رسائل القديس يوحنا

تقديم
"أحبب وافعل ما تشاء". هذا ما قاله أوغسطينس، أسقف هيبونة (عنابّة، الجزائر) في أفريقيا الشماليّة وهو يعظ في المؤمنين المعمّدين، خلال أسبوع الآلام من سنة 407. شرح رسالة يوحنا الأولى، وكان منشغلاً بهرطقة الدوناتيين التي قسمت كنيسة افريقيا خلال القرن الرابع، وشدّد على وحدة الايمان التي لا يمكن أن تكون حقيقيّة إلاّ إذا رافقت المحبّة مثل هذا الايمان.
كتب يوحنا ثلاث رسائل، فجاءت تلتقي في أكثر من نقطة مشتركة. تشير كلها إلى وضع من الصراع. جاءت الرسالة الثالثة بطاقة وجّهها الشيخ (وقد يكون يوحنا الرسول) إلى شخص محدّد فحدّثه عن أهميّة الضيافة بالنسبة إلى المرسلين المتجولين. أما الرسالة الثانية فتوجّهت إلى جماعة ترتبط بالشيخ، فحذّرها من خصم هو الانتيكرست، المناوئ للمسيح، المسيح الدجّال. وبدت الرسالة الأولى بشكل مقال هجوميّ يندّد بالخصوم، ويقدّم التعليم الحقّ. قالوا: هي عظة قبل أن تكون رسالة. سمعتها الجماعات اليوحناويّة العائشة في أزمة ايمانيّة خلال السنوات 90-95.
بدأت الجماعات اليوحناويّة في سورية. ثم امتدّت شيئًا فشيئًا فوصلت إلى آسية الصغرى بعاصمتها أفسس. ولا ننسى أن التقليد يجعل يوحنا الحبيب ينهي حياته في أفسس. عاشت هذه الجماعات من روحانيّة الانجيل الرابع الذي هو شهادة نقلها "المؤسّس" الذي هو "التلميذ" الذي كان يسوع "يحبّه". عادت هذه الجماعات إلى البدء، إلى بدء إعلان البشارة ومسيرة الايمان في هذا الجزء ممّا يُسمّى اليوم تركيا. وقدّمت كلامًا لاهوتيًا أرادت أن تعمّق فيه معرفتها للمسيح.
ولكن تنوّعت الجماعات، وتنوّعت التفاسير. راحت فئة في خطّ الانجيل فبدت أمينة للتعليم الذي وصل إليها منذ البدء، فاعتبرها كاتب الرسائل "في الحق" في خطّ من قال: أنا هو الطريق والحقّ والحياة. أما الفئة الثانية فارتبطت بتيّارات غنوصيّة سوف تتوضّح كتابة خلال القرن الثاني المسيحيّ. كتب "يوحنا" ليثبّت الأولى في الايمان الذي يعود إلى التقليد، وليفهم الثانية الضلال الذي تتخبّط فيه، وفي الوقت عينه تعتبر أنها في الحقّ. لهذا جاءت أقوال 1يو بشكل متوازٍ: إذا قلنا إننا نشاركه ونحن نسلك في الظلام كنّا كاذبين... أما إذا سرنا في النور... إذا زعمنا أننا بلا خطيئة خدعنا أنفسنا... أما إذا اعترفنا بخطايانا فهو أمين وعادل. وتتوالى الرسالة في شكل جدليّ، فتفضح الخصوم الذين هم أنبياء كذبة ومسحاء دجّالون. فأي توافق بين الحياة المسيحيّة والخطيئة؟ وما هي هذه المعرفة التي لا تصل بنا إلى المحبّة الأخويّة؟ وماذا يعني الايمان إن هو فصل الابن عن الآب، والمسيح عن يسوع، فاعتبر أن ابن الله لم يأت في الجسد. بل إن المسيح حلّ على يسوع في العماد وتركه قبل الصليب. وهكذا تنزّه الله في حياته مع البشر عن الألم والضعف والموت. وهكذا دخلنا في عالم من الهراطقة، بدأ مع الفلسفة اليونانيّة التي تعتبر المادة شرًا، وانتهى في هذا الشرق الذي أنكر أن يكون ابن الله صار بشرًا وسكن بيننا.
تلك هي أفكار تدخل إلى رسائل يوحنا الثلاث. ونحن بحاجة إلى قراءتها لأن مشاكلنا لا تختلف كثيرًا عن مشاكل الكنيسة في القرن الأول المسيحيّ. هكذا نعود إلى إيماننا بالله الآب والله الابن، بعلاقة محبتنا بالله مع محبتنا للقريب، بثقة تفهمنا أننا نغلب العالم بما يقدّم من شرور وشهوات "لأن الذي فينا أقوى من الذي في العالم"، لأن الله الذي معنا أقوى من إبليس الذي في العالم، وفي النهاية، لأن يسوع غلب العالم، ويدعونا لكي نشاركه في هذه الغلبة.
الفصل الأول
مدخل إلى الرسائل اليوحناويّة
1- الكاتب
هناك أسباب ثابة تدعونا إلى نسبة الرسائل الثلاث، المسمّاة الرسائل اليوحناويّة. إلى كاتب واحد. فالأزمة الروحيّة واللاهوتيّة التي كانت في أساس 1يو و2يو، هي التي نستشّفها في خلقيّة 3يو. ورغم اختلافات بسيطة على مستوى اللغة والاسلوب، نستطيع القول إن هذه الرسائل الثلاث طرحت من يد واحدة.
من هو كاتب هذه الرسائل؟ في 2يو 1 و3يو 1، يُسمّي نفسه "الشيخ". هذه التسمية تدلّ بلا شكّ على انتمائه إلى مجموعة تحدّث عنها بابياس، وايريناوس، واكلمنضوس الاسكندراني، فتألّفت من "تلاميذ الرب"، وشهود التقليد الرسوليّ. هذا ما يبرّر لهجة السلطة التي إليها يستند ليواجه كلامه إلى الكنائس، والطريقة التي بها يعود إلى شهادة شاهد عيان ومباشر حول شخص يسوع وعمله (1يو 1: 1- 3؛ 4: 1- 6).
ثم إن نسبة 1يو إلى كاتب يو، منذ القرن الثاني، تتأسّس على تشابهات أدبيّة لافتة: على مستوى الألفاظ والعبارات المميّزة، على مستوى المفاهيم والتعاليم اللاهوتيّة، نحسّ بقرابة بين الانجيل الرابع والرسائل، تتغلّب على الاختلافات. نحن لا ننكر هذه الاختلافات التي دفعت عددًا من الشرّاح المعاصرين إلى القول بأننا أمام أكثر من كاتب. غير أنها لا تتجاوز بعددها وطبيعتها اختلافات تُنسب إلى كاتب في مختلف مراحل حياته. ونحن نفهمها بالنظر إلى تنوّع الظروف والأهداف. يضاف إلى كل ذلك، بالنسبة إلى يو، ما قيل عن تأليف عرف أكثر من كاتب (خصوصًا ف 21).
إن الأصل اليوحناوي لرسالة يوحنا الأولى، أمر تشهد له الكنيسة، منذ القرن الثاني وهكذا نعود إلى صحّة الكتب اليونانيّة التي ترتبط بما يطرح حول الانجيل. فالشرّاح يعتبرون أن يو يو نتيجة صياغة طويلة ومتشعّبة، وشميلة أخير، لعناصر تعود إلى أكثر من حقبة ووضع تاريخيّ.
2- أزمة روحيّة في كنائس آسية
حين نحلّل رسائل يوحنا، ولا سيّما 1يو، نكتشف وجود أزمة أثّرت تأثيرًا بالغًا في الكنائس التي توجّهت إليها. فهناك عدد من المسيحيّين انفصلوا عن الجماعة (2: 19، خرجوا منّا وما كانوا منّا). قالوا إن الروح يحرّكهم (4: 1- 6) فنشروا تعليمًا يكتشف عن الايمان المسيحي في نقاط جوهريّة.
سمّاهم الكاتب أنبياء كذبة (4: 1)، كذّابين (2: 22)، مضلّلين (2يو 7)، يدفعهم روح الضلال (4: 6)، مسحاء دجّالين (انتيكرست، 2: 18- 22؛ 4: 3؛ 2يو 7). هم من العالم، لا من الله (4: 5- 6). ويتنافر تعليمهم مع تعليم المسيح (2يو 9) بحيث رأى فيه كاتب 1يو مجيء "الساعة الأخيرة" (2: 18).
المشكلة المطروحة هنا هي مشكلة أساسيّة: تشير إلى شركة الانسان بالله. فالمعلّمون الكذبة يعتبرون أنهم يستطيعون أن يبلغوا هذه الشركة بواسطة الغنوصيّة (هي معرفة باطنيّة لا تحتاج إلى التقليد المسيحي، كما لا تعتبر أي اعتبار للصليب كسبب الخلاص. المعرفة هي التي تعطي الخلاص). كيف تبدو الخطوط الكبرى لهذا التعليم؟
هناك ضلال أول على مستوى الكرستولوجيا، على مستوى التعليم عن يسوع المسيح. يرفضون مسيحانيّته. يُنكرون أن يسوع هو المسيح (2: 22- 23). يُنكرون بنوّته الالهيّة (4: 14- 15؛ 5: 5: آمن أن يسوع هو ابن الله). وهكذا يرفضون واقع التجسّد، الذي به اتخذ الله جسدًا، صار بشرًا من لحم ودم بحيث استطاع الناس أن يروه ويسمعوه ويلمسوه. فمجيء ابن الله في الجسد (في البشريّة، في لحم ودم)، والقيمة الغذائيّة لموته، وقوّة دمه الذي يطهّر البشريّة ويكفّر عن خطيئتها، كل هذا ليس بشيء بالنسبة إليهم. يقولون إنهم يعرفون الله (2: 4؛ 4: 8)، يحبّونه (4: 20)، ويعيشون في شركة معه (1: 6؛ 2: 6، 9)، دون الحاجة إلى مثل هذا الوسيط، يسوع المسيح.
وينضمّ إلى هذا الضلال تعليم ناقض على المستوى الأخلاقيّ. فإن 1يو لا تندّد بفلتانهم، ولكنها تورد مقالهم: يعتبرون نفوسهم بلا خطيئة (1: 8، 10)، لأنهم يتصلون اتصالاً رفيعًا بالروح (4: 1- 3). ويبدو أنهم أعلنوا على المستوى الاخلاقيّ نوعًا من اللامبالاة والاحتقار تجاه الوصايا (2: 4؛ 5: 2- 3)، ولا سيّما المحبّة الأخويّة (2: 9، 11؛ 3: 10، 14- 16؛ 4: 8، 20؛ 5: 2).
3- تعليم 1يو
أ- تعليم تسلمناه
أراد كاتب 1يو أن يعطي المؤمنين ثقة بالتعليم الذي تسلّموه منذ بدء حياتهم المسيحيّة وذكّرهم، ردًا على الدعاوة الضالة، أنهم يعيشون حقًا، منذ الآن، شركة مع الله، أنهم يعرفونه، يقيمون (يثبتون) فيه، أنهم يمتلكون الحياة الأبديّة، وذلك بإيمانهم بيسوع المسيح، ابن الله الوحيد، الذي سفك دمه لغفران خطايا العالم. ويعبّر الكاتب عن هدفه. بشكل واضح: "كتبت إليكم بهذا لتعرفوا أن لكم الحياة الأبديّة، أنتم الذين آمنتم إسم ابن الله" (5: 13). ثم إن لفظ "نعرف" الذي يتكرّر ثلاث مرات بعد ذلك. يسمعنا صوت النصر، نصر الايمان في يسوع المسيح. "نحن نعرف أن كل من وُلد من الله لا يخطأ... نحن نعرف أننا من الله... نحن نعرف أن ابن الله أعطانا الفهم لنعرف الحقّ (= الله). ونحن في الحق، في ابنه يسوع المسيح" (5: 18- 20).
ردّ يوحنا على أقوال كاذبة صدرت عن الذين تركوا الايمان، فسعى إلى تشجيع المسيحيين المؤمنيبن، وإلى توعيتهم لغنى روحيّ يتضمّنه الايمانُ الذي تسلّموه. في هذا المعنى نفسّر 2: 12- 14. لا نقول: "أكتب إليكم لأن الله غفر خطاياكم....". بل "أكتب إليكم، يا أبنائي الصغار، فخطاياكم غُفرت بفضل اسمه".
ب- التمييز الروحيّ
وتوخّى يوحنا أيضًا أن يعلّم المسيحيين المقياس الصادق للشركة مع الله، أو لمعرفة الله الحقة. وهكذا تبدو 1يو ممارسة التمييز الروحيّ.
فعبارات التمييز عديدة ولها معناها. "إن قلنا إننا في شركة مع الله ونحن نسلك في الظلام، نكون كاذبين" (1: 6؛ رج 1: 8، 10). "من قال: أنا أعرفه، ولا يحفظ وصاياه، فهو كاذب" (2: 4؛ رج آ 6، 9، 11). "من هو الكذّاب إلاّ الذي ينكر أن يسوع هو ابن الله" (5: 5)؟ تلك هي عبارة استفهام. وهناك عبارة تأكيد: "من أنكر الابن ليس له الآب" (2: 23؛ رج آ 29؛ 3: 6، 9، 15). وتتواتر العبارة التالية: "بهذا نعرف... تعرفون" (3: 2، 5، 14؛ 4: 2، 6). أخيرًا، هناك دعوة مباشرة لامتحان الأرواح "لتروا هل هي من الله" (4: 1- 6).
ويقدّم موضوعُ التمييز في أشكال متنوّعة. "شركة مع الله" (1: 6). "معرفة الله" (2: 3- 4، 14؛ 3: 6؛ 4: 7- 8). "نقيم (أو نثبت فيه) أي في الله" (2: 6؛ 4: 13). وهناك أيضًا: "نرى الله" (3: 6؛ 4: 12؛ 3 يو 11). "نكون في النور" (2: 9). "نُولد من الله" (2: 29؛ 3: 9- 10؛ 5: 1- 18). "نكون من الله" (5: 18؛ رج 4: 2- 3). ونمتلك (يكون لنا) الآب" (2: 23). "تحبّ الله (4: 20- 21؛ 5: 2). "نكون في الحقّ" أي في الله (5: 20). "نكون لنا الحياة" (5: 13). هذه التعابير المختلفة تشير إلى واقع واحد: المشاركة في حياة الله.
ج- مقاييس التمييز
يشكّل عرض المقاييس بنية الرسالة. من مقاييس على مستوى أخلاقيّ. يُقرّ الانسان أنه خاطئ. يعترف بخطيئته (1: 8- 10). يجعل ثقته في تشفّع المسيح الذي هو ذبيحة كفّارة من أجل خطايانا (2: 1- 2). يتجنّب الخطيئة (3: 6- 8). لا يتوافق مع العالم، لا يحبّه (2: 15). يحفظ الوصايا (2: 3- 5؛ 3: 24؛ 5: 2) يمارس البرّ (2: 29؛ 3: 10). إلى مقاييس على مستوى تعليمي. يثبت المؤمن في تعليم "سمعه منذ البدء" (2: 24)، أي منذ بدء حياته المسيحيّة (3: 11؛ رج 2يو 6). يسمع المنادين الحقيقيّين بالانجيل (4: 6) يؤمن ويعترف بأن يسوع هو المسيح ابن الله "الذي جاء في الجسد" (2: 23؛ 4: 2؛ 5: 1، 10).
إن تعداد هذه المقاييس لا يخضع لنظام دقيق. ولكننا نلاحظ أنها تظهر دومًا في الترتيب عينه: الخطيئة (5: 2؛ 2: 29 = 3: 10). الوصيّة (المحبّة الأخويّة (2: 3- 11؛ 3: 11- 24؛ 4: 7- 26). الايمان (2: 12- 28؛ 4: 1- 6؛ 5: 1- 12). إن كلاّ من هذه السلسلات التوازية (في الثالثة، لا نذكر الخطيئة كمقياس)، ترتبط بموضوع يطبع بطابعه جميع الأعضاء: الله نور (1: 5 = 2: 28). الله بار (2: 29 =4: 6). الله محبّة (4: 7؛ 5: 12). وهكذا تعود هذه المقاييس الأخلاقيّة والتعليميّة على التوالي، إلى هذه المقاييس الثلاثة، الله نور، الله بار، الله محبّة.
لا تسير الرسالة في شكل خط متواصل واستنتاجيّ، بل بشكل لولب صاعد يستعيد يوحنا عرضه ثلاث مرات، وفي كلّ مرّة على ضوء مبدأ جديد يرتفع في كل دفعة إلى مستوى أعلى يدرك قمّة يستحيل صعود جديد إلى ما وراءها: الله محبّة (4: 8- 16). وهكذا نسير المسيرة كلها: حياة في شركة مع الله، نعرفها بالنور الالهيّ الذي ولجها، بختم البرّ الإلهي الذي ختمها، بالمحبّة الالهيّة التي تُلهم أعمالها وتكوّنها.
هناك منطق أساسيّ يوجّه الفكرة. وهكذا يستحيل على المؤمن بشكل مباشر أن يعرف أنه يشارك (أو: لا يشارك) الله. فهذا الواقع هو في ذاته غير منظور. ونكتشف بشكل غير مباشر يتوافق (أو لا توافق) مع وحي الله عن نفسه في مبادرة عمله الخلاصيّ. عند هذا المستوى الرفيع ، يجعل يوحنا مبادئ التمييز الروحي. ونحن نعرف الشركة مع الله بسمات تميّز إله الوحي.
ووضع يوحنا هنا مبدأ جوهريًا: حين كشف الله عن نفسه، وهب الانسان مقاييس الخبرة الروحيّة الصحيحة. فالطريق تمرّ عبر يسوع "الذي جاء في الجسد" (4: 2). الذي جاء "بماء ودم" (5: 6). وتمرّ بطريق الوصايا الوضيع (5: 2- 4)، وممارسة المحبّة الأخويّة. أما ضلال المعلّمين الكذبة فيعود إلى صوفيّة كاذبة تجهل هذا المبدأ الأساسي.
هذا من جهة. ومن جهة ثانية، لا نعرف الوحي إلا بشهادة الذين نعموا به بشكل مباشر، واستُودعوه استيداعًا مسؤولاً فنثبت معهم. فتمييز تعليم حول الله وخبرة الشركة معه، يمرّان إذن في مشاركة مع شهود "كلمة الحياة" (1: 1). لهذا تبدأ الرسالة بداية احتفاليّة فتقول: "هذا الذي رأيناه وسمعناه نبشّركم به، لتشاركوا أنتم أيضًا معنا. وشركتنا هي شركة مع الآب ومع ابنه يسوع المسيح" (1: 3). والخضوع "للتعليم" (البلاغ) الرسولي (انغاليا، 1: 5؛ رج 3: 11) هو مقياس يدلّ على صدق الشركة مع الله. هذا ما يقوله يوحنا بشكل قاطع: "نحن من الله. فمن يعرف الله يسمع لنا. ومن ليس من الله لا يسمع لنا. بهذا نعرف روح الحقّ وروح الضلال" (4: 6).
سمِّيت 1يو "عودة إلى المعمودية". فيها يدعو يوحنا المؤمنين إلى أن يقتنعوا بمتانة التعليم الذين تقبّلوه في بداية تنشئتهم الروحيّة. وان هو كرّر "التعليم" فهذا لا يعني أنهم يجهلونه (2: 21). ولكنه توخّى أن يُبرز سماته الجوهريّة ويبيّن عمقه وشرعيّته. لقد أراد يوحنا أن يكشف (1: 5) للمسيحيين الكنز الذي تسلموه. ويريدهم أن يكشتفوه في الفقاهة الرسوليّة رغم الاعتبارات الكاذبة والساخرة التي يقدّمها المعلّمون الكذبة، أن يكتشفوا المعرفة الحقّة (2: 12- 14).
غير أن ما نلاحظ في رسالة تشدّد على الأمانة للتعليم الرسولي، هو أن الكاتب لا يحاذر الحسّ الباطنيّ (ما يعتقد الانسان في أعماقه). فعبارات يوحنا واضحة في هذا المجال. "لكم مسحة نلتموها من القدوس، وجميعكم تعرفون" (2: 20). "المسحة التي نلتموها منه تثبت فيكم، فلا تحتاجون إلى من يعلمكم" (2: 27). "نحن نعرف أن ابن الله جاء، فأعطانا العهد لنعرف (الاله) الحقّ" (5: 20). "المسحة التي نلتموها من القدوس" تدلّ على كلمة الله التي نالوها من المسيح. وإذا شُبهت بزيت المسحة، فتلميحًا إلى عمل الروح الذي يجعلها تلج قلب المؤمنين كمبدأ نور وحياة. فالتعليم الذي أعطته الكنيسة، وتسلّمه المؤمنون "من البدء"«، يبقى أساس كل شيء، ولا يعتبر على الاطلاق بدون فائدة. غير أن الرسالة تشدّد على العمل الذي تقوم به هذه الكلمة في قلب كل مؤمن، بفضل الروح. "فالبلاغ" (التعليم) الذي عليه تتأسّس الخبرة الروحيّة، ليس واقعًا ميتًا ومتحجرًا. بل هو يحيا في كل مسيحيّ، ويجعله شخصيًا في شركة مع الله.
ذاك هو المعنى الذي نعطيه لعبارات ذكرناها: "تعرفون كلكم" (2: 20). "تعرفون الحقّ" (2: 21). "ابن الله... أعطانا العهد" (5: 20). تدلّ هذه العبارة الأخيرة، على ملكة تُمنح للمسيحي فيعرف بها الله. هي تقابل: "القلب الجديد" "القلب من لحم"، (حز 11: 19؛ 36: 26)، "الضمير والقلب" (إر 31: 33). فالمسيحيون المؤمنون لا يتطلّعون بعين الحسد إلى الغنوصيين. ففيهم تتحقّق نبوءة العهد الجديد التي تعلن في الداخل معرفة الله لجميع أعضاء الشعب المختار "من صغيرهم إلى كبيرهم" (رج 2: 13- 14: الآباء، الشبّان).
4- نظرة مسيحيّة شاملة
تمثّل 1يو من وجهة الحياة المسيحيّة، مجهودًا للتركيز على الجوهر دون التعلّق بالامور الثانويّة. هذا ما يدلّ على أننا في وضع متأزّم لا يستطيع فيه المسيحيون أن يعيدوا التعبير عن التعليم الرسوليّ داخل عناصره الأساسيّة. هذا ما حاول يوحنا أن يقوم به، فقدّم نظرة مسيحيّة شاملة إلى كنائس آسية، وبالتالي إلى جميع الكنائس في كل زمان ومكان. قطع الطريق على كل معرفة سرابيّة (غنوصيّة)، فقدّم التعليم المسيحيّ في وحدة صارمة وفي بساطة ما بعدها بساطة. وترجع عناصر هذه الشميلة إلى ثلاثة أمور: لا توافق بين وضع المسيحيّ والخطيئة. المحافظة على وصيّة المحبّة الأخويّة. الايمان بالمسيح ابن الله المتجسّد، وهذا الايمان هو أساس كل شيء.
أ- المسيحيّ والخطيئة
إن التعليم المسيحيّ يبدو للوهلة الأولى متناقضًا. من جهة، نقرأ عددًا من العبارات تعلن أن من قال إنه بلا خطيئة (كما يقول الغنوصيون)، يجعل نفسه خارج طريق الحقّ (1: 8، 10). وإذ توجّه يوحنا مباشر إلى المسيحيين، أعلن: "أكتب إليكم لئلا تخطأوا. وإن خطئ أحد، قلنا شفيع أمام الآب، يسوع المسيح الذي هو بارّ" (2: 1). ومن جهة ثانية، كتب يوحنا عن المسيحيّ الذي هو "ابن الله" (3: 1): "كل من وُلد من الله لا يعمل الخطيئة... لا يستطيع أن يخطأ، لأنه مولود من الله" (3: 9). وهكذا أكّد يوحنا أن المسيحيّ لا يكمن أن يخطأ.
هناك تناقض، ولكنه تناقض ظاهر. ففي النصين الأولين، لا خطر يوحنا الضعف البشري. وفي النصّ الثالث، صوّر وضع ذاك الذي يستسلم له: مثل هذا الوضع يستبعد الخطيئة. بما أن المسيحيّ "ابن الله" فهو يحمل في داخله مبدأ مقاومة جذريّة للخطيئة. بعد هو انتصر عليها بفضل المسيح. وزرع الله (أي كلمته وتعليم الحقّ الذي ولده) يثبت (يقيم) فيه كمبدأ باطنيّ ناشط للتقديس. في هذا الوضع، لا يعود يخطأ. مثل هذه الكلمة هي تحديد لكائن المسيحيّ في كل صدقه.
ب- حفظ الوصايا والمحبّة الأخويّة
يُشرف على الرسالة مبدأ يقف في وجه اللامبالاة الخلقية: هو الرباط بين الشركة مع الله وحفظ الوصايا. وحده يعرف الله، يقيم فيه، يحبّه، ذاك الذي "يعمل بوصاياه" (2: 3- 4؛ 3: 22- 24؛ 5: 3)، يعمل بكلمته (2: 5). وبالنسبة إلى المسيحيين، ليست الوصايا قاعدة خارجيّة وُضعت في قوانين وشرائع: فالقاعدة الحيّة هي المسيح. من هنا كان القول الأساسيّ: "من يعتبر أنه يقيم فيه (في الله). عليك أن يسلك كما سلك هو (أي: كما سلك المسيح)" (2: 6). بهذا الاعلان أدخل يوحنا وصيّة المحبّة الأخويّة التي توجز سائر الوصايا، والتي فيها يعبّر حبّ الله عن نفسه (3: 23؛ يو 5- 6). وقدّم يوحنا ثلاث محطات في هذه المحبّة (اغابي) الاخوية.
أولاً: وصيّة المحبّة نور (2: 7- 11)
قُدِّمت وصيّة المحبّة على أنها "وصيّة قديمة"، لأنها تقابل "تجديدات" الهراطقة، فتعود إلى الاعلان الأول للانجيل، كما تعود، بالنسبة إلى المؤمنين، إلى بداية حياتهم المسيحيّة (2: 7؛ 3: 11). ومع ذلك، هي وصيّة "جديدة"، لأنها مؤسَّسة على موت المسيح (رج 3: 16؛ يو 13: 1). وهي ختم حقبة جديدة في التاريخ الخلاص. هي امتداد للشريعة القديمة وتجاوز لها، هي وصيّة المحبّة في يسوع المسيح، التي أثبتتها الجماعة المسيحيّة. هي "النور الحقيقي" (2: 8) الذي يجعل واقع العالم الاسكاتولوجيّ الآني، حاضرًا منذ الآن وسط البشر. أما البغض (والكره) فظلمة (2: 9، 11).
ثانيًا: المحبّة الأخويّة "تعليم" حياة (3: 11، 24)
هذه المحبّة هي العلامة التي تميّز "أبناء الله" (3: 1- 2، 10). هنا يعبّر النصّ عن الفريضة في ألفاظ استعملها يسوع في خطبة الوداع في انجيل يوحنا: "علينا أن نحبّ بعضنا بعضًا" (3: 23). فالمحبّة المسيحيّة هي تبادل وتقابل. إنها تخلق الجماعة، وتعارض البغض الذي يحمل الدمار. "كل من يبغض أخاه هو قاتل" (3: 15). أما المحبّة الأخويّة "فتنقلنا من الموت إلى الحياة" (3: 14). يرتبط الحبّ بالحياة كما يرتبط بالنور.
هنا نلاحظ واقعيّة يوحنا. إذا كان الحبّ صادقًا، يجب أن يترجم "في العمل". لا يكتفي بأن يكون على مستوى "الكلام والللسان" (3: 18). فعلى المسيحي أن يقتدي بيسوع "فيعطي حياته من أجل إخوته" (3: 16). وكل يوم يحمل إلى المحبّة الأخويّة مناسبة للتعبير عن الذات، في التشارك في الخبرات، في رحمة تصبح فاعلة. وفي مساعدة متبادلة (3: 17): "من كانت له خيرات العالم ورأى أخاه محتاجًا فأغلق قلبه عنه، فكيف تثبت محبّة الله فيه".
ثالثًا: المحبّة واقع إلهيّ (4: 7- 21)
"المحبّة من الله، وكل محبّ هو مولود من الله ويعرف الله" (4: 7). هذا الكلام يؤسّس التحريض الأخير على المحبّة: "الله محبّة" (4: 8، 16). لا نستطيع أن نعرف الله ونكون في شركة معه من دون محبّة.
هذه العبارة الشهيرة ليست تحديدًا مجرّدًا للجوهر الالهيّ، بل هي تتركّز على وحي كشف فيه الله عن نفسه في يسوع. كشف عن نفسه في فعل محبّة يعبّر عمّا هو: إنه إله يحبّ، وحياته وكيانه هما الحبّ. وحين أرسل ابنه "ذبيحة كفّارة عن خطايانا" (4: 10)، دلّ على هذه المحبّة فجعلها حاضرة بيننا (4: 26) بحيث نحيا منها. وأبرز يوحنا مجانيّة هذا الحبّ وسموّه. ما اكتفى بأن يعلن أولويّته بالنسبة إلى حبّ آخر، بل أكدّ على أولويّته المطلقة. ما من حبّ يسبقه. ونحن لن نستطيع أن نحبّ أبدًا إلاّ بقوّة هذا الحبّ الأول، الحاضر فينا والفاعل. ووجود المحبّة في الانسان، علامة على أنه "وُلد من الله"، على أنه "ابن الله". الله يقيم فيه ويعمل فيه. بل نستطيع أن نقول: إنه مولود حقًا لله بفضل هذا الحبّ. أدخل في حياة الله الحميمة. عاش في سرّ الله، في شركة حيّة معه. اكتشف الله وعرفه (4: 8).
من هذا العرض نستخلص فكرة هامّة. ردّ يوحنا على ضلالة تقول إنه المحبّة (لله وللأخوة) هي في حدّ ذاتها، في متناول الانسان. هي "عاطفة طبيعيّة" تنبع طوعًا من عمق الانسان. ثم أبرز الأصل الإلهي، وطابع هذه المحبّة، وعجزْ الانسان عن إدراكها بقواه الخاصّة. ووجب على الله أن يأتي إلى عونه: هو ما اكتفى بأن يكشف له الحبّ، بل فجّر ينبوع الحبّ في قلبه. "فالمحبّة هي من الله" (4: 7).
ج- الايمان بالمسيح ابن الله الذي جاء في الجسد
الضلالة التي يحاربها يوحنا هي قبل كل شيء ضلالة تعليميّة. فالتلميحات التي تجدها في الرسالة تدلّ على أن المعلّمين الكذّابين رفضوا أن ينسبوا إلى يسوع أي دور في الرسالة مع الله. فصلوا المسيح الذي هو كائن سماويّ ومجيد عن يسوع الانسان الذي عاش ومات من أجلنا. وهذا يعني، على المستوى العمليّ، انكار التجسّد (اتخذ يسوع جسداً) على المستوى التعليميّ وتجاهل مدلوله على المستوى الروحيّ. ردّ يوحنا على هذا الضلال، فاعترف بقوّة الايمان بهذا الانسان الذي هو يسوع، ابن الله المتجسّد، الذي مات كذبيحة كفّارة عن خطيئة العالم، الذي هو شفيعنا لدى الآب (2: 1- 2)، الذي فيه تجلّت الحياة (1: 2)، وتجلّى حبّ الله من أجلنا. هذا الايمان هو العمود الذي يحمل البناء المسيحيّ كله. فإن مسسناه، سقط كل شيء ودمّر. فتصبح "معرفة الله" سرابًا، وتنحلّ الجماعة الأخوية، جماعة "أبناء الله". هذا الايمان هو المبدأ الأساسيّ والمقياس لتمييز الأرواح. "بهذا تعرفون روح الله: كل روح يعترف بيسوع المسيح الذي جاء في الجسد، هو من الله. وكل روح يقسم يسوع ليس من الله" (4: 2- 3). إن أقوال يوحنا جاءت قاطعة: "أعطانا الله الحياة الأبديّة، وهذه الحياة هي في ابنه. من له الابن له الحياة. ومن ليس له ابن ليست له الحياة" (5: 11- 12).
وشدّد يوحنا بقوّة أيضًا على بشريّة يسوع التاريخيّة في واقعها الملموس، كما أعطي للشهود الأولين أن يروها ويسمعوها ويلمسوها (1: 1). وقدّم نفسه كفيلاً لملء الحياة الالهيّة التي مُنحت للبشر بواسطة بشريّة يسوع. كما أعلن انتصار الايمان بيسوع ابن الله الذي جاء "بالدم والماء، بيسوع المسيح". وشدّد: "ما جاء بالماء فقط، بل بالماء والدم" (5: 6). يرتبط الماء بالمعمودية. والدم بواقع ذبيحة المسيح الدموميّة على الصليب. وليقل المعلّمون الكذبة ما يريدون: إن الروح يشهد للمدلول الالهي لهذا الموت ولبعده الخلاصيّ، فيحرّك الايمان في قلب المسيحيين.
ويطبّق يوحنا، في الآيات اللاحقة، الصورة عينها على شهادة متواصلة للأسرار والروح، في الكنيسة: "والذين يشهدون هم ثلاثة. الروح والماء والدم" (5: 7، 8) فالحياة الالهية التي أعطاها للبشر الانسانُ يسوع بوجوده التاريخيّ وموته، ما زالت تُعطى بواسطة هذين الشاهدين الوضيعين للتجسّد، الماء والدم، المعمودية والافخارستيا، وينضمّ إليها الروح القدس.
خاتمة
إن تعليم 1يو يلتقي في جوهره مع تعليم الانجيل. وهناك آية تجمله أكمل إجمال: "نحن نعرف محبّة الله لنا ونؤمن بها. الله محبّة" (4: 16). فبفضل هذا الايمان الذي هو عمل الروح، عرف المسيحيّون الحبّ الذي هو ينبوع كل حبّ، الذي تجلّى في يسوع المسيح إبن الله المتجسّد والمرسل من لدن الآب. هم يؤمنون ويعرفون أن الحب هو بداية ونهاية كل شيء، لأن الله "محبّة". فلا نبحث عن طريق خلاص أخرى إلاّ هذا الايمان بالحبّ: "من أقام في المحبّة أقام في الله وأقام الله فيه". ونحن لا نثبت في الحبّ، إلاّ إذا عشناه عملاً يوميًا في المحبّة الأخويّة، "فنسير كما سار يسوع" (2: 6).
الذي كان من البدء
1: 1- 4
ونبدأ في البدء، في بداية تعود بنا إلى ما قبل التاريخ في خطّ مطلع الانجيل الرابع (يو 1: 1). عندها يكون الحديث عن المسيح. أو في بداية الكرازة بالانجيل. عندها يعود القارئ إلى التعليم المسيحي كما برز في أصوله. يعود إلى تعليم يسوع بما فيه من قديم وجديد.
آيات أربع تكوّن وحدة تامة. وتُشرف عليها عودة إلى ماض يرتبط بشهادة حاضرة وإعلان. استند الكاتب إلى ما كان، إلى ما سمع مع آخرين، إلى ما تجلّى من حياة الله في العالم. وبما أنه رأى وسمع، يحقّ له أن يتدخّل في حياة قرّائه، ليحمل إليهم البشارة، ويشدّد على الشركة التي تجمعهم به جمعًا يصل إلى الآب والابن.
1- دراسة كتابيّة
نتوقّف عند هذه الآيات الاربع: يسوع المسيح ابن الله. الحياة تجلّت. شركاء معنا. فرحنا كامل.
أ- يسوع المسيح ابن الله (1: 1)
دخل الكاتب منذ الآية الاولى في قلب الموضوع. هو ما قدّم نفسه. ولا أرسل تحيّته إلى جماعة يكتب إليها. وبما أن الخاتمة تنتهي فجأة دون السلامات المعهودة، اعتبر عدد من الشرّاح أن 1يو كرازة أو مقال لاهوتيّ. ولكن يبقى أن التقليد اعتبرها رسالة، ولهذا الاعتبار أسبابه. فمن الواضح أن هذا المقال يشير إلى وضع محدّد، كما يتوجّه إلى جماعة معروفة بدأ أساس الحياة المسيحيّة يتزعزع عندها. ولكننا لا نعرف اسم المرسل واسم المرسل إليه.
إذن، لم نجد في بداية هذا المقال ما يميّز الرسالة، كما هو الأمر في 2 يو و3يو. أراد الكاتب أن يتوجّه إلى مجموعة خاصة من القرّاء. وقد نستطيع أن نتعرّف إليه، لا سيّما وأنه ذاك الذي كتب 2 يو و3يو.
تتركّز الرسالة منذ البداية على شخص يسوع المسيح، ابن الله. لا يعود بنا الكاتب إلى فكرة مجرّدة، ولا إلى مبدأ إلهيّ، ولا إلى مخيّلة بشريّة. بل هو يعود بنا إلى كائن ملموس، كائن عاش انسانًا كسائر الناس. عاش وسط الناس. وتكلّم لغة الناس. والكاتب يعلن أنه التقى بذاك الانسان.
يبدأ كلام يوحنا (صاحب الرسالة) في شكل رفيع وصعب حقًا. ففي الأصل اليوناني، تؤلّف الآيات الثلاث الأولى مع نصف الآية الرابعة جملة واحدة. في جملة عاديّة، نجد الفاعل، ثم الفعل، وأخيرًا المفعول. هنا جعل الكاتب المفعول في البداية لكي يُبرزه. وجهلنا ننتظر الفاعل والفعل (نبشّركم). ويبدو المفعول في توازيات مع اسم الموصول، ويمتدّ في معترضة (آ 2) تصوّر أحد عناصر المفعول وفي النهاية، يكرّر يوحنا في آ 3 ما قاله في آ 1 قبل أن يصل إلى الفعل الرئيسي: نبشّركم.
والنتيجة هي أن هذه الافتتاحيّة دلّت على ذاك الذي أعلن وبُشِّر به، لا على نشاط ذاك الذي يبشّر. فقد توخّى الكاتب أن يذكّر قرّاءه بطابع التعليم المسيحي قبل أن يحدّثهم عن عمل البشارة.
فما هو هذا الموضوع؟ "ذاك الذي كان من البدء". نحن هنا في عودة إلى تك 1: 1 (في البدء خلق الله) ويو 1: 1 (في البدء كان الكلمة). سوف يذكر الكاتب في آ 3 "الكلمة" (لوغوس). غير أن الكاتب يسارع في تصويره كشخص سمعه هو وآخرون. هذا يعني أن "كلمة الحياة" هي منذ البدء مع الله، وأنها جاءت إلى البشر فسمعوها ورأوها. إن البلاغ الالهي وصل إلى البشر فاستطاعوا أن يسمعوه.
ويخطو الكاتب خطوة ثانية. فيضيف: "رأيناه بعيوننا". ما هذا البلاغ الذي نراه؟ وسوف يقول إنه لمسه بيديه. إذن، نحن ننتقل من كلمة سمعناها إلى من هو الكلمة يسوع المسيح. ومن بلاغ وصل إلينا إلى شخص حيّ هو الرب يسوع. تطلّع الكاتب إلى تعليم هو اعلان يسمعه البشر. وقد حُمل إل قرّائه فنعموا ببركاته بعد أن تقبّلوه. هذا التعليم بشَّر به يسوع نفسه. هذا من جهة. ومن جهة ثانية، يصوَّر يسوع نفسه على أنه الكلمة الذي لدى الآب (يو 1: 1). فالتعليم يُصبح فيه شخصًا ملموسًا. فيسوع هو في الوقت عينه المنادي ببلاغ الله، وهو هذا البلاغ. قال بولس: "ننادي بالمسيح" (1كور 1: 23؛ رج 2كور 4: 5). فدلّ على أن التعليم يتماهى مع الشخص. وقالت عب 1: 1- 2: "كلّم الله آباءنا... بلسان الأنبياء... ولكنه في هذه الأيام الأخيرة كلّمنا بابنه...". وهكذا أبرز كاتب 1يو التماهي بين التعليم المسيحي ويسوع. اتّخذ التعليم سمة شخصيّة في شخص (في انسان) نستطيع أن نسمعه ونراه ونلمسه.
انتظرنا الفعل. ولكن ها إن الكاتب يُقحم عبارة سوف يتوسّع فيها في آ 2. "من كلمة الحياة". في شأن كلمة الحياة. قد تعود العبارة إلى ما قبل. ما رآه الكاتب وسمعه يعود إلى كلمة الحياة. وهذا ما ننادي به. وهناك رأي آخر يعتبر أننا أمام مفعول آخر لفعل نادى، بشّر. ولكننا نأخذ بالخيار الأول.
لفظ "الحياة" يدلّ على خبرة روحيّة هي موضوع شوق روحي. والله هو الذي يعطيها. فالكاتب يرى أن الانسان العادي يمتلك حياة الجسد، ولكن تنقصه حياة النفس. فمن الوجهة الروحيّة هو مائت (3: 14؛ يو 5: 24). أما يسوع فهو ينبوع الحياة الروحيّة. والذين يؤمنون به يمرّون في خبرة روحيّة تشبه ولادة الانسان الذي ينال عطيّة الحياة (يو 3: 16). توصف هذه الحياة مرارًا بأنها "أبديّة". ولكننا أمام صفة هي في صلب مضمون اللفظة. فالحياة الروحيّة التي فيها يدخل المؤمنون تدوم إلى الأبد، شأنها شأن حياة الله (لو 20: 36).
"كلمة الحياة" تعني البلاغ الذي ينقل هذه الحياة إلى البشر، أو يحدّثهم عنها (أع 5: 20؛ فل 2: 16). وهكذا تكون الجملة وصفًا للتعليم المسيحي الذي ينادي به الكاتب ومعاونوه. ولكن إن عدنا إلى يو 1: 4 نفهم أن "فيه في (في الكلمة) كانت الحياة. وفي يو 11: 25؛ 14: 6 يقول يسوع عن نفسيه إنه الحياة. أجل، يسوع الكلمة هو ينبوع الحياة الأبديّة وجوهرها.
ب- الحياة تجلّت (1: 2)
نجد في آ 2 فكرتين حول الحياة الأبديّة: كما وُجدت لدى الآب، وكما تجلّت في العالم. ما يعلنه النصّ هو حياة لا حدود لها. هي حياة لا تختلف عن الله ذاته، وقد أعطت حياة لمن كان بلا حياة وبلا نور. أما الجديد، فليس هذا الحضور اللامنظور. بل هو أن الحياة الأبديّة تجلّت في الانسان يسوع. فإليه نوجّه أنظارنا ونرفع أيدينا. وتجلّي الحياة الأبديّة هذا صار حدثًا ملموسًا في حياة الانسان. هو حدث فريد يرتبط بالله في بعده الباطني، ويرتبط بالانسان في بُعده المنظور.
فمع أن البلاغ المسيحي هو الوسيلة التي بها تصل الحياة الأبديّة، اهتمّ الكاتب بأن يوضح، بوجه كل الضلالات، أن الحياة التي يشهد لها، قد كشفها الله بواسطة انسان من التاريخ هو يسوع المسيح. لهذا، أقحم هنا معترضة قطعت مسيرة تفكيره: إن الحياة التي يعطيها الله للبشر، قد أوحي بها في التاريخ، في يسوع. بل هي تتماهى مع يسوع، فاستطاع الكاتب أن يقول إنه رآها. لهذا، اعتبر أنه يقدر أن يشهد لها. أن يقدّم شهادة شخصيّة عمّا رآه واختبره. وهكذا صارت مناداته بالبشارة فعل شهادة.
غير أن يوحنا لا يشدّد على اعلان البشارة كعمل يقوم به، بل على الواقع التاريخيّ الذي يشهد له. يقول: هي الحياة الأبديّة الذي كانت مع الآب، ثم ظهرت لنا. اللغة المستعملة هنا هي التي استُعملت في الكلام عن الكلمة (لوغوس) الذي كان مع الآب منذ البدء (يو 1: 2)، إن تجلّي الحياة الأبديّة في شخص تاريخي، هو يسوع المسيح، مهمّ كل الاهميّة للكاتب ولقرّائه.
لا نستطيع بقدرتنا أن نجعل اللامنظور منظورًا، واللامسموع مسموعًا. لا نستطيع سوى أن نتوجّه إلى ذاك الموضع حيث تُسمع كلمة الله في كل مداها، فتخلق شركة بين الله والانسان، كما بين جميع الذين بلغوا إلى الايمان بالمسيح الذي هو الطريق الذي يقود الانسان إلى الله، والله إلى الانسان.
ج- شركاء معنا (1: 3)
حين كتب يوحنا فكّر في هذه الشركة بين البشر، الذي هو جزء منها مع قرّائه. ونحن نجد جذور هذه الشركة في شركة مع الله والمسيح. في شركة الثالوث كما تنعكس في العالم المنظور. فالانسان، في علاقته بالله، ليس وحده. فهو يعيش هذه العلاقة مع أناس آخرين. والله ليس وحده في علاقته بالانسان. فهو يعيش هذه العلاقة بواسطة المسيح. فالوحدة بين الآب والابن تؤسّس الشركة المسيحية، وتعكس شركة الله مع البشر.
في آ 3، تنتهي المعترضة (آ 2)، فيستعيد الكاتب ما قاله في آ 1: "ما رأيناه، ما سمعناه". وفي النهاية، يصل إلى الفعل الرئيسي. إن فعل "ابانغالوماي" قد استعمل في آ 2 (نبشّركم بالحياة)، وكأنه يهيئنا لما نقرأه في آ 3. أعلن الكاتب بهذا الفعل أنه يشاركهم في التعليم الذي ناله، بحيث يكونون شركاءه. نعمَ المؤمنون بالشركة، بعضهم مع بعض. ونعموا بشكل خاص بالشركة مع الآب والابن. ونتيجة شركة القرّاء مع يوحنا، هي شركة مع الآب والابن. فإذا أردنا أن ننطلق في معالم اللاهوت، نقول ما قاله قبريانس، اسقف قرطاجة: "ولا يستطيع أحد أن يقول إن الله أبوه إن لم تكن الكنيسة أمّه". المشاركة مع الله هي ينبوع كل مشاركة. والمشاركة مع الأخوة تدلّ على صدق مشاركتنا مع الله. هنا نتذكّر ما سوف تقوله 1يو عن محبّة الله وعلاقتها بمحبّة القريب (4: 20- 21).
المشاركة (في اليونانيّة: كوينونيا). هناك شيء مشترك بين اثنين. الامثلة عديدة. تشارك يعقوب ويوحنا مع سمعان بطرس في العيد (لو 5: 10). وتشارك بولس وتيطس في الايمان الواحد (تي 1: 4؛ رج يهو 3). والمؤمنون يتشاركون في نعمة الله (فل 1: 7)، في يسوع المسيح (1كور 1: 9)، في المواهب الروحيّة (روم 15: 27). ونكتشف وجهتين كنتيجة لهذه المشاركة. هناك عنصر مشاركة في موهبة روحيّة أو خدمة مسيحيّة. وهناك عنصر اتحاد مع مؤمنين آخرين كنتيجة التشارك في امتياز روحيّ أو نشاط رسوليّ.
لقد أراد الكاتب من خلال هذه الآية (آ 3) أن يعرّف قرّاءه بالتعليم بحيث يقبلونه فيصيرون شركاءه وينضمّون إلى محبّة المسيح التي توحّد أولئك الذين يتشاركون في الايمان بالمسيح. ولا ننسى أن مشاركتنا مع الابن تعني مشاركتنا مع الآب، لأن الآب والابن واحد.
د- فرحنا كامل (1: 4)
إن عرف قرّاء الرسالة هذه الشركة بين الله والمسيح، ثم بين الاخوة، يكون فرح الرسول كاملاً. وهذا الفرح يكتمل في فرح الذين ساروا في طريق الايمان الذي سار فيه الكاتب. فكلهم نعموا معًا بالحياة الأبديّة. فماذا ينتظرون بعد ذلك؟
شدّدت آ 3 على هدف الكاتب حين قدّم البلاغ المسيحيّ. وهو الآن يضيف أمرًا واحدًا. لقد كتب رسالته من أجل الفرح الذي ينعم به المؤمنين. هنا نجد اختلافات نصوصيّة. فبدلاً من ضمير المتكلم الجمع (نحن، فرحنا نحن) كما في الاسكندراني والفاتيكاني والسينائي، نجد ضمير المخاطب الجمع (أنتم، فرحكم أنتم) الذي يعتبره الشرّاح تصحيحًا للأصل. رج يو 16: 27 مع صيغة المخاطب الجمع: "أطلبوا تنالوا فيكون فرحكم كاملاً". هنا نلاحظ قلب الراعي الذي لا يمكن أن يكون سعيدًا ما دام الذي يسأل عنهم لم يختبروا ملء بركات الانجيل.
هـ- تساؤلات
أترى يوحنا كتب 1 يو إلى أشخاص غير مؤمنين؟ كلا. بلا هو كتب إلى مؤمنين، كما في 5: 13: "أكتب إليكم بهذا لتعرفوا أن الحياة الأبديّة لكم، أنتم الذين تؤمنون باسم ابن الله". إذن، ما توخّاه هو أن لا يبتعدوا عن الايمان المسيحيّ. فهو قلق حول وضعهم الروحيّ لا سيّما وأن بعض الأعضاء تركوا الكنيسة فدلّوا أنهم لم ينتموا إليها حقًا. لقد خاف الرسول على مؤمنين فاترين، أن يتركوا الكنيسة، وآخرين أن ينقادوا لتعاليم ضالّة تقطعهم من الشركة الحقيقيّة مع الله. وهكذا نستطيع أن نفسّر آ 3 كتعبير عن فهم الايمان المسيحيّ، بحيث يعرف القرّاء وضعهم ومدى مشاركتهم معه على أساس قبول التعليم الواحد. هو متأكّد أن ما يقوله هو التعليم الحقّ. فمن قلبه كانت له شركة حقّة في الكنيسة، وبالتالي اتحاد مع الله بواسطة يسوع المسيح.
إن طبيعة فهم الكاتب للبلاغ المسيحي ظاهر منذ 1: 1- 4، وهو سيتوضّح فيما بعد. فقد أعلن هو والفريق أنهم شركاء مع الآب وابنه يسوع المسيح. ففي طريقة أو أخرى، أعلن المعارضون أنه بالامكان نوال الحياة والشركة مع الله، دون ن يكون ليسوع أي دور في ذلك. فأبرز يوحنا هذه الشراكة مع الآب والابن، وسوف يوضح فيما بعد أن لا أحد يستطيع أن ينعم بهذه الشركة دون علاقة بالمسيح (2: 23). وفي الوقت عينه. شدّد على أننا لا نجد الحياة الأبديّة إلاّ في يسوع: هو حياة الله التي هي مع الله في البدء. وفيه كشف الله حياته. فمضمون البشارة هو يسوع كلمة الحياة.
ولكن ما يشدّد عليه الكاتب بشكل خاص هو أن بعض الناس يستطيعون أن يشهدوا لهذه الأمور، لأنه كانت لهم خبرة شخصيّة مع يسوع. سمعوه، رأوه، بل لمسوه، ورأوا فيه تجسّد الحياة الالهيّة. لقد شاركهم الكاتب. لهذا تحدّث في صيغة المتكلّم الجمع (نحن) فانضمّ إلى الآخرين الذين يعلنون أنهم كانوا شهودًا لحياة يسوع على الأرض.
غير أن هذا التفسير طرح سؤالاً: ففي 4: 14 قال: "نحن رأيناه ونشهد أن الآب أرسل ابنه مخلصًا للعالم". فصيغة "نحن" تعود إلى المسيحيين بشكل عام كما في الآية السابقة (آ 13). لهذا، قد لا يكون الكاتب رأى يسوع وسمعه. فهو يعود إلى حدث مجيء يسوع وتحقيق هذا الحدث في الكنيسة: فخبرة الكنيسة للخلاص بيسوع هي موضوع الشهادة. هذه فرضيّة. وهناك فرضيّة أخرى تقول إن الكاتب انضمّ إلى المسيحيين الأولين فبدا وكأنه شاهد لأنه شارك في خبرة الكنيسة ولكننا نرفض هاتين الفرضيتين. فالكاتب يقف في مجموعة الشهود، وشهادة حقّة. فلو كانت "كاذبة" لما صدّقه القرّاء، ولما كان لتعليمه قوّة.
وأبرز يوحنا خطرين يواجهان الكنيسة. الأول يعلن أن الشركة تقوم من دون أساس الايمان المشترك بالمسيح. فماذا يعني اجتماع المسيحيّين من دون المسيح؟ فلا شركة بين المؤمنين بالمسيح واللامؤمنين. والخطر الثاني يعلن أننا نشارك الله، وفي الوقت ذاته "نرذل" الابن كالطريق والحقّ والحياة. أما الرسالة فتوضح: لا نعرف الآب إلاّ بالابن. فلا اسم آخر به نخلص.
3- قراءة لاهوتيّة وروحيّة
الذي كان من البدء... يعود الانسان إلى الوراء، ويتوقّف في نقطة من التاريخ تبدو له حاسمة، بل تبدو للآخرين أيضًا. فالجميع مدعوون لكي يكتشفوا في هذه اللحظة من التاريخ بداية وجدد جديد. إذن، هكذا بدأ كل شيء. وقد بدأ حين تجلّت الحياة، تلك الحياة التي كانت لدى الآب وجاءت إلى البشر. تراءت لهم فرأوها. تكلّمت إلى البشر فسمعوها. انكشفت للبشر فشاهدوها. عاشت مع البشر فلمسوها. وعملت عملها من أجل هؤلاء البشر. فامتلأوا ممّا رأوا وسمعوا، ونقلوا إلى الآخرين هذا الخبر الطيّب والعجيب. وهذه الحياة التي كانت لدى الآب، وتجلّت للبشر، هي ابنة يسوع المسيح. وفي النهاية، ينزع يوحنا الستار عن كل التردّدات: البداية هي في يسوع المسيح. يسوع المسيح هو البداية.
يسوع المسيح هو البداية بالنسبة إلى العالم. ومجيئه يدلّ وكأن العالم خُلق من جديد. ما حصل مع يسوع المسيح يتوازى مع ما حصل في الخلق. ويسوع المسيح هو البداية بالنسبة إلى البشريّة. فهو يقدّم لها مناسبة لانطلاقة جديدة تصل بالتأكيد إلى هدفها. وما يصحّ بالنسبة إلى البشريّة، يصحّ بالنسبة إليّ في حياتي الفرديّة الحميمة. فحياتي لا تبدأ يوم ولادتي، بل يوم عمادي. فمنذ ذلك اليوم، بدأت أنعم بتجلّي الحياة التي هي يسوع المسيح. أخذني على عاتقه. اقترب مني. نقلني من الظلمة إلى النور العجيب. جعلني في جسده، فعبرت من الموت إلى الحياة. وهكذا عرفت من أنا: أنا الله. وعرفت لماذا أحيا. أنا أحيا لله. وعرفت إلى أين أتجه. إلى الله.
بما أن يسوع هو البداية، فلا نبحث عن بداية أخرى. فهذا هو مصيرنا. والمسيح الذي هو البداية هو الذي كان لدى الآب وتجلّى لنا. فالحياة التي كانت لدى الآب هي بقربنا، هي معنا. حياة حقة. جسد حقيقي. بشر يشارك البشر في كل شيء ما عدا الخطيئة. لهذا، فعمل الخلاص كله يرتبط ارتباطًا كليًا ببشريّة المسيح. لهذا نهتمّ بسماع شهادة الذين رأوا يسوع وسمعوه وشاهدوه ولمسوه. فبهم نصل إلى الجسد الذي صار حياة، إلى يسوع الاله الانسان.
الله نور
1: 5- 10
ظنّ بعضهم أن آ 5 - 10 جزء من مطلع الرسالة (آ 1- 4)، لأننا نجد فيها ذات المواضيع: المناداة بما سمعنا (آ 5). الشركة مع يسوع ومع بعضنا بعضًا (آ 6- 7). الكلمة، كلمة يسوع أو كلمة الله (آ 10). في الواقع، تبدو هذه الآيات مستقلة. وهي تتّخذ منحى هجوميّاً. وتبدأ فتقول لنا: الله نور. ولكنها لا توضح ما يعنيه هذا اللفظ. ثم نقرأ ثلاثة تحذيرات: من الذين يعتبرون أنهم في شركة مع الله ويسيرون في الظلمة (آ 6- 7). من الذين يزعمون أنهم بلا خطيئة (آ 8- 9). من الذين يقولون: ما خطئنا (آ 10). يقولون (آيبومان). يزعمون. يعلّمون. لا يحاول الكاتب أن يصحّح سلوكهم وما فيه من ضلال، بل يكشف ما في كلامهم من كذب (آ 8).
1- دراسة كتابيّة
النور والظلمة. إذا قلنا. دمه يطهّرنا. طريق مسدودة. غفران الخطايا. تلك هي المواضيع التي نقرأها في 1: 5- 10.
أ- النور والظلمة (1: 5)
ليس تعليم يوحنا بالتعليم الجديد. فهو يأتي من يسوع نفسه، ويعلن أن الله نور. فيسوع هو نور العالم (يو 1: 4- 5، 7- 9؛ 8: 12؛ 9: 5)، لأنه جاء من الله. هو نور ولا ظلمة البتّة فيه. نور الله هو محبّة الله (1يو 4: 8، 16). والظلمة هي ما يعارض محبّة الله. هي ما يدلّ على أن الرباط مع الحبّ قد انقطع، وأن الانسان يريد أن يعيش بدون الله.
بعد أن حدّثنا المطلع (1: 1- 4) عن شكوك حول وحي الله الآب التاريخيّ في ابنه يسوع المسيح، جاءت آ 5- 10 تدلّنا على الشراكة الحقّة مع الله ومع يسوع وعلى شروط العيش في هذه الشركة.
ويبدأ يوحنا برهانه بقول حول طبيعة الله يعود إلى يسوع. سمعناها (أكوو) منه (أب اوتو) لا شكّ في الضمير (هو). يعود إلى يسوع. فالرسول يعود إلى ما سمع. هذا هو مضمون التعليم حول الله. وصاحب هذا التعليم هو يسوع (يو 1: 18؛ 3: 32). وهكذا يؤسس تعليمه (خصوصًا بوجه الخصوم) على سلطة ما سمع من وحي الله التاريخيّ في يسوع.
الله نور. لا نجد هذا الوصف في تعليم يسوع كما يرد هنا. غير أن مجيء يسوع اعتبر وحيًا عن النور (مت 4: 16؛ لو 2: 32؛ يو 1: 4- 9؛ 3: 19- 21).. وحسب يو، يسمّي يسوعُ نفسه نور العالم (8: 12؛ 9: 5). ويحدّثنا مت 5: 14- 16 عن يسوع الذي يطلب من تلاميذه أن يكونوا نور العالم. كل هذا يتضمّن أن الله ذاته هو نور، وأن يسوع يجسّد نور الله للبشر. والحديث عن الله بهذه الصورة يقودنا إلى مدلول نجده في ديانات عديدة.
غير أن فكر يوحنا ينطلق بشكل خاص من العهد القديم حيث النور يرمز إلى الله، ولا سيّما حين يكشف عن نفسه من خلال النار والنور. فقد قيل أن الله ارتدى النور والمجد (مز 104: 2)، أنه نور لا يتحمّله الانسان (1 تم 6: 16). وهناك لفظان يرافقان الله الذي هو نور الاول: الوحي والخلاص (مز 27: 1؛ 36: 9؛ أش 49: 6). فالظلمة تحمل النور إلى الأماكن المظلمة، وتشير إلى الطريق الذي فيه يكشف الله عن نفسه للبشر فيدلّهم كيف يعيشون. واللفظ الثاني: القداسة. فالنور يرمز إلى كمال الله. والمقابلة بين الخبر والشر من جهة، والنور والظلمة من جهة أخرى، أمر معروف في العالم القديم: في العالم الفارسي. في التيارات الغنوصيّة. في الفكر اليهوديّ. ويُطلب من جماعة قمران أن يحبّوا كلَّ أبناء النور ويبغضوا كلَّ أبناء الظلمة (نظام الجماعة 1: 9- 10).
قدّم الكاتب هذا الرمز حين أعلن فكرته الأساسيّة: "الله نور". وأبرز الفكرة حين كرّرها في شكل سلبيّ: "لا ظلام فيه". فالتعارض بين الله والظلمة يجد هنا تعبيرًا لافتًا. هذا لا يعني أن الله لم يخلق الظلمة (فيوحنا لا يدرس أصل الظلمة)، بل أن الحياة في الظلمة لا تتوافق مع الشركة مع الله، هذا يعني أن الكاتب يتحدّث عن النور والظلمة في منظور أخلاقيّ. الله صالح. ولا وجود للشرّ بقربه.
ب- إذا قلنا (1: 6)
ما هي النتائج بالنسبة إلى الذي عرف النور؟ فتأتي آيات مبنيّة مع الاداة "إذا" التي ترد خمس مرات. إذا قلنا... أما إذا قلنا... لا يقف الكاتب فقط على مستوى البلاغة، بل يتطلّع إلى أناس يعتبرون نفوسهم في شركة مع الله، وسلوكُهم يعارض مقالهم. ما يعملونه لا يتوافق مع ما يقولونه. إن الكذب يختفي في الظلمة. والشركة مع الله تعني أننا لا نتلمّس طريقنا في الظلمة، بل نحيا في النور الآتي من عند الله. هناك طريقان: طريق الحق وطريق الكذب. ونحن نختار (رج أف 5: 8- 13). الأول يقود إلى الله، إلى النور. والثاني يُبعد الانسان عن الله، ويتيه في الظلمة.
الله نور. بعد هذا الطرح الأساسي، يضعنا الكاتب أمام مواقف تتعارض مع هذا الطرح. فينطلق من ثلاثة أقوال تتكرّر في الكنيسة التي يكتب إليها الرسول، فتضع البلبلة بين المؤمنين. نحن نشاركه (لنا شركة معه). نحن بلا خطيئة. نحن ما خطئنا. ويردّ الكاتب في كل حالة، فيقابل القول مع طريقة حياة الناس اليوميّة: هو يدلّ على أن ما ينادون به خطأ. عندئذ، يبيّن يوحنا في كل حالة كيف يجب أن يكون الانسان الذي يريد شركة مع الله.
يصدر القول الأول عن أناس يؤكّدون شركتهم مع الله. علاقتُهم حقيقيّة مع الله، ولكنهم لا يقبلون تعليم الرسول. وجاء جواب الرسالة: ما زالوا عائشين في الظلمة هم يعيشون في هذا العالم الذي يتعارض مع الله (2: 15- 17) ويتميّز بالظلمة. من يسير في النور لا يخاف أن يعثر، ولا أن يسقط. فالعيش في النور يتضمّن حياة تتوافق مع ذاك الذي يقيم في النور (لا في الظلمة)، حياة محرَّرة من الخطيئة. فالعيش في الظلام يعني عيشًا لا ينعم بنور الله وتوجيهه، بل يقيم في الخطيئة.
