أن يتصرّفن كالقديسات، كاللواتي يتكرّسن لخدمة الله. فالمرأة المسيحيّة انضمّت بالمعموديّة إلى الشعب الجديد، والأمّة المقدّسة (1بط 2: 9). إلى جسد أعضاؤه "قديسون". وهي تعبّر عن هذا التكريس وهذا التقديس في حياتها، في تصرّفها، في لبسها وهندامها، في مشيتها ووقفتها. ويُطلب منها الابتعاد عن النميمة، عن شرب الخمر. وتكون حاملة النصيحة لأختها التي هي أصغر منها، فتهديها إلى الخير.
والتلميح إلى مسؤوليّات العجائز تجاه النساء الشابات، حدا بالرسول إلى التكلّم عن صفات الشابات: محبّة الزوج، ومحبّة الأولاد. هنا تبدأ المرأة الفاضلة حياتها. وتتحلّى بالفطنة والعفّة، وتعتني العناية الحسنة ببيتها. إن سارت النساء في كريت حسب المثال الذي يقدّمه بولس، لن يجدّف على كلمة الله، ولن يقول أحد كلمة ضد التعليم المسيحي، ضد المسيح، ضدّ الله. إذن، الأسر المسيحيّة مسؤولة عن نظرة الوثنيين إلى التعليم الانجيليّ.
ويدعو تيطس الشبّان إلى التعقّل والرزانة. يدعوهم بكلامه. ويدعوهم بمثلَه. إن بولس مقتنع أن عليه أن يكون قدوة للآخرين (1كور 11: 1؛ فل 3: 17؛ 2تس 3: 19). وهو يطلب الشيء عينه من معاونيه (1تم 4: 2؛ رج 1بط 5: 3). هكذا يعطي التعليمُ ثماره. فالمعلّم لا يتكلّم لكي يرضي البشر، ولا ليغتني على حساب سامعيه، ولا ليرضي هوى من الأهواء. فكلامه ينطبع بالجدية والوقار اللذين يليقان بالمنادي بالسرّ المسيحيّ. فالكلام هو أولاً وأخيرًا في خدمة الحقيقة. والحقيقة التي يعلنها ويشهد لها هي موت المسيح وقيامته.
وبعد أن يتكلّم الرسول عن طريقة التعليم (كيف تُنقل الكلمة وتُشرح، روم 12: 7؛ 1تم 4: 13؛ 2تم 3: 16)، ينتقل إلى مضمون التعليم (أف 4: 14؛ 1تم 1: 10؛ 6: 1؛ 2تم 4: 3؛ تي 1: 9؛ 2: 1؛ 2: 10). فلا يكفي أن يكون الواعظ متجرّدًا من كل نيّة مشبوهة، ولا يكفي أن يقدِّم كلامه بالجديّة المطلوبة. بل يجب أن يكون التعليم الذي يقدّمه موافقًا للتعليم الصحيح (2: 1). لا يكون كلامه عرضة للنقد والهجوم. عندئذ يخزى الخصم. في 1تم 5: 14، تحدّث بولس عن خصم سيّئ النيّة، معادٍ للايمان، ومستعدّ للتهجّم على الكنيسة. هم الوثنيون، واليهود، وأعضاء الجماعة المسيحيّة الذين لامستهم دعاوة الضلال (1: 9؛ 2: 15؛ 2تم 2: 25). ومن خلال هؤلاء المهاجمين نجد الشيطان الذي يقود البشر في أعمال الظلمة، وذلك كما كان يحرّك التنّين وحش البحر ووحش البحر، أي السلطة السياسيّة والسلطة الفكريّة، في سفر الرؤيا. 
في آ 7- 8، كانت معترضة قدّمت نصائح لتيطس، فقطعت سياق النصائح الذي بدأ مع الشيوخ والعجائز، وتواصل مع الشابات والشبّان. هنا نعود إلى الموضوع فنقرأ نصائح للعبيد (آ 9). هم يخضعون سواء كان السيّد اهتدى إلى الايمان أم لا. فإن كان السيّد وثنيًا، تأثّر بعبده. ومن يدري؟ فقد يقوده عبده إلى الايمان. وذكر بولس بعض الصفات المطلوبة من العبيد: لا يخالفون، لا يختلسون. هذا على المستوى السلبي. وعلى المستوى الايجابي. الخضوع، إرضاء السيّد، أمانة تامّة. أجل، المسيحيّ مسؤول عن الانجيل، مهما كان عمره ووضعه وظروف حياته. جعله المسيح نورًا، فليكن كذلك. والرب يهتمّ بأن يجعله على المنارة ليستنير الجميع بنوره.

خاتمة
جاءت هذه القطعة نصائحَ موجّهة إلى الفئات المختلفة في الجماعة: إلى الشيوخ والعجائز، إلى الشابّات والشبّان، وأخيرًا إلى العبيد. لم يشدّد النصّ على الواجبات المتبادلة بين الرجال والنساء، بين السادة والعبيد. ولم يذكر العلاقة بين الاولاد والوالدين، بل بيّن مسؤوليّة الجماعة ككلّ تجاه الوثنيين، ومسؤوليّة الفئة تجاه الفئة الأخرى. هناك مسؤوليّة الكبار تجاه الصغار. ومسؤوليّة العجائز تجاه الشابات. وأخيرًا مسؤوليّة الجميع في عالم وثني معاد، وفي عالم يهودي يصارع المسيحيَّة، وأمام هراطقة يستغلّون الدين من أجل مكسب خسيس. فإذا عاشت الجماعة بحسب هذه النصائح، لا يستهين أحد بكلام الله، وبالتعليم الذي تُعلّمه الكنيسة. وإن كان هناك من يهاجم، يخزى ويرجع إلى الوراء. وفي النهاية، يعظّم جميعُ الناس تعاليم الله مخلّصنا على ما قيل في مت 5: 16: يرون أعمالكم الحسنة ويمجّدون أباكم الذي في السماوات.
الفصل السابع
المسيحيّون شعب الله الخاص
2: 11- 15

حين نقرأ الرسالة البولسيّة، نجد أن التعليم العقائدي يسبق الممارسات العمليّة. أما هنا، فقواعد الحياة المسيحيّة سبقت العقيدة. فالخلقيّة المسيحيّة ليست، في نظر بولس، شرعة خارجيّة وحسب، بل هي، في الحياة اليوميّة، تفتّحُ هذه "الخليقة الجديدة" (2كور 5: 17؛ غل 6: 15) التي صارها المؤمن في المعموديّة. والتصرّف المسيحيّ ليس اعتبارًا شكليًا لقواعد تهذيبيّة (ما يليق وما لا يليق)، بل ثمرة هذه النبتة الجديدة التي اتّحدت بالمسيح، كالغصن بالشجرة. من أجل هذا، وبعد أن أعطى بولس نصائحه، ذكر النظرة الايمانيّة التي تُلهم مثل هذه الأعمال. ذكر الأسباب العميقة التي تُسند هذه المتطلّبات التي قدّمها. وجعل كل هذا في إطار نشيد لنعمة الله. فالذين يظنّون أن الحياة المسيحيّة ترتبط بإرادة الانسان وبمجهوده البشريّ (كما قال الرواقيّون)، أكّد لهم أنهم ثمرة النعمة. والذين فقدوا عزمهم فيئسوا أمام المتطلّبات الانجيليّة، ذكّرهم الرسول بأن نعمة الله التي حرّرتنا من عبوديّة الخطيئة، تواصل عملها القدير فينا، وبأن كل شيء ممكن لله. وهكذا نكون في قلب التعليم حول التبرير كما توسّع فيه بولس في روم، مع كلام عن ضعف الانسان وقدرة الله، عن خطيئة الانسان وقدرة الله.

1- نعمة الله لجميع البشر
إن التحيّة (1: 1- 4) أعلنت القولين المركزيين حول الخلاص في يسوع المسيح. وها نحن نصل إلى القول الأول وارتباطه بإرشاد قدّمه بولس لتكون الجماعة شاهدة للتعليم المسيحيّ في العالم الوثنيّ.
"ظهرت نعمة الله...". هي جملة واحدة تكوّن الاعلان السوتيريولوجي في 2: 11- 14. وسبقتها آ 10 والكلام عن "تعليم المخلّص إلهنا"، فهيّأت الطريق لعبارة "نعمة الله ينبوع الخلاص" (آ 11). وما قيل في آ 10: "في كل شيء" يلتقي مع ما في آ 11: "لجميع البشر".
إن "الفاء" (غار) تربط الاعلان السوتيريولوجيّ بمجمل المقطع الإرشادي الذي يسبق (2: 1-10)، ويعطيه إسناده العقائديّ. ويرى معظم الشرّاح أن آ 11- 14 هي أساس المتتالية حول الشرعة البيتيّة التي تتلخّص في ثلاث ألفاظ نقرأها في آ 12: بتعقّل وصلاح (أو: برّ) وتقوى. فهدف الارشاد الذي يتوجّه إلى كل فئة في الجماعة، هو في النهاية، خلاص البشريّة كلها. فإن كانت النصائح قريبة ممّا نقرأ هنا وهناك، فهي بعيدة كل البعد عن الإطار الدنيويّ، لأنها ترتبط بظهور ربّنا.
وترابطُ المقطع السوتيريولوجي (آ 11- 14) بالارشاد (آ 1- 10) واضح في مقابلات بين الاثنين. في آ 2- 10، نجد عبارتين تصلان بنا في النهاية إلى الله: في آ 5: "لئلاّ يجدّف (يستهين) أحد على كلام الله". وفي آ 10: "فيعظّموا تعليم المخلّص إلهنا". وفي آ 11- 14 التي تشكّل القسم الكرازي، نجد عبارتين تحيلاننا إلى الارشاد. في آ 12 عبارة "النعمة التي تعلّم، تربّي" تجعل من المؤمن صاحب خلق مسيحيّ. وفي آ 14، نتيجة عمل الخلاص هي الغيرة من أجل "الأعمال الصالحة". وهكذا يكون التفاعل متواصلاً بين الارشاد وما يسند الارشاد، بين تعليم ننقله وسلوك نسلكه.
هناك تجاوب بين ظهور النعمة (في الماضي) وظهور المجد الذي ننتظره (في المستقبل). وتناوب الجمل الثلاث، المبنيّة مع اسم الفاعل (معلّمتنا، مربّيتنا، آ 12: ممتنعين، منتظرين، آ 13)، والجملتين الغائيّتين المبنيّتين مع "هينا" (لكي، حتّى)، يصوّر النتائج العمليّة لهذا الوحي. ويحدّد وضعَ المؤمنين الذي ينعمون بالنعمة "التي تعلّم". ويُعبَّر عن الوجهة الذاتيّة للاهتداء على مستوى التصرّف والنتائج العمليّة، في رسمة زمنية: قبل/الآن. ففي آ 12، قدّمت العبارة "ممتنعين عن الكفر وشهوات هذه الدنيا" (ما هو قبل الماضي). وقابلتها عبارة "لنعيش في الزمن الحاضر، بتعقّل وصلاح وتقوى". رج 3: 3.
توجّه الظهور إلى "جميع البشر". ومع ذلك فهو لم يصل سوى "إلينا"، إلى الجماعة المسيحيّة (آ 12، 13، 14. هذا يدلّ أننا أمام قطعة ليتورجيّة). وقد توخّى تكوين »شعب« تخلّق بأخلاق الانجيل (آ 14). هذا لا يعني أننا نرفض ما هو مسكونيّ لكي نختنق في دائرة ضيّقة، بل أننا نشدّد على الطريق الذي به تمّ النقلُ، وعلى اهتمام بأن يصبح الاعلان السوتيريولوجي حاضرًا الآن وملموسًا. فالتعليم الذي يتوجّه إلى جميع البشر، يمرّ بالانتماء إلى الجماعة، وهذه الجماعة تعيش المتطلّبات الخلقيّة التي تدلّ على ظهور الخلاص في العالم.
إن "الظهور" الذي يشير عادة إلى النور والحياة والخلود، يبدو هنا بشكل نفعي: هو نعمة تعلّمنا الفضيلة. وهذه النعمة "التربويّة" التي تُعطى في الزمن الحاضر، في زمن يقع بين ظهورين (ظهور أول في التجسّد، وظهور ثان في المجيء الثاني)، نفهمها في ارتباط مع "التعليم الصحيح" (1: 9؛ 2: 1؛ 1تم 1: 10؛ 2تم 4: 3) أو "معرفة الحقّ" (1: 1؛ 1تم 2: 4؛ 2تم 2: 25؛ 3: 7). اعتاد بولس في رسائله أن يشدّد على التبرير. أما الرسائل الرعائيّة فشدّدت على التربية والتعليم. في غل 3: 24، قابل نظامُ المربي، المؤدّب (الشريعة) نظام الايمان. فموضع المربّي، هو في انتظار يقع قبل الحدث الحاسم، وقد كان ضروريًا بالنسبة إلى هذا الامتداد في الزمن. أما بالنسبة إلى الجيل المسيحيّ الثالث، فالمتتالية تتجدّد: الآن هو حاضر يقع بعد الحدث الحاسم، ونُدركه بين زمنين: إنه امتداد زمن وانتظار، نواجهه في تربية ننالها.
صوِّر حاضرُ الجماعة بظهور النعمة التي تؤدّب. وهو يصوّر أيضًا بانتظار اسكاتولوجيّ لظهور مجد نفهمه على أنه باروسيا وعودة الربّ. "منتظرين" (آ 13). نحن نتطلّع بالايمان إلى ما نرجوه وننتظره. أجل، الانشداد الاسكاتولوجيّ حاضر وإن كنا في الزمن، والخيرات الاسكاتولوجيّة تقدّم لنا دومًا. "الرجاء" و"الحياة" يرافقان ظهور الربّ النهائيّ. فالرجاء الذي يميّز خير الخلاص، يدلّ على توجّهنا إلى الله في الزمن الحاضر (نلاحظ غياب الايمان في 2: 13؛ 3: 7). لا شكّ في أن هذا الانشداد الاسكاتولوجيّ يخسر بعض طابعه الملحّ (لا يُنتظر على أنه آت قريبًا كما في 1تس)، فيتنظّم ويتوزّع في "زمن حاضر" يخسر كثافته فيفسّر مواضيع "الانتظار" (آ 13) والتقديس (آ 14) في انشداد خلقيّ ومشروع يؤدّبنا فيه الله ويعلّمنا.
ونسوق هنا ثلاث ملاحظات.
الأولى: إن ظهور نعمة الله التي تخلّص (آ 11) وتؤدّب (آ 12)، يدلّ على نقطة محدّدة وشاملة في الوحي (لجميع البشر) في الماضي. والنتيجة هي حاضرة: جاء المسيح لكي "يخلّص الخطأة" (1تم 1: 15).
الثانية: التأديب هو النتيجة الحاليّة للخلاص، وهو يصف حاضرَ الارشاد ويحدّد القطيعة (آ 12: نمتنع) بين الماضي (الكفر) والحاليّ (فضيلة المؤمنين). هذا الانتقال من "جميع البشر" (الشمولية) إلى "نحن" (الجماعة) يوازي الانتقال من "الخطأة" (1تم 1: 15) إلى "بولس" أول الخطأة. ويتواصل التوازي مع النموذج البولسيّ (قبل/بعد في 1تم 1: 13- 14) من جهة، ومع البرنامج البولسيّ (النموذج الاول للمؤمنين الآتين، 1تم 1: 16) من جهة ثانية.
الثالثة: إن اسم الفاعل لفعل "انتظر" يوجّه ويُسند الحثّ على ممارسة الفضائل انطلاقًا من المستقبل الاسكاتولوجيّ (ظهور المجد). سبق وأشرنا إلى التوازي في مسيرة الخطبة، من "النعمة" (1تم 1: 12، 14// تي 2: 11) إلى "مجد" الله (1تم 1: 17// تي 2: 13). وهو يتقوّى في تواز بين "الذي سيؤمنون به لنوال الحياة الأبديّة" (1تم 1: 16) وبين "نحن الذين ننتظر الرجاء السعيد وتجلّي المجد".
ونُنهي كلامَنا في إشارة إلى عناصر أخرى في قصد الله الخلاصي. فصورة بولس التي تكمّل فكرة الكفالة (بولس هو كافل واقع الخلاص، تي 1: 1- 4)، والارشاد نفسه، يبيّنان أننا نقدر أن نستمرّ فيه (تي 2: 1، 15؛ 3: 8- 9) بوجه الانحرافات التي قد تخرجنا من الكنيسة. وهكذا تكون الكرستولوجيا حاضرة في إطار من الرؤية السوتيريولوجيّة الاجماليّة، التي تتحدّث عن الله الذي يُحسن إلينا منذ البدء، الذي هو أصل الخلاص الحاسم، وعن بولس الذي هو واقع ملموس لهذا الخلاص. وهكذا تحوّل التشديدُ على تاريخ الخلاص من نقطة إلى نقطة. لم يعد مركزه تتمّة المواعيد القديمة وقطيعة معها منذ البداية، بل تاريخ "الذين سيؤمنون" (1تم 1: 16)، "الذين يحبّون ظهوره" (2تم 4: 8)، الذين كانوا مثلنا "أغبياء" في الماضي (تي 3: 3). صار هذا التاريخُ تاريخَ جميع الذين يصيرون "شعبه الخاص الغيور على الأعمال الصالحة" (آ 14).