ما يريد يوحنا أن يقوله هو أنه لا يمكن أن تكون لنا شركة مع الله ونعيش في الخطيئة، لأن الشركة مع الله تعني مسيرة في النور. أما العيش في الخطيئة فتعني مسيرة في الظلمة. لا يمكن أن يقول الشعب: نحن نشارك الله وفي الوقت عينه نسلك في الظلمة. فنحن أمام تعارض لا يقبل به أحد، كما لا يقبل به يوحنا. بل إن الرسول يلفت الانتباه إلى طريقة حياتهم التي تدلّ على حياة في الظلام.
مثل هؤلاء الناس يغشّون نفوسهم. يعلنون أن لهم شركة مع الله، الذي هو النور، بينما هم ظلمة. يتحدّثون عن خبرة مع الله وهي خبرة مع الخطيئة. هذا يعني أنهم لا يضعون الحقّ موضع العمل. ففي 2 يو، الحق هو واقع الله الأخير كما أوحي في يسوع وفي البلاغ المسيحيّ. وهذا الواقع يرتبط بالعالم الخلقيّ. إن ممارسة الحقّ تعني حياة حسب الطريق التي أوصى بها الله، حياة في عالم الله (الذي هو نور). فالذين يمارسون الخطيئة، يدلّون على أنهم ليسوا من الله، وبالتالي لا شركة لهم مع الله.
ج- دمه يطهّرنا (1: 7)
من يدخل في طريق النور ليس بنور. فالنور حاضر هنا قبل الانسان، لأنه يأتي من الله الذي هو نور. ولكننا نشارك في النور مع الذين يسيرون في طريق نسير فيه. أما إذا سلكنا في الظلام. أبعدنا نفوسنا من حبّ الله. وتصبح شركتنا مع الآخرين وهمًا وسرابًا. وبما أن المشاركة مع المسيحيين تتأسّس على الشركة مع الله، فهذا الانقطاع يتضمّن خسران عمل الخلاص والمصالحة الذي تمّ بموت المسيح على الصليب. فالذي يعيش في النور ويتصرّف كما يتصرّف أبناء النور، يشارك في دم المسيح "الذي يطهّرنا من كل خطيئة".
هنا يصل الكاتب إلى تعارض بين عيش في النور وعيش في الظلام، إلى جواب حول وحي الحقّ الذي يبيّن لنا كيف يجب أن نعيش. العيش في النور هو مجيء إلى عالم نجد فيه الله بالذات. نحن هنا أمام استعارة في وجهين: الله هو نور. الله هو في النور. ينتج عن هذا أن الذين يعيشون في النور يشاركون الله. والعيش بحسب نور الله يجعل الانسان في شركة مع الله. ولكن ليس هذا ما يقوله الكاتب. فقد سبق له وكتب أن هدفه أن يتشارك قرّاءه معه ومع فريقه الرسولي. وهو الآن يستعمل صيغة التكلّم الجمع (نحن، كما يفعل الواعظ) الذي يتضمّن الجماعة والكاتب والقرّاء، فيعلن أن السلوك في النور يجعلنا نشارك بعضنا مع بعض وبالتالي نتشارك مع كل جماعة شعب الله.
أورد يوحنا قول المعلّمين الكذبة وردّ عليه: هم يفتخرون بشركة مع الله ويهملون الشركة مع البشر. هذا مستحيل. فالذي انقطع من الشركة مع سائر المسيحيين، لا يستطيع أن تكون له شركة مع الله. ولكن إن استعدّ لأن يحيا بنور الله، كانت له شركة مع المسيحيين ومع الله ذاته.
مثل هذا الانسان يصبح واعيًا لخطيئته، فيظهر له في هذا النور ما يفصله عن الله. فما العمل؟ كان قد انتقل من النور إلى الظلمة. وعرف أن أعماله كانت شريرة. أما الآن، فلا يريدها أن تظهر بعد. فدم المسيح ابن الله طهّره من الخطيئة. "الدم" يدلّ على طريقة رمزيّة بها نتكلّم عن موت يسوع. في العهد القديم، كان الدم نتيجة موت الضحيّة، وكان يُرشّ على مقدّمها الذي ينعم بنتائجها. ونتيجة موت المسيح هي تطهيرنا من خطايانا. غفران خطايانا. هكذا لا نعود أشخاص حُكم عليهم في نظر الله. ومع أننا واعون لخطايانا، إلاّ أن هذا لا يمنعنا من الشركة مع الله، لأن الله يبعد عنا معاصينا بُعد المشرق عن المغرب (مز 103: 12).
د- طريق مسدودة (1: 8)
الخاطئ انسان يسلك في الظلام ويعيش حسب هواه. الخطيئة طريق. وهناك من يسير فيها ويعلن أن الخطيئة لم تلامسه. هكذا نعود إلى آ 6: يعتبرون أنهم في شركة مع الله ويسيرون في الظلمة. هذا الموقف خطير في جماعة مسيحيّة، لأنها تبدو وكأنها تنكر ضرورة الخلاص، وبالتالي صدق كلمة الله. إذا كان الانسان يظنّ أنه يقدر وحده أن يحيا بلا خطيئة فموت المسيح يبدو بلا فائدة. وهكذا نكون في طريق مسدودة تشبه الطريق التي أوردها بولس في حديثه عن الرباط بين قيامة المسيح وقيامتنا.
في آ 6، اتّهم الكاتب معارضيه: يعتبرون أن لهم شركة مع الله، مع أنهم يسلكون في الظلمة، يعيشون في الخطيئة. فجاء جوابهم ردًا على هذا الاتهام وإنكارًا له. "نحن بلا خطيئة". هم ما احتاجوا إلى تطهير من خطاياهم، لأن لا خطيئة عندهم. فما يعتبره يوحنا خطيئة لا يعتبرونه هم خطيئة.
إن يوحنا متيقّن أن هؤلاء خطأة. والجواب: إنهم يخدعون أنفسهم، والحقّ ليس فيهم. هذا لا يعني فقط أنهم يكذبون، بل أنهم لا يشاركون في حياة الله وإن نادوا عكس ذلك. إن اعترفنا بخطايانا كان الحقّ فينا. وإلاّ، لم يكن الحقّ فينا. فإن لم نعترف بخطيئتنا فلا تُغفر. فمن أنكر خطيئته، انقطع عن المغفرة وبالتالي عن قدرة يسوع بأن يحمل الخلاص. خاف يوحنا من هؤلاء المعلّمين الكذبة، وخاف على الذين يتبعونهم بعد أن يتركوا الكنيسة، فينقطعوا عن الشركة مع الله. ولكن ستكون مفارقة نعود إليها فيما بعد، حين تقول (يو 3: 6، 9؛ 5: 18) إن المسيحيّ لا يخطأ، ولا يمكنه أن يخطأ.
هـ- غفران الخطايا (1: 9- 10)
هذا الموقف الرافض للخطيئة، يجد ما يقابله في آ 9- 10: إذا اعترفنا بخطايانا. لا يحتاج المسيحي أن يتعلّق بالفراغ، فأمانة الله وبره (أو عدالته) تكفيانه، وهما تظهران في غفران الخطايا، فتدلاّن على الطريقة التي بها يردّ الله على لا أمانتنا ولا برّنا. ولكن الشرط هو هو: يجب أن نقر بضلالنا وجهالاتنا. فالذي يقيم في النور يعرف أن الظلمة تحيط به وتهاجمه لتمنع النور عنه.
في آ 9، كما في آ 7، يقدّم الكاتب الموقف المعاكس. فبدلاً من أن نقول نحن بلا خطيئة، علينا أن نعترف بخطايانا. تأتي الجملة في صيغة الشرط، فهي في الواقع أمر وفرض: علينا أن نعترف بخطايانا. والاعتراف بخطايانا لا يعني أننا خطأة، بل نجعل خطايانا أمام الله ونطلب المغفرة. إن فعلنا هذا، نتأكّد من المغفرة والتطهير على أساس أن الله أمين وبارّ (تث 32: 4؛ رج روم 3: 25؛ عب 10: 23) وهو يغفر فأمانة الله ترتبط بوعده لشعبه على ما قاله لشعبه: "من مثلك ينسى (يغفر) ذنوبنا، ويعفو عن كل معاصينا، نحن بقيّة ميراثك؟ فأنت يا ربّ تحبّ الرحمة، ولا تحفظ إلى الأبد غضبك. الربّ يرجع ويرحمنا، ويستر لنا ذنوبنا، وفي أعماق البحر يطرح جميع خطايانا. أظهر ليعقوب أمانتك، ولابراهيم رحمتك يا ربّ، كما أقسمت لآبائنا منذ أيام القدم" (مي 7: 18- 20).
وعدلُ الله يقوم في استقامة عمله. وغفرانه لا يعارض عدله. فغفرانه وعدله واحد. ووصف عمل الله هو امتداد لما في آ 7. وفكرة التطهير من الخطايا تجد امتدادًا لها في عبارَتي غفران الخطايا والتنقية من اللابرّ. تُعتبر الخطيئة ما يجعلنا مذنبين في نظر الله وبالتالي محتاجين إلى غفرانه. ونشير إلى أن التطهير يدلّ على نجاة من عقاب ومن قوّة الخطيئة في قلب الانسان. التطهير هو ابتعاد عن نتائج الخطيئة، إمّا بتجنب فعل الخطيئة (2كور 7: 1؛ يع 4: 8) وإما بغفران خطايا سبق وارتكبناها (أف 5: 26؛ عب 1: 3؛ 10: 2).
ونصل إلى آ 10. للمرة الثالثة يورد يوحنا مقال الخصوم وأعضاء الكنيسة الذين ضلّوا بضلالهم. ماذا يقولون؟ "ما خطئنا". رج آ 8: "نحن بلا خطيئة". ربما لم تكن هناك خطيئة الآن. ولكن هناك خطيئة في الماضي. وما اكتفى يوحنا بالقول إنهم يخدعون أنفسهم، بل هم يجعلون الله كاذبًا حين ينكرون حكمه على البشر بأنهم خطأة (رج روم 3: 4). كل هذا يعني أن تعليم الله الذي وصل الينا عبر التقليد المسيحيّ لم يؤثّر في معتقدهم ولا في سلوكهم.
2- قراءة لاهوتيّة وروحيّة
وهذه هي البشرى. وهذا هو البلاغ والتعليم. الله نور. أي روح محض وفهم كامل. هو الخير السامي الذي لا يخالطه شرّ ولا مزيج. هو اللامحدود الذي لا نقدر أن ندركه. هو الحاضر في كل مكان، والثابت التي لا يتبدّل. تتحدث هذه العبارة عن ملء جوهره الالهي، وعن قداسة طبيعة الله ونقائها. وهناك من قابل وجود الله بالشمس التي هي مجيدة ونقيّة.
ولكن كل هذا يبقينا على مستوى البشر، ولا يصل بنا إلى الانجيل، إلى البشرى والخبر الطيّب. فيوحنا لا يبحث عن الحقّ. هو يتقبّله. هو ينقل حقيقة لم تأت من عنده. ويفسّر واقعًا جاء من آخر هو يسوع المسيح.
ففي الكتاب المقدس هناك الاله الواحد. الاله الذي لأجلنا. الذي يحطّم جميع الحواجز التي تعزله في أعلى سمائه، ليدخل في تاريخ البشر وحياتهم. هذا ما تعنيه عبارة: الله نور. النور يضيء. ينشر أشعته. يمتد في ساحات يسيطر عليها الظلام فيطرده. وستقول الرسالة: "النور الحقّ يضيء" (2: 8). هكذا يصوّر الله الذي يريد أن يتجلّى للبشر. لا يقول يوحنا ما هو الله في ذاته، بل ما هو من أجلنا، وما يفعل من أجل خلاصنا.
وبما أن الله نور، فلا يمكن أن ننتظر الانسان إلاّ بالنسبة إلى هذا النور. فمن أراد أن ينقطع عن النور، أن يستقلّ عن النور وينغلق على نفسه، يجعل نفسه في الظلمة. أجل، لا يستطيع الانسان أن يحيا لله، إذا ظلّ يخدع نفسه. فالله حين يظهر لنا، يدلّنا عل هوّيتنا الحقيقيّة. والانسان الذي ينعزل عن الله، لا يعرف من هو. يجهل هوّيته.
في هذه الحال، لا نكتفي بأن نخدع أنفسنا، بل نجعل الله كاذبًا. وندمّر كلمته. كيف يمكننا أن نقول إننا بلا خطيئة، إننا ما خطئنا؟ وبعد ذلك، ما هو دور دم يسوع؟ عند ذاك نعتبر أننا نحمل الخلاص لنفوسنا، ولا ننتظر الخلاص بقدرة الله.
ما هو الردّ على مثل هذه الأقوال؟ دم المسيح. موته التكفيريّ. هكذا أعاد يوحنا (أو المدرسة اليوحناويّة) تفسير معطيات الايمان الأساسيّة تجاه واقع جديد يواجه المسيحيّين في العالم. وهو يعود إلى "النؤمن" الذي تتلوه الكنيسة. كما لا يتوقّف فقط عند مجيء ابن الله تاركًا موته على الصليب. فالتكفير عن الخطايا يرتبط بشخص يسوع الذي أرسله الآب وبموته وقيامته.
لقد جاءت الحياة، وعاشت حياة انسان. وماتت. وأضاء النور في وجود يسوع الذي أعلن للبشر أنه نور العالم. هذا الانسان النور قال للآتين أبيه في ليل الجسمانيّة مع سيوف وعصي: "هي ساعتكم وسلطان الظلمة" (لو 22: 53). راح يسوع إلى الصليب بإرادته، لأنه فهم خطورة حياتنا وما وصل إليه عصياننا في علاقتنا بالله. أخذ على عاتقه صكّ الحكم علينا. وكلام يوحنا لا ينحصر في الماضي. هو يستعمل صيغة الحاضر ليدلّ على أن ما أتمّه يسوع، أتمّه لأجلنا نحن أيضًا. من حيث إنه مات فقد مات مرة واحدة. ومن حيث إنه حيّ فهو حيّ إلى الأبد.
من أجل هذا يتحدّث المسيحيون عن الخطيئة. هم لا يكرزون بالخطيئة، بل بيسوع المسيح، وإذ يفعلون يعلنون ذاك الذي كشف لهم وضعهم وما فيه من بُعد عن الله. فاذا أرادوا أن يستفيدوا ممّا عمله لأجلهم يجب عليهم أن يعترفوا بخطاياهم، وأن يعيشوا الشركة الاخويّة. فمن اعترف بخطاياه، أدركه غفران الله وحوّله كما حوّل الخاطئة التي جاءت باكية إلى يسوع. غفر لها فعلّمها كيف تحبّ. وحين يغفر الرب خطايانا يعلّمنا ما هي المحبّة التي تصل بنا إلى شركة مع الله وشركة مع إخوتنا.
المعرفة والطاعة
2: 1- 6
تشكّل هذه الآيات مجموعة موحّدة بأسلوبها وموضوعها. بعد الأسلوب الاحتفالي والملّح في ف 1، بتوجّه الكلام، بشكل لم تكن نتوقّعه، إلى القراء: "يا أبنائي، يا أبنائي الصغار" (تكنيا، 2: 12، 28؛ 3: 7، 18؛ 4: 4؛ 5: 21). نحن هنا أمام إشارة جديدة عن علاقات خاصة بين الكاتب وقرائه. أما موضوع آ 1- 6 فليس معرّفه الله في حدّ ذاتها، بل العلاقة بين هذه المعرفة والطاعة لوصايا الله. فبعد تحريض لئلا نخطأ (آ 1 أ)، نجد تذكيرًا بالعمل الخلاصي الذي أتّمه يسوع المسيح (آ 1 ب- 2). وتطرح آ 3 مسألة الطاعة أو الوعي لهذه المعرفة. هنا تكتشف أن معرفة الله وحبّ الله وكيان الله هي متوازية. وقد استعملها المعلّمون الكذبة من أجل اغراضهم وأخيرًا، تتخلّى آ 6 عن موضوع معرفة الله، فتنقله إلى المستوى الكرستولوجي: من أراد أن يثبت في الله (إن اوتو)، وجب عليه أن يسلك كما سلك يسوع (إكاينوس). انطلق يوحنا من نظرة هؤلاء المعلّمين إلى يسوع كي يشكّ في شركتهم مع الله.
1- دراسة كتابيّة
المسيح شفيعنا هو كفّارة. نعمل بوصاياه. من عرف عمل. ومن عمل شارك في المحبّة. سيرة المسيح. تلك هي أفكار هذه القطعة.
أ- المسيح شفيعنا (2: 1)
جعل يوحنا أمامنا واقع الحياة المسيحيّة. ولكن هذا لا يعني أننا نستسلم، ونعتبر الخطيئة أمرًا ضروريًا وشيئًا يفرض نفسه علينا. فنحن لسنا معدّين للخطيئة بل للخلاص. وما الذي يعينا هذه الثقة؟ وجود شفيع، وجود مدافع، وجود محامي يقف بقربنا.
انتقل الكاتب إلي صيغة المتكلّم (أكتب أنا)، بعد أن كان في صيغة المتكلّم الجمع (سمعناها، نحن). هو واحد من الجماعة، من المدرسة اليوحناوية تقرأ لفظة "تكنيا" (أبنائي الصغار) ست مرات، وهي تقابل "بايديا" (2: 14، 18؛ 3: 7. تدل اللفظة على المحبّة والحنان. بل تدلّ على الأبوّة التي يمكن أن تتصرّف بقساوة من أجل خير الأبناء.
في هذه الآية، يوقف الكاتب سيرة تفكيره، فيوجّه كلامه إلى أبنائه الصغار. في ف 1 توجّه إلى معارضيه وما يقولونه فيُضلون به المؤمنون في الكنيسة. والآن، ها هو يتوجّه بشكل مباشر إلى أعضاء الكنيسة ويرسل إليهم نداء. ومع أن الربّ طلب من تلاميذه أن لا يدعوا أحداً "أباً"، فيوحنا يسمّي هؤلاء المؤمنين ابناءه. تلك هي علاقة الراعي بالجماعة (1 كور 4: 14، 17؛ غل 4: 19؛ 1 تم 1: 2؛ فلم 10؛ 3 يو 4).
أكتب إليكم بهذه الامور. توتا في اليونانيّة تعود إلى ما سبق بشكل مباشر، كما إلى الرسالة بشكل عام (رج 5: 13). وإذ حدث يوحنا المؤمنين عن الخطيئة والمغفرة، ظن بعضهم: "نقيم في الخطيئة فتكثر النعمة" (روم 6: 1). ولكن يوحنا يريد من المؤمنين أن لا يخطأوا. وعدم الاقرار بالخطايا لا يتوافق مع شركتنا مع الله. إذن، على المؤمنين أن يعرفوا خطيئتهم ويُقرّوا بها. كما عليهم أن يسعوا إلى حياة بدون خطيئة. من السهل أن نعيش بلا خطيئة إذا انكرنا وجود الخطيئة في أعمالنا. أما يوحنا فيطلب من القرّاء أو يقرّوا بالخطيئة المنتشرة في كل مكان وبالتالي أن لا يخطأوا.
وها هو يعود للمرّة الثالثة إلى غفران الخطايا. هناك دواء للذين خطئوا واعترفوا بخطيئتهم: لنا شفيع لدى الآب يدافع عنا. "باراكليتوس". هو من يُدعى ليقف بجانبنا، كي يساعدن، كي يرافع عنا في الحكمة ويدافع. حدثنا بولس عن يسوع الذي يقف عن يمين الله ويتشفّع بنا (روم 8: 34)، وعن عمل الروح الذي يعيننا في صلاتنا الضعيفة (روم 8: 26). تلك هي الفكرة الحاضرة هنا. بماذا ندافع عن نفوسنا لننال الغفران عن خطايانا؟ يسوع المسيح يأتي ويرافع. هو المحامي. وهو البار (هو مثال يتبعه المسيحيون، 2: 29؛ 3: 7). وبطرس في أع 3: 14 (رج أع 7: 52) تحدّث من براءة يسوع تجاه شرّ الذين حكموا عليه بالموت. ولكنه سّماه أيضًا البري في 1 بط 3: 18 البريء الذي مات لكي يأتي بالخطأة (اللاأبرار) إلى الله البار (ديمايوس) تقليد مسيحاني يعود إلى أنش 53: 11 (رج أخنوخ الحبشي 38: 2؛ 53: 6). بما أن يسوع بار (لم يخطأ، ولا تلامسه الخطيئة، عمل دومًا مشيئة الآب فهو يقدر أن يتشفّع في الآخرين.
في العهد الجديد، تستعمل لفظة "بارقليط" في الانجيل الرابع، فتدلّ عل الروح القدس (يو 14: 16، 26؛ 15: 26؛ 16: 7). روح الحقّ الذي يرسله الآب إلى التلاميذ بعد أن يمضي يسوع. لكي يشهدوا له ولعمله. والشركة حميمة بين الآب والابن بحيث يقول يو 15: 26؛ 16: 7 إن يسوع يرسل الروح. نجد أن هناك تقليدًا آخر يسمّى يسوع "البارقليط"، فيعكس ما قاله يسوع في يو 15: 16: "أطلب من الآب فيعطيكم بارقليطًا آخر". فالاول هو يسوع. والثاني هو الروح القدس. إن الوحدة بين الابن والروح تجعلنا نفهم هذه الوظيفة التي يقوم بها الابن الذي يتشفّع بنا عند الآب، والروح الذي يشهد للابن.
ب- هو كفّارة (2: 2)
الشيء الوحيد الذي يُبعد الانسان عن الله هو الخطيئة. يغيب الانسان. يمضي في الظلمة ولكن يسوع هو هنا. يدافع عنا. بل هو كفّارة لخطايانا. لا يتوسّع يوحنا في تعليم حول التكفير، بل يركّز كل شيء حول غفران لخطايا كإمكانيّة جديدة للانسان (1: 7، 9) في الماضي، وقفت الخطيئة بين الله والانسان. والآن ، وقف المسيح كالوسيط (1 تم 2: 5). في الخطيئة، لا طريق تقود العالم إلى الله. أما في المسيح، فقد جاء الله إلى العالم. لا يكفّر يسوع عن خطايا المؤمنين وحدهم، بل عن خطايا العالم كله.
هكذا بدا يسوع كالشفيع والمحامي: كان كفّارة (هيلسموس 4: 10). هذا ما يعود بنا إلى العهد القديم (خر 29: 36- 37) الذي أخذ به بولس فاستعمل "هيلستيريون" متحدّثًا عن رضى الله علينا (لو 18: 13؛ عب 2: 17). لينا هنا أمام وسيلة سحرية نرضي بها الاله، بل أمام طقس أسّسه الله، واحتفال حصل به على الغفران.
لا نجد لفظة "هيلسموس" في العهد الجديد، إلاّ في 4: 10. نجد أن هناك كلمات من ذات الجذر مثل "هيلسكوماي" (لو 18: 13؛ عب 2: 17). "هيلستيريون" (روم 3: 25؛ عب 9: 5)، "هليووس" (مت 16: 22؛ عب 8: 12). في خارج الكتاب المقدس، تُستعمل اللفظة عن تقدمة يقوم بها الانسان لكي يهدئ غضب الاله الذي أغاظه. هي وسيلة بها نحوّل الله من موقف غضب إلى موقف رضى، وهي تقوم بأن تعطي الاله شيئًا يزيل الاساءة. أما في الاطار اليوناني الدنيويّ، يكون الموضوع الاله الذي أغيظ. أما في السبعينيّة فالموضوع هو الاساءة. واستنتج الشراح. لسنا هنا أمام تهدئة ذاك الذي غضب. مع شعور شخصي ضد المسيء. بل نزيح كل ما يمنع الشراكة مع الله. وتَبرز هذه النظرةُ خصوصًا حين نعرف أن الله يستطيع أن يهيّئ التقدمة (كما كان الأمر بالنسبة إلى ابراهيم، تك 22: 8، 13)، وهكذا تعني الكفّارةُ إزالة الخطيئة وسترها.
إن يسوع كفّر أمام الله عن خطايانا. وهذا في خط الآية السابقة حتى يعمل عمل يسوع عمل المتشفّع عنّا لدى الله. وتتواصل الصورة في هذه الآية (آ 2) حيث يدافع يسوع عن الخطأة أمام الديّان ويطلب لهم الغفران. هو لا يطلب أن يُعلَنوا أبرياء، وكأنهم لم يخطأوا بل أن يقدّم المغفرة لمن اعترفوا بخطاياهم. بما أن الغفران يُمنح، فهناك عمل تجاه الخطيئة بحيث يرضى الله عن الخاطئ. هذا يعني أن لهذا العمل مفعولين: تكفير عن الخطايا وإرضاء الله.
والذبيحة الكفّارة هي موت المسيح. وهذا واضح ممّا في 1: 7 مع دمّ المسيح الذي يطهّر من الخطايا. فالدم استعارة تشير إلى الموت الذبائحيّ.
هنا نتوقّف عند نقطتين الأولى، يسوع هو الشفيع والمحامي، وهو الكفّارة، ما به يدافع عن الخطأة، يفعله من أجلهم. يطلب الغفران ويغفر لهم. إنه المدافع البار عنهم. الثانية، تبدو لغة الشفاعة والذبيحة وكأنها تجعل يسوع ضدّ الله، وكأن الله يحتاج إلى شخص ثالث كي يغفر لنا. ذاك هو ضعف الصورة المستعملة هنا: مكان الله لا يريد أن يغفر لهذا يُطلب منه! كلا ثم كلا. فالله هو الغفران الدائم. وهو يغفر لنا باسم يسوع المسيح. في 1: 9 عرفنا أن الله أمين وبار (وعادل) وهو يغفر. وفي 4: 9- 10 نعرف أن الله أرسل ابنه كفّارة عن خطايانا. فالله نفسه هو الذي يعطي وسيلة الغفران ويدفع "الثمن" إن الله يغفر لنا حين يرسل ابنه كي يكون مخلّصنا.
والذبيحة لا تنحصر في خطايا قرّاء الرسالة، بل تصل إلى البشريّة كلها. هذا يعني أن البشريّة كلها تحتاج إليها. كما يعني أن لا حدود لفاعليّة موت يسوع في الزمان ولا في المكان.
ج- نعمل بوصاياه (1: 3)
يتحدّث النصّ هنا عن الوصايا، وصايا الله أو وصايا يسوع. في النهاية، الواقع هو هو. قد تكون أمام وصايا يسوع إذا عدنا إلى الوراء (رج يو 14: 15، 21؛ 15: 10، 12. من يحبّني يحفظ وصاياي). وأمام وصايا الله في خط 1يو 3: 22- 24؛ 5: 2- 3 هذا يعني أننا نعرف الله حين نحفظ وصاياه. ما هي هذه المعرفة؟ ما هي هذه الوصايا؟ سنعود في آ 3- 11 إلى العلاقة بين المعرفة والعمل، بين معرفة الله والعمل البشريّ.
حرفيا: نعرف (على يقين) أننا نعرفه. هناك شرط يؤكّد أننا نعرف الله: نحفظ وصاياه لسنا هنا أمام أساليب لمعرفة الله، بل أمام المعيار الصادق لكل معرفة دينيّة. حفظُ الوصايا هي عبارة يوحناويّة، ولكننا نجدها أيضًا في مت 19: 17؛ 1 تم 6: 14؛ رؤ 12: 7؛ 14: 2). تعني حفْظ ثلاثة أمور: حفظ في الذاكرة. حفظ ومدافعة ضدّ الهراطقة. العمل بهذه الوصايا. هنا نحفظ في الذاكرة الوصايا، ونعمل بها.
ويتابع الكاتب الردّ على معارضيه (آ4: رج آ9)، ويبيّن لهم أن كلامهم لا يتوافق مع طريقة حياة مطلوبة. ولا يعود الكلام على الشركة مع الله، بل المعرفة لله. كان كلام عن حاجز (الخطيئة) يمنع الشركة مع الله، وهنا يتكلّم يوحنا عن وصايا يجب على المسيحيّين أن يعملوا بها.
إن الفكرة عن معرفة الله، تظهر هنا للمرة (في 2 يو 1، حديث عن معرفة الحق) ولكن ما يخفف فجاءة هذه الفكرة، هو أن عودة الكاتب إلى الشركة مع الله (1: 3، 6، 7) هي طريقة أخرى للتعبير عن الواقع عينه. ومع ذلك، قارتباط الفكرة بها سبق ليس بديهيًا. قد نجد المفتاح في آ 4 حيث نسمع قولاً آخر لمعارضي يوحنا، كما في ف 1. إذا كان الأمر هكذا، يكون يوحنا أنتقل من قول خصومه بأنهم يعيشون في النور (1: 6) إلى قول آخر يعتبرون فيه أنهم يعرفون الله (فما هي هذه المعرفة التي لا يقابلها حفظ الوصايا؟)
معرفة الله موضوع معروف في الديانات القديمة، وفي الفكر الغنوصي (غنوسيس: معرفة) الذي بدأت جذوره في القرن الاول وازدهر بشكل خاص في القرن الثاني. المعرفة في هذه الإطار هي خبرة روحيّة ورؤية مباشرة للاله. أو سطر تحمل الخلاص للمتدرِّجين. وفي أي حال، مثل هذه المعرفة لا تؤثر على السلوك الأخلاقيّ هذا يعني أن قرّاء يوحنا لم يهتّموا بالخطيئة والشرّ، ولم يعتبروا أن الخطيئة تشكل حاجزًا لشركتنا مع الله.
من النادر في العهد القديم أن نجد فكرة تقول إن الانسان عرف الله، وإن كان هذا ما تمنّاه الأنبياء (إر 31: 34؛ رج عب 8: 11). بل إن الانبياء يشتكون مرارًا، لأن الشعب لم يعرف الله (أي 36: 12؛ إر 9: 6؛ أش 1: 3؛ 5: 13؛ 1صم 2: 12)، وهو يحتاج إلى من يقول لهم لكي يعرفه (1 أخ 28: 9؛ إر 9: 24). إن علامة معرفة الله هي الطاعة لوصاياه ومعرفة طريق الحياة التي ينتظرها من شعبه. مثلاً، حين يشتكي هوشع من غياب معرفة الله في الأرض، فهو يتبع شكواه (لا رحمة؛ لا معرفة) حالاً فيقول: "بل اللعنة والغدر والقتل والسرقة والفسق" (هو 4: 1- 2). إذن، الطاعة لله تعني الطاعة لما يطلب منّا.
حين يتحدّث يوحنا عن معرفة الله، يستعمل صيغة الكامل: هذا يجعلنا في الماضي الذي ما زالت نتائجه حاضرة. نحن ماضون في معرفته. أي معرفة الله الآب (2: 4، 13، 14؛ 3: 6، 16؛ 4: 16: 2 يو 1). هناك من قال "معرفة يسوع" بالنظر إلى ما سبق. في الواقع، الطاعة للآب هي الطاعة للابن والضمير يبقى ملتبسًا. ولكن كيف يعرف انسان أنه يعرف الله؟ ذاك هو السؤال الذي يفكّر فيه يوحنا، ويحاول أن يردّ عليه. ما الذي يؤّكد لنا أن خبرتنا الدينية حقيقيّة وليست كاذبة؟ البرهان هو حفظ الوصايا. هذا هو الشرط الذي لا يمكن أن نتهرّب منه. فإن كنا لا نحفظ الوصايا، هذا يعني أننا لا نعرف الله. وهذه أيضًا هي العلامة بأننا نعرف الله وهكذا نلتقي في ما يمكن أن يقال عن محبتنا لله.
في 2 يو 4- 6، يُعبَّر عن محبّة الله بحفظ الوصايا. فحفظُ الوصايا هو نتيجة حبّ الله (الثمرة في الشجرة) والبرهان الملموس عن وجود هذا الحبّ. لا يفصّل يوحنا كلامه، وإن كان واضحًا أن الوصيّة الأول هي أن يحبّ بعضنا بعضًا (آ 10- 11). حفظ الوصايا علامة لمعرفة الله، والخطأ علامة لجهل الله. 
د- من عرف عمل (2: 4)
"من قال". يورد يوحنا أيضًا كلام خصومه. يعتبرون أنهم يعرفون الله. هم فهماء ويُقنعون الناس بمعرفتهم. ولكنهم شوّهوا نظرتهم بالطريقة التي يمارسون وصايا الله. فالذي لا تتوافق أعماله مع اقواله، لا يستطيع أن يقول إنه في الحقّ. نجد أن الحقّ ليس فقط توافقًا بين القول والعمل. بل هو وحي للواقع كما يُعطي للبشر. هو وحي لواقع الله الذي لا يمكن أن يكذب. اذن، حين يمارس الانسان الحق، يشارك في واقع الله، في حقيقة الله. والانسان الذي تتوافق فيه معرفة الله وحفظ الوصايا. يكون فيه حقّ الله.
تبدو آ 4 نتيجة 3: إذا كان حفظ الوصايا العلامة لمعرفة الله الحقّة، فالذي يؤكّد أنه عرف الله ويتجاوز الوصايا، هو كاذب. إن فعل قال (ايبومن) هو اعلان وتأكيد وتعليم. ولكنه يرتبط بالجماعة (5: 16؛ 2 يو 10). يجعلنا الكاتب نشعر أنه سمع هذه الملاحظات.
في آ 3، قال الكاتب: إذا عملنا. وفي آ 4، اتخذ الوجهة السلبيّة: ما عملنا. هؤلاء الذين اعتبروا أنهم يشاركون الله، يقولون الآن إنهم يعرفون الله. ومع ذلك، فهم لا يبالون بالوصايا. قولهم كاذب، والحق ليس فيهم (1: 8).1
"أعرفه" (اغنوكا، في اليونانيّة). هي صيغة الكامل بمعنى الحاضر الذي يرتبط بخبرة دينيّة سابقة. عرف الضالّ الله، بعد أن نال هذه المعرفة في يوم من الأيام (3: 16؛ 2: 1). ولكن هذا العارف يعيش في الكذب. يعيش في الوهم الدينيي. ليس هو في الحقّ الذي نجده عمليًا في التعليم اليوحناويّ حول حقّ الله كما أوحي في المسيح (يو 14: 26). ليس الحقّ فيه. أي الحقّ لا يمتلكه. لم يدخل فيه كأنه شخص حيّ.
هـ- من عمل شارك في المحبّة (2: 5)
إن هذه المشاركة تدلّ على حضور كلمة الله فينا (1: 10)، مهما حاول الكذب أن يفعل وحين نحفظ الكلمة التي أعطانا الله، ندلّ على أننا امتلأنا من حبّ الله. فالشركة مع الله لا تتمّ خارج الانسان. والممارسة المسيحيّة الصادقة تعني أن حقّ الله ولج حقّ الانسان بحبّه. فمن أتمّ الحقّ شارك في حبّ الله.
تبدأ آ 5 مع "دي" (أما). كان حديث عن المعرفة الكاذبة. والآن نقرأ حديثًا عن المعرفة الحقة. ولكن كان كلام عن معرفة الله، وها هو كلام عن محبته. كان كلام عن وصايا نحفظها. وها هو كلام عن كلمة الله. كان كلام الحق، وها هو كلام عن "نكون في الله". لقد جعل الكاتب ضد المعرفة (عنوسيس) الكاذبة حبّ (حبنا) الله، كلمة الله، كوننا في الله. "حقًا" (اليتوس). لا تظهر إلاّ هنا في 1 يو. فهي تعني هجومًا كما في يو. نكون في الله حين نعمل عمل الله. وإلاّ، لسنا في الله.
يؤكّد الكاتب لقرّائه الذين يحفظون الوصايا أنهم يعرفون الله، ويحثّ الذين تأثروا بالمعلميّن الكذبة، على أن يتبعوا تعليمه. ينطلق من الشرط الذي وجدناه في آ 3 (إذا عملنا)، ويتكلّم عن جزاء الذي يعملون. ولكنه لا يتكلّم عن حفظ الوصايا، بل عن حفظ كلام الله (من ينكر أنه خطئ لا يحفظ هذا الكلام، 1: 10). إن هذه العبارة تذهب بنا أبعد من طاعة لوصايا الله، فتعلّمنا قبول مواعيده بثقة تامة. فمن يفعل هذا، لا تكون فقط حقيقة الله فيه، ولكن تكون محبّة الله كاملة فيه.
ما معنى محبّة الله؟ (1) محبّة الله للانسان (4: 9). (2) محبّة الانسان لله (2: 15؛ 5: 3). (3) طريقة الله في الحبّ. تفاسير ثلاثة ممكنة في الواقع. حبنا لله هو انعكاس لحبّ الله لنا وجواب على هذا الحبّ. وهكذا يكون حفظ كلام الله علامة بأن حبّ الله عمل فينا ملء عمله. هذا من جهة. ومن جهة ثانية، إن المقابلة مع 2: 15 و5: 3 تجعلنا نظن أن يوحنا فكّر في محبتنا لله قبل الحديث عن محبّة الله التي تُنتج فينا مثلَ هذا الجواب. ونجد توازيا بين معرفة (معرفتنا) الله ومحبّة الله.
"اكتملت محبّة الله". يفكّر الكاتب في واقع يقابله بيطلان الذين يقولون: "أنا أحبّ الله" (4: 20). يجب أن يكون هذا الحبّ تامًا وناضجًا. فحين نقبل كلمة الله ونخضع لها، نصبح كاملين في الحبّ. وهذا ليس خاصًا بالنفوس الرفيعة فقط، كما قال البعض بل يالمسيحيين العاديين أيضاً. كما أن الانطلاقة تبدأ في بساطة وتنمو شيئًا فشيئًا، وهي تستند إلى مواعيد الله.
وتنتهي الآية مع "نعرف أننا في الله". هل نحن تجاه عودة إلى الوراء أو نظرة إلى الأمام؟ إذا كان الخيار الثاني، البرهان الذي به نعرف أننا فيه نجده في آ 6، ويمكن في أن نسير كما سار يسوع. أما إذا كان الخيار الأول، فالبرهان يدلّ إن كنا حفظنا كلمته أو اختبرنا ملء حبّه. في أي حال، ليس من اختلاف جوهريّ بين الخيارين. إن عدنا إلى الوراء، تكون آ 6 استعادة كما في آ 5 أ التي يعبِّر عنها النصّ بشكل تحريض. وإن تطلّعنا إلى الأمام، تضمّنت آ5أ مبدأ ما سيُبرهن عنه في آ5 ب- 6. وفي أي حال، ليس من فرق حقيقيّ بين حفظ كلام الله والسير كما يسوع سار.
واستعمل يوحنا لفظًا يعبِّر عن وضع المسيحي الحقيقيّ. هو "فيه"، أي في الله، أي مخفيّ فيه. يعيش فيه. ثابت فيه (آ6). يتحدّث يوحنا مرارًا عن المسيحيّ الذي يثبت في المسيح (يو 15: 4- 10؛ رج 1 يو 2: 27- 28؛ 3: 6) أو عن يسوع الذي يثبت فيهم: فالمؤمنون هم في الابن والابن هو في المؤمنين (يو 14: 20، 23؛ 17: 21، 23، 26؛ 1 يو 5: 20). كما يتحدّث عن الآب الذي هو في الؤمنين 1 يو 14: 23؛ 1 يو 4: 4) وعن المؤمنين الذين هم في الآب (يو 17: 20؛ 1 يو 5: 20). بمثل هذه العبارات يدلّ يوحنا على الاتحاد الوثيق بين المؤمنين من جهة، والآب والابن من جهة ثانية. كما يتكلّم بالطريقة عينها من العلاقة بين الآب والابن 1 يو 14: 10، 11، 20؛ 17: 21، 23).
و- سيرة المسيح (2: 6)
ينضمّن هذا الاتحاد بالله أن يسير المسيحيّ كما سار المسيح، وأن يتبع طريق الحبّ. رج أف 5: 2: "سيروا في المحبّة سيرة المسيح". ولكن لسنا هنا أمام تماثل تام مع المسيح، بل مقابلة فيها التقارب والتباعد. فالتماثل التام مستحيل، لأن أحدًا لا يستطيع أن يحبّ كما أحبّ المسيح. فليس حب الانسان هو الذي خلّص العالم، بل حبّ المسيح. ومع ذلك، فالانسان يستطيع أن يشارك المسيح في حبّه. وتصل هذه المشاركة إلى ذروتها مع المسيحي الذي يقيم في الله. هذا يعني أن المسيح هو النموذج لتحقيق هذا الحبّ. ويعني أيضًا أن حبّ المسيحي وحب المسيح يعودان إلى نبع واحد هو محبّة الله.
"من قال". يقابل "إذا قال"، نجد فعل "مانو"، ثبت أقام. يدر 19 مرة في 1 يو، مرتين في 2 يو، 30 مرة في يو. استعمله المضلّون بجانب فعل عرف ليعلنوا تقدّمهم الروحيّ. في القسم الثاني من الآية، ننتقل من غنوصيّة مركّزة على الله (على اللاهوت)، إلى خلقيّة مركّزة على المسيح. نسير في النور (1: 7). نحفظ الوصايا (2: 3- 4). نحفظ كلامه (آ 5). كل هذا يتم حين نقيم في الله، ونسلك كما سلك المسيح. وهكذا تعود 1 يو إلى وجه يسوع التاريخيّ ومصيره. "مثل"، كما، "كاتوس". بما أن يسوع سار هكذا، نحن نسير مثله. رج يو 13: 15. وهذا أمر واجب (اوفايلاي). بل هو امتداد لحياتنا في الله.
نكون في الله. نعيش في الله، وهذا يعني علاقة مستمرّة، ويحتاج إلى مثابرة من قبَل الانسان. يتطلّع يوحنا إلى أشخاص يعلنون أنهم ينعمون بهذه العلاقة. سواء كان القائلون من الجماعة أو من المعلّمين الكذبة، يبقى البرهان حاضرًا: نسلك كما سلك المسيح (إكاينوس). ذلك الذي هو وحده. وما نلاحظ هو أن حياة يسوع على الأرض تقدَّم لنا كمثال (يو13: 15؛ 1 بط 2: 21) سار وهو يعمل الخير (أع 10: 38). فهل تنتج خبرتنا الدينية انعكاسًا لحياة يسوع في حياتنا اليوميّة؟ فإن كان الجواب بالنفي، كانت خبرتنا كاذبة، وخدعنا أنفسنا.
2- قراءة لاهوتيّة وروحيّة
ونحن نحيل إلى الشرّ، ولا نقدر بقوانا أن نعمل الخير. فهل نستطيع بقدرتنا أن تقف بوجه هذه السيطرة لنخضع للعدوّ الذي هو أقوى منا؟ فلماذا المقاومة؟ رفض يوحنا هذا التخلّي عن القتال. إذا كان الله الحياة والنور، أتراه أعدّنا للخضوع للشر؟ كلا. "لئلا تخطأوا" نحن هنا أمام أمر. يجب أن لا تخطأوا. فالنصر ممكن. وهناك مخرج يقودنا إلى الفرح والسعادة في حياة تمجّد الله. 
ولكن قد نخطأ فما العمل؟ لنا شفيع عند الآب. هو يقف بجانبنا فيجعلنا بجانب الله. يساعدنا لكي نرضي الله، وهو الذي كفّر عن خطايانا. وعن خطايا العالم.
نحن نعرف أننا نعرف. في الواقع، نحن لا نعرف أبعاد حياة الله فينا. فهذه المعرفة يجب أن تظهر في العمل بحسب الوصايا. ووصايا يسوع هي كلمته، في عطاؤه للكنيسة وهذا الحفظ يقود إلى محبّة المؤمن للرب، وهي محبّة ترتبط بمحبة الله الذي أحبّنا أولاً وأرسل ابنه كفّارة عن خطايانا.
الوصيّة القديمة والجديدة
2: 7- 11
ويتوجّه الرسول أيضًا إلى القرّاء: "اغابيوي". يا أحبائي (رج 3: 2، 21؛ 4: 1، 7، 11). والموضوع هو الوصيّة الجديدة، مع توسّع أول حول كره الاخوة وبغضهم (3: 13، 15؛ 4: 20). يتضمّن هذا المقطع قسمين يرتبطان ارتباطًا حميمًا. في الأول، تُذكر الوصيّة القديمة التي هي جديدة، دون أن يحدَّد مضمونها (آ 7- 8). والقسم الثاني الذي انتظرنا منه أن يكشف هذا المضون، يندّد بقول المضلّين أنهم في النور وهم يكرهون إخوتهم. وهكذا نكون أمام كلام هجوميّ، لا تعليميّ.
1- دراسة كتابيّة
نتوقّف هنا عند أربع محطات: وصيّة قديمة (آ 7). وصيّة جديدة (آ 8). بين النور والظلام (آ 9). بين الحبّ والكره (أو البغض، آ 10- 11).
أ- وصيّة قديمة (2: 7)
لم يحدّد يوحنا حتى الآن معنى لفظة "وصايا"، وسوف ننتظر 3: 23 لتفهم أن الوصيّة هي الايمان بيسوع المسيح. أما الآن، فالكاتب يعبن أنه لا يقدّم وصيّة جديدة، بل قديمة. هي قديمة لأن المسيحيين عرفوها منذ بداية حياتهم المسيحية. في آ 3- 4، تحدّث يوحنا عن "وصايا" في صيغة الجمع. وهنا عن "وصيّة" في صيغة المفرد. نحن نلاحظ هذا التبديل في 3: 23- 24؛ 2 يو 5- 6، الذي لا يبدو مهمًا. حسب 2يو 5- 6 نفهم أن الوصيّة (صيغة المفرد) تطلب منا أن نحبّ بعضنا، والمحبة تكمن في سلوك طريق الوصايا (صيغة الجمع). هنا نلتقي مع بولس الرسول: إذا أحببت قريبك كنفسك أتممت جميع وصايا الشريعة (روم 13: 8- 10؛ غل 5: 14). يبقى أن الوصيّة المذكورة هنا هي وصيّة المحبة.
يا أحبائي. فالرسول يعرف قرّاءه كل المعرفة. رج لفظة "تكنيا"، أبنائي الصغار، في آ 1، 12، 28، ولفظة "بايديا" (أبنائي الصغار) في آ 14، 18؛ 3: 7. هي عاطفة الآب تجاه أولاده ويدلّ هذا الكلام على علاقة مشاركة وخضوع تبدو مهدّدة.
أنهى يوحنا ردّه على معارضيه، وها هو يقدّم قولاً حول طريقة جديدة من أجل الحياة المسيحيّة. فمثال يسوع كما في يو 13 حول المحبّة والتواضع، يرتبط بقول يعلّم التلاميذ كيف يعيشون. بعد هذا، يعطي الكاتب وصيّة المحبّة بحيث إن العودة إلى طريقة حياة يسوع والنداء إلى التلاميذ ليتبعوا ذات الطريق، يتعبهما عرض عن الوصيّة.
هي وصيّة قديمة، لا جديدة. ومع ذلك، تكلّم يسوع عن وصيّة جديدة (يو 13: 34)، هي وصيّة المحبّة المتبادلة (يو 15: 12؛ 1يو 3: 23؛ 2يو 5). هذه الوصيّة جديدة في فم يسوع. ولكنها عُرفت لدى المسيحيين، فلم تعد أمامهم وكأنهم يسمعونها للمرّة الأولى. "من البدء" أي منذ بداية الخبرة المسيحيّة وإعلان الانجيل الذي سمعوا به.
ب- وصيّة جديدة (2: 8)
مع أن هذه الوصيّة قديمة بعد أن سمعها قرّاء الرسالة منذ زمن طويل، فهي في شكل آخر جديدة (يو 13: 34). هي ليست جديدة بالمعنى الحرفيّ للكلمة، ويسوع عاد إلى لا 19: 18 حين تكلّم عنها. ولكن بما أن يسوع أوردها، فقد صارت في سياق جديد: تمّت كلها فيه بعد أن أضاء النور في الظلمة (يو 1: 5). تبدّل الزمن فتبدّلت الوصيّة.
لن نعود نجد موضوع "الجديد" في 1يو. ولكن 2يو 5 تقول لنا أولاً: هذا القديم الجديد هو قديم وصيّة المحبّة الأخويّة. لسنا أمام عالم جديد ولا أمام خليقة جديدة. فالنصّ يشدّد على التعليم بما أنه "كلمة الحياة" (1: 1). وثانيًا: هذا القديم الجديد يتعارض مع الأمور الجديدة التي يقدّمها الغنوصيّون، ويجعلونها تحل محلّ التعليم الأصلي. وثالثًا: هذا الجديد يرتبط بجديد يسوع (أن اوتو، فيه، أي في يسوع) من خلال تعليمه وحياته التي قادته إلى ملء المحبة. فلا جديد جديداً إلاّ في يسوع وبواسطة يسوع. ورابعًا: وهذا الجديد لا يرتبط "بشخصية" يسوع، بل يقول لنا إن النور النهائي هو هنا. فالنور الحقيقيّ الذي لا يدركه أحد، صار حاضرًا في يسوع، كما في الجماعة التي "تحفظ" تعليمه. إن نور الحب هذا يدحر ظلام البغض، والحقّ يدحر الجهالة التي هي وضع بشري يصل بالانسان إلى نكران الله.
نجد فعل "مضى" (باراغاتي) بالنسبة إلى الظلمة. وفعل "أضاء" (فايناي) بالنسبة إلى النور. هناك أولاً صراع بين النور والظلمة في خطّ اللاهوت اليوحناويّ. ثانيًا، ينتصر النور على الظلمة. ولكن الجماعة ما زالت ممزّقة بسبب قوّة الظلام. ثالثًا، يتطلع الكاتب إلى النور الذي يميّز الأيام الأخيرة: إننا أدركنا هذا النور منذ الآن "في يسوع المسيح" و"فيكم" أيتها الجماعة المسيحيّة.
أجل، هي وصيّة جديدة لأنها حقيقيّة. وهي تتحقّق وتتأوّن دومًا في حياة يسوع وفي حياة تلاميذه. صارت هذه الوصيّة أمرًا واقعًا بعد أن تجسّدت في الجماعة. فيسوع هو الذي بيّن واقع هذا النوع الجديد من الحبّ بشكل ملموس (يو 10: 14- 18؛ 15: 12- 13). وهذا ما يجب أن يظهر عند التلاميذ الذين ساروا في خطاه. فجديد هذه الوصيّة يكمن في أنه تحقّق في شكل لم يتوقّعه أحد. وبكلام آخر، إن ظلمة الزمان القديم الذي فيه لم يعرف الناسُ مثل هذا الحبّ، قد زال ومضت. وجاء نور زمان جديد، نور الحبّ الذي بدأ يشعّ شيئًا فشيئًا. فهناك أماكن يسيطر بعدُ فيها الظلام، وأماكن عرفت النور، وفيها يجب أن نجد التلاميذ. بدأ النور بمجيء يسوع (يو 8: 12)، وسيكون في ملئه في المجيء الثاني. هذا النور هو حقّ وحقيقيّ. فلا ينبوع آخر للنور سوى يسوع والتعليم الذي تحمله كنيسته.
ج- بين النور والظلام (2: 9)
تبدّلت الأزمنة. والذين أبصروا النور يستطيعون أن يفهموا نتائج هذا التبدّل. فبعد المقابلة بين النور والظلام (آ 5- 7)، أكّد يوحنا أن لا امكانيّة للعيش في نور الله (كما يظنّ البعض) مع بغض الأخ الذي هو مسيحيّ. فمن يكره يقيم في الظلام وإن حسب نفسه عائشًا في النور. ليس هناك نور وظلام، بل نور أو ظلام. وليس هناك بغض وحبّ. بل بغض أو حبّ. ولا نستطيع أن نكون مع المسيح وضدّ المسيح. فمن ليس مع المسيح فهو ضدّه.
"من قال" (هو لاغون). رج آ 6. وعبارات "نكون في الله" "نثبت فيه" "نكون في النور" هي مترادفة، وهي محبوبة لدى الغنوصيين. نجد هنا فعل "ميساين" (كره، أبغض) للمرة الأولى وسنجده في آ 11: 3: 13، 15؛ 4: 20: إذا وضعنا جانبًا 3: 13 الذي يتحدّث عن بغض العالم للمسيحيين في خط يو 15؛ فالبغض هو بغض الاخوة (أو: الأخ)، وهو يتعارض تعارضًا واضحًا مع الحبّ. لا تقدّم 1 يو أفكارًا وقيمًا عامة، بل أشخاصًا يحبون (الآن) أو يكرهون.
بمَ يقوم هذا البغض الذي يقابل مع القتل في 3: 15؟ أولاً: البغض (أو الكره) هو غياب الحبّ. فالذي لا يحبّ يكره. ليس هناك من موقف وسط. ثانيًا: البغض هو موقف متعال ومتكبّر فيه يحتقر الغنوصيون المسيحيين اليوحناويين الذين لم يصلوا إلى "الكمال" (كما يرونه هم). رج 2 يو 9. ثالثًا: تلمّح لفظة كره إلى واقع يقول إن الغنوصيين تركوا الجماعة اليوحناويّة (2: 19) رابعًا: حسب 3: 17، هذا الكره هو قساوة الأغنياء تجاه الفقراء في الجماعة.
جمع يوحنا بين الوصيّة الجديدة والنور، فكان لجمعه هذا نتيجة لا مهرب منه. فإن أعلن أحد أنه في النور (رج 1: 6) وهو يكره أخاه، فهو لا يزال في الظلمة، ولو أن النور بدأ يشرق (هيوس أرتي، حتى الآن). انطلق يوحنا من معرفة قرّائه لهذه الوصيّة الجديدة حول محبّة الاخوة، ومن اعتبار يقول إن من لا يحبّ أخاه يكرهه. ولكن لا بدّ من القول بأن هناك أناسًا لا نحبّهم ولا نبغضهم. موقفنا حياديّ، ولكن، هل نستطيع أن لا نبالي بمن نعيش معه تحت سقف واحد، في بيت واحد... ثم إن يوحنا ينبّهنا إلى أن لا نترك أخانا في حاجة. فإن فعلنا لن تكون محبّة الله فينا وفي أي حال، لا يحقّ لنا أن نطرد أحدًا من محبّتنا. نتصرّف كالسامري الذي التقى جريحًا غريبًا، بل عدوًا. ومع ذلك، أنحنى عليه فدلّ على محبته.
د- بين الحبّ والكره (آ 10- 11)
حين نتكلّم عن الحبّ والكره، لا نحصر كلامنا في عاصفة بشريّة. فهما يعبّران بالأحرى عن موقف وعن نتائج ترتبط بهذا الموقف. نحن أمام نظرة واستعداد داخليّ يُترجَمان عملاً. ماذا نعمل حين نحبّ؟ ماذا نعمل حين نكره؟ من يحبّ هو في النور، (يو 11: 9). فلا يعثر. من لا يحبّ هو في الظلمة. إذن، يتلمّس طريقه بصعوبة (يو 12: 35). إنه يشبه العميان الذي يتساوى لديهم الليل والنهار.
لا يكتفي المؤمن بأن يدخل إلى النور، بل يقيم فيه ويثبت. وكيف ذلك؟ حين يحبّ الاخوة. العلامة ساطعة: أنا أحبّ الاخوة، إذن أنا في النور، أنا في الله. لهذا، يحكم الكاتب بقساوة على ذاك الذي يبغض أخاه: هو في الظلمة. لقد تسلّم النور، ومع ذلك فضّل الظلمة على النور، لأن الظلمة أعمت عينيه، والظلمة هي الجهل ورفض الوحي الذي تحمله المدرسة اليوحناويّة. وهكذا، لا يكون البغض (والكره) سبب هذا العمى، بل نتيجته وعلامته.
من أحبّ، من كره. نحن على مستوى العمل، لا على مستوى الكلام، وحين نحبّ لا نعلن محبتنا على الملأ. ولكن هذا يظهر من عيشنا في النور، فلا نخاف أن نتيه في الظلمة. وعند ذاك تتبدّل نظرتنا إلى الآخر. أما الذي يكره أخاه فيعثر: يقع في الخطيئة، يجحد إيمانه أو يعيش وكأنه لا يؤمن.
في آ 11، يعود يوحنا إلى وضع الانسان الذي يكره أخاه. سبق وقال إنه ما زال في الظلمة. وها هو يكرّر القول عينه مشدّدًا على الخوف والقلق والاضطراب. هو لا يعرف ماذا يجب أن يعمل، كما لا يجد طريق الخلاص. لا يرتاح في حياته لأنه أعمى. وإذ اختار الظلمة وتعوّد عليها، لم تعد عيناه تميّزان النور.
2- قراءة لاهوتيّة وروحيّة
قال يسوع لتلاميذه ليلة آلامه وموته: "أحبّوا بعضكم بعضًا كما أنا أحببتكم". أعطاهم كلمة تُلهم سلوكهم، فأوجز حياته في عمل دلّ فيه على أنه أحبّ إلى الغاية. فيبقى علينا أن نسلك كما سلك هو. كما عاش هو حياته الأرضيّة. ولكن هل ننسخ في حياتنا حياة يسوع وأعماله بشكل حرفيّ، وكما يتخيّله البعض (لباسه، هندامه...)؟ كلا. فالوصيّة القديمة التي تحدّث عنها يوحنا هي دوماً جديدة، وذلك بواسطة الانجيل الذي هو قدرة الله. وهذا الانجيل هو الذي يفعل.
ولكن هل تعني محبّة الأخ، محبّة المؤمن الذي ينتمي إلى جماعة تنتمي إليها، أن ننسى محبّة الأعداء؟ لقد طلب منّا يسوع أن نصالح خصمنا. أن نبارك الذين يضطهدوننا. لا يطلب يوحنا أن نحتقر خصومنا ونُبغض أعداءنا. وحين يحذّرنا من العالم، فهو لا يحذّرنا من البشر، بل ممّا يحمله العالم من اغراءات تحيد بنا عن الملكوت.
وإن كلمنا يوحنا عن المحبّة الأخوية، فهناك ثلاث أسباب الأول، عمليّ، ماذا ينفع كلام عام (مثل: أنا أحب البشريّة) إذا كنّا لا نحب أولئك الذين وضعهم يسوع بجانبنا. فالخطابات عن التضامن لا قيمة لها إن لم تترجم في الحياة. لهذا نتجنب العموميات التي لا تقود إلى شيء لأنها لا تلزمنا في شيء. والسبب الثاني، الكنيسة هي الموضع الذي يملك فيه سلام الله. وبما أننا نلنا النور فنحن أبناء النور، ونكوّن جماعة النور بعد أن وحّدتنا معرفة الاله الواحد وشاركنا في الحياة الالهيّة. أليس هناك شيء يربطنا، أقلّه على مستوى المجتمعات البشريّة؟ وهكذا لا تكون الكنيسة فقط الموضع الذي فيه تمارَس المحبّة، بل هي علامة المحبّة. هي محبّة الله متجسّده في جماعة رأسها يسوع المسيح.
والسبب الثالث. ليس الحبّ الأخويّ من الأرض، بل من السماء. وقد أعطي للكنيسة منذ الآن، وإن كانت ترجوه في ملئه. يبقى عليها أن تعيشه. وحين يحبّ المسيحيون بعضهم بعضًا، يجعلون على الأرض قطعة من السماء. لهذا، يستبعد الكُره (والبغض) عن جماعة المسيحيين الاخوية. كما تستعيد الامبالاة. فمن رفض أن يعين أخاه يقتله.
إذا أردنا أن نحبّ نكون في النور. وخارجًا عن يسوع المسيح، لا نجد حبًا أخويًا حقيقيًا ولكن حين نتعلم مثل هذه المحبّة، فهي تتيح لنا أن نقيم في النور، أن نشارك الله في حياته. أن نثبت في الله. وحين نمارس الحبّ نعتاد على النور، فنكتشف حالاً ما يريده الله منا في كل ساعة من ساعات حياتنا. عندئذ تزول الحواجز التي تفصلنا عن الله وعن الأخوة حين نختبر فرح المحبّة الذي يتجسّد في فرح العطاء. على مثال يسوع الذي بذل نفسه عن إخوته، عن أحبائه.
لا تحبّوا العالم
2: 12- 17
تبدأ آ 12- 17 مع النداء: يا أبنائي الصغار (رج آ 1، 28؛ 3: 7، 18؛ 4: 4؛ 5: 21). ومع فعل: أكتب (رج آ 1). قد تكون آ 12- 14 عظة، وآ 15- 17 كلامًا إرشاديًا. غير أن هذه العظة تبدأ بتذكير بغفران الخطايا كما في 1: 7، 9. هذا ما يعرفه القرّاء. فعلى يوحنا أن يجذِّر في انجيل الغفران قرّاء تأثّروا ببرامج تحمل الخلاص على الطريق الغنوصيّة، ويطلب منهم أن يترجموا معرفتهم لله عملاً.
1- دراسة كتابيّة
تقسم هذه القطعة قسمين: وضع جديد للمؤمنين (آ 12- 14)، علاقة المؤمنين بالعالم.
أ- وضع جديد للمؤمنين (2: 12- 14)
أولاً: نظرة عامة
اختتمت آ 11 قطعة عبّرت عن التعارض بين النور والظلمة في إطار حفظ الوصيّة الجديدة التي تدعو المؤمنين لكي يحبّوا بعضهم بعضًا. وتبدأ قطعة جديدة مع سلسلة من الأقوال حول الوضع الروحيّ للقرّاء. وهذه الأقوال استعادت ما قيل في تعليم سابق، وشدّدت على ما هو حقّ بالنسبة إلى القرّاء. بالنسبة إلى آ 12، رج 1: 9. بالنسبة إلى آ 13 أ، 14 أ ب، رج 2: 3. بالنسبة إلى آ 14 ج، رج 1: 8، 10.
وفي الوقت عينه، هناك أفكار جديدة، ستجد ملء التعبير عنها في ما بعد، في الرسالة، مثل الغلبة والانتصار (4: 5؛ 5: 4- 5). كما أن ليس من ارتباط واضح على مستوى الألفاظ مع آ 15- 17 التي تتضمّن تنبيهًا يمنع المؤمن من محبّة العالم. ولكن يبقى أن آ 12- 14 تثبّت القرّاء في وضعهم المسيحيّ، وتؤمن الأساس المتين للوصيّة في آ 15- 17. في آ 12- 14 كما في آ 15- 17، هناك تطبيق إيجابي وتطبيق سلبيّ لبعض ما جاء في 1 يو. وإشارة إلى موقف المؤمنين الحقّ من اعتبارات كاذبة يطلقها خصوم يوحنا، وتحذير من السقوط في حبّ العالم الذي ينشره هؤلاء المعلّمون الكذبة (4: 5).
كيف نفهم هذه القطعة بالتفصيل؟ هناك أربع مسائل على مستوى التفسير. (1) يعطينا الكاتب سلسلتين من ثلاثة أقوال متوازية، ويكرّر الثاني بشكل أوسع ما قاله الأول. كيف نفهم هذا التكرار؟ (2) تبدأ السلسلة الأولى من الأقوال مع "أكتب" في صيغة الحاضر. والسلسلة الثانية مع "كتبتُ" في صيغة الاحتمال. هل من مدلول للانتقال من صيغة إلى صيغة؟ (3) إن الاداة "هوتي" تعني "لأن" وتعني "أن" أكتب إليكم لأن الله (السبب الذي لأجله يكتب يوحنا). أكتب إليكم أن الله (ما سبق يوحنا وقاله لهم). ما الفرق بين الاثنين؟ (4) تتوجّه كل سلسلة من الأقوال إلى الأبناء، إلى الآباء، إلى الشبّان. هل نأخذ هذا في المعنى الحرفيّ أم نعتبره استعارة؟ ومجازًا؟
وتبقى الصعوبة الكبرى في تكرار الأقوال. ظن بعضهم أننا أمام مسودتين. ولكن لماذا أدرجهما الكاتب ولم يختر واحدة منهما؟ واعتبر آخرون أننا أمام تقليد شفهيّ في الكنيسة مع تمييز بين "أكتب" و "كتبت". وقال آخرون إن تبديل صيغة الفعل توخّى الابتعاد عن الرتابة. كما اعتبر بعض آخر أن الكاتب إنطلق من الماضي وجعل نفسه في زمن قرّائه. أما الاختلاف بين "لأن" و"أن"، فلا يؤثّر في فهمنا للنصّ. مع "لأن" نلتقي مع آ 21: لأن القرّاء عرفوا الحق. ومع "أن"، يعلن يوحنا كلام حول وضع القرّاء. ولكن تبقى السببيّة (لأن) في المفضّلة. ويبقى التنوّع في تسمية القرّاء: أبناء، آباء، شباب. إن يوحنا يفكّر في ثلاث مجموعات في الكنيسة. أو هو يتطلّع إلى خبرات مسيحية ثلاث: مهتدون جدد، ناضجون في الايمان، وموقع بين الاثنين. ويمكننا أن نربط المهتدين الجدد بمعرفة طريقة لغفران الخطايا. والمسيحيين الناضجين بمعرفة عمقية لله. والشباب بالعزم على التغلّب على الشرير. وهنا تفسير آخر: الآباء والشبان هم مجموعتان في الكنيسة، على مثال الشيوخ والشمامسة. أو هم فئتان في الكنيسة (الكهول والشباب). رج 1تم 5: 1- 2؛ تي 2: 1- 8؛ 1 بط 5: 1- 5 والتفسير الأخير: نحن أمام تقسيم بلاغيّ يرتبط بمراحل الحياة الثلاث. فالمسيحيون يمتلكون براءة الطفولة، وعزم الشباب، ونضج الشيوخ.
ثانيًا: قراءة الآيات 12- 14
هناك طريقة البناء. تكرار كتبتُ (آ 12- 13) أو أكتب (آ 14)، ثلاث مرات. نحن هنا أمام أسلوب كتابي. بعد هذا نجد رسمة مثلّثة تتكرّر مرتين: الابناء الصغار، الآباء، الشبّان. الأبناء الصغار هم مجمل قرّاء الرسالة. والشيخ هو الذي يكتب. إذن، هم يرتبطون به، وينتظرون منه كل تعليم. وحين يتحدّث يوحنا عن الآباء والشبان، فهو يشير إلى فئتين بين قرّائه. وأخيرًا، إن كل عنصر في الرسمة يعود إلى الأمر عينه: في الحالة الاولى إلى الله الآب الذي يغفر الخطايا. في الحالة الثانية إلى المسيح. وفي الحالة الثالثة إلى حرب على الشرير وانتصار.
كتب يوحنا ليُسند المؤمنين ويحضّهم. أراد أن يثبّتهم في شركة كوّنها الله معهم حين غفر لهم خطاياهم بالنظر إلى ذلك الذي يحملون اسمه (1: 7- 9). فهم كمسيحيين يعرفون الآب. والذين يعرفون الآب، يعرفون ذاك الذي كان من البدء، أي كلمة الحياة الذي هو لدى الآب منذ الأزل. أما الشبّان فقد غلبوا الشرير. هذا لا يعني أنهم بلا خطيئة. ولكن كلمة الله التي فيهم تقوّيهم وتدفع عنهم ضلال محيطهم بحيث يظلّون في شركة مع الله.
ثالثًا: يا أبنائي الصغار (آ 12)
أكتب إليكم (آ 1، 7، 8) بعد صيغة الحاضر، نقرأ صيغة الاحتمال في آ 14، 21، 26 (رج 5: 13؛ 3يو 9). لا ننسى أننا في الاسلوب الرسائلي، ما سبق وكتبتُ لكم في رسالتي. الأبناء الصغار (رج آ 1) هم جميع قرّاء الرسالة. يجب أن يفرحوا، لأن الله غفر لهم خطاياهم. لا في الماضي فقط، بل الآن أيضًا. فيا ليتهم يستفيدون من هذا الغفران.
سمّى بولس قرّاءه الأبناء الصغار كما في غير موضع في 1يو. هم يحتاجون إلى التعليم (هكذا يسمّي المعلّم تلاميذه في أسفار الحكمة). قرّاؤه شعب خطئ فغُفر له وطُلب منهم أن يعترفوا بخطاياهم (1: 9) ففضلوا، فعرفوا فرح الغفران. هنا نتذكّر أن المغفرة ليست عمليّة آلية. بل هي جواب الانسان على غفران يقدّمه الله مسبقًا اكرامًا لاسم المسيح. هنا نتذكّر دور المسيح، وعملَه كالشفيع الذي يقدّم ذبيحة عن الخطيئة (1: 7؛ 2: 1- 2)، وواجب الايمان باسمه (3: 23؛ 5: 13). صيغة الفعل صيغة الكامل. نحن أمام غفران في الماضي ما زالت مفاعيله حاضرة. وهكذا تكون خبرة الغفران في قلب الاهتداء إلى المسيح.
رابعًا: أيها الآباء (آ 13)
يُذكر الآباء والشبّان هنا بحسب أعمارهم في قلب الجماعة اليوحناويّة. الآباء يعرفون من يعرفون؟ ذاك الذي كان من البدء. أي يسوع المسيح (1: 1- 3؛ 2: 7، 24؛ 3: 11؛ 2يو 5، 6) كما عرفته الجماعة ونادت به. امتاز الآباء في أنهم نالوا تعليمًا أصيلاً هو قاعدة الايمان. أما الشبان (نيانسكوي) فانتصروا انتصار الايمان ضدّ الضلالة وضدّ العالم. في هذه الحال، الشرّ أو الشرير (بونيروس، 3: 12؛ 5: 8- 19) هو إبليس، رئيس العالم وملهم الهرطقات.
إن تصوير مجموعة المسيحيين البالغين على أنهم "الآباء"، لا يجد ما يقابله في العهد الجديد. حين لا يُستعمل اللفظ استعمالاً حرفيًا (أف 6: 4) فهو يعود إلى الشيوخ الذين رقدوا (2 بط 3: 4). لهذا قد نرى فيه تعبيرًا عن احترام للشيوخ (أع 7: 2؛ 22: 1). والشيوخ هم الذين عرفوا المسيح باكرًا فدلّوا على نضج في خبرتهم المسيحيّة بعد أن عرفوا ذاك الذي كان من البدء. تعود الصورة إلى ما قيل عن المسيحيّين الحقيقيين في 2: 3- 4. بما أن الآب يُذكر في آ 14 أ، فالذي من البدء هو الابن. لا خلاف على وجود الآب منذ الأزل. ولكن يوحنا يشدّد على أن يسوع أيضًا هو من الأزل. هناك التباس. ويمكن أن يكون الكاتب احتفظ به، لأن لا تمييز بين خبرتنا مع الآب وخبرتنا مع يسوع.
ويذكر النصّ الشبان وما يُطلب منهم. لقد انتصروا على الشرير. هي صيغة المذكّر (2: 14؛ 3: 12؛ 5: 18- 19). تدلّ على ينبوع الشرّ وعالم الظلمة. تُستعمل صيغةُ الكامل: فالنصر تمّ وإن وجب علينا أن نتابع الجهاد. فالنصر على الشرّ حصل يوم الاهتداء. حصل بقدرة يسوع الذي غلب إبليس بموته وقيامته. هذا يعني أننا نستطيع أن نتغلّب على التجربة التي تأتي من العالم (آ 15- 17) ومن المعلّمين الكذبة (آ 18- 27). هذا ما نقرأه في 4: 4 فنفهم أننا ننتصر على كل ما يبعدنا عن التعليم الصحيح.
خامسًا: أكتب اليكم (آ 14)
أكتب إليكم. هنا نعود أيضًا إلى الفئات الثلاث التي ذُكرت سابقًا: أبنائي الصغار، الآباء، الشبّان، ونلاحظ التكرار. في آ 14 ج نقرأ: أنتم أقوياء لأن كلمة الله فيكم. لهذا انتصرتم. نحن هنا في إطار اسكاتولوجيّ (الشرير، النصر). في إطار الانتصار الأخير الذي ينعمون بنتائجه منذ الآن (2 يو 9).
يُصوَّر الابناء على أنهم عرفوا الآب (رج آ 3). فمعرفة الآب هي امتياز الأطفال (مت 11: 25؛ لو 10: 21). لهذا، يجب على المسيحيّين أن يكونوا كالأطفال. أما الآباء فيعرفون ذاك الذي هو من البدء، الآب أو ابنه يسوع المسيح (رج آ 13). والشبّان هم أقوياء لا بقوّتهم، بل لأن كلمة الله تثبت (تقيم) فيهم. رج 1: 8؛ 2: 4. إن تقبّل كلام الله هو ينبوع قوّة روحيّة تتجاوز قوّة المعلّمين. ذُكر الآب والابن. ومع الحديث عن قوّة الله، نتذكر ضمنًا الروح القدس (أف 6: 17). وهكذا نكون في إطار ثالوثيّ بهذه القوّة الشخصيّة التي تفعل في الداخل، يصبح انتصار يسوع على الشرّ واقعًا وحقيقة في حياة المؤمنين. ذاك هو الأساس للوصيّة التي ستلي. لا بدّ للمؤمن من أن يتذكّر وضعه الروحيّ. في آ 3، فهمنا أهميّة العمل بوصايا الربّ. هو يدعونا في الايمان ونحن نتجاوب معه. كما لا بدّ أن نتذكّر أن الخلاص يرتبط بوعد الله وقدرته. هكذا نستطيع القول إننا في سلام مع الله، وعرفنا بمن آمنا (5: 13).
ب- علاقة المؤمن بالعالم (2: 15- 17)
نتوقّف هنا عند ثلاثة أفكار: العالم وما في العالم (آ 15). العالم وما فيه من شهوة (آ 16). العالم يزول (آ 17).
أولاً: العالم وما في العالم (آ 15)
وثق الكاتبُ بقرّائه، فدلّ على أنهم لم يسقطوا في تجربة محيطهم. بما أنهم رفضوا ما يقدّمه العالم للمؤمنين، وجب على يوحنا أن يثبّتهم ضدّ الضلال. لهذا دعاهم فقال: "لا تحبّوا العالم". العالم في 2: 2 هو البشريّة التي كفّر عنها المسيح. أما هنا، فهو المكان الذي فيه تعمل القوى التي تفضل الانسان عن الله. لا يقول الكاتب (شأنه شأن الغنوصيين) بعالم شرير في ذاته، فنتخلّص منه مهما كان الثمن. بل، إن من جذبه العالم، أحلّ محلّ محبّة الله ما ينتمي إلى الفساد. إذن، يحب أن نختار بين الله والعالم، ولا خيار ثالث. في الواقع، هي مواجهة بين حبّنا للعالم وحبّنا لله.
لا يتحدّث النصّ عن العالم على أنه خليقة الله، بل عن ذاك الذي رئيسه سيُدان (1يو 12: 31؛ 16: 11؛ 18: 36) والذي بغضُه يهدّد التلاميذ (يو 15: 18- 25). العالم يعارض الله وحاملَ وحي الله. يعارض شخص يسوع كما تجسّد في التاريخ، ويعارض الكنيسة جسد المسيح في العالم. وتقول الرسالة: كل ما في العالم (آ 16) لا يأتي من الله. إذن، لا مكان للخير في العالم. فلا نحبّ ما في العالم، ولا ما يسيطر على العالم.
بعد سلسلة الأقوال (آ 12- 14) جاء تحذير للقرّاء الذين حافظوا على إيمانهم. فالخطر يهدّدهم (1كور 10: 12). هم يشاركون الله ويحبّون إخوتهم، ولكن كل هذا يتدمّر في محبّة العالم. هذا العالم الذي يتمرّد على الله. الذي يرتبط بالظلمة (يو 1: 5؛ 12: 46) والخطيئة. إذن، حين يحذّر يوحنا قرّاءه من العالم، فهو يحذّرهم من مقاومة الله والانجذاب إلى الخطيئة. ويُفهمهم أن حب الله لا يتوافق مع حبّ العالم. على مثال اللاتوافق بين حبّ الله وحبّ المال (مت 6: 24؛ لو 11: 13). في هذا المجال يقول يع 4: 4: "تعرفون أن محبّة العالم عداوة لله".
ثانيًا: العالم وما فيه من شهوة (آ 16)
ما الذي ينتمي إلى هذا العالم الشرير؟ الشهوة. وهذا ما يتعارض مع محبّة الآب. إن أخذنا بالشهوة، كان ذلك على حساب الله. لهذا يجب أن نختار: أو نتعلّق بما هو للعالم، أو نتعلّق بما هو لله. فلا يستطيع انسان أن يستسلم إلى شهوات العالم ويعتبر نفسه مملوءًا من محبّة الله.
إن آ 16 تؤسّس ما قيل في آ 19 وتوضحه. إذا كنا لا نحبّ العالم، فالسبب... نحن لا نحبّ عالم الشهوة. لا نحبّ عالمًا تأخذ فيه الشهوة مداها. وهكذا نتجاوز الثنائية الغنوصيّة (الله، العالم وكأنها يتقابلان ويتساويان في الصراع)، فنفهم أن يوحنا لا يحذّرنا من العالم، بل من استعمال سيِّئ للعالم. وما هو غنى (الجسد، العين) صار دافعًا إلى الشهوة.
أجل، لا توافق بين حبّ الله وحبّ العالم. فكل ما في العالم، لا يأتي من الله، بل من العالم نفسه. فأصله يرتبط بنظام مرتّب في معارضة لله. وما في العالم يشارك العالم، ويقدّم يوحنا ثلاث سمات تدلّ على العالم الخاطئ. الأول، شهوة الجسد (حرفيًا: اللحم، البشريّة بما فيها من ضعف وميل إلى الخطيئة). أي الرغبة التي تنطلق من "البدن" فتصبح مركز الرغبات الشهوانيّة والفجور: على مستوى الطعام والشراب والرغبات الجنسيّة. هذا يصحّ في إطار وثنيّة القرن الأول (روم 1: 28- 29). أما في 1يو، فالارتباط واضح بالعالم البيبليّ واليهوديّ مع انسان (من نفس وجسد) يرتبط بالعالم فيفصل عن الله ويقاومه.
والسمة الثانية للعالم هي شهوة العين. فالعين هي مرارًا ينبوع الرغبات بما فيها من شهوة. وهي تميل إلى "الخارج". والسمة الثالثة هي مجد الحياة. هي الرغبة في امتلاك الأشياء. هذا ما يقودنا إلى الكبرياء والمجد الباطل. نستطيع أن نعتبر السمة الأولى وكأنها أساس السمتين التاليتين. فرغبة الانسان تتحرّك بما تراه العين، وتعبّر عن نفسها في مظاهر باطلة. وهذا كله ليس من الله، بل من العالم، لأنه يعبّر عن اكتفاء ذاتي لدى الانسان واستقلاليّة عن الله. نشير هنا إلى ما قاله بعض الشرّاح عن موقف حواء المثلّث حين سقطت في التجربة: رأت أن الشجرة المحرقة طيّبة المأكل. أنها منية العين. أنها مرغوبة لكي تمنح الحكمة. ولكن تبقى المقابلة غير دقيقة.
ثالثًا: العالم يزول (آ 17)
تنتمي الشهوة والمجد الباطل إلى هذا العالم، وتزولان معه. يستند هذا القول إلى الخبرة البشريّة العاديّة، وإلى الاعتقاد بأن هذه الميول لا علاقة لها بالله. هي لا تتوافق مع مشيئة الله: وهكذا يسير الذين يعيشون في تعارض مع مشيئة الله، نحو دمارهم، ونحو فراغ يميّزه غياب الله. أما الذين يعملون بمشيئة الله، فيحيون إلى الأبد، لأن الشركة مع الله لا تنحصر في حياة تمتدّ من الولادة إلى الموت، بل تتواصل عبر الموت لتلج أبديّة الله. وهكذا يقاسم الانسانُ المسيحَ مصيره (2: 6). فحين على يسوع بمشيئة الآب (يو 4: 34؛ 5: 30؛ 6: 38) صوّر مسبقًا دعوة جميع المسيحيّين (يو 7: 17- 18؛ 9: 31؛ رج مت 7: 21؛ مر 3: 35).
حين نحب العالم نقاوم الله. بل نُستعبَد أيضًا لمستقبل نزع عنه يسوع القناع وحكم عليه. وما قيل عن الظلام في آ 18 (باراغاتاي، مضى) يقال الآن عن العالم نفسيه: يزول. نحن بعيدون عمّا يقوله الغنوصيّون عن أن العالم جزء من واقع كاذب لا قوام له. فما يعلّمه يوحنا هو أن العلم دين وحُكم عليه (يو 16: 11)، لأن قوى الشرّ تسيطر عليه. وهكذا لا مستقبل أمام الله لهذا العالم الحاضر. هذا لا يعني أن العالم يزول، بمعنى أنه يعود إلى العدم. بل يزول كما هو الآن. ولا يمكن الله إلاّ أن يحكم عليه كما حكم على سيّده.
وعبارة "عمل بمشيئة الله" عرفها العالم اليهوديّ والمسيحيّة الأولى (يو 4: 34؛ 6: 38؛ 9: 31). تعني في 1 يو: حفظ وصايا الله. أحبّ اخوته (2: 14؛ 3: 7- 11). لا شكّ في أن يوحنا يتحدّث عن النظر إلى الابن والايمان به. ولكنه يشدّد بشكل خاص على أهميّة المحبّة الأخويّة ليحارب كل روحانيّة تنسى الواقع اليوميّ وتعيش في الغيوم. وأخيرًا، العمل بمشيئة الله جزء من الايمان بخلاص الله المجاني، جزء من معرفتنا لله.
هكذا نصل إلى قمّة النداء الذي يطلقه يوحنا. من الغباوة أن نرغب في العالم وشهواته فهي ستزول كما زال الظلام (2: 8). وكان بولس قد قال: "هذا العالم في شكله الحاضر يزول" (1 كور 7: 31). ومجيء النور علامة لبداية جديد ونهاية قديم.
2- قراءة لاهوتيّة وروحيّة
صوّر يوحنا في هذه الآيات ما يحصل في الكنيسة. وما يلفت النظر بادئ ذي بدء هو اللهجة الايجابيّة. عرفتم الذي كان من البدء. غلبتم الشرير. كان الكاتب قد طلب قبل ذلك من المسيحيين أن يحبّوا بعضهم في قلب الكنيسة. وها هو يطلب منهم يجب أن يأخذوه تجاه العالم.
لجأ يوحنا إلى لغة شخصيّة ومباشرة فحثَّ المؤمنين ودعاهم لكي يثبتوا في ما يعيشونه. فالجهاد لا يتجاوز قواهم. ويحدّثهم كما يحدّث الأب أولاده. يتوجّه إلى الجميع، ويكلّمهم بلغتهم ليصل إلى اهتمامتهم الشخصيّة ويردّ على أسئلة يطرحونها على نفوسهم.
يقول لهم: غُفرت خطاياكم بفضل (بسبب، بالنظر إلى) اسمه. ثم يقول: تعرفون الآب. الفعلان هما في صيغة الكامل، فيدلاّن على واقع حاضر يعود إلى أمر حصل في الماضي. ولكن ما هي اللحظة التي نال فيها الناس المغفرة عن خطاياهم حين اعترفوا بأن الله أبوهم؟ ومتى انطلقت هذه الحياة التي تجدّدت بالشركة مع الله؟ هنا نتذكّر كلام بطرس بعد العنصرة: "ليعتمد كل واحد باسم يسوع المسيح لغفران خطاياه فتنالوا موهبة الروح القدس" (أع 2: 38). وفي خبر كورنيليوس، أمر بطرس بأن يُعمَّد الجميع (أع 10: 48) بعد أن أعلن أن "من يؤمن به (= بيسوع) ينال باسمه غفران الخطايا" (آ 43). في هذين النصين يرتبط اسم يسوع بغفران الخطايا والمعمودية. فالمعمودية تجعل الانسان ينعم بعمل المسيح من أجلنا.
وتأتي الدعوة للابتعاد عن العالم. هذا لا يعني أن المسيحيين ينغلقون على نفوسهم، ويعيشون بعيدًا عن الناس. لا، لا يدعو يوحنا المؤمنين لكي يتهرّبوا ويتخلّوا عن مسؤولياتهم. هم في العالم، ولكنهم ليسوا من العالم، كما قال لهم يسوع. هذا العالم الذي إليه أرسل الله ابنه، هو البشريّة التي تحتاج إلى الخلاص. هذا العالم لا نهرب منه، بل نهرب ممّا فيه من شرّ وارتباط بابليس. وهكذا نكون أولاً أمام موقف سلبيّ: نترك كل شهوة ومجد باطل. ثم أمام موقف ايجابي: نعمل بمشيئة الله. فيبقى علينا أن لا نجعل حياتنا تتوافق مع طريقة حياة العالم. منذ الآن بدأت دينونة هذا العالم. ونحن سنُدان معه إن تعلّقنا به. لهذا نقول 1 يو 2: 18: "جاءت الساعة الأخيرة".
المسحاء الدجّالون
2: 18- 27
هنا تبدأ قطعة جديدة ترتبط ارتباطًا رخوًا بما سبقها. بعد أن كلّم الكاتب قرّاءه عن العالم الذي يزول، ها هو يقول لهم إن النهاية جاءت. هي الساعة الأخيرة وعلاماتها واضحة. ولكن اقتراب النهاية ليس الاهم. فهدف الكاتب الرئيسي التخدير من مقاومي الايمان المسيحي. ما هم في الحقيقة، وما هو تعليمهم؟ فمع أنهم تعلّموا علم الله، إلاّ أنهم فقدوا التمييز الروحي فضلّوا. فليس سوى سبيل واحد لمقاومة هؤلاء الهراطقة: نقيم في التعليم الذي تعلّمناه فيثبت فينا هذا التعليم (آ24): إن ثبت فيكم ما سمعتوة تثبتون في الابن وفي الآب.
1- دراسة كتابيّة
نتوقّف هنا في أربع محطات. لو كانوا منا لبقوا معنا (2: 18- 19). انتم تعرفون الحقّ (آ 20- 21). كذب الهراطقة (آ 22- 23) الحياة الابدية (آ 24- 27).
أ- لو كانوا منا لبقوا معنا (2: 18- 19)
أولاً: نظرة عامة
في القسم الأول من الرسالة، كانت الخلقيّة هجوميّة وما زالت وهي تحدّد اختيار المواضيع ولكن اللهجة تصبح الآن قاسية، فيقوم يوحنا بهجوم مباشر على الذين يُضلوّن القراّء. في القطعة السابقة، شدّد على المستوى الأخلاقيّ، وها هو يشدّد على المستوى العقائديّ عن الطرق التي بها ننظر إلى يسوع.
ويبدأ كلامه عن مجيء "الانتيكرست" المناوئ للمسيح، المسيح الدجّال. فيوحنا ميتقّن، شأنه شأن المسيحيّة الأول، أنه يعيش الساعة الأخيرة في التاريخ حيث يزول كل ما ينتمي إلى العالم المنظور ويظهر المسيح من جديد. إن ظهور النور خلق زمنًا جديدًا (آ8) يشارك فيه المسيحيّ لهذا، ينتظر المؤمنون الساعة التي فيها تزول الظلمات في ضياء الله، ويرى الانسان الله وجهًا لوجه. ويسبق هذه المواجهة الأخيرة لقاء الانسان مع يسوع، لقاء الانسان مع كلمة حول مجيء ملكوت ربه. وهكذا يضحي انتظار هذه المواجهة سمة أساسيّة في الزمن الاسكاتولوجي، في "الساعة الأخيرة".
ليست خبرة الزمن العابر هي التي خلقت فكر الساعة الاخيرة. فهذه الساعة ارتبطت بيقين يقول إن العبور من ساعة الانتظار إلى ساعة الله النهائية، قد صار قريبًا، دقت نهاية هذا العالم ومع وجود الانتيكرست الذي هو ضدّ المسيح، الذي يسبق مجيئه الذي هو علامة مجيئه. يرى يوحنا أن الانتيكرست أو المسيح الدجّال ظهر عبر كسحاء دجّاليا عديدين.
ثانيًا: جاءت الساعة (آ 18)
إن الساعة الأخيرة سوف ترى أنبياء كذبة كانوا في وقت من الأوقات من قراّء الرسالة: خرجوا من بيننا. نحن هنا أمام جماعة مسيحيّة تُمزّقها الصرعات الأخلاقيّة والعقائديّة. ولكن، أما نكون بالأحرى أمام جماعة يهوديّة تمارس ضغطًا على الذين صاروا مسيحيين، وتُبغض الاخوة الذين قاسموها في الماضي إيمانها؟ تلك فرضيّة غير أنها تبقى فوضيّة. كل ما نستطيع أن نقوله هو أن التعليم الذي يقدّمه هؤلاء الهراطقة لا يتوافق مع التعليم المسيحيّ كما أنه يشكل خطراً بالنسبة إلى القراء بسبب الدعاية الواسعة التي يقوم بها هؤلاء المضلّون. هل تنظّم هؤلاء في جماعة إنفردت عن الجماعة اليوحناويّة؟ لا شكّ في أنهم انقطعوا عن الشركة وساروا في طريق الضلال.
الأنباء الصغار هم، كما في آ 14، القّراء الذين تتلمذوا ليوحنا: ما زالوا بحاجة إلى تعليمه وتوجيهه. وإذ يدعوهم الكاتب بهذا الاسم، يذكّرهم بالتعليم الذي أعطاه والذي لا يرى حاجة إلى إعادته. وعبارة "الساعة الاخيرة" لا ترد إلاّ في 1 يو (مرّتين). هي لا تقابل مقابلة تامة "اليوم الاخير" أو يوم الدينونة والقيامة (يو 6: 39- 54)؛ 11: 24؛ 12: 48؛ رج 1 يو 4: 17). بل تدلّ على الحقبة الأخيرة في تاريخ بشرية تتميز بظهور "مسحاء دجالين" (انتيكرست)، لا بالكوارث الكونيّة. هي الساعة الأخيرة في الأزمنة الأخيرة التي دشّنها المسيح. وهي تسبق ظهور يسوع الأخير (آ28- 32). غير أن يوم المجيء لم يحدَّد. وهذه الساعة ليست تلك المذكورة في الانجيل الرابع حيث تدلّ على تمجيد يسوع علي الصليب. إن الكاتب يهتمّ في آ 18- 27) بحربه على الهراطقة لا بتوضيح ما يتعلّق بالأزمنة الأخيرة.
سمعة (اكواين). رج آ 7، 24: 3: 11؛ 4: 3. ولكن متى سمعوا هذا التعليم عن السماد الدجالين؟ حين بدأوا حياتهم المسيحيّة نالوا التعليم التقليدي الذي يُعطى للمؤمنين الجدد. هذا يعني أن جماعة يوحنا اتّصلت بقيادات لاهوتيّة، فأعطيت الجواب في حينه. في نهاية العالم يظهر الانتيكرست. أما الآن فهناك أكثر من انيكرست، أكثر من مسيح دجّال، وتبرز فكرتان معروفتان: تتميّز أزمنة النهاية بمقاومة الله أو مرسله. ثم إن هذه المقاومة ستكون على المستوى العقائديّ مع تكاثر الضلالات التي تسحر المؤمنين (بلانان، بلاني) رج مت 24: 1 ي؛ رؤ 12: 9؛ 20: 3؛ 1 يو 1: 8) والأكاذيب (رؤ 14: 5، 21، 27: 1يو 2: 4، 21- 27). أضحت صورة الانتيكرست "مجسدة في التاريخ" بعد أن كانت على مستوى السطر. والمقابلة بين صيغة الحاضر (يأتي الأن) مع صيغة الكامل (غاغوناسين) تدل على هذا العبور من الرؤية الجليانيّة إلى صراع تعيشه الآن الجماعة اليوحناويّة.
أراد يوحنا أن يبرهن لقراءه أنهم يعيشون الساعة الأخيرة. وقد يكونون سمعوا بنبوءة حول مجيء الانتيكرست. هنا نتذكر 2 يو 7 الذي يتحدّث عن الذي ينكرون أن يسوع المسيح جاء في الجسد، صار بشرًا (رج 1 يو 2: 22). إنهم يعارضون التعليم الحقيقي حول المسيح لا تستعمل لفظة الانتيكرست إلا في رسائل يوحنا (2: 18، 22؛ 4: 3؛ 2 يو 7). من أين جاء بها الكاتب؟ أولاً، في تعليم يسوع حول الأيام الأخيرة، هناك تنبيه حول مجيء "مسحاء كذبة وأنبياء كذبة سيظهرون ويعلمون آيات ومعجزات ليضلّوا المختارين إذا استطاعوا" (مر 13: 22؛ مت 24: 24). مثل هؤلاء يعارضون معارضة واضحة يسوع على أنه المسيح. أما هنا. فهم يظهرون كأنبياء يعلنون قولاً مغايرًا للحقيقة، أو يقولون كذبًا إنهم المسيح. نستطيع أن نقابل هذا مع صورة الوحش والنبيّ الكذاب في رؤ 13: 1 ي؛ 19: 20، حيث النبّي الكاذب يدعو الناس لعبادة الوحش. ثانيًا، هذا ما يقودنا إلى انتظار ما يقاوم المسيح والانتظار ينعكس في مجيء "رجل المعصية" (2 تس 2: 1- 12) أو "رجاسة الخراب" (مر 13: 14).
ثالثًا: خرجوا من بيننا (آ19)
لم يقل لنا يوحنا شيئًا عن هويّة هولاء المسحاء الدجّالين. وهو الآن يقول لقرّائه إنهم خرجوا من بيننا هذا يعني أنهم كانوا في يوم من الأيام أعضاء في الجماعة ثم تركوا الكنيسة. هذا الوضع يختلف عمّا في 3 يو 7 حيث طُرد أصدقاء يوحنا من الكنيسة بفعل ديوتريفس. أما هنا فعارض بعضهم تعليم يوحنا ومضوا بملء إرادتهم. ومع أن هؤلاء تركوا الكنيسة، فهذا لا يعني أنهم انتموا إليها أنتماء حقيقيًا. فعبارة "إيس هامون" تدلّ على الاصل (خرجوا من بيننا) كما على العضويّة في مجموعة (انتموا إلينا). هي عبارة تبقى ملتبسة. ربما كانوا في الظاهر أعضاء في الكنيسة كانوا في الجماعة "المنظورة" ولم يكونوا في الجماعة "اللامنطورة"، جماعة الذين يعرف الرب أنهم خاصة (2 تم 2: 19).
هل "جلس" هؤلاء الناس في المقاعد الأولى في الكنيسة؟ أعلنوا إيمانهم وها هم يتخلّون عنه. بل يحاربونه. بدأوا جريهم، ولكنهم لم يثبتوا على تعليم المسيح (2 يو 9). لهذا يعتقد يوحنا أنهم لوكانوا أعضاء حقيقيين في الكنيسة، لظلّوا في الكنيسة وما تركوها. وإن هم أعلنوا ايمانهم فإعلانهم كان فارغًا. فمن يعلن إيمانه إعلانًا صريحًا، يُنتظر منه أن يثبت في ما وعد به. أم إذا مضى، فهذا يدلّ دلالة واضحة على كذبه.
ب- أنتم تعرفون الحق (2: 2- 12)
اولاً: مسحة من القدوس (آ20)
ويحاول يوحنا تثبيت موقف قرّائه تجاه محاولات الخصوم. لا يكتب لهم لأنهم يجهلون الحقّ، بل لأنهم يعرفون أن يميّزوا الكذب من الحقّ. والسبب: نالوا مسحة من القدوس. من الله أو من يسوع المسيح. أي نالوا العماد المقدس. ولكن العماد لا يحفظنا في الحقّ إن تراخينا. أما القرّاء فحافظوا على الروح وعلى الحقّ.
اعتبر "الهراطقة" أنهم يمتلكون معرفة خاصة. لهذا يعلن الكاتب أن المؤمنين نالوا مسحة بها يعرفون الحق. المسحة (خريسما) تدلّ على تقبّل الروح في رتبة المسح بالزيت (1 صم 16: 13؛ أش 61: 1). ويسوع نال المسحة في عماده (أع 10: 38؛ رج لو 4: 18) لهذا رأى الشرّاح أن المسحة هنا هي الروح الذي يعلّم المؤمنين ويقودهم إلى الحقّ كله (يو 14: 17؛ 15: 26؛ 16: 13، وعمل البارقليط). وصوّر بولس عمل الله في المؤمنين كما يلي: "مسحَنا (الله) وختمنا بخاتمه ومنحنا روحه عربونًا في قلوبنا" (2 كور 1: 21- 22). 
نال المؤمنون مسحة من القدوس. هو الله الآب حسب مز 71: 22 (قدوس اسرائيل) وهو أيضًا يسوع، قدوس الله (مر 1: 24؛ يو 6: 69؛ رج أع 3: 14). يسوع هو الذي يعطي الروح الذي يرتبط هنا بالكلمة (أع 2: 33). ونتيجة هذه الموهبة، يستطيع يوحنا أن يقول لقرائه: كل واحد منكم يعرف الحقّ. أجل، لا يحتكر المسحاء الدجّالون الحقيقة ولا يستطيعون أن يرتفعوا فوق المسيحيين العاديين. فكل مسيحي حقيقيّ له المعرفة الآتية من الروح القدس.
ثانيًا: لا يصور الكذب عن الحق (آ 21)
ويؤكد يوحنا ما قاله. إن لهجة التحذير التي استعملها تشير إلى أنه يشكّ بعض الشك في المعرفة التي يمتلكها قراؤه. خاف بسبب وجود الهراطقة في الكنيسة، أن يكون المؤمنون بدأوا يطرحون التساؤلات. لهذا، جاء يقوّيهم: ها هم اناس لا يعرفون الحق، بل هم يعرفونه. فإذا كان الأمر هكذا، ليفهموا أن ما من قول كاذب يصدر من الحقّ. وإن كان هؤلاء يقولون ما يدلّ على الهرطقة، فهذا يعني أنهم لا يمتلكون مسحة القدوس. فيجب على قرأته أن يعرفوا هؤلاء الناس على حقيقتهم. هم لا يشاركون في عالم الله، وبالتالي كلامهم كاذب هو.
كتبتُ" رج آ 7، 14. الحقّ رج 1: 6، 8؛ 2: 4 يرتوي الحقّ طابعًا تعليميًا وهجوميًا بالنظر إلى كذب الأنبياء الكذب. أجل القرّاء لا يجهلون الحق، بل بعرفونه. بعد أن نالوا تعليم القدوس. فهم لا يحتاجون إلى تعليم جديد (آ 27). وإن كتب إليه يوحنا، فلكي يثبّتهم في حقيقة نالوها، وليحذّرهم من البدع وما فيها من خطر. لا تصدر كذبة عن الحق. هنا يشير النص إلى الحقيقة اليوحناويّة أو إلى الحقيقة في حدّ ذاتها (الحقّ يتعارض كل التعارض مع الكذب). خرج الهراطقة من بيننا (آ 9)، فتشوه التعليم الذي يقدمّونه أو هو فسُد كله. ليسوا "من الله"، بل "من العالم" (آ 17). لهذا، لا شركة لهم مع الذين هم من الله.
ج- كذب الهراطقة (2: 22- 23)
تحدّد هاتان الآتيان هذا الكذب وهؤلاء الكذّابين. هو كذب كامل لأنه يدمّر قلب الايمان. يدمّر شخص يسوع المسيح.
أولاً: من هو الكذاب (آ22)
في هذه الآية يُفضح كذب الهراطقة: هم ينكرون أن يسوع هو المسيح ومختار الله. فهم في المعنى الحرفي: انتيكرست، مناوئين للمسيح، مسحاء دجّالون لا يمتلكون مسحة (خريسما) الروح التي تجعلهم قديرين بأن يروا في المسيح ابن الله. قطع اسم يسوع قطعتين، وكان الاهتمام بالقطعة الأولى. وما يجعل الهراطقة خطرين هو اهتمامهم بالانسان يسوع. لا يذكر النص هنا نتائج هذا الاهتمام. ولكن ما سبق يؤسّس أقله نقطتين: لا جدوى غفران الخطايا، لافائدة من يسوع.
ما اعتبر هؤلاء الهراطقة نفوسهم أنهم خطأة (1: 8- 10) لهذا لم يعتبروا أي اعتبار غفران الخطايا المرتبط بموت ابن الله على الصليب (1: 7؛ 2: 2) وموقعه كمدافع عن الانسان أمام الله (2: 1). وهكذا كان التماسك منطقيًا بين اعتدادهم بكمالهم الخلقي ومعتقداتهم اللاهوتية. إن الذين لا يحتاجون إلى غفران الخطايا، لا يحتاجون أيضًا إلى يسوع كابن الله.
ولكنهم بحاجة إلى الانسان يسوع. هو مفيد لهم فبفضله هم بلا خطيئة. هو القوّة التي ولدتهم من جديد. وهو المثال الذي توصّلوا إلى الاقتداء به. وعلى جميع البشر أن يتبعوه. ولكن مثل هذه التقوى تعتبر التبرير نتيجة الاعمال واحتقارًا لغفران الخطايا، وتجعل من اسم يسوع مبررًا لما تفعل. هؤلاء الناس يعيشون في النور، يعرفون الحق، يعرفون الله. ولكن أعمالهم تعارض يقينهم. يكفيهم أن يعرفوا لكي يخلصوا. وهكذا بدلّون على جهالتهم.
كذبُ هؤلاء الهراطقة هو رفض وانكار (يو 13: 39؛ 18: 25، 27؛ رؤ 2: 13؛ 3: 8). وهو يتعارض مع الاعتراف العلني في المعمودية وفي الحياة اليوميّة (2: 23: 4: 2، 15؛ 2 كو 7). ينكرون أن يسوع هو المسيح (هو خرستوس، مع أل التعريف. لا مسيح غيره). أي إن يسوع الناصري ليس المسيح. وهكذا يعودون إلى الفكر اليهوديّ. سيقول لهم يوحنا: "يسوع المسيح الذي جاء في الجسد" (4: 2، في لحم ودم). وحين ينكر المسيح الدجّال أن يسوع هو المسيح حقًا، ينكر في الوقت عينه الآب والابن، فلا سبيل إلى معرفة الآب دون معرفة المسيح الذي صار بشرًا. من رآني رأى الآب.
إن الكذب هو الذي يميّز أولئك الذين لا يأتون من الحقّ. فليتعرّف المؤمنون إليه. مثل هؤلاء الناس لا يشاركون الله الآب. هؤلاء هو الكذابون. سيقول يوحنا في 4: 2- 3: "كل روح يعترف بيسوع أنه جاء في الجسد يكون من الله. وكل روح لا يعترف بيسوع لا يكون من الله". وفي 2 يو 7: "كثير من المضلّلين الذين لا يعترفون بمجيء يسوع المسيح في الجسد"، في إنسان من لحم ودم استطعنا أن نراه بعيوننا ونلمسه بأيدينا.
ثانيًا: من أفكر الابن (آ23)
توقف المُضلون عند الانسان يسوع. فان لم يكن المسيحَ، يكون انتظارُ المسيحيين باطلاً. وإن لم يكن ابن الله، لا يستطيع أن يرفعنا لنصبح معه أبناء الله، وحين لا نعرف يسوع المعرفة الحقة (على أنه المسيح وابن الله، رج مر 1: 1؛ يو 20: 31). لا نستطيع أن نعرف الآب. ومن اعترف بالابن اعترف بالآب.
أنكر الابن. أي رذله ورفضه. أو أنكر أن يكون إبن الله. أو انكر أن يكون الابن هو الذي وُلد في الجسد (يو 1: 14: الكلمة الذي هو الابن صار بشرًا). فالذي ينكر أن يسوع هو الابن، لا تكون له شركة مع الآب فإن ظنّ الهراطقة انهم يقدرون أن "يمتلكوا" (إخو في اليونانيّة) دون أن يؤمنوا بيسوع، فهم على ضلال مبين فنحن لا نعرف أن الله أب إلا عبر الابن. وبواسطة الابن وموته الفدائي لنا الوصول إلى الله الآب. فمن أنكر أن يسوع هو الابن، أنكر كل التعليم المسيحيّ حول الله. فالذين يرفضون يسوع على أنه ينبوع معرفة الله، يُبعدون نفوسهم عن الوصول إلى الاله الذي يؤمن به المسيحيون ويعيشون في عالم من التجريد لا يرتبط بالواقع. أما قبول يسوع كالابن فيقودنا إلى اتحاد شخصي مع الله الآب. وهكذا نكون أمام خيارين: إما ننكر وإما نعترف. نحن نعترف بشفاهنا بما نؤمن به في قلوبنا. وهذا الاعتراف المسيحيّ مهمّ جدًا أمام أقاويل كهراطقة الذين يُضلّون السذَّج.
د- الحياة الابدية (2: 24- 27)
ويتابع يوحنا: "أما أنتم" يقابل القرّاء مع المعلّمين الكذبة الذين خسروا امتلاكهم للحقّ ويدعوهم لكي يجعلوا التعليم الذي أخذوه في الماضي يوجّه أفكارهم وأعمالهم.
أولاً: من البدء (آ 24)
"من البدء". تعود إلى بداية الحياة المسيحيّة. وأقوى دواء ضدّ الهرطقة هو العودة إلى التعليم الذي تسلّموه في بدء مسيرتهم على خطى المسيح. رج 1 تم 6: 3؛ 2تم 1: 13؛ 4: 3- 4؛ 1: 9؛ 2بط 3: 2؛ يهو 17، 20. أجل، التعليم الذي قبلوه هو التعليم الصحيح، هو "الايمان الذي تسلّمه القديسون كاملاً" (يهو 3). هنا نلاحظ أمرين. الأول، لا يقول الكاتب إن الماضي في حقّ لأنه يعود إلى الماضي. بل يعتبر أن التعليم الذي أعطي في الماضي جاء من الرب بوسطة الرسل فحمل ختم الوحي الالهي. هو "كلمة المسيح بكل غناها" (كو 3: 16). الثاني، حين يقابل الكاتب البدع والتجديدات في تعليم كاذب، فهو لا ينكر أهميّة البحث عن تعبير جديد يتجاوب مع حاجات المؤمنين والنتيجة: إن ثبتم في ما سمعتموه، ثبتّم في الآب والابن.
وهكذا نجد في هذه الأية تشديداً على ضرورة الثبات (والاقامة) في الآب. وما يهمّ بعد الاعتراف بيسوع التاريخي (الذي هو الابن) هو الأمانة لتعليم تسلّمه المؤمنون منذ بدء حياتهم في الجماعة اليوحناويّة (1: 1؛ 2: 7؛ 2يو). أما الرباط مع الآية السابقة فهو: من اعترف بالابن ثبت في التعليم عن يسوع المسيح كما يُعلن في جماعة يوحنا. هم يبدأون ويسمعون، كما يفعل التلميذ المؤمن (آ 7، 24؛ 3: 11؛ 4: 5). نلاحظ الفعل في صيغة الاحتمال: سمعوا في دقت محدّد من حياتهم لا يتوقّف النائب عنه المعلمين، بل عند التعليم الذي نالوه في الماضي.
ما سمعوه هو البشارة (انغاليا، 1: 5)، الوصايا (2: 4، 7- 9)، الكلمة (1: 15)، المسحة (20: 20- 27)، الحق (2: 21)، الوعد (2: 25)، بل هو التعليم كله الذي تلقاه القرّاء في الماضي غير أن هذا التعليم يتجدّد في تعابيره فلا يتحجّر في خوف من مجابهة الهراطقة. ولا يقف عند الفكر والعقل، بل يصل إلى الارادة والعمل. يصبح طاعة.
ثانيًا: هذا ما وُعدنا به (آ 25)
وعد يسوع أولئك الذين يظلّون أمناء للتعليم (الذي من البدء) بأن يقيموا (يثبتوا) في الآب. والذين يثبتون في الآب والابن ينالون الحياة الابدية. فالثبات في الابن (كما تعلنه جماعة يوحنا) وبواسطته بالآب، ليس أمرًا ثانويًا. فالمرمى خطير. تكون لنا الحياة الأبديّة أو نخسرها. هذه الحياة انتقلنا إليها منذ الآن (3: 14). هذه الحياة لا يمتلكها القاتل (3: 15). أعطانا الله أياها (5: 11) فامتلكها من امتلك الابن (5: 12)
أجل، إن الذين تركوا كلمة الله تقيم تثبت فيهم، لهم جزاء عظيم وعد به يسوع (اوتي، أي هي، تعود إلى ابانغاليا). وُعدنا به (مع هامين، نحن). أو وعدكم به (مع هيمين، انتم في الفاتيكاني). وعد يسوع بالحياة (زوئين) الأبدية، هي المرة الوحيدة التي نجد فيها لفظ "وعد" في الكتابات اليوحناويّة، وهو يعود إلى العهد القديم. فالربّ يعد ويفي. رج أع 2: 39- 13: 23، 32؛ 26: 2؛ 2 كور 1: 20؛ غل 3: 22؛ أف 3: 6؛ عب 6: 12. نحن نقرأ في 1 تم 4: 8؛ 2تم 1: 1 كلامًا عن وعد الحياة، وفي تي 1: 2؛ يع 1: 12 عمّا وعدنا به الله من حياة أبديّة في السماء أعدّت للذين خدموا الله بأمانة خلال حياتهم على الأرض. وكل هذا يعود إلى يسوع نفسه (يو 10: 10، 28). غير أن هذه الحياة هي بركة ننعم بها في الزمن الحاضر (يو 4: 36: 6: 40- 47) وهي ستتفتّح في حياة أبديّة (يو 17: 3) نعرف فيها الآب والابن.
ثالثًا: المسحة التي نلتموها (آ 26- 27)
مع آ 24، أوقف يسوع اعتباراته التعليمية، ودعا قرّاءه لكي يظلّوا في التقليد الذي تمثّله جماعة يوحنا، والذي انضمّوا إليه بالعماد، فلا مكان لأمور جديدة في الجذور. فالحدث الحاسم حصل مرّة واحدة ونقله بشكل شفهي الشهود الأولون. سمع المؤمنون الكلمة الحيّة، وهي ما زالت تُعلن على أنها وعد بالحياة الابديّة. أما الحياة التي يعلنها الهراطقة فهي سراب وحياة ممسوخة. هي فراغ لا يتضمّن سوى الضعف البشريّ ليكيفّ يسوع مع مشاريع البشر. وهي ليست أبديّة لأن الأبديّة لا تأتي منا بل من الله الذي يشركنا في حياته، وإن الانسان هو الحياة الأبديّة التي تنتظرنا كموعد تحقّق منذ الآن فألقى بنوره على عالمنا. أذن، مشاركتنا في الحياة الأبدية نفهمها ردّة فعل المستقبل الذي وُعدنا به على حاضر نعيشه في هذا المنظور صارت الحياة الابديّة حقيقة وواقعًا في كل موضع يجتذب فيه الله الانسان للشركة معه والمعرفة الحقَّة هي إحدى ثمار هذا الشركة وهي تقابل حقيقة الله، والمشاركة في الحياة الابدية تجعل القرّاء قادرين على رفض تعليم لا يأتي من الله. وتأتي آ 26- 27 هجومًا على المضلّلين، وكلامًا واثقًا بالقرّاء: بفضل الروح الذي نالوه يستطيعون أن يميّزوا الحقّ من الباطل. وهم لا يحتاجون إلى من يعلّهم. فروح المسيح هو الذي علّمهم. فليثبتوا في هذا التعليم الذي تقبَّلوه من الله.
"كتبتُ إليكم" (آ 26). لسنا أمام اعتبارات بعيدة عن الواقع، بل أمام حرب مع أناس يُضلّون المؤمنين. وعملُهم متوقَّع في الأيام الأخيرة (آ 2، 27؛ 4: 10) جاء الفعل في صيغة اسم الفاعل (بلانونتون): خرج هؤلاء المسحاء الدجّالون (آ 18) من الجماعة اليوحناويّة (آ 19)، ولكن تأثيرهم ما زال حاضرًا. وهكذا نفهم ما قاله يسوع في مر 13: 23. هو يتحقّق الآن. يبقى على المؤمنين أن يكونوا حذرين.
فعلى القرّاء أن لا يضلّوا بفعل هؤلاء المعلّمين (آ 27) بعد أن نبّههم يوحنا (آ 26) غير أن هناك سببًا آخر. فالقرّاء أنفسهم نالوا مسحة وهبها يسوع لهم (= منه، اوتو في اليونانية) وهذه المسحة ما زالت تعمل في قلوبهم. فكلمة الله نُقلت إلى قلوبهم بفعل الروح، وهي تحذّرهم من السقوط في الهرطقة. نجد هنا ما وجدناه في آ 24. في آ 24، أراد الكاتب أن يثبت التعليم فيهم. أما هنا، يبدد هذا التعليم ثابتًا.
القسم الأخر من الآية يحثّ القرّاء على الثبات في التعليم الذي أعطاه الروح القدس فلا ينجذبون بمعلّمين كذبة. وهناك ثلاث أسباب: الأول، المسحة التي نالها القراّء هي ينبوع كافٍ للمعرفة. فهي تعطي التعليم في كل شيء. الثاني، هذا التعليم هو أهل للثقه، وليس بكاذب. الثالث، ذكّر يوحنا قراّءه أنهم تعلّموا كيف يقيمون (يثبتون) في المسيح. فليثبتوا فيه، وبالتالي في التعليم الحقّ. وهكذ يكون الدواء ضدّ مثل هذه التعاليم، الأقوال حول الحقّ الذي وصل إلى المؤمنين عبر شهادة الرسل وتثّبت في قلوبه بمسحة أعطاها الروح (فبدا كختم لهذا التعليم). فكل تعليم لا يتوافق مع كلمة الله هذا يُشجب شجبًا.
2- قراءة لاهوتيّة وروحيّة
المضلّلون حاضرون والمحامي حاضر. فلا بدّ من اعتراف إيماننا بالله يقيم فينا، ونحن نقيم فيه. لنا شركة معه. لنا أب يعطينا روحه. وإذ نعترف بايماننا، نقول لنفوسنا وللكنيسة وللعالم مضمون إيماننا، ثم إن الاعتراف الايمانيّ هو صلاة متواضعة ترتفع إلى الله وترفع معها شكرها له. وحين اعترف بإيماني، أعلن أني أتخلّى عن حكمتي البشرية وأقبل بمعرفة تأتيني من الله.
الله يعطي ذاته لنا، ولكنه يضع شروطه. فجميع الطرق لا تقود إليه. وهو الذي أختار الطريق التي بها يأتي إلينا وبها نذهب إليه. هي طريق الايمان التي تقود إلى الحياة الأبدية، وهي بعيدة عن المعتقدات الغريبة عن الحقّ، لأنها لا ترى مخطّط الله.
هناك أناس يريدون أن يذهبوا إلى الله دون أن يمرّوا بيسوع المسيح. يتطلّعون إلى نبيّ عبقريّ يكون تعليمه حول أبوّة الله والأخوّة البشرية مستقلاً عن شخص الآب الذي أرسل الابن. ولكن ليس هذا، يقوله العهد الجديد. من انكر الابن انكر الآب أيضًا (آ 23). ما من طريق أقصر من سائر الطرق تقود إلى الآب دون أن تمرّ في المسيح الذي سمّى نفسه الطريق (يو 14: 6). بعد هذا، كيف يُوجد مؤمون يحرمون ذواتهم من الآب حين ينكرون الابن المتجسّد؟
ممارسة البرّ على مثال يسوع
2: 28- 3: 10
نستطيع أن نكتشف هنا أسلوب يوحنا: يتأمّل الرسول في فكرة البنوّة من كل وجوهها. يترك الترتيب المنطقيّ ولا يخاف أن يستعيد ما قاله فيما مضى لكي يتوسّع فيه من جديد. كما نكتشف أمورًا أخذت من العالم اليهوديّ بشكل عام، ومن العالم الاسياني بشكل خاص مع عالم الجلياني اليهوديّ. ونستطيع أن نقسم هذه القطعة ثلاثة أقسام مع نداء يتوجّه في القسم الأول إلى الابناء الصغار (2: 28)، وفي القسم الثاني إلى الأحبّاء (3: 2)، وفي القسم الثالث إلى الأبناء الصغار (3: 7) مرّة ثانية. في القسم الأول نتذكّر الدينونة القريبة. في القسم الثاني، نقرأ كلامًا حول متطلّبات الطهارة وقطع كل رباط بالخطيئة. وفي القسم الثالث، نعود إلى الحرب على المضلّلين مع نداء إلى الثبات فيه (= في المسيح 2: 28؛ رج 2: 27) واختيار الله لا تعليم الهراطقة.
1- دراسة كتابيّة
نقسم هذه الدراسة إلى ثلاثة أقسام: الدينونة القريبة (2: 28- 3: 1). الانقطاع عن الخطيئة (3: 2- 6). بين البرّ والخطيئة (3: 7- 10).
أ- الدينونة القريبة (2: 28- 3: 1)
ماذا ينتظر أبناء الله، وما هو المستقبل الذي أمامهم؟
أولاً: أثبتوا فيه (آ 28)
إن الذين يثبتون في التعليم الذي نُقل إليهم يثبتون في المسيح. غير أن هذا الاتحاد بالمسيح لا يعني الحاضر فقط، بل يلقي أيضًا ضوءًا على المستقبل. فعلى القرّاء أن يعلموا أن المستقبل ليس فراغًا وفكرة مجرّدة، نتطلّع إليه بقلق. إنه واقع مُقبل يحدّده لقاؤنا بالمسيح. وذروة المستقبل هي الوقت الذي فيه يظهر المسيح أيضًا في ملئه كتثبيت لسلطان الله في الكون. بعد هذا، لن نصلّي: ليأت ملكوتك. فالعالم الذي يحتاج إلى هذه الصلاة، قد حلّ محلّه عالم الله حيث لا يقف شيء في وجه تتميم إرادة الله. كان يوحنا قد قال في 2: 17: "من يعمل بمشيئة الله يثبت إلى الأبد". وهو يضيف هنا: من ثبت في المسيح يكون واثقًا (باريسيا) عند مجيئه (باروسيا) ولا يخزى، إي لا يرذله المسيح. وهكذا يفكّر يوحنا في الدينونة التي هي المواجهة الأخيرة مع المسيح (4: 17).
نجد خمس مرات الاداة "انين" (الآن) في آ 18، 28؛ 3: 2؛ 4: 3؛ 2 يو 5، وتسبقها "كابي" (حرف العطف واو، ما عدا 3: 2). نحن هنا أمام تشديد على الزمن من الحاضر كزمن الامانة (ماناتي) والثبات. ما دام الانتيكرست هنا (آ 18، نين)، فالواقع يحدّده هذا التحدّي الشيطاني.
يا أبنائي الصغار. رج آ 1. ويقابل "تكنياء" "بايديا" في آ 14، 18؛ 3: 7. السامعون هم تلاميذ الكاتب، وهم ما زالوا بحاجة إليه. عليهم أن يظلّوا أمناء للتعليم الأول. أثبتوا فيه (إن اوتو). أي في المسيح. فالأمانة للتعليم ترتبط بالأمانة للمسيح. والثانية تجعل الأولى ممكنة (آ 24). وما يسند هذا النداء إلى الأمانة، هو النظرة إلى النهاية، إلى ذلك الذي يأتي وإن كنا لا نعلم متى يأتي. ولكن الكاتب سيكون حيًا. هذا يعني أنه يعتبر المجيء الثاني قريبًا. إن فعل "فانارود" في 1يو يشير إلى مجيء يسوع الأول (1: 2؛ 3: 5، 8؛ 4: 9) كما إلى مجيئه الأخير. وهو يرد مرارًا (رج 3: 2). وهذا الظهور لن يتجلّى إلا في باروسيا (عودة الرب ومجيئه الثاني)، أي في الدينونة حيث نحتاج إلى الدالة (باريسيا) أمام الله (3: 21؛ 4: 17؛ 5: 14). نشير إلى أن الخزي (أيسخينتومن) لا يرد إلاّ هنا في كتابات يوحنا (رج فل 1: 20؛ 2كور 10: 8)، وهو يتيح للمؤمنين أن لا يخجلوا في الدينونة الأخيرة. كانت الأمانة في آ 27 على مستوى العقيدة. وهي تتّخذ هنا (في آ 28) وفي آ 29 بُعدًا خلقيًا.
أشار يوحنا في آ 27 إلى القراء أن يثبتوا في المسيح، وها هو يستعيد العبارة بشكل انتقالة تُبرز فكرته. فالثبات في المسيح هو دواء ضدّ التعليم الكاذب والتصرّف اللامسيحيّ. والآن، يحدّث قرّاءه عن مجيء المسيح الذي هو أكيد. هو سيظهر. ظهر ككلمة الله في شكل بشريّ بحيث رأته العيون واعترفت به: "رأينا مجده، مجد ابن وحيد جاء من عند الآب وهو مملوء نعمة وحقا" (يو 1: 14). كان لاهوته خفيًا. والآن، ناسوته خفيّ. هو حاضر مع تلاميذه بشكل روحيّ، ولكنه سوف يتجلّى في يوم من الأيام آتيًا من السماء.
ثانيًا: المولود من الله (آ 29)
يسوع هو البار. لهذا يستطيع أن يكون الديّانَ العادل الذي يميّز الذين يخصّونه من الذين لا يخصّونه. ويضيف يوحنا: "من يمارس البرّ (الحق) مولود منه". هي المرة الأولى يرد موضوع الولادة في 1 يو (رج 3: 9؛ 4: 7؛ 5: 1، 4، 18). يُولد الانسان من الله (لا من المسيح). وهكذا ننتقل من المسيح إلى الله، وكأننا نستبق ما سوف نقرأ في 3: 7 و3: 9- 10. مهما يكن من أمر، يربط النصّ بشكل ضمني برَّ المسيح ببرّ الله، لأن أصل هذين البرّين هو في الله. فبرّ الله تجلّى في المسيح وسيتجلّى فيه، في يوم الدينونة (يو 5: 30). ويتجلّى أيضًا في برّ البشر أي في الأعمال التي توافق مشيئة الله. يستطيع الانسان أن يعمل ما هو صالح، فتدلّ أعماله أن الله وضع يده عليه، استولى عليه. هكذا يكون الانسان مولودًا من الله (في المعمودية، رج 5: 13). بفضل الله يفعل الانسان الخير، واتحادُه بالله يكوّن هذه الأعمال.
تعرفون (ايديتي). تستعمل 1 يو مرارًا فعل عرف. إذا كنتم تعرفون فلأنكم تعلّمتم (2: 20 ي؛ 3: 25...). البار (ديكايوس) هو يسوع المسيح إذا عدنا إلى الآية السابقة (آ 28). ولكن هذا مستحيل، لأننا نُولد من الله، لا من المسيح. برّ الله. رج 1: 9 مع الإشارة إلى رحمة الله وحبّه. الله بار، أي أمين لمخطّط حبّه (2: 1؛ 3: 7). فعلى القرّاء أن يعرفوا ذلك. بما أن الله بار، فمن مارس البرّ كان مولودًا منه. ذاك هو المقياس لنعرف أننا من الله. هذا البرّ (3: 7، 10) هو الأمانة لمشيئة الله. وهو يصبح ملموسًا في الأمانة لتعاليم يسوع خلال حياته على الأرض، ولا سيّما وصيّة المحبّة الأخوية.
وماذا عن الولادة من الله؟ أولاً، لا يعطينا يوحنا تعليمًا عن الولادة، بل هو يقارع الخصوم. فيعلن لهم أنهم لم يولدوا من الله، لأنهم لا يمارسون البرّ. رج ف 5. ثانيًا، يقابل الكاتب هنا كما في ف 4- 5، فكرة الهراطقة حول هذه الولادة الالهية مع قولين إيجابيين: وحده الذي يمارس البرّ أو المحبّة يعدّ نفسه مولودًا من الله (2: 29؛ 3: 9- 10؛ 4: 7- 8؛ 5: 1- 19). ثم، لا نحتاج إلى برنامج لكي نولد من الله، منذ الآن نحن أولاد الله بالايمان بالمسيح الذي جاء في الجسد (3: 1؛ 4: 1- 4؛ 5: 1- 12). "من يؤمن أن يسوع هو المسيح، هو مولود من الله" (5: 1). ثالثًا، تتكرّر لفظة "باس" (كل). يتحدّث الهراطقة عن تخبه تخلص. أما يوحنا، فيعتبر أن الجميع مدعوّون إلى الايمان: كل من يؤمن بالابن هو مولود من الآب. رابعًا، يتحدّث يو 3 عن ولادة "من عل"، عن ولادة من الله بالايمان بالابن، فرفض الاكتفاء الدينيّ لدى اليهود (نيقوديمس). أما يو فأرادت محاربة الغنوصيين فدلّت على أن هذه الولادة هي حقيقة واقع لدى القرّاء. خامسًا، لا تقابل 1يو ولادة روحيّة مع ولادة "طبيعيّة" عرفتها التعاليم الغنوصيّة، بل تقابل ولادة يمنحها المسيح (بواسطة التعليم اليوحناوي مع ولادة تمنحها تعاليم التدرّج الجديدة).
ثالثًا: العالم لا يعرفنا (3: 1)
الذين وُلدوا من الله هم أبناء الله. وهذه الصفة هي نتيجة حبّ الله الذي يجعل الانسان ابنه حقًا. لسنا فقط أمام تعبير رمزيّ تستخرجه من علاقة الأب بابنه، بل أمام حقيقة ثابتة وإن كانت خفيّة. غير أن العالم لا يستطيع أن يعرف أن الانسان مولود من الله: لأنه يتكوّن من الذين لم يعرفوا الله لأنهم لم يعرفوا المسيح (يو 1: 10- 11). وما نجهله لا نفهمه. فالذين لم يعرفوا أن الله هو أبو المسيح وأبو البشر، لا يستطيعون أن يفهموا أن البشر يمكن أن يكونوا أبناء الله.