2- دراسة النصّ
هذا النشيد لنعمة الله (آ 11- 14) هو موجز اللاهوت البولسيّ. فجميعُ التوصيات التي أعطيت إلى الشيوخ والشبّان، والعجائز والشابات، وإلى العبيد، وصلت بنا إلى أسلوب حياة واحد للجميع. وهو نتيجة نعمة الله التي تجلّت في التاريخ في شخص المسيح وعمله، لتدفع الناس في طريق الخلاص هذه.

أ- تحليل النصّ
أولاً: آ 11
"ظهرت"، ابيفاناين. في صيغة المجهول (رج 3: 4). تعود إلى الله الذي جعلها تظهر (تك 35: 7؛ صف 2: 11؛ 3مك 6: 39) كما في السبعينية. نجد هذا الفعل في نشيد زكريا (لو 1: 78- 79)؛ أع 27: 20 (ظهور النجمة بعد مسيرة في الليل). تستعمل السبعينيّة أشكال ظهور وجه الربّ الذي ينكشف لعابديه (عد 6: 25؛ مز 30: 17؛ 66: 2؛ 79: 4، 8، 20؛ 118: 35 حسب السبعينيّة). ونجده في دا 9: 17 (المعبد)؛ 3مك 6: 18 حسب تيودوسيون. بما إن عبارة "نعمة الله" لا تعود إلى السبعينيّة، بل هي طريقة للكلام عن رضى الله، وحظوة الله (خاريس، نعمة) (رج تك 6: 8؛ 18: 13 حسب السبعينية)، فمن الممكن أن تدلّ "نعمة الله" على "الوجه" (بروسوبون)، أي الظهور الشخصيّ. نقف أمام وجه الله أو أمام عينيه (2صم 15: 25). "سوتيريوس"، خلاصيّ. "انتروبوس"، الانسان. الرجل والمرأة، الشيخ والعجوز، الشاب والشابة، السيّد والعبد. على جميعهم ظهرت نعمةُ الخلاص.
ثانيًا: آ 12
"تؤدبنا، تعلّمنا"، بايداواين. رج 1تم 1: 20؛ 2تم 2: 25. في 2تم 2: 23؛ 3: 16 نجد الظرف والاسم (بايدايا). رج 1كور 11: 32؛ 2كور 6: 9؛ عب 12: 5- 11 (أع 3: 11-12)؛ رؤ 3: 19. في لو 23: 16، 22 يعلن بيلاطس أنه سيؤدّب يسوع ويجلده. "أوسابايا" التقوى. "أسابايا"، اللاتقوى، الكفر. رج 2تم 2: 16؛ 1تم 1: 9 (الصفة، كافر). "أرنيوماي"، رفض، امتنع. شهوات (إبيتيميا) في الجمع، في "الرعائيّة": 3: 3؛ 1تم 6: 9؛ 2تم 2: 22؛ 3: 6؛ 4: 3. صيغة الجمع تدلّ على معنى تحقيريّ. ذاك هو الأمر بشكل عاديّ في السبعينيّة، ولكن ليس دائمًا (مثلاً، أم 13: 19 حسب السبعينيّة). أما المفرد، فيحمل المعنى الحياديّ، أو يدلّ على ما هو صالح (الطعام...). "كوسميكوس" دنيويّ، عالميّ. لا نجده في السبعينية، وفي العهد الجديد فقط في عب 9: 1 عن المعبد. "نعيش" (زاوو). بتعقّل وصلاح وتقوى. رج 1تس 2: 10. "أيون"، الدهر. رج 1تم 1: 17 (ثلاث مرات)؛ 6: 17؛ 2تم 4: 10، 18 (مرتين). يرد 114 مرة في العهد الجديد، وما يقارب ثلاثين مرّة في سائر الرسائل البولسيّة. يرتبط بالعالم الجليانيّ، وهكذا نفهم أنه يرد 26 مرّة في سفر الرؤيا. تستعمل السبعينيّة هذه اللفظة مرارًا ولا سيّما في المزامير: إلى الأبد، إلى أبد الأبدين.
ثالثًا: آ 13
"وانتظر"، بروسداخوماي: استقبل (روم 16: 2؛ فل 2: 29)، انتظر. هكذا ينتظر الانسان سيّده (لو 12: 39)، والرب ينتظر الخطأة (لو 15: 2). وهناك انتظار "عزاء اسرائيل" (لو 2: 25)، "افتداء أورشليم" (لو 2: 38؛ رج عب 11: 35)، "ملكوت الله" (لو 23: 51 = مر 15: 43). نقرأ في أع 24: 15: "راجيًا من الله ما ينتظرونه (يرجونه) هم، أي قيامة الأبرار والأشرار". وصوّر يهو 21 "أولئك الذين ينتظرون رحمة ربنا يسوع المسيح من أجل الحياة الأبديّة". رج تي 2: 13. "إلبيس"، رجاء. رج 1: 2. هو رجاء سعيد (ماكاريوس). في 1تم 1: 11؛ 6: 15 (الله مبارك، مكاريوس). لا تقال أبدًا هذه الصفة عن الله في سائر العهد الجديد (47 مرّة) ولا في العهد القديم. يترجم اللفظ في العبرية: "أ ش ر ي"، طوبى، هنيئًا، سعيدًا. يُستعمل في الصلاة العامّة، وهو هتاف ليتورجيّ، من أجل ما ناله الانسان من عطايا من عند الله. "أبيفانيا"، ظهور. رج 2تس 2: 8. ظهور الحضور (باروسيا). في 1تم 6: 14 (ربنا يسوع المسيح)؛ 2تم 1: 10 (مخلّصنا المسيح يسوع)؛ 4: 1، 8 (ظهور وحيه). المجد (دوكسا). الوزن، الثقل. رأيُ الناس في شخص من الاشخاص. يرتبط المجد بالله في 1تم 1: 11، 17؛ 3: 16؛ 2تم 2: 10. وبالمسيح الرب في 2تم 4: 18. ويرد 160 مرّة في العهد الجديد، منها 80 مرّة في سائر الرسائل البولسيّة. إلهنا العظيم ومخلّصنا يسوع المسيح. نستطيع أن نقول أيضًا: يسوع المسيح، إلهنا العظيم ومخلّصنا. "ماغاس"، عظيم. لا نجد عبارة "الله العظيم" إلاّ هنا في العهد الجديد. أما السبعينيّة فتتحدّث عن إله اسرائيل، "الاله العظيم" في تث 10: 17؛ نح 4: 14؛ 8: 6؛ 9: 32 (2 عز 5: 8؛ 18: 6؛ 19: 32 حسب السبعينيّة)؛ أش 26: 4؛ دا 2: 45؛ 9: 4. تستعمل "الرعائيّة" "ماغاس" في 1تم 3: 16 لتتحدّث عن "سر التقوى"، رج 6: 6. وتي 2تم 2: 20 كان كلام عن "البيت الكبير".
رابعًا: آ 14- 15
"ضحّى، بذل" نفسه. رج 1تم 2: 6. نجد الفكرة عينها في غل 1: 4 (رج 2كور 8: 5؛ 2تس 3: 9). رج 1مك 6: 44 عن أليعازر المكابي؛ 4 مك 6: 29. "لأجلنا". رج 1تم 2: 1- 2: من أجل جميع الناس، من أجل الملوك. نجد "لأجلنا" 12 مرّة في سائر الرسائل البولسيّة مع تلميح إلى آلام يسوع: 1تس 5: 10؛ غل 3: 13 (رج 1: 4؛ 2: 20)؛ روم 5: 18 (رج 8: 31- 34). وهناك 4 مرّات في سائر أسفار العهد الجديد: عب 6: 20؛ 9: 24 (في السماء لأجلنا). في 1يو 3: 16، العلامة بأن يسوع أحبّنا هو أنه بذل نفسه لأجلنا. "ليترون"، كفّر، افتدى. لا يرد إلاّ هنا في الرسائل البولسيّة. وفي سائر العهد الجديد: لو 24: 21؛ 1بط 1: 18. استعملت السبعينية حوالي مئة مرة "ليترون"، ولكن لا في معنى التحرّر من الخطايا كما في مز 129: 7- 8 حسب السبعينية (في العبرية 130): "لأن مع الرب الرحمة، ومعه ملء الفداء (ليتروسيس). وهو يفتدي اسرائيل من جميع آثامه". "أنوميا": شرّ. لا يرد إلاّ هنا في "الرعائيّة". رج روم 4: 7 (مز 31: 1 حسب السبعينيّة)؛ 6: 19؛ 2كور 6: 14؛ 2تس 2:،3، 7 (سرّ الاثم)؛ عب 1: 9؛ 10: 17 بالاستناد إلى مز 44: 8 حسب السبعينيّة؛ إر 38: 34. وتبقى خمسة استعمالات في مت (خطبة الجبل)؛ 1يو 3: 4. والصفة "أنوموس" ترد في 1تم 1: 9. وفي سائر الرسائل البولسيّة، أربع مرّات في معنى "بدون شريعة موسى". رج أيضًا ما قيل عن يسوع في لو 22: 37 (أش 53: 12): "أحصي مع المجرمين". "طهّر"، كاتاريزاين". يرد 30 مرّة في العهد الجديد. رج 2كور 7: 10 حيث يجب على المؤمنين أن يطهّروا نفوسهم من النجاسات لأنهم شعب الله (رج 2كور 6: 16).وفي أف 5: 16، يطهّر المسيح كنيسته في طقس العماد (رج 1كور 6: 11؛ أع 22: 16). ونجد تطهير الأبرص في الأناجيل الإزائيّة. عب 9: 14، 22- 23؛ 10: 2؛ 1يو 1: 7- 9، تتحدّث عن تطهير المؤمنين بدم المسيح المصلوب. استعملت السبعينية الفعل مئة مرة ونيّف، ولا سيّما في لا، حز... في العهد الجديد، لا يُسمَّى المسيحيون شعب الله "الخاص" (باريوسيوس) إلاّ هنا في تي. "لاووس"، شعب. في العبرية: ع م. س ج ل ه". رج خر 19: 5؛ 23: 22 (لا نجده في العبري الماسوري)؛ تث 7: 6؛ 14: 2؛ 26: 18. هو شعب يتميَّز عن سائر الشعوب. إن لفظ "لاووس" (شعب) لا يرد إلاّ هنا في "الرعائيّة"، ولكنه يرد 141 مرة في العهد الجديد، وكل مرّة تقريبًا في صيغة المفرد. هناك 11 مرّة في الرسائل البولسيّة (منها 8 في روم) مأخوذة من العهد القديم. أما حصّة الأسد ففي لو + أع (84 مرّة). الغيور (زيلوتيس). لا يرد الاسم إلاّ هنا في الرعائيّة. يرد سبع مرات في سائر العهد الجديد (مرّتين عند بولس: 4 في لو + أع). حين ينبّه الرسول الكورنثيين لكي يكونوا غيورين، راغبين في المواهب الروحيّة (1كور 14: 12)، فهو يلتقي مع تي كما يلتقي مع 1بط 3: 13 (رج سي 51: 18). سيقول بولس عن نفسه إنه كان غيورًا على الشريعة (غل 1: 14؛ رج فل 3: 6؛ أع 22: 3).
في آ 15، يُطلب من تيطس أن "يتكلّم" (لالاين)، أو يعلّم، "ديدسكاين"، كما يقول الاسكندراني)، أن يعظ (باراكالاين)، أن يوبّخ (إلانخاين). بكل سلطان، بكل أمر (إبيتاغي). ولا تسمع أن يستخفّ (باريفروناين) بك أحد. لا نجد الفعل إلاّ هنا في العهد الجديد. في السبعينيّة، رج 4 مك 6: 9؛ 7: 16؛ 14: 1 (في معرض الكلام عن الشهداء الذين استخفّوا بالتعذيب).
ب- تفسير النصّ
أولاً: نعمة الله (آ 11)
النعمة هي عطيّة الله الرحيمة وحنانه (ح س د في العبريّة) المجانيّ، ولطفه الناشط (1كور 15: 10؛ 2كور 6: 1). بدت هنا كشخص حيّ، لأنها دلّت على ظهور ابن الله منذ تجسّده إلى موته (آ 14) حتى قيامته المجيدة (يو 1: 162) بيد الآب. أخذت الصورةُ من العالم اليوناني والرومانيّ، حيث كان الاباطرة يقدّمون الهدايا حين يجيئون إلى مدينة من المدن. هكذا تحدّثت النصوص عن نيرون الذي قدّم للكورنثيين هدايا ما كانوا ليصدّقوها.
إن صلاح الله (وسخاءه) اللامنظور في طبعه، تجلّى للبشر في شكل منظور ومحدّد. جُعل الفعل في بداية الجملة، ليدلّ على فجاءة الظهور الذي بدا كنور في الظلمة. المعنى الاول لفعل "ظهر" في المجهول: بداية رؤية شيء إمّا بدخوله في مجال الرؤية، وإمّا بتبدّل كمية النور المنعكس عليه. نحن هنا أمام إنارة (أع 1: 79؛ أع 27: 20)، لأن المسيح حدّد نفسه على أنه "نور العالم" (يو 3: 9؛ 8: 12؛ 9: 5؛ 12: 46). على أنه "أنار الحياة" (2تم 1: 10). وكما أن الابيفانيا السوتيريولوجيّة تُفهم، في الحقبة الهلنستيّة، عن تدخّل الملك (أو الآلهة) ليحسن إلى شعبه، فالنعمة التي ظهرت هي المسيح كعطيّة الله ووحي حبّه (يو 3: 16؛ 1يو 4: 9- 10، 14). قد يكون بولس فكّر في ظهور النور الذي هداه في طريق دمشق (رج لو 2: 19 ونور بيت لحم). يبقى أن حياة المؤمن تسير في هذا العالم بين حدثين من نعمة ومجد (آ 13؛ 1تس 1: 10؛ 2تم 4: 8)، وهكذا تصبح مسيحيّة، نسبة إلى المسيح.
في ظلمة الجهل أو في أمواج الخطيئة، تظهر النعمة كينبوع (أو: أداة) خلاص (سوتيريوس، رج حك 1: 14؛ 4مك 15: 6). قال فيلون في الاحلام (2: 149): "نعمة الله الخلاصيّة تنجّي جنسنا المعدّ للموت". النعمة تخلّص. إذن، هي فاعلة. وظهورُها يخلّص جميع البشر.
ثانيًا: تعلّمنا وتؤدّبنا (آ 12)
إحدى الطرق التي بها تعمل النعمة الخلاصيّة، هي أنها تؤدّب المؤمنين، تعلّمهم الشريعة، وتُصلح نقائصهم (1تم 1: 20؛ عب 12: 5 ي؛ رؤ 3: 19). هي تقودنا في طريق التقوى والحكمة (1تم 4: 7- 8؛ عب 5: 14)، وتُنمينا فنثبت (1بط 5: 10)، وتمنحنا جميع الفضائل (2تم 3: 16؛ عب 13: 21). النعمة هي في قلب المؤمنين. فالانسان الداخلي وُلد في المعموديّة وتجدّد (3: 5) بإنارة يحوّله فيها المسيحُ حسب عمل متواصل هو كل الحياة المسيحيّة (2كور 3: 18؛ 1بط 1: 14). فالنور (والقوّة) يُعطى في الكنيسة (2بط 1: 19)، "بيت الله الحيّ" (1تم 3: 15)، الذي يغذّي المؤمنين بالانجيل، ويثبّتهم بوعظ الرسل والمعلّمين، ويُدخلهم في سر التقوى الذي هو يسوع المسيح (1تم 3: 16؛ 2تم 3: 15- 17).
أول نتيجة لعمل النعمة هو سلبيّ: نرفض رفضًا قاطعًا، ونثور ثورة حاسمة على العبوديّة التي تأتي من عبادة الأصنام والكفر الوثنيّ (أسابايا)، ومن كل شرّ (2تم 2: 16). ونرفض الشهوات (إبيتيميا) التي تميّز الانسان بدون النعمة. "هذه الدنيا". في اليونانية: كوسميكوس. كل ما يعارض الله. على مستوى الكبرياء والجشع والبغض (1يو 2: 16)، كما على المستوى الجنسيّ (غل 5: 16؛ أف 2: 13). هنا نتذكّر المعموديّة: صُلب المؤمن، مات، دُفن مع المسيح (روم 6: 3- 4)، فقطع كل رباط مع إبليس والخطيئة، كما في 2بط 1: 4: "نفلت من الفساد الذي في العالم بفعل الشهوة". 
والهدف الايجابيّ للنعمة هو أن نحيا حياة مسيحيّة. لا ننسى أن المسيحيون ما زالوا عائشين في عالم فاسد، إلهُه إبليس (2كور 4: 4؛ رج يو 17: 15- 16). هنا عاد بولس إلى مزايا يونانيّة وربطها بالحالة الجديدة التي نعيشها: التعقّل الذي هو توازن وسيادة على النفس (ضد الشهوات الجامحة). هذه الفضيلة ترافقنا في سلوكنا الشخصيّ (1: 8؛ 2: 5، 6)، في علاقتنا مع القريب (1تس 2: 10؛ 1كور 15: 34)، في تتمّة واجباتنا تجاه الله (2تم 3: 12). بعد أن صار المسيح لنا "حكمة وبرًا وقداسة" (1كور 1: 30)، تحرّك النعمةُ فينا هذه الفضائل، لا بحسب العقل البشريّ، بل في ضوء الايمان وبقوّة الروح.
ثالثًا: اليوم المبارك (آ 13)
خلال مسيرتنا على الأرض، لا نرتبط فقط بذكرى هي دخول حبّ الله في المسيح، إلى العالم، بل نتطلّع إلى ملء تجلّي هذا الحبّ. وننتظر الرجاء. قال لنا الربّ: "كونوا مثل أناس ينتظرون سيّدهم متى يأتي من العرس" (لو 12: 36). لهذا، كانت فضائل السهر والاعتدال والصبر والاحتمال. فاسم الفاعل في "بروسداخوماي" يدلّ على موقف يتوجّه نحو حدث مقبل، حدث أخير (لو 2: 25، 38؛ 23: 51) هو علّة الحياة. لهذا نكون مستعدّين (أع 23: 21؛ 1بط 3: 15) كل يوم، ولا نكلّ. ننتظر زيارة ومجازاة، وموضوع الانتظار هو ظهور المسيح. لهذا، كان هذا الرجاء سعيدًا، مباركًا (ماكاريوس)، لأنه يرتبط بالعالم الالهيّ (1تم 1: 11؛ 6: 15). فحياة المؤمنين لا قيمة لها إلاّ بالنظر إلى هذا الهدف الأخير الذي لا نهتمّ به كثيرًا، أو نخاف منه وممّا يحمل من دينونة وحكم قاس. هي صورة مشوّهة عن الايمان المسيحي. اعتبر الرسل (2 بط 3: 12؛ 1يو 4: 17- 18؛ رؤ 18: 17، 20) هذا اللقاء مع المسيح ملء الفرح الذي تمنّوه بكل قلوبهم، وذلك في خطّ التطويبات (مت 5: 1ي)، وفي خط الدينونة الأخيرة حيث يُدعى المحبّون إلى ميراث الملكوت المعدّ لهم منذ إنشاء العالم. لهذا يصلّون كل يوم: ليأت ملكوتك. في هذا قال الذهبيّ الفمّ: "في الواقع، لا شيء أسعد ولا أشهى من هذا الرجاء. لا نستطيع أن نعبّر عنه بالكلام. فهذه الخيرات الآتية تتجاوز العقل".
إن الإشارة إلى مجيء يسوع الثاني (مت 16: 27) قد تكون عبارة ليتورجيّة. لم نعد أمام تجلّي نعمة الله وحنانه في ظروف وضيعة جدًا (آ 12؛ 3: 4)، بل أمام ظهور ملوكيّ رفيع (2تس 2: 8) ومجيد، يُعمي عيوننا بنوره (روم 5: 2؛ كو 1: 27). في "يوم المسيح" هذا (فل 1: 6، 10؛ 2: 16)، ينضمّ التلاميذ بشكل نهائيّ إلى ربّهم (1تس 4: 15- 18؛ 1كور 15: 23) ويعيشون ملء الخلاص (عب 9: 28).
"إلهنا العظيم ومخلّصنا، يسوع المسيح". المسيح هو الاله والمخلّص. (1) فالتعريف الواحد يسبق موصوفَين مرتبطين بالواو (كاي). فهو يعود إلى شخص واحد (2بط 1: 1، 11؛ رج مر 6: 3؛ أع 3: 14؛ عب 3: 1؛ رؤ 1: 9). في الآية التالية، نقرأ الموصول: الذي ضحّى. فلو وجب أن نميّز بين يسوع المخلّص والله الآب، لوجب أن نُضيف تعريفًا ثانيًا. (2) ثم إن هدف الظهور (الفدية) نُسب إلى المسيح (آ 13- 14 لهما الفاعل ذاته: يسوع ظهر، يسوع ضحّى بنفسه لأجل فدائنا). (3) إن العبارة "إله ومخلّص" معروفة في الأدب القديم. فالواحد هو في الوقت عينه "تيوس" و"سوتير". (4) في العالم الجلياني اليهوديّ، يُذكر يهوه أو المسيح (لا الانسان) حين الكلام عن الظهور. (5) إذا فصلنا "تيوس" عن "سوتير"، دلّ المجد (دوكسا) على تجلّي الآب. ولكن المجد يدلّ على ظهور الرب يسوع المسيح. (6) لا نجد نصًا موازيًا يتحدّث عن ظهورين في العهد الجديد، ولا يقال أبدًا أن الله "ظهر" (ابيفاناين). (7) لهذا نرى في الظهور المجيد للمسيح وحده، تتويجًا وتكملة لتجلّي الله المجيد (آ 11؛ رج 1تم 1: 10؛ 4: 1، 8). (9) اليوم الأخير هو "ظهور مجد" يسوع الذي اتّضع وتألّم خلال حياته على الأرض، وهذا هو الموضوع الأساسي في قانون الايمان الرسولي (1بط 4: 13؛ مت 25: 31). (10) إذا كان لفظ "مخلّصنا" تسمية ومناداة (1: 5؛ 3: 6؛ رج أع 5: 31) يجب أن لا ننسى أن "سوتير" هو في الاصل صفة تدلّ على وظيفة دينيّة نجدها حتى في العهد القديم (سوتيريوس، آ 11؛ أش 45: 15، 21؛ 62: 11؛ مز 23: 5؛ حك 16: 7). حين تُعطى للمسيح، فهي تكرّسه في النشاط الخلاصيّ: ذاك الذي خلّص في الماضي، والذي يخلّص في المستقبل. (11) نسبت تي إلى المسيح صفة مخلّص، التي أعطيت في الأصل لله (1: 3- 4؛ 2: 10- 13؛ 3: 4- 6).
رابعًا: الشعب الخاص (آ 14)
الاله العظيم بذل نفسه. فبعد أن ذُكر (بلغة هلنستيّة) عملُ المسيح الخلاصيّ، ها هو يُحدّد في لغة بيبليّة: "ضحّى بنفسه من أجل آخر" (1تم 2: 6؛ غل 1: 4؛ 2: 20؛ أف 5: 2، 25). وهذا يدلّ على تضحية بالذات، طوعيّة ومُحبّة (يو 10: 15- 18). استعمل الرب نفسه هذه العبارة لكي يدلّ على حاشه وآلامه (مر 10: 45). وكان الفعل "باراديدومي" الذي استعمله الأنبياء لكي يتحدّثوا عن موته (أش 53: 6، 11، 12؛ رج مز 27: 2؛ 88: 9). "هيبار"، لأجل. والنتيجة "هينا" (حتّى، لكي) هي النداء. نحن في بداية عبارة ليتورجيّة. رج فل 2: 10؛ 1بط 2: 24؛ 3: 18. هذا الافتداء (كما هو في وضع العبيد) هو تحرّر من أسر أو عبوديّة، وهو يرادف الخلاص. إن "ليترون" يرتبط بـ "لوواين"، حلّ، خلّص شخصًا من القيود والصعوبات والخطر. فالشيطان والخطيئة والموت والشريعة والخرافات وأركان هذا العالم، هي قيود، تتسلّط على الانسان. قدّم يسوع الفدية، كان دمه الثمن، فحرّرنا (مت 20: 28)، وغفر لنا خطايانا (عب 13: 11؛ 1بط 3: 18). وإذ حرّرنا، كوّننا شعبًا. فالمعموديّة لا تطهّر المسيحيّ فحسب (1: 15؛ رج 3: 5؛ 1كور 6: 1)، بل تكوّن شعبًا مقدّسًا جديرًا بتقديم العبادة إلى الله (أف 5: 26؛ رج 2تم 2: 19، 21).
إذا كان المسيح أسلم ذاته، دفع الفدية، طهّر الضمائر، فلكي يكوّن شعبًا جديدًا، شعب (لاووس) الله. رج لو 1: 68، 77؛ 2: 32؛ 2كور 6: 16. لكي يكوّن شعبًا مقدّسًا يتميّز عن الأمم الوثنيّة (لو 12: 30؛ رج أع 15: 17). وبما أنه دفع الثمن، فهذا الشعب هو له، يخصّه (باريوسيوس). رج 1بط 2: 9؛ أف 1: 14. نشير إلى أننا نجد استعمال هذه اللفظة في البنتاتوكس للدلالة على شعب الله في إطار العهد (خر 19: 5؛ 23: 22؛ تث 7: 6؛ 14: 2؛ 26: 18). وهي تتضمّن المحتويات الثلاثة: الملك الشخصي، الاختيار (مز 135: 4)، التفضيل أو التمييز (ملا 3: 17).
إن خلقيّة العهد تصدر عن تبادل (ب ر ي ت) بين اثنين. بما أن المسيح هو إله ومخلّص المؤمنين، فعليهم أن يكرموه ويخدموه بكل صدق وأمانة. والغيرة هي التي تحرّكهم. الغيرة البيبليّة هي عاطفة دينيّة أساسيّة، تتضمّن المحبّة والتضحية وعدم المساومة مع شخص نحبّ. كان لدى المسيح غيرة لبيت الآب (يو 2: 17). ويكون المسيحيون "غيورين على الخير"، متحمّسين، مندفعين. رج 1بط 3: 13. إن غيرتهم المحبّة تقابل غيرة الله ومحبته. لهذا، يريدون أن يتكرّسوا "للأعمال الصالحة التي أعدّها الله لنا من قبل لنسلك فيها" (أف 2: 10)
خامسًا: تكلّم بسلطان (آ 15)
حسب الرسائل الرعائيّة (1تم 1: 18؛ 4: 12؛ 6: 2؛ تي 2: 4؛ 2تم 2: 14؛ 4: 7)، ينتهي الحث المباشر على الوعظ وتقديم حقيقة أو سلوك، بعرض عقائديّ وأخلاقيّ، ويبدأ إرشادًا جديدًا. تكلّمْ، عظْ، وبّخْ. فما على تيطس سوى أن يعلّم هذه الأشياء" (تاوتا). رج آ 1- 10 والفضائل المطلوبة من المؤمنين. جاء الارشاد في ثلاثة أفعال، في صيغة الأمر، فطلب من المسؤول أن لا يتوقّف. أولاً، ينشر التعليم (1: 1؛ 1بط 4: 1؛ 2بط 3: 16). ثم يحضّ كل مؤمن ويشجّعه (1: 9؛ 2: 6؛ 1تم 1: 3؛ 2: 1؛ 5: 1؛ 6: 2). وأخيرًا، يوبّخ المعاندين ويردّ على المعارضين (1: 9- 10، 13؛ 2تم 4: 2). "سلطان تام". رج 1كور 7: 6؛ 2كور 8: 8. هو سلطان بولس. كما أمر بولس من قبل الله، أمرتَ (يا تيطس) من قبل بولس (ابيتاغي). سلطتك رسميّة (1: 3؛ 1تم 1: 1)، وهي في النهاية من الله. مارسْ سلطانك بقوّة، واجعل الناس يحترمونك ويطيعونك. لا تسمح لأحد أن يستخفّ بك، أن يتحدّاك ويقف في وجهك. مثلُ هذا الكلام يتوجّه بشكل مباشر إلى تيطس لكي يكون على قدر المسؤولية، وإلى المقاومين (1: 13) لكي يعرفوا ما ينتظرهم. يخضع المؤمنون للسطلة الدينيّة ويخضعون للسلطة المدنية كما سوف نرى في 3: 1.