ربط يوحنا الولادة الجديدة بالمجيء. فصوّر وضعَ المؤمنين الحاضر كأبناء الله المحبوبين قبل أن يصل إلى ما سيظهر في المجيء (باروسيا). هذا الوضع هو حقيقيّ، وإن كان العالم لا يعترف به. وهذه الفكرة لا تخلق فقط فرحًا دائمًا، بل تدفعنا إلى حياة من القداسة.
بالنسبة إلى فكرة الولادة الجديدة. فإن نظرة يوحنا تتوجّه إلى حبّ الله العظيم الذي به صرنا أبناء الله. هنا نقابل هذه النظرة مع يو 3 والحديث مع نيقوديمس: شرط للدخول إلى ملكوت الله (الولادة من عل). ويتبع هذا إعلان عن حبّ الله الذي أرسل ابنه لكي تكون لنا الحياة الأبديّة. نادى يوحنا قرّاءه لكي يكتشفوا حبّ الله العظيم.
بما أن أننا أبناء الله، لا يعرفنا العالم، كما لم يعرفه هو. فالعالم يكره أبناء الله (3: 13) ويبغضهم كما أبغض يسوع (يو 15: 18- 19)، لأنه ليسوا من العالم. فالبرهان على أننا أبناء الله يظهر حين لا يعتبرنا العالم له.
ب- الانقطاع عن الخطيئة (3: 2- 6)
أولاً: متى ظهر المسيح (آ 2)
إن العلاقة النبويّة بين الله والانسان، هي حقيقيّة وإن كانت خفيّة. وهي تشير إلى المستقبل. هنا نقابل بين زمن الانسان وزمن الله. فالطفولة في حياة الانسان لا تمتدّ طويلاً. وكذا نقول عن أبناء الله. فزمنهم على الأرض لا يمتدّ إلاّ الأبد. فسيأتي وقت يتجلّى فيه مصيرهم الأخير. هم دومًا أبناء الله، وينعمون دومًا بمحبّة الله. غير أن الزمن الذي يعيشون فيه الآن سيزول ويحلّ محلّه مستقبل الله. سيخصّون زمنًا ليس زمنهم، بل زمن الله. فما يفصل زمنًا عن زمن هو الموت واللقاء مع المسيح.
بعد أن ثبّت يوحنا أننا أبناء الله، عاد وكرّر ذلك تجاه ما سوف يقوله عن الرجاء المسيحيّ في المستقبل. فالتعارض نجده بين ما هو معروف وما هو غير معروف. أما معرفتنا لوضعنا الحاضر فيُعدّنا لنقول إن وضعنا المقبل سيملأنا دهشة وإعجابًا. نحن الآن أبناء الله. ولكن وضعًا أرفع ينتظرنا في المستقبل. منذ الآن، نمتلك فكرة عمّا هي الحياة المسيحيّة، وهكذا نستطيع أن نتذوّق مسبقًا حالتنا الآتية. في هذا المجال، نسمع بولس الرسول: "لم ترَ عين، ولم تسمع أذن، ولم يخطر على قلب بشر ما أعدّه الله للذين يحبّونه" (1كور 2: 9). غير أننا الآن نعيش في حقبة حياة لم ننلها بعد، ونحن نتطلّع إلى ملء وحي لحالة ننتظر أن نعيشها.
ومع أننا ننتظر هذا الوحي، إلاّ أننا نستطيع أن نكوّن فكرة عمّا نصير إليه. نحن نعرف أنه حين يظهر، سنكون مثله. في المجيء (باروسيا 2: 28) سنكون مثل يسوع. وهذا ما نحن عليه منذ الآن: نحن أبناء الله. نعيش في النور. تحرّرنا من الخطيئة. لا يقول لنا يوحنا بوضوح كيف نكون مثل يسوع في المجيء. ولكن الامتيازات التي ننعم بها الآن بشكل جزئيّ، ستكون لنا في ملئها وكمالها. بل سيتحقّق رجاؤنا بأن نرى يسوع في مجده (يو 17: 1، 5، 24)، وتشاركه في هذا المجد (روم 8: 17- 19؛ فل 3: 21؛ كو 3: 4)، إن مسيرة المجد هذه التي بدأت هنا في حياة المؤمنين (2 كور 3: 18)، سوف تصل إلى كمالها. وفي النهاية، سوف نرى الله كما هو، لا في المرآة، كما يقول الرسول: "ما نراه اليوم هو صورة باهتة في مرآة. وأما في ذلك اليوم، فنرى وجهًا لوجه". ونقرأ أيضًا في 2كور 3: 18: "نحن جميعًا نعكس صورة مجد الرب بوجوه مكشوفة، فنتحوّل إلى تلك الصورة ذاتها".
ثانيًا: تطهير من الخطايا (آ 3)
حتّى الآن، لا وجود للمستقبل إلاّ في الرجاء. فالحاضر هو زمن الانتظار الذي يحدّده المستقبل. هذا يعني أن الأمل بأن نكون مثل الله يظهر نتائجه منذ الآن: يجب على الانسان أن يصير طاهرًا، أن يتنقّى من خطيئته لأن يسوع طاهر. يشدّد يوحنا هنا على موقف لا يربطنا بيسوع كما عاش على الأرض، بل بالمسيح الممجّد. هو طاهر وهو بار. هو بلا خطيئة. وحياته تتوافق كل التوافق مع مشيئة الله. لهذا، إن الذي يتنقّّى من خطاياه يستبق منذ الآن الشركة مع الآب والابن. ويعيش منذ الآن في الضوء، الذي سيحيط به حين يدخل في مجد الله.
ما يميّز بنوّتنا في نظر يوحنا، عن الولادة من الله بحسب الهراطقة. يرتبط برجاء يوقع المؤمنين لكي يقطعوا كل رباط بالخطيئة (آ 3- 10). هكذا نكون أمام ولادة ترتبط بنهاية الزمن مع بُعد خلقيّ. كل مؤمن (لا بعض المؤمنين) مدعوّ إلى هذه الولادة. وهذا الرجاء هو رجاء مجيء يسوع (2: 28). هنا ترد الأفعال في صيغة الحاضر (طهّر نفسه، لا يخطأ...) وكأنها تعليم ارشادي: يجب أن نطهّر نفوسنا، أن لا نخطأ... هذا يدلّ على مسؤولياتنا. كما نلاحظ أن يوحنا لا يحرّض قرّاءه بشكل مباشر. بل يلاحظ موقفًا ليشجب موقفًا آخر. "طهّر" (هغنيزو، هنا فقط وفي يو 11: 55، وفي معنى طقسيّ) يقابل: لا يخطأ (آ 6). فنقاوة يسوع (إكاينوس، هو آ 5، 7، 16؛ 2: 6؛ 4: 7) تعني أنه البار. فكما يكون الربّ كذلك يكون المؤمن (2: 29).
كل هذا أساس متين لثقة وفرح ينعم بها المسيحيّ. وأحد أهداف يوحنا هو تقوية هذه الوجهة في إيمان قرّائه. هم يعيشون في عالم معاد، ويتأثّرون بعدّد من أعضاء الجماعة يعتبرون نفوسهم مائلي الحقيقة، لهذا نراهم يحتاجون إلى تشجيع. فيُبرز يوحنا امتيازهم كمسيحيين ويتوسّع في الرجاء الذي ينعمون به في المسيح. وجاء التعليم يشمل الحياة الأخلاقيّة اليوميّة. قال لنا يوحنا إننا سنكون مثل يسوع لأننا نراه (آ 2). ولكن الشرط الأساسيّ لرؤيته هي حياة أخلاقيّة تخوّلنا الوقوف بحضرته. "طوبى لأنقياء القلوب، فإنهم يعاينون الله" (مت 5: 8). عرف يوحنا أن قرّاءه يحتاجون إلى تكملة نقاوة قلوبهم، فشجّعهم على طلب هذه الطهارة لكي يكونوا مثل يسوع.
ثالثًا: من خطئ (آ 4)
نبدأ هنا كلامًا عن أبناء الله الذين لا يخطأون. شدّد يوحنا قبل ذلك على التواصل مع المسيح، والعمل بالبر، وتطهير الذات استباقًا لمجيئه. وها هو يعالج الوجهة السلبيّة في كل هذا: حاجة المؤمنين للامتناع عن الخطيئة، وامكانيّاتهم بأن يمتنعوا. وهكذا انقسم العالم قسمين: عالم أبناء الله (يميّزه البر) وعالم أبناء إبليس (تميّزه الخطيئة). في آ 4- 10 ينقل الكاتب من الوجهة السلبيّة إلى الوجهة الايجابيّة، إلى البرّ الذي يعبّر عنه في محبّة بعضنا بعضًا.
يبدأ الجدال فجأة حول تحديد الخطأة والخطيئة. استُعمل لفظ "خطيئة" (هامرتيا) في 2: 12. وهو يتكرّر هنا في خمس آيات متتالية. الخطيئة هي اللابرّ (أنوفيا، لاناموس، شرّ). لماذا يشدّد يوحنا على هذا الأمر؟ لأن قرّاءه يعتبرون أن السقوط في الخطيئة ليس بالأمر المهم. هم لا يبالون. في بداية الرسالة، رأينا أناسًا في الكنيسة يعتبرون نفوسهم بلا خطيئة. وها هو يوحنا يبيّن لهم أنهم في الواقع ليسوا منزّهين عن الخطيئة، وأنهم يحتاجون إلى التطهير والغفران. يحتاجون إلى الاعتراف بخطاياهم. مثل هذا الأمر واجهه بولس في روم 6: 1 فقال: "أتبقى في الخطيئة"؟
فما هي الخطيئة؟ تُفهم في خطين. هناك الخط التقليدي: هي عمل أخلاقيّ يتجاوز شريعة الله؟ وصايا الله. ونحن نجد مقابلة بين "هامرتيا" و"انوميا" في مز 32: 1- 2 (رج روم 4: 7- 8)؛ إر 31 (38)؛ 34 (رج عب 10: 17). وهناك خطّ آخر يجعلنا أمام عصيان على مشيئة الله. من اقترف الخطيئة جعل نفسه بجانب الشرير والمناوئ للمسيح، وعارض يسوع المسيح.
رابعًا: تحطّمت الخطيئة (آ 5)
أنهت آ 3 اعتبارًا حول مستقبل أبناء الله، فقدّمت رباطًا مع ما يلي من ف 3 الذي يتعمّق في مسائل طُرحت سابقًا. فحين تكلّم يوحنا عن الطهارة (هاغنوس، الطاهر والقديس في المعنى الأدبيّ) فكّر في القداسة. وها هو في آ 4 يتوقّف مطوّلاً عند هذا الموضوع في وجهتيه السلبيّة والايجابيّة. فأبرزت آ 4- 10 مفهوم الخطيئة، وشدّدت آ 11- 24 على فكرة المحبّة.
تبدو الخطيئة أولاً، عملاً يعارض الشريعة. وما يعارض "القداسة"، (الطهارة) يظهر لدى الذين يخطأون. ليس الخطيئة جزءًا من الانسان. بل هي تطبع بطابعها بعض أعماله. ونحن لا نتكلّم عن الخطيئة إلاّ ساعة تحصل. هي امكانية: فالانسان يقدر أن يعمل ضدّ مشيئة الله. وليست الخطيئة ضرورة. فلو كان الأمر كذلك لصرنا في الحتميّة والقدر، ولما استطعنا أن نتحدّث عن مسؤوليّة. بل صار الانسان ضحيّة القدر.
الخطيئة جسم غريب يقف بين الله والانسان. هي تمثّل الظلام وتعارض النور. تترك الانسان وحده وتفصله عن الله. إلاّ أن مجيء المسيح إلى العالم، دلّ على أن الله لم يتخلَّ عن الانسان. راح يبحث عنه لكي يحرّره. كانت الخطيئة حاجزًا، فتجسّد يسوع ليزيل هذا الحاجز الذي لا يستطيع الانسان شيئًا حياله. وفعل يسوع ما فعل، لا كردّة فعل على الضعف البشريّ، بل كتعبير على مشاركة الله للانسان. أجل، لم تعد الخطيئة سيّد العالم. أزالها المسيح فدلّ على قدرة الله. ولكنه دفع الثمن.
وهكذا جاءت آ 5 كتأكيد كرستولوجيّ على خطورة الخطيئة. ظهر هذا (أي المسيح، إكاينوس، آ 13 ليزيل الخطايا. وهذا ما أنتم تعرفونه (اويداتي، رج آ 2). تعرفونه لأنكم تعلّمتوه في جماعة يوحنا التي تحمل التعليم الصحيح. إن فعل "ايراين" يعني: أزال انتزع. ويعني: حمل، تحمّل. رج يو 1: 29؛ 15: 2. أما المسيح، فلا علاقة له بالخطيئة، لا خطيئة له. قال لليهود: "من يقدر أن يُثبت عليّ خطيئة" (يو 8: 46).
نحن هنا أمام سبب آخر يدعو المسيحيين إلى أن لا يخطأوا: معارضة الله هي معارضة لمجيء يسوع. تعرفون (معرفة مسيحيّة أولى) أن يسوع ظهر في هذا العالم لكي يزيل الخطيئة. أزال الخطيئة لأنه حملُ الله. حملَ الخطيئة، أخذها على عاتقه. صلبها كما صلب الموت فألغى سلطانها. لا يشدّد النصّ بالدرجة الأولى على الخطايا، بل على ذلك الذي جاء ليزيل الخطايا. ومعارضته للخطيئة يقابلها أنه بلا خطيئة. هو البار (2: 1). والطاهر (3: 3). رج 2كور 5: 21؛ عب 4: 15؛ 1بط 3: 18. وبما أنه عارض الخطيئة فعلى المؤمنين أن يسيروا في خطاه.
خامسًا: من ثبت فيه لا يخطأ (آ 6)
أعلن يوحنا: من يحيا في المسيح لا يخطأ. وتجاه هذا، من يخطأ لا يكون رأى المسيح ولا عرفه. رج آ 8: 10. وسيقول في آ 9: المولود من الله لا يعمل الخطيئة. هذا يعني أن من يعمل الخطيئة ليس مولودًا من الله، بل من إبليس. ولكن هنا تبرز الصعوبات الأولى، قال يوحنا إن المؤمنين يخطأون (1: 8، 10؛ 2: 1؛ 5: 16). وما يقوله هنا هو حثّ القرّاء على أن لا يخطأوا، بل يمارسوا البرّ (2: 1، 15، 29؛ 3: 12، 18؛ 5: 21). في الواقع، لا يرى يوحنا أن ما يقوله لا يتوافق مع امكانية الخطيئة في حياة قرّائه. الثانية، ما رآه يوحنا لدى قرّائه كان موضوع اختبار لديه. هناك بعض المسيحيين يعتبرون نفوسهم بلا خطيئة وبعيدين عن التجربة. ولكن يوحنا لا يتكلّم عن فئة معيّنة، بل عن مجمل المسيحيين. وهناك من قال إن الكاتب يتطّلع إلى الخطيئة التي تقود إلى الموت (5: 16- 17). في هذا المجال، اللامؤمنون وحدهم يقترفون الخطيئة التي تقود إلى الموت. لهذا، تقول آ 18: "كل من وُلد من الله لا يخطأ". ولكن يبقى أن يوحنا ينظر إلى المؤمن المثالي: هكذا يجب أن يكون ليُدعى حقًا ابن الله ويعتبر مولودًا من الله. ما يريده الله أن يكون الانسان محرَّرًا من الخطيئة. أما إذا كان باقيًا في الخطيئة، فهذا يعني أنه لم يختبر الاختبار الحقّ الحياة المسيحيّة.
بما أن الخطيئة والموت قد غلبهما يسوع، فالذي يعيش معه لا يخطأ. لماذا يشدّد يوحنا على هذا القول؟ ليدل على أن الهراطقة لم يروا المسيح ولم يسمعوه. إن ممارستهم تعارض كلامهم. في هذا المظال نستطيع أن نفهم التضارب في أقوال 1يو: كشف الكاتب القناع عن الخطيئة التي نحاول أن نخفيها، وأكّد أن المؤمن خاطئ غُفرت خطيئته، ها هو يقول إن من يثبت في المسيح (آ 6) أو من وُلد من الله (آ 9) لا يخطأ (آ 6)، بل لا يقدر أن يخطأ (آ 9، صارت طبيعته إلهيّة).
نستطيع أن نفهم هذا الكلام أولاً، بأنه تحريض لكي نبقى حقًا في المسيح. وثانيًا، بأنه نداء إلى أن نخطأ. وثالثًا، بأن من يحبّ أخاه يبدو وكأنه لم يخطأ. فالمحبة تستر جمًا من الخطايا.
ج- بين البرّ والخطيئة (3: 7- 10)
كل هذا واضح: لا توافق بين من يعتبر نفسه مسيحيًا وفي الوقت عينه يخطأ. غير أن هناك من يعارض كلام يوحنا ويحاول أن يضلّل الجماعة. فيكرّر الكاتب كلامه ويبرزه على أنه مشورة أبويّة. البار هو من يعمل البرّ، يعمل بمشيئة الآب، على مثال يسوع. هكذا يكون مؤمنًا حقًا.
أولاً: من عمل البرّ (آ 7)
رأى الله. عرفه. كيف نفسّر هذه الرؤية وهذه المعرفة؟ إن يوحنا يحذّرنا من الحماس الروحيّ الذي يبرّر الخطيئة أو يعذرها. فالخطيئة تبقى خطيئة مهما كانت مبادئ أعمالنا وغايتها. وما يعارض الخطيئة هو البرّ. والأعمال البارة وحده (لا العواطف والنوايا) تدلّ على أن الانسان بار. إذن، لا نخدع أنفسنا. فالشجرة تُعرف من ثمارها (مت 7: 15- 20). اعتبر خصوم الكاتب أنهم أبرار، فما دلّ شيء على برّهم، لا سيّما وأنهم ادّعوا أنهم يصلون إلى الله بدون يسوع المسيح. لهذا، ربط يوحنا برّنا ببرّ يسوع: المسيح بارّ ونحن نمارس البرّ معه وعلى مثاله.
وهكذا دلّت هذه الآية، داخل 2: 28- 3: 10، على الطابع الهجومي في كلام يوحنا (خصوصًا آ 6، 9). توجّه الكاتب إلى الأبناء الصغار (2: 1، 12، 18)، فذكّرهم بتعليمه ووعظةً، بالموقف الواجب تجاه المضلّين (1: 8؛ 2: 28). لا يجد المؤمنون أمام أفكارًا غامضة، بل أشخاصًا يسحرونهم بالكلام المنمّق ويُضلّونهم. فالميزان هو البرّ (2: 29) الذي يعيشه هؤلاء الذين يعتبرون نفوسهم أطهارًا (هاغنوس) وأبرارًا (ديكايوس) يكون المؤمن بارًا مثل يسوع. ويكون بارًا لأن يسوع كان بارًا، فجعل من مشيئة الآب طعامه.
ثانيًا: من عمل الخطيئة (آ 8)
إن آ 8- 10 التي تنهي هذه القطعة تكرّر ما قالته آ 7 بشكل جذريّ: لا برّ بدون ممارسة البرّ. أما من يعمل الخطيئة فهو من إبليس. فهو نسل ابليس. ولكن إن الله جاء ليدمّر مملكة إبليس، ويحرّر الانسان بحيث لا يكون بعدُ عبدًا للخطيئة (يو 8: 34- 36).
تحدّث يو 8: 33- 34؛ رج 6: 7؛ 13: 2 (يهوذا) عن إبليس الذي هو الكذّاب، الذي يعارض الحقّ الذي تعلنه المدرسة اليوحناويّة، الذي هو نموذج الشرّ والدافع إليه. نحن هنا أمام تعليم قصير عن الشر وإبليس. ولكن يسوع يجعل الحقّ ينتصر على إبليس، ويدمّر أعمال إبليس. ثم لا نستطيع أن نقسم الناس بين أبناء الله وأبناء إبليس، كما كانت تفعل جماعة قمران، بل نحن مدعوون لكي نختار البرّ والحقّ ونترك إبليس. ونحن نستطيع ذلك بفضل المسيح.
من إبليس (رج 2: 16 وما قلناه عن عبارة "من العالم"). من البدء (أب، أرخيس). أي إن إبليس خطئ دومًا. هو الخاطئ الخاطئ. أو: منذ بداية حياتنا المسيحيّة، يعمل إبليس لكي يُسقط المؤمنين في الخطيئة. إن الله. لا يشدّد يوحنا هنا على بنوّته الأزليّة، بل على تجسّده وعمله في التاريخ. جاء ابن الله ليهدم (ليسي، تقابل أري في آ 5، أزال). حين لا نخطأ ندمّر مملكة إبليس. أما خطايانا فتعارض عمل المسيح. أفهمنا الكاتب ابن إله الهراطقة هو إبليس (رج ما قيل عن انتيكرست في 2: 18 ي). لا حلّ وسطًا على مستوى الكرستولوجيا والحياة الخلقيّة: نحن من الله أو من إبليس.
تحدّث يوحنا عن الخطيئة بلغة العصيان على الله. وها هو يبيّن أن إبليس هو الذي يدفع الانسان إلى الخطيئة. نجد موازاة بين آ 4- 6 وآ 8- 9: في هاتين الحالتين، يتحدّث الكاتب عن طبيعة الخطيئة وأصلها، ويبيّن أن ابن الله هو ذاك الذي يقاوم الخطيئة. ويستنتج أن المؤمن لا يمكن أن يخطأ. أما الذي يخطأ فيقف إلى جانب إبليس ويستلهمه في عمله.
أجل، أعمال الشرير وأبنائه تعارض الله. هذا ما يشدّد عليه الكاتب مرّة أخرى (رج آ 5)، راجعًا إلى أعمال يسوع. فابن الله ظهر ليقف بوجه أعمال إبليس. يشير يوحنا هنا إلى التجسّد الذي قبل به المؤمنون وشكّ به المعارضون (2: 22- 23). بما أن ابن الله عمل ضد إبليس، فنحن نفهم أن هذا هو عمل الآب ومشيئته. إن قرّاء يو لا يحتاجون إلى برهان يقول إن يسوع جاء ليهزم إبليس (يو 12: 31). رج مت 4: 1- 11؛ 12: 25- 29؛ لو 10: 18؛ رؤ 12: 7- 12؛ 20: 1- 3. جاء ليدمّر عمل إبليس في العالم.
ثالثًا: كل مولود من الله (آ 9)
تستعيد هذه الآية الفكرة التي قرأناها في آ 6. هناك خياران لا وسط بينهما: أو أن الانسان يخضع لسلطان الله، أو يخضع لسلطان إبليس. أو أنه يتصرّف حسب مشيئة الله أو أنه يرفض تلك المشيئة. فليس هناك سوى هاتين الامكانيتين. في الحالة الأولى، نعمل أعمالنا في الله وبنعمة الله. وإلاّ نكون رافضين الله، كما قال الناس في مثل الدنانير: "لا نريد هذا أن يملك علينا" (لو 19: 14).
استخرج يوحنا النتيجة بأن الذين هم من حزب ابن الله، المعارض الاكبر لابليس، لا يستطيعون أن يتبعوا طريق الشرّير ويعيشوا في الخطيئة. وعاد إلى فكرة المولود من الله (2: 29) فبيّن بشكل إيجابيّ أن مثل هذا الانسان هو حقًا ابن الله. وسوف يقول في 2: 7 إن ما يميّز أبناء الله هو محبتهم بعضهم لبعض (4: 7)، وإيمانهم بيسوع (5: 1)، وانتصارهم على العالم (5: 4). وهو يقول الآن الشيء عينه بشكل سلبيّ: من وُلد من الله لا يخطأ. هناك تقابل واضح بين المولود من الله والذي يعمل البرّ: المحبة، الايمان بيسوع، غلبة العالم، والامتناع عن الخطيئة. ماذا نفعل؟ هل ننتمي إلى النور أم إلى الظلمة؟ إلى الله أم إلى إبليس، إلى البرّ (والمحبة أم إلى الخطيئة)؟
وما الذي يفسّر هذا الطابع الخلقيّ الذي يميّز أبناء الله؟ ولادتهم من الله. هم لن يخطأوا لأن زرع الله فيهم. إذن، الله يقيم فيهم. وهو يريد أن ينمو. مبدأ حياة الله هو فيهم. غُرس في قلوبهم فأنبت حياة جديدة، كما في مثل الزارع (مت 13: 1- 9 وز).
من يقيم (يثبت) في الله يقابل من هو مولود من الله. هم مؤمنو جماعة يوحنا الذين يمارسون البرّ ويحبّون اخوتهم. فيتميّزون عن الهراطقة. لا يرد لفظ "زرع" (سبرما) إلا هنا في 1يو (رج يو 7: 42؛ 8: 33، 37، في معنى نسل). ما يقيم في التلاميذ هو الكلمة، التعليم وأقوال يسوع حول المؤمنين (2: 14، 24؛ 27: 2 يو 2).
رابعًا: أبناء الله وأبناء إبليس (آ 10)
تشكّل هذه الآية انتقاله إلى القطعة التالية (3: 11- 17) وموضوع المحبّة الأخويّة. فممارسة البرّ وعدم الخطيئة يعنيان في النهاية محبّة الاخوة. ذاك هو المقياس الذي يدلّ على انتمائنا إلى الله أو إلى إبليس. ذاك هو تعليم المدرسة اليوحناويّة الذي لا يتوقّف عند العقل أو العاطفة، بل يصل إلى العمل: فالذي يلبث أمينًا للتعليم الأول يرى أين هم أبناء الله وأين هم أبناء إبليس. أما الأخ المذكور هنا فهو العضو في الجماعة اليوحناويّة، لا القريب بشكل عام كما في مثل لو 10: 29.
أبناء إبليس هم الهراطقة. وأبناء الله ينفصلون عنهم. لا شكّ في أنهم ليسوا بلا خطيئة، ولكنهم مستعدّون لأن يُقروا بخطاياهم ويجعلوا رجاءهم في يسوع المسيح. ويبقى التمييز بين الفئتين على مستوى العمل. فالذي لا يمارس البرّ ولا يحب ليس من الله. سيعود الكلام عن البرّ والمحبّة. منذ الآية التالية (آ 11) مع اهتمام بموضوع المحبّة الذي يحتلّ دورًآ مميّزًا في 1يو.
ذاك هو مقياس التمييز وهو سلبيّ: من لا يعمل، من لا يحبّ. هكذا يستطيع المؤمن أن يختبر نفسه. ويكون من الصعب عليه أن يُقرّ بخطاياه إن نقصته الثقة بالله. عندئذ يشكّ بوضعه كابن الله. ولكن الكاتب جاء يشجّعه. فإن تيقّن من البداية الجديدة التي أحدثها الله في حياته، فهو يسعى لكي يجعل هذا المثال الالهي واقفًا في حياته. هو يعرف أنه لا يقدر أن يعلن أنه بلا خطيئة. وفي الوقت عينه يعلن أن قدرة الله تعينه لئلا يخطأ. ذاك هو الانشداد الذي يعيشه المؤمن: يعي خطيئته ولكنه لا ييأس، بل ينظر إلى الأمام، إلى الزمن الذي فيه يكون مثل المسيح في ظهوره. ليس من السهل الحفاظ على التوازن بين تنبيه القرّاء إلى خطيئتهم وما فيها من خطورة، وتشجيعهم بعد أن سحقتهم الخطيئة. لهذا ينتقل يوحنا من وضع إلى آخر، ونحن نحافظ على هذين النمطين من الكلام لكي تكون لنا فكرة متكاملة.
2- قراءة لاهوتيّة وروحيّة
يعرف المسيحيّ ما هو ضروريّ من أجل حياته، لأن المسحة التي نالها تُعلّمه كل شيء (2: 27). والتعليم ليس عرضًا لأفكار مجرّدة. فالتعليم يدلّ دومًا في العهد الجديد على العمل به فنترك إرادة الله تسيطر على إرادتنا البشريّة وتخضعها لمخطّطها. فحين يعلّم يسوع، يضع الله يده على شخص السامعين. يؤسرون ويخضعون كما تقول 2كور 10: 5. ثم إن النصوص كيوحناويّة توصلنا دومًا إلى شخص يسوع المسيح.
حتّى الآن تكلّم يوحنا عن الماضي، فدعا المسيحيين للتعلّق بشهادة الرسل لابن الله المتجسّد، كما طلب منهم أن يتقبّلوا دم المسيح الذي سُفك لأجلهم. وكانت إشارة سريعة إلى المستقبل مع الانتيكرست. وها هو الكاتب يتطلّع الآن إلى الأمام فيربط بحاضرنا بفعل أحداث من الماضي، ما سنكون عليه حين يظهر المسيح في مجده.
المحبة بين الإخوة
3: 11- 17
أعلنت آ 10 ب القطعة التي تبدأ الآن في آ 11 فتؤكّد أن البر يقوم في المحبّة بين الاخوة. عن هذه المحبّة سيتحدّث النصّ. وفي آ 18 نتحدّث عن القلب الواثق بالله. حتّى الآن، اكتشفنا في 1يو جملة تعليمات قصيرة طبِّقت على الجدال مع الهراطقة. كان بالامكان أن نجمع في إطار واحد 2: 28- 3: 24 بعنوان البنوّة الالهيّة والمحبّة الأخويّة. ولكننا فضّلنا قسمة هذه المتتالية ثلاثة فصول. في هذه القطعة، سيطرت فكرة المحبة الاخوية، بعد أن أشير إليها سابقًا. إن المحبة في النظرة اليوحناويّة هي تنبّه إلى الأخ. والبغض (أو الكره) هو عدم الحبّ واللامبالاة. والمحبة هي تعلّق بالجماعة الرسوليّة برفقة الاخوة. والبغض هو الابتعاد عن الجماعة.
1- دراسة كتابيّة
أ- الوصيّة التي سمعتموها (3: 11)
بعد أن أعلن الكاتب أن ما يميّز أبناء الله هو البرّ والامتناع عن الخطيئة، ها هو يصوّرهم كشعب تملك فيه المحبّة المتبادلة. ومع أن هذه الفضيلة موجودة عندهم (آ 14)، إلاّ أنه من الضروريّ الالحاح عليهم لكي يحبّ بعضهم بعضًا. ونجد صورة سلبيّة عن طبيعة هذه المحبّة الأخويّة في ما فعله قايين حين قتل أخاه. وصورة إيجابيّة في ما فعله يسوع الذي ضحّى بنفسه لأجلنا. ويأتي ملحق بعد كل مثَل من هذين المثلين. هكذا لا يتعجّب المؤمنون إن أبغضهم الناس على مثال ما فعل قايين، كما يتجنّبون شعور بغض (من الله أو من الناس) فيحاولون قتل إخوتهم. أما مثَل المسيح بما فيه من إيجابيّة ومن تضحية بالذات، فيعودنا إلى نداء من أجل محبّة تتعدّى العواطف فتصل بنا إلى إشراك المحتاجين في ما نملك من خيرات. وهكذا جاءت هذه القطعة نداء إلى المحبّة وشرحاً لطبيعة المحبّة التي تتعارض كل التعارض مع الكره والبغض.
تبدأ آ 11 مع "لأن" (أو: الفاء)، فترتبط بما في آ 10. "الوصيّة" أو البلاغ والتعليم. الكلمة هي: انغاليا. لا ترد إلاّ هنا وفي 1: 5، في كل العهد الجديد. في 1: 5 كان البلاغ (أو: البشرى): الله نور. والآن، البلاغ (الوصيّة) هو أن يحبّ بعضنا بعضًا. لسنا أمام تعليم جديد. بل سمعه القرّاء من البدء. أي من بدء خبرتهم المسيحيّة. عاد يوحنا إلى الشكل التقليديّ للتعليم فأبرز أهميته وحقيقته لقرّائه الذين يتعرضون لنسيانه بسبب المثل السيِّئ الذي يقدمه مقاومو يوحنا. هي المرة الأولى نقرأ في 1يو عبارة: أحبوا بعضكم بعضًا. وستعود في 3: 23؛ 4: 7، 11، 12: 2يو 5. حرفيا: يحبّ الواحد أخاه (2: 10؛ 3: 10- 14؛ 4: 20- 21). حين تكون صيغة الجمع، تقول الرسالة: يحبّ الواحد الآخر. وحين تكون صيغة المفرد تقول: يحبّ الواحد أخاه. أما في 3: 14 فنقرأ في صيغة الجمع: يحب الواحد إخوته.
سبق ليوحنا وقال أن الذين يحبّون إخوتهم يعيشون وحدهم في نور حضور الله ووحيه (2: 10). وها هو يتوسّع في هذه الفكرة الأساسيّة. ومع أنه يقول: يحبّ الواحد الآخر، إلاّ أنه يعني محبّة الاخوة، محبة المسيحيين بعضهم لبعض. من هنا تنطلق المحبّة الأخويّة، وهي تعود إلى المسيح نفسه (يو 13: 34- 35؛ 15: 12)، فتنمي إلى أساس التعليم المسيحيّ.
إذا كان من لا يحبّ أخاه ليس من الله، فهذا يعني أن تعليم يوحنا الرسولي يأمرنا بأن نحبّ بعضنا بعضًا. فالحبّ ليس قيمة بشريّة شاملة، بل هو يوافق تفسير المدرسة اليوحناويّة لما قاله يسوع لتلاميذه. تلك هي الوصيّة (في 3: 23 نجد لفظة إنتولي التي تعني الوصيّة، وصايا العشر) التي سمعنا (1: 1، 3، 5؛ 2: 7، 18، 24). منذ البدء (أب، أرخيس، 1: 1؛ 2: 7، 13، 14، 24؛ 2يو 5). ما تطلب منا هذه الوصيّة هو أن نحبّ بعضنا بعضًا (أوليلوس. الواحد الآخر). أن نحبّ أعضاء الجماعة.
ب- لا نكون مثل قايين (3: 12)
نسمع القرّاء، منذ بداية حياتهم المسيحيّة، التعليمَ الذي يأمرهم بالمحبّة. لهذا، يجب أن لا تشبه أعمالهم أعمال قايين. قتل أخاه لأنه ليس من الله، بل من الشرير، من إبليس. اقترف قايين ذنبه بعد أن مال الله بوجهه عنه. وهابيل قُتل بعد أن قبل الله ذبيحته. ذاك هو مصير البار ومصير الشرير (اللاّبار).
ما يربط آ 12 بما سبق هو فكرة تقول إن الخطيئة والشرّ والبغض تأتي من إبليس (آ 8 ي). أساس اللامحبة هو إبليس. فكلمة شرير (بونيروس) تقابل إبليس (ديابولوس) في آ 8 ب. أعماله شريرة تقابل أعمال إبليس كما في آ 8. لسنا هنا أمام تعليم فلسفيّ عن جوهر الخطيئة، أو عن طبع قايين بما فيه من شرّ. ولا أمام تعليم سيكولوجيّ، بل أخلاقيّ. فالذي يقترف الشرّ، ولا يحبّ أخاه ويقتله، هو من الشرير. أما برّ البار فتكوّنه أمانة لوصيّة الله (آ 7)، لوصيّة المحبة كما أعلنها يسوع خلال حياته على الأرض. وظهر اللابرّ حين نمتنع عن ممارسة المحبّة (آ 10). والكاتب لا يفسّر مقتل هابيل بطابع قايين الشرير، بل بأعماله. فقايين كان من الشرير، من حزب إبليس. والقتل الذي اقترفه هو عمل شرير بين أعمال شرّيرة أخرى. بما أن قايين يخصّ إبليس، فهو يخصّه في علاقته مع أخيه. والنتيجة: إن الذي لا يحبّ أخاه هو من الشرير على مثال قايين (أترى يفكّر الكاتب بالهراطقة؟ ربما).
ج- أبغضكم العالم (3: 13)
اعتاد أن يقدّم تعليمه في تعارض بين وجهين. وهنا بين قايين وهابيل. قايين هو أول قاتل في الكتاب المقدس، وقد استلهم إبليس الذي هو نموذج القاتل (يو 8: 46؛ رج مت 23: 35؛ لو 11: 51؛ عب 11: 4؛ 12: 24؛ يهو 11). إلى أي حدّ يمكن أن يقود اللاحب؟ هو نواة القتل. من أبغض أخاه قتله في قلبه، على مثال من نظر إلى امرأة ليشتهيها: زنى بها في قلبه (مت 5: 28). وهكذا استخلص يوحنا نتائج هذا التعليم. وطرح السؤال: لماذا يقترف الناس القتل؟ ومع أنه طرح سؤاله إنطلاقًا من موضوع قايين، إلاّ أن الآيات اللاحقة سوف تبيّن أنه يفكّر منذ الآن في الأسباب التي تجعل العالم يُبغض المؤمنين. والجواب، أعمال قايين كانت شريرة، وأعمال هابيل صالحة. هذا لا يعني أن قايين قتل أخاه لأن الشرّ وُلد معه. ولكن بما أنه كان شريرًا أبغض من هو صالح.
بعد هذا، لن يتعجّب المؤمنون إن أبغضهم العالم. فوضعُهم هو وضعُ قايين وهابيل. أعمال العالم شريرة، وأعمال المؤمنين صالحة. وما يحرّك العالم ضدّ المؤمنين هو الحسد والغضب. لا يتطلّع يوحنا فقط إلى الذين من خارج الكنيسة (الذي يضطهدون المؤمنين، بل إلى الذين يعيشون في الكنيسة ولا يحبّون فيدلّون على أنهم ليسوا مؤمنين حقيقيّين.
كان قايين نموذج بغض العالم تجاه المؤمنين الحقيقيّين. فلماذا نتعجّب من هذا البغض؟ هذه الفكرة تنطلق من المدرسة اليوحناويّة (يو 15: 18 ي) مع وضع تاريخيّ جديد: في يو، اليهود يعارضون يسوع وتلاميذه. في 1يو يتجسّد البغض في الهراطقة. في يو 15، يجب أن يتقبّل التلاميذ هذا البغض، عائدين إلى البغض الذي تحمّله يسوع. في 1يو، بغض قايين لأخيه يلقي الضوء على الوضع العام الذي يعيشه قرّاء الرسالة. من خلال هذه الأقوال نستشفّ جماعة يوحناويّة قلقة، لأن الإخوة يبغضونها (2: 19). فالمؤمنون الحقيقيون لا يدهشون (تومازاين) من هذا البغض. نحن أمام بغض عميق ومؤلم. ومعارضة الجماعة اليوحناويّة لا يأتي من اليهود، ولا من العالم، بل من الأنبياء الكذبة والمسحاء الكذبة الذين هم من العالم ويتكلّمون كلام العالم (4: 5). والانتصار هو انتصار الايمان (5: 4، 5). إذن، هناك توافق بين العالم وهؤلاء المعلّمين الذين ينجحون في نشر تعليم ولا سيّما على مستوى النظرة إلى شخص يسوع المسيح.
د- من الموت إلى الحياة (3: 14)
إذا كان ما يميّز العالم والهراطقة هو البغض، فما يميّز الجماعة اليوحناويّة الحقّة هو الحب الأخويّ. حين نحب الأخوة نعرف أننا تلاميذ يوحنا الحقيقيين، وأننا انتقلنا من الموت إلى الحياة: حين نحبّ نكون "أحباء". هذا ما نتوق إليه. أو: نحن انتقلنا من الموت إلى الحياة، فاختلفنا عن الهراطقة. والسبب: لأننا نحب إخوتنا، ولأننا ما خرجنا من الجماعة (2: 19). كيف نستطيع أن نعرف أننا انتقلنا من الموت إلى الحياة؟ على ضوء تعليم يوحنا الرسوليّ. وهذا الانتقال (ماتابايناين، يو 7: 3؛ 13: 1) يرد في فعل في صيغة الكامل يُشرف على الوضع الحاليّ. وليس هو عبورًا من موضع إلى آخر (مت 8: 3؛ لو 10: 7) يتجدّد على الدوام. فالفعل يرتبط بالحلقات اليوحناويّة (يو 5: 24؛ 7: 3؛ 13: 1). إن حياة الذين يحبّون ليست موضوع شجب من قبل الله. هي حياة يوافق عليها الله، سواء عشناها الآن على هذه الأرض أو كان الحياة الأبدية كما في (يو 1: 2؛ 2: 25). أما الذي لا يحبّ فهو تحت الحكم وبالتالي في الموت.
بما أن الذي يقتل أخاه، مثل قايين، ينتمي إلى إبليس، فالأشخاص الذين يبغضون إخوتهم هم من عالم الموت. مقابل هذا، دلّ الكاتب على أنه واثق من قرّائه الذين انتقلوا من الموت إلى الحياة لأنهم يحبّون إخوتهم. نحن نعرف (اويدامن، رج آ 2، 5؛ 5: 13، 15، 18، 19، 20) كما يعرف المسحييون. واختبرنا هذا العبور على مثال المسيح ليلة آلامه (يو 13: 1).
إذا كان القرّاء انتقلوا من الموت، فهذا يعني أنهم كانوا في تلك الحالة قبل أن يصلوا إلى الحياة. فاحتاجوا إلى ولادة روحيّة. وهذه الحياة الروحيّة ليست نتيجة محبّة الإخوة، بل محبّة الإخوة هي البرهان على حياتنا الروحيّة. هذا ما نقرأه في يو 5: 24: "أقول لكم الحقّ: من يسمع كلامي ويؤمن بمن أرسلني له الحياة الأبدية ولا يأتي إلى الدينونة، بل انتقل من الموت إلى الحياة". والعكس صحيح: فمن لا يبيّن أنه يحبّ الإخوة، ما زال في مملكة الظـلمة والموت. لينتظر القرّاء البغض من هؤلاء الناس. نشير هنا إلى أننا نجد في بعض المخطوطات لفظ "الاخوة" (تون أدلفون) بعد "من لا يحبّ" (هو مي اغابون)، فتصبح العبارة: من لا يحب الاخوة يبقى في الموت.
هـ- المبغض قاتل (3: 15)
ويتبع القول الأخير في آ 14 اعتبار تضمّنه ارتباط بين آ 12 و13 اللتين تحدّثنا عن القتل والبغض. فيتحدّث يوحنا في خط مت 5: 21- 22 عن المبغض الذي يضحي قاتلاً. فالمبغض يتمنّى أن لا يكون الشخص الآخر هنا. وهو يرفض أن يعترف بحقوقه كانسان، ويرغب في أن يراه يموت. فعندما أبغض شخصًا، لاافترق عن القاتل في موقفي تجاهه. مثل هذا الشخص يشارك ابليس (القاتل النموذجي) في طبيعته. ولا يمكن أن يمتلك الحياة الأبديّة. فالبغض لا يتوافق مع الحياة الروحيّة. والمبغض لا ينتمي إلى عالم الحياة.
إن البغض في 1يو يقابل الغضب في الطبع، والعنف في الكلام، في مت 5: 21. فالقاتل في 1يو ليس قاتلاً بسلطة البغض فقط. إنه قاتل يمعنى أنه سيُدان لدى الله. لا حياة له لأنه ما تسلّم الحياة وإن هم تسلّمها لم يحافظ عليها. وصورة القاتل ترتبط بقايين لا بإبليس كما في يو 8: 44. إلى أي بغض يلمّح النص (رج 2: 19)؟ أما البغض هنا فيعني بالنسبة إلى الأنبياء الكذبة تركوا الجماعة اليوحناويّة. وقد دخل في هذا البغض احتقار الغنوصيين للمسيحيين البسطاء (رج 2: 9؛ 3: 13؛ 4: 20).
و- ضحّى المسيح بنفسه (آ 16)
نربط هذه الآية بالتي سبقتها: إن كان من يبغض لا يمتلك الحياة، فالله يدينه (آ 15). فهو كان أمينًا لينبوع هذه الحياة الذي هو وحي الحبّ في يسوع المسيح. إذن، البغض خطيئة أخلاقيّة وعدم معرفة المسيح. اختلف المسيحيون عن الهراطقة فعرفوا المحبّة. المحبّة للإخوة (التي لا تنفي المحبّة الآتية من عند الله) عرفنا. جاء الفعل في صيغة الكامل. عرفنا في الماضي ونعرف الآن. هي معرفة ترتبط بالتاريخ، بما فعله يسوع. هنا يرفض الكاتب محبّة "روحيّة" (آ 17)، محبّة تتجسّد في الواقع، بل تكتفي بالكلام (آ 18). هذا الوجه الملموس للمحبّة قد شدّد عليه يو 10: 11؛ 13: 1ي؛ 15: 13 ي. ضحّى بنفسه. هناك أولاً التزام من أجل الأخوة. ثم إن الالتزام وصل بالمسيح إلى التضحيّة بنفسه "لأجلنا" (هيبر هامون).
حدّد يوحنا الحبّ في نظرة إلى يسوع الذي ضحّى بنفسه لأجلنا. هذا ما يقودنا إلى صورة الراعي (يو 10) الذي يقابل الأجير الذي لا يهمّه أمر الخراف. وترد فكرة المحبّة في أحلى بيان في يو 15: 13: "ما من حبّ أعظم من هذا: أن يضحّي الانسان بنفسه في سبيل أحبّائه". الحبّ يعني أن نفعل شيئًا من أجل الآخرين ففي 1يو كما في يو، نتطلّع إلى موت يسوع، وهذا واضح خصوصًا في صورة الراعي حيث لم نعتد أن نرى الراعي يموت من أجل القطيع. وما تقوله 1يو له معناه العميق: استعداد يسوع أن يعطي حياته لكي يحيا الآخرون. والحبّ يعني أن نقول كلاّ لحياتنا الخاصة (أي أن نقبل الموت) لكي يحيا الآخرون. وأخيرًا، تكون التضحيّة بالنفس "لأجل" الآخرين (مر 14: 24 وز؛ روم 5: 8؛ 2كور 5: 15؛ غل 2: 20؛ عب 2: 9؛ 2: 1). مع صورة الراعي نفهم أن يسوع مات لخيرنا. بل مات عنا: مات لئلاّ نموت. وموت يسوع ليس فقط دلالة على الحبّ بحيث نستطيع أن نقول أمام ابن الله المصلوب: أحبّنا حبًا فتألّم، كل هذا من أجلنا. نحن لا نعرف الحبّ هكذا. بل نحن نختبر نعمة الحياة التي أعطيت لنا كنتيجة لموت يسوع، وهكذا نفهم أن هذا الحب كان من أجلنا.
ما قال لنا يوحنا كيف خلَّصنا يسوع، ولا تحدّث عن الخير الذي نلناه. مرمى كلامه هو أن موت يسوع وتضحيته لأجلنا يدلاّن بشكل مركّز على مضمون الحبّ. لسنا بحاجة إلى تحديد الحبّ: يكفي أن ننظر إلى المثال الذي أمامنا.
واستخلص يوحنا النتيجة: يجب أن نضحّي من أجل إخوتنا. هذا كان معروفاً لدى قرّاء يو الذين يعرفون أن يسوع أوصى تلاميذه بأن يحبّوا بعضهم بعضًا كما أحبّهم هو (15: 12). حبّ يسوع هو مثال نتبعه (يو 13: 12- 15؛ 1كور 11: 1؛ روم 15: 2- 3؛ 2كور 8: 9؛ 10: 1؛ فل 2: 2- 8؛ 1تم 6: 13؛ عب 12: 13- 14؛ 1بط 2: 21). قد يضحّي مؤمنو يوحنا ليخلّصوا إخوتهم في الاضطهاد. وقد يضحّون في خدمة الانجيل. المهمّ أن نكون متجرّدين من أجل إخوتنا فنسدّ كل حاجة حتّى ولو أجبرنا على التضحيّة بنفوسنا لا بما نملك فقط.
ز- من أغلق قلبه (3: 17)
هناك من يقتل، وهناك من يضحّي بنفسه ليمنح إخوته الحياة. أما المسيحي فيعرف أنه انتقل من الموت إلى الحياة (يو 5: 24، من يسمع له الحياة الأبديّة). فالموت والحياة يمثّلان موقفين مختلفين، ويشبهان الظلمة والنور، كما يعودان بنا إلى قول موسى: "جعلت أمامك الحياة والخير (أو السعادة) والموت والشر (أو الشقاء) (تث 30: 15). كان بإمكان قايين أن يختار، فاختار الموت لأخيه ولنفسه. لأن الذي لا يحبّ يقتل أخاه الحيّ ويحيا كانسان ميت. فالحبّ حصّة الحياة وحصّة النور (2: 10). والبغض حصّة الموت وحصّة الظلمة (2: 11). لا علاقة بين منطقة ومنطقة. النور يطرد الظلمة. والظلمة تطرد النور (يو 1: 4- 5). من مرّ في الظلمة دمّر أخاه وما شارك في الحياة الأبديّة. حياته هي حيّة العالم الفاسد، وهو يقيم على حدود عالم الله فتفصله جدران كثيفة (آ 14- 15).
وبعد عمل البغض، هناك عمل الحبّ. ففي عالمنا الذي يحيط به خطّ من الموت، حصل حدثٌ قطع هذا الخط وفتح الطريق إلى عالم الله: جاء إلينا الحبّ بيسوع المسيح (آ 16). وُجد الحبّ من البدء، والله لم يسلّم العالم إلى البغض. أحبّ الانسان دومًا فجعل الحبّ البشري ممكنًا. ولكن الانسان لم يكن يعرف أن حبّه هو نتيجة حبّ الله وامتداد له. لهذا، لم يعرف إلاّ الحبّ المحدود، إلاّ حبّاً يُحصر في هذا العالم ويموت. ولكن بالمسيح اكتشفت طبيعة الحبّ الحقّة في كل عمقها. حطّم الحدود التي اصطدمت بها المعرفة البشريّة وبيّن أن عالم الله هو ينبوع الحبّ. بعد الآن، لا نستطيع القول إن الحب صدفة، إن الحبّ لا اسم له. فقد تجلّى كانعكاس لحبّ الله الأزليّ الذي أراد أن يتبعنا إلى النهاية فما خاف من الموت. وحين خسر المسيح حياته، قدّم الله نفسه ذبيحة من أجل الانسان. فلو تراجع أمام الموت لكان أنكر نفسه وخضع لقوّة أقوى منه.
أعطيت لنا آلام المسيح. فيبقى علينا أن نعطي حياتنا لخلاص العالم. ونحن لا نبقى على المستوى العام والمجرّد الذي لا يصل إلى أعمال ملموسة، إلى أشخاص التقي بهم في حياتي اليومية (آ 17). هنا تتجسّد حياة يسوع في حياتنا، وأعماله في أعمالنا، وموته في موتنا، لكي تصبح قيامته قيامتنا. ونحن لا نموت فقط من أجل إخوتنا، بل نستعدّ لأن نتحلّى عمّا لنا من خير للذين هم في حاجة. هكذا قال يسوع للغني: بع مقتناك وأعطه. ثم تعال واتبعني. حين نضع حاجزًا بيننا وبين الآخرين بحيث لا نرى شقاءهم، فهذا يعني أن حبّ الله لم يلج حياتنا. فكل عمل نقوم به من أجل القريب، ينبع من حبّ الله الذي يمنحنا خيرات العالم لكي نتقاسمها مع إخوتنا، لا أن نتنعّم بها وحدنا مثل الغني في مثل لعازر والغني (لو 16: 19) أو الغني الغبيّ الذي نال خبرات وفيرة فقال لنفسه: "فاستريحي وكلي واشربي وتنعمّي" (لو 2: 19).
في آ 17، نقلنا يوحنا من عالم اللاهوت وما فيه من نظريات، إلى عالم الواقع: فالاستعداد لأن نضحّي بحياتنا هو مثال رفيع نُقبل إليه بحماس. غير أنه امكانية بعيدة تحصل أو لا تحصل. وإن حصلتْ نقوم بمجهود كبير مرّة واحدة. وبانتظار ذلك نحيا حياة هادئة متنعّمة إلى أن يأتي وقت التضحية السامية. أما يوحنا فيرفض هذا الموقف، ويقول لنا: الآن هو وقت التضحية. إن لم نعش التضحية اليوميّة الصغيرة، لن نعرف أن نعيش التضحيّة العظمى. وتعطي 1يو مثلاً: من كانت له خيرات العالم. ومن ليس له بعض الخير لكي يعطي؟ من أغلق قلبه وما فتحه على الرحمة، لا تثبت محبّة الله فيه. حين أكون مرتاحًا حين يكون أخي محتاجًا، فلستُ مسيحيًا حقيقيًا. هذا يعني أنني أكتفي بالكلام ولا أصل إلى العمل الذي يدلّ على صدق إيماني.
خيرات العالم. حرفيًا: ما يمكننا من العيش في العالم. رج 2: 16 وثقة المتكبّر بخيرات مادية يملكها، شدّد ف 2 على الخطر الذي يهدّد من يتعلّق بهذه الخيرات. وبيّن ف 3 ما يمكن أن نفعله من أجل المحتاجين. وهكذا تتكامل النظرتان: نتجرّد فنعطي (لو 18: 22). الأخ المذكور هنا هو عضو في الجماعة. أغلق قلبه. حرفيًا: أحشاءه (سبلنخنا) التي هي الرحم وينبوع الرحمة في الله (لو 1: 78؛ كو 3: 12) كما في الانسان (لو 10: 33؛ تحرّكت أحشاء السامري لرؤية الجريح).
2- قراءة لاهوتيّة وروحيّة
الوصيّة التي سمعتموها. ليس الحبّ الأخويّ فكرة تخيّلها المسيحيون ووضعوها في قوانينهم من أجل المنفعة العامة. بل هو معطية من معطيات الوحي. وهو جزء من تعليم أرسله الله فتلقّاه المسيحي من البدء، منذ التعليم الأساسيّ الذي ناله المسيحيون في بداية اهتدائهم. ولهذا التعليم الفريد وجهتان: الله نور وهو يكشف عن ذاته في يسوع المسيح. هكذا نعرف حبّه. غير أن هذا الحبّ لا ينتزعنا عن محيطنا ليعزلنا ويسجننا وراء جدران نفسنا. بل إن هذا الحبّ يستولي علينا ويطلقنا إلى الآخرين. وعندما نعيش محبّة الآخرين نعرف أننا انتقلنا من الموت إلى الحياة.
أما الذين لا يحب فهو يقيم في الموت. هو في الموت لأنه أنفصل عن الله وانقطع عن الينبوع الذي يتيح لحياته أن تتفتّح. انغلق على ذاته، فما عاد يرى سوى مصالحه. وجعل نفسه في قلب الكون فصار الآخرون كلا شيء. وهذه اللامبالاة قادته إلى الكره والبغض، بانتظار أن تقوده إلى الموت. هكذا كان قايين. وقابله يسوع الذي ضحّى بذاته من أجلنا. فيبقى علينا أن نقتدي به، لا في ذبيحة نقوم بها مرّة واحدة في حياتنا، بل في أعمال تتوزّع حياتنا يومًا بعد يوم. عندئذ يكون كل عطاء بسيط تعبيرًا عن عطاء ذاتنا، ويهيّئنا للعطاء التام الذي يطلبه الله منا حين نشاء. عندئذ نفهم أن حبّنا نبع من حبّ الآب، ووجدَ أعظم مثال له في حبّ المسيح الذين أحبّ خاصته وأحبّهم إلى الغاية. وهكذا دخل في مسيرة آلامه وموته وقيامته. 
اطمئنان القلوب
3: 18- 24
ارتبطت هذه القطعة (آ 18- 24) بالتي سبقتها (آ 11- 17)، وإن كانت هناك علامة قطع مع "يا أبنائي الصغار" في آ 18. أما آ 18- 19 فهما جزء من الموضوع المشرف على هذه الآيات: قلب مطمئنّ. أما رباط هذه القطعة مع آ 17 فهو واضح: هو يتوسّع في فكرة الحبّ الملموس الذي أشارت إليه آ 17. فهذا الحبّ على مستوى العمل، هو ينبوع اطمئنان وثقة أمام الله وفي الصلاة (آ 19- 22). وبما أنه يجب علينا أن نعمل بوصايا الله (آ 22ب)، نُدعى إلى تجاوز موضوع الحبّ في المعنى الحصري: ما يُطلب منا هو أن نؤمن بالابن ونحبّ بعضنا بعضًا. في الواقع، هناك وصيّة واحدة (آ 23 في المفرد). وهذه الوصيّة تتكوّن من وصيّتين، من فريضتين (آ 24، في الجمع): نؤمن باسم يسوع، ونحبّ بعضنا بعضًا. وفي النهاية يُصوِّر يوحنا جماعته: تلك التي تحفظ الوصايا (فتتميّز عن الهراطقة)، وتعرف أن الله يقيم فيها بالروح الذي يهبها.
1- دراسة كتابيّة
أ- محبّة بالعمل لا بالكلام (3: 18- 20)
في آ 18، أنهى يوحنا هذه القطعة (آ 11- 17) وهيّأ الطريق للقطعة التالية (آ 18- 24) فدعا القرّاء إلى محبّة لا تتوقّف عند الكلام، بل تصل إلى العمل. يجب أن نبرهن على أن محبّتنا هي حقيقيّة. فأعمالنا لا تدلّ فقط على عاطفة داخليّة، بل على محبتنا التي تتوافق مع حقيقة وحي الله كما ظهر لنا في يسوع.
يبدأ يوحنا فيلقي نظرة إلى ما كتب، ويعلن أن الطاعة لوصيّة المحبّة الأخويّة، هي أساس معرفتنا بأننا من الحقّ. فالعمل بما يميّز ملكوت الحقّ هو العلامة أننا من هذا الملكوت.
هل تبدأ آ 19 بحرف العطف (كاي، و) الذي يفضّله الاسكندراني والفاتيكاني واللاتينية الشعبيّة؟ إن أبقينا عليه، ارتبطت هذه الآية بما سبق. "وبهذا نعرف". وإلاّ كانت آ 19 بداية مقطع جديد. وهناك "إن توتو" (بهذا). ها يجمع ما قيل في آ 18 (رج آ 14)؟ أم يتطلّع إلى "هوتي" الذي نقرأه في بداية آ 20. قد تعني "نعرف" نداء: يجب أن نعرف. وقد تشير إلى واقع: "بطاعتكم لهذا التحريض نعرف". ونقرأ: أننا من الحق. أننا حصة الحق. نخصّ الحق. رج 2: 21. نحن في إطار إلهي: نحن مولودون من الله.
لا يفكّر يوحنا في اطمئنان التواصل أننا نخصّ الله. بل في أزمة الايمان نتساءل: هل نخصّ الله؟ وبالتالي، هل نحفظ الوصيّة التي أعطانا الله إياها.
ستعود الفكرة في آ 23ب- 24. ولكن بادئ ذي بدء يشير يوحنا إلى نقطتين: يحدث للانسان أن يتبلبل حين يفحص نفسه ويرى النتيجة. ينظر إلى حياته فيرى أنه بعيد عن النموذج الذي يقدّمه الله. فهو لا يحبّ إخوته كما يجب. ولا يمكنه أن يعتبر نفسه حرّاً من الخطيئة (كما سبق يوحنا وقال). فكيف يمكنه أن ينتمي إلى الحقّ حين يحسّ أن أعماله تكذّب الحقّ؟ هنا نقرأ فعل "بايتو" أقنع شخصًا بشيء ما أو أقنعه بأن هذا الشيء حقّ. نترك جانبًا المعنى الأول، ونأخذ بالثاني: نُقنع قلوبنا بأن الله أعظم من قلوبنا. عندئذ يأتي السؤال: كيف نعرف هذا؟ وهل يمكن أن تكون آ 18 أساس هذا القول؟ كما أنه لا يمكن أن تكون آ 19أ أساس آ 19ب- 20 (وضعنا أننا لا نعرف أننا نخصّ الحقّ). لهذا، نعود إلى معنى: هدّأ، طمأن، أراح (رج 2مك 4: 15؛ مت 28: 14). "هوتي". ترد ثلاث مرات في آ 19- 20. في الاولى تعني "أن" فتبدأ قولاً مباشرًا (أننا من الحقّ). في الثانية، تعني "أن" (مع مفعول به لفعل بايسومن، اطمأنت قلوبنا أننا) أو "لأن"، أو "إذا".
هذا يعني أننا نستطيع أن نطمئن قلوبنا القلقة بطاعتنا للوصيّة. والله يفهمنا أكثر ممّا تعرفه قلوبنا، ويعرف في علمه الشامل أن محاولاتنا الضعيفة لطاعته وصيته تنبثق من ثقة تامّة به. ولكننا نستطيع أن نتوقّف في نهاية آ 19 أ فتبدأ فكرة جديدة: "نطمئن قلوبنا في حضرته، إذ إن قلوبنا لا تحكم علينا، لأن الله أعظم من قلوبنا، ولأنه يعلم كل شيء". إذا أخذنا بهذه النظرة، فهمنا أننا لا نستطيع أن نثق بنفوسنا. لهذا نجعل ثقتنا في رحمة الله الذي يعلم كل شيء. هنا نتذكّر بولس الرسول: "وأنا لا يهمني كثيرًا أن تدينونني أنتم أو أي محكمة بشريّة، بل لا أدين نفسي. فضميري لا يؤنبني في شيء، إلاّ أن هذا لا يبرّرني. وإنما دياني الربّ. فلا تحكموا على أحد قبل الأوان، حتّى يجيء الربّ الذي يُنير ما خفيَ في الظلام ويكشف نيّات القلوب، فينال كل واحد منا الله ما يستحقّه من المديح" (1كور 4: 3- 5). يوضح بولس هنا أن البشر (لا أنا) لا يمارسون الدينونة، بل الله الذي يحكم أو يمتدح. ويقول يوحنا لقرّائه بأن يسلموا نفوسهم إلى دينونة الله الذي يعرف كل شيء ويقدر بالتالي أن يطمئنا قلوبنا، حتّى إن أحسسنا أننا نستحقّ الحكم.
قفي أي ظرف يحتاج قرّاء يوحنا إلى هذا النوع من المطأنينة؟ هم يريحون قلوبهم أمامه، في حضرته. أي نقف أمام الله في يوم الدينونة، فتحسّ قلوبنا بخوف مسبق. ولكن بما أن السياق سياق صلاة، نقول: هل نجرؤ أن نقترب من الله مع طلباتنا إذا أحسننا نفوسنا مذنبين؟ رج 1تس 1: 3؛ 3: 9. إذا أخذنا بهذا المعنى الثاني، أمَّنا انتقالة إلى آ 21.
هو ظرف خاص، وقد يكون كل ظرف، ولا سيّما حين يشكّ المؤمن بحاله أمام الله. لا نهتمّ لنعرف كم يحكم علينا قلبنا. فالله يستقبل المؤمن الطالب الغفران، فيغفر له ويأخذه في كنف رحمته. وإن ضعف إيماننا بالله وسرنا في وادي الظلمات، فالله يمسكنا بيده. "فالربّ يعرف الذين هم له" (2تم 2: 19).