3- قراءة إجماليّة
بعد أن صوّر بولس عجز الانسان الجذريّ عن إدراك التبرير بقواه الخاصّة، وصل إلى مخطّط الخلاص الالهيّ، وبدأ بهذه الأقوال: "أما الآن، فظهرَ برّ الله من دون الشريعة" (روم 3: 21). هي الفكرة عينها هنا: وحي حرّ، تدخّل مجانيّ، رحمة الله وحنانه. "ظهرت نعمة الله". النعمة هي مبادرة الله التي تدخّلت لخلاص البشر، فكشفت لهم "السرّ" الذي ظلَّ مخفيًا مدّة طويلة، وتجلّى الآن في يسوع المسيح (روم 16: 25- 26). فالمسيح الذي يسكن فيه اللاهوتُ جسديًا (كو 2: 9)، عرّفنا بالآب الذي لا يستطيع أحد أن يراه (يو 1: 18). ومنه، ومن ملئه، نلنا نعمة على نعمة، نلنا كل نعمة (يو 1: 16). وفيه تمّ "ظهور" (إبيفانيا) نعمة الله الخلاصيّة التي تقدّم للجميع (1تم 2: 4؛ 4: 10؛ تي 3: 4): أغنياء وفقراء، أحرار وعبيد (تي 2: 9- 10)، يهود ووثنيّون (روم 3: 29- 30؛ أف 3: 1- 8؛ كو 1: 27- 28).
ليست نعمة الله فعلة عابرة لا تتكرّر. لا شكّ في أنها فريدة وعملها حاسم. ولكن عملها هذا لا يتوقّف. ينالها الانسان الذي يتقبّلها وتقوّيه. تشبه معلمًا يعلّم، يوبّخ، يصلح، يربّي، يؤدّب (بايداواين). وقد تكون قساوةٌ في هذا التعليم وعقاب جسديّ (1كور 11: 32؛ 2كور 6: 9؛ 1تم 1: 20). ذاك كان الوضع في العالم القديم. أما هنا، فنحن أمام تأديب إيجابيّ ومحبّ. فالنعمة تختلف عن الشريعة التي هي مؤدّب قاس بعمله الخارجيّ (غل 3: 24). فهي تفعل في الداخل وتعطينا القوّة لكي نصنع مشيئة الله. وهي وحدها تحقّق نبوءة حزقيال: "أجعل روحي فيكم بحيث تتبعون شرائعي" (حز 36: 27؛ رج إر 31: 33- 34).
بدأت النعمة فجعلتنا نرذل الكفر (أسابايا). وهكذا كانت قطيعة في حياة المؤمن بعد أن بلغ إلى الايمان ونال العماد. في تلك اللحظة مات عن الخطيئة وعبوديّة الشيطان وقوى هذا العالم. ترك نظامَ الأشياء القديم ليصبح في يسوع المسيح، خليقة جديدة. والكفر الذي يتحدّث عنه بولس هو الانحرافات العقائدية والانحطاطات الخلقيّة. لقد كفر المسيحيّ بالعالم وبشهواته، وإلى الأبد صُلب للعالم والعالم صُلب له (غل 6: 14). فلم يعد من موضع للرغبات البشريّة، لرغبات اللحم والدم والضعف البشري، للميل إلى الخطيئة (روم 13: 14؛ غل 5: 16؛ أف 2: 3)، لرغبات الانسان القديم (روم 6: 6؛ أف 4: 22) التي استُبعد لها الوثنيون (تي 3: 3). نجد هنا مرّة أخرى حكمًا متشائمًا من قبل الرسول على أمور هذا العالم، الغريبة عن المسيح والمقطوعة عنه (رج 1كور 1: 20؛ 2: 12؛ 3: 19؛ 7: 31؛ 2كور 7: 10؛ كو 2: 20). وهي نظرة قريبة من نظرة يوحنا (1يو 2: 15- 17). غير أن الموت عن العالم وعن الخطيئة لا معنى له إلاّ بالنظر إلى الحياة. فالنعمة ما زالت هنا، وهي تتيح لنا أن نعيش "في الزمن الحاضر" (1تم 6: 17) حياة تليق بأبناء الله. ويصف بولس هذه الحياة بثلاث كلمات تدلّ على واجبات المسيحيّ تجاه نفسه (التعقّل وضبط النفس)، تجاه القريب (العدل واحترام حقوق الآخرين وحرياتهم) وتجاه الله (التقوى). فالنعمة هي من أجل الحياة (يو 10: 10؛ 1يو 1: 2). وإن كان المؤمن قد غُطِّس بالمعمودية، في موت الرب (روم 6: 5)، فلكي يحيا في المسيح.
إذا وجب على المسيحي أن يعيش في "الزمن الحاضر"، فموطنه الحقيقي هو في السماء" (فل 3: 20). وهو يعرف أيضًا أن "صورة هذا العالم تزول" (1كور 7: 31). وأن يومًا يأتي فيه تتمّ "ابيفانيا" أخرى، لا "ابيفانيا" (ظهور) نعمة الله التي لا يدركها سوى الايمان. بل ابيفانيا مجد المسيح المتلألئ بالبهاء (مت 25: 21؛ كو 3: 4؛ 2تس 1: 10). فالحياة المسيحيّة هي انشداد مستمرّ بين ابيفانيا وابيفانيا. لهذا نفهم الدور الذي يلعبه انتظار المجيء (باروسيا) في روحانيّة المسيحيين الأوّلين (روم 5: 2؛ 1كور 1: 7؛ 1تس 1: 10؛ 1تم 6: 14؛ عب 10: 25؛ يع 7- 9؛ 1بط 4: 7؛ 2بط 3: 11- 12).
إن سر الفداء الذي يحتلّ مكانة هامّة في اللاهوت البولسيّ، جاء هنا في الكلام عن الخلاص. فموتُ المسيح هو فعلٌ حرّ إراديّ. يسوع قدّم نفسه. وفي هذه التقدمة بانت محبّة الله. هنا نجد مع "سلّم" فعل "أحبّ". فهما يسيران معًا (غل 2: 20؛ أف 5: 2، 25). فذبيحة المسيح هو في الوقت عينه علامة الحبّ وثمرة هذا الحبّ (يو 15: 13؛ 1يو 3: 16). ووُصفُ موت يسوع هنا بأنه فدية دُفعت من أجل تحريرنا. كنا عبيدًا، فصرنا أحرارًا. وبالتالي صرنا شعب الله بعد أن اختارنا الله من أجل الأعمال الصالحة. يرتبط موضوع الاختيار بالعهد في الشعب الأول. وما قيل عن هذا الموضوع في التوراة يجد كماله في يسوع المسيح الذي فيه يتحقّق الفداء تحقيقًا كليًا. لسنا أمام تحرّر هو نهاية عبوديّة مادية، بل أمام نجاة من الخطيئة. هذا يعني أن على الشعب الجديد أن يعي متطلّبات الاختيار الالهي، ويدلّ على غيرته للأعمال الصالحة، أي يشتعل رغبة في أن تتوافق حياته كلها مع مشيئة الله. في هذا المجال، نقرأ تث 26: 17- 18: "في هذا اليوم أعلنتم أن يكون الرب إلهًا لكم، فتسلكوا في طرقه، وتحافظوا على فرائضه ووصاياه وأحكامه، وتسمعوا كلامه. والرب اختاركم في هذا اليوم لتكونوا من نصيبه، كما قال لكم، فتعملوا بجميع وصاياه".

خاتمة
توقّفنا هنا عند العمق اللاهوتيّ الذي يُسند متطلبات نقرأها في الشرعة البيتية. نعمة الله هي التي تفعل فينا. فتنزع منا كل ما يتنافى ومشيئة الله، وتنمي فينا الحياة الحقّة. تجعلنا في حاضر الله الذي افتدانا، وتنقلنا إلى مستقبل سيظهر فيه مجد الله، ونظهر نحن أيضًا مشاركين في هذا المجد. نجلس على اثني عشر كرسيًا، على مثال الرسل. كل هذا نعيشه في الرجاء. وما يُسند هذا الرجاء هو أن الرب ظهر في الماضي، فتجسّد وعاش معنا، وافتدانا من هذا العالم الحاضر وجعلنا في ملكوته. على هذا الظهور نرتكز. ولا نخاف. وتيطس يتابع عمل الرسالة وهو متأكّد من قدرته على حمل الانجيل إلى الجماعات المشتّتة في جزيرة كريت. يتكلّم كما كان يفعل الانبياء، ولو لقي كلامه المعارضة. ويعظ المؤمنين المتراخين الذين بردت فيهم المحبّة، والأيام هي أيام أخيرة. ويوبّخ المتقاعسين ويردّ على المقاومين. فإن سمعتْ منه الجماعة، كانت شاهدة للمسيح في المحيط الذي تعيش فيه. ذاك هو واجب المسيحيين الأساسيّ، ومنه ينطلقون ليكونوا ملحًا في محيط وثنيّ يحيط بهم. بعد أن تطهّروا من شهوات هذا العالم، يعرفون أنهم تبرّروا بنعمة المسيح ونالوا منذ الآن ميراث الحياة الأبديّة. هذا ما نتوسّع فيه، في الفصل اللاحق: المسيحيون في عالم وثني.
الفصل الثامن
المسيحيون في عالم وثني
3: 1- 8

المقطوعة التي نقرأ الآن، تتحدّث عن واجبات المسيحيّين بشكل عام. وقد بُنيت حسب تصميم ف 2. ذكرت أولاً عددًا من الواجبات التي تُفرض على المؤمنين، ثم عرضت الأساس العقائديّ لهذه المتطلّبات. جاء القسم اللاهوتي هنا أكثر توسعًا ممّا في 2: 11- 14. ثم إن التوصيات الاخلاقيّة أشارت إلى موقف المسيحيين تجاه العالم الوثني، ساعة تطرّقت الفرائض المقابلة (2: 1- 10) إلى سلوك مختلف فئات المؤمنين داخل الجماعة. تكلّم ف 2 إلى فئات مختلفة من المسيحيين. أما ف3 فقدم وصيّة واحدة من أجل المؤمنين: ممارسة الأعمال الصالحة. الخضوع للسلطات... كل هذا صار واجبًا على الجميع، لأن الجميع نالوا نعمة الفداء. لم نعد على مستوى الحياة الفرديّة وكرامتها، بل على الخصب العمليّ الذي تُتمّه النعمةُ في الحياة الاجتماعيّة.

1- نحن أيضًا فيما مضى
تبدأ 3: 1- 8 بتحريض له رنّة الشموليّة. جاء مع فعل في صيغة الأمر (ذكِّر)، مع توسيع سوتيريولوجيّ. وانتهى بعبارة تعيد توجيه كل شيء نحو الأعمال الصالحة. نحن هنا أمام ذات المسيرة الدائريّة التي في 2: 1- 14: ننطلق من الأعمال الصالحة لكي نصل إلى الأعمال الصالحة، مرورًا بتعليم أساسيّ حول خلاص شامل "يفيد جميع الناس" (آ 8). ننطلق من آ 1 (مستعدين لكل عمل صالح) مع الاشارة إلى "جميع الناس" (آ 2)، فنصل إلى آ 8 مع قول يحثّ فيه الرسولُ المؤمنين لينصرفوا إلى "العمل الصالح".
"ونحن أيضًا" (آ 3) تقابل "جميع الناس" في آ 2، وتربط آ 3- 7 بالارشاد الذي يسبق (غار، الفاء، آ 3). والضمير المنفصل "نحن" يتوزّع المقطع كله. مرتين في حالة الرفع (آ 3: كنا نحن، آ 5: عملناه نحن)، فارتبط بعناصر سلبيّة. ومرّتين في صيغة النصب (آ 5: خلّصنا نحن، آ 6: أفاضه علينا)، فدلّ على الذين نعموا بالخلاص. ومرّتين في صيغة الجر (آ 4: مخلّصنا، آ 6: مخلّصنا: مضاف إليه). إنه جزء من اسم "مخلّصنا" الذي قيل في الله وفي المسيح (يبدو أننا في إطار ليتورجيّ: نحن، هذا قول صادق، رج أف 2: 2- 8).
بعد شموليّة ملموسة دلّت عليها الإشارة إلى "الحكّام وأصحاب السلطة" (آ 1)، وإلى "جميع الناس" (آ 2)، تتواصل المتتالية مع وضع هويّة تجاه الأخرى. "جميع الناس" (ا 2) تجاه "نحن أيضًا" (آ 3). وهذا ما يجعل الكلام حثًا على تصرّف لطيف تجاه الجميع. وتعود هذه الهويّة بتعارض زمني: وفيما مضى، (بوتي، آ 3) تجاه "فلما" (هوتي، آ 4). رج 1تم 1: 12- 17؛ 2تم 2: 12، 14. وهذا التعارض الزمنيّ يتواصل في تعارض سببيّ (لا بالنظر إلى الأعمال، بل بالنظر إلى رحمته، آ 5) يعيدنا مرة أخرى إلى 1تم 1: 12- 16 حيث التعارض الزمني بين "قبل" و"الآن" يُشرح سببًا بواسطة "رحمة" الرب (1تم 1: 13، 16: رحمني الله لأني كنت غير مؤمن لا أعرف. نلت الرحمة ليُظهر المسيح صبره). والجملة الرئيسيّة "خلّصنا" (آ 5)، تأتي بعدها جملة موصوليّة حول الروح، وغائيّة اسكاتولوجيّة تكمل هذه الانطلاقة الطويلة.
وتعود آ 8 إلى الكرازة حول الأعمال الصالحة كما في 2: 14. فما يهمّ الرسائل الرعائيّة هو اللاهوت العمليّ. ثم إن المقطع يجمع المؤمنين والناس بشكّل عام، ويميّز بين فئة وفئة. وهذا صدى للتمييز الذي رأيناه بين "جميع الناس/نحن" في آ 2- 3، وللجدليّة التي رأيناها في 2: 11- 14 بين "جميع البشر" (آ 11) و"نحن" "الشعب الذي يخصّه" (آ 14).
صوّر الكاتب وضعًا يسبق الاهتداء إلى المسيح بـ "كنّا". ثم كانت لائحة بالرذائل تصف ذاك الوضع السابق، وهذا أمر نجده في الكرازة المسيحيّة الأولى. رج روم 6: 19؛ 1كور 6: 9ي؛ كو 3: 5- 8... وعلى ضوء هذا التعارض، قدّم بولس نفسه، في 1تم 1: 12ي، على أنه نموذج أول للمؤمنين الآتين (1تم 1: 1، 16، ما حصل له من انتقال من الخطيئة إلى النعمة يحصل لهم). والنهاية التي تؤسّس الانتقال من "قبل" إلى "الآن" تكون على نوعين: الاهتداء. يصفه إعلان يقول ما فعله الله للمؤمن في المعموديّة. أو حدث المسيح (رج غل 4: 4؛ 1كور 6: 9- 10). ويُختم كل هذا بحضّ على الأعمال الصالحة التي يجب أن تتجاوب مع النعمة المعطاة في حركة تثبّت الخلاص، وبكلام يحذِّر المؤمن من التراخيات الممكنة.
رأى عدد من الشرّاح في آ 3- 7 ليتورجيا عماديّة. فالحدث الذي ينقلنا من "حينئذ" إلى "الآن" هو المعموديّة (غسل الميلاد الثاني، آ 15). رج 1كور 6: 9- 11 مع لائحة من الرذائل تمنعنا من ميراث ملكوت الله.
نقابل أولاً بين 1كور 6: 9- 11 وتي 3: 3- 7
1كور 6 تي 3
آ 9- 10، آ 11 آ 3
آ 11 (اغتسلتم) آ 5- 6
آ 11 (نتبرّر) آ 7
آ 10 (يرث الملكوت) آ 7 (يرث الحياة الأبديّة)
ثم نقابل بين أف 2: 1- 8 وتي 3: 3- 7 
أف 2 تي 3
آ 2: أبناء التمرّد آ 3: متمرّدين
آ 3: نحن أيضًا.. فيما مضى آ 3: نحن أيضًا فيما مضى
آ 3: مسلّمون إلى الشهوات آ 3: مستعبَدين للشهوات
آ 3: كنا (من هؤلاء) آ 3: كنا (أغبياء)
آ 4: الغنيّ (بلوسيوس) آ 6: الغني (بلوسيوس)
آ 4: في الرحمة آ 5: بالنظر إلى رحمة
آ 5: بالنعمة آ 7: بنعمته
آ 5: خلِّصتم (آ 8) آ 5: خلّصنا
آ 7: برأفته آ 4: حنان الله
آ 9: لا بالاعمال آ 5: لا بالنظر إلى الأعمال
آ 10: الاعمال الصالحة آ 8: الاعمال الصالحة.
ما خُلّصنا بالأعمال، بل لنتمّ الأعمال الصالحة.

2- دراسة النصّ
بعد أن تنظّمت الكنيسة، وتحدّدت الواجبات الخاصّة بكل من أعضائها، ولا سيّما في العلاقات العائليّة المتبادلة، انتقل بولس إلى علاقات المسيحيّين بالسلطات الرسميّة في المجتمع الوثنيّ. هذا يعني أن للكنيسة وجهًا منظورًا، أنها مجتمع له وجهه الخاص يميّزه عن سائر المجتمعات. هذا لا ينفي أن الكنيسة تتألّف من مؤمنين يوجّههم الروح القدس، ولكن هذا الوجه الخفيّ يجد تعبيرًا منظورًا عنه في عالم وثني يتعامل فيه المسيحيون مع غير المسيحيين بلطف ووداعة، فيؤدّون الشهادة لله بأعمالهم الصالحة.