"يا أبنائي الصغار" (تكنيا). هم محبوبون (آ 12، أغابيتوي). يحبّهم الكاتب بالمحبّة التي يطلبها منهم إخوتهم (آ 23). ومحبّته تجد تعبيرًا عنها في تعليم يقدّمه لهم، كالمعلّم مع التلميذ والأب مع أولاده. أما المحبّة التي يتحدّث عنها يوحنا، فلا تبقى في أعماق النفس، ولا هي عاطفة جيّاشة، ولا هي صدق ذاتي، بل واقعيّة عمل نقوم به بصدق تجاه اخوتنا. اكتفى الهراطقة بالكلام الفضفاض. أما يوحنا فدعا جماعته إلى العمل، ولا سيّما على مستوى العطاء للمحتاج (آ 17).
بهذا نعرف (آ 19) أننا من الحق، لا بخبرات ذاتيّة لا يسندها شيء. هناك قلق يجعله الهراطقة في قلوب المؤمنين، وهناك تقنيات بشريّة تهدئ القلوب! أما في 1يو فلا دواء سوى: أن نحب. أن نكون في الحق. أن نتذكّر أن الله أعظم من قلوبنا (أنا إله لا إنسان، رج هو 11: 9). أنه إله الرحمة والحنان.
ب- ننال ما نطلب (3: 21- 22)
بدأ يوحنا يوجز فكره: إذا أردنا أن نحبّ لا نكتفي بالكلام عن الحب. بل نحقّق هذا الحبّ في الواقع اليوميّ. عندئذ نفهم أننا حصّة الله، حصّة الحقّ. وبما أن الله يعرف أعماق قلوبنا ويعاملنا بالرحمة، فنحن لا نخاف. أجل، قلوبنا لا توبّخنا. لا لأننا بلا خطيئة، بل لأننا جعلنا ثقتنا بالله. وهذه الثقة تجعلنا نتيقّن أننا ننال ما نطلب (5: 14- 15). عندئذ نفهم أنه يرى فينا أولاده، أننا نعيش معه، أننا نعمل مشيئته.
ما دامت قلوبنا (كرديا) توبّخنا (كاتاغينوسكو)، فليس لنا ثقة بالوقوف أمام الله. هذه الثقة نحتاج إليها في مجيء الرب (2: 28)، ونحن نطلبها في صلاتنا. إذا استطعنا أن نطمئن قلوبنا متذكرين أن الله أكبر من قلوبنا وأنه يعرف كل شيء، عندئذ لن توبّخنا، فنستطيع أن نقترب من الله بجرأة ودالة. "أيها الأحبّاء". لسنا هنا أمام فئة خاصّة في الجماعة. فالجميع هم أحبّاء الكاتب. إذا كانت قلوبنا. المعنى: بما أن قلوبنا. الصيغة واقعيّة، لا شرطيّة (يمكن أو لا!) وهذه الامكانية الايجابيّة أن لا نهتَّم، لا نوبّخ، لا تستند إلى اعتبارات سيكولوجيّة، ولا إلى ظروف مؤاتية (تارة يوبّخ وطورًا لا يوبّخ)، بل إلى الحقّ الذي هو الله كما أوحيَ به في يسوع المسيح. لهذا، حذف بعض النسّاخ أداة النفي (مي، لا، لا توبّخنا). فإن أخذنا بهذا المنطق كرّرت آ 21 ما قيل في آ 20.
هناك نوعان من الثقة والاطمئنان. الأول، في الدينونة ومجيء الربّ (2: 28؛ 4: 17). الثاني، في الصلاة (5: 14) من أجل الزمن الحاضر. في الحالين، يؤكّد الكاتب للقرّاء أنهم يمتلكون هذه الثقة منذ الآن. نقابل ما قيل هنا مع روم 5: 1 (فلما برًِّرنا بالايمان، نعمنا بسلام مع الله بربّنا يسوع المسيح). ولكن عند بولس، يحلّ الحبّ محلّ الايمان. ثم إنه يحارب الشريعانيّة اليهوديّة. أما في 1يو، فنحن أمام روحانيّة من نوع هلينيّ وغنوصيّ، تطلب معرفة (وثقة) تتفوّق على ما عند المؤمنين العاديين. "نعمل بما يرضيه". هذا ما يشير إلى الوصايا. حين نحفظ الوصايا نعمل ما يرضي الله. لهذا جاءت واو العطف (ونعمل) مفسّرة لفعل حفظ.
نطمئن أولاً، ثم ننال كل ما نطلب. هذا القول المدهش يقف مع أقوال أخرى حول مؤمنين لا يخطأون (آ 6، 9)، حول كمالهم في الحبّ (2: 5؛ 4: 17)، فيقدّم الواقع الاسكاتولوجيّ الذي يبدو بعيدًا عن خبرتنا العادية. قال يسوع في يو 16: 24: "ما طلبتم باسمي شيئًا حتّى الآن. أطلبوا تنالوا فيكتمل فرحكم". مثل هذا القول يمكن أن يُفهم فهمًا سِّيئًا: مع أن الرب يشجعنا لكي يكون لنا إيمان يحرّك الجبال، فصلاتي لا تستجاب كما طلبتُ. أما في 1يو، فالله يسمع صلاتنا إذا كانت حسب مشيئته. ولكن قد نكون في حلقه مفرغة: حين نطلب من الرب أن يصنع مشيئته سيفعل ما يريد هو. غير أن علينا أن نطلب ما يتوافق إرادة الله، لا ارادتنا الخاصّة. وهكذا نكون الشعبَ الذي يطيع وصايا الله ويفعل ما يرضيه. رج يو 14: 15 (تحبوني، تعملون بوصاياي)؛ 15: 14 (أنتم أحبائي إذا عملتم بوصاياي). أجل، المسيحي هو أنسان يخضع للوصايا (2: 3) ويرضي الله على مثال يسوع (يو 8: 21). وجّهت آ 21- 22أ انتباهنا إلى واقع اسكاتولوجيّ. أما آ 22ب فدلّت على تحقيق ناقص في حياة الذين حياة أبناء الله الحقّة. لهذا رمى يوحنا إلى تشجيعنا لندخل في علاقة بنويّة تجعل الله يفرح ليسمع طلباتها ويستجيبها. وبقدر ما ندخل في هذه العلاقة تصبح طلباتنا موافقة لمشيئته.
ج- وصيّته إيمان ومحبّة (3: 23- 24)
بعد أن تحدّث يوحنا عن الحاجة إلى الطاعة للوصايا، عبّر هنا بشكل واضح عمّا يعني. جمعَ الوصايا في وصيّة واحدة. وهذه الوصيّة تكون في شقين. وهكذا توضّحت الوحدة الأساسيّة في هذين الشقين (2: 3- 8؛ 3يو 4- 6). من الممكن أن يكون قرّاء 1يو قد اعتبروا أن موجز المحبّة تقدم في محبتنا بعضنا لبعض. وأنّ من يحبّ هو يسمي. ولكن هذا الفهم ناقص. فالايمان يسير مع المحبّة، ولا يكفي واحد دون الآخر. سبق ليوحنا وأعلن أن طبيعة المحبّة المسيحيّة هي تتميم وصيّة المسيح (يو 13: 34؛ 15: 12، 17). ولكن في الرسالة صار موضوع الايمان مركزيًا.
والايمان يكون مستقيمًا حين نؤمن باسم يسوع ابن الله (تجاه المعلّمين الكذبة). الايمان بيسوع يعني يتضمّن القدرة التي تقودنا إلى ثقة بذلك الذي هو موضوع اعترافنا. فيسوع الذي لا يكون ابن الله والمسيح، لا يقدر أن يخلّص القرّاء من خطاياهم ويجعلهم في نور حضور الله. ويسوع الذي يكون أقلّ من ذاك الذي يشهد له التقليد الرسولي، لا يستطيع أن يضع ما تنسب إليه هذه الشهادة. يمكنه أن يكون قائدًا أخلاقيًا وروحيًا، ولكنه لا يقدر أن يكفّر عن الخطايا، أن يعطي المعونة الروحيّة في وقت التجربة، أن يقدّم تأكيد الحياة الأبديّة بعد الموت (آ 23).
وفي آ 24، يعود يوحنا إلى القول بأن الطاعة لوصايا الله هي شرط من أجل الشركة معه (رج آ 18- 19). استعمل صيغة الجمع (وصايا) ليدلّ على أن الايمان المحبة يعبَّر عنهما بعدد من الفرائض تدلّ على مضمون الوصيّة في ظروف ملموسة. فالذي يطيع يحيا في الله، والله يحيا فيه. عبارة تشبه كلام بولس في روم 8: 10 (المسيح فيكم)؛ 2كور 13: 5 (يسوع المسيح فيكم، رج غل 2: 20؛ كو 1: 27) وفي 2كور 5: 17 (أحد في المسيح)؛ 2: 12 (مؤمن بالمسيح، فل 1: 13؛ 3: 9) حول إقامة المسيح في المؤمن وإقامة المؤمن في المسيح، كل هذا يدلّ على وحدة وثيقة. بين الله والانسان. في 2: 6 قلنا إن الانسان الذي يحيا في يسوع، عليه أن يسلك كما سلك يسوع (خلال حياته على الأرض). والآن يقال لنا أن الانسان الذي يطيع وصاياه يحيا فيه. وسنقرأ فيما بعد (4: 12) أننا إن أحببنا بعضُنا بعضًا، أقام الله فينا. هكذا تبدو الطاعة للوصايا تعبيرًا عن الحياة الروحيّة قبل أن تكون شرط الحياة فيه. فالحياة الروحيّة والطاعة للوصايا وجهتان في فكرة واحدة.
قد نتساءل إن كنا في علاقة حميمة مع الله بحيث نحتاج إلى الثقة (آ 19- 20) فنؤسّس ثقتنا على طاعة ناقصة لوصايا الله. عندها نحسّ أننا لا نحيا فيه. لهذا، أشار يوحنا إلى ينبوع ثقة آخر. نستطيع أن نعرف أن الله يقيم فينا بالروح الذي يعطينا (4: 13). فحضور شهادة الروح تحمل إلينا الثقة التي نحتاج إليها (روم 5: 5؛ 8: 14- 16). لا يشرح يوحنا كيف تتجلّى هذه الثقة. أتكون حين يتوجّه المؤمنون إلى الله وينادونه أبّا، أيها الآب؟ أنكون أمام خبرة مواهبيّة لقدرة الروح؟ أيكون وعي داخليّ بأهم محبوبون لدى الله؟ هنا نترك الباب مفتوحًا.
2- قراءة لاهوتيّة وروحيّة
لو كان الحبّ المسيحيّ مجرّد عواطف، لعرف صعودًا ونزولاً، تقدّمًا وتراجعًا. ولكان حبًا لا متماسكًا ومتقلبًا. ولاختار من يحبّ ومن لا يحبّ، وترك الذين لا فائدة منهم، ولا سيّما المرضى والمهشّمين... أما وأنه مؤسّس على حبّ المسيح كما ظهر لنا من خلال موته على الصليب، فقد تجذّر وراح أبعد من عواطفنا المتقلّبة ونزواتنا. فهو ثابت وأكيد. ولا يحابي، أي لا يفرّق بين شخص وآخر. فكل واحد يحقّ له أن ينال منّى تفهمًا وصبرًا ومساندة. وإن لم يكن هذا الحبّ تضحية بالذات حتى الموت، فهو في كل وقت عطاء الذات. وهذا يطلب منا أن نشعر مع الآخر، أن ندخل في عاطفة الآخر وفي قلبه لكي نفهم ما يحتاجه في أعماقه. هكذا لا تكون محبتنا في القول والكلام، بل في العمل والحق (آ 18).
غير أن هذا الحبّ (الذي اختاره الله وما فهمه العالم)، هذا الحبّ الشجاع والناشط الذي يلهمه الصليب، هذا الحبّ يطرح علينا سؤالاً: هل نحن أمناء المهمّة التي أوكلنا بها؟ أما هناك لحظات من الأنانيّة والانغلاق على الذات؟ عندئذ يوبّخنا قلبنا (آ 20). فهناك الضعف والسقوط... وهو وضع يعرفه الله. أترانا سنهرب كما فعل قايين؟ كلا. فالله أعظم من قلبنا وهو يعرفنا. لهذا، نطمئن قلبنا. فالهرب من الله موت. والاقتراب منه حياة. نعترف بخطايانا وضعفنا، ونتابع المسيرة معه.
فكل ما نطلبه من الله نناله. فعطاء الله المجانيّ ينتظر انفتاحنا لكي نقبل عطاياه. ينتظر منا ايمان باسم ابنه، واستسلامًا لقدرته وهو يفعل. كما ينتظر منا محبّة للأخوة. ومن الذي يفعل فينا هذا؟ الروح الذي وهبنا الله والذي يقيم فينا فيعلّمنا كيف نصلّي، كيف نحيا، كيف نتصرّف. بل أن هذا الروح يدلّ على أن شركتنا مع الله حقّة. كيف ذلك؟ هذا ما سيقوله لنا يوحنا فيما بعد.
روح الحقّ وروح الضلال
4: 1- 6
لا فائدة من النداء إلى الروح إن كنا غير أكيدين بأن روح الله هو الذي يشهد فمعارضو يوحنا يتحدّثون أيضًا عن إلهام الروح. أما العلاقة لالهام صحيح، فهي الاعتراف بأن يسوع جاء في الجسد، في لحم ودم. فأي تعليم ينكر هذا، يكون ملهمه الانتيكرست. وهكذا يكون روحان في هذا العالم، يمثّلان الحقّ والضلال. ولا ندهش إن كان العالم الذي يوجّهه الانتيكرست (المسيح الدجّال، المناوئ ليسوع المسيح) لا يقبل شهادة المؤمنين. فعلينا أن نبقى واثقين، لأن الله أعظم من خصومنا. بل منذ الآن انتصرنا على الأنبياء الكذبة.
1- دراسة كتابيّة
أ- نظرة عامّة
هذه القطعة (آ 1- 6) هي وحدة تكفي نفسها بنفسها، فتفصل بوضوح عمّا يليها. ترتبط بما سبق بلفظته "روح" التي نقرأها في آ 1 وفي 3: 24. هل الإشارة إلى الروح (3: 24) دفعت يوحنا إلى أن يتوسّع في هذه القطعة، أم أنه استبق هذه القطعة فأورد 3: 24 عن الروح الذي وهبه الله لنا؟ مع هذه القطعة، يعود يوحنا إلى موضوع عالجه من قبل، هو مجيء المسحاء الدجّالين (انتيكرست) مع اعترافه الكرستولوجيّ وما فيه من ضلال. ولكنه يعالجه بطريقة مختلفة بعض الشيء. في 3: 24 ب كان الروح المعطى علامة الشركة مع الله. أما في 4: 1- 6، فنجد الشكّ النقديّ تجاه خبرة الغنوصيّين الروحيّة.
يحيط بهذه القطعة قولان عن الروح فيشكّلان تضمينًا واحتواء. في آ 1- 3 ثم في آ 6ب. تبدو آ 4- 6أ بدون علاقة مع هذا الجدال عن الروح. ولكنها في الواقع ترتبط به ارتباطًا صحيحًا. والفكرة تبدو كما يلي: تحذير من روح الأنبياء الكذبة (آ 1). كيفيّة التعرّف إلى روح الله (آ 2- 3)، إلى الذين هم من الله، والذين هم من العالم (آ 4- 5). وأخيرًا، مقياس آخر (هو جديد بالنسبة إلى ما في آ 2- 3) لنميّز بين روح وروح: من يسمع لنا هو من الله.
هذه الآيات تحارب الهراطقة بقوّة، شأنها شأن 2: 18- 27. فهؤلاء الأنبياء الكذبة هو أولئك المذكورون في 2: 18 (انتيكرست). في 2: 18- 27 حديث عن المسحة، وهنا عن الأرواح. وفي كلا الحالين، ترتبط المسألة البنفماتولوجيّة (حول الروح القدس) بالمسألة الكرستولوجيّة (حول يسوع المسيح) وإن بشكل مختلف بعض الاختلاف. حسب 2: 18- 27، من أنكر المسيح يسوع أنكر الله. حسب 4: 1- 6 بدت الكرستولوجيا مقياس البنفماتولوجيا: من لا يعترف بيسوع ليس فيه روح الحقّ: في 2: 18- 27، كانت البنفماتولوجيا في خدمة الكرستولوجيا. أما هنا فالكرستولوجيا هي في خدمة البنفماتولوجيا. ولكن في هذين النصين، الاسلوب هو هو: لا يردّ الكاتب على التعاليم الخطرة، بل يحثّ المؤمنين على الثبات في التعليم الذي قبلوه.
ب- امتحنوا الأرواح (4: 1)
تظهر الشركة مع الله في الحبّ والمعرفة: ذاك هو التعليم الذي أراد يوحنا أن يعرضه في وجهة وفي أخرى: الحياة والتعليم، العمل والمعرفة. هناك تداخل وتكرار مع فتحْ منظورات جديدة في كل مرة. هنا يحذّر يوحنا أيضًا من الهراطقة، من الأنبياء الكذبة. عندئذ يجب أن يطرح المؤمنون السؤال: هل هذا من الله، هل هذا من البشر؟ هل نحن أمام حقيقة الله، أم أمام وهم بشريّ.
ينطلق الكاتب من الروح (3: 24) بمناسبة ظهور عدد من الأنبياء الكذبة. أيها الأحبّاء. رج 2: 7؛ 3: 2، 21؛ 4: 7، 11. هم قرّاء الرسالة المرتبطون بالجماعة الواحدة والمهدَّدون بنشاط هؤلاء المعلّمين. نلاحظ تلاحق صيغة المفرد (روح، كل روح) وصيغة الجمع (أرواح، أرواح الأنبياء الكذبة). بعد ذلك، تسيطر صيغة المفرد. وتُطرح مسألة الحقّ (آ 2- 3، 6) بمناسبة ظواهر تُعتبر روحيّة. لا تصدّقوا (بستواتي) ولا تثقوا بكل روح. أو لا تتركوا الأنبياء الكذبة يسحرونكم (آ 6ب). رج 3: 23.
يفترض السياق أن هذا الروح يظهر في كلمة. هو لا يُقبَل في ذاته ولا في ثماره، بل في نبوءة واعتراف. في كلمة تصل إلى العالم (آ 5). ونحن نستطيع أن نعرفها ونسمعها (آ 6). والفعل "دوكيمازو" (امتحن، تحقّق) لا يظهر إلاّ هنا في الأدب اليوحناويّ (لا يظهر تقريباً إلاّ في رسائل بولس): يجب أن نسمع بانتباه الأنبياء المتجوّلين ونطبّق عليهم المقياس الكرستولوجيّ (آ 2- 3) والمقياس الجماعيّ.
من خلال هذه النظرة، نكتشف ثلاثة أمور مهمّة: (1) ليس للروح (الكلمة) قوّة إقناع في ذاته. يجب أن نتحقّق من كل نبي. (2) في الحلقة اليوحناويّة، هناك تعليم نعود إليه، التعليم الرسولي الذي على أساسه نتحقّق من الأنبياء. يوحنا هو ممثّل هذا التعليم والمدافع عنه. الجماعة كلها مسؤولة عن السهر على التعليم، لا بعض الأشخاص كما هو الأمر في الرسائل الرعائية. (3) التعارض بين الروحين يجعلنا في خطّ جماعة قمران: روح الحقّ وروح الضلال (آ 6ب). هل ينطبق هذا التمييز عن الأفكار أو على الأشخاص (رج 2: 21)؟ إن السياق يجعلنا نستشفّ أننا أمام "تعليم" ينشره أشخاص هم مسحاء ودجّالون (2: 18) وأنبياء كذبة (4: 1)، والفئتان واحدة. لا تظهر صورة النبيّ الكاذب إلاّ هنا في 1يو. أما تواتر ظهورها فتُنشير إلى أصحاب دعاوة بلبلوا المسيحيّة في النصف الثاني من القرن الأول المسيحي (مر 13: 22؛ مت 24: 11، 24؛ أع 13: 6؛ رؤ 16: 13؛ 2بط 2: 1؛ رج مت 7: 15). لا يقول النصّ من أين جاء هؤلاء المضلّلون، بل ما هم وما يقولون.
شدّد يوحنا في هذا المجال على أن كل "روح" لا يمكن أن يصدَّق. لا نصدّق كل تعليم، ولا كل شخص يعتبر نفسه ملهمًا من الروح. وأعضاء الكنيسة لا يصدّقون ما يقولون أناس "ملهمون"، قبل أن يمتنحوا هذه الأرواح ويعرفوا أنها من الله. فهناك خطر الخداع بعد أن كثر الأنبياء الكاذبون في العالم، وهم يدلّون على الانتيكرست (2: 18). يذهبون إلى هنا وهناك، شأنهم شأن المرسلين المسيحيين (2يو 7)، وهمّهم أن يجتذبوا الناس إلى قضيتهم. ويبقى السؤال المهم: كيف نتحقّق (1تس 5: 21) من هؤلاء الناس؟
ج- بين روح وروح (4: 2- 3)
إذا أردنا أن نتعرّف إلى روح الله، نقول: "كل روح يعترف بيسوع المسيح أنه جاء في الجسد يكون من الله" (آ 2). فروح الانسان نكتشفه في أقواله وفي أعماله. وهنا تدلّ الأقوال عن نظرتنا إلى كلمة الله المتأنّس. استطاع الهراطقة أن يتحدّثوا عن يسوع وعن شخص المسيح، ولكنه لم يجمعوا بين الاثنين. فقالوا: يسوع الناصري ليس مسيح الله ولا ابن الله. ما استطاعوا أن يحتملوا أن يكون الله جاء في انسان من لحم ودم. فأفكارهم المسبقة حول الله والانسان منعتهم من ولوج هذه الطريق.
رفض هؤلاء الهراطقة اثنين: أن يكونوا محتاجين إلى غفران الخطايا. أن يقولوا إن يسوع هو مسيح الله. لهذا نبّه يوحنا قرّاءه: إن كان المسيح لم يأت إلى العالم كابن الله، زال أساسُ إيمانهم. وتواصل تنبيه يوحنا في آ 3: كل روح لا يعترف أن يسوع جاء في الجسد (رج 1كور 12: 3 ورفض التجسّد الالهيّ). هناك من يقول: كل روح يقسم (يذيب) يسوع. لم يعد يسوع مخلّص العالم، فما الفائدة من الايمان به؟ هذا ما يقوله الانتيكرست الذي ما زال يعمل في العالم.
كيف نعرف؟ ويأتي الجواب. "أنتم تعرفون" (صيغة الحاضر، لا صيغة الأمر (غينوسكاتي). ويقول لنا يوحنا كيف نعرف (بهذا، إن توتو، 2: 5). الدليل هو اعتراف الايمان لدى شخص يُعلن أن الروح ألهمه (هومولوغيو، رج 2: 23؛ 4: 17؛ 2يو 7، اعترف. وهناك اعترف بالخطايا، 1: 9). فالفعل "هومولوغيو" يُستعمل وحده كما في يو 12: 42 (ما اعترفوا). أو مع أن (هوتي). رج 4: 15؛ يو 1: 20. أو مع مفعول به واحد (1: 9؛ 2: 23؛ 4: 3). أو مع مفعولين (4: 2؛ 2يو 7؛ يو 9: 22). هنا نأخذ بالامكانيّة الثانية وإن غابت "هوتي" أن يسوع جاء في الجسد.
تدلّ آ 2- 6 على ما يجب أن يكونوا هذا التمييز بين روح وروح. تطرح آ 2 المقياس الأساسي الذي به يرتبط الباقي. إن "إن توتو" (بهذا) تعني: على هذا الأساس تكشفون القناع عن مثل هذا الضلال، والامكانيّة حاضرة، وقد سبق للمؤمنين أن تحقّقوا من هؤلاء المعلّمين الكذبة. يجب أن يعرفوا روح الله في الاعتراف الكرستولوجيّ. لسنا أمام خبرة روحيّة، بل أمام مقابلة بين ما يقول هؤلاء الأنبياء وعبارات كرستولوجيّة تعلّمها المؤمنون من البدء. يجب أن يُسأل المؤمنون على جوهر الايمان اليوحناويّ، لا عن أمور خلقيّة. هل هم مستعدّون أن يعترفوا داخل الجماعة وفي العلن بأن يسوع كان بشرًا شبيهًا بنا في كل شيء ما عدا الخطيئة. هذا ما يقابل ما في آ 3: نعترف بيسوع.
إن الاستعمال الكرستولوجي للفظة جسد (لحم ودم، بدن) عرفه يو 1: 14؛ 6: 51 ي. وظهر في 2يو 7. لا ننسى نقيضة الجسد والروح في لو 3: 6، ومحدوديّة الطبيعة البشريّة المعرّضة للضعف والخطيئة (يو 1: 13؛ 8: 15). نحن أبعد ما يكون عن ظاهر البشريّة مع عبارة "في الجسد". فإذا عدنا إلى 5: 6- 8 الذي يشدّد على الدم في مصير المسيح التاريخي، نفهم أننا أمام واقع المسيح الذي سفك دمه ومات من أجلنا، وأمام الصليب الذي كان نهاية مصير يسوع على الأرض قبل أن يقوم في اليوم الثالث.
هذا ما يقوله الايمان المستقيم. أما المسيح الدجّال فيقول عكس ذلك: هو لا يعترف بيسوع (آ 3). هو يقسم يسوع. لا يتّهم يوحنا الهراطقة بأنهم ينكرون المسيح ولا يؤمنون به، بل بأنهم يعترفون المسيح ليس مسيح إيمان الجماعة اليوحناويّة. مثل هذا الاعوجاج الكرستولوجيّ ليس من الله، بل من المسيح الدجّال (انتيكرست). في 2: 18 ذُكر المسيح الدجّال في صيغة المفرد، فعارض الله. ثم في صيغة الجمع. أما هنا، ففي صيغة المفرد فقط. والاسم يدلّ لا على شخص محدّد، بل على روح (أو قدرة) تحرّك أنبياء كذبة استطاع المؤمنون أن يكشفوهم.
نحن هنا أمام اختلاف نصوصيّ لهم. "مي هومولوغاي". لا يعترف. نجده في السينائي والاسكندراني والفاتيكاني والشعبية واللاتينية والقبطية البحرية... وهناك نص آخر مع "ليواي". إن فعل "ليوو" يعني: دمّر، ألغى، خسر، أفلت. ولا يمكن أن يعني: فصل اللاهوت في المسيح عن الناسوت. حينئذ يعني النص: ألقى التعليم حول يسوع احتقارًا. أو ألغى يسوع، أي لم يحسب له حسابًا. القراءتان قديمتان. ولكن الاختيار وقع على "لا يعترف" بشكله القصير، وما أضيف: أن يسوع جاء في الجسد.
فالروح الذي يشجبه يوحنا هو روح الانتيكرست (لا نجد في اليونانيّة لفظ "روح" بنفما، بل أل التعريف مع المضاف إليه). تلك هي علامة الأيام الأخيرة وعصيان إبليس النهائي على يسوع المسيح. سبق للقارئ وعرف من تعليم يسوع أن هذا سيحصل (2: 18). وانتظره. وها هو الآن في العالم يمارس عمله. لا شكّ لدى يوحنا، في أن نكران الاعتراف الرسولي في ما يخصّ يسوع المسيح، ليس فقط ضلالاً على مستوى العقل. بل يمثّل تمرّدًا على الله. ولهذا، يجب أن يُشجب.
د- حصّة الله وحصّة العالم (4: 4- 5)
يشدّد النصّ هنا على الظهور التاريخيّ لتلاميذ الانتيكرست، الذين يقاتلون قرّاء 1يو. ولكن لا فائدة من قتالهم، لأن جماعة يوحنا تعيش الشركة مع الله. هم من الله. هم حصّة الله. لهذا سينتصرون، لا بقوّتهم، بل بقوّة الله. أما الذين هم حصّة العالم (من العالم) فقوّتهم عن العالم، في إبليس (2: 3- 4). والعالم هو الموضع الذي فيه تعمل فيه عملها هذه القوى.
هناك أناس يُسحرون بتعليم الأنبياء الكذبة الذين ينكرون المسيح. لا أبناء يوحنا الذين هم من الله (3: 10. أصلهم من الله. وُلدوا من الله)، الذين فيهم قوّة الحقّ داخليّة التي تجعلهم يتغلّبون على الضلال. هذا لا يعني أنهم طردوهم من الكنيسة، بل رفضوا تعليمهم الكاذب (2: 13- 14؛ 5: 4- 5؛ روم 12: 21، فعل فيكاوو يُستعمل للانتصار على الشيطان والعالم المعاديّ، يو 16: 33؛ رؤ 2: 7...). فالاعتقاد والكاذب هو خطيئة، شأنه شأن السلوك البعيد عن البرّ وغياب المحبّة الأخويّة. والنصر يعود إلى الذي يقيم فينا.
بعد أن تحدّث يوحنا عن القوّة العاملة في العالم، ذكر الأنبياء الكذبة الذين جاؤوا إلى العالم. فهم من العالم. وتُلهمهم قوّةُ الشرير العاملة في العالم. فالعالم هو حقل عملهم، لأن الناس الذين هم من العالم والذين يتأثرون به، يسمعون لهم بانشراح ويتعلّقون بضلالهم. فالعالم يعني اثنين: البشريّة التي تتحدّ لتقاوم الله. والموقف الذي يميّز هذه البشريّة. فالذين ينكرون المسيح يدلّون هكذا على أنهم حصّة العالم الشرّير وليسوا من الله.
ونعود إلى التفاصيل. تبدأ آ 4 مع "هيمايس"، أما أنتم. في تعارض مع الذين لا يعترفون بيسوع (آ 3). نلاحظ دومًا في 1يو أن قرّاء الرسالة ليسوا أمام خيار بين اثنين كأن هناك رأيين مقبولين. كلا ثم كلا. هم في الجهة الصالحة (رج إستي، آ 1، 3). هم في الخط المستقيم. فلا يقلقوا. يكفي أنهم ظلّوا أمناء للجماعة اليوحناويّة وتعليمها (2: 27). هم الأبناء الصغار. رج 2: 1، 12. هم من رعيّة هذا الأب الروحيّ. إن حرف العطف (وغلبتم) يطرح مشكلة. إن "كاي" هي سببيّة: أنتم من الله لأنكم غلبتم. وهي إضافة: أنتم من الله وغلبتم. وهي تفسيرية: أنتم من الله. والبرهان: غلبتم. الحلّ الأول هو الأقرب إلى المعقول: إذا كانوا ما زالوا من الله (حصّة الله). فلأنه قاوموا كل ما قدّمه لهم الأنبياء الكذبة. نلاحظ أن الفعل هو في صيغة الكامل. حصلت هذه الغلبة في الماضي وما زالت نتائجها حاضرة.
موضوع الغلبة مهمّ جدًا في 1يو 21: 13- 14؛ 4: 4؛ 5: 4- 5). ولا ننسى أننا في إطار غنوصيّ، ولا سيّما في الحديث عن غلبة العالم. فالغلبة على الشرير (2: 13- 14) أو على الانبياء الكذبة (4: 4) أو العالم (5: 4) هي في 1يو غلبة على الضلال الذي هو الشرّ الأعظم (2: 13- 14) والذين يرتبط ارتباطًا وثيقًا بالعالم. ثم نعرف أن ما ينتصر على العالم في 5: 4- 5، ليس الايمان بشكل عام، بل الايمان الصحيح كما تعلنه جماعة يوحنا والذين هو ايمان بابن الله يسوع المسيح.
"الذي فيكم أعظم من الذين في العالم". يشرح النصّ معنى "أنتم من الله"، وهذه الغلبة. "فيكم" (إي هيمين). رج 2: 27 أ: في وسطكم، يسهر عليكم. أعظم (ما يزون). رج 3: 20؛ 5: 9، هذه العظمة هي فاعليّة تعليميّة تتيح لهم الانتصار على الضلال (رج 5: 9). الذي فيكم هو اله، أو المسحة كما في 2: 18- 27، أو التعليم اليوحناويّ الرسولي. والذي في العالم هو روح الضلال، روح إبليس، روح الأنبياء الكذبة، روح العالم. في الحرب الاسكاتولوجيّة العظيمة بين الضلال والحقّ، بدا النصر قريبًا في الجماعة (إن هيمين) بتعليم أصيل يرتبط بالروح القدس (2: 18- 27).
أجل، هناك توافق قام بين الضلال والعالم. فمع أن الهراطقة خرجوا من الجماعة، إلاّ أنهم لم يكونوا منها حقًا، لأن لا شراكة بين الحقّ والكذب (2: 21). هذه الثنائية تتوزّع 1يو كلها، وقد وُجدت في يو 15: 18- 17. إن الأنبياء الكذبة هم من العالم. فلا يستطيعون أن يقولوا سوى قول العالم. والعالم يرى نفسه فيهم ويسمع (أكواي، رج آ 6؛ 2: 24؛ 3: 10) لهم. هنا نتذكّر نجاح الغنوصيين (وجميع البدع) في العالم ولا سيّما في أوساط المثقفين والموسرين.
هـ- من يعرف الله يسمع (4: 6)
هذه الآية تنقل التضمين الذي فُتح في آ 1 حول روح الحقّ وروح الضلال، فتعلّمنا كيف نميز بين روح وروح. "نحن". أما نحن يقابل الأنبياء الكذبة. يدلّ على الكاتب، على القرّاء. دل على القرّاء الذين تطلب منهم 1يو أمانة للتعليم اليوحناويّ. إذن، لن يعرف الله هو عضو في الجماعة ما زال أمينًا للتعليم الرسوليّ. هو يعرف الله ويعترف بيسوع الذي جاء في الجسد كما تقول جماعة يوحنا. هكذا ينقسم الناس فئتين: من يسمع يعرف الله. من لا يسمع لا يكون من الله. يسمع لنا ولا لصاحب الرسالة. هو يستعدّ لأن يلتحق بالأنبياء الكذبة. إن الذين هم معنا لهم روح الحق. والآخرون سقطوا في روح الكذب. فما يميّز الجماعة التي ظلّت أمينة للتعليم الرسوليّ هو القول بأن يسوع جاء في الجسد.
أجل، ما قاله يوحنا في آ 5 حول العالم، يرسم الخطّ الفاصل بين فئة وفئة. فتجاه الأنبياء الكذبة تقف الجماعة المسيحيّة، جماعة المؤمنين الحقيقيين، أي يوحنا وقرّاؤه. وربّما المعلّمون في الجماعة اليوحناويّة. هم من الله (آ 4). هذا يعني أن كل من عرف الله يسمع لتعليمهم ويوافق عليه. أما من لا يكون من الله فلا يسمع. فالتجاوب مع تعليم الكنيسة الحقة يميّز من يقودهم روح الحق (الروح القدس) ممّن يقودهم روح الضلال والكذب.
وهكذا قدّم لنا يوحنا مقياسين للحقّ والضلال: الاعتراف الايماني. الجواب على تعليم الكنيسة. هذا يعني أن البشريّة مقسومة قسمين: المنتمون إلى الله والمنتمون إلى العالم. وهكذا نكون أمام ثنائيّة قريبة من تلك التي نجدها في العالم الغنوصىّ. في الواقع، هو ينظر إلى وضع الكنيسة حيث المعلمون الصادقون والمعلّمون الكاذبون. ويطلب من القرّاء أن يحذروا معلّمي الضلال (2: 24؛ 2يو 7). كما يقرّ بأن المؤمنين الحقيقيّين يمكن أن يضلّوا إن لم يكونوا ساهرين. نداء سمعته جماعة يوحنا، فتسمعه كل جماعة من جماعاتنا.
2- قراءة لاهوتيّة وروحيّة
ودعانا يوحنا إلى المحبّة الأخويّة. ولكن هذه المحبّة لا تمنعنا من أن نمحّص أفكار الآخرين. فالايمان لا يجعلنا نصدّق كل شيء كالبلهاء، بل يدعونا إلى الحكم على الأفكار والنظريات. يدعونا إلى التميز. "لا تصدّقوا كل روح. بل امتحنوا الأرواح" (آ 1). ولماذا هذا الامتحان؟ لأن هناك روح الحقّ ورح الضلال. الله هو الحقّ. وإذ يرسل وحيه يجعلنا في الحقّ. وما يتعارض مع هذا الحقّ يجعلنا في الضلال.
هذا الصراع يعرف أربع صعوبات: ينصِّب الضلال نفسه محلّ الحقّ. وحين ينشره البشر يأخذ وجهًا شخصيًا. يصعب تمييز الحقّ من الضلال. وأخيرًا، ينجح الضلال في العالم نجاحًا باهرًا. إن الأنبياء الكذبة يعتبرون أنهم يحملون إلى الناس الأجوبة الصحيحة على تساؤلاتهم. وهكذا يجعلون الضلال وكأنه تجسّد فيهم. هنا نتذكّر كلام الرب الذي يتحدّث عن الذئاب الذين لبسوا لباس الحملان (مت 7: 15). لهذا، نكون حذرين، لأن الضلال يستعمل كل شيء ليصل إلى هدفه. ونتساءل: بماذا يعترفون حين يتحدّثون عن يسوع؟ كما نكتشف ذاك الذي يقف وراء حاملي الضلال. هم الانتيكرست، المناوئ للمسيح، المسيح الدجّال. هو يشبه إلى حدّ بعيد التنين في سفر الرؤيا. التنين يحرك وحش البحر أي السلطة السياسيّة التي تضطهد للمسيحيين. كما يحرك وحش البرّ الذي هو سلطة إيديولوجيّة تبرّر عمل السلطة السياسيّة. هذا التنين يمثّل عالم الشرّ بعد أن بدأ عمله مع أول عيلة بشريّة. هو الحيّة الجهنميّة التي تلاحق المؤمنين حتّى إلى البريّة. ولكن الله حاضر مع المؤمنين كما كان مع شعبه. وتعلن 1يو أن المؤمنين غلبوا. والسبب: لأن الذي فيهم (الله وكلمته) أقوى من الذي في العالم.
الله محبّة
4: 7- 13
تقدّم آ 7- 13 موضوع المحبّة الذي لم يظهر في آ 4- 6. ما يُشرف هنا هو أولوية محبّة الله لنا، التي تسبق محبتنا لله (آ 8، 10- 11). وتنتهي هذه القطعة كما انتهت القطعة السابقة مع إشارة إلى الروح الذي نلناه. هذه النهاية مع الروح القدس (كما في 2: 24) ترتبط بما يلي، وتتوسّع أيضًا في موضوع الحبّ على أنه شهادة (آ 14) واعتراف (آ 15) وايمان (آ 16). وكل هذا يرتبط بواقع يسوع التاريخيّ. في آ 7- 13، عرفنا أن حبّ الله لنا سبق حبّنا له. وفي آ 14- 21، نعرف كيف تجلّى حبّ الله في التاريخ، في تجسّد الكلمة. نحن نتأمل حبّ الله في التاريخ، لا في عالم اللازمن وما فيه من تجريد. ونتأمّل مبادرة الله التي تسبق كل مبادرة لدى الانسان، ولا سيّما على مستوى المحبة. الله هو الذي أحبّنا أولاً وأرسل ابنه كفّارة لخطايانا (آ 10). وحبّنا لله لا يمكن أن ينفصل عمّا يتبعه، عن حبّنا للقريب. وأخيرًا، لا يُبني الحبّ على الخوف، بل على الثقة بيسوع (آ 17). هنا تتميّز هذه القطعة عمّا في 2: 7- 11 التي تحدّثت عن المحبّة الأخويّة ولم تجذّرها في محبّة الله كما تجسّدت في التاريخ. وعمّا في 3: 11- 18 التي لمّحت تلميحًا سريعًا إلى المحبّة الأخويّة (3: 16 أ) فتحدّثت عن موت يسوع كمثال للمحبّة الأخويّة.
1- دراسة كتابيّة
أ- المحبّة من الله (4: 7- 8)
انتقال يوحنا فجأة من كلام حول روح الحقّ وروح الضلال، فقدّم إلى قرّائه نداء آخر حول المحبّة الأخويّة. سبق له وبيّن علاقة المحبّة بالولادة الجديد. وها هو يقول الآن إن على المسيحيين أن يحبّوا بعضهم بعضًا، لأن الله أحبّهم ودلّ على محبّته الكبيرة من أجلهم حين أرسل ابنه الوحيد كفّارة عن خطاياهم.
في 2: 3- 11، صوّر يوحنا ذاك "الذي يحبّ أخاه" (آ 10)، وفي 3: 11- 24، تحدّث عنا أعمال المحبّة، وها هو يتوقّف عند طبيعة المحبّة حول عبارة تتردّد مرتين: الله محبّة (آ 8، 16). ويفسّر هذه العبارة مشدّدًا على أن الحبّ البشريّ ينبع من الحبّ الالهيّ. حبّ الله هو الذي يدفعنا لكي نحبّ إخوتنا. في 3: 11، 23، ارتبطت المحبّة الأخويّة بوصيّة الله. وها هو يوحنا يعيد محبّة الله إلى موضعها الأصليّ. ليس الحبّ وليد الصدفة، ولا يمكن أن نفكّر فيه بمعزل عن الله.
أولاً: ليحبّ بعضنا بعضًا (آ 7)
في سياق يدعو إلى المحبّة، كان من الطبيعيّ أن يُسمّي يوحنا قرّاءه: زيها الأحبّاء (اغابيتوي، رج 2: 7؛ 3: 20، 21). سبق لهم وصوّر المسيحيين كأناس يحبّون إخوتهم (2: 10؛ رج 2يو 5)، ودعاهم لكي يحبّوا بعضهم بعضًا (3: 11، 18، 23). وها هو يعود إلى الموضوع نفسه فيلمّح على قرّائه بأن يتصرّفوا في توافق مع وضعهم المسيحي. وهكذا كرّر يوحنا ما قاله من قبل. ولكنه شدّد على بعض الأمور: أسّس نداءه على واقع يقول إن المحبّة هي من الله. أصلها من الله وتنتمي إلى عالم الله. ونحن نجد بداية المحبّة في محبّة أظهرها الله. كما نكتشف الطبيعة الحقّة للحبّ حين نتطلّع إلى ما يعنيه بالنسبة إلى الله (آ 9، 10، 19). ولكن، إذا كان الحب ينتمي إلى عالم الله، فهذا يعني أن من يحبّ ينتمي إلى الله. أنه مولود من الله (2: 29؛ 3: 9). ويعيش الآن في معرفة الله (2: 3- 4، 13- 14؛ 3: 1، 6؛ 4: 6). يستعمل يوحنا هنا (آ 7) صيغة الحاضر (رج 4: 6؛ 5: 20) ليدلّ على علاقة متواصلة لم تنقطع. أما في آ 8 فيستعمل صيغة الاحتمال متحدّثًا عن شخص لم يختبر معرفة الله (رج 2: 3- 4 واستعمال كامل للتعبير عن علاقة متواصلة تنبع من خبرة اهتداء). ما قال يوحنا: كل مولود من الله يحبّ (فيصبح ذلك فرضاً على قرّائه)، بل قدّم قولين متوازيين: كلّ حبّ يأتي من الله. لهذا، كل محبّ هو مولود من الله. يقدّم يوحنا تحديدًا وقد يكون بشكل تحريض.
قد لا يُفهم هذا القول، فنستخلص أن المحبّ هو ابن الله وأخو المسيح. وننسى أن نتساءل إن كان يؤمن بيسوع كابن الله. ونُخطئ أيضًا إن اقتلعنا هذا القول من سياقه في الرسالة. سبق يوحنا وقال أن ابن الله الحقيقيّ يؤمن ويحبّ (3: 23). غير أننا نستطيع أن نتساءل: كيف يستطيع انسان لا يؤمن بيسوع المسيح أن لا يحبّ أخاه؟ يمكن أن نجد حبّ الأخوة عند جميع البشر، لأن الانسان مخلوق على صورة الله، وهو يحافظ على هذه الصورة حتّى بعد السقطة. ولكن كل حبّ ينبع من حبّ الله. لهذا، ترتبط المحبّة بالايمان، وهكذا ندلّ أننا مولودون من الله.
فليحبّ بعضنا بعضًا. نحن هنا على مستوى المحبّة الأخويّة، المحبّة داخل الجماعة اليوحناويّة (1: 7؛ 3: 11، 23). المحبّة (رج 3: 11) هي من الله، كما أن ما في العالم ليس من الله (2: 16). كما أن المسحاء الدجّالين ليسوا منا (2: 19)، كما أن الكذب ليس من الحقّ (2: 21). كما أن الذي يمارس البرّ هو من المسيح أو من الله (2: 29). كل هذه التعابير تعود إلى اثنين لا ثالث لهما: الحق والكذب. نجد حديثًا عن الولادة من الله في 2: 29؛ 3: 9 (الولادة الالهيّة والمعرفة). "كل (باس في اليونانيّة) محبّ" تعني: وحده الذي يحبّ (حصرًا). أو: كل من يحبّ (انفتاح). لا مجال "للنخبة". فالجميع مدعوون إلى هذه المحبّة. في يو 3: 16 ب ارتبطت الولادة بالايمان. ونتساءل عن معنى "كاي"، حرف العطف (ويعرف). هل يضيف شيئًا على آخر؟ يُولد ويعرف. هل هو سببيّ؟ مولود لأنه يعرف. هل هو نتيجة؟ مولود وبالتالي يعرف. في أي حال، نحن في علاقة بين الولادة من الله والمعرفة، وبالتالي أمام تشديد على الهوية: هو مولود من الله، أي يعرف. وهكذا خضع ما يقوله الهراطقة (من ولادة من الله ومعرفة) لمقياس المحبّة الأخويّة. هنا نشدّد: لا يتماهى الحبّ مع الولادة من الله والمعرفة، بل هو عنصر لا يستغنى عنه.
ثانيًا: من لا يحبّ (آ 8)
أن نحبّ بعضنا بعضًا وأن نعرف الله، هما أمران مختلفان وإن ارتبطا ارتباطًا وثيقًا. فالذي لا يحبّ لا يعرف الله ولم يكتشفه، "لأن الله محبّة". فخارجًا عن المحبّة لا شركة مع الله، لأن لا معنى لهذه الشركة إلاّ في علاقتها مع المحبّة التي هي نتيجة الحبّ الالهيّ. ولكن نمتنع هنا عن القول: بما أن الله محبّة، فهذا يعني أن المحبّة هي الله. فالحبّ عند الانسان يخصّ عالم الله بعد أن خلقه الله، ولكنه لا يتماهى أبدًا مع عالم الله. ويبقى أن الذي يحبّ يستطيع وحده أن يعرف الله، لأن البغض (واللامبالاة) يعارض الحبّ ولا يصل أبدًا إلى معرفة الحبّ. وحده الحبّ يعرف الحبّ.
لاحظنا هذا مرارًا في 1يو ونلاحظه هنا: الشيء وضده. من يحبّ (آ 7) من لا يحبّ (آ 8). من لا يحبّ لا يعرف الله. وغياب المحبّة يبعده عن عالم الله. هذا يعني أن معرفة الله كمحبّة تقود إلى المحبّة الأخويّة. ولا يستطيع الانسان أن يرتبط ارتباطًا حقًا بالله المحبّ إلاّ أذا تحوّل إلى شخص محبّ. لا يشرح يوحنا كيف يتمّ هذا التحوّل. كل ما يقوله في آ 11 هو واجب الحبّ: علينا أن نحبّ بعضنا. عندئذ يسيطر حبّ الله على طبعنا ويحوّله.
ونصل إلى قمّة في 1يو. الله محبّة. هذا ما يقابل: الله نور (1: 5). الله روح (يو 4: 24). تلك طريقة المدرسة اليوحناويّة في التعبير عن الله. حين نقول إن الله روح، ندلّ على طبيعته التي تتعدّى عالم المنظور. وحين نقول إن الله نور أو محبّة، نبرز صفاته ولا سيّما حين يكشف نفسه للبشر. نلاحظ أننا حين نتكلّم عن الله كمحبّة، لا نحصره في وضع صفة مجرّدة. فالقول يعود إلى عمله حين نقول الله يحبّ، نعلن أن كل أعماله محبّة. وبما أن المحبّة هي نشاطه الشخصيّ، فالقول يشدّد على شخصيّة الله في أوسع امتدادها. وفي الوقت عينه، تظهر المسافة العظيمة بين الله والبشر. ما من انسان نقول عنه إنه المحبّة: وحده الله هو المحبّ الكامل.
لا نحتاج إلى نظرة سريعة إلى تعليم الكتاب المقدس في هذا المجال. يكفي أن نقول إن هذه الصفحات تقدّم أوضح تعبير عن طبيعة الله. كما نقول إنه خارج هذه الصفحات، لا نجد صورة عن الله تقابل هذه الصورة. الله كليّ المحبّة، وهو كليّ القداسة (1: 5). والعبارة لا تعارض الأخرى، بل ترجعان إلى الينبوع الواحد وتحدّدان عمل الله. عندئذ لن نندهش حين نرى يوحنا لا يتكلّم على المستوى اللاهوتيّ المجرّد، بل عن الله الذي يدلّ على حبّه من خلال أعماله: هكذا أحبّ الله العالم حتّى إنه أرسل ابنه الوحيد (يو 3: 16).
ما قيل في آ 7 (فليحبّ) يجد ما يسنده في آ 8. إن كان يجب علينا أن نحبّ، فليس بسبب قيمة نجدها في الحبّ نفسه. بل لأن الله محبّة. نلاحظ أولاً أن الجدال يدور خلال معرفة الله: من لا يحبّ لم يعرف الله. نحن في صيغة الاحتمال (إغنو). فكما في 3: 1، من لا يحبّ لم يصل يومًا إلى معرفة الله. وهو الاله الحقيقيّ كما تنادي به المدرسة اليوحناويّة (آ 9- 10) ثانيًا، إذا كان ذاك الذي يعرف هذا الاله يحبّ، فليس لأن كل حب يأتي من الله، بل لأن مقياس معرفة الله الحقّة هي ممارسة الوصايا. فهناك إمكانيّة أخرى تجعلنا بعيدين عن منطق يوحنا: نعرف الله ووصاياه، ولكننا لا نطيع. ثالثًا، بين الاله المحبّة والحب الأخوي مشاركة في جوهر الله، بواسطة سرّ المعموديّة. في الواقع، حين نعرف الله نعرف وصاياه. وحين نتعرّف إلى الله، نخضع لوصاياه (2: 4؛ 4: 20). رابعًا، محبّة الاخوة هي نشاط يقع في امتداد نشاط الله. حين نحبّ الآخرين نتابع عمل الله في العالم. وإن محبّة الله تلمّح علينا لكي نحبّ إخوتنا: نقتدي بالله كالأبناء الأحبّاء. خامسًا، يجب أن نحب لأن الله محبّة. وهكذا كان التحديد في آ 8ب، و16ب في خدمة الحياة الخلقيّة. الله نور (1: 5) فيجب أن نسير في النور. الله روح. يجب أن نعبده بالروح (يو 4: 24). الله محبّة. إذن، يجب علينا أن نحبّ كما هو يحبّ.
ب- حبّنا صورة عن حبّ الله (4: 9- 10)
أولاً: أظهر الله محبّته (آ 9)
متى أظهر الله محبّته؟ حين أرسل ابنه (رج يو 3: 16). فحبّ الله لم يتجلَّ بنتائجه في علاقات بشريّة حيث يسيطر العمل لا اسم الله، وحيث الوحي غائب. بل تجلّى حين تماهى مع ابن الله. فالمسيح هو كلّ حبّ الله كما كان من الأزل، وليس مشاركة في هذا الحبّ كما هو الأمر بالنسبة إلي الانسان. غير أن حبّ الله هذا صار ضعيفًا لكي يلامس ضعفنا، صار سريع العطب في يسوع المسيح على الصليب فمات لكي يحمل إلينا الحياة بقيامته.
سبق يوحنا وقال لنا كيف دلّ الله على محبّته، فمنع القرّاء من مزج حبّ الله مع ما يحلّ محلّه على مستوى البشر (3: 16). وها هو الآن يتجاوز هذا الأساس، فيستعيد نقاطًا ويقدّم أخرى. إن مجيء المسيح الذي هو مثال الحبّ السامي، يدلّ بما فيه الكفاية على حبّ الله بالذات. هذا ما تضمنّته 3: 16- 17. فاحتاج إلى توضيح. وهكذا دلّ يوحنا على أن مجيء المسيح صار منظورًا في خبرتنا (لو 1: 1؛ يو 1: 14؛ 1كور 11: 19؛ 2كور 4: 3، إن هامين ، فينا) لحبّ الله الخفيّ (فانيروو يذكّرنا بتجلّي ما كان في الأصل خفيًا). إن صليب المسيح هو التجلّي المنظور في العالم لهذا الحبّ الذي يعود إلى الأزل. أرسل الله ابنه الوحيد الأوحد إلى هذا العالم، لكي ننال به الحياة. وهنا نجد عاملين يحدّدان طبيعة هذا الحبّ: التضحية بالنفس. العمل من أجل الآخرين. مع أن فعل "أعطى" لا يُستعمل هنا (3: 1؛ يو 3: 16)، إلاّ أن فعل "أرسل" يقدّم الطريق التي اتخذها الابن ليأتي من عالم السماء إلى عالم الخطيئة وعصيان الله.
آ 9 هي مع آ 10 أساس آ 8، وتهيئة لما في آ 11. تلك. حرفيًا: بهذا (إن توتو) هي تتوضح مع "هوتي" أن الله أرسل ابنه. في هذا فقط يتجلّى الحبّ، لا في طريقة أخرى يقدّمها الهراطقة. لا يستخرج الكاتب النتائج المنطقية لمبدأ "الله محبّة". ولا يرتكز على الخبرة الحاليّة لهذا الحبّ. بل يكتفي بأن يقول إن هذا الحبّ ظهر في التاريخ. فالفعل "فاناروو". يطبَّق في 1يو على مصير يسوع على الأرض كمرسل الله. وهذا التجلّي لا يراه سوى الايمان (1: 2؛ 3: 5، 8). لنا، من أجلنا ونقرأ: فينا. أي بين المؤمنين وبين البشر. والكلام عن يسوع كالابن الوحيد خاص بالمدرسة اليوحناويّة (يو 1: 14، 18؛ 3: 16، 18). لسنا فقط أمام عدد: ابن واحد لا ابنان. بل أمام شخص يمثّل الله على الأرض، ويمثله وحده، ويقوم بعمل الآب. تقابل صفةُ الوحيد في الأناجيل الازائية: الحبيب. رج مت 3: 17؛ 12: 18... لنحيا به. نجد هنا مشروع الله بالنسبة إلى الانسان: لكي نحيا. لا يرد فعل "نحيا" (زيسومان) إلاّ هنا، في رسائل يوحنا الثلاث. نحن نستطيع أن نحيا بفضل عمل الخلاص الذي تمّ بيسوع المسيح (رج آ 10؛ 3: 5، 8). ونحيا حقًا حين نحبّ إخوتنا، فتُشبه حياتنا حياة يسوع. "به" (دي اوتو). صارت حياته حياتنا.
ثانيًا: تلك هي المحبّة (آ 10)
وهكذا نكون أمام صورة صادقة عن حبّ الله وصورة كاذبة. فعبارة "الله محبّة" لا تقدّم فكرة مجرّدة عن كائن الله، بل ترينا إياه فاعلاً. هذا لا يعني أن الله لم يكن يفعل فيما قبل، أنه كتّف يديه ووقف بعيدًا بعد أن ترك العالم يتخبّط في مصيره. فالعالم موجود والانسان يهتمّ به. ولكن كان حجاب يخفي اهتمام الله بالعالم. أما الآن فظهرت محبّة الله بشكل ملموس ومنظور، فلا نستطيع بعد اليوم أن نقول إن العالم هو ألعوبة في يد القدر.
بعد أن حدّثنا يوحنا عن طبيعة حبّ الله، قال لنا إنه يتحدّث عن الحبّ في حدّ ذاته كما تجسّد. لاشكّ في أننا لا نقدر أن نتكلّم عن حبّ لا ينطلق من حبّ الله. كما لا نستطيع أن نفهم الحبّ حين ننظر فقط إلى حبّنا لله. إن صيغة الكامل (إيغابيكامن) إلى أن حبّنا المتواصل لله هو الأساس، بل الحبّ الذي أظهره الله لنا في التاريخ، في يسوع (إيفابيسن، الاحتمال). بل إن الحبّ يُرى أولاً في عمل الله الذي أحبّنا وعبّر عن حبّه حين أرسل (الانتقال من صيغة الكامل إلى صيغة الاحتمال، يدلّ على التجلّي التاريخيّ للحبّ، لا على نتائج عنل الله المتواصلة) ابنه كفّارة عن خطايانا. في هذه العبارة، نجد أعمق مدلول للفظة حبّ: تُغفر خطايا المحبوب فلا تعود تُذكر. وهذا ما فعله الله من أجل العصاة.
أجل، هذا الحبّ ليس حبًا عامًا، بل حبّنا الله. حبّنا لا يسبق حبّ الله لنا، كما يقول الهراطقة. إنه جواب على حبّ الله لنا في يسوع المسيح. نشير هنا إلى أن الشق الثاني من آ 10، يستعيد 2: 2. فحبّ الله ليس حدثًا باطنيًا وفرديًا لا تعرفه سوى نخبة من الناس. إنه عمل الله التاريخيّ على الصليب. لا حبّ صادقًا إلاّ في الأقرار بأسبقيّة حبّ الله لنا.
ج- نتائج محبّة الله (4: 11- 13)
أولاً: واجب الحبّ (آ 11)
ما كان بمقدور أحد أن يحطّم حاجز الخطيئة والألم والموت الذي يفصل عالمنا عن عالم الله. ولكن هذا عملَه حبُّ الله، لهذا كان هذا الحبّ كل شيء. وإذ فعل الله ما فعل، دعا الانسان إلى الحبّ. قبل ذلك، ارتبط الحبّ بوصيّة الله (3: 11، 23) أو بأصله الذي هو في الله (آ 7، الحبّ، من الله). أما الآن، فنعود إلى الطريقة التي أحبّنا الله. نحن لا نستطيع أن نحبّ كما يحبّ الله، ولكننا نتطلّع إلى الله ونحبّ بقوانا البشريّة. نحبّ لأننا محبوبون.
من نال حبّ الله بهذا القدر، لا خيار له. فعليه أن يحبّ. ومن غُفرت خطيئته، عليه أن يغفر. وحبّنا لله ظهر أول ما يظهر في حبّنا لاخوتنا. وبما أن هناك حبّ الله للخطأة، فهذا يعني أن الحبّ لا ينحصر بين الاخوة، بل يصل إلى الجميع. غير أننا نبدأ مع الاخوة، فنبيّن أن مسيرتنا صحيحة وهي تستطيع أن تتواصل حتى الأعداء الذين يحبّهم الله كما يحبّنا.
استعادت آ 11 فكرة "الله محبّة" فاستخلصت النتيجة: نحبّ بضنا بعضًا. توجّه يوحنا إلى أحبائه (أغابيتوي، 2: 7؛ 3: 2، 21). هم الأبناء الصغار (2: 1، 12، 28) الذين يشكّلون الجماعة الامينة للتعليم الرسوليّ. "ماذا" تعني: لأن. نحن أمام واقع بما أن الله "هوتوس"، هكذا. هي نوعيّة المحبّة التي وصلت إلى الغاية. تحدّث يو 3: 16 عن امكانية الايمان ونوال الحياة الابدية (هكذا أحبّ الله). أما يو فعن واجب حبّ الاخوة "يجب" (اوفايلومن). رج 2: 6؛ 3: 16؛ 3 يو 8. ليس الحبّ الأخويّ نتيجة مباشرة وطبيعية لحبّ الله. لهذا، على الرسول أن يحثّ المسيحيين، ولا سيّما الذين أخذوا طريق الضلال.
ثانيًا: ما من أحد رأى الله (آ 12)
ما يؤسّس وصيّة المحبّة الأخويّة، هو حبّ الله كما تجلّى في المسيح (رج 2: 6؛ 3: 3، 17). نحن هنا على مستوى القياس، لا على مستوى التشابه التام. نتصرّف كما تصرّف المسيح، فنشبهه ولا نشبهه. وفي أي حال، هو يأخذ عملنا الضعيف فيرفعه.
أعلنت آ 12 أن الله ما رآه أحد. رج يو 1: 18. فما دام الانسان يعيش في عالم محدود بالخطيئة والموت، فهو لا يستطيع أن يشاهد الله وجهًا لوجه. ولكن رغم ضعف معرفتنا، فنحن أكيدون أن الله يعمل على الدوام. وهكذا نستطيع أن نرى الله في أعماله. ونستطيع أيضًا أن نراه حين نحبّ بعضنا بعضًا. حينئذ يصبح الله حاضرًا (3: 24؛ رج مت 18: 20). وفي النهاية يقول لنا يسوع: من رآني رأى الآب (يو 14: 9).
بعد أن قال لنا يوحنا أنه يجب أن نحبّ بعضُنا بعضًا، ها هو يقول لنا: إن أتتمنا وصايا الله، أمام الله فينا وصارت محبّته كاملة فينا. ولكن قبل أن يصل إلى هذه النقطة، يرجع إلى قول معارض به نفهم النتيجة: ما من أحد رأى الله، في يو 1: 18، كان الله لا منظورًا فتجلّى في ابنه المتجسّد يسوع المسيح. أما هنا فيصبح منظورًا في المحبّة الاخويّة. قد يكون معارضو يوحنا تحدّثوا عن رؤية مباشرة لله، عن خبرة صوفيّة مستيكيّة. فردّ يوحنا قائلاًَ بأن الله لا يُرى بهذا الشكل. بل هو لا يُرى حقًا إلاّ في المجيء الثاني (3: 2). ولكنه يتجلّى منذ الآن عبر محبّتنا الأخويّة.
ما يحدث هو أنه حين نعمل بوصيّة المحبّة الأخوية، نختبر حضور الله في وسطنا. وفي الوقت عينه، محبّة الله كاملة فينا. نحن هنا أمام مسألة تفسيريّة واجهناها في 2: 5 و3: 17: هل "حبّه" يعني "حب الله لنا" أو "حبّنا الله"، أو "نوعيّة حبّ الله"؟ الخيار الأول ممكن، ولكنه لا يتوافق مع ما في 2: 15 و5: 3. والخيار الثاني يعني أن الحبّ الأخويّ هو امتداد لحبّ الله. والخيار الثالث يجنّبنا صعوبات واجهناها في الخيار الأول. والمعنى: حين نحبّ الآخرين ندلّ على أن حبّ الله لنا وصل إلى ملء نتيجته في حياتنا، أو أن حبّنا لله وصل إلى ملء تعبيره، أو أن هذا النوع من الحبّ الذي أظهره الله لنا وجد ملء تعبيره في حياتنا. ماذا نختار؟ ندمج الخيارين الأول والثالث: حين نحبّ الآخرين يبلغ حبّ الله فينا إلى ملء نتيجته فيخلق نوعًا من الحبّ كذاك الذي فينا.
ويعود يوحنا إلى خبرة صوفيّة تبدو ذروة في الديانة المسيحيّة. هو لا يطلب من الانسان أن يترك العالم ويعيش وحده في رؤية الله. بل إن الذي يحبّ إخوته (على المستوى العمليّ، 3: 17- 18) يختبر ملء الاختبار حبّ الله في قلبه، ويعرف حضور الله معه. هذا لا يعني أن واجب المسيحي ينحصر في المحبّة الأخويّة، كما يظنّ البعض. يعلن يوحنا أن المحبّة ضروريّة في ديانة تودّ أن تكون معرفة حقّة لله. لا نستطيع أن نجد الله حين نهرب من العالم ومن المحبّة الأخويّة. غير أننا لا نقدر أن نجد الله فقط حين نحبّ إخوتنا. فالديانة الحقّة تقدّم بالايمان بيسوع المسيح وبالعمل بوصيّة المحبّة.
في النهاية، نطرح سؤالاً حول حرف العطف بين "ثبت" و"أكمل" (1) يدلّ على نتيجة: بما أن الله يثبت فينا فحبّه كامل. (2) إضافة: الله يثبت فينا. ومحبّته كاملة فينا. (3) شرح: الله يثبت فينا. يعني هذا أن محبته كاملة. بما أننا في إطار هجوميّ، نأخذ بالخيار الثاني: حين نحبّ بعطف بعضُنا بعضاً، عند ذاك فقط يثبت الله فينا، فنستطيع أن نتكلّم عن حبّ كامل. وهذا الحبّ هو حبّ الله الذي يصل إلى غايته (رج يو 13: 1).
ثالثًا: وهب روحه (آ 13)
الحبّ هو ثمرة الروح. فالفكرة القائلة أن الحبّ علامة تدلّ على أن الله يقيم (يثبت) في الانسان، وأن الانسان يقيم في الله، قد قرأناها في 2: 5؛ 3: 23- 24، الذين تحدّثا عن الايمان بيسوع المسيح والمحبّة الأخويّة، فرأيا في شركة الايمان والمحبّة شهادة عن موهبة الروح. وفي هذه الآية، يتكلّم يوحنا أيضًا عن هذه الموهبة مع تشديد على الشركة في المحبّة. فالمحبّة هي ثمرة الروح، وبالتالي استباق أخير وكامل مع الله: هو يملأ حياة أولاده، وروحه عربون للزمن الحاضر الذي صار بفضل الحبّ، استباقًا لهذه الأبديّة التي لا تعرف الزمن ولا يبقى فيها سوى الحبّ.
هذه الآية (آ 13) جعلناها في هذه القطعة. وكان بالامكان أن نبدأ القطعة التالية. ولكن العودة إلى الروح القدس شكّلت خاتمة القطعة هنا وفي 3: 24 وفي 4: 6. أما الفكرة فهي: نحن نقيم في الله (لا الهراطقة). وفينا يقيم الله. والعلامة: أعطانا روحه. لسنا هنا أمام برهان وضعيّ نلمسه بأيدينا. فالكاتب يتوجّه إلى مؤمنين، وهو يحثّهم على أن يتعرَّفوا إلى ما نالوه من الموهبة، ولا يتوقّفوا عند مقولات المضلّلين. إذن، لا تعلن آ 13 مقياس الشركة مع الله بشكل نظريّ. بل تطبّق هذا المقياس على جماعة محدّدة، جماعة ظلّت أمينة للتعليم اليوحناويّ الأصلي (1: 1- 4)، لأنها نالت الروح.
فالمقياس ليس الحبّ، بل الروح. هل هناك من تعارض؟ هذا ما ظنّه بعضهم، فاعتبروا هذه الآية حاشية مضافة، ولكن المهمّ هو أن يوحنا لا يحدّ من قدر الروح، فيربطه بروحيّة غنوصيّة، بل يعتبر أن هذا الروح وُهب لجماعته. بهذا نعرف (رج 2: 3، 5؛ 3: 16). وأساس معرفتنا واضح. ويرد مرتين فعل ثبت، أقام (ماناين). لسنا أمام نخبة مميّزة. فالجميع مدعوّون، فكل من يؤمن بالابن ويحفظ وصاياه، يقيم في الله، والله يقيم فيه (3: 23- 24).
اعتبر بعض الشرّاح أن موهبة الروح تمكّن المؤمن من عيش المحبّة. وهكذا نكون في خطّ بولس الرسول. أما 1يو فلا تجعل المحبّة الأخويّة موهبة (ثمرة) من مواهب الروح، بل متطلّبة إيجابيّة تتوجّه إلى المؤمنين. وحدهم الذين يحبّون ينالون الروح لشهادة على حضور الله وعلامة على رضاه. كيف تبدو هذه الموهبة؟ يرد الفعل في صيغة الكامل: هي موهبة نلناها في الماضي، ما زالت حاضرة. لسنا أمام مواهب خاصة كما هو الأمر في فكر بولس. وهذه الموهبة لا تضاف إلى حياتنا من أجل المنفعة العامة. إنها تشكّل هذه الحياة منذ بدايتها. حسب 2: 18- 27، فيرتبط الروح ارتباطًا وثيقًا بالتعليم الصحيح. لقد علّم الجماعة المؤمنة وما زال يعلّمها. والأبناء الأحبّاء يستطيعون أن يثقوا بتعليمه.
2- قراءة لاهوتيّة وروحيّة
عالج الكاتب موضوع المحبّة أيضًا، فبدا وكأنه يعود إلى ما سبق وقاله. حاول مرتين أن يعبّر عن حقيقة "يمتلكها". وها هو يستعيد الخطوط الكبرى، فيقدّم لنا لوحة ثالثة لا يقلّ جمالها عن اللوحتين الأوليين. في 3: 23، ارتبط الحبّ بالايمان ارتباطًا وثيقًا بحيث شكلا معًا وحدة تامة. وحين انتقل يوحنا من الواحد إلى الآخر، دلّ كيف أن الاثنين لا ينفصلان. فكيف نفصل الشمس عن حرّها؟
الله محبّة. هذا ما قاله يوحنا. ولكنه لا يكتفي بأن يعلن، بل يدلّ على بعدها واتساعها. لا بدّ من أن نعرف ما هو حبّ الله، ماذا يطلب منا، ماذا يمنحنا. إن حبّ الله يبدو في كل عمقه حين نتطلّع إلى يسوع الذي هو الابن الوحيد الذي أرسله الله إلى العالم. أن لفظة "مونوجانيس" ترد خمس مرات في العهد الجديد فتطبّق على يسوع، نجدها أربع مرات في يو (1: 14، 18؛ 3: 16، 18)، ومرة واحدة في 1يو (4: 9) هو المولود منذ الأزل، ويحيا مع الآب في علاقة فريدة: هو موضوع حبّ الله. وما من أحد يعرف مثل هذه الحياة الحميمة مع الآب. وبما أن يسوع هو ابن الله الوحيد، فإرساله إلى العالم هو البرهان المطلق على حبّ الله للعالم.
ذاك هو حبّ الله. ومتطلباته نقرأها في آ 11: أحبّنا، يجب أن نحبّ. هو فرض، يتعود إليه آ 21 مع "وصيّة". نحن لسنا مشاهدين لا يُلزمنا المنظر شيئًا. بل نحن مدعوّون إلى الحبّ. وعندئذ يُذكر الروح الذي يوهب لنا، فيكون العلامة الأكيدة على صدق حبّنا. 
المحبّة والمخافة
4: 14- 21
ليس من السهل إيجاد خطّ تفكير يوحنا في هذه الآيات من 1يو. فكأنه يبدأ فيُجمل الأسس التي تؤكّد للانسان أنه مسيحيّ: نال الروح، عرف أن يسوع جاء كمخلّص العالم، اختبر اختبارًا شخصيًا محبّة الله، ويتوسّع يوحنا أيضًا في فكرة المحبّة فيقول إن محبّة نعيشها هي العلامة بأننا نعرف كله ولنا شركة معه. لهذا، نعيش الثقة في يوم الدينونة، إذ لا مكان للخوف من العقاب في علاقة المحبّة. غير أن هذه العلاقة لا تكون حقّة، ومحبّة الله لا تكون صادقة إلاّ حين نعيش المحبّة الأخويّة. فضرورة مثل هذه المحبّة أمر بديهيّ. فمن يحبّ الآب يرتبط بالمحبّة مع الأبناء. ليس هذا بالأمر البسيط. ولكن الذين وُلدوا من الله يعرفون أن إيمانهم يعطيهم القدرة لكي يعيشوا وصيّة المحبّة هذه.
يبدأ كل شيء بالشهادة التي تؤدّيها الجماعة المؤمنة (آ 14، 16). ونتيجة هذه المحبة التي نعلنها هي ثقة تامّة (آ 17) وانتصار على خوف (آ 18). وتبدو آ 11- 21 بشكل خاتمة تشير إلى ما يميّز هذه المحبّة: ينبوعها في حبّ الله لنا الذي يسبق حبّنا له (آ 19). وهذا الحبّ لا ينفصل عن الحبّ الأخويّ (آ 20- 21): "من أحبّ الله أحبّ أخاه أيضًا". ننطلق من محبّة الله لنا فنصل إلى محبّتنا لاخوتنا دورًا بالتغلّب على المخافة. ونجد موضوعين متناقضين يرتبطان بشكل أصيل بالمحبّة: الثقة التامة (بليروفوريا) والمخافة (فوبوس).
1- دراسة كتابيّة
أ- شهادة واعتراف (4: 14- 16)
نقسم هذه القطعة (4: 14- 21) ثلاثة أقسام. شهادة واعتراف (4: 14- 16). نتائج المحبّة (آ 17- 18)، ميزة المحبّة (آ 19- 21).
أولاً: شركة الايمان (آ 14- 15)
حين استعاد يوحنا بعض الاعتبارات ف 3: 23- 4: 3، عاد إلى شركة الايمان. فتحدّث أولاً عن الآب الذي أرسل مخلّصًا وهي المرة الوحيدة التي يُذكر فيها المخلّص، رج يو 4: 42، مخلّص العالم. مرّة واحدة أيضًا). قدّم الكاتب نفسه، كما في بداية 1يو، كشاهد عيان. فالاله الذي لم تره عين، ظهر، في ابنه، للبشر الذين أرسلوا ليشهدوا له. وتجد هذه الشهادة ينبوعها في الله الذي شهد لنفسه وما زال عبر سلسلة الشهود: في هذا المعنى، يقيم الله فيهم وهم يقيمون في الله.
موضوع الايمان هو ابن الله الذي ارتبط الخلاصُ به. وهذا الخلاص الذي هو عمل من عند الله لا تحلّ محلّه نظريّات عن الخلاص، سواء كانت صالحة أم رديئة. يبقى أن الذي لا يعترف بأن يسوع هو ابن الله، يجعل من تعليم الخلاص سرابًا وعبثًا. وحين نقول إن يسوع هو ابن الله، هذا يعني أنه مرسل الله، لا ذاك النبيّ، ولا انسانًا يوقظ الناس من رقادهم. أنه ذاك الذي يحمل إلينا الخلاص من قوى الدمار، والتحرّر من الشرّ والخطيئة والموت.
كان يوحنا قد قال لقرّائه: محبّتهم الأخوية تدلّ على أن الله يثبت ويقيم فيهم (آ 12) وفي آ 13 (رج 3: 24ب). أعلن أننا نعرف أن الله يعيش فينا لأنه أعطانا روحه، أعطانا من روحه. وكيف نعرف أننا نلنا الروح؟ ثقة في الصلاة. يقين بأننا أبناء الله. مواهب متنوّعة. كل هذا يقودنا إلى الأمانة للشهادة الرسوليّة. نعيش كل هذا فتدلّ على أننا مسيحيون حقيقيّون.
وهكذا نتميّز عن الذين يتوقّفون عند الخبرات المواهبيّة. فالبرهان على واقع العطايا الروحيّة هو ارتباطها بالايمان الرسوليّ. لهذا يعلن يوحنا مع قرّائه أنهم رأوا، والآن يشهدون أن الآب أرسل ابنه ليكون مخلّص العالم. نحن هنا أمام شهادة الكنيسة ككلّ، لا شهادة يسوع خلال حياته على الأرض. في الآية السابقة (آ 13) سُمّي يسوع كفّارة. وهنا، هو المخلّص. بما أن يسوع كفّر عن خطايانا، صار مخلّصًا. هكذا اكتشفه السامريون بعد أن حملت إليهم البشارةَ تلك المرأة دعتهم ليسمعوا نبيًا قال لها كل شيء (يو 4).
وجّه يوحنا كلامه إلى الخصوم. فإن أرادوا أن يثبتوا في الله، عليهم أن يعترفوا بأن يسوع هو ابن الله. وبعبارة أخرى، إن إمكانيّة الشركة مع الله ترتبط بواقع تاريخيّ، واقع التجسّد. يجب أن نعترف بأن الآب أرسل ابنه، وأن الابن هو يسوع. ومن الواضح، أن هذا الاعتراف يذهب أبعد من إقرار بواقع تاريخيّ. فالاعتراف بأن يسوع هو ابن الله، لا يقوم فقط بقول حول وضعه الالهي، بل بالتعبير عن طاعة الثقة بذلك الذي هو ابن الله. فالاثنان يسيران معًا: نؤمن بأن يسوع هو ابن الله (هناك من يقول: لا أدري)، ونثق به ثقة الطاعة (فلا نكتفي معه بالكلام، بل نصل إلى العمل).
ونعود إلى التفاصيل. تبدأ آ 14 مع حرف العطف (كاي) الذي يربطها في آ 13، فيطلعنا في توسّع جديد. الضمير "نحن" (هامايس) يدلّ على الكاتب والشهود الذين كانوا من البدء، وهو لا يعني كما في آ 13 (الكاتب والقرّاء). لا شكّ في أن أحدًا لم يرَ الله (آ 12أ)، ومع ذلك مُنح شهود الابن أن يروا الله بشكل غير مباشر. فالشهود رأوا أنه أرسل ابنه. جاء الفعل في صيغة الكامل (رأوه في الماضي)، ثم في صيغة الحاضر (هم يشهدون لهذا الحضور اليوم). هذه الرؤية ليست مشاهدة حياة يسوع الناصري، ولا مشاهدة صوفيّة، بل رؤية ايمانيّة ليسوع المسيح كمخلّص العالم (رج لو 2: 11؛ أع 5: 31؛ 31: 23؛ أف 5: 23؛ غل 3: 2...). ورد فعل "رأى" (تياأوماي) في 1: 1، 4. وهنا للمرة الثالثة والأخيرة. رأينا ونشهد. أي رأينا ولهذا نستطيع أن نشهد (النتيجة). أرسل. رج آ 9 واستعمال صيغة الكامل، وآ 10 وصيغة الاحتمال. نحن هنا أمام صيغة الكامل التاريخيّ: لا يصل العمل إلى الزمن الذي فيه يكتب يوحنا، غير أن النتائج ما زالت حاضرة. هو الابن (آ 9). يرد هذا الكتاب الكرستولوجيّ مرارًا في 1يو. هو ابن يسوع. من أنكر هويّته لا يكون له الآب (2: 23). ترد هنا كلمة المخلّص (هناك الفعل سوزو في يو 3: 17؛ 5: 34؛ 12: 47). والخلاص يعني معرفة الله بواسطة الابن (1: 7- 9؛ 2: 2). العالم في 1يو هو مجمل البشريّة (2: 2) التي هي موضوع عمل يسوع المسيح. العالم يعارض الوحي (3: 1، 13)، ولهذا سوف يزول (2: 17).
وتستعيد آ 15 الكلام عن الابن لتحدَّده بوجه سوء التفاهم. هذا الابن المخلّص هو يسوع. "بأن" (هوتي) نحن هنا أمام توضيح: يسوع الذي هو ابن الله. لا نكتفي بأن نؤمن به، بل نعترف به في العلن (1: 9؛ 2: 23؛ 4: 2). كانت أقوال عن ابن الله في المسيحيّة الأولى. ولكن القول بأن ابن الله هو يسوع شكّل عثارًا للهراطقة، كما أفهم جماعة يوحنا أن هذا هو جوهر الايمان. "الله فيه وهو في الله". نحن أمام مشاركة. ولكن الاعتراف لا يعني المشاركة، بل يقود إليها. وليس هو سبب المشاركة، بل علاقتها. ما تريد 1يو هو أن تعلن أن من اعترف بهذا الابن كانت له شركة مع الآب، لأن من له الابن له الآب (2: 23).
ثانيًا: نحن نعرف محبّة الله (آ 16)
من دون هذا اليقين الايماني الذي يربط ابن الله بيسوع هذا، لا معنى للايمان بحبّ الله. وما يسنده، هو أن الله لم يكن حاضرًا في العالم فقط بواسطة نتائج عمله الخلاّق. بل في ابنه الذي هو كلمته وفكره وحبّه، والذي سلّم ذاته بكليتها للعالم مع ظروف الحياة والموت التي فيه. وهكذا قاسم الانسان مصيره. إن الواقع الذي يشرف على إيماننا هو أن الله محبّة. والثبات في محبّته يتضمّن وجهتين: نعيش الحبّ الأخويّ. فلا يمكن أن نتصوّر الايمان من دون الحبّ، لأن الاثنين يخرجان من الله. ثم، نحافظ على الايمان بالحبّ الذي أظهره الله في وسطنا. فالحبّ بدون إيمان يبقى ناقصًا.
يمكن أن تكون آ 16 متوازية مع آ 14 فتقدّم أساسًا آخر للمعتقد المسيحيّ. فالمؤمن أكيد من إيمانه، لأنه اختبر اختبارًا شخصيًا حبّ الله. بدأ يعرف وما زال (صيغة الكامل) وجعل إيمانه (= ثقته) في هذا الحب (بستاوو مع المفعول به، يو 11: 26؛ 1كور 13: 7). محبّة الله لنا. حرفيًا: المحبّة التي لله لنا. لا يفكّر يوحنا فقط في الحبّ الذي أظهره الله لنا على الصليب، بل على خبرة شخصيّة لهذا الحبّ في قلوبنا كما وضعه الروح (روم 5: 5).
وكان تساؤل: هل آ 16 ب تختتم القطعة مع قطعة جديدة تبدأ في آ 17، أم هي تبدأ موضوعًا جديدًا؟ من المعقول جدًا أن تكون آ 16 ب في وضع آ 15: في الحالتين نصل إلى نتيجة حول أناس يعلنون اعترافهم. بما أن الله محبّة، كما قيل في آ 8، فهذا يعني أن الذي يحيا في المحبّة يحيا في الله والله فيه: لا يعني أننا حين نحبّ تكون لنا شركة مع الله، بل الحب هو نتيجة شركتنا معه حين نعيش في الحبّ. ويُطرح سؤال آخر: أيشير يوحنا إلى حياتنا في حبّ الله لنا، أو حبّنا له ولاخوتنا؟ يبدو أن المعنى لا يتبدّل كثيرًا. فالمسيحيّ الحقيقيّ يعيش في عالم الحبّ كموضوع حبّ الله وكطريق لهذا الحبّ نحو الأخوة.
"ثبت (أقام) في المحبّة". ثلاث امكانيّات: نواصل العيش كموضوع حبّ الله. نواصل محبتنا لله. نواصل محبتنا لإخوتنا. من الصعب أن نفصل بين هذه الطرق الثلاث من المحبّة. فقوّة المحبّة هي مثلّث يتطلع إلى الله والذات والقريب. غير أن ينبوع كل محبّة هو الله وعنه وحده نستطيع القول إنه محبّة. فسواء أحببنا الله أو القريب، فحبّ الله هو الذي يعمل فينا بحيث يصبح حبنا محبّة حقيقيّة نجد مثالها في الله الذي أعطانا ابنه وفي المسيح الذي ذُبح عنا جميعًا.
هناك سمات ثلاث تؤسّس الرجاء المسيحي أساسًا: امتلاك الروح، الاعتراف بيسوع كابن الله، العيش في محبّة الله. نحن (لا الهراطقة) عرفنا حبّ الله. والتقت المعرفة مع الايمان اللذين نلناها في الماضي وما زالا حاضرين. وحرف العطف (كاي) يعني: عرفنا لأننا آمنا. أكدّت 1 يو فيما سبق أن من يحب اخوته يثبت في الله. وهنا تتحدّث ثبات في المحبّة. فحبّ الله لا ينفي حبّ الأخوة، بل يؤسّسه. وهذا الحبّ الأخويّ سيعود في آ 20- 21.
ب- نتائج المحبّة (4: 17- 18)
ذكرت آ 14- 16 ينبوع محبّة الله في إرسال الابن. أما آ 17- 18 تشيران إلى نتائج هذه المحبّة في الانسان: ثقة أمام الله (آ 17). تغلّب على الخوف (آ 18).
أولاً: ثقة أمام الله (آ 17)
حين تكتمل هذه المحبّة، يكون الانسان واثقًا في يوم الدينونة (2: 28). فالحياة في الايمان والمحبّة تستبق اللقاء الأخير مع المسيح وتعبّر بلغة القياس عن تشبّهنا به: كما هو، كذلك نحن. جاء الفعل في صيغة الحاضر فتحدّث عن المسيح كما يعيش اليوم، في عالم الله، كالبار (2: 29؛ 3: 7) والطاهر (3: 3). ليس بوحده، بل يحيا في شركة مع الله، تمتدّ في شركة الله مع البشر وتتم في العالم.
إذن، ليس حبّ الأخوة النتيجة الوحيدة لحبّ الله. سبق وتحدّثنا عن اكتمال الحبّ في 2: 5 و4: 12. ونحن نحبّ الله كمال الحبّ حين نحفظ كلمته (2: 5) ونحبّ اخوتنا (4: 12). وهنا تعني المحبّة أن نكون بلا خوف أمامه (4: 17، 18). في هذه القرائن الثلاث لا نفهم أن على المؤمن أن يرتفع تدريجيًا إلى حالة من الكمال الخلقيّ أو الدينيّ. بل يُطلب منه الخضوع لكلمة الله، ومحبّة الأخوة، والغلبة على الخوف. نتذكّر هنا مرة أخرى: ما يقدّمه يوحنا يقدّمه للجميع لا لنخبة منتقاة.
ونطرح هنا جملة أسئلة. (1) ما معنى "ماتامون" (حرفيًا: معنا). يقابل العبرية: ا ت ن و. عندنا. في وسطنا. في الجماعة اليوحناويّة الأمينة لتعليم الربّ. عندنا، لا مجال لخبرات الانخطاف، بل للثقة البسيطة أمام الله. (2) باريسيا. رج 2: 28؛ 3: 21: 5؛ 5: 14. دالة أمام المحكمة. دالة في الدينونة (في الصلاة، رج 3: 21؛ 5: 14). فهذا الحبّ يعطينا الحرية لنتكلّم أمام الله، لا لندافع عن نفسنا، بل لنعترف بالابن في الايمان (آ 14- 15). نحن نمتلك هذه الثقة، هذه الدالة، منذ الآن. ولهذا كانت صيغة الحاضر. (3) نقرأ في الشق الثاني من الآية "اكاينوس" أي المسيح (2: 6؛ 3: 3- 7، 16). والدينونة هي الدينونة الأخيرة أمام الله، لا أمام المسيح. كما كان يسوع في العالم، هكذا نكون نحن. تأسّست ثقة يسوع في محبّته لله. وتتأسّس ثقتنا أيضًا في محبّتنا.
أجل، تكتمل المحبّة الأخويّة (تاليوماي)، أي تجد ملء تعبيرها في واقع يتحدّث عن ثقتنا في يوم الدينونة (مت 10: 15؛ 11: 22، 24؛ 12: 36؛ 2بط 2: 9؛ 3: 7؛ يهو 6). فالمولود من الحبّ لا يعرف إلاّ الثقة أمام الديّان. ولكن قبل التوسّع في هذا المبدأ، يعلن أننا نكون مثله، أي مثل يسوع. مع أننا نعيش في عالم من الخطيئة، إلاّ أننا لا ننتمي إلى العالم (لسنا من العالم، كما يقول يو)، بل نعيش مع الله العلاقة التي يعيشها يسوع مع أبيه، ونحيا كما يحيا يسوع (2: 6).
ثانيًا: تغلّب على الخوف (آ 18)
في الحبّ لا مكان للخوف. الحبّ يستبعد الخوف. وهكذا تكون العلاقة حقيقيّة مع الله ومع القريب. فإن قلق الانسان واضطرب حين يفكّر بالله، فهذا يعني أن حبّ الله لم يلجه بعد. فالحبّ الكامل يطرد الخوف، كما يطرد فكرة إله يعاقب ويغضب، سواء في هذه الدنيا أو في الأخرى.
لا يمكن أن يكون الخوف والحبّ معًا. لهذا، فمن يرتبط بعلاقة حبّ مع الله، يستطيع أن ينظر إلى يوم الدينونة بدون خوف ولا اضطراب. أيكون الكلام عن حبّ الله لنا أو حبّنا له؟ إن تحدّثنا عن حبّه، نفهم أننا لا نخاف ممّن يحبّنا. وإن تحدّثنا عن حبّنا، فنحن لا نقدر أن نحبّ ونخاف في الوقت عينه. الشقّ الثاني من الآية يوافق الحلّ الثاني. ولكن التفسير الأفضل هو الذي يجمع الحلّين: حيث المحبة متبادلة، لا مكان للخوف. فالخوف يرتبط بالعقاب. وهنا أيضًا بدا كلام يوحنا ملتبسًا. فقد يعني أن الخوف هو خوف من المجازاة الأخيرة. والذي يرتبط برباط الحبّ لله لا يخاف من الدينونة ولا من الحكم. هذا يعني أن لا حاجة إلى الخوف في المحبّة. وقد يعني أن هذا الخوف هو خبرة مؤلمة، وهي بالتالي لا تتوافق مع علاقة المحبّة مع الله. هذا يفهمنا أن الله لا يريد الألم لأبنائه. فإن خاف انسان من الله، فهذا يعني أن حبّ الله لم يملأ قلبه بحيث يطرد كل خوف.
ومع ذلك، فهناك خوف (أو: مخافة) في حياة المسيحيين. فالمخافة تعني الاحترام لله، وهذا الاحترام يدلّ على علاقة من الصداقة والمحبّ رج لو 1: 50؛ أع 10: 2، 22، 35؛ 13: 16، 26... وهناك كلام عن الخوف والرعدة في 2 كور 7: 15؛ أف 6: 5؛ فل 2: 12. هذا يعني أنه يجب أن نتذكّر دينونته لئلاّ نسقط في الخطيئة. ما دمتُ أحبّ قريبي لا أخاف من الشريعة التي تمنع القتل. ولكن حين أتباعد عن الحب وأبدأ الكره والبغض، عندئذ أحتاج إلى الخوف من الشريعة التي تنبّهني من بعض يقول إلى القتل والانتقام.
إن لفظة "فوبوس" (الخوف) لا ترد إلاّ هنا في 1يو. أما في يو فهي تشير إلى الخوف من اليهود (7: 13؛ 19: 38؛ 20: 19). هي لا تدلّ على وجهة إيجابيّة من مخافة الله. فالحبّ الكامل الذي يطرد الخوف، هو كامل، لأنه يتجذّر في حبّ الله ويتمّ في محبّة الاخوة. 
ج- ميزة المحبّة (4: 19- 21)
أولاً: الله أحبّنا أولاً (آ 19- 20)
من هو موضوع الحبّ البشري؟ الله أما الانسان؟ في آ 11، نجد تشديدًا على محبّة اخوتنا. أما آ 20- 21 فتشددان على محبّة الله وإن إشارتا إلى محبتنا لإخوتنا ومحبتنا لله. عندئذ نفهم أن حبّنا لله ينبع من حبّ الله للانسان. فلا يستطيع أحد أن يحبّ الله إن لم يعرف أولاً أنه موضوع حبّ الله. وحبّنا لله هذا ممكن، ولا ينحصر في بعض مواقف وعواطف. لا معنى به إلاّ في علاقته بالمحبّة الأخويّة، لا نستطيع أن نحبّ الله الذي لا نراه ولا نحبّ أخانا الذي نراه.
إن الوسيلة الرئيسيّة التي يستعملها الله ليعود بنا إلى علاقة الحبّ الحقّة، ليست الخوف من الدينونة، بل واقع الحبّ. نحن نحبّ لأن الله سبق وأحبّ. وحبّنا لله يتأسّس على حبّ الله السابق لنا. وهو عرفان جميل لهذا الحبّ. وبقدر ما تفهم محبّة الله لنا، نفهم بقدر ذلك واجبنا بأن نحبّ. لهذا، علينا أن نجدّد معرفتنا لمحبّة الله للعالم، ولا سيّما حين نتأمّل في الكتاب المقدس تاريخ الخلاص الذي وجد قمّته في شخص يسوع المسيح.
غير أننا نعبّر عن مثل هذا الحبّ لله بالمحبّة الأخويّة. فالذي يعلن أنه يحبّ الله ولا يحبّ أخاه هو كاذب. فمحبّة الله تترافق مع محبّة القريب. ولا تنفصل محبّة عن الأخرى. هكذا أجمل يسوع الوصايا في هاتين الوصيتين مع تشديد على المحبّة الأخويّة في يو 13: 34. فإن اعتبرنا أننا نحبّ الله ولا نحبّ اخوتنا، نخدع نفوسنا ولا يكون الحقّ فينا.
تبدأ آ 19 "أما نحن" (هامايس). أي الكاتب والقرّاء. ويقابلهم الهراطقة الذين يفصلون بين حبّ وحبّ. ويقولون (ويزعمون). في 2: 4 اعتبروا أنهم يعرفون الله. وها هم يقولون هنا إنهم يحبّونه. في 2: 9، اعتبر لبعض إخوته أنه في النور. فمحبّة الله ومعرفته والقيام في النور، هي عبارات غنوصيّة. وسوف يطبعها يوحنا بطابع التعليم المسيحي. يكره الانسان إخوته فيرفض أن يحبّهم، ويحتقرهم. وقد يعبّر عن بغضه حين يترك الجماعة ويلتحق بالهراطقة. الكاذب (بستوستيس). يكون من ينشر تعاليم كاذبة. أو من يخدع نفسه.
ثانيًا: وصيّة المسيح لنا (آ 21)
هذه الآية تضيف إلى آ 20 ب برهانًا آخر على السراب الذي يعيش فيه ذاك الذي يكره أخاه: هو ينسى أننا تسلّمنا من الله (في يسوع المسيح) وصيّة واضحة: من يحبّ الله يحب أخاه أيضًا. لفظة "إنتولي" تعني أكثر من وصيّة أو فريضة. تعني التعليم مجمل التعليم اليوحناوي حول الايمان بالمسيح والمحبّة الأخوية (3: 23). أما هنا، فنجد تشديداً على محبّتنا لاخوتنا. إذا كانت لنا (إخومان) هذه الوصيّة، فهذا يعني أننا تسلّمناها في الفقاهة اليوحناويّة الأولى. هذه الوصيّة لا تأتي مباشرة من الله (كوحي باطنيّ)، بل بواسطة تعليم يسوع التاريخيّ والتقليد اليوحناويّ الصريح. نحن في محبتنا أمام مشاركة في محبّة الله. بل ترى 1يو أن من يحبّ الله عليه (رج 2: 6؛ 3: 16؛ 4: 11) أن يحبّ إخوته بعد أن أوصاه الله بذلك من خلال ما سمعه المؤمن في اجتماع الجماعة اليوحناويّة.
احتاج قرّاء يوحنا إلى من يذكّرهم بأن محبّة الله لا تنفصل عن محبّة الأخوة، وبأن محبّة الأخوة لا تخرج بشكل آلي من محبتنا لله. وكأنها أمر طبيعيّ. كلا، فنحن نستطيع أن نغشّ أنفسنا ونعتبر بعض الممارسات الدينيّة تعبيرًا عن محبتنا لله. عندئذ نكون كالذين يقولون ولا يفعلون. أما 1يو فترى برهانًا لا يردّ: محبّتنا للأخوة هي العلامة الأكيدة بأننا نحبّ الله. هذا مع العلم أن المحبّة التي تبقى بشريّة محضة، تبقى ناقصة ولا تعتِّم أن تنضب. فهي بحاجة إلى ينبوع الله لكي يغذّيها لئلا تيأس إن لم تجد جوابًا، وتتحوّل إلى بغض وانتقام تجاه نكران الجميل والرفض الذي يواجهنا.
2- قراءة لاهوتيّة وروحيّة
نحن ثابتون في الله، والله ثابت فينا. والعلامة، روحه هو فينا. فماذا يجب علينا أن نعمل؟ أولاً، هو يطلب منّا أن نؤمن. "عرفنا محبّة الله لنا وآمنا بها" (آ 16). هم مجموعة الشهود الأولين. وهم المسيحيون في زمن يوحنا. ونحن أيضًا. فالمهمّ هو أن حبّ الله تجلّى في ابنه يسوع الذي أرسله لكي يعيش بيننا. ذاك هو موضوع إيماننا. لهذا تحدّثت آ 14- 15 عن الشهادة الرسوليّة واعتراف الايمان.
لقد فهم الكاتب مع مجموعة الشهود الذين يتكلّم باسمهم أن الله أرسل ابنه "كمخلّص العالم". أدرك هؤلاء الناس أن طفل المذود، والمائت على الصليب، والقائم من الموت يوم الفصح، هو الابن الحبيب الذي جاء على الأرض لكي يفتح طريق الله. يبقى علينا نحن أن نتقبّل هذا التعليم وندخله في حياتنا. فإن اعترفنا أن يسوع الانسان هو الابن الوحيد، تقيم محبّة الله فينا، وتكون لنا شركة معه. "من اعترف أن يسوع هو ابن الله، أقام الله فيه وهو في الله". فالحبّ والايمان والروح يرتبط الواحد بالآخر. فلا حبّ من دون ايمان. ولا ايمان من دون الروح الذي هو محبّة.
إن الوصيّة المعطاة تتضمّن الايمان وواجب ممارسة المحبّة الأخويّة في الواقع اليوميّ: "إن قال أحد أنا أحب الله وهو يكره أخاه، فهذا كاذب". فالتجربة واضحة: الله يحبّنا. ونحن نحبّه حين نرفع إليه الصلاة. ولكن ما دام هذا الحبّ لم يتجسّد في المحبّة الأخويّة، فليس بشيء. والايمان لا يكتمل إلاّ إذا مرّ عبر يسوع الذي جاء في الجسد. هذا يعني أنه أسهل علينا أن نحبّ الله من أن نحبّ اخوتنا. ولكن يبقى المقياس الحقيقيّ لمحبتنا لله هو المحبّة بعضنا لبعض. وهو الدلالة الواضحة أن الله يقيم فينا ومعنا.
المولود من الله يغلب العالم
5: 1- 5
تتحدّث هذه الآيات عن الولادة من الله. كل مؤمن مولود من الله. وبالتالي يحبّ الله. وبالتالي يحبّ كل مولود من الله. أي إخوته (آ1). ولكن تجاه هذا، لا يستطيع المؤمن أن يحبّ أولاد الله دون أن يحبّ الله ذاته ويمارس وصاياه (آ2) التي ليست بثقيلة (آ3). فإن لم تكن هذه الوصايا ثقيلة، فلأنها دخلت في حياة مؤمنين غلبوا العالم بإيمانهم بيسوع إبن الله (4: 5). إذن الموضوع هو أيضًا موضوع الحبّ الاخويّ (4: 20- 21)، كما تسنده فكرة الولادة من الله (آ1- 2) ثم الطاعة التي تمنح الغلبة (آ3- 5). حتّى الآن أكّد الكاتب أن المحبّة الحقيقيّة لله تُعرف من حبّنا لإخوتنا (2: 3- 6، 29: 3: 10، 18- 19؛ 4: 7- 8). وهو الآن يقول عكس ذلك: نتعرّف إلى حبّ الاخوة في حبّنا لله ولوصاياه. قد يكون الكاتب أراد أن يبعد فكرة غنوصيّة: هناك محبّة للاخوة تُبني على التفاهم والعاطفة المتبادلة، لا على الطاعة للآب. فالمحبة للاخوة لا تنبع من حبّنا لله. بل تتحقّق فيها كما تحقّقت محبّتنا لله في المحبّة الأخويّة.
1- دراسة كتابيّة
أ- الولادة الجديدة (5: 1)
تعرض آ 1- 3 موضوع الحبّ البشريّ في طرق مختلفة. وتعلن آ 1 الموضوع فتقول إن ذاك الذي يؤمن ويحبّ هو مولود من الله. جاء موضوع الولادة فيما سبق (2: 29؛ 3: 9؛ 4: 7)، ولكنه أشار دومًا إلى الوجهة الخلقيّة في الانسان. أما الآن، فهو يرتبط بالايمان الحقّ. وهذا يدلّ على أن الايمان والمحبّة يعتبران علامتين تدلاّن على أن الانسان مولود من الله. وهنا يُطرح السؤال كما طُرح سابقًا، عن دور المعموديّة. لا شكّ في أن موضوع الولادة ارتبط في البداية بالمعموديّة. وهناك سمات في الرسالة ترفعنا نحو هذا الاتجاه: لفظة المسحة (2: 20، 27). تلميحات إلى ما سمعه للقرّاء وتقبّلوه منذ البدء (2: 7، 24؛ 3: 11؛ رج 2: 18؛ 4: 3؛ يو 5- 6). أما لفظة "بدء" فتحيلنا إلى لقاء القرّاء الأول بالانجيل، وإلى نقل مضمون ولادة الايمان الذس ارتبط بالفقاهة العماديّة وبالعماد ولكن يمكن أن يكون الكاتب توسّع في موضوع الولادة بمعزل عن العماد. كما أن الولادة من الله ليست حال تدوم إلى الأبد، لأن الحياة الجديدة التي تولد في العماد يجب أن تتغذى دومًا من الايمان الذي يعترف بيسوع المسيح وبتأمل في أعمال حبّ الله من أجلنا.
ما يدعو إليه يوحنا هنا هو محبّة الاخوة، لا محبّة القريب بشكل عام. اذن في هذا المجال، يفكّر الكاتب دومًا في الاخوة المسيحيين. هنا يختلف يوحنا في الانجيل وفي الرسائل عن أقوال يسوع في مت 5: 44 ولو 6: 35 حول محبّة الأعداء. إن مدرسة يوحنا لا تهتمّ بالذين هم خارج الجماعة اليوحناويّة. فمشاكلها كبيرة داخلة الجماعة، لهذا عالجت تصرّف المسيحيين في الداخل، ولم تخرج إلى العالم الوثني ولا إلى عالم الهراطقة.
إن آ 1 ربطت ربطًا وثيقًا (مثل 3: 23) بين المتطلّبتين الاساسيتين: نؤمن بالمسيح يسوع، ونحبّ الاخوة. وتبدأ كل من (باس، رج 2: 23، 29؛ 3: 3، 4) مع اسم الفاعل (ستاوون) الذي يسبقه أل التعريف: يكفي أن نؤمن لنكون أولاد الله. وليس أي إيمان، بل إيمان الجماعة اليوحناوية. لا نتحدّث هنا (كما في آ 5) عن الايمان بيسوع المسيح، بل نؤمن أن يسوع هو المسيح، نحن هنا في منظور عقائديّ ودفاعيّ (يو 8: 24؛ 11: 27، 42).
عبارة يسوع هو المسيح، تذكّرنا بما في 4: 5 (يسوع هو ابن الله) التي تعود إلى 5: 5. حسب 2: 2)، أنكر الهراطقة أن يسوع هو المسيح (2: 22). ولكن هذه التعابير تستضيء بما في 4: 2- 3، 15: 2يو 7، فتشدّد على هويّة المسيح ويسوع في الجسد (4: 3- 4)، أكثر ممّا تشدّد على بنوّة يسوع الإلهيّة. هذا لا يعني أن النصّ ينكر هذه البنوّة، ولكنه ينكر بنوّة "روحانيّة" ليست بنوّة يسوع الناصريّ.
أكدت 1يو ببساطة أن كل من يؤمن بالابن يسوع مولود من الله. في موضع آخر، ترتبط هذه الولادة بمن يمارس البّر (2: 29) أو يحبّ الاخوة (4: 7) نستطيع أن نفهم هذه العبارة في معنيين: من يؤمن يدلّ على أنه مولود منذ الآن من الله: حينئذ يكون الايمان نتيجة الولادة من الله وعلامتها (رج 2: 29: 4: 7). والمعنى الثاني: الايمان هو الذي يكوّن الولادة من الله ويجعلها ممكنة. نحن هنا في ردّ على تعاليم ترتبط بأسرار التدرّج. عندئذ يتماهى الايمان (الانسان المؤمن) مع الولادة الآتية من الله. نشير هنا إلى أن هذا التوسّع لا يعالج بشكل رئيسي الولادة من الله بل المحبّة الآخوية: وحده من يحبّ هو مولود من الله. وحرف العطف (كاي) يشير إلى النتيجة: من نال حياة الله يحبّ (أغابا، أو عليه أن يحب) ذاك الذي نال أيضًا الحياة من الله يحبّ أخاه في الجماعة اليوحناويّة.
من يعترف اعتراف الايمان بيسوع مولود من الله. فالايمان هو علامة الولادة، كما أن الحبّ والبرّ يدلاّن على ولادتنا من الله. وفي الوقت عينه، الايمان هو شرط الولادة الجديدة. "فالذين قبلوه وآمنوا باسمه اعطاهم سلطانًا به يصيرون أبناء الله" (يو 1: 12). غير أن يوحنا لا يحاول أن يبيّن كيف يختبر الانسان الولادة الجديدة. فهو يرمي بالأحرى إلى تقديم البرهان بأن الانسان يرتبط بالله ارتباط الابن بأبيه والبرهان: إيمانه الحقيقيّ بيسوع. غير أن هذا القول يهيّئ آ 2: من يحبّ الوالد يحبّ المولود. من يحبّ الله يحبّ إخوته. وإلاّ كان في خط معارض لطبيعة الامور.
ب- المحبّة والوصايا (5: 2- 3)
العلامة التي بها نعرف أننا نحبّ الله هي أننا نحبّ الله ونعمل بوصاياه. ووصاياه تدعونا إلى ممارسة المحبّة الاخويّة. فالذي يحبّ الله يعمل مشيئته. وارتبطت محبتنا لله بمحبتنا لإخوتنا. وتعود آ 3 إلى الكلام عن الوصايا. فالطريق إلى الله يمرّ في ممارسة هذه الوصايا. هذه الوصايا توافق امكانيّات الانسان. وليست بمستحيلة. كما أنها لا تعارض تطلّعات الانسان، بل تساعده على الانفتاح على الله وعلى الآخرين. ونفتح أمامه أبعادًا جديدة.
أكّدت آ 1 ب مرة أخرى على أهميّة المحبّة الاخويّة. وأعلنت آ 2 مقياس المحبة الاخويّة الصحيحة: هي (أو يجب أن تكون) في الوقت عينه محبّة لله. هذا الانقلاب في مقياس اعتدنا عليه. جعل الشرّاح يتساءلون. ولكن، إذا كان لأخي أب هو أبي، فأنا لا أستطيع أن أحبّه دون أن أحبّ الذي أعطاه هو أيضاً الحياة. ونجد هنا عبارة اعتدنا عليها في 1 يو: بهذا نعرف أن (2: 3، 5؛ 3: 19، 24...). كيف نفهم اليوم هذه المعرفة؛ في ثلاثة أنواع رئيسية. (1) معرفة ووعي. (2) معرفة مؤسّسة على مقياس موضوعي (كل واحد يفهم). (3) معرفة مؤسّسة على مقياس يقدّم التعليم اليوحناوي في إطار هجوميّ، في هذا النوع الأخير، نفهم كلام يوحنا مع "إذا": نحن لا نحبّ إخوتنا إلا حين (أو إذا) نحبّ الله وبالتالي نحفظ وصاياه.
وتؤسّس آ 3 الكلمات الأخيرة في آ 2: إذا كانت ممارسة الوصايا لا تتفعل عن حبّنا لله، فهذا يعني أن محبّة الله هذه تكمن في أننا نحفظ وصاياه. هذه الفكرة تشرف على 1 يو، وتجد لها هنا تعبيرًا خاصًا. نحن لا نضيف الطاعة على محبتنا لله: فالحبّ والطاعة يرتبطان إرتباطًا وثيقًا. فما هي هذه المحبّة التي لا تطيع وصايا الله، لا تعمل بمشيئة الله؟! وهذه الوصايا ليست بثقيلة (باروس، هنا فقط في الأدب اليوحناويّ). رج تث 20: 11ي؛ مت 11: 30 وز، 23: 4، 23؛ يو 11: 46.
ج- قوّة والايمان (5: 4- 5)
إذا كانت هذه الوصايا غير ثقيلة، فهذا لا يرتبط بمضمونها، بل بالذين توجّهت إليهم كل مولود من الله. الجماعة اليوحناويّة. المؤمنون الحقيقيوّن. عاد الكاتب إلى الولادة من الله. ولكنه لم يقل إن المولود من الله يتمتّع بقوّة خارقة، بل يغلب العالم. فالعالم يعارض طاعة المؤمن فيجعلها صعبة (2: 15- 17؛ 3: 1- 13). غير أن الايمان (بستيس) تغلّبَ في الماضي على هذه المقاومة. والغلبة لا تقوم بالانفلات من العالم والعيش في "الدوائر" العليا، بل بمجابهة العالم في الطاعة لوصايا محدّدة ترأس يسوع لتلاميذه. وتؤكد 1 يو أن هذه الغلبة تمّت يوم آمن قرّاء الرسالة بابن الله يسوع المسيح. في يو 16: 33، تحدّث الرسول عن انتصار المسيح على العالم. وهنا تحدّث عن انتصار المؤمنين (في جماعة يوحنا) على العالم وعلى التعاليم الضالّة.
وتتابع آ 5 ما قالته آ 4 في إطار هجوميّ: هي تستبعد أن تكون غلبة حقيقيّة على العالم سوى غلبة الايمان بيسوع كابن الله. هذا التعبير الايماني يذكّرنا بما في 2: 22 فحسب 1 يو، أن يكون يسوع هو المسيح أو إبن الله فسيّان. لهذا تستعمل الرسالة عددًا من الألقاب الكرستولوجيّة. إن 2: 22 يلمّح إلى انكار مثل هذا الاعتراف. وكذا نقول عن 4: 15. فإن قرّبنا هذه النصوص من 4: 2، 2 يو 7، نفهمها حربًا على الذين ينكرون أن الابن هو يسوع الناصري. هذا تؤكّده القطعة التالية (5: 6- 12). هناك يقرّب هذه الغلبة من غلبة المسيح في يو 16: 33، وغلبة المؤمنين في رؤ 2: 7، 11، 17، 26؛ 3: 5، 12، 21. لسنا هنا أمام انتصار القائم من الموت، ولا انتصار الشهداء، بل انتصار على الهرطقة والضلال. فهناك شراكه بين العالم والهراطقة. فمن غلب العالم غلب الهرطقة والعكس بالعكس (4: 4- 5) ونجد في هذه المقطع تحريضًا يدعو المؤمنين إلى الانتصار على الهرطقة بالاعتراف بالمسيح يسوع.
طُرح السؤال: كيف يستطيع المؤمنون أن يحفظوا الوصايا؟ وكان الجواب: أعطاهم الله قوّة على التجارب التي تهدّد طاعتهم. فكل مولود (نجد هنا صيغة الحياد، عكس 5: 1) قد تغلّب على العالم. فالقوّة التي جعلت المؤمنين ينتصرون على الأنبياء الكذبة (4: 4)، تفعل أيضًا في وجه العالم مع تجاربه. وما هي هذه القوة؟ ما هي الوسيلة التي تؤمّن النصر؟ الايمان. إيماننا. فالايمان الذي ينبع من أعماق قلوبنا هو الوسيلة التي بها تفعل فينا قوّة العالم الجديد وتؤهّلنا للانتصار على العالم. ما يلفت النظر هو أن يوحنا يقول: نحن غلبنا العالم. هو يفكّر في انتصار يسوع (يو 16: 33) الذي يتكرّر في حياة المسيحيّ. أو نستطيع القول: تلك هي وسيلة النصر، حين نؤمن أن يسوع سبق له وانتصر على العالم. وحين نؤمن بأن يسوع انتصر فنال القوّة التي تخولّنا أن نربح المعركة، لأننا نعرف أن عدوّنا قد قُهر فما عادت له قوّة. وهكذا نحتاج إلى الايمان.
2- قراءة لاهوتيّة وروحيّة
كان يوحنا قد أشار أكثر من مرّة إلى مقاييس خارجيّة تتيح لنا أن نبرز واقعًا مخفيًا فينا. فحفظ الوصايا يبرهن أننا عرفنا الله، وأننا نعرفه الآن (2: 3). والعيش في البرّ يدلّ على أننا وُلدنا ولادة جديدة (2: 29). ومحبّتنا للاخوة تُثبت أننا انتقلنا من الموت إلى الحياة (3: 14). واعتراف ايمان صحيح، هو العلامة بأن روح الله فينا (4: 2). وإن دُعي هذا الروح مسحة فتذكيرًا لنا بعمادنا الذي دلّ بفعلة منظورة أن الروح أعطي لنا. (2: 20). فيوحنا حاول، على مدّ عرضه، بأن ينتزع قرّاءه من نظرة ذاتيّة تقدّم لهم السهولة وتسيء إليهم كل الاساءة: بما أن الابن جاء في الجسد (رأيناه وسمعناه)، فإيماننا يتجسّد في أقوال وأعمال تدلّ وحدها على جدّية التجسّد. وما قاله يوحنا عن معرفة الله، ها هو يقوله عن عواطّف المحبّة تجاهه. من السهل أن نقول إننا نحبّ الله. ولكننا نخدع أنفسنا إن كنا لا نحبّ اخوتنا. فحبّنا الله نعبّر عنه في محبّة أخويّة تدلّ على أننا نتعامل مع الله بجدّية، لا بخفّة.
ويقول لنا يوحنا: "نحن نعرف أننا نحبّ ابناء الله إذا كنا نحب الله ونعمل بوصاياه" (آ 2). لقد صار حبّنا لله مقياس حبّنا لاخوتنا. ما هو لا منظور، يتيح لنا أن نثبت ما يراه الجميع. لم نعد أمام علامة تدلّ على عاطفة أو يقين داخليّ. بل إن الموقف الداخلي هو الذي يقررّ قيمة التصرّف الخارجيّ. كيف نفهم هذا الاتقلاب اللامتوقّع؟
هناك ثلاثة حلول ممكنة. الأول، القولان صحيحان: الحبّ الأخوي هو العلامة بأننا نحبّ الله. وحبّنا لله هو البرهان بأننا نحبّ إخوتنا. لهذا ننتقل من حبّ إلى آخر. الثاني، بما أن المحبّة الأخوية أمر ملموس، ساعة يكون حبّنا لله غير منظور، نفهم أن الله أبونا ونكتشف أخوّة في أشخاص يؤمنون إيماننا. الثالث، لا يكتفي يوحنا بأن يذكر حبّنا لله. فما أن قال هذه الكلمات حتى كمَّلها بكلمات أخرى. نحن نتعرّف إلى قيمة حبّنا الأخويّ حين نحبّ الله ونمارس وصاياه. نحن هنا أمام تفصيل يُعطى حول حبّنا لله، لأن آ 3 تعطي حالاً عن هذا الحبّ تحديدًا يستعيد ما قيل في الوصيّة. محبّة الله أن نعمل بوصاياه. هكذا يكون الحبّ مقياسًا. وهو ليس بعاطفة وحسب، هو حبّ الطاعة، حبّ العمل، حبّ الالتزام، حبّ لا يقف على مستوى الباطنيّ بل يبرز في الحياة اليوميّة. أجل، الحبّ الاخويّ يبدو صادقًا حين أحب اخوتي وفي الوقت عينه أخضع حياتي كلها لإرادة الله.
الشهادة ليسوع المسيح
5: 6- 12
ترتبط هذه القطعة ارتباطًا وثيقًا بالتي سبقتها: ذُكر ابن الله في آ 5 وبدأت آ 6- 12 في توسّع كرستولوجي طويل. هنا نقول إن العبور من آ 5 إلى آ 6 يميّز كرستولوجيا تجذّر "كيان" يسوع (هو الابن) في واقع مجيئة التاريخيّ: صار انتصار الايمان على العالم ممكنًا، لأن هذا الابن جاء في التاريخ. وارتباط هذا الكيان بالتاريخ ورد مثلاً في 4: 10: هذا هو الحبّ... أحبّنا. وبما أن هذه الكرستولوجيا ارتبطت بالتاريخ، صارت متضامنة مع شهادة. لسنا على مستوى التنظير كما فعل المسحاء الدجّالون، ولا على مستوى الاختبار، لأننا لسنا أمام توضيح لخبرتنا عن المسيح. إن شهادة الله في الانسان حول ابنه الحبيب ترتبط ارتباطًا وثيقًا بالشهادة التي أدّاها الله، في الماضي، لابنه. وأخيرًا هذه الكرستولوجيا (قولنا عن يسوع المسيح) هي في خدمة السوتيريولوجيا (قول عن الخلاص) فالجدال في شأن ابن الله يعني مباشرة حياة المؤمن.
1- دراسة كتابية
نستطيع أن نجعل آ 6- 12 في ثلاث محطات: إعلان حول ذاك الذي جاء. اعلان حول شهادة أدّيت لهذا المجيء. تطبيق عملي: من ليس له الابن ليس له حياة. يتوزّع مدلول الشهادة في العهد الجديد كله. ولكنه مهمّ جدًا في الأدب اليوحناويّ (40 نصًا). وفي 1 يو يُطبّق على الكاتب ورفاقه (1: 2: نشهد؛ 4: 14: رأينا ونشهد)، على الشهادة المثّلثة المؤدّاة للابن (5: 6- 9)، على شهادة الله لابنه (5: 10)
أ- هذا الذي جاء (5: 6)
في بداية ف 5، قدّم لنا يوحنا السمات الثلاث التي تميّز المولود من الله: الايمان بيسوع أنه المسيح. حبّ الله وحبّ للاخوة، الطاعة لوصايا الله. وهو الآن يحدّد طبيعة الايمان الصحيح الذي وحده يمنحنا الغلبة على العالم وعلى تجاربه ومقاومته للبشارة. يسوع هو ذاك الذي جاء بالماء والدم، وهذا ما يشهد له الروح. وهكذا نكون أمام ثلاثة شهود للتعرّف إلى يسوع. وفي شهادتهم، الموحّدة يقدمّون لنا كلام الله الحقّ حول الابن. فإن آمن أحد بيسوع، وجدت هذه الشهادة مكانها في قلبه وأدخلته في خبرة الحياة الأبدية. أما من يرفض أن يؤمن بشهادة الله يجعل الله كاذبًا وينقطع من الحياة الأبديّة.
شكّلت آ 5 وصلة بين كلام يوحنا عن قوّة الايمان وقوله عن مضمون الايمان الحقيقيّ وما يثبته. تساءل على المستوى البلاغيّ: هل يستطيع أحد أن يغلب (نيكاوو) العالم إن لم يؤمن أن يسوع هو ابن الله. حصل تبديل بسيط حول الالفاظ في آ 1. كان مضمون الايمان الحقيقي يسوع على أنه المسيح. وهنا يُعترف بيسوع على أنه ابن الله. هذا يعني في نظر يوحنا، أن اللقبين يترادفان. رج 2: 22- 23. ولكن يبقى أن لقب "ابن الله" يوافق الكلام هنا، لأن يوحنا يفكّر في قوّة الله التي تجلّت في ابنه يسوع. وحده ذاك الذي يعترف أن يسوع هو ابن الله، يقدر أن يؤمن أن يسوع ينال قوّة من الله ليقلب العالم. إن الله هو المخلّص، ولكنه كذلك لأنه يشارك الله في قدرته التي هي أعظم من قدرة إبليس. فمن آمن بما هو أقلّ من يسوع، آمن بمن لا يستطيع أن يخلّصنا من قوّة العالم الرافض لله.
مع آ 6، نقرأ تحديدًا دقيقًا عن يسوع، جاء بماء ودم. نجد "دم" (هايماتوس) في الفاتيكاني ومخطوطات أخرى، في الشبيبّة اللاتينيّة، في السريانيّة البسيطة ونجد "روح" (بنفماتوس) في عدد من المخطوطات الجرّارة (241- 945..) ونقرأ "دم وروح" في السينائي والاسكندراني وعدد من المخطوطات الجرارة والسريانية الحرقلية والقبطيّة الصعيديّة والبحيريّة. ونقرأ "روح ودم" في عدد من المخطوطات الجرارة والأرمنيّة والحبشية. ونقرأ "دم وروح قدس" في ثلاثة مخطوطات جرارة. هو حديث عن يسوع المسيح مع شهادة مقنعة (آ 7- 8) حول شخص يسوع. نقرأ فعل "جاء" (التون) في 4: 2؛ 2يو 7: يورد الكلام على مجيء المسيح إلى العالم كابن الله المتجسّد (رج يو 1: 9؛ 3: 19، 31: 8؛ 14). لا يتوقّف يوحنا عند الوقت الذي فيه صار التجسّد واقعًا في ميلاد يسوع. بل إلى مجيئه إلى العالم ككلّ. هذا ما يتيح لنا أن نفهم ما يعني بعبارة جاء "بماء ودم". هو ماء عماد يسوع ودم موته.
يعلن يوحنا هنا أن يسوع عمِّد حقًا في الاردن، ومات حقًا على الصليب. لماذا يُبرز الكاتب هذين الحدثين في حياة يسوع؟ نجد الجواب في الشكل الثاني من الآية حيث يشدّد على أن يسوع لم يأتِ بالماء وحده بل بالماء والدم (لا يذكر يوحنا العماد في الانجيل، ولكن رج 1: 33. لقد أراد يشدّد على أن يسوع نال الروح). إذا قرأنا بين السطور، وجدنا أن مقاومي يوحنا يقولون فقط إن يسوع جاء بالماء وحده، لا بالماء والدم. من هم هؤلاء المعارضون (رج 2: 22؛ 2 يو 7)؟ أولئك الذين يقولون إن المسيح نزل على يسوع في عماده، وارتحل عنه قبل موته، بحيث مات يسوع الأرضي، لا المسيح السماويّ. لهذا قال يوحنا: يسوع المسيح (لا يسوع بما أنه بشر فقط) الذي اختبر العماد والصلب.
وهكذا فهم يوحنا العماد بطريقة تختلف عن طريقة معارضيه. العماد في نظرهم ثمّ حين نال يسوع المسيح السماوي. فأعلن يوحنا أن يسوع كان المسيح قبل العماد، وأن المسيح لم ينزل عليه في لحظة العماد. فما نزل عليه هو الروح القدس، كما يقول الانجيل (يو 1: 32- 34). من أجل هذا، تكلّم يوحنا هنا عن ماء عماد يسوع، لا عن الروح الذي حلّ عليه. أعلن أن الشخص الذي نزل في الاردن وصبّ عليه المعمدان ماء العماد، كان يسوع المسيح، لا يسوع كانسان فقط. ولم يذكر الروحَ لئلا يُسيء الخصوم فهم كلامه. إن النظرة التي يحاربها يوحنا هي نظرة قرنتيس التي ردّ عليها اغناطيوس أسقف أنطاكية وايريناوس أسقف ليون (في فرنسا).
ما اعتبره بعض الشرّاح جدالاً لاهوتيًا، هو نظرة يوحناويّة تعلن أن موت يسوع هو أعظم أعمال الله من أجل خلاصنا. اعتبر خصوم يسوع أن يسوع الانسان فقط مات. أما قوّة أقوال يوحنا بأن الله أظهر محبته لنا حين أرسل ابنه ليموت، فتزول إذا كان الذي مات عنا لم يكن المسيح، ابن الله. وكل تعليم يوحنا بأن يسوع المسيح قُدّم ذبيحة عن خطايانا، وهو الآن يفعل كالمدافع في السماء، يخسر مدلوله وقوّته. وبقدر ما نحصر كلامنا عن موت يسوع على أنه فقط موت انسان، نخسر نقطة أساسيّة في تعليم العهد الجديد حول التكفير، وهي بأن الله صالح العالم مع نفسه في المسيح. وفي النهاية، أن التعليم عن الكفارّة يعني أن الله نفسه حمل خطايانا ودلّ على أن الواقع الأخير في الكون هو حبّ يرفع الخطايا، يغفرها. ولكن، ان لم يكن يسوع ابن الله، فموته لا يحمل هذا المدلول. هنا نتذكّر لاهوتًا يجعل سرّ التجسّد سطرة من السطر والحكايات. مثل هذا اللاهوت يجتذب الانسان المعاصر، ولكن يبعد ثقتنا عن إله محبّ يغفر خطايانا.
قدّم يوحنا أقوالاً عن مجيء يسوع. ولكن كيف نعرف أنها صحيحة؟ فخصومه لا ينكرون أن رجلاً اسمه يسوع اعتُمد وصُلب. ولكن المدلول الذي يعطونه لعماده وصلبه يختلف عن المدلول اليوحناويّ. ما الذي يؤكّد لنا صحّة تفسير يوحنا؟ هنا نقرأ الشقّ الثالث من الآية: "والروح هو الذي يشهد، لأن الروح هو الحقّ" (يستطيع أن يشهد الشهادة الحقّة، لأنه الروح). نحن نثق بما يقوله الروح، لأنه يعلن حقيقة الله. ولكن ماذا يريد يوحنا أن يقول بهذا الكلام؟ بما أنه يعود إلى نشاط الروح في صيغة الحاضر، لهذا يعني أن الروح يشهد الآن لنا، يشهد في أعماق قلوبنا، أو عبر الكرازة بالكلمة، أن عماد يسوع وموته يرتبطان بكونه المسيح وابن الله. تتوافق هذه النظرة مع ما قيل في يو عن عمل روح الحقّ: هو يشهد ليسوع (يو 15: 26). وشدّد بعض الشرّاح على دور الروح في الكنيسة عبر المناداة بالكلمة وممارسة الأسرار كوسائل شهادة لعمل يسوع الخلاصي. وأشار آخرون إلى الطريقة التي بها يقنع المؤمنين في قلوبهم بحقيقة الانجيل. هاتان الوجهتان لا تنفصلان الواحدة عن الأخرى: فالروح يتكلّم عبر الكلمة بحيث تصبح مقنعة في قلوب الأفراد.
ونتساءل: هل هذا كل ما أراد أن يقوله يوحنا؟ نستطيع أن نفكّر في نشاط الروح في حياة يسوع. ففي عماده نزل الروح عليه، وهذا ما أقنع يوحنا المعمدان بأن يسوع هو ابن الله (يو 1: 32- 34). في الأناجيل الإزائية، وافق عمادَ يسوع صوتٌ من السماء أعلن أن هذا هو ابن الله (مر 1: 11). لم يظن الانجيليّ يومًا أن يسوع صار ابن الله في ذلك الوقت (تبنّاه الله كما يتبنّى كل واحد منا!). نحن أمام علامة تدلّ على أن ذاك الذي اعتمد كان قبل ذلك الوقت ابن الله. وهل يُعتبر الروح وسيلة توصل موت الله إلى الابن؟ إن كان الأمر كذلك، فهذا يعني أن الروح أكّد في الواقع مدلول عدد يسوع. وليس هذا فقط. بل إن الروح يُعتبر ملهم وللعهد القديم الذين تنبّأوا عن مجيء المسيح كابن الله. وهكذا نستطيع القول إن الروح بدأ يشهد يسوع منذ حياته على الأرض، بل قبل ذلك. اذن، فكرّت 1 يو في نشاط الروح الذي شهد في الماضي ليسوع كابن الله، وما زال يحمل هذه الشهادة فيثبّت المؤمنين في ما سبق له وقاله.