أ- تحليل النصّ
أولاً: آ 1-2
"ذكّرهم". هم مسيحيون جاؤوا بأكثريّتهم من العالم اليهودي. واعتادوا أن لا يخضعوا للسلطة الرومانيّة، بسبب أصلهم اليهوديّ، وبسبب حياتهم في جزيرة عُرفت بالفوضى. "هيبوميمنيسكو"، 2تم 2: 14؛ يو 14: 26 (عن البارقليط)؛ 3يو 10، 2 بط 1: 12؛ يهو 5. وهناك معنى تذكّر (لو 22: 61) بالنسبة إلى نكران بطرس ليسوع. "يخضعوا" (هيبوتاساين). رج 2: 5. "الحكّام وأصحاب السلطة". رج أف 3: 10 (رج 6: 12)، كو 2: 15. "أرخاي"، الحكّام. يرد 9 مرّات في سائر الرسائل البولسيّة، ومرّتين في سائر العهد الجديد. يجب أن نميّز هذا اللفظ عن "أرخي" (البدء) الذي يرد 44 مرّة في العهد الجديد. "اكسوسياي"، السلطات. يرد هنا فقط في "الرعائية"، ولكنه يرد 101 في سائر العهد الجديد. نجد الجمع سبع مرات أخرى مع "أرخاي"، ومرّة واحدة مع "الملائكة والقوّات" (1بط 3: 22)،ومرّة وحده في روم 13: 1: السلطات المدنيّة. يطيعوهم "بايتارخاين". قبلَ التوجيهَ والأوامر. رج أع 5: 29، 32 (أطاع الله لا البشر) 27: 21 (نصيحة بولس بتمضية الشتاء في كريت). "مستعدّين لكل عمل صالح". رج 1: 16 مع "هاتويموس". لا نجد الصفة مرّة أخرى في "الرعائيّة"، بل نجد الفعل في 2تم 2: 21. رج 1بط 3: 15؛ طو 5: 17.
"أماخوس". رج 1تم 3: 3. ولا نجده بعد ذلك في الكتاب المقدّس. غير مماحك. "إبيايكيس" لطيف. إحدى فضائل الاسقف هي اللطف: 1تم 3: 3؛ رج يع 3: 17؛ في 1بط 2: 18 نجد اللفظ في الشرعة البيتيّة. نقرأ في فل 4: 5: "ليُعرف لطفكم (اتضاعكم) لدى الجميع". "إندايكنيمي" (انديككنيمي"، ظهر، وضع. رج 2: 10). براوتيس، وداعة. رج 2تم 2: 25. نجد اللفظ تسع مرّات في العهد الجديد، منها ست مرات في الرسائل البولسيّة: مرّة مع "حلم" (إبيايكايا) المسيح (2كور 10: 1). ثم في لائحة الفضائل المسيحيّة (غل 5: 23؛ أف 4: 20؛ كو 3: 12).
ثانيًا: آ 3
"أغبياء"، أنوئيتوس"، بدون معرفة. ضالين (ابايتيس). رج 1: 16. الشهوات (إبيتيميا) رج 1تم 6: 9. "دولاوو"، كان عبدًا. رج 1تم 6: 2 مع المعنى الاجتماعيّ. ويرد الفعل 24 مرّة في سائر أسفار العهد الجديد (روم 9: 12؛ أف 6: 7). في التقليد البولسيّ، يسيطر المعنى الخلقيّ: "عبد" للمسيح، للربّ، للانجيل. رج روم 12: 11؛ 14: 8؛ كو 3: 24؛ فل 2: 22؛ 1تس 1: 9؛ غل 5: 13. خارج التقليد البولسيّ، نقرأ في لو 16: 23 (= مت 6: 24) الخيار بين عبوديّة لله وعبوديّة للمال. رج أع 20: 18- 19، 33. "الملذات"، هيدوناي. لا ترد إلاّ هنا في "الرعائيّة". ولا ترد في الرسائل البولسيّة. في العهد الجديد، نجدها في مثل الزارع كما في لو 8: 14؛ رج مت 4: 19. في يع 4: 1، 3. "الخبث" (كاكيا). لا يرد إلاّ هنا في "الرعائيّة"، وعشر مرات في العهد الجديد، منها خمس في الرسائل البولسيّة (1كور 5: 8؛ 14: 20؛ أف 4: 31؛ كو 3: 8). في روم 1: 29، يُنهي "الخبثُ" قسمة، ويبدأ الحسد (فتونوس) قسمة أخرى. رج 1بط 2: 1. في أع 8: 22، اعتُبرت خطيئة سيمون الساحر "خبثًا". رج مت 6: 34؛ يع 1: 21؛ 1بط 2: 26 (حريّة المؤمنين ليست عذرًا من أجل الشرّ). "يبغض". يرد 40 مرّة في العهد الجديد، ولكن لا يرد إلاّ هنا في "الرعائيّة"، وفي روم 7: 15؛ 9: 13 (ملا 1: 2- 3 حسب السبعينيّة)؛ أف 5: 29. يرد سبع مرات في لو وأع.
ثالثًا: آ 4- 5
"ظهر"، ابيفاناين. رج 2: 11. الله مخلّصنا، رج 1: 3؛ 2: 10. "حنان" (خريستوتيس). عشر مرّات في العهد الجديد (في "الرعائيّة" هنا فقط)، في الرسائل البولسيّة، منها خمس في روم (2: 4؛ 3: 12...). "محبّته"، فيلانتروبيا". لا يرد هذا اللفظ في العهد الجديد إلاّ هنا وفي أع 28: 2 (الظرف في أع 27: 3). هذه الصفة التي تطبّق على الله في تي، هي فريدة في اليونانيّة البيبليّة. يُستعمل الاسمُ خمس مرات في السبعينيّة للكلام عن محبّة الملوك بشكل خاص (أس 8: 12؛ 3مك 3: 15).
"عمل"، إرغون. "ديكايوسيني"، البرّ. رج 1تم 6: 11؛ 2تم 2: 22؛ 4: 8. يرد الفعل في آ 7 (برّر). ترد الصفة في 1: 8، والظرف في 2: 12. و"الشرّ" (اديكيا، اللابرّ) يرد في 2تم 2: 19. "عمل، صنع" بوياين. رج 1تم 1: 13 (اضطهاد بولس للمؤمنين)؛ 2: 1؛ 4: 16؛ 5: 21؛ 2تم 4: 5 (عملُ من يعلن البشارة). يستعمل العهد الجديد هذا الفعل 560 مرة ونيّف في كل الاسفار ما عدا في 2يو. نجده 156 مرة في لو وأع. وفي السبعينيّة يرد 3200 مرة ونيّف. "برحمته" إلايوس. ترد في 1تم 1: 2؛ 2تم 1: 2، 16، 18؛ نقرأها 22 مرة في سائر العهد الجديد. منها 6 مرات في سائر الرسائل البولسيّة. في السبعينية ترد في المزامير 75 مرة من أصل 200 مرة. "بالينغاناسيا"، الميلاد، الولادة (مت 19: 28). "أناكاينوسيس". كيف تتم الولادة والتجديد؟ بفعل الروح (بنفما). يرد اللفظ خمس مرات في "الرعائيّة"، منها ثلاث مرّات في 1تم 3: 16- 4: 1 حيث يتعارض "بنفما" مع "ساركس" اللحم، العنصر البشري بما فيه من ضعف. "هاغيوس". يدل على الروح القدس، كما على قداسة المؤمنين (2تم 1: 9؛ 5: 10).
رابعًا: آ 6- 8
"أفاض"، إكساخاين. لا يرد إلاّ هنا في "الرعائيّة"؛ 15 مرّة في العهد الجديد. يستعمل لوقا الفعل مع الروح القدس. رج أع 2: 17، 18 (يوء3: 1- 2 حسب السبعينيّة)، 33. رج 10: 45 حيث نقرأ: "رأوا أن الله أفاض هبة الروح القدس". "بلوسيوس"، رج 1تم 6: 17؛ كو 3: 16؛ 2بط 1: 11.
"نتبرّر"، ديكايون. رج 1تم 3: 16. في الرسائل البولسيّة 35 مرّة، منها 33 في روم، غل. 7 مرات في فم بولس في أع 13: 39... ثم يع 2: 21، 24، 25؛ مت 11: 19 (رج لو 7: 35)؛ 12: 37. يرد 45 مرة في السبعينيّة في سي، أش، مز. "وارث" كليرونوموس. خمس مرّات في السبعينيّة، بدون فعل "أصبح، صار" (غينوماي).
"قول"، لوغوس؛ "صادق"، بستوس. رج 1: 3، 9. ترد العبارة "لوغوس بستوس" أربع مرّات في 1تم 1: 15؛ 3: 1؛ 4: 9؛ 2تم 2: 11. ولا تظهر أبدًا في سائر العهد الجديد. ترد "بستوس" سبعين مرّة في السبعينيّة، ولكن المقاطع التي ترادف ما في "الرعائيّة" قليلة. رج مز 144: 13 (حسب السبعينيّة): "صادق الربّ في كل أقواله". سي 33: 3: "الشريعة جديرة بالثقة". رج 37: 22، 23؛ أم 14: 5.
ب- تفسير النصّ
أولاً: طاعة ولطف (آ 1-2)
طلب الرسول من المؤمنين أن يطيعوا السلطات (آ 1)، ويعاملوا الذين يعيشون معهم باللطف والوداعة. أمرَ الرب بأن نعطي لقيصر ما لقيصر (مت 22: 21)، فدلّ تلاميذه على ولاء غير مشروط للسلطة المدنيّة (روم 13: 1؛ 1بط 2: 13، 17). فالايمان يدلّ على النظام التراتبيّ ويقبل بخضوع الأصغر للأكبر (لو 2: 51؛ يو 19: 11). "هيبوتاسو" خضع، جعل نفسه تحت سلطة، حافظ على موقعه الخاضع. وعلى المستوى الديني: أخضع كل شيء للمسيح (1كور 15: 27؛ أف 1: 22؛ فل 3: 21؛ عب 2: 8؛ 1بط 3: 22). والمسيحيون يخضعون لله وشريعته وتأديبه (روم 8: 7؛ 10: 3؛ عب 12: 9؛ يع 4: 7). ويخضع بعضهم لبعض (1كور 16: 16) في مخافة المسيح (أف 5: 21). تخضع المرأة لزوجها (1كور 14: 34، والاولاد لوالديهم (1تم 3: 4)، والشباب للكبار (1بط 5: 5)، والعبيد للأسياد (تي 2: 9؛ 1بط 2: 18). وهكذا يخضع الشعب كله.
وشدّد بولس على هذا الخضوع الارادي وهذه الطواعيّة، فاستعمل فعلاً (بايتارخاين) يدلّ على الطاعة مع القناعة (أع 28: 21)، على التوافق بملء الحرية. لهذا قيل: نستعدّ لكل خدمات الخير المشترك التي تطلبها السلطة (روم 13: 3). "هاتويموس" تعني الامكانيّة والقصد والجهوزيّة (1بط 3: 15؛ رج 2تم 3: 17). لا يخضع المسيحيون فقط للسلطات، بل يكونون مواطنين صالحين ويعملون من أجل المجتمع.
"لا يشتمون". لا السلطة. ولا الآلهة الوثنيّة (أع 19: 37؛ رج 26: 11؛ 1تم 1: 13، 20). كما لا يشتمون خصومهم أيًا كانوا (يهو 9). وينبذون كل شتيمة وكلام قاس وافتراء ونميمة (مر 7: 22؛ أف 4: 31؛ كو 3: 8؛ 1تم 6: 4؛ 2تم 3: 12). لا مماحكة (أماخوس). لا عنف. 1تم 3: 3. يكونون أهل تفاهم وصلح (روم 12: 18)، مع أنهم يعيشون في محيط لا يوافقهم في أحكامهم.
اللطف (إبيايكايا). رج 1تم 3: 3؛ فل 4: 5. هو توازن وعطف. فيه الهدوء والحكمة والوداعة واللطافة. يدلّ على قلب مفتوح تجاه القريب وثقة بالآخرين. الذي يقبل بأن يقتنع (يع 3: 17؛ 1بط 2: 18) ويتراجع حتّى وإن أسيء إليه. في الخلقيّة المسيحيّة، هو خضوع المحبّة لما يتمنّاه الآخرون من أجل حياة من التوافق. والوداعة (براوتيس) التي ترافق ضبط النفس (غل 5: 23) وهدوء الفكر (1بط 3: 4)، هي صبر متواضع عاشه المسيح الوديع والمتواضع القلب (مت 11: 29؛ 21: 25)، كما عاشه رسله (2كور 10: 11 وتلاميذه (مت 5: 5؛ أف 4: 2؛ 1بط 3: 16؛ 1تم 6: 11)، لأنه لا ينفصل عن المحبّة (1كور 4: 21). الوداعة تعني احترامًا كبيرًا للقريب، ولا سيّما على مستوى الكلام (2تم 2: 25؛ غل 6: 1) واحتمال الإخوة وتقبّلهم كما هم.
ثانيًا: في الماضي (آ 3)
ما الذي يدفع المؤمنين إلى مثل هذا السلوك؟ هناك سببان يطلبان التواضع والمسالمة والتفاهم مع الناس. الأول، هو أن المؤمنين لم يكونوا أفضل من سائر الناس قبل اهتدائهم. والثاني، هو أنهم وُلدوا لحياة جديدة برحمة مجانيّة من الله.
تماهى بولس، المضطهد القديم (1تم 1: 13- 16)، مع مراسليه، في سبع إشارات (تقابل المزايا السبع في آ 1- 2) إلى الحالة التعيسة التي عرفتها البشريّة قبل تدخّل الله في المسيح (غل 1: 13، 23). هي نظرة متشائمة لدى المهتدي الذي يشبه أعمى يكتشف النور. "أنوئيتوس" هو الجاهل. والعقل الضيّق (روم 1: 14؛ 1تم 6: 9) الذي يجهل الله ومعنى الحياة، ويعجز عن تمييز القيم الروحيّة (1كور 2: 14). وأحد أشكال هذا اللاإيمان المعاند (يتعارض مع الخضوع، آ 1؛ رج آ 16؛ أع 26: 19) هو التمرّد على مشيئة الله، على تربية الوالدين (روم 1: 30؛ 2تم 3: 2)، على شرائع الدولة. ونتيجة هذا العمى وهذا التمرّد، انخدع الناس بموجِّهين أشرار وضلّوا. "بلانستاي"، محتوى تحقيريّ. ضلّ، انخدع (2تم 3: 13؛ لو 21: 8..). ثم راح على غير هدى (عب 11: 38)، ضلّ خارجًا عن الطريق القويم (2بط 2: 15)، عن الحق (يع 5: 19). رج مت 18: 12 (إذا ضلّ خروف). ثم الرسائل الرعائيّة. وبعدها 1بط 2: 25؛ رج 1كور 12: 2. كان الرواقيون يعتبرون عبوديّة الشهوات شرّ العبوديات. استعاد بولس الفكرة (روم 6: 5، 12) وفيها ما فيها من بحث عن ملذّات الحياة (لو 8: 4) مع الغنى. رج يع 4: 1، 3؛ 2بط 2: 13.
جعل الكاتب امتلاك تلك الرذائل السابقة للاهتداء وممارستها، في عبارة "نقضي (دياغاين) حياتنا في الشر (كاكيا)". استعداد سيّئ على مستوى العقل والقلب، شرّ وفساد. رج 1كور 5: 8؛ 14: 20. ويكون الانسان ناشطًا (روم 1: 29؛ 1بط 2: 1 مع "فتونوس"، الحسد). الرذيلة عدوّة الله، والاهتداء يقوم بالتوبة والتجرّد من خمير الشرّ (أع 8: 22؛ أف 4: 31؛ كو 3: 8؛ يع 1: 21). تعود "فتونوس" إلى فعل "فتيو"، فسُد، هلك. نحن أمام انحطاط وتراجع. نريد أن نشوّه كل ما هو عظيم وجميل. هي شرّ الرذائل. تأتي مع الخلاف والخصومة (غل 5: 21؛ 1تم 6: 4). "ستيغيتوس" هل تعني أننا نكره الناس، أو يكرهنا الناس. رج روم 1: 30. مهما يكن من أمر، تنتهي هذه اللائحة في بغض متبادل (مت 24: 10) يجعلنا في عالم الشيطان (يو 17: 14؛ 1يو 3: 13)، ويُبعدنا عن عالم الوداعة التي هي فضيلة المعمّدين (آ 2). ما ينقص العالم هو الحبّ. أما بالنسبة إلينا، فهذا الوضع المزري مضى، ونأمل أن يكون مضى بلا رجعة.
ثالثًا: اليوم (آ 4)
كيف استطاع البشر أن يُفلتوا من هذه الظلمات وهذا الفساد؟ أن يتحرّروا من هذه العبوديات؟ حين انتقلوا من الوثنيّة إلى المسيحيّة. والعمل هو عمل النعمة وحدها (رج 2: 11). كما ارتكزت واجبات المسيحيّين المتبادلة على مبادرة نعمة الله في المسيح وعلى قدرتها التعليمية، كذلك ترتبط علاقاتنا بالآخرين بتجلّي محبّة الله للبشريّة. في الحالين، عواطف الله وسلوكه ألهمت عواطف البشر وسلوكهم. وهنا هي المحبة (أغابي) الالهيّة التي جعلت البشر قادرين على الاعمال الصالحة والحبّ الاخوي، بعمل الروح القدس، وبفضل المسيح.
ظهرت (2: 11؛ 2تم 1: 10) محبّة الله على الأرض، وقد رأيناها مجسّدة في وقت محدّد في التاريخ (غل 1: 15؛ 4: 4). "ابيفاناين". ظهرت في شكلين: حنان (خريستوتيا) ومحبّة البشر (فيلانتروبيا). كلمتان تترافقان في الأدب الهلنستي. "خريستوتيس" هي صلاح حلو وسخيّ، يعطي ظهوراتها طابع العذوبة (1بط 2: 3؛ رج لو 5: 39). هي صفة إلهيّة مميّزة تجعل الشعب المختار يدل على عرفان جميله بالعبادة (مز 25: 8؛ 52: 9؛ 59: 17؛ 86: 5؛ 100: 5؛ 106: 1؛ 109: 21؛ حك 15: 1؛ نا 1: 7؛ إر 33: 11؛ دا 3: 89). فهذا الحنان والصلاح (سي 37: 11) لا يقابلهما شيء (2مك 1: 24). الحنان هو وجه المحبّة كما يتجلّى في المسيح وبالمسيح (لو 6: 35؛ أف 2: 7).
"فيلانتروبيا". حرفيًا: محبّة الانسان. اللطف، الاحسان، العناية، الاحترام. هكذا عامل قائد المئة بولس (أع 27: 3). وهناك أيضًا روح الخدمة الحقّة (أع 28: 2). رج 2مك 6: 22؛ 14: 9). نحن هنا في مناخ المحبّة (يو 3: 16) التي هي ينبوع التجسّد والفداء. لهذا، فظهورها هو ظهور "الله مخلّصنا" (رج 1: 3؛ 2: 10؛ 1تم 1: 1)، بما يرافق هذا الظهور من حنان وغفران.
رابعًا: خلّصنا (آ 5- 6)
لم يكن شيء يجعلنا نرى مسبقًا هذا "الظهور" المفاجئ لله. والذين نعموا به لم ينالوا ما نالوا جزاء جهودهم (روم 3: 24؛ 9: 11؛ أف 2: 8- 9). لم يكن نتيجة ("إك" في اليونانية غل 2: 6) أعمالهم. كل هذا ثمرة رحمة الله ومبادرته المجانيّة. وقد قام ظهور (ابيفانيا) الله بأنه خلّصنا (سوزاين). صيغة الاحتمال. تمّ الخلاص بشكل نهائي. وما بقي لنا أن نضيف إليه شيئًا. "غسل" لوترون. رج 1بط 3: 21؛ عب 10: 22. طقسُ غطس أو رشّ من أجل تطهير النفس وتكريس الانسان لله، للمسيح (1كور 6: 11؛ أف 5: 26). هو عماد المسيحيين (مت 16: 16): غسلٌ يلدنا ثانية، غسل يجدّدنا. ولادة جديدة (يو 3: 5ي). من يقوم بهذا العمل؟ الروح القدس. وهكذا يتميّز العماد المسيحيّ عن كل عماد آخر.
"الذي". هو الروح القدس الذي يُرسل (يو 15: 26؛ 16: 7؛ غل 4: 6)، الذي يُعطى (لو 11: 31؛ يو 14: 17؛ 1تسا 4: 8)، الذي يُفاض (إكخاين). رج يوء 2: 28 (ش ف ط، أع 2: 17، 33؛ 10: 45). صيغة الاحتمال تدلّ على وقت محدّد في التاريخ. أما الفعل فيتضمّن الوفر والسخاء في ما يُعطى. ولكن بما أن الربّ قال بأن الله لا يعطي الروح بمقدار (يو 3: 14)، أضاف بولس "بلوسيوس"، بوفر وغنى (1تم 6: 17؛ كو 3: 16؛ 2بط 1: 11). فكأنّي به يقول: أفاض فيضًا. فالروح هو الذي يمنحنا الولادة والحياة (يو 6: 63) والتجدّد (يو 3: 5)، لأنه هو الذي يمنح المياه خصبًا وقداسة (تك 1: 2؛ لو 3: 21- 22؛ 4: 1؛ 1كور 12: 13؛ غل 3: 3). وهو الذي ينقلنا من نظام العبوديّة للشريعة، إلى الحريّة (روم 8: 2، 25، 23؛ 1كور 6: 11؛ 2كور 3: 8؛ أف 1: 13؛ عب 6: 4). وأخيرًا، الروح يهيّئ مسبقًا ويكفل، في قلب المؤمنين، تحقيق الخلاص النهائي في العالم الآتي (1كور 1: 22؛ 5: 5؛ أف 1: 14؛ عب 6: 4- 5). تفقّه الكريتيون، فوجب عليهم أن يعرفوا، لئلاّ يشابهوا نيقوديمس الذي لم يقدر أن يعرف ولادة الروح هذه، عبر غسلٍ بالماء ترافقه كلمة.
إن عطيّة (وعمل) الروح تُنسب إلى وساطة المسيح (يو 14: 16؛ رج 7: 39؛ 1تم 2: 5؛ أع 1: 8) الذي هو المخلّص (سوتير). رج 2تم 1: 10. هذا يُفهمنا أننا، بواسطة "قائد خلاصنا" (عب 2: 10)، نلنا جميع نعم العهد وتدبير النعمة الجديد (2: 14؛ أف 4: 8). نحن هنا أمام عبارة ثالوثيّة: شاء الآب أن يخلّصنا، فغسلنا بروحه، وبواسطة ابنه يسوع المسيح (2كور 13: 13؛ رج مت 28: 19؛ 1كور 6: 11).
خامسًا: نتبرّر ونرث الحياة (آ 7- 8)
"هينا" (لكي، حتّى). تربط ما سبق بحنان الآب (آ 4)، برحمته الخلاصيّة (آ 5)، بفيض الروح القدس واستحقاقات المسيح (آ 6). نحن هنا أمام نتيجة هذا العمل المثلّث، وهو يصبح ملموسًا للمؤمن في غسل الميلاد الثاني. المرحلة الأولى في العماد هي التبرير (روم 8: 30). والأخيرة هي الحياة الأبديّة. نقرأ هنا اسم الفاعل من "برّر" (ديكايوو) (روم 5: 1)، مع الإشارة إلى مجانيّة الغفران الالهيّ (روم 3: 24). يدلّ السياقُ على تطهير حقيقيّ وداخليّ، على تطهير الضمير (عب 10: 22؛ رج 1تم 1: 5). قبل الظهور (ابيفانيا) الالهي، كان البشر مكروهين (آ 3). فاغتسلوا، بل تحوّلوا تحوّلاً دفعهم إلى الأعمال الصالحة.
دخل المعمَّد في علاقة جديدة مع الله (صار ابنه بالتبنّي)، فجعلته وارثًا ملء الميراث (كليرونوموس، روم 8: 17؛ غل 4: 8)، وتفوّق على ما ورثه الشعب الأول في أرض كنعان (ن ح ل ه، تث 9: 6؛ رج عب 4: 1- 10). منذ الآن، اتّخذت حياته منحى جديدًا. والآتي سيكون أجمل: الحياة الأبديّة، أي تجلّي هذه البنوّة الالهيّة. في كل هذا، رجاؤنا وطيد. فالتبرير يعطي الحياة (روم 5: 18).
في آ 8أ نقرأ: قول (لوغوس) بستوس (صادق). هذا ما يعيدنا إلى ما سبق، حيث ذُكرت الحياة الأبديّة. إنه قول يجب أن يعلنه تيطس، بحيث تسند العقيدةُ الحياة الأخلاقيّة. فالذين جعلوا ملء ثقتهم في الله، ينتظرون تدخّله. والذين رأوا في المسيح تجلّي محبّة الله، ليس لهم سوى جواب واحد يعطونه: ممارسة الأعمال الصالحة (2: 14) التي تدلّ على أنهم نالوا التبرير. "فرونتيزاين" (مراحدة في العهد الجديد): فكّر، اهتمّ، انصرف. هناك النيّة، وهناك تنفيذ ما نويناه. يُستعمل للكلام عن نوايا القلب وعن التنبّه (حك 8: 17؛ رج 1صم 9: 5؛ 1مك 16: 14؛ 2مك 2: 25؛ 9: 15) بروح الجديّة والمخافة (أي 3: 25؛ سي 41: 12: ف ح د)، لدى مسؤول يهتمّ بتتميم ما التزم به. أو عن إجراءات اتّخذت لتحقيق عمل ما (سي 50: 4؛ 2مك 4: 21؛ 9: 21: اهتمّ). وأضيف إلى فعل "فرونتيزاين" فعل "بروتيستاناي": أحسن. قام بوظيفته أفضل قيام.