ب- الشهود الثلاثة (5: 7- 8)
بعد تلميح إلى عماد يسوع وموته (آ 6) من خلال الماء والدم. برزت شهادة الروح القدس. أما الآن، فنحن أمام شهادة مثلّثة: الروح والماء والدم. وهكذا نكون أمام العماد والافخارستيا.
إن آ 7- 8 تؤسّسان وتثبتان ما قيل في آ 6: إذا كان الروح هو الحقّ، فهذا يعني (هوتي) أنه لا يشهد وحده لبشريّة المسيح الحقيقيّة. فمعه يشهد عماد ويسوع (الماء) وموته على الصليب (الدم). وهكذا نكون أمام شهود ثلاثة كما يقول الكتاب (تث 17: 6 مت 18: 16؛ يو 8: 17). يشير الله هنا إلى الصليب كما إلى الافخارستيا التي هي تأوين لذبيحة الصليب.
الشهادة هي شهادة لبشريّة يسوع المسيح كما عاشها في التاريخ. ظنّ بعضهم أن آ 7- 8 أضيفتا على النصّ. ولكن هذا غير معقول. فإن 1 يو تحارب روحانيّة تعزل نفسها عن الشهادة الرسولية (رج 2: 22- 27). فالروح ليس أبدًا وحده في آ 6، دلّ الماء والدمّ على بداية رسالة يسوع ونهايتها اللتين شهد لهما الروح القدس. في آ 7- 8، صار الماء والدم شاهدين، فجعلانا أمام سرّي العماد والافخارستيا. إن الروح يشهد مع الماء والدم، ولولاه لخسرا قيمتها كشاهدين. هذان السرّان يمنحان الجماعة الخلاص بيسوع المسيح. ولكن يبقى أن أحداث يسوع التي تركّزت في عماده وموته والتعليم اليوحناويّ الأصيل، والروح، كل هذا يعمل في شهادته لواقع يسوع التاريخيّ.
في آ 6، تحدّث يوحنا عن شاهد واحد هو الروح. وها هو يتحدّث عن ثلاثة شهود: الروح، الماء، الدم. الشاهد الأول هو في السماء. والشاهدان الآخران هما على الأرض. جسّد يوحنا الماء والدم فصارا شاهدين بمحاذاة الروح القدس. وشدّد على أنهم واحد في شهادتهم. فهو يقومون معًا. فلا نستطيع أن تقبل شهادة الروح وفي الوقت عينه نرفض شهادة الماء والدم بالنسبة إلى يسوع. يأخذ الروح المقام الأول بين الشهود الثلاثة. بل هو الذي يشهد أيضًا عبر الماء والدم.
ولكن ما معنى الماء والدم في هذا السياق؟ هناك من قال: كما في آ 6 حيث يدل الماء على معمودية يسوع والدم على موته. ولكن عددًا من الشرّاح اعتبر أن المعنى تبدّل لأن يوحنا يتكلّم عن شهادة تتمّ اليوم، ساعة يشير الدم والماء إلى أحداث من الماضي. غير أنه من الصعب أن نرى لماذا لا تستطيع الأحداث الماضية أن تواصل شهادتها. ولكن على مثال العهد القديم الذي يشهد ليسوع، مثلاً في شخص هابيل الذي ما زال يتكلّم مع أنه مات. وهكذا نعود إلى المعنى الذي نجده في آ 6.
ج- شهادة الله (5: 9- 12)
أولاً: شهادة الناس وشهادة الله (آ 9)
شهادة الروح في شهادة الله. لأن الروح يتكلّم باسم الله. فإن كنا نثق بشهادة البشر، فكيف لا نثق بشهادة الله. وفي هذه الشهادة التي تمرّ عبر كلماتنا. نحي قبل كل شيء أمام شخص ابن الله، لا أمام تعليم لاهوتيّ نتعلّق به لكي ننال الخلاص. المسيح هو شخص حيّ نستطيع أن نراه ونسمعه ونلمسه. وبعد ذلك يأتي التعليم عن المسيح مع ما في هذا التعليم من دفاع عن تفسير هذا الواقع. هذا التمييز بين الشخص والتعليم ليس بالأمر الاعتباطيّ، لأنه يوضح، رغم الظواهر المعاكسة، أن الجوهر ليس التعليم، بل عمل الله في المسيح. فالتعليم لا يتماهى مع الشهادة عن الله. عمل الله هو الشهادة لله.
من هم هؤلاء الناس الذين نقبل منهم الشهادة (يو 3: 11، 32- 33؛ 5: 34)؟ هناك المعنى العالم إذا نثق بالناس، فلماذا لا نثق بالله الذي شهادته أعظم وأهم. الذي شهادته حاسمة؟ غير أن هذا البرهان الذي ينطلق من البشر إلى الله، يبدو غريبًا في الأدب اليوحناويّ، الذي يقابل بالاحرى شهادة البشر بشهادة الله. أما إذا كان هؤلاء الناس شهودًا يقفون مع يوحنا، فشهادة الله هي أعظم وأهمّ. ولكن هذه الطريقة في فهم النصّ تعارض ما قلناه سابقًا، حيث كان مقال شهود الحقيقة اليوحناويّة مقياس كل خبرة روحيّة. فماذا تضيف شهادة الله على شهادة الابن الذي جاء في الجسد وكيف تكون "أعظم"؟ وأخيرًا إذا كان هؤلاء الناس هم أنبياء كذبة (من الفنوصيين)، يُصبح المعنى كما يلي: إذا (لاسمح الله) قبلنا شهادة الذين ينكرون بشريّة المسيح وموته على الصليب، فشهادة الله أعظم، وهي التي سمعتموها في الجماعة المؤمنة في الماضي وفي الحاضر. أما فضّل اليهود شهادة البشر على شهادة الله؟
من أجل هذا نأخذ بالخيار الأخير (وإن بدا الخيار لأول معقولاً) للاسباب التالية. (1) عرفت الحلقة اليوحناويّة معارضة بين شهادة (الجاهلين الضالين) وشهادة الله (يو 5: 34، 41). (2) استعمل النص "أعظم" (ما يزون) رج 1 يو 3: 2؛ 4: 4 هذه الشهادة تتغلّب على شهادة الهراطقة. (3) ما سيُقال فيما بعد يقابل شهادة أدّاها الله لابنه مع شهادة لا يمكن أن تقبلها. (4) في آ 10، يطلب الكاتب الايمان بالابن حسب الشهادة التي أدها الله له.
شهادة الله أعظم، لأن الله نفسه هو الذي شهد لابنه 1 (يو 5: 37، وأنتم تفضلون شهادة البشر المضلّين!). وعبارة "شهادة الله" تعني الشهادة التي يؤديّها الروح (رح آ 6). أو "شهادة التعليم اليوحناويّ الاصيل (2: 22- 27، وهذا هو المعقول). في الحالتين، إن هذه الشهادة تعود إلى شهادة تاريخيّة ما زالت حاضرة (صيغة الكامل: ما مارتبريكان). نحن هنا في الواقع أمام صدى للتفكير اليوحناويّ حول الشهادة 1 يو 5: 31- 47 مع تفاصيل جديدة: إن الشهادة التي أدّاها الله للابن قد حُفظت الآن في تعليم تقليديّ نجده في 1 يو. وهذه الشهادة لا تعارض الايمان اليهود (كما في يو) بل كذب الأنبياء الكذبة (كما في 1 يو).
أجل شهادة الروح هي شهادة الله يسوع. عادة نقبل شهادة البشر. ولكن شهادة الله أعظم من شهادة البشر. فهذا يعني أن علينا أن نقبل شهادة الله. وطبيعة شهادة الله أنها تحمل شهادة لابنه. وبعبارة أخرى، قال يوحنا إن علينا أن نقبل شهادة الله، لأنها شهادة الله، ولأنها تعني ابنه، بما أن الله شهد ليسوع وأعلن ابنه، فقبول يسوع كابن الله هو أساسيّ وذات أهميّة حاسمة.
ولكن ما هي هذه الشهادة، التي يؤديّها الله؟ هناك ثلاثة احتمالات. الأول، عاد يوحنا بشكل آخر إلى الشهور الثلاثة الذين أشار إليهم في آ 7- 8. ولكن يصعب قبول هذا الموقف لأن صيغة الفعل في آ 6- 8 هي الحاضر، وفي آ 9 هي الكامل. ولكننا نتخطّى الصعوبة حين ترى أن الفكرة في آ 6 تشير إلى أحداث تاريخيّة تشهد ليسوع كابن الله خلال حياته على الأرض. عبر هذا، نستطيع القول إن الله شهد لابنه. غير أن هناك مشكلة أخرى. في يو 5: 31- 40، عاد ليسوع إلى عدد من الشهود شهادته هو. شهادة يوحنا المعمدان. شهادة أعماله. شهادة الكتب المقدّسة. أما شهادة الله فبدت مميَّزة عن الشهادات الأخرى، وإن كان الله وراء سائر الشهادات. وهكذا يمكن أن نقول: إن شهادة الله هي غير الشهادة المثلّثة، شهادة الروح والماء والدم. ومع ذلك فالروح هو الشهادة الأساسيّة التي تشهد عبر الماء والدم. وبما أن الروح هو وسيلة وحي الله، يبدو من العقول التكلّم فقط عن شهادة الروح في تعبير مختلف.
وهناك تفسير ثان لعبارة "شهادة الله". ما قال لنا يوحنا مضمون الشهادة. بل اكتقى بأن يذكر الواقع لهذا، ارتبطت بأعمال يسوع وأقواله كما وردت في يو. هذا القول يعني أن شهادة الله تتماهى مع حدث الايمان نفسه. وهناك احتمال ثالث: تحدّث يوحنا عن "شهادة داخليّة" للروح في قلوب المؤمنين لحقيقة ما سمعوا في إعلان الكلمة. غير أن هذا الفهم يتعرّض لصعوبة: فيوحنا يتكلّم هنا عن عمل الله في الماضي. بعد ذلك، يعود يوحنا فيشير إلى شهادة الروح. وهكذا نعود إلى الخيار الأول.
ثانيًا: شهادة الحياة الابدية (آ 10- 12)
موضوع الايمان ليس الايمان قبل كل شيء، بل يسوع كابن الله. من آمن به نال كلمة الله، وشهادة الله ولجته وحلّت فيه كإيمان دون أن تتخلّى عن أن تكون شهادة الله. وكما أن المسيح كان حضور الله في العالم. كذلك الايمان هو حضور الله في الانسان، وهو مشاركة في حقيقة الله، وعلامة مؤكّد أن الله يقيم في ذاك الذي وهبه من روحه (3: 24؛ 4: 13). من آمن بابن الله، صدّق الله الذي شهد له. فالايمان بالله يمرّ عبر الايمان في شهادته. غير أن هذا الايمان ليس قبولاً عقليًا وحسب. هو ثقة تقتنع أن حقيقة الله تجلّت حين جاء يسوع إلى العالم.
واستعاد يوحنا موضوع الحياة الابديّة (آ 11). فيسوع حملُ الحياة الأبديّة إلى هذا العالم الذي يزول. هو ما جعل العالم أبديًا، بل إن أبدية الله انغرست به في الزمن فأتاحت للانسان أن يعيش بحسب ظروف الله كما تجلّت في ابنه. مع أن الله أعطى الحياة لكل انسان، فكل انسان لا يشارك بالضرورة في الحياة الابدية التي بالمسيح ولجت عالم الخطيئة والموت، إنه هو الحياة الابديّة التي تبدأ بالنسبة إلى الذي يحيا الإيمان والمحبّة معه. إما الذي لا يؤمن فلا حياة الله، بل الموت.
إذا كان الله يشهد لابنه، فهذا يعني أن من يؤمن بابن الله يقبل شهادة الله. إن المؤمن يقبل في قلبه شهادة الروح. ويبقى التعارض واضحًا بين قبول كلام الله ورفضه. لهذا يبدو أن يوحنا قال إن الايمان بابن الله هو قبول شهادة الله وحفظها. ويقابل هذا، ذاك الذي لا يؤمن بالله ويرفض شهادته في ابنه. هكذا يجعله كاذبًا فيستحقّ الدينونة والحكم. ما معنى أن نعلن إيماننا بالله (كما يقول خصوم يوحنا) ونرفض أن نؤمن بما يقوله الله. فالايمان بالله والايمان بابنه يسوع المسيح أمران لا ينفصلان ويُطرح السؤال: هل نقبل شهادة الله أم لا؟ حينئذ يرتبط بجوابنا سؤال: هل نشارك في الحياة الأبديّة أم لا؟ لهذا، إن شهادة الله تعني أنه أعطانا الحياة الابديّة ولكن هذه الحياة لا تُعطى لنا إلاّ في الابن.
ينتج عن هذا أن الذي يقبل الابن ينال الحياة الابديّة. ولكن إن رفض الابنَ لن تكون له الحياة. والنتيجة: الحياة الابديّة مستحيلة بمعزل عن إيمان حقيقيّ بيسوع كابن الله. فالذين ينكرون أن يسوع هو ابن الله، يجعلون نفوسهم خارج حياة الله، وإن قالوا إنهم يمتلكونها. فالحياة التي يمنحها الله تُعطى فقط عبر ابنه، الذي هو وحده الطريق والحق والحياة. فلا أحد يأتي إلى الآب إلاّ به (يو 14: 16). لا تتضمّن هذه الشهادة مضموناً عاماً. بل هي تعني الابن. وتستخلص آ 10 النتيجة المنطقيّة: من آمن بالابن في خطّ هذه الشهادة، امتلكها. نجد هنا فعل امتلك (اخاين) امتلك المسحة (2: 20) امتلك (كان له) الآب (2: 23). رج 5: 12؛ 2 يو 9. هناك معنيان: إن الذي يؤمن يمتلك (له) هذه الشهادة كتثبيت لإيمانه. أو من دلّ على أنه يمتلك هذه الشهادة. ونلاحظ أيضًا أن الروح يكتفي بأن يشهد. هو لا ينفح الايمان ولا يرفضه كما لا يمنح المسحة (2: 22- 27) ولا التعليم الذي حمله كاتب 1 يو (1: 1- 4). ثم إن الروح يحرّك الايمان. فليس من حديث عن المواهب ولا عن الثمار. هذا الابن هو الابن يسوع (آ 5)، الذي جاء في الجسد، في الماء والدم، وشهادة الله التي رفضها اللامؤمنون والهراطقة، قد تسجّلت في التاريخ، وصيغة الكامل (لا يؤمن، بابيستوكن) تصيب اللامؤمنين بشكل عام والهراطقة بشكل خاص. ظنّوا أنه يؤمنون، وفي الواقع تعلّقوا بالاصنام (آ 21). وفي أي حال نحن أمام شهادة للايمان لا نتحقّق منها إلاّ في الايمان،
وبعد آ 10، تقدّم آ 11- 12 خاتمة تميّز التعليم اليوحناوي ككلّ (يو؛ 1، 2، 3، يو) إذا كان الكاتب اهتمّ بمحاربة الهرطقة، فلأن الحياة الأبديّة مهدّدة. ولك تُطرح أسئلة. (1) الشهادة المذكورة في آ 11، هل هي شهادة الله (رج آ 10ج)، أو شهادة الروح، أو شهادة التعليم؟ ما قرأناه في آ 8- 10 يتيح لنا أن نقول نحن أمام ثلاث شهادات مجتمعة، تؤلّف في العمق شهادة واحدة (آ 8). (2) هذه الشهادات المتعدّدة والمتماسكة تعود إلى أن الله أعطى... إن الله يشهد الآن لعطيّته هذه بتعليم يوحناوي تسجّل في الماضي (1: 1- 4). (3) إن آ 11 تماهي بين عطيّة الحياة وعطيّة الابن. فالحياة الأبديّة هي في الابن. هذا التعبير يذكرنا بما في 3: 26 ويزيد هجوميّة. نحن لا نؤمن بابن فقط، بل بالآب يسوع (آ 5). ولكن كيف تكون الحياة في الابن؟ نجد الجواب في آ 12: هذه الحياة ليست عطيّة منفصلة عن الابن. ولكنها في الوقت عينه لا تتماهى مع شخص الابن. فالذي له هذا الابن له الحياة (إخاين، إمتلك ، رج 1: 3، 6؛ 2: 1، 20. 23؛ 3: 15؛ 4: 16) هذه الحياة هي حياة نعيشها الجماعة اليوحناويّة اليوم (3: 14)، بعد أن تجلت في يسوع المسيح (1: 2). (4) ما قيل هنا يلتقي مع 1: 1- 2، وهكذا نكون في تضمين يعطي مجمل الرسالة تماسكًا عميقًا على مستوى اللاهوت وعلى مستوى الدفاع المسيحيّ.
2- قراءة لاهوتيّة وروحيّة
من آمن بالابن تعرّف إلى الخلاص وقبله. عن هذا الخلاص قيل: هو الذي جاء بماء ودم. تحدّث يوحنا عن المسيح الذي جاء، وصوّر هذا المجيء مرتين: بماء ودم. ثم في الماء والدم. نقرأ مرة واحدة "جاء" ولكن في الحالتين نحن أمام مجيء واحد. ثم نلاحظ تكرار اسم يسوع المسيح. أراد الكاتب أن يشدّد: ذاك الذي أتكلّم عنه، ذاك الذي جاء بماء ودم، هو المسيح، ابن الله، وقد ظهر لنا في شخص يسوع فرأيناه وسمعناه ولمسناه في وقت محدّد من التاريخ.
ما جاء في الماء فقط. يحارب يوحنا ضلالاً مبينًا. لهذا يقول: بل بالماء والدم. هناك عنصران، ونحن لا نستطيع أن نتخلّى عن عنصر دون أن نضلّ في شأن يسوع المسيح الذي تجلّى للبشر وقاسمهم حياتهم. يدلّ الماء على العماد الذي يقول به الهراطقة. ولكنهم لا يروحون أبعد من العماد فيتناسون موت المسيح الخلاصيّ. توقّفوا في منتصف الطريق. لعماد يسوع قيمة في ذاته. ولكنه يهيّئ عمادًا من نوع آخر تحدّث عنه يسوع (مر 10: 38؛ لو 12: 5)، هو غطس في آلام الصليب. إن المسيح مثَّل البشر ساعة موته الفدائي، فتضامن معهم في عماده (ولما اعتمد الشعب كله، اعتمد يسوع أيضًا، لو 3: 21). وهكذا جاءت 1 يو 5: 6 فجمعت العماد إلى الصليب، والماء إلى الدم. فعماد الاردن يجعل يسوع في طريق الآلام التي تنتهي في الصليب.
ومع الماء والدم، يأتي الروح يشهد. فكأننا أمام شهود ثلاثة وكل شاهد يمارس نشاطه بقوة إقناع خاصّة به. فالماء والدم لا يدلاّن بعد على أحداث من الماضي جعلها الروح حاضرة: بل نحن أمام العماد والافخارستيا اللذين يدلاّن على واقع الله.
الفصل السادس عشر 
الحياة الابدية
5: 13- 21
تشكّل آ 13 رباطًا بين القطعة السابقة (آ 6- 12) وآ 14- 21. يشرف على هذه الآيات الأخيرة فعل "عرف": على القرّاء، أن يعرفوا (آ 13، آيديتي) أن لهم الحياة، والكاتب والقرّاء يشاركون في هذه الثقة، هذه الدالة (باريسيا). ويعرفون أن الله استجاب لهم (آ 15). وأن المولود من الله لا يخطأ (آ 18). وأنهم من الله (آ 9). وأن الابن جاء (آ 20) فأعطانا الفهم والادراك (آ 20). الكنيسة تعرف وهي تفتخر بهذه المعرفة. ولكن هذه المعرفة مهدّدة بالهرطقة والكذب (آ 20) والأوثان (آ 21).
للوهلة الأولى تبدو آ 13- 21 مؤلّفة من مقاطع صغيرة: القرّاء يمتلكون (لهم) الحياة (آ 13) يستطيعون أن يصلّوا يثقة (آ 14- 15). ولكن هناك خطأة لا نصلّي من أجلهم (آ 16- 17) المولود من الله لا يخطأ (آ 18). نحن من الله ونعرف الحقّ (آ 19- 20) إحذروا الأوثان (آ 21).
1- دراسة كتابيّة
أ- أكتب إليكم (5: 13)
وصل يوحنا إلى نهاية ما يريد أن يقوله. بيّن بوضوح ما يميّز المؤمن الصادق عن المؤمن الكاذب. وها هو يُنهي كلامه باستعادة هدفه: أن يثبّت قرّاءة في إيمانهم بأن يسوع هو ابن الله، وأنهم يمتلكون الحياة الابديّة. مثل هؤلاء الناس متأكّدون أن صلواتهم استُجيبت، وهذا ما يدفع الكاتب إلى الكلام عن الصلاة من أجل الذين سقطوا في الخطيئة. وفي النهاية يجمل الحقائق الكبرى التي عالجها في رسالته: قدرة الله التي تحفظنا. البنوّة الالهية. الشركة مع الله. وتبقى اللهجة التحريضية حتّى النهاية. وتنتهي الرسامة بنداء إلى القرّاء ليحذروا الديانة الكاذبة. إن آ 13 القريبة من يو 20: 31 تلفت النظر: هي توجز هدف الكاتب ولا تضيف جديدًا. لهذا اعتبر عدد من الشرّاح أن 1 يو كانت تنتهي هنا ثم أضيفت إليها آ 14- 21.
إن يوحنا أعطانا في إنجيله قولاً حول هدفه من الكتابة (يو 20: 31: لتؤمنوا) وها هو يلخِّص هدفه في 1 يو. كتب إلى كنيسة عرفت تعليمًا مختلفًا حول طبيعة الايمان المسيحيّ. مثلُ هذا الوضع يجعل القرّاء يتساءلون إن كانوا يمتلكون الحياة الأبديّة. وبعض الذين آمنوا بأن يسوع هو ابن الله، تساءلوا عن صحّة إيمانهم وعن خبرتهم للحياة الأبديّة، بعد أن بيّن يوحنا لقرّائه أنهم لا يجدون الحياة الابديّة إلا في يسوع المسيح ابن الله (آ 11- 12). أعلن أن ما كتبه يعطي ثقة للمؤمنين بأنهم يمتلكون الحياة (زوئين) الابديّة (أيونيون). ما كتب يوحنا أولاً لكي يُقنع اللامؤمنين بحقيقة الايمان المسيحيّ، بل ليقوّي المؤمنين المسيحين الذين قد يشكّون في مواقع تجربتهم المسيحيّة وفي إيمانهم بيسوع فالذين يؤمنون باسم يسوع (3: 3؛ رج يو 1: 12؛ 2: 23)، ليتأكّدوا أنهم يمتلكون منذ الآن الحياة الأبدية.
نقرأ في بداية آ 13 "توتا" هذا. هل تعود إلى الرسالة ككلّ، أم إلى القطعة السابقة (آ5- 12)؟ يسند الخيار الثاني الطريقة التي بها استعادت آ 13 ما في آ 11- 12 وطبّقته على القرّاء. وما يسند الخيار الاول هو الموازاة مع يو 20: 31 الذي يقدّم مرمى الانجيل كله. ورأى بعض الشرّاح في آ 13 خاتمة الرسالة. أما آ 13- 21، فقد أضيفت فيها بعد. ولكن يبدو أن آ 13 تلعب دور الوصل بين القطعة السابقة (آ 5- 12) والقطعة اللاحقة (آ 14- 21) فتكوّن لها مقدّمة.
قدّم يوحنا هدفه فأخذ حذره (1: 4؛ 2: 1) ليدلّ على أنه لا يقدّم بدعة جديدة (2: 20- 21). ويرد فعل عرف 14 مرة في 1، 2، 3 يو (2: 11، 20، 21؛ 3: 2...). لسنا أمام معرفة موضوع من المواضيع أو خبرة من الخبرات. فالقرّاء يعرفون لأنهم تعلّموا. وها هو يوحنا يذكّرهم بما تعلّموه (1: 1- 4؛ 2: 18- 27). هي معرفة الايمان التي وصلت إليهم عبر التلمذة والفقاهة. ولفظة "لتعرفوا" لا تعني: لتعرفوا ما كنتم تجهلون. بل: لتعرفوا أفضل معرفة لتقتنعوا أن لكم الحياة منذ الآن، رغم الشكوك التي تحيط لكم (2: 20؛ 3: 14). لسنا أمام وعي لحالة باطنيّة (كما في التيّار الغنوصي). فإذا أرادوا أن يكتشفوا هذه الحياة، وجب عليهم أن ينظروا إلى يسوع، لا إلى ذواتهم.
لا شكّ في أننا نفرح في إطار هذه المعرفة. كما نجد أن الثقة التي لنا في الآب قد تحقّقت في الصلاة. غير أن الصلاة ليست الطريق إلى هذه الثقة، بل ثمرة هذه الثقة الآتية من الايمان بالابن. وتُذكر الحياة الأبديّة (1: 2؛ 2: 25؛ 3: 14). هي تُعطى للمؤمنين. لا يشدّد النصّ على الايمان. بل على الايمان باسم الابن. رج 3: 23 والايمان بيسوع؛ 5: 1، 5 والتشديد على شخص الابن الذي هو يسوع: 4: 2؛ 2 يو 7 والكلام عن المسيح الذي جاء بالجسد، جاء "بماء ودم" (5: 6). نجد عبارة "آمن باسم الابن" في انجيل يوحنا. أما هنا فالتشديد على اسم يسوع.
ب- إذا طلبنا استجاب (5: 14- 15)
تهتمّ آ 14- 17 ببعض وجهات الصلاة. أما آ 18- 21 فتستعيد وضع المسيحيّ وتشدّد على نتائج مجيء ابن الله من أجل حياتنا في العالم. ويعود هنا فعل عرف خمس مرات. كما يرد موضوع الثقة للمرّة الرابعة (2: 28؛ 3: 21؛ 4: 17) هنا في ارتباط مع الصلاة. في 3: 21، كان حديث عن الصلاة التي توجّهها إلى الله. أما هنا، فالكاتب يوجّه صلاته إلى المسيح ينبوع هذه الثقة. وهذه الثقة تفترض أيضًا أن تتوافق صلاتُنا مع مشيئة الله (رج 3: 22 حيث ترتبط الاستجابة بحفظ وصايا الله). إذن لا تُعتبر الصلاة وسيلة بها يفرض الانسان إرادته على إرادة الله. فإن وصلت صلاتنا إلى الله، فجواب الله لا يمكن أن يعارض إرادته. أترى إن طلبنا حجرًا أعطانا حجرًا أم خبزًا؟ وإن طلبنا حيّة هل يعطينا حيّة أم سمكة؟ هو يعرف أن يعطينا العطايا الصالحة. بل يعطينا قبل أن نطلب.
هناك نتيجة مهمّة بها يتأكّد المؤمن أنه نال الحياة الأبديّة: ثقة ودالة في علاقة بالله، ولا سيّما في الصلاة. سبق يوحنا وتكلّم عن هذه الثقة. وها هو يكرّر كلامه. فالرب يسمع لنا في كل ما نطلب منه. وفعل "سمع" (أكوو) يعني وافق واستجاب (يو 9: 31؛ 11: 41- 42). ولكن هناك شرطًا: مثل هذه الصلاة يقدّمها الذين يثبتون في يسوع، ويجعلون كلمته تثبت فيهم (يو 15: 7). وهي تقدّم باسم يسوع (يو 14: 13- 14؛ 15: 16؛ 16: 23- 26). غير أننا نعرف من خبرتنا أن هذه الصلاة لا تستجاب دومًا. فيسوع نفسه طلب أن تُعبد عنه هذه الكأس. ولكنه قال: لا مشيئتي بل مشيئتك (مر 14: 36). وهكذا يجب علينا أن نفعل دومًا. فنحن لا نعرف ما هي إرادة لنا بالنسبة إلينا أو بالنسبة إلى الذين نصلّي من أجلهم ولكننا واثقون ثقة الفرح بأن الله سيصنع لنا بحسب مشيئته. وهكذا، حين نصلّي نجعل نفوسنا أداة في يد الله كي يفعل بنا مشيئته. عند ذاك تصبح صلاتنا استلامًا وتعبيرًا عن محبّة.
وتأتي النتيجة في آ 15: إذا عرفنا أن الله يسمع صلواتنا فمهما طلبنا ننل، إن لم يكن الآن، ففيما بعد. الربّ وحده يعرف ما يجب أن يعطينا، ومتى يجب أن يعطينا إياه. هناك عطايا ماديّة. وهناك بشكل خاص عطايا روحيّة. وفي هذا يقول لو 11: 13: الآب السماوي يهب الروح القدس للذين يسألونه. 
ليست المرة الأولى التي فيها تبرز 1 يو الرباط بين الايمان الصحيح والثقة (2: 28) والصلاة. وتشدّد آ 14 على صلاة الطلب التي تكون بحسب إرادة الله. وإذا كانت 1 يو تجذّر الايمان دومًا في حياة يسوع التاريخيّة، فهي تشدّد أيضًا على الوجهة الآنيّة التي تصبح ملموسة في الثقة والصلاة. فالكاتب لا يكتفي بأن يصوّر حياة الايمان الصحيح. بل يقدّمها (ضدّ الهراطقة) كحاضرة في وجه الجماعة المؤمنة.
لماذا قال الكاتب ما قال في الصلاة الواثقة؟ أو أنه أراد أن يبيّن أن الايمان بيسوع التاريخ (الذي لمسناه بأيدينا) يغذّي صلاتنا وما فيها من ثقة بالله. أو أنه أراد أن يقابل هذه الصلاة الواثقة بما عند الغنوصييّن من خوف وقلق (4: 17- 19).
ج- خطايا تؤدّي إلى الموت (5: 16- 17)
بعد أن صوّر يوحنا ثمرة من أهم ثمار الثقة المسيحية، هي الصلاة المستجابة، قدّم مثلاً عن هذه الصلاة بالنسبة إلى خطيئة لا تقود إلى الموت، وإلى خطيئة تقود إلى الموت. بالنسبة إلى الحالة الأولى، عاد الكاتب إلى تث 22: 26، وشدّد على أن صلاة الأخ تمنح الخاطئ الحياة. هذا يعني أننا لسنا أمام الموت بحسب الجسد، بل أمام الموت الذي يعارض الحياة الابدية، الموت الذي هو استعباد تام ونهائي من الشركة مع الله. لا شكّ في أن من يقترف خطيئة يحطّم هذه الشركة. إلاّ أن جميع الخطايا ليست متشابهة، وبعضها لا تزيل كل إمكانيات العودة إلى الله. لا يشرح النصّ ماهيّة هذه الخطايا بل يكتفي بالقول أن الصلاة تجعل الضال يجد الحياة. لا شيء واضحًا. ومع ذلك، فمن الواضح أن الله يستجيب الصلاة فيرحم الخاطئ شرط أن لا تكون الخطيئة خطيرة بحيث لن تغفر.
هناك نوعان من الخطايا يذكرها يوحنا. افترض أن الجماعة تفهم، فما أوضح بين خطيئة لا تقود إلى موت وخطيئة تقود إلى الموت. هنا نتذكّر خطايا قادت إلى موت الجسد. عد 18: 22 (يتحملون عاقبة خطيئتهم ويموتون)؛ تث 22: 26 (لا خطيئة توجب الموت)؛ أش 22: 14 (لن أغفر لهم حتى يموتوا)؛ أع 5: 1- 11 (حنانيا وسفيرة)؛ 1 كور 5: 3- 5 (الزاني)؛ 11: 30. ولكن لا نظنّ أن يوحنا فكّر بموت في هذا المعنى. بل نلاحظ أن العهد القديم عرف خطايا لا وعي فيها ولا إرادة، وكانت تُقدّم عنها ذبيحة سنوية فتُغفر، وذلك في يوم الغفران (يوم كيبور يوم التكفير). كما عرف خطايا إرادية لا تْغفر في الذبائح الطقسية، بل في موت الخاطئ فقط. هذا التمييز بين خطايا تُغفر وخطايا تقود الخاطئ إلى الموت (يُرجم...) في مفتاح هذه المسألة.
ولكن أي نوع من الخطايا يقع في هاتين الفئتين؟ هنا نعود إلى 1 يو. يتطلّع الكاتب إلى خطايا لا تتوافق مع كوننا أبناء الله، وهي تخّص في أن تنكر أن يسوع هو ابن الله، في أن نرفض الطاعة لوصايا الله، في أن نحبّ العالم، في أن نبغض اخوتنا. مثل هذه الخطايا تميّز ذاك الذي ينتمي إلى عالم الظلمة، لا إلى عالم النور. هذا ما يقودنا إلى نتيجة تقول إن يوحنا يعني بالخطيئة التي تقود إلى الموت، خطايا تعارض كوننا أبناء الله (عمليًا، نصبح خارج الجماعة. نصبح محرومين، مائتين. نصبح كالوثني والعشار، رج مت 18: 17).
فالذي يخطأ بوعي تام ويختار بملء حريته ما يقود إلى الموت، يموت موتًا. فالخطيئة التي تقود إلى الموت، هي رفض إرادي بأن نؤمن بيسوع المسيح، بأن نتبع وصايا الله، بأن نحبّ اخوتنا. هي تقود إلى الموت لأنها تتضمن رفض الايمان بالذي وحده يستطيع أن يهبنا الحياة، يسوع المسيح ابن الله. تجاه هذا، فالخطايا التي لا تقود إلى الموت، هي التي نقترفها بغير إرادتنا ووعينا، فلا تتضمّن رفض الله ومشروعه الخلاصيّ: تغلّبت التجربّة على الخاطئ وهو لا يريد. ما زال يريد أيضًا أن يحبّ الله ويحبّ القريب ما زال يؤمن بالمسيح ما زال يتوق إلى التحرّر من الخطيئة.
وتبقى نقاط لا بدّ من توضيحها، الاولى، لماذا يتشفّع المسيحي بالخاطئ إن كانت خطيئته لا تقود إلى الموت؟ بما أن هذه الخطيئة لم تقده إلى الموت، فلماذا يحتاج الصلاة لكي يحيا؟ لا يقدّم يوحنا جوابًا على هذا السؤال. لهذا، سيكون جوابنا نظريًا. هنا نعود إلى آ 17 حيث يذكّر يوحنا قرّاءة أن كل عمل سيّئ هو خطيئة، وأن هناك خطايا لا تقود إلى الموت. فالخطيئة تبقى الخطيئة. والخطيئة خطرة لأنها تميّز حياة تنعزل عن الله. والخطيئة تبقى شرًا في حياة أبناء الله. الثانية، لا نستطيع أن نعزل نوعًا من الخطايا يقع في هذه الفئة أو تلك. فخطايا المؤمن تتضمّن عدم ايمان بيسوع المسيح، ورفضًا لحفظ وصايا الله، وغياب المحبّة الاخويّة. فلا خطايا إلاّ هذه والخط الفاصل بين خطايا واعية وخطايا لا واعية يصعب تحديده. فإن لم يكن من غفران لخطايا إراديّة، فهذا يعني أن الجميع صاروا تحت الحكم. أترانا لم نخطأ بارادتنا بعد اهتدائنا وولادتنا الجديدة؟ فهناك خطر نعيشه. لهذا كان من الضروريّ أن نصلّي لئلا تصل بنا خطايانا إلى رفض طريق الحياة. وتبقى التوبة مهمّة لنا ولاخوتنا. نصلّي لكي نعود إلى التوبة. ونثق أن الرب يسمع صلاتنا. ولنا مثال يسوع الذي صلّى لئلاّ تصل بنا خطايانا إلى رفض طريق الحياة. وتبقى التوبة مهمّة لنا ولاخوتنا. نصلي لكي نعود إلى التوبة ونثق أن الرب يسمع صلاتنا. ولنا مثال يسوع الذي صلّى من أجل بطرس (لو 22: 32) لئلا يفقد إيمانه.
ولكن حين يرفض الخاطئ التوبة والايمان، فهو في طريق الموت. في هذا الحال، لا يطلب يوحنا الصلاة من أجله، ولكن مثل هذا "الحرم" لا يعني أننا لا نعود نصلّي لأجله. فقد يندم في النهاية كما يقول بولس في 1 كور 5: 5؛ 1 تم 2: 20. ويُطرح سؤال آخر: هل يقترف خطيئة تقتود إلى الموت من كان ابنًا حقيقيًا لله؟ لا شكّ في ذلك. فحين كتب يوحنا في هذا الموضوع، فكّر أولاً بالذين تركوا الكنيسة فرفضوا أن يؤمنوا بيسوع ويحبّوا الاخوة. عندئذ يصبحون "لا مؤمنين"، فيقودهم لا إيمانهم إلى الموت. أما المؤمن المؤمن، فهو وإن خطئ، فخطيئة لا تقود إلى الموت. ولكن بولس يقول لنا: من هو واقف، ليخف من السقوط. والمؤمن يمكن أن يجحد إيمانه ويترك الكنيسة. لهذا، نحتاج جميعنا إلى الصلاة.
ارتبطت آ 16- 17 بما سيق: فكما في 3: 20- 22 (رج يو 14- 16)، نتيجة الايمان بالابن هي صلاة واثقة. ولفظة "باريسيا" (ثقة مؤكدة) تعني ثقة في الصلاة لا في يوم الدينونة (2: 28؛ 3: 21)، ولا تجاه قلبنا الذي يبكينا (4: 17). ولكن الصلاة في 1 يو، شأنها شأن الحبّ، هي صلاة من الاخوة، ولا سيّما الأخ الخاطئ (حرفيًا: هو الآن يقترف خطيئة). وفي الواقع التاريخيّ الذي يعيشه كاتب الرسالة، هناك أخوة يقترفون خطيئة (حرفيًا: يخطأون خطيئة، هامارتانونتا هامارتيان) تقود إلى الموت (بروس تاناتون) أو تستحق الموت (يو 11: 4). لا يقول الكاتب إن هؤلاء هلكوا ولا دواء لهم. بل لا فائدة من الصلاة لأجلهم. فهؤلاء الهراطقة حرموا نفوسهم من الجماعة وتركوها (2: 19)، كما استغنوا عن صلاتها. وهكذا تطبّق 1 يو على الهراطقة والأنبياء الكذبة طريقة عب 6: 4- 6؛ 10: 26- 27؛ 2 بط 2: 1ي. فسبب هذه القساوة يرتبط بالابتعاد عن الجماعة. انقطعوا عن الكرمة فصاروا أغصانًا يابسة لا نفع منها. لهذا، فهي تُلقى في النار.
د- من وُلد من الله لا يخطأ (5: 18)
وتنتهي 1 يو بثلاثة أقوال احتفاليّة تنتهي بلفظة: نعرف (رج 2: 20- 22). نعرف أن كل من وُلد من الله (آ 18). نعرف أننا من الله (آ 19). نعرف أن ابن الله جاء (آ 20) صيغة المتكلّم الجمع تدله على الكاتب والقرّاء، مع تحريض واضح في آ 21: نحن الذين نكتب لكم نعرف. اذن، أنتم الذين تقرأون، يجب أن تعرفوا بعد أن تعلّمتم (2: 26- 29) إذن، لا تتأثّروا بهجمات المسماء الدجّالين.
وهكذا استعادت آ 18 فكرة عبّر عنها 3: 9 حول الولادة من الله (رج 2: 29؛ 4: 7؛ 5: 1). من وُلد من الله. أي المؤمن. والمولود من الله هو يسوع المسيح. فنحن أبناء مع الابن. هناك من يعتبر المولود المؤمن. وهو يصون نفسه من كل شرّ، فالكلام عن ولادة المسيح في الأدب اليوحناويّ لا نقرأه إلا في يو 1: 13 حسب نصوص الآباء: هو الذي ولد لا من دم ولا من رغبة جسد، ولا من رغبة رجل، بل من الله (الصيغة المعروفة هي الجمع: هم الذين وُلدوا). مهما يكن من أمر، فالفكر الاساسيّة نجدها في نهاية الآية: لا يقدر الشرّير شيئًا ضدّ المؤمن.
كل من (باس) يتوسّع الكاتب في كلامه دون أن يَنسى "هجومه" على خصوم يعتبرون أن عدم الخطأ محصور في نخبة صغيرة، في شيعة منغلقة على ذاتها. كل من وُلد، كل عضو في الجماعة اليوحناويّة (5: 1) لا يخطأ. نلاحظ فكر يوحنا (1: 8- 10؛ 2: 1- 2). أكّد أن المؤمن يبقى خاطئًا. هو يعترف بخطيئة ويلجأ إلى من يدافع عنه، إلى يسوع المسيح عليه. أن لا يخطأ. وفي الواقع هو لا يخطأ. وتحدّد آ 18 أساس هذا القول الأخير: فالمولود (يسوع المسيح) يحفظنا فلا يعود الشرير يقدر علينا، نقرأ هنا فعل "تيرابن"، حفظ، صان. يسوع (الفاعل) هو الذي يحفظ المؤمن (صار المفعول به). أما الرسالة، فتتحدّث عن المؤمنين الذين "يحفظون" الوصايا. إن المسيح يحفظ المؤمن من الشرّير. لا يقول النص كيف يحفظه المسيح (رج يو 17: 12). أما واو العطف (كاي) فيدلّ على النتيجة: بما أنه يحفظه لا يمسّه الشرير.
الشرير (بونيروس، 2: 13- 14؛ 3: 12؛ 5: 19) هو إبليس، ورئيس العالم (آ 19) والهراطقة. لا شكّ في أن العالم هو خليقة الله. ولكن هناك علاقة بين إبليس والعالم والخطيئة والهراطقة، نقرأ فعل "هبتو" (اشعل) الذي يدلّ على ملامسة قوى الخير أو الشرّ. ويعني: وضع يده على شخص وكأنه يريد أن يمتلكه. هذا ما يحاول أن يفعله الشرّير. لا نجد هذا الفعل في العهد الجديد إلاّ هنا (ولكن رج يو 20: 17)، مع امكانيتين بسيطتين: لا يستطيع الشرّير أن يضع يده عليه لكي يسيء إليه ويقوده في طرق الضلال. أو لا يستطيع أن يصل إليه. الخيار الثاني يعني أن الانسان هو فوق الشرّ. وهذا مستحيل، وإلاّ لماذا نصلّي نجّنا من الشرير. أما الخيار الاول فيعتبر أن الشرير يهاجمنا ولكنه لا يقدر علينا (رج يو 17: 15). 
هـ نحن نعرف (5: 19- 20)
كان إعلان أول (نعرف) عن المؤمن الذي لا يخطأ. لأن يسوع المولود من الله يصونه من الشرّير. وها هو إعلان ثان يذكّرنا بأن العامل مقسوم قسمين: أولئك الذين ينتمون إلى الله. وأولئك الذين يخضعون لسلطان الشرّير. في آ 18، قال يوحنا : كل من (باس) فما استثنى أحدًا. أما هنا فهو يتوقّف عند جماعته: نحن نعرف أننا (نحن) أولاد الله، أننا نحن من الله (3: 9- 10؛ 4: 7). ولنا مواعيد المولودين من الله، أما العالم فهو في قبضة الشرّير.
إذا كان العالم مقسومًا إلى "حزبين" فكيف نجد الطريق إلى هذا الحزب أو ذاك؟ وكيف تسير الكنيسة مسيرتها في عام يخضع (كايماي) لسلطان الشيطان؟ هنا يأتي الاعلان الثالث فيقدّم الجواب: ابن الله (الذي هو يسوع) جاء إلى العالم (1 كو، رج يو 8: 42، جاء يسوع من السماء) أفهمنا (أعطانا الفهم، ديانويا) الحقّ، فعرفنا الحقّ الذي هو الله. من المهم أن نعرف أن مهمّة يسوع توخّت أن تحمل إلينا معرفة نحتاجها لكي نخلص. مثل هذه النظرة إلى عمل يسوع، قد تُفهم فهمًا خاطئًا في الإطار الغنوصيّ الذي يرى الخلاص آتيًا عبر معرفة حقائق يحملها "الموحي" أما المعرفة التي يتحدّث عنها يوحنا، فهي تختلف عن التي تقدمّها الغنوصيّة. فقد شدّد في رسالته على حقيقة تجسّد ابن الله (قال الغنوصيون: بدا ابن الله وكأنه اتحد بيسوع). ثم إن يوحنا شدّد على موت يسوع في ذبيحة تكفيريّة من أجل خطايانا (فهم الغنوصيون حاجة الانسان إلى الخلاص من الجهل، لا من الخطيئة، وبالتالي ما رأوا حاجة إلى الكفّارة). وفي النهاية، شدّد يوحنا على ضرورة الايمان بيسوع، ساعة حلّت المعرفة محلّ الايمان في الفكر الغنوصيّ. ومع هذه الاختلافات عن الغنوصيّة، يبقى أن المسيحيّة ديانة مبنيّة على الوحي ذاك هو العنصر المهمّ المذكور هنا. فالانسان لا يستطيع بقواه أن يجد الطريق إلى الله وإلى الحياة الأبديّة: فهو يحتاج إلى وحي يأتيه من الله نفسه. لهذا أرسل الله ابنه ليكشف الحقّ، والذين يقبلون الوحي يأتون إلى معرفة الله الحقّ.
بالإضافة إلى ذلك نقول إننا "في" الحقّ (2: 5، 24). لأننا في ابن الله، يسوع المسيح. فحين نكون في الآب نكون في الابن. سبق يوحنا فقال: لا يكون لنا الآب إن لم يكن لنا الابن (2: 23). بما أن الآب والابن متحدان اتحادًا وثيقًا، فالآب لا يُعرف من دون الابن، ولا الابن من دون الآب. وبما أن الابن صار الوحي (حامل الوحي)، فقد صار الطريقَ الوحيدة إلى الاله الحقيقيّ والايمان بالابن. ونقول أيضًا إن الذي يؤمن بالابن، تكون له بلا شك شركة مع الآب. وهناك أناس (ما زالوا الآن) يتوقفون عند يسوع ويتركون الله الآب. مثل هذا الأمر يقع حين يُنكر يسوع على أنه ابن الله. ذاك كان الضلال الذي حاربه يوحنا في رسالته، وما زال يحاربه حتى آخر آية فيها. فهو (أي يسوع) الاله الحقيقيّ والحياة الأبديّة. ويوحنا يعلن هنا كما في انجيله (يو 1: 1؛ 20: 28) أن يسوع هو الاله الحقيقيّ، وهو يفعل بحيث يتماهى الآب مع الابن في الألوهة، وبحيث نعرف أننا حين نلتقي بالمسيح نلتقي بالله، فيسوع عند يوحنا هو الذي يقول: "من رأني رأى الآب" (يو 14: 6). من هنا انطلق الكاتب ليقدّم هذا المقطع.
بدأت آ 19 مع "نحن" (اسمن) التي تُفهم مع ما سبق وما يلي: نحن هكذا، لا بقوانا الشخصيّة، ولكن لأن الله أعطانا الحياة، ولأننا آمنا باسم ابن الله (آ 13). نحن هكذا، لأنه أعطانا الوسيلة. وهي الفهم لكي نعرفه (آ 20). وتنتهي هذه الآية بقول صاعق: "العالم كله تحت سلطان الشرير". ليس بشرّير في حدّ ذاته، ولكن تسيطر عليه الشهوة (2: 17). يعني هذا أن ما في العالم يسيطر على لفظة "كل" (هولوس). العالم كله في قبضة الشرير. وفي 3: 2 أكّدت الرسالة على عمل الله كله في يسوع المسيح أجل، الكل يقابل الكل: ليس في العالم شيء إلاّ ويرتبط بسلطة الشرّ أو بعمل الله.
وتستعيد آ 20 مرة أخرى، مضمون الرسالة بشكل أصيل. تقرأ آخر مرة "نعرف" (أويدامن)، ما نعرف عن الصلاة (آ 15) وعن الولادة من الله (آ 18) يرتبط بما نعرف عن ابن الله (آ 20). ففي 1 يو، الأساسيّ يأتي في المرتبة الأخيرة كي يُسند ما سبق. جاء يسوع (رج يو 2: 4؛ 4: 47). لا كتلك الآلهة التي قيل عنها أنها "تظهر" للبشر. هي تظهر مرّة واحدة (فاناروو). لا، بل جاء الابن. هو لنا نحن "نمتلكه" بعد أن أعطاناه الله. لهذا جاء فعل "أعطى" في صيغة الكامل) (دادوكن) فأشار إلى عطيّة من الماضي مازلنا ننعم بها الآن (رج آ 11 وصيغة الاحتمال). مجيء الله متواصل في قلب المؤمنين وفي قلب الكنيسة. متى كانت هذه العطيّة للبشر، لمؤمني كنيسة يوحنا الذين ظلّوا أمناء للتعليم؟ إما في مجيء يسوع التاريخيّ مع الوحي الذي حمله. وإما إلى الوقت الذي فيه وصلت البشارة إلى شهود يعيشون في جماعة يوحنا (1: 1- 4). الخيار الثاني يوافق لهجة الرسالة (نلاحظ) لفظة حقّ اليتينوس التي تتكررّ ثلاث مرات في هذه الآية). لنا، نحن الذين نكتب إليكم، سُلّم فهم مجيء الابن الذي هو يسوع.
لا ترد لفظة "ديانويا" فكر، فهم، عقل، إدراك، إلاّ هنا في 1 يو. ولكننا نجدها في الأناجيل (مت 12: 30 وز) والعهد القديم (ولا سيّما في السبعينية) مع الإشارة إلى القلب (تث 6: 5، الوصيّة). وتأتي "هينا" (لكي ندرك) في معنيين. الغاية: لكي تعرفوا. التفسير: يقوم هذا الفهم بأن تعرفوا: لنا أعطي فهم (الاله) الحق، وحين تكونون في شركة معنا تمتلكون ذاك الفهم وتحفظونه (1: 3). 
و- تجنّبوا الأوثان (5: 21)
إذا كان ما قاله يوحنا صحيحًا، يجب على قرّائه أن يتجنّبوا كل ما يبعدهم عن الاله الذي كشف عن نفسه في يسوع. لهذا، وللمرّة الأخيرة، يوجّه الرسول كلامه إلى قرّائه ويحذّرهم: يجنّبوا الأوثان. حتى الآن، لم يتكلّم يوحنا عن عبادة الآلهة الكذبة التي انتشرت في محيط قرّاء 1 يو، لا شكّ في أن الخطر وُجد في الكنيسة الاول، فحذّر منه المسؤولون (أع 17: 29؛ روم 1: 23 : 1 كور 8: 5- 6؛ 10: 14؛ 1 تس 1: 9؛ رؤ 13: 15) ولكن ندهش أن يكون يوحنا أدخل هذا الموضوع بشكل مفاجئ وفي نهاية الرسالة. هناك امكانيتان. الأولى، عاد يوحنا إلى نظرة خاطئة. إلى الله. فشدّد على أن يسوع هو الاله الحقيقيّ. ولهذا نبّه من عبادات خارجة عن عبادة الاله الواحد. فكأنه الثانية، يبدو يوحنا وكأنه يقول لهم: تجنّبوا الخطيئة. ولا سيّما خطيئة الجحود، الخياران مقبولان فالتعلّق بالآلهة الكاذبة هو الخطيئة الكبرى. ويوحنا يلحُّ على قرّائه بقطع كل علاقة مع عبادات ملأت العالم الروماني، الذي عبد في النهاية مدينة رومة، وجعل تمثال الامبراطور في ساحة كل مدينة، فكان الناس يأتون ويسجدون أمامه ويقدّمون البخور. ولكن المسيحيّ يرفض مثل هذه العبادة، ويعرف أن يسوع المسيح هو الاله الحقيقيّ وهو الطريق الوحيد إلى الحياة الأبديّة.
أنهى يوحنا رسالته بنداء أخير: يا أبنائي الصغار. نبّههم (فيلاسو، لا يرد إلاّ هنا. نجده في يو 12: 25، 47؛ 17: 12 بمعنى حفظ شخصًا أو شيئًا، ومع "أبو"، يدل على رفض واع للخطر 2 تس 3: 3) من الأصنام التي يمكن أن تكون أيضًا الهرطقات (2: 18- 27؛ 4: 1- 6؛ 5: 1- 12). عندئذ نستطيع القول إن الهرطقات "المسيحيّة" هي دخول التأثير الوثنيّ إلى الايمان الحقيقيّ.
2- قراءة لاهوتيّة وروحيّة
أكتب إليكم بهذا (آ 13). ولكن هذه الآية ليست الكلمة الاخيرة في الرسالة، مع ما فيها من فعل إيمان بمن يعطينا الحياة الأبديّة، على غرار ما نقرأ في نهاية الانجيل الرابع (يو 20: 31). فالرسول زاد "ملحقًا" صغيرًا فيه يستعيد أفكار الرسالة. فكأني به يقول لكل واحد منا بأن يعود إلى قراءة الرسالة والربّ هو الذي يرافقنا كما رافق تلاميذه في حياته، وكما رافق الجماعة اليوحناويّة التي تتعرّض لهجمة شرسة من قبل المضلّلين.
كان كلام عن الصلاة التي تستجاب. وكلام من الخاطئ الذي نصلّي من أجله، في خط من 18 الذي يعلّمنا كيف نساعد الخاطئ قبل أن نتركه ونحسبه كالوثنيّ والعشّار: كما أن هناك كلامًا عن خطيئة وخطيئة. فالأخ الذي اقترف خطيئة لا تقود إلى الموت، تعيدُ الصلاة إليه الحياة. هذا يعني أن الخطيئة "العرضية" نفسها يمكن أن تكون خطيرة، وإلاّ لماذا الصلاة. وذكر الخطيئة والمحبّة بقرب الخطيئة لا يسمح لنا بأن ننسى أهميّة التشفّع في كل وقت. وإذ يميّز يوحنا بين خطيئة، لا يقول إن المحبة تجعل الانسان هالكًا لا محالة. فلا شيء يتيح لنا أن نعلن خاطئًا بأنه استحقّ الهلاك الابدي، فخطيئته جعلته خارج العالم الذي يشرف عليه التضامن. فالحياة الآتية من المسيح، الكرمة الحقيقيّة، تصل إلى جميع الأغصان. فمن قطع نفسه، انتفت الحياة ومنه وسار إلى الموت. أما المؤمن الذي وُلد من الله، فهو يعرف أنه لا يخطأ. أي أن الخطيئة لا تسيطر عليه. وإن حصل فسقط، فهو يتذكّر أن لنا شفيعًا عند الآب، وهو كفّارة عن خطايانا. أجل، المؤمن يعرف أنه لم تعد تحت سلطان الشرير. فهو من الله، وقد أعطي أن يدرك الحق، وأن يعرف الايمان الحقيقيّ، كما يعرف أن الإله الحقيقيّ يقوده إلى الحياة الابديّة التي بدأ يحياها منذ الآن. فلا يبقى له سوى الثقة بذاك الذي جاء في الجسد فرأيناه وسمعناه ولمسناه. إنه كلمة الله الحاضرة دومًا فينا. إنه حياة الله التي تجلّت، والنور الذي يمنع الضلال، فماذا تخاف بعدُ كنيسة يوحنا، وماذا يمكن أن تخاف منه كنيستنا؟
الفصل السابع عشر
رسالة يوحنا الثانية
تُقسم هذه الرسالة القصيرة أربعة أقسام: المقدمة مع العنوان والتحية (آ 1- 3). السير في الحقيقة، بحسب وصيّة المحبّة (آ 4- 6). المعلّمون الكذّابون (آ 7- 11). مشاريع وسلامات. هناك تفسيران لهذه الرسالة: نقرأ فيها الفرح والثقة بالمؤمنين مع تلميحات سريعة إلى المضلّلين (آ 9). عندئذ نجعل 2 يو قبل 1يو، بعد أن تأزّم الوضع بين الرسول وقرّائه. والتفسير الثاني يتحدّث عن حرب على المضلّلين. فالحق (آ 1، 2، 3، 4)، والمحبّة (آ 5، 6)، هما لفظتان هامتان، ونحن نفهمهما في إطار هجوميّ: الحقّ هو التعليم (آ 9، 10) الذي يتعارض مع "مهنة" (آ 7) الكذب التي يمارسها المضلّلون. والمحبّة هي الوصيّة الأولى التي تركها يسوع لتلاميذه التي تعارض "تطاول" المسحاء الدجّالين (آ 9) الذين لا يشكّلون خطرًا داخل الجماعة اليوحناويّة. فكما في 1يو، قطعوا كل رباط معها، وها هم يعودون إليها ليعرضوا "أعمالهم السيّئة" (آ 11)، ليعرضوا تعليمًا عن المسيح (آ 7 ب)، بعيدًا عن التعليم الصحيح (آ 9)، وتصرّفًا بعيدًا كل البعد عن المحبّة الأخوية.
1- العنوان والتحية (آ 1- 3)
بدت 2 يو بشكل رسالة، فعارضت 1 يو. نجد فيها عناصر تتيح لنا أن نكتشف العنوان (الشيخ يحيّي السيّدة المختارة، آ 1- 3) وجسم الرسالة (آ 4- 11) والسلامات الأخيرة (آ 12- 13).
يتألف العنوان من قسمين غير متكافئين: يُذكر الكاتب والقرّاء. ثم يُشار إلى المستوى الذي عليه تقوم الرسالة. المرسل هو الشيخ (في 1يو، نجد ضمير المتكلم المفرد وضمير المتكلّم الجمع). الشيخ شخص يمتلك بعض السلطة: هو يكتب إلى مجموعة، يعطي رأيه في موقف المؤمنين ويذكّرهم بالوصيّة. سلطته حكمة ومشورة وتنبيه. هو من مجموعة مسيحيّي الجيل الثاني. تلميذ تلاميذ يسوع. سلطته والثقة بنفسه ترتبطان بأمانته لتقليد تسلّمه، وهو الآن يسلّمه.
السيدة (كيريا، مؤنث كيريوس) المختارة. هي إحدى الكنائس الشقيقة (آ 13) داخل الجماعات اليوحناويّة. والابناء (تكنيا) هم المسيحيون الاعضاء في هذه الجماعة. إليهم تتوجّه الرسالة.
الكاتب متأكّد أنه في الحقّ (رج يو 4: 16- 17). ونقرأ المثلّث "النعمة والرحمة والسلام". قد نكون أمام عبارة ليتورجيّة. نحن هنا في إطار خطبة الوداع بعد العشاء الأخير (يو 14: 27؛ 16: 33؛ رج 1: 14، 16، 17؛ 20: 19؛ 21: 26).
أ- أنا الشيخ (آ 1)
في الرسائل القديمة، يوضع اسمُ المرسل في البداية. هو لا يعطي اسمه الشخصي. بل اسمه في الرسالة. يبدو أن اسمه الشخصيّ كان معروفًا. الشيخ هو أولاً الرجل المسنّ. هو يشرف على الجماعة ويوجّهها. يذكر العهدُ الجديد مجلسَ الشيوخ في الكنائس المحلّية (أع 11: 30؛ 14: 23؛ 1تم 5: 17؛ يع 5: 14؛ 1بط 5: 1). استعمل اليهود اللفظة للاشارة إلى الكتبة كما في مر 7: 3- 5، ورؤساء الجماعة كما في مر 8: 31. أما هنا فنحن أمام صيغة المفرد. ويبدو أنه يكتب إلى كنيسة ليس عضوًا فيها. قد يكون "الوكيل" أو "الأسقف" مع سلطة على قرّائه.
وجّه كلامه إلى قرّائه: السيدة المختارة وأبناؤها. نحن أمام استعارة: الكنيسة وأعضاؤها إذا كانت الرسالة موجّهة إلى كنيسة خاصة، فلا حاجة إلى تحديد خاص عن الكنيسة التي يعني. في القديم، كانوا يشخّصون الجماعة على ما في العالم اليهوديّ. فأورشليم اعتبرت أم الجماعة (أش 54: 1- 8؛ با 4: 30- 37؛ 5: 5؛ غل 4: 25؛ رؤ 12: 17). وسار المسيحيون في هذا الخطّ فسمّوا الكنيسة أمّنا. رج 1بط 5: 13 في كلامه عن "كنيسة بابل وهي مثلكم مختارة من الله". نحن في كلا الحالين أمام كنيسة محلّية. فالكنيسة الواحدة نراها في الكنائس المتوزّعة في العالم.
الكنيسة هي السيّدة. هي عروس السيّد، الربّ. والابناء هم أبناء الله. والكنيسة هي مختارة. فالله دعاها لكي تكون شعبه. وقد تجاوبت مع هذا النداء فصارت شعب الله (1 بط 5: 13). وبدأ الكاتب فحدّث قرّاءه عن حبّه لهم. استعمل لفظة يونانيّة معدّة في العهد القديم اليوناني والعهد الجديد، للتعبير عن نوع خاص من الحبّ الذي يُظهره الله للانسان، وقد يظهره الانسان لله وللقريب. إن استعمال هذه اللفظة النادرة في الكتابة الدنيويّة، تبيّن الحاجة إلى عنصر خاص للتعبير عن الحبّ المسيحيّ. هو فعل "اغاباوو" الذي يمكن أن يستعمل لأنواع أخرى من الحبّ (2 صم 13: 15 حسب السبعينيّة؛ 2 تم 4: 10). إنه يتضمّن اهتمامًا بالآخرين، وأمانة لهم، وبحثًا عن مصالحهم. وهو يفترق عن ألفاظ يبحث فيها الانسان عن التمتّع بموضوع حبّه، عن الانجذاب المتبادل والعاطفة المتبادلة. هنا نجد "ايروس" الذي لا يرد في العهد الجديد، ويدل على عاطفة الحبّ الجامحة (على المستوى الجسدي). و"فيليو" الذي يعبّر عن حبّ بين الأصدقاء هو لا يرد في رسائل يوحنا. بل في الانجيل فيوازي "أغاباوو" (يو 5: 20؛ 11: 3، 36...).
ولكن الحبّ المسيحيّ يجد تزييفًا له، وتقليدًا لدى أشخاص يتوقّفون عند الظاهر ولا يصلون إلى الحقيقة. لهذا قال الشيخ: "في الحقّ" (اليتاتا). قد تعني العبارة حبًا حقيقيًا، حبًا يصدر من القلب. عندئذ يقابل الظرف (اليتوس) (يو 1: 47) رج مر 12: 32 مع حرف الجر "إبي" بدل "إن" في). هذا الموقف يعارض روح الرياء التي ندّد بها يسوع مرارًا (مت 23: 13 ي؛ لو 12: 1- 3). ولكن حين تتطلّع إلى الدور الذي تلعبه هذه اللفظة، نبحث عن معنى أعمق. إن الشيخ يحبّ محبَّة تتوافق مع الوحي المسيحيّ الذي تقبّله هو وتقبّله قرّاؤه. وبعبارة أخرى: إن "الحق" الذي به يحبّ الشيخ الكنيسة هو حب حقيقيّ وإلهي كُشف في "البلاغ" المسيحي.