3- قراءة إجماليّة
اهتمّ بولس اهتمامًا خاصًا بسمعة الجماعات المسيحيّة، وبالحكم عليها من قبل الذين في الخارج (1تم 3: 7؛ 5: 14؛ 6: 1؛ تي 2: 5، 8)، أي الوثنيّين. أما الآن، فهو ينظر إلى شيء آخر: فمهما يكن الحكم، فعلى المؤمنين واجبات تجاه المجتمع. إذا كانوا أعضاء في كنيسة المسيح، فهم أيضًا مواطنون في مدينة، في مقاطعة، في الامبراطوريّة بشرائعها. والحرية التي بلغوا إليها بالايمان والعماد، هي روحيّة، ولا تعفيهم من الخضوع للسلطات المقامة (روم 13: 1-7). في 1تم 2: 2، طلب بولس الصلاة من أجل الملوك وأصحاب السلطة. وهنا يطلب الولاء والطاعة. هو خضوع مثل خضوع لبرّ الله (روم 10: 3). نحن أمام استعداد عاديّ: نظام اجتماعيّ ندخل فيه، نتكيّف معه، ونتّخذ تجاهه موقفًا عمليًا. وهكذا يفهم المسيحيون أنهم لم يُقتلعوا من حياتهم في المجتمع، بمجرّد اهتدائهم. والخضوع للسلطات يعني تضامنًا مع المجتمع الذي نحن فيه، بحيث نكون الخميرة التي تخمّر، والملح الذي يملّح.
إذا كانت الحياة في المجتمع تطلب الخضوع للسلطات الشرعيّة، فهي تطلب أيضًا من كل واحد بأن يهتمّ في تسهيل التعامل بين البشر. في هذا المجال، يرذل المسيحي كل ما يسبّب النزاع، ويبحث عن كل ما يسهّل التفاهم. هذا ما طلبه بولس من الأسقف (1تم 3: 3، أماخوس). لا يشتم المؤمنُ أحدًا، ويكون لطيفًا مع الجميع، ويهتمّ باكتشاف الصلاح الذي فيهم، وتنمية الخير الحقيقيّ. تحدّث بولس عن لطف المسيح (2كور 10: 1)، وطلب من المسيحيين أن يتحلّوا بهذا اللطف تجاه الجميع (فل 4: 5). والوداعة ترافق اللطف وتجعله ممكنًا. فيسوع الوديع جعل من الوداعة موضوع تطويبة: "طوبى للودعاء، فإنهم يرثون الأرض" (مت 5: 4).
وبعد أن قدّم الرسول هذه المتطلّبات، عاد إلى الأساس العقائديّ. أراد أن يُقنع المؤمنين بأن يتقبّلوا الجميع ويعاملوهم بالحسنى، فاستعمل برهانًا بسيطًا جدًا: تذكّروا ما كنتم عليه، وما صرتم إليه. عاملكم الربّ بالرحمة، غفر خطاياكم. جعلكم في يسوع المسيح خلائق جديدة ينعشها الروح القدس. فكّروا كيف تقبّلكم الله، وتصرّفوا مثله كالابناء الاحبّاء في التسامح والعطاء والغفران: "بذل الرب حياته عنا، فكيف لا نبذل حياتنا عن إخوتنا" (1يو 3: 16).
ليست هي المرّة الأولى التي فيها يطلب بولس من المؤمنين أن يتذكّروا ما كانوا عليه قبل اهتدائهم (روم 6: 17؛ 1كور 6: 9- 11، أف 2: 1- 3؛ كو 3: 5- 7). ولكن في هذا النصّ، يجعل الرسول نفسه بجانب القرّاء، فلا يقول "كنتم"، بل "كنا" (هذا يعني أنه كان منهم، من الوثنيين، وهذا ما يدلّ على أن الكاتب ليس بولس الرسول، بل أحد تلاميذه). جاءت اللوحة في آ 3 سوداء ، فأبرزت الوضع المسيحيّ الذي صوّرته الآيات اللاحقة. كان الكريتيون قبل اهتدائهم، جهالاً، متمرّدين. من جهة، غاب عنهم فهم الأمور الالهيّة (أنوئيتوس، لو 24: 25؛ غل 3: 1- 3؛ أف 4: 17- 18). ومن جهة ثانية، تمرّدوا على نداء الله، رفضوا الايمان الذي هو طاعة (روم 1: 30؛ 15: 31؛ أع 14: 2؛ 19: 9). أظلم فهمُهم، تمرّد عقلُهم، فتاهوا كخراف لا راعي لها، أو كسفينة تتقاذفها الأمواج (أف 4: 14). فالملذّات والشهوات جعلتهم في العبوديّة، عبوديّة الخطيئة (روم 5: 12، 19- 21؛ 6: 17). وإذ صاروا في هذه الحال، حلّ البغض بينهم والحسد، فما طلبوا سوى أن يُسيئوا بعضهم إلى بعض. فاستحقّوا غضب الله (روم 1: 18؛ 2: 5؛ أف 2: 3؛ كو 3: 6).
ولكن ظهر عملُ الله الخلاصيّ والمجانيّ كشعاع من الشمس في قلب سماء عاصفة. وهذا العمل لم يكن نتيجة توبة الانسان وأعماله، بل مسيرة رحمة الله التي لم يكن الانسان ليتوقّعها. ظهرت محبّة الله وحنانه، فحملت إلينا الخلاص. "حين كنّا خطأة، مات المسيح لأجلنا" (روم 5: 7- 8).
فالتحرير من الخطيئة الذي لم يكن باستطاعة الانسان أن يحقّقه بقواه الخاصّة، قد أتمّه الله برحمته. فمحبّةُ الله التي تنحني على الضيق البشريّ هي محبّة خلاصيّة. نجد هنا مرّة أخرى موضوع الخلاص. فالله يريد أن يخلص جميعُ البشر (1تم 2: 4). والمسيح جاء لكي يخلّص الخطأة (1تم 1: 15). ومع أن الخلاص ما زال موضوع رجاء، في تحقيقه التام والنهائيّ (2تم 4: 18؛ رج روم 8: 24)، فقد أعطي لنا منذ الآن، بشكل جذريّ، في يسوع المسيح. لهذا تحدّث عنه بولس وكأنه من الماضي (2تم 1: 9؛ أف 2: 5).
أعطي الخلاص للانسان بواسطة المعموديّة. فالغسل هو العماد المسيحي (أف 5: 26)، هو طقس الولادة الجديدة (يو 3: 3- 5)، وتجديد الانسان. ويرتبط الروح بالعماد: فالولادة الجديدة هي بداية حياة الروح في الانسان. وهي حياة تنمو دومًا، وتتوسّع، وتتجدّد (روم 12: 2؛ 1كور 4: 16). وقد صُوّرت عطيّة الروح بصورة سائل يُفاض (اكخاين): فالروح يفيض من ملء الله، ويأتي ليملأ قلب المؤمن.
إذا كان أصل الخلاص رحمة الله، وتتمتُه عطيّة الروح، فهو لا يكون ممكنًا إلاّ بفضل نعمة يسوع المسيح. وهكذا يكون عملُ الخلاص عمل الثالوث الأقدس. في هذا الإطار، يجعلنا الخلاص في الاسكاتولوجيا. فالحياة المسيحية التي دشّنها التبرير وعطيّة الروح، آخرتها ميراث السماء الذي أعدّه الله للمؤمنين. الانشداد المتواصل بين الحياة المسيحية والميراث الابدي يمنح مسيرتنا ديناميّة نجدها هنا. يتبرّر المؤمن بيد الله في يسوع المسيح (روم 3: 24؛ 8: 30؛ 1كور 6: 11)، فيكون ابن الله يفضل الروح (روم 8: 14- 15؛ غل 4: 5- 6)، ويصبح الوارث (روم 8: 17؛ غل 3: 29؛ 4: 7). وبما أنه ابن فهو وارث. وهو يستطيب منذ الآن عربون هذا الميراث (2كور 1: 22؛ 5: 5؛ أف 1: 13، 14). غير أن ملء التنعّم بهذا الميراث لن يكون إلاّ فيما بعد. فالميراث هو موضوع الرجاء. نحن الذين خُلّصنا بظهور حنان الله مخلصنا وحبّه للبشر، ما زلنا ننتظر "الرجاء السعيد لظهور مجد إلهنا العظيم ومخلّصنا المسيح يسوع" (تي 2: 13).
وما قاله الرسول هنا هو قول صادق. فكأني بالجماعة تقول: آمين، بعد هذا الاعلان الايماني أو النشيد الليتورجيّ.

خاتمة
قرأنا في هذه القطعة تعليمًا عقائديًا حول الخلاص الذي حقّقه الرب من أجلنا، بشكل ملموس، في العماد وغسل الماء، في عطيّة الروح القدس، في وساطة يسوع المسيح. وكل هذا كان مبادرة من قبل الله الذي أظهر حنانه ومحبّته للبشر، لا لأعمال عملوها، بل لأنه أراد ذلك بملء حرّيته وارادته. تلك كانت مشيئته التي تمّت في الابن، وتواصلت في الروح. فالخلاص الذي يصل إلى البشريّة هو عمل الثالوث الأقدس. فالبداية كانت مع الله. والنهاية معه. بالله تبرّرنا، وبه تقدّسنا، وبه نرث الحياة الأبديّة. نرثها منذ الآن. نرث باكورتها. ولكنّنا، نحن العائشين في الرجاء، ننتظرها كاملة في تجلّي ربنا يسوع المسيح ومجيئه الثاني في حياتنا، بل في العالم كله.
الفصل التاسع
تيطس وواجب التعليم في الكنيسة
3: 9- 15

عرف تيطس الحقائق الجميلة والسامية التي يجب أن يعلّمها للمؤمنين. هي حقائق مفيدة لأنها ينبوع خلاص. وحين يصل إلى هذا المستوى، يتجنّب المشاركة في مجادلات سخيفة يهتمّ لها أعضاء الكنيسة. كما يتجنّب كل علاقة مع هؤلاء المجادلين. وبما أنّ موقفه الصامت غير كاف، فهو يوبّخهم وإن لم ينتظر الكثير من توبيخه لهم. فهذه الانحرافات التعليميّة ترتبط بفساد أخلاقي، والراعي لا يمكن أن يسكت تجاه التعاليم والمعلّمين. فالمعلّمون لن يختبئوا وراء نواياهم السىّئة معتبرين أن أحدًا لم ينبهّهم. والمؤمنون يستنيرون حول الضلال الذي يبلبل تفكيرهم ويُفسد حياتهم. ذاك يكون موقف تيطس، وذاك يكون موقف الرعاة في الكنيسة، حيث لا يخافون ولا يساومون، بل يقدّمون كلمة الحقّ باستقامة.

1- من تيموتاوس إلى تيطس
ما نلاحظه في الارشاد إلى تيموتاوس وتيطس، هو دعوة إلى الوداعة واللطف في عمل الرعاية. هنا تُذكر أهواء الشباب التي يهرب منها التلميذ، ولائحة من الفضائل يجب اتّباعها. وبما أن الجدال والقتال يشكّلان الحلبة التي يقف عندها الخصم، فالجواب يكون تعليم المؤمنين في مناخ من الوداعة. بين اهتداء يأتي من الله، وفخاخ يضعها إبليس، يعرف المؤمن ماذا يختار.
أهواء الشباب تمنع الراعي من أيّة خطوة تهدّد سلطته. كما تطلب منه تجنّب التعصّب والتسرّع والعجرفة في ما تعيشه الجماعة من حوار. ومحلّ ذلك، هي التقوى التي تُشرف على صبر في التعامل مع الآخرين، وعلى ثبات في العمل الرسوليّ.
انتهى الارشاد في 1تم 4: 6- 16 وفي 6: 11- 16 مع إعلان سوتيريولوجيّ ولاهوتيّ نقل تيموتاوس من الجدال إلى التعليم بوداعة. فالله السيّد المبارك وحده، هو ملك الملوك وربّ الأرباب، وهو الذي يعرف أن ينتصر على الخصم فيعيده إلى وعيه وينجّيه من فخاخ إبليس. ومعرفة الحقيقة شرط لاهوتيّ للوصول إلى الخلاص. هذا هو الاهتداء بحسب العالم اليهوديّ. وهناك موازاة بين "الحقيقة" و"الايمان". فإن تمسّكنا بالحقيقة أو بالايمان (أو ملنا عن الحقيقة أو الايمان)، فالكائن المسيحيّ يتأثّر إيجابًا أو سلبًا. هنا تصبح الخدمة أكثر من ارشاد يحثّ فيه الرسول تلميذه. فنحن أمام خبرة معاشة. وتيموتاوس يُدعى إلى الأمانة لماضيه الخاصّ. هو لم يتبع بولس في تعليمه وحسب، بل تألّم معه. فقد كان لتيموتاوس حصّته من الآلام التي دُعي إلى مواجهتها بدون خوف.
هذا بالنسبة إلى تيموتاوس. وماذا بالنسبة إلى تيطس؟ فما يقال له من تعليم يندرج في تحريض يتوجّه إلى مختلف الفئات في الجماعة. كان ارشاد في 3: 1- 8 انتهى: قول صادق. هذا القول يستحقّ أن نصدّقه ونثق به. ويطلب بولس: أريد (بولوماي). هو الرسول يطلب من تلميذه. يستطيع أن يوصيه، بل يأمره. "كل هذا" مطلوب منه (آ 8). وهكذا، يسير المؤمنون في طريق الأعمال الصالحة. وهذا ما يفيد البشر لأنه جميل. ويتجنّبون مع راعيهم المجادلات السخيفة. ونلاحظ مرّة أخرى جدلية "المؤمنين" و"جميع البشر" كما في 1تم4: 10. ما يربط بين الاثنين هو الاعمال الصالحة (2تم 3: 17). فالأعمال الصالحة التي يعملها المؤمنون مفيدة للناس. وهكذا يتداخل اللاهوت حول الخلاص مع الممارسة اليوميّة على مستوى الفائدة (1تم 4: 8: فائدة التقوى؛ 2تم 3: 16: فائدة الكتب المقدّسة). وهكذا نعود إلى سياق تدفع فيه السوتيريولوجيا المؤمن إلى الأعمال الصالحة (2: 14؛ 3: 1). هذا من جهة. ومن جهة ثانية، يصل بنا هذا التعليم إلى تحريض شخصيّ جدًا يتوجّه إلى تيطس (3: 14) قبل التحية الأخيرة: "يجب على جماعتنا أن يتعلّموا حسن القيام بالأعمال الصالحة ليسدّوا الحاجات الضروريّة، فلا تكون حياتهم عقيمة". والعبارة الأخيرة من الحكم على الهراطقة في 1: 16 تُثبت هذه النظرة عن طريق النفي: "يدّعون أنهم يعرفون الله، ولكنهم ينكرونه في أعمالهم... عاجزون عن كل عمل صالح". فاللاهوت الخلقيّ هو تعليم، وهو يدلّ في الخارج على ما يفعله الخلاص في قلوب المؤمنين.
ما قيل لتيموتاوس وما قيل لتيطس، مادة تعاد كتابتها حسب قياس محدّد على خلفيّة مشتركة. فالحضّ للتلميذ يختلف عمّا في الفلسفة الشعبيّة. فهو لا يرسم مسيرة فرديّة من فضائل أدبيّة أو مزايا فلسفيّة. بل نحن أمام توصيات توجَّه إلى مسؤول في الجماعة، يقيم في موضع محدّد مع الجماعة كمؤسَّسة. فسلطته التي تنبع من الرسول، تُقابل الجماعة التي يقيم فيها: موهبة نالها بوضع يد الشيوخ (1تم 4: 14). اعتراف أمام شهود عديدين (1تم 6: 13). البيت الذي يعمل فيه (2تم 2: 19- 21). التقليد البولسي الذي يؤسّس تعليمه (2تم 3: 10- 17). كلام توجّه إلى بولس في دوره كـ "خادم المسيح يسوع" (1تم 4: 6)، "رجل الله" (1تم 6: 11؛ 2تم 3: 17)، "عبد الربّ" (2تم 2: 24). وهذا التعليم من أجل الجماعة، عليه أن يتوافق والتعليمات التي أعطيت له: من أجل الاخوة (1تم 4: 6). من أجل المؤمنين (1تم 4: 10، 12). من أجل الذين يسمعونه (1تم 4: 16). من أجل الذين يدعون الرب بقلب نقي (2تم 2: 23). من أجل الذين يريدون أن يحيوا في التقوى (2تم 3: 12). وبالنسبة إلى تيطس: من أجل الذين جعلوا إيمانهم بالله (تي 3: 8). من أجل جماعتنا، من أجل الذين لنا (تي 3: 14).
هذه الجماعة التي أرسل إليها التلميذُ ليست منغلقة على ذاتها، بل منفتحة. والرسول يعمل باسم "مخلّص جميع الناس" (1تم 6: 13). وتَقدّمُه يجب أن يكون ظاهرًا للجميع (1تم 4: 15). لهذا يكون لطيفًا مع الجميع (تي 3: 2؛ 2تم 2: 24). وما يعيشه هو قدوة لجميع الذين يريدون أن يحيوا في التقوى (2تم 3: 12). وما يقوله يجب أن يكون مفيدًا للناس (تي 3: 8). هكذا يعظّم الجميعُ تعاليم مخلّصنا (تي 2: 11).
لماذا يسهر الراعي على نفسه ويثبت في هذا السهر؟ لأنه حين يخلّص نفسه يخلّص جميع الذين يسمعون له (1تم 4: 16). وكيف يصل إلى الحياة الأبديّة؟ حين يحفظ الوصيّة منزّهًا عن العيب واللوم إلى ظهور ربنا يسوع المسيح (1تم 6: 12، 14). ولماذا يكون لطيفًا مع الجميع؟ لأن الله يهب الاهتداء حتّى للخصوم (2تم 2: 24ي). لماذا ندرس الكتب المقدّسة؟ "لأنها تقدر أن تزوّد بالحكمة التي تهدي إلى الخلاص في الايمان بيسوع المسيح" (2تم 3: 15). وجاءت تي 3: 8- 9 تُنهي الأقوال السوتيريولوجيّة المركزيّة في تي 2: 11- 3- 7. فكما أن الكتب المقدّسة مفيدة من أجل عمل الخادم، كذلك الأعمال الصالحة: هي حسنة ومفيدة للناس (تي 3: 8)

2- دراسة النصّ
إن الحقائق العقائديّة التي ذكرها بولس في آ 4- 7 تشكّل جوهر انجيله بالذات. فلا يسعنا أن نخفّفها أو نخاف حين نقدّمها. فلا مساومة في ما يتعلّق بالتبرير والتعليم عن الخلاص. ذاك كان موقف بولس في غلاطية (غل 1: 7- 9؛ 2: 11- 21؛ 3: 1- 5؛ 5: 1- 6). ومثله يفعل تيطس في كريت. لا يقبل أي نقاش حول المبادئ الأساسيّة. بل يعلنها بقوّة. والمؤمنون يهتمّون بأن يكونوا الأوّلين في ممارسة الأعمال الصالحة التي هي ثمرة الايمان. والايمان أبعد ما يكون عن تعلّق عقليّ بحقائق نظريّة بحتة. إنه يتضمّن تبديل حياة (غل 5: 6: الايمان العامل بالمحبّة). وعطيّة الخلاص التي نالها المسيحي (آ 5) هي بالنسبة إليه ينبوع متطلّبات لا يمكن التهرّب منها. فمن ليس مع المسيح كان ضده. ومن لم يجمع مع المسيح، بدا وكأنه يفرّق.

أ- تحليل النصّ
أولاً: آ 9- 11
في آ 9- 11 نتوقّف عند التعليم الصحيح والتعليم الكاذب. ويُشرف على هذه الآيات آ 8ب: أريد (بولوماي). رج 1تم 2: 8؛ 5: 14؛ 6: 9. يرد الفعل 33 مرة في سائر العهد الجديد (3 مرات ترتبط بالرسول: 2كور 1: 15، 17؛ فل 1: 12). "أن تكون حازمًا". أن تلحّ. "ديابابايوماي". رج 1تم 1: 7. "المؤمنون بالله". وضعوا إيمانهم بالله. رج روم 4: 3؛ غل 3: 6. "مفيد". رج 1تم 4: 8؛ 2تم 3: 16. يقابلها "أنوفاليس"، غير مفيد. رج آ 9؛ عب 7: 18.
"أما المجادلة" (زيتيسيس). رج 2تم 2: 23. يرد الاسم في 1تم 6: 4. رج يو 3: 25؛ أع 25: 20. "موروس"، سخيف. عشر مرات في العهد الجديد. رج 1كور 1: 25، 27؛ 3: 18؛ 4: 10... الانساب. رج 1تم 1: 4. "نوميكوس"، ناموسي، ما يتعلّق بالشريعة رج آ 13. ترد الصفة 7 مرات في العهد الجديد، منها ست مرات في لو. وكلها تتحدّث عن معلّم الشريعة. مت 22: 35. "ماتايوس"، غير نافع. يرد خمس مرات في العهد الجديد. 1كور 3: 20 (أفكار باطلة لدى حكماء هذا العالم)؛ 15: 17 حول إيمان باطل بالمسيح يقول إنه ما قام.
"صاحب البدع"، الهرطوقيّ. من اختار حقيقة على حساب حقيقة أخرى. "تنذره مرّة أو مرتّين". ذاك هو منطق انجيل متّى: إذا خطئ أخوك فعاتبه (مت 18: 15ي). "فأنت تعرف". (آ 11). رج 1تم 1: 9؛ 2تم 2: 23. "إكسترافاين". ضلّ. لا يرد إلاّ هنا في العهد الجديد. "هامرتاناين"، خطىء. هناك خطيئة الشيوخ (1تم 5: 20). يرد الفعل 51 مرّة في العهد الجديد (15 مرّة في بولس، خصوصًا في روم، 1كور).
ثانيًا: أوامر ونصائح (آ 12- 14)
"بمباين"، أرسل. لا ترد إلاّ هنا في "الرعائيّة". 78 مرة في سائر أسفار العهد الجديد (15 مرة في سائر الرسائل البولسيّة). أرتيماس. هو تصغير "ارتميدوروس"، هديّة ارتميس (من أصل وثنيّ. إذن، لا يرد في البيبليا). تيخيكس. رج 2تم 4: 12. في أع 20: 4 هو اسم يُعطى لشخص من آسية أي من أفسس. في كو 4: 7؛ أف 6: 21 تيخيكس هو أخ محبوب. هو من أصل وثنيّ. يرتبط اسمه بالاهة الحظّ (تيخي). "إلتاين"، جاء. 636 مرّة في العهد الجديد. يُذكر 8 مرات في 1تم، 2تم، في الكلام عن رواح بولس وجماعته ومجيئهم (1تم 3: 14؛ 4: 13؛ 2تم 4: 19، 13، 21). وهناك ناحية لاهوتيّة حين الكلام عن التجسّد (1تم 1: 15) والمجيء إلى ملء معرفة الحق (1تم 2: 4؛ 2تم 3: 7). نيكو بوليس. لا ترد إلاّ هنا في البيبليا. مدينة النصر. بُنيت لذكرى انتصار اوكتافيوس على أنطونيوس في أكسيوم (اليونان، إبيرة) سنة 31 ق م. "كريناين"، نوى، حكم، قرّر. رج 2تم 4: 1 عن الدينونة. يرد الفعل 113 مرة في العهد الجديد (39 في الرسائل البولسيّة، منها 35 في روم، 1كور). المعنى الذي نقرأه في تي، نجده في روم 14: 13ب؛ 1كور 2: 2؛ 7: 37؛ 2كور 2: 1 (مع إلتاين). في لو وأع: 28 مرة. في أع 27: 1: "لما تقرّر أن علينا أن نُبحر إلى إيطالية". "أقضي الشتاء" باراخايماساي". رج 1كور 16: 6. كانت الملاحة تتوقّف بين 10 تشرين و10 آذار (فصل مقفل بسبب عواصف البحر المتوسط). "هناك" إكاي. لا يرد إلاّ هنا في "الرعائيّة". ولكنه يرد 105 مرات في العهد الجديد.
في آ 13، "سبودايوس"، باهتمام، بعجلة. رج 2تم 1: 17؛ فل 2: 28 حيث يهتمّ بولس بارسال ابفرودتيس. "بروبمباين" رافق. يرد 8 مرات في العهد الجديد. رج روم 15: 24؛ 1كور 16: 6. استعمل لوقا الفعل ليدل على الطريق التي فيها أرسل بولسُ وبرنابا، من قبل مسيحيّي أنطاكية، إلى مجمع أورشليم (أع 15: 3) أو تلك التي أخذها بولس حين صعد إلى السفينة متوجّهًا إلى أورشليم فرافقه شيوخ أفسس (أع 20: 38) أو مسيحيّو صور (أع 21: 5). زيناس. اسم وثني. تصغير "زينودورس" أو عطيّة زوش. أبلوس: أبلودورس: عطيّة أبلون. نلاحظ أن هذين اليهوديّين حملا اسمين وثنيين.
"وجماعتنا" (آ 14). هيماتاروي. الذين لنا، الذين منا. ترد اللفظة ثماني مرات في العهد الجديد بما فيه 2تم 4: 15 (شعبنا). "تعلّم" مانتانو. يرد 24 مرّة في العهد الجديد (6 مرات في 1تم، 2تم: 1تم 2: 11؛ 5: 4، 13؛ 2تم 3: 7، 14؛ 9 مرات في سائر الرسائل البولسيّة). "الحاجة". خرايا. يرد اللفظ حوالي 50 مرة في العهد الجديد (13 مرة عند بولس على مستوى حاجات الجسد من طعام وشراب ولباس). "ضروري" أنانكايوس. ما هو ملحّ ولا يستطيع الانتظار. يرد هنا فقط في "الرعائيّة". ويرد 7 مرات في العهد الجديد (4 عند بولس، 2 في أع). "أكاربوس"، عقيم. بلا ثمر. يرد هنا فقط في "الرعائيّة"، ست مرات في العهد الجديد (2 في بولس: 1كور 14: 14 والتكلّم بألسنة؛ أف 5: 11 وأعمال الظلمة العقيمة). نجده في السبعينية ثلاث مرات: إر 2: 6 (أرض لا ماء فيها ولا ثمر)؛ حك 15: 4 (عقم الاصنام)؛ 4مك 6: 7 (لا تندم أم السبعة لأنها صارت بلا ثمر بعد أن مات أولادها).
ثالثًا: سلامات (آ 15)
بعد السلامات (آ 15أ)، تأتي الصلاة الأخيرة: لتكن النعمة معكم جميعًا. "معي". رج 2تم 4: 11؛ أع 20: 34. لا نجد "سين إموي". رج 1كور 16: 4؛ 2كور 9: 4؛ غل 1: 2؛ 2: 3؛ فل 4: 21 في نهاية الرسائل. رج 1كور 15: 10 (نعمة الله التي هي معي)؛ فل 2: 22 (خدم البشارة معي). "سلّم" أسبازستاي. رج 2تم 4: 19، 21. يرد الفعل 55 مرة في العهد الجديد، في الرسائل (36 مرة في بولس، منها 21 مرة في روم 16. لا يرد في 2تس ولا في غل ولا في أف). ترافق السلامات القبلة المقدّسة. رج روم 16: 16؛ 1كور 16: 20؛ 2كور 13: 12؛ 1تس 5: 26. "أحبّ"، فيلاين. 21 مرّة في العهد الجديد (13 مرة في يو). »النعمة«، خاريس. رج 1: 4. هناك مخطوطات قالت: نعمة الله أو نعمة الرب، من أجل الاستعمال الليتورجي وأضافت: "آمين".
في النهاية، نجد معلومات عديدة. "إلى تيطس" في مخطوطات كثيرة. وأضافت أخرى: دُوّنت في نيكوبوليس ومن هناك أرسلت. أو في مكدونية. في مخطوط واحد: في كريت. وقالت عدد من النسخات: كان تيطس أول أسقف في كنيسة كريت. قالت القبطية البحيريّة: أرسلت الرسالة بيد ارتيماس (3: 12). والسريانية البسيطة: حملها زيناس وأبلوس (3: 13).