كتب الشيخ إلى الكنيسة لا إلى أسرة محدّدة. وما يُثبت ذلك هو أن الذين يعرفون الحقّ يشاركون في حبّه. ومعرفة الحقّ تعني معرفة التعليم المسيحي وقبوله. مثل هذه المعرفة تذهب أبعد من أمور نتعلّمها أو عقائد، فتصل إلى قبول الحقيقة قبولاً إيجابيًا والاستسلام لها. وجميع الذين جاؤوا إلى الحقّ في هذه الطريقة، يرتبطون برباط الحبّ المتبادل الذي يوجد بين الشيخ وجماعته. فقبول الحقّ يتضمّن حبًا ناشطًا. وغياب الحبّ يدلّ على أن الحقّ لم يُقبل.
يُذكر الشيخ في 2يو و 3يو. لا في 1يو. كما لا يُذكر في رسائل البولسيّة. هو كاتب 2 و3 يو. وكاتب 1يو. وربّما الكاتب الأخير للانجيل الرابع. نحن هنا أمام شخص حقيقيّ لا أمام استعارة. الشيخ يعرف الجماعة. والجماعة تعرف الشيخ ولا تعارض سلطته. هو مسؤول عن الحق (آ 1، 2، 3، 4) المرتبط بالايمان (آ 7) والتعليم (آ 9، 10). وهكذا نكون أمام (إروتو، آ 5)، ويخضع هو نفسه للوصيّة القديمة (آ 5)، ويحرّض (آ 8، 10)، ويفضّل الاتّصال المباشر مع الذين يكتب عليهم على التسلّط (آ 12).
السيدة المختارة. عبارة لا نجدها في العهد الجديد. هي كنيسة محليّة. وحرف العطف (كاي) هو تفسيريّ: أي إلى أولادها. هي تتماهى مع أولادها. هي مختارة لأنها كريمة في عين الرب فتتميّز عن جماعات ضالة ومنفصلة، إذن لا مختارة. لا تطبّق فكرة الاختبار هنا وفي آ 13 على شعب الله إجمالاً (1 بط 2: 9)، ولا على كل فرد في الجماعة، بل على جماعة محليّة (أو جماعتين تكتب الواحدة إلى الأخرى). نتذكّر هنا أن المسيح طبّق الاختبار على مجموعة تلاميذه (يو 6: 70؛ 13: 18؛ 15: 16، 19).
"الذين يعرفون الحقّ" هم المؤمنون الذين ظلّوا أمناء للحقيقة اليوحناويّة، الذين ثبتوا على "تعليم المسيح" (آ 9). إن عبارة ثبت في الحقّ نجدها في يو 8: 32. ولكنها ترتدي هنا معنى هجوميًا: لا حقّ إلاّ في جماعة يوحنا، لا لدى المنشقّين والهراطقة. صيغة "يعرفون" تدلّ على وضع متين حصل عليه الكاتب والقرّاء.
ب- الحقّ ثبت فينا (آ 2)
الحقّ يعود إلى الحبّ. وهذا ما أبرزه الكاتب مع "بسبب الحقّ" الذي يبدو تكرارًا لما في الآية السابقة. ولكن الكاتب يكرّر فكرته ليُبرز نقطة من النقاط ويتعمّق فيها. والنقطة هنا هي أن المسيحيين يحبّون لأن وحي الحقّ يتضمّن هذه الوصيّة (نحبّ بعضنا بعضًا). بل ذهب أعمق من هذا: فالحقّ يصل إلى أعضاء الكنيسة ويدفعهم إلى الحبّ. ما قيل في الانجيل عن روح الحقّ (يو 14: 15- 17) يؤكّد ذلك بحيث إن الحقّ صار شخصًا حيًا يؤثر في المسيحيين (إن الضمير "هامين" نحن، يدلّ على الكاتب والقرّاء). وسيضيف الكاتب أن الحقّ سيكون مع قرّائه إلى الأبد. وهكذا يتجاوز الافق المباشر للخبرة المسيحيّة.
بسبب (ديا) الحبّ الذي يثبت "فينا" يستطيع الكاتب أن يحبّ في الحقّ (= في الله)، أولئك الذين يكتب إليهم. إن فعل "ثبت" (أقام، ماناين) يُستعمل مع الحقّ أو التعليم ليدلّ على الأمانة والمسؤوليّة تجاه هذا الحقّ. هذه الحقيقة هي فينا (نحن أعضاء الجماعة). سُلّمت إلينا. وهي تحمينا من الهرطقة. وهكذا يثق الشيخ بهؤلاء الامناء للحقيقة الانجيليّة حتى نهاية التاريخ. هو يحث المؤمنين، ويحذّرهم أيضًا. ليس من حقيقة يوحناويّة صحيحة إلاّ في الأمانة للشيخ ولحقيقته (رج 1 يو 1: 1- 4).
ج- النعمة والرحمة والسلام (آ 3)
وتنتهي 2يو، شأنها شأن كل رسالة، بتمنّ للقرّاء. ولكن الفعل هو في المضارع (إستاي). وهكذا نكون بالأحرى أمام وعد. تكون النعمة والرحمة والسلام معنا بالنظر إلى الحقّ الذي يثبت فينا. حرفيًا: معنا. أي الكاتب والجماعة. يتعلّقون بالحقّ. نجد المثلث "النعمة والرحمة والسلام" في 1تم 1: 2؛ 2تم 1: 2. عند بولس نجد عادة النعمة والسلام. أضيفت لفظة ثالثة، لتدلّ على خيرات ينالها الأمناء للشيخ "من" الله الآب. "بارا". أي هي تأتي من الله الآب. والشيخ يستطيع أن يوصلها من قبل الله (رج يو 1: 6- 14...). إن الآب يعمل بالابن، لأن الذي يعترف بالابن والابن المتجسّد، يمتلك وحده الآب (1يو 2: 23؛ 2 يو 9). وتنتهي الآية مع "في الحقّ والمحبّة". نحن ننال هذه الخيرات حين نكون أمناء للحقّ وللجماعة اليوحناويّة التي تعيش المحبّة.
في آ 2، أشار الكاتب إلى الوضع المسيحيّ. وهنا، اتّخذت التحيّة شكلاً مسيحيًا، نجد عناصره في رسائل بولس. مثلاً: نقرأ في غل 1: 3: "النعمة والسلام لكم من الله الآب والربّ يسوع المسيح" (رج 1 تس 1: 1: عليكم النعمة والسلام). يعلن الكاتب، لأنه أكيد أن ما يطلبه للقرّاء، قد تحقّق، وجعل نفسه مع حلقة المستفيدين من هذه البركة. نجد عند بولس "النعمة والسلام". وقد زاد الشيخ "الرحمة". النعمة تعني محبّة (ورضى) أظهرها الله للانسان. والرحمة قريبة من النعمة. ويمثّل السلام البركات الروحيّة التي يعطيها الله للانسان في نعمته ورحمته. 
وتتواصل التحيّة فتدلّ على ينبوع هذه البركات. هو الله الآب وابنه يسوع المسيح. الآب هو أبو يسوع المسيح. في العهد القديم استعملت لفظة أب لتدلّ على الله. ولكننا سننتظر المسيحيّة لكي نتحدّث عن علاقة شخصيّة، علاقة محبّة بين الله الآب والله الابن. تشدّد 1 يو أن الله عُرف كأب عبر وحي الابن، وهو أب للابن الوحيد كما للمؤمنين. فمن رفض الابن رفض الطريقة التي بها كشف الله عن نفسه كأب. ومن قال "لا" للطريقة التي بها أرسل الله وحيه، قال "لا" لله نفسه، لأنه لا يُريد أن يعرف لدى البشر إلاّ "بكلماته". أما الشيخ فاستعمل عبارة ثالوثيّة تذكر الآب والابن وتجعلهما على المستوى الواحد. وقال إن يسوع هو ابن الآب. وإن بركات الآب والابن تكون مع المؤمنين في الحقّ والمحبّة.
كل هذا يُعدّ القرّاء للموضوع الرئيسي في الرسالة (آ 4- 11). الهدف المباشر الاشارة إلى أن البركات (النعمة، الرحمة، السلام) يرافقها الحقّ والمحبة. فوحي الله في يسوع يتمّ في الحقّ والمحبّة (يو 1: 14، 17)،. وهو يقود المؤمنين في هذه الطريق بحيث تختبرون ملء بركات الله.
2- سلوك في الحقّ والمحبّة (آ 4- 6)
يرد فعل "سلك، سار" ثلاث مرات هنا. "يسلكون في الحقّ" (آ 4). "يسلكون حسب وصاياه" (آ 6) "أن تسلكوا فيه" أي في الحبّ أو الوصيّة (آ 6). الكلمة المفتاح هنا هي الوصيّة. والفرح يشكل انتقالة من العنوان (آ 1- 3) إلى جسم الرسالة (آ 4- 11). ويفرح الكاتب لأن المضلّلين لم ينجحوا في اجتذاب الجماعة إلى الضلال والكذب. أما الوصيّة القديمة فاسمها المحبّة. ذاك هو الحبّ: أن تسلك بحسب وصاياه. تلك هي الوصيّة: أن نسلك في الحبّ. وهكذا نكون أمام ترادف مع "سلك في الحق" "سلك حسب الوصايا"، "أحبّ الواحد الآخر".
أ- سلوك في الحق (آ 4)
تبدأ الرسائل عادة بتعبير عن الفرح الذي يُحس به الكاتب لأخبار طيّبة. وصلت إليه من قرّائه. فرسائل بولس مثلاً تبدأ بشكر لله من أجل التقدّم الروحيّ لدى قرّائه (1 تس 1: 1- 2). والشيخ في 2يو يصوّر الفرح العظيم الذي أحسّ به حين علم أن بعض أعضاء الكنيسة يعيشون بحسب الحقّ. إن لفظة "بعض" تعني أن هناك أعضاء آخرين لا يعيشون كما يجب. في هذه الحالة، تتوجّه الأقوال إلى هؤلاء الأعضاء في الكنيسة دون سواهم. وقد يكونون زاروه وعادوا إلى كنيستهم مع رسالة تهنئة. وهكذا رأى بعينيه كيف يسلكون ففرح قلبه. وشعر أن ما هو حقّ بالنسبة إليهم، هو حقّ بالنسبة إلى الكنيسة بشكل عام، بحيث استفاد من الظرف الذي هو زيارة أصدقائه، ليكتب نداء إلى الكنيسة مؤسّسًا عن ارتباطها بالحقّ.
قرأنا هنا "إخارين" (صيغة الاحتمال، فرح أحسّ به الكاتب في الماضي، وفي مناسبة محدّدة) الذي يعود إلى زمن التقى فيه الشيخُ أعضاء الكنيسة. فرحت (خايرو) جدًا (ليان). وقرأنا "اوريكا" وجدتُ رأيت. في صيغة الكامل. يعتقد الكاتب أن ما اكتشفه في الماضي ما زال صحيحًا. يرى بعض الشرّاح أن لفظة البعض تدلّ على أن الذين يسلكون في الحقّ هم قلّة قليلة في الكنيسة. يسلكون (باريباتاين). هذا ما يصوّر حياة المؤمن وتصرّفه. والعيش بحسب الحقّ يعني في توافق مع وحي الله في الانجيل رج 1يو 1: 6- 7؛ 2: 6، 11؛ 3 يو 3- 4؛ مر 7: 5؛ يو 8: 12؛ 12: 35؛ روم 6: 4. ينطلق الاستعمال من العهد القديم. رج تك 17: 1؛ 2مل 20: 3.
العيش في الحقّ يقابل العيش في النور (1يو 1: 7). والذين يعيشون بهذا الشكل يمتلكون عن وصيّة الآب. يبدو أن الشيخ يفكّر في 1يو 3: 23: "هذه هي وصيّته: أن نؤمن باسم ابنه يسوع المسيح، وأن نحبّ بعضنا بعضًا كما أوصانا". هناك صعوبة في هذه النظرة، فنظنّ أن الشيخ يتحدّث عن وصيّة المحبّة الاخويّة وكأنها وصيّة إضافيّة. ولكنه يحسّ بضرورة تكرار هذه الوجهة الخاصّة (للعيش بحسب الحقّ) من أجل خير الكنيسة ككلّ. ونُسبت الوصيّة إلى الآب، لا إلى يسوع، وهذا يعني أن الكاتب يعود إلى الينبوع الأخير لتعليم محله يسوع (يو 7: 16- 17) وتلاميذه (1يو 1: 5).
ما هو سبب فرح يوحنا؟ هذا ما لا تقوله 2 يو. أما في 3 يو 3. فالأمور أوضح: وصل الأخوة وهم يحملون أخبارًا طيّبة عن غايس. أما هنا فيبدو أن الرسول زار الجماعة، أو زاره بعض أعضائها. فكتب إليها ليدلّ على رضاه، وأوصاها بالمحبّة. أما الأبناء فهم جميع أعضاء الجماعة سواء كانوا مؤمنين أو طالبين. ونتذكّر أن لفظة "حق" (اليتايا) تؤخذ في المعنى التعليميّ (تجاه الهرطقة)، لا في معنى "الاستقامة". أما كلمة "انتولي" فهي تدلّ على تعليم تسلّمناه، مع إشارة إلى وصيّة المحبّة الأخويّة (آ 5). هي تعليم (آ 9- 10) أمين للتقليد الرسوليّ كما تسلّمته الجماعة من الآب بواسطة الابن في شأن الابن. فعل "لمبانو" (تسلّم، رج يو 3: 11، 32- 34؛ 1يو 5: 9) لا يفهم نقلاً مباشرًا يأتينا من الآب، أو من الآب بواسطة الابن القائم من الموت، بل من الآب بواسطة الابن الذي تجسّد (آ 7). وهذا التعليم يحفظه التقليد اليوحناويّ الذي يرتبط به الشيخ.
ب- المحبّة الأخوية (آ 5)
إن التباس تصرّف قرّاء 1 يو فرض الآن (نين) تحريضًا متينًا. فهذا الظرف (الآن) الذي نجده مرارًا في يوحنا، يشدّد على خطورة القرار الذي يجب أن نأخذه (يو 4: 23؛ 5: 25...). يرى الكاتب أمامه جماعة معروفة، ولكنها جماعة مهدّدة. ونقرأ فعل "إروتان" الذي لا يعني سأل كما في يو 16: 5، 23، بل طلب، أمر، فرض كما في يو 14: 16؛ 1يو 5: 16. هو يفترض عند الشيخ دعيًا لسلطة يتمتّع بها. هو لا يقاسم إخوته هذه السلطة، بل يفرضها. هنا نتذكّر أوغسطينس الذي كان يحسب نفسه مؤمنًا بين المؤمنين. ولكنه كأسقف كان يشدّد على سلطته ورعايته.
ويأتي الشق الثاني من هذه الآية: لا أكتب لكم... رج 1يو 2: 7. هناك جديد المضلّلين. وجديد يوحنا هو غير هذا الجديد. إنه التقليد اليوحناويّ الصحيح. من البدء "أب أرخيس". رج 1 يو 1: 1؛ 2: 13؛ 3: 11. أي بداية الرسالة والايمان في الجماعات اليوحناويّة. ويأتي الكلام عن المحبّة (يو 15: 12، 17) في وجهه الجماعيّ: محبّة الأخوة تعني أمانة للجماعة، وتعليم الشيوخ الذي انفصل عنه الهراطقة (1 يو 2) نلاحظ أن الكاتب ما توقّف عند الوصيّة الجديدة، بل عاد إلى البدء، إلى التقليد (1 يو: 7- 8).
في آ 5، قدّم الشيخ تحريضه الأول إلى الكنيسة ككلّ. أيتها السيّدة. هذا يعني أنه لا يتوقّف عند بعض الأشخاص، بل يوجّه كلامه إلى كل أعضاء الجماعة، ويدعوهم إلى العيش مثل أولئك الذين اتّصل بهم أو اتصلوا به. انطلق من سلطته كراع فقال ما قال. من سمع منكم سمع منّي، هذا كلام يسوع. فالراعي (أو المعلّم) هو الذي ينقل كلمة الله بسلطة أعطيت له في الجماعة. غير أن هذه السلطة تتكامل مع إلحاح ينبع من حبّ تجاه الذين أرسله الله إليهم.
في ضوء كل هذا، لا ندهش أن لا يكون للشيخ تعليم (أو وصيّة) جديد يعطيه للكنيسة. لا شكّ في أن يسوع تحدّث عن وصيّة "جديدة" (يو 13: 34)، واعتبرها الشيخ جديدة، لأنها تعبّر عن طريقة حياة دشّنها يسوع المسيح (1يو 2: 8). ولكن السنين مرّت واعتاد القرّاء على وصيّة معروفة جدًا في الكنيسة. ومع أن هذه الوصيّة تعود إلى البدء (أي بداية عالم جديد دشّنه يسوع، 1 يو 3: 11- 12)، فهي تبدو تكرارًا على المسيحيين أن يحبّوا بعضهم بعضًا. ذاك هو أساس الحياة المسيحيّة التي يُدعى كل واحد منّا لكي يتذكّره. وعلى المستوى العمليّ، تعني هذه الوصيّة الاهتمام بحاجات الأخوة، والاستعداد لنضحّي بنفوسنا من أجل الآخرين (1يو 3: 16- 18). وتتضمّن في الوقت عينه عاطفة حقيقيّة تجاه الأخوة. هي محبّة شاملة تضمّ العاطفة إلى العقل، والشعور إلى العمل اليومي، وإلاّ لا تكون محبّة الله ثابتة فينا.
ج- طريق الوصايا (آ 6)
بما أن لفظة "حبّ" تجمل أكثر من معنى، وبما أن المحبّة لها أكثر من وجهة، نبّه الشيخ إلى سمة خاصة رآها ضروريّة. المحبّة تعني العيش (السير، السلوك مع فعل باريباتيو) حسب وصايا الآب. فمن يحبّ شخصًا يهتمّ لكي يرضيه. ولكن الشيخ سيدعو المؤمنين إلى أن يُحبّوا بعضهم بعضًا. والكاتب يتحدّث مرّة عن الوصيّة (في صيغة المفرد 1يو 2: 7- 8؛ 3: 23؛ 4: 21؛ 2يو 4، 5، 6؛ رج يو 13: 34؛ 15: 12) وأخرى عن الوصايا (في صيغة الجمع، 1 يو 2: 3- 4؛ 3: 22، 24؛ 2يو 6؛ رج يو 14: 15، 21؛ 15: 10). الوصيّة هي أن نحبّ بعضنا بعضًا. والوصايا هي متطلّبات تتوزّع هذه الوصيّة الأساسيّة.
في روم 13: 8- 10، يؤكّد بولس أن مختلف الوصايا الاجتماعيّة في الجزء الثاني من الدكالوغ، أو الوصايا العشر، تتلخّص في المحبّة للقريب، بحيث إن المحبّة هي كمال الشريعة. أراد بولس أن يبيّن أن كل الوصايا تنبع من المحبّة ويُنظر إليها على أنه تعبير عن المحبّة. أما الشيخ فبيّن أن المحبّة تأخذ أكثر من وجه عمليّ يتوافق مع وصايا الله. تطلّع الشيخ إلى الذين لا يعون عدم التوافق حين يقولون إنهم يحبّون إخوتهم ثم يحرمونهم ممّا يمتلكون. شدّد الشيخ على أن المحبّة الأخويّة تعني الطاعة للوصايا التي هي تفصيل لوصيّة المحبّة، مثل هذه الوصايا تشمل الوجهات الاجتماعيّة في الوصايا العشر. كما تشمل وصايا إيجابيّة طلبها يسوع حسب المبدأ: إفعل للغير ما تريد من الغير أن يفعل لك (مت 7: 12).
قال يوحنا: السير في الحقّ (ا 14 أ) هو سير بحسب الوصيّة (آ 4 ب). وهذه الوصيّة هي وصيّة المحبّة الأخويّة (آ 5 ج). وها هو يقول الآن: تقوم (استين) هذه المحبّة بأن نسلك حسب الوصايا (آ 6 أ، في صيغة الجمع)، ليضيف حالاً: ليس هناك في الأصل سوى وصيّة واحدة (آ 6 ب ج) هي وصيّة المحبّة، أو "السير حسب وصاياه" (إن الضمير "اوتي" قد تعود إلى "اغابي" المحبّة أو إلى "انتولي" الوصيّة حرفيًا: تسلكون فيها، في المحبّة أو في الوصيّة).
هنا نجد فرضيتين، لا في 2يو فقط، بل في 1 و3 يو أيضًا. الاولى، لا حقيقة إلاّ التي أوصاها الله في يسوع المسيح، في البدء. وهي تشير إلى التعليم الكرستولوجي كما إلى المحبّة الأخويّة (أمران مهمّان في الجماعة التي يكتب إليها يوحنّا). الثانية، هاتان الحقيقتان يمثّلهما تقليد يكفله الشيخ بوجه "المضلّلين". في هذا المعنى نفهم عبارة "في البدء" كما نفهم فعل "سمع" (ايكوساتي) عن تعليم أعطي منذ بدء الحياة المسيحيّة في الجماعة اليوحناويّة.
3- ردّ على المضلّلين (آ 7- 11)
هنا تبدأ قطعة جديدة مع "لأن" (هوتي، أو الفاء) التي تعطي السبب لما سبق. ولكننا أبعد من شرح بسيط لما سبق، بل ذروة في التحريض الثاني الذي يقدّمه الشيخ. لهذا نعتبر "لأن" رباطًا مع كل آ 4- 6: فرحَ الشيخُ لأنه عرف أن كنيسة تعيش (تسلك، تسير) في الحقّ، فحثّها على إظهار المحبّة الأخويّة، لأن خطرًا يتهدّدها: كذبٌ فاسد يجعلها تفقد المحبّة الأخويّة. خاف الشيخ من أن الذين يقبلون التعليم الضال، لن يمارسوا المحبّة الأخوية، فيبتعدوا عن الجماعة.
في آ 4- 6، كان السير بحسب الحقّ مرادفًا لوصيّة المحبّة الأخويّة، وجاءت آ 7، فقالت إن السير حسب الحقّ يتضمّن الاعتراف بأن يسوع المسيح جاء في الجسد. فالمسيحيّ لا يمكنه أن يعترف بالايمان بمعزل عن الممارسة. إن أراد أن يبيّن صدق اعترافه بالمسيح الذي جاء في الجسد، فعليه أن يمارس المحبّة الأخوية، والعكس صحيح أيضًا. هذا ما تقوله آ 8- 11: فالاعتراف بيسوع جزء من السير بحسب الحقّ. بما أن يسوع تجاوب مع حبّ الآب للبشر فصار انسانًا، فجواب الانسان على حبّ الله لا يكون صادقًا إلاّ إذا تجسّد هذا الحبّ في العمل (محبّة القريب) ولم يتوقّف عند الكلام والخطب الرنّانة. فاعتراف الايمان لا يكفي، كما قال يسوع: "ليس من يقول لي: يا ربّ، يا رب، يدخل ملكوت السماوات، بل من يعمل مشيئة أبي الذي في السماوات" (مت 7: 21).
أ- المضلّل والمسيح الدجّال (آ 7)
مع آ 7، تتبدّل اللهجة في الرسالة: يندّد الكاتب بالذين "خرجوا في العالم" كمن ذهب يبحث عن طريدة لفظتان جليانيتان. المضلّل والانتيكرست أو المسيح الدجّال. هذا يعني أننا أمام تنبيه ملحّ: فرفض الاعتراف بالمسيح الذي جاء في الجسد، يدلّ على انحراف عن التعليم اليوحناويّ،. إن الوضع الحاليّ للجماعة يتقابل مع "الآن" الاسكاتولوجيّ: يهدّدها الانتيكرست، أي المسيح الدجّال.
المضلّلون (بلانوي، رج 1يو 4: 6). هم كثر (بولوي، رج 1 يو 4: 1؛ مت 24: 5 وز). هم يرفضون الاعتراف بمجيء يسوع في الجسد. هم لا يرفضون مجيء يسوع إلى العالم، بل يرفضون بشريّته بما فيها من ضعف قادها إلى الألم والموت على الصليب (1يو 5: 6- 8). فالهرطقة التي تحاربها 2 يو هي تلك التي تحاربها 1 يو. فاستعمل الكاتب ذات العبارات اللاهوتيّة ليردّ على المضلّلين. لهذا نقول نحن أمام كاتب واحد. يتوجّه إلى جماعات يتهدّدها خطر واحد.
حدّثنا يسوع عن أنبياء كذبة يحاولون أن يظلّوا شعب الله (مر 13: 5- 6، 20). وها هي نبوءته تحقّقت. خرجوا إلى العالم مثل مرسلين لهم نظرتهم الخاصّة إلى المسيحيّة، أو قد يكونون خرجوا من الكنيسة ليكوّنوا مجموعة خاصّة بهم (1يو 2: 19). وهناك من قال: خرجوا من الانتيكرست. العالم (كوسموس) هو الموضع الذي يعيش فيه المسيحيون، لا ذاك الذي رفض الله وبالتالي رفض الكنيسة (1 يو 2: 15).
هؤلاء المضلّلون جاؤوا ربّما من خارج الكنيسة، فكان من الصعب على المؤمنين أن يعرفوا إن كانوا يشاركونهم في فهمهم لإيمانهم، مع أن الموجّهين كانوا يدلّون على المجموعات التي تلتقي مع نظرتهم. هنا يقدّم الشيخ مقياسًا به تختبر الكنيسةُ التي يكتب إليها ارثوذكسيّة مثل هؤلاء الوعّاظ، ويحذّر من زيارة أشخاص لا يؤمنون إيمان التقليد الرسوليّ.
صوّر قبول الحقيقة المسيحيّة على أنها اعتراف (1يو 2: 23؛ 4: 2، 3، 15)، وهي لفظة بها يعلن المؤمن تعلّقه بيسوع في وقت الاضطهاد. أما هنا فارتبطت اللفظة مع تعلّق بتعبير عن الايمان المسيحيّ، بحيث إن مضمون الاعتراف المسيحيّ يُختبر بالنظر إلى التعليم القديم. في هذه الحال، قدّم الشيخ تعليمًا قويمًا: "أؤمن بأن يسوع المسيح جاء (الآن) في الجسد" (في لحم ودم، في شكل بشريّ). نلاحظ صيغة الحاضر. أما في 1يو 4: 2 فصيغة الماضي: "سبق وجاء في الجسد". هو اعتراف بواقع تاريخيّ، واقع التجسّد في ذلك الزمن. هذا يعني أن يسوع جاء في الماضي في الجسد، وما زال اليوم حاضرًا (وإن بجسد ممجّد). نعرف أن بعض المفكّرين الغنوصيين تحدّثوا عن قدرة (المسيح) السماويّة التي حلّت على يسوع في عماده، بشكل الروح. وأن هذه القدرة تركته قبل الصلب، بحيث لم يعد هناك من وحدة بين المسيح الالهي ويسوع البشريّ. وبالتالي، لم يعد التجسّد أمرًا دائمًا، بل امتدّ في فترة قصيرة وزال. حينئذ جاء تعبير الشيخ من الايمان الارثوذكسي بيسوع المسيح، فاستبعد مثل هذا التفسير لشخص يسوع. لاشكّ، في نظره، بحقيقة التجسّد: الكلمة صار بشرًا وما زال بشرًا (لم يتخلَّ عن بشريّته في مجده. تضاف معنًا وظلّ متضامنًا). رج 1يو 2: 18- 27؛ 4: 1- 6؛ 5: 5- 8.
تيقّن الشيخ من خطر هذا الموقف، بحيث اعتبر أن كل من أخذ به هو خادع ومضلّل، هو انتيكرست. والانتيكرست هو المضلّل المضلّل. هو المضلّل "الأكبر" لأن أفكاره تدمّر المعتقد المسيحيّ من جذوره. فالانتيكرست يجعل نفسه معارضًا للمسيح ومقاومًا. رج 1يو 2: 18، 22؛ 4: 3. نحن هنا أمام إشارة إلى من يقاوم مقاومة جذريّة التعليم الصحيح حول يسوع المسيح، وإن قال إنه مسيحيّ وإنه يمتلك الحقيقة حول يسوع. لهذا قال الشيخ: كل من ينكر الحقيقة هو انتيكرست وبالتالي يرتبط بالشرّير.
لا يهاجم الكاتب أولئك الذين ابتعدوا عنه في نقاط لاهوتيّة بسيطة، بل أولئك الذين يهمشِّون قلب المعتقد المسيحيّ. وبما أن "قلعة الايمان" مهدّدة، يجب على الكاتب أن يقول ذلك بصراحة ويهدّد ويحذّر.
ب- كونوا على حذر (آ 8)
بعد آ 7، نقرأ في آ 8 مع "كونوا على حذر" (بلاباين، نظر، حذر). على مستوى الأعمال (آ 8، 11) وعلى مستوى التعليم (آ 9) الذين ينتميان إلى موضوعي الدينونة الخلاص، دون أن ننسى الثواب الذي يرتبط بالأعمال (رج مت 5: 12؛ 10: 41- 42). نلاحظ أن فعل "حذر" (مر 13: 5 وز؛ رؤ 3: 18) لا يرد إلاّ هنا في النصوص اليوحناويّة الأصيلة. "لئلاّ تخسروا ما عملتم". هذا حرفيًا. فالكتاب يقابل تصرّف قرّائه في الماضي، وإيمانهم وثباتهم وحبّهم مع تصرّف يقدّمه إليهم المضلّلون فيجعلهم يخسرون الخبراء المرتبط بإيمانهم. هناك صيغة الاحتمال مع "أموليمي" (خسر، أضاع) تجاه الفعل "بولمبانو" (نال أجرًا، ثوابًا). ولفظة "مستوى" (ثواب، جزاء) تعني ما تعني في 4: 36 (ولا ترد إلا هنا في الكتابات اليوحناويّة). إن مواعيد الحياة والخلاص ترتبط بالتزام يوحناوي، بالايمان والثبات والمحبّة. هذا الانتظار الواثق يعارض البحث القلق عن عالم سام ينادي به الغنوصيّون.
نبّه الشيخ إلى الخطر، وها هو يحذّر الجماعة من السقوط فيه. ولكن إن أخذ القرّاء بالتعليم الكاذب رغم التنبيه، خسروا ما عملوا، وخسر الثواب الذي انتظروه. لهذا، يعبّر الكاتب عن خوفه أن يكون فشلَ في عمله الرسالي والرعائيّ، من أن تبتعد هذه الجماعة عن الحقيقة التي سُلِّمت إليها. فالحياة المسيحيّة تقود إلى الجزاء الحسن، ومن لم يحافظ على الحقّ (وبالتالي على السلوك المستقيم)، خسر ما وعد به الله شعبه. يقول يوحنا هنا إن قسمًا من الثواب سوف يُخسر. وفي الآية التالية يعلن أن من لا يتمسّك بالحقيقة، يُقطع من العلاقة مع الله. أجل، إن الذين أخذوا بالتعليم المضلّ لم يعودوا منا (1 يو 2: 19). إذن، تحذر التلاعب مع الهرطقة.
ج- تعليم المسيح (آ 9)
يعود "التعليم" (ديداخي) ثلاث مرات في شكلين مختلفي: "نثبت (نقيم) في التعليم" "نحمل التعليم". هل نحن أمام التعليم الذي أعطاه المسيح، أو التعليم حول المسيح؟ في المنظور اليوحناويّ، لا تعليم سوى ذاك الذي يعطيه المسيح، فيذكّرنا به الروح القدس ويعمّقه فينا. غير أن تعليم المسيح هو المسيح (يو 16: 14: الروح يأخذ ممّا لي ويعطيكم). أما رسائل يوحنا تشدّد دومًا، كما في هذه الآية، على التوافق مع التعليم الذي نجده في الانجيل، منذ البدء، نجده في المسيح. أما "تطاولَ" (ذهب أكثر ممّا يجب، بروأغون) فتقابل "خرج في العالم"، تبع تعليم المضلّلين، وتعارض "أقام في التعليم".
إن فعل "بروأغو" لا نجده إلاّ هنا في التقليد اليوحناويّ. أما العهد الجديد فيستعمله في صيغة المعتدي (يسوع يسبق تلاميذه) أو اللازم (سار أمام، سار في رأس الفرقة) تردّد النسّاخ وأحلّوا محلّ هذا الفعل "بروبانيو" أي تجاوز. أما حرف العطف (كاي، وما ثبت) فهو تفسير: من تطاول صار خائنًا لتعليم المسيح. هنا يُذكر الآب والابن معًا كما في 1يو 2: 23. أما كلمة "يداخي" (تعليم) فلا نجدها إلاّ هنا في الرسائل. وفي يو 7: 16- 17، 18- 19: أي ما تعلّمتموه. ما علمتكم إياه المسحة (1 يو 2: 27) ما هو حقّ. يدلّ السياق على أن هذا التعليم كان ثابتًا أقلّه بشكل جزئيّ في عبارات محدّدة نأخذ بها أو نرفضها. مثلاً، المسيح الذي جاء في الجسد. أو: جاء بماء ودم (1 يو 5: 6). أما تعليمنا عن المسيح فما علّمنا هو عن نفسه، وذلك عبر الشيخ وسلطة التقليد في الكنيسة. وحين نتحدّث عن التعليم، إنما نتحدّث عن التعليم الصحيح، التعليم الحقّ. فمن لا يثبت في هذا التعليم، يعتبر معلّمًا كاذبًا جاء من الخارج أو عضوًا من الكنيسة، تخلّى عن العقيدة الاولى ومضى بعيدًا عن الجماعة. يعتبرون هؤلاء الكذبة أنهم وصلوا إلى حيث لا يصل الآخرون. وجاء جواب يوحنا: تجاوزوا حدود المعتقد المسيحيّ الصحيح.
إن الذين يرفضون الحقيقة في شأن المسيح، لا يكون الله لهم. لا شكّ في أنهم يعلنون أنهم "يمتلكون" الله، لكن الشيخ يقول: من لم يفهم فهمًا صحيحًا من هو يسوع المسيح، لا يستطيع أن تكون له علاقة حقّة مع الله. حين نقول "امتلك الله" (كان له الله)، فدلّ على علاقة روحيّة مع الله. والذين يُنكرون مجيء يسوع المسيح، ابن الله، في الجسد، يمتلكون فهمًا خاطئًا عن الله والطريق إلى الله، لأن الابن هو الطريق الوحيد إلى الآب (يو 14: 6؛ 1يو 2: 22- 23). فمن المستحيل أن نفصل الآب عن الابن في الخبرة المسيحيّة. ولا يمكن أن تكون لنا شركة مع الواحد دون أن تكون لنا شركة مع الآخر. إن كان الأمر هكذا، نفهم أن الذين يتقبّلون التعليم (هكذا يقرأ السينائي والاسكندراني والفاتيكاني. نجد أن مخطوطات تقرأ: تعليم المسيح أو تعليمه)، لهم شركة روحيّة مع الآب والابن معًا. لقد تسلّم الشيخ الحقّ الذي نجده في التعليم. وهذا الحقّ هو في النهاية الله نفسه. وهكذا يجد التحذير ذروته في وعد بالبركة الروحيّة للذين يراعونه.
د- إذا جاءكم (آ 10- 11)
تعود بنا آ 10 إلى وضع ملموس في الجماعة، نجد فيه حاملي التعليم الكاذب. فمن استقبل مثل هؤلاء "الضيوف" شاركهم (كوينونيو) في أعمالهم الشرّيرة (آ 11). وهذا ما يتعارض مع الكاتب (الذين يتبعون تعليمه (1يو 1: 3). فحين يشارك بعضنا بعضًا (1 يو 1: 6، 7) نرذل الظلمة ولا نترك روح الضلال يُفسدنا. إن موقف العداء هذا تجاه الأنبياء الكذبة نفهمه في سياق قلت بالنظر إلى مجيء الانتيكرست. وهكذا بدت جماعة يوحنا منغلقة على ذاتها، غير منفتحة على جميع البشر، بمن فيهم أعداؤنا: "أحبّوا أعداءكم. فإن أحببتم من يحبّكم فأي أجر لكم. وإن سلّمتم على أخوتكم فقط، فما هو فضلكم؟ أما يفعل الوثنيّون هكذا (مت 5: 43، 46- 47)؟
نقرأ في آ 10 فعل "ارخوماي" (جاء). هذا يفترض أن الجماعات المسيحيّة الأولى (ولا سيّما اليوحناويّة منها) انفتحت على الخارج، فتلقّت زياراته أو رفضتها. كما يفترض أن الهراطقة تحرّكوا فدخلوا إلى الجماعات كمرسلين متنقّلين. ويفترض أخيرًا أن هؤلاء المعلّمين كانوا ينضمون لامتحان مؤسّس على عبارات معروفة. من هو المسؤول عن هذا "الامتحان"؟ الجماعة كلها (لا بعض المسؤولين فقط كما في 3 يو). "عندكم"، حرفيًا: في البيت (اويكيا). قد يكون بيت كل واحد من المؤمنين. وقد يكون البيت الذي فيه تجتمع الجماعة. "بغير هذا التعليم" (حرفيًا: لا يحمل هذا التعليم). تعود العبارة إلى آ 7، 9 مع إشارة إلى المسيح الذي جاء في الجسد.
إن الشكل السلبي للفعل (لا يحمل) يفهمنا أن هذا الانسان لا يعترف بالمسيح الذي جاء في الجسد (صار بشرًا، آ 7). أو هو يعترف بالمسيح ليس المسيح الذي تؤمن به الجماعة. إن عبارة "حمل التعليم" تعني قدّمه أو نقله إلى جماعات مكوّنة. لا تقولوا له: السلام عليك. أي لا نحيّيه. ونرفض له السلام الذي يرتبط بالجماعة. في 3: 10، نلاحظ أن جماعة غايوس ترفض استقبال مرسلي الشيخ.
إن الذين يقبلون التعليم لا يشجّعون المعلّمين الكذبة بطريق من الطرق. فالمرسلون يرتبطون في ضيافتهم بسخاء أعضاء الكنيسة. وهذه الضيافة لا تتقدَّم إلى المنادين بتعليم كاذب. إذن، لا يُسمح لهم بأن يخدموا في الكنيسة. إذن، لا نحيّيهم، لا نسلّم عليهم. فحتّى سلامنا يمكن أن يكون علامة تشجيع لهم.
مثل هذا الإجراء يخفّف ما تأثير المعلّمين الكذبة. من الواضح أن الشيخ يهتمّ بالخط على أعضاء الجماعة إن هم تعاملوا معهم. فاستقبالهم علامة تضاف معهم. فإن رفضنا نظرتهم، ستكون الضيافة مشاركة في أعمالهم. والذين يساعدونهم بهذا الشكل يقعون تحت الحكم الذي يقع تحته المعلّمون الكذبة أنفسهم. فعلى الجماعة أن تحفظ نفسها من التلوّث بالضلال.
أجل، تحرَّم كل مشاركة مع هؤلاء المضلّلين. والحرب التعليميّة ليست تبادلاً على مستوى العقل وحسب، بل هي تنطلق في علاقات شخصيّة. إن فعل "كوينونيو" يعني شارك في نشاط المضلّلين. أما الضلال المذكور هنا فيعني أيضًا الأعمال (إرغوس) السيّئة (بونيروس).
4- سلامات (آ 12- 13)
إن خاتمة 2 يو (آ 12- 13) تشبه خاتمة 3 يو (آ 13- 14)، كما تشبه نهاية الإنجيل (يو 20: 30؛ 21: 25). أعلن الرسول أنه يزور الجماعة "ليكون فرحنا كاملاً" (1 يو 1: 4). وتمنّى أن يلتقي بهذه الكنيسة التي ظلّت أمينة للتعليم الذي تسلّمته. هل توصّل الكاتب إلى اقناع أبناء "السيّدة المختارة" بأن لا يتبعوا الانتيكرست وتعليمه؟ إن آ 13 تشرّد على أن الجماعات اليوحناويّة ترتبط بالرباطات الأخويّة. تلك هي نتيجة تعليم بحسب الحقّ.
رغم تنبيه الشيخ لكنيسته، فهو واثق كل الثقة بأمانتها للحقّ، ومتعلّق بها تعلّق المحبّة الحارة. ومع أنه يودّ أن يقول لهم الكثير في رسالته، إلاّ أنه يتطلّع إلى مناسبة لقاء شخصيّ وحديث خاص مع أعضاء الكنيسة. مثل هذا اللقاء يمنحه الفرح كما يمنحه لقرّائه.
ما نقرأه هنا في آ 12 نقرأه في 3 يو آ 13- 14. فالرسالة التي أرسلها الشيخ تحلّ محلّ حضوره. ولكن حين تسنح الظروف ويتمّ اللقاء، ففرحُ الشيخ بالكنيسة، وفرح الكنيسة به سيكون كاملاً.
إن المقابلة بين نهاية 2 يو ونهاية 3 يو، تدلّ على أننا أمام كاتب واحد كتب إلى جماعتين متميّزتين. "عندي كثير". هذا يعني أنه لا يستطيع أن يقول هذا الكثير في رسالة، لأن الورق والمداد لا يسمحان له، أو لأن الأمور هي من الدقة بحيث لا يستطيع أن يعبّر عنها بالكتابة. "لا أريد" (بولوماي). اتخذ يوحنا قرارة فما أطال الكتابة، بل استعدّ لوسيلة أخرى بها يوصل فكره (اللقاء بينه وبين جماعته). إن اللفظة "خارتيي، تدل على الورق البرديّ أو على يُستعمل للكتابة. وفعل "أرجو" (إليزو) قد يعني الثقة التامة أو الأمل الذي لا يشك يشعر به. هذا لا يعني تردّدًا على مستوى الرسول، بل لأن زيارة الكنائس لم تكن تمرّ بدون مشاكل (رج 3 يو 13). وجهًا لوجه. حرفيًَا: فمًا لفم (ستوما). رج 3 يو 14 مع فكرة الحوار الحميم، لأن القراءة العامّة في الجماعة تصطدم بصعوبات. والفرح الذي تتحدّث عنه الرسالة هو فرح اللقاء وفرح التشجيع المتبادل. رج 1 يو 1: 1- 3.
في آ 13، الأبناء هم أعضاء الجماعة جميعًا، وقد ارتبطوا بالشيخ. جماعة الشيخ مختارة (بل هي المختارة بسبب مركز الصدارة الذي تتمتّع به. والجماعة التي يكتب إليها هي مختارة (إكلاكتيس). هذا يعني أن كل جماعة منشقّة أو ضالة ليست مختارة. والكنيسة المحلّية هي أخت كنيسة يوحنا مثلاً. إذا كان الايمان الواحد يجعل من المؤمن أخًا للمؤمن، فالكنيسة تكون أخت كنيسة أخرى. وإلاّ تكون غريبة فتعامل كما يعامل الأخُ أخاه الذي يرفض التنبيه: كالعشّار والوثنيّ.
الفصل الثامن عشر 
رسالة يوحنا الثالثة
تبدو 3 يو شبيهة بما في 2 يو: بعد العنوان والتمنيّات لغايس (آ 1- 4)، نقرأ توصيات في شأن الاخوة الذين يزورون الكنائس (آ 5- 8). ويتشكّى الكاتب من ديوتريفس الذي يقف في جماعة غايس فيعارض الكاتب والاخوة المتجوّلين (آ 9- 10) كما يمتدح ديمتريوس (آ 12). وينهي كل هذا بالسلامات (آ 13- 15).
إن 3 يو، شأنها شأن 2 يو، تشبه 1 يو. هذا ما يدفعنا إلى القول أن كاتب رسائل يوحنا الثلاث هو هو. غير أن وضع الجماعة التي يكتب إليها هنا، فمرسومة رسمة دقيقة بسبب ما نقرأ في آ 9- 11 وما فيها من صراع ملموس. وهكذا نرى في 3 يو مسيحيّة متحرّكة، وفي الوقت نفسه منقسمة على نفسها. فعبر التنافس بين الاشخاص فتميّز تعارضًا على مستوى الحقّ، أي تعليم يوحنا وجماعته.
تبدو 3 يو أكثر ما في العهد الجديد، ولكنها تعطينا المعلومات الكثيرة عن حياة الجماعات اليوحناويّة، ومن الصعوبات التي واجهها أول المنادين بالانجيل. هي تشبه إلى حدّ بعيد 2 يو. فهناك العنوان (2 يو 1- 3 = 3 يو 1- 4). وجسم الرسالة (2 يو 4: 11 مع تقسيمات ثلاثة: آ 4- 6؛ آ 7؛ آ 8- 11 = 3 يو 5- 12 مع تقسيمات ثلاثة: آ 5- 8؛ آ 9- 10؛ آ 11- 12). والسلامات في النهاية (2 يو 12- 13 = 3 يو 13- 15).
نجد في هذه الرسالة ثلاثة أشخاص: غايس. دلّ على أنه يمشي في الحقّ (آ 3- 5) فشجّعة الكاتب على متابعة السير (آ 11). ديوتريفس. موقفه موقف التكبّر. كلامه كلام السوء. واستقباله رفْض للاخوة (آ 9- 10). ديمتريوس. شهد له الجميع، شهد له الحقّ، شهد له الشيخ (آ 12). هو نموذج يجب أن نقتدي به، وهكذا ينقسم جسم الرسالة ثلاثة أقسام: تصرّف غايس الايجابي (آ 5- 8). تصرّف ديوتريفس السلبيّ (آ 9- 10). اتباع الخير لا الشرّ (آ 11- 12).
1- عنوان الرسالة (آ 1- 4)
كاتب واحد دوّن 2 يو و3 يو: هو الشيخ (برسبيتاروس). تتوجّه 3 يو إلى غايس الذي هو عضو في الجماعة اليوحناويّة. يمتدحه يوحنا لما فعل، ويشجّعه على متابعة ما بدأ به. ويدعوه إلى تمييز تصرّف ديوتريفس وما فيه من سلبيّة. في هذا "العنوان" نقرأ مضمون الرسالة: "أحبّهم في الحقّ". رج 2 يو 1. ونقرأ في آ 2 على دفعتين "إوودوماي": تكون في صحّة جيّدة، تسير بك الأمور على ما يرام، تنجح.
أ- من الشيخ إلى غايس (آ 1- 2)
يُذكر الشيخ رج 2 يو 1. هو المسؤول في الكنيسة، أو المسؤول عن أكثر من جماعة. غايس هو اسم متداول جدًا. لا نستطيع أن نقول إنه ذاك المذكور في 1كور 1: 14؛ أع 19: 29- 30. إن الصفة المتفرّعة من الفصل (أغابيتوس، الحبيب، المحبوب) تطبّق على في كل الرسالة (آ 1، 2، 5، 11). ونحن لا نجدها في 2 يو. أما في 1 يو فتدلّ على قرّاء الرسالة، وتستعمل في صيغة الجمع في آ 4، تطبّق "تكفرن" (في صيغة الجمع) على غايس وعلى أعضاء الجماعة (هم أبناء). هذا يعني أن يوحنا ولد غايس في المسيح (كما ولد غيره) بعد أن حمل إليه التعليم نشير إلى أن 1 يو 2: 1، 12... يستعمل التصغير "تكنيون"، يا أبنائي الصغار. في أي حال، يعرف الشيخُ غايس معرفة عميقة.
"في الحقّ". لسنا فقط أمام المعنى الظرفيّ (أحبّه حق، بصدق). أن محبّة الرسول مؤسّسة على الحقّ الذي هو في النهاية الله. وهو في توافق تام مع غايس حول الحقّ الذي يُعلن في الكنيسة. ترد لفظة حقّ خمس مرات في هذه الرسالة. محبّة يوحنا هي غير محبّة المضلّلين. هي محبّة مسؤول لممثِّله في كنيسة ما. في 1 يو، كان حديث عن محبّة الاخوة. وفي الانجيل عن محبّة الله أولاً.
من كان غايس هذا؟ هو كان من المسؤولين أم شخصًا في الكنيسة (نقول اليوم من العوام، من الجماعة)؟ اسمه يكفي بالنسبة إلى الكاتب. وهذا ما يدلّ على علاقة حميمة بين الاثنين. أما الكاتب فهو الشيخ الذي يفرض سلطته واحترامه. هذا يعني أننا لسنا أمام رسالة خاصّة، بل أمام "بلاغ" يصل إلى الجماعة. أما المحبّة التي يدلّ عليها الرسول، فتحاول أن تقتدي بمحبّة أظهرها الله نفسه.
نلاحظ أن الرسالة لا تتضمّن التحيّة كما اعتدنا أن نرى في الرسائل (2 يو 3). قد يقابلها عبارة "أحية في الحقّ"، أو التمنيات اللاحقة (أرجو...). لا شكّ في أن هناك سلامات في النهاية (آ 15)، ولكنها لا تحلّ محلّ التحية.
مهما يكن سبب إهمال التحيّة يعبّر الشيخ عن تمنيّاته لصديقه (آ2). هذا العنصر يتخّذ في الرسائل المسيحيّة شكل صلاة أو شكر لله (وقد يكون طويلاً). فعل "اوخوماي" يعني صلّى، ثم تمنّى، رجا. من أجل صحّة الجسد وصحّة الروح. قد يكون التمنّي عاديًا وقد يعني أن غايس لا يتمتّع بصحّة جيّدة (آ 9). نقرأ "هيغياينو"، يكون صحيحًا رج لو 5: 31؛ 7: 10؛ 15: 27. ما يتمّناه يوحنا لصديقه هو ملء السعادة والصحّة والراحة والنجاح. "باري بنتون"، في كل شيء. وفعل "إوودووماي" يعني: قام بسفر موفّق (ردم 1: 10). أما هنا فالمعنى مجازيّ (رج 1 كور 16: 2) . فكما تقدّم غايس على مستوى صحّة الجسد، ليتقدّم على مستوى صحّة الروح.
الروح (بسيخي، النفس). لسنا هنا فقط على مستوى تقدّم روحيّ، بل على مستوى العلاقة بالتعليم اليوحناويّ كما تقول آ 3. وإن تحدّث الشيخ عن صحّة الجسد عند غايس، فهو متأكد أن صحّة التعليم هي بأحسن حال (آ 3).
ب- أنت متمسّك بالحق (آ 3- 4)
كما في 2 يو 4، فرحَ الكاتبُ بالأخبار الطيّبة التي وصلت إليه من بعض الاخوة (هنا، من غايس). "سرّني" فعل "خايرو" في صيغة الاحتمال. يدلّ على الوقت المحدّد الذي فيه وصل (إرخومانون) أناس إلى جماعة الشيخ وطمأنوه في ما يخصّ غايس. أترى جاء المرسلون وقدمّوا "تقريرًا" عن نشاط كنيستهم، كما كان الأمر بالنسبة إلى ابفراس الذين حمل إلى بولس أخبارًا عن كنيسة كولسي؟ ربما. ولكن لا تتسى أن ما يهمّ يوحنا بشكل خاص هو التعليم، هو التمسّك بالحقّ. والحقّ هو التعليم اليوحناويّ الذي يدافع عنه الشيخ (كاتوس سي، كما أنتَ). بدا غايس أمينًا ومتوافقًا مع الحقّ. هذا يعني أن الآخرين لا يسلكون مثله.
قدّم الشيخ السبب الذي جعله يثق يتقدّم غايس الروحيّ. وصلت إليه شهادة تدلّ على رفعة هذه "الحياة". الاخوة هم أعضاء في الكنيسة. وربما مرسلون ينتقلون من كنيسة إلى كنيسة، نعموا بضيافة غايس، وها هم ينعمون الآن بضيافة الشيخ. يدلّ الفعل المستعمل (اسم الفاعل يدل على التكرار (ارخومانون) على أن الزيارات كانت عديدة إلى الشيخ في إطار أكثر من مجموعة جاءت إليه. أدّوا شهادة حول "حقّ" غايس، حول تعلّقه بالحقّ. هناك إشارة إلى التعليم. أما النقطة الأساسيّة، فضيافة غالي المحبّة تجاه الاخوة هي التي دلّت على أنه ما زال يسلك (يعيش حسب) في الحقّ. مثل هذه الشهاد حملها الاخوة (نجد كاتوس، حسب، التي تدلّ على بداية خطبة مباشرة، كما قال الاخوة) فاقتنع بها الشيخ.
تحدّث الكاتب عن الفرح الذي شعر به (آ 4) بعبارة عامة: لا شيء يفرحه قدر فرحه حين يسمع (أكوو) أن (هينا) أبناءه يسلكون في الحقّ. هذا يعني أن هذه الأمانة مهدّدة، بل يخونها عددٌ كبير. في 2 يو 1، 4، 13 قرأنا الاسم "تكنا" (الابناء) أي أعضاء الجماعات اليوحناويّة. نجد هنا "تا إما" مع أل التعريف (أبنائي)، فتدلّ على مسيحيين علّمهم يوحنا تعليم الايمان. إذن، هي علاقة خاصة بينه وبينهم. علّمهم. وقد يكون عمّدهم فارتبطوا به كما الأبناء بأبيهم.
إن الأخبار التي وصلت إلى الشيخ ملأت قلبه فرحًا. فلا فرح عنده يضاهي معرفته حياة أبنائه حسب الحقّ، والابناء هم في نظر بولس (1كور 4: 14؛ غل 4: 19؛ فل 2: 22) هم المهتدون الجدد، ويسعى الشيخ إلى أن يجعلهم يعرفون الحقّ ويعيشون فيه.
2- مديح غايس (آ 5- 8)
بعد أن تحدّث الكاتب بشكل عام عن طريقة حياة غايس التي تصلح لأن تكون مثالاً، عاد إلى وجهة خاصة تبدو رئيسيّة في موضوع الرسالة. رأينا في 2 يو كيف أن الخدمة الانجيلية والتعليم في الكنيسة ارتبطا بعمل المرسَلين الذين ينتقلون من كنيسة إلى كنيسة فيخضعون لواجبات الضيافة وما يتلقّون من هبات من قبل أعطاء الكنيسة التي يزورونها.
أ- أنت أمين في ما تعمله (آ 5- 6)
اهتم غايس اهتمامًا خاصًا بإضافة هؤلاء المرسلين أكثر من مرّة. ذاك هو الخبر الطيّب الذي حمله الإخوة إلى الشيخ (آ 3). صوّر الشيخ عمل غايس بالأمين (بستوس، يدلّ على الايمان). أمين للتعليم. أمين للشيخ ولأصدقائه تجاه موقف ديوتريفس (آ 9- 10) الذي رفض استقبال المرسلين كما رفض مستقبليهم. ففي العالم القديم، لم تكن فنادق. لهذا، كان الناس يقيمون عند أصدقائهم. أمّا ما يميّز غايس، فهو أن ضيافته لم تنحصر في الأقارب والاصدقاء، بل امتدّت إلى أشخاص لا يعرفهم. وإن استقبلهم فلأنهم يسلكون في الحقّ مثله (2 يو 1).
تأثّر الاخوة بكرم غايس وسخائه، فذكروه في اجتماع الكنيسة الذي حضره الشيخ. مثلُ هذا العمل ينبع من حبّ مسيحيّ للحقّ، في إطار هذا، أحسّ الشيخ أنه يستطيع واثقًا أن يطلب من غايس أن يواصل مساعدة الاخوة في زيارتهم. أنت تفعل (يويايو) حسنًا (كالوس). فتابعْ ما بدأت به. كان يقدّم لهؤلاء المرسلين المتجوّلين الطعام والمال الضروري، كما يغسل ملابسهم ويؤمن لهم سفرًا مريحًا (بروبمبو، رافق، رج أع 20: 38؛ 21: 5؛ روم 15: 24. أو جعل شخصًا في الطريق لئلاّ يضلّ، أع 15: 3؛ 1 كور 16: 6، 11؛ 2 كور 1: 16؛ تي 3: 13). ولكن هناك أكثر من طريق لتقديم المساعدة. فأراد الشيخ أن يرضي عملُنا الله (كو 1: 10؛ 1 تس 2: 12) ويكون لائقًا بمن يعطي الاخوة بسخاء من ماله وهبه الله له. احتاج المرسلون المسيحيّون أن يحذروا تجربة تكريس المال بسبب عملهم، والمؤمنون بأن يحذروا المشعوذين وطُلب من الكنائس أن لا تعامل المرسلين كالمتسوّلين والشحاّذين لئلاّ يُساء إلى اسم الله الذي انتظروا منه كل عون.
بدت آ 5- 8 مهمّة من الوجهة التاريخيّة، لأنها تعطينا فكرة عن العلاقات بين الكنائس في نهاية القرن الأول المسيحيّ. مضى الاخوة الوعّاظ المتجوّلين لكي ينادوا بالاسم (اسم المسيح)، فما وجدوا الضيافة عند المسؤول عن الجماعة، ديوفريفس، بل عند شخص كانوا يُحسبون بالنسبة إليها "غرباء". فشهد هؤلاء الاخوة للضيافة التي تلقّوها. فكتب الشيخ طالبًا من الجميع أن يقتدوا بغايس وبما فعله.
"أمين" حرفيا تعمل الأمانة. لا ننسى واقع الايمان. ونضيف: بأمانة من وجهة الشيخ. جاء الفعل "عمل" (بوياين) في صيغة الحاضر. أراد الكاتب أن يدلّ على أن قيمة ما عمل غايس هي حاضرة دائمة، وإن كان العمل في الماضي، ما حصل لك (هو ايان) وفعلت (إرغازاتاي، صيغة الاحتمال). الاخوة (رج آ 3، 10) في 1 يو هم أعضاء الجماعة الذين يجب أن نحبّهم (1 يو 2: 9- 11). هنا ليسوا من جماعة غايس، ولا من جماعة الشيخ. فمن أين جاؤوا؟ هل هم غرباء (كسانوس، لا ترد هذه اللفظة إلاّ هنا في الأدب اليوحناوي) عن جماعة غايس (يستقبلهم مع أنهم لا يعرفهم). أو عن مجمل الجماعات اليوحناويّة (في هذه الحال، لا يسمّيهم الكاتب "إخوة")، أو من المنطقة التي تعيش فيها جماعة غايس (لهذا طُلب منه أن يستقبلهم)؟ إذا كان هؤلاء الإخوة جاؤوا من جماعات أخرى لا يوحناويّة، فقد يكونون جاؤوا من أجل هدف محدّد (لا على مستوى الصداقة، ولا على مستوى الرسالة)، هو هدف تعليميّ، ومن أجل خدمة الحقّ كما يفهمه الشيخ وكما يرفضه المضلّلون. الهدف: إدخال الجماعات اليوحناويّة في طريق قويم بحسب الشيخ.
إن فعل "شهد" (مرتيراين) يعني هنا كما آ 3: فالإخوة المتجوّلون شهدوا لأمانة غايس للتعليم، كما شهدوا لحبّه للاخوة الغرباء، وهو حبّ ملموس شعر به الناس فتكلّموا عنه. هنا نكتشف في تصرّف غايس الرباطَ الوثيق الذي تعرفه المدرسةُ اليوحناويّة. بين أمانة للحقّ وأمانة لوصيّة المحبّة الأخويّة. هذه الشهادة المضاعفة لم تسلّم إلى نخبة معيّنة، بل إلى الكنيسة كلها (إكليسا، رج آ 9)، إلى الجماعة المحليّة. هذا يعني أن سلطة الشيخ ليست سلطة منعزلة. إنه يمارسها مع آخرين (رج 2 يو 13: 1 يو 1: 1- 4). في آ 5 قرأنا "بستون" الأمانة). هنا نقرأ "كالوس" (حسنًا). تصنع حسنًا، مع الفعل عينه (رج مت 12: 12؛ مر 7: 37؛ أع 10: 33) عملُك الحلو يظهر في تصرّفك الأمين لوصيّة تسلّمناها. إن فعل المضارع هنا يبدو وكأنه في صيغة التمني: أتمنّى عليك بأن تفعل.
لا يرد فعل "بروبمباين" (أرسل أمام) إلاّ هنا في الأدب اليوحناويّ. أما في العهد القديم، فيعني الاهتمام بأمور المال والطعام واللباس، بحيث يستطيع الضعيف أن يتابع طريقه في أفضل الظروف. فذاك واجب من واجبات الضيافة الأساسية: لا لاستقال فقط بل لتأمين متابعة الطريق. جاء هؤلاء المرسلون إلى جماعة غايس، وهم يستعدّون للانطلاق إلى جماعة أخرى.
ب- من أجل اسم المسيح (آ 7- 8)
تعطي آ 7- 8 سببين من أجل تأمين حاجات الإخوة المتجوّلين في سفرهم: هم لا يأخذون شيئًا من الوثنيين. ثم هم يشاركون في حمل البشارة والدفاع عن الحقّ. "في أصل الاسم" هناك معنى أول: اسم يسوع المسيح الذي يُنادى به وسط الوثنيين. إن كان هذا التفسير ممكنًا إلاّ أنه لا يوافق السياق المباشر. ففي 1 يو استعمال الاسم (اونوما) للكلام عن يسوع، يشدّد على واقع مصيره التاريخيّ، كينبوع غفران: نحن أمام المسيح يسوع (3: 23) وابن الله هو يسوع هذا (5: 13). وهنا الإخوة المتجوّلون هم في خدمة الحقّ (آ8) الذي يعارض الهرطقة إذن، هؤلاء الاخوة ليسوا فقط واعظين متجوّلين، بل زوّار في خدمة الحقيقة الكرستولوجيّة. ونلاحظ أن هؤلاء الاخوة الذين وصلوا إلى جماعة الشيخ، لم يتحدثوا كثيرًا من نشاط الرسوليّ بل أبرزوا أمانة غايس للحقّ. وعبارة "ما قبلوا شيئًا من غير المؤمنين"، لا تعني فقط أنهم لم يقبلوا هبات ماديّة، بل أنهم لا يقدمّون شيئًا لهؤلاء الوثنيين فلا يأخذون منهم شيئًا. نقرأ "لمباناين" (رج 1 يو :27؛ 2 يو 4، 10) في صيغة اسم الفاعل (عمل يدوم حتى الآن. هو لم يحدث مرّة واحدة ويختفي). "اتنيكوس". هم الوثنيون (غير المؤمنين) تجاه المؤمنين (رج مت 5: 47؛ 6: 7؛ 18: 17)
كتب الشيخ إلى غايس من أجل هؤلاء المرسلين الذين يتّكلون على شعب الله من أجل أولادهم. هم لا يطلبون شيئًا من الذين يبشّرونهم (إكسر خوماي يعني الذهاب من الكنيسة أو من عند الله، إلى العالم الذي هو حقل البشارة). الاسم هو اسم يسوع (أع 5: 41؛ روم 1: 5) لهذا، لهم الحقّ بأن ينتظروا العون من قبل الذين صاروا لهم سفراء من قبل