ب- تفسير النصّ
أولاً: واجبات تيطس (آ 9- 11)
أجمل الكاتبُ نشاط المعلّمين الكذبة، على المستوى العقليّ والأدبيّ، في أربعة موضوعات: مجادلات وأنساب (1تم 1: 4). خلافات (آريس) تميّز معلّمين يتزاحمون (1تم 6: 4؛ فل 1: 15). مناقشات (ماخي) حول الشريعة الموسويّة. رج 1: 14؛ 1تم 1: 7- 10. رج "أماخوس" (1تم 3: 2): لا يخاصم، لا يناقش. كلها توصف بأنها سخيفة (موروس). فما الفائدة من حوار يتوقّف عند مثل هذه السخافات. وما النفع من هذا الأنزلاق في الباطل، في الفراغ.
والمسؤول عن كل هذا هو "هايريتيكوس" (مراحدة بيبليّة). يعود إلى فعل "هايرايو" الذي يدلّ في العهد الجديد على الصادوقيين (أع 5: 17)، الفريسيين (أع 15: 5؛ 26: 5). في 1كور 11: 19؛ غل 5: 20 يرتبط بعالم التحزّبات والخصومات والحسد. رج 2بط 2: 1 حيث الكلام عن مذهب (شيعة، بدعة) مهلك يغذّيه معلّمون كذبة.
الأمر خطير. لهذا، يجب على تيطس أن يتدخّل، يُنذر، يوبّخ (نوتاسيا، نوتاتاين). لا نجد هذين اللفظين إلاّ في الرسائل البولسيّة.
كان الرسول واقعيًا: مثل هؤلاء الناس لا فائدة من الحوار معهم. هم ضالّون ويضلّون مهما كانت المحاولات. هم مرضى استُعصي مرضهم. ابتعدوا عن التعليم الصحيح، فلا يستطيعون العودة إلى حالتهم العاديّة التي كانت لهم حين نالوا العماد. لا يحكم بولس على مثل هؤلاء، بل يتركهم يحكمون على نفوسهم (أوتوكاتاكريتوس، مراحدة بيبليّة). رج لو 19: 22؛ يو 3: 18؛ 8: 9- 11.
ثانيًا: الخاتمة (آ 12- 15)
نجد هنا كلامًا شخصيًا (آ 12- 13)، تحريضًا أخيرًا (آ 14)، التحيّات (آ 15).
تردّد بولس: من يختار لكي يرسله إلى كريت ليحلّ محلّ تيطس؟ وهكذا يتحدّد موعد مجيء تيطس إلى بولس. ارتيماس (عطيّة ارتميس). لا يُذكر إلاّ هنا في العهد الجديد. هناك تقليد يجعله واحدًا من السبعين تلميذًا (أو 72: لو 10: 1ي)، وأول أسقف في لسترة (أع 14: 6ي). تيخيكس. تلميذ معروف برفقته لبولس.
زيناس وابلوس. حملا الرسالة على ما يبدو، كما قال تيودورس، أسقف المصيصة. اعتبر الذهبيّ الفم أن زيناس كان يهوديًا اهتدى إلى الايمان فاحتفظ باسمه: "نوميكوس" معلّم الشريعة. وهناك من اعتبره وثنيًا، ورجل قانون. هناك تقليد يجعل من زيناس أسقف "ديوسبوليس" (مدينة في تراقية، تركيا)، ومؤلّف "أعمال تيطس: (منحولة). أما أبلوس فهو المذكور في أع 18: 24؛ 19: 1؛ 1كور 1: 12؛ 3: 4، 6، 22؛ 4: 6؛ 16: 12 (خطيب لامع من الاسكندريّة وعالم بالكتب المقدّسة). فاذا كان زيناس وثنيًا وأبلوس يهوديًا، استطاعا أن يتوجّها إلى الفئتين اللتين تؤّلفان الكنيسة. هما لا يطيلان الإقامة في الجزيرة. وتيطس سيهيّئ لهما الضروريّ لمتابعةالسفر. "بروبمباين". أرسله إلى الأمم. جعله ينطلق. رافقه بعد أن يكون أمّن له اللازم. فالجماعة تؤمّن الحاجات الماديّة للمرسلين، ووسائل النقل، وشخصًا يدّلهم على الطريق، وهي ترافقهم بصلواتها وأدعيتها.
مثل هذا الواجبات لا يستطيع تيطس وحده أن يقوم بها. فالجماعة تكون معه (آ 14)، وواجباته هي واجباتها. الذين هم منا (هيماتاروي) تجاه الذي من الخارج (1تم 3: 7؛ 1تس 4: 12) سواء كانوا وثنيين أم يهودًا (تي 1: 10). يتعلّمون (مانتاناين، 1كو 4: 6) مثل تيطس. يمارسون (1تم 2: 11؛ 5: 4؛ عب 5: 8). يقومون بالأعمال الصالحة ويُحسنون القيام بها. هذا بشكل عام على مستوى ممارسة الفضائل. وبشكل خاص على مستوى الاهتمام بضيوف الكنيسة (آ 13): تأمين الحاجات (خرايا) الضرورية (أنانكايا).
ويرد في آ 15 أكثر من سلام حسب الأسلوب الرسائليّ. الأول لا يذكر اسم الشخص، ولا يشير إلى "الاخوة" (1كور 16: 19- 20؛ 2تم 4: 20) ولا إلى "القديسين" (2كور 13: 11). فهو قصير جدًا. يكتفي بالقول: الذين معي (مات إمو). الذين يحيطون بي الآن. أما الذين يعيشون معي بشكل دائم فالعبارة اليونانية هي "سين إموي". رج غل 1: 2؛ فل 4: 22. في الرسائل الدنيويّة، يُطلب من حامل الرسالة أن يسلّم على جميع الاصدقاء. ويضيف بولس: في الايمان. المسيحيون الذين يقيمون في كريت. لهم سلام خاص. وقد ظلوا على الأمانة. قالت كو 4: 18؛ 1تم 6: 21؛ 2تم 4: 22: "النعمة معكم". أما هنا فنقرأ: "النعمة معكم جميعًا" كما في 2تس 3: 18؛ رج عب 13: 25. هذا يعني تزامن تي مع 2تس. لا شكّ في أن الرسالة جاءت إلى تيطس. ولكنها ليست رسالة خاصّة، بل موجّهة إلى الجماعة، والجماعة كلها تسمعها.

3- قراءة إجماليّة
على تيطس أن يهرب (أن يتجنّب) المجادلات السخيفة والنقاشات الفارغة، التي لا تفيد ولا تنفع. فكم نحن بعيدون عن عرض حول مخطّط الخلاص كما أعدّه الله منذ الأزل. هناك نقاشات ترتبط بالعهد القديم: الانساب، فتاوى حول الشريعة. هذا ما يجعل الخلاف مستشريًا في الجماعات.
وعلى تيطس أن يقطع كل صلة بالهرطوقيّ، بصاحب مدرسة وفكر يختار ما يشاء من عناصر الايمان ويترك الأخرى. يختلق ديانة على قياسه، ويكوّن حزبًا أو شيعة تنغلق على ذاتها. هو لا يقبل بالتعليم عن الخلاص كما قدّمه بولس. يجادل، وفي النهاية يسجن نفسه داخل حكمه الشخصيّ الذي يعتبره قاعدة الايمان.
كيف يتصرّف تيطس مع مثل هذه الانسان؟ حسب مت 18: 15- 17. تربية تدريجيّة: ينوَّر، ويُجعل أمام مسؤوليته حين يقسم الجماعة. إن عاند في ضلاله، نُبّه مرّة أخرى بشكل ملحّ مع بعض التهديد. فان رفض، جعله تيطس خارج الجماعة. في أي حال، هو نفسه ترك الطريق، طريق الايمان المسيحيّ الذي تعيشه الكنيسة. حرم نفسه قبل أن تحرمه الكنيسة، فصار بالنسبة إليها كالوثنيّ والعشّار.
وتنتهي الرسالة بتوصيات عمليّة. ذُكرت أسماء وأماكن. وذُكرت تفاصيل ترتبط بفصل الشتاء الذي صار قريبًا. سيأتي إليه تيطس، ويحلّ محلّه في كريت ارتيماس، أول أسقف في لسترة. أما زيناس وابلوس فقد حملا الرسالة. هما لن يطيلا الاقامة في كريت، ولهذا يحتاجان إلى الضروريّ لمواصلة السفر. والسلام الأخير: اخوتنا في الايمان، والذين ظلّوا على الأمانة مهما انتشرت التعاليم الضالّة في الجزيرة.
خاتمة
قدّمت الرسالة إلى تيطس أكثر من تعليم عقائديّ، كإسناد لحياة أخلاقيّة تكون نورًا للذين في خارج الكنيسة. فلا يبقى على تيطس سوى التمسّك بهذه التعاليم التي ترتبط بسرّ الخلاص، ولا سيّما بما فعله يسوع من أجلنا لكي يفتدينا من كل شرّ ويطهّرنا ويجعلنا له شعبًا خاصًا. كما يتمسّك بتلك التي تنطلق من المعموديّة التي بها اغتسلنا فوُلدنا ولادة ثانية، وبدأنا حياة جديدة يُنعشها الروح القدس. هكذا يكون المسحيون في كريت أبناء الايمان. وهكذا يكون تيطس، لأنه مؤمن بين المؤمنين. ولكن بما أنه مسؤول، فواجباته في الجماعة تتوسّع على مستوى العلاقات مع أصحاب الجدالات السخيفة، على مستوى الردّ على معلّمي الضلال، على مستوى تنظيم الأمور اليوميّة، على مستوى الاهتمام بالمرسلين وتأمين الضروري لهم، كما فعل غايس، تلميذ يوحنا الحبيب (3يو 5- 8). ويصل سلام المسيح من بولس إلى تيطس، ويحمله تيطس إلى جميع العائشين في المحبّة والايمان. وهكذا تكون النعمة معهم جميعًا. آمين.
خاتمة
تلك كانت الرسالة إلى تيطس. اعتبر التقليد القديم، حتى القرن التاسع عشر، أن بولس هو الذي دوّنها. كما اعتبر أن تيطس هو الذي تسلّمها، بعد أن أسّس مع بولس الكنيسة في جزيرة كريت. ولكنّ الشرّاح أخذوا يتّفقون على القول بأن هذه الرسالة جاءت متأخرة فلامست الكتابات الغنوصيّة التي دُوّنت في القرن الثاني المسيحي، كما لامست تأثير تاتيانس ورفضه لأسفار العهد القديم. وهكذا يمكن القول إن تيطس كان قد مات منذ زمن بعيد. ولكن الكاتب أخذ اسمه ليفهم المسؤولين في الكنيسة أهميّة التقليد الذي انتقل من الرسل إلى تلاميذهم، من بولس إلى تيموتاوس وتيطس، قبل أن يصل إلى المسؤولين الذين يرئسون الكنيسة ويحملون التعليم في نهاية القرن الأول. واستعارة اسم بولس أمر هام. فنحن في المدرسة البولسيّة التي أثّرت على الرسائل البولسيّة كلّها، بما فيها الرسالة إلى العبرانيين. بل أثرت على رسائل بطرس ويعقوب. فالتيّار البولسيّ كان له دور كبير في أسفار العهد الجديد، بما فيها أناجيل مرقس ومتّى ولوقا. وكان تجاه التيّار البولسيّ، التيّارُ اليوحناويّ الذي ترك لنا الانجيل الرابع ورسائل يوحنا الثلاث وسفر الرؤيا.
رسالة قدمناها في أربعة أقسام: بعد المدخل بما فيه من دراسة حول لاهوت تي، توقّفنا عند تنظيم الكنائس، ثم عند حياة المؤمنين. تجاه المعلّمين الكذبة، لا بدّ من إقامة شيوخ، من إقامة مسؤولين ورعاة يكونون على مثال الراعي الصالح. وتجاه العالم الوثني، لا بدّ من شهادة مسيحيّة يعيشها المؤمنون في الوضع الذي جعلهم الله فيه: سواء كانوا شيوخًا أم شبانًا، عجائز أم شابات، عبيدًا أم أسيادًا. فكل واحد منهم يمجّد الله بأعماله الصالحة، بحيث يمجّد الوثنيون الله، ويعظّمون في كل شيء تعاليم الله مخلّصنا (2: 10).
رسالة توقّفنا فيها عند محطّات مشتركة بين الرسائل الرعائيّة الثلاث مثل الكلام عن الرسول والرسالة، عن الخدم والشروط الضروريّة للدخول في الخدمة، عن الجماعة المسيحيّة وعيشها في عالم يعاديها، يستهزئ بها، وفي أي حال يطلب منها شهادة عن الرجاء الذي تعيشه. وأخيرًا عن النعمة التي أعطيت لجميع البشر، وهي تدعونا لكي "نمتنع عن الكفر وشهوات هذه الدنيا لنعيش بتعقّل وصلاح وتقوى في العالم الحاضر" (2: 12).
وكانت دراسة النصّ تحليلاً وتفسيرًا، بحيث ندخل إلى تعليم ما زالت الكنيسة تقدّمه لنا نحن الذين نعيش نهاية الأزمنة، نعيش زمن الكنيسة الممتدّ بين مجيء المسيح الأول ومجيئه الثاني. نعيش بين ظهورين. والقراءة الاجماليّة علّمتنا كيف يصبح النصّ كلامًا يوجّه الآن إلى كنائسنا. فكلمة الله حاضرة دائمة. توجّهت إلى مؤمنين في نهاية القرن الأول وبداية القرن الثاني. وهي تتوجّه إلينا في بداية الألف الثالث. وهي تدعونا لأن نجسّدها في تعليمنا، في تصرّفنا، في حياتنا، في ممارساتنا اليوميّة، مهما كانت الظروف التي نعيش فيها.
ذاك هو تفسير الرسالة إلى تيطس. ونرجو بعون الله أن يتبعه تفسير رسالتي بطرس والرسالة إلى رومة، بحيث نكون أكملنا جولتنا في جميع أسفار العهد الجديد. هذا ما نأمله من عونه تعالى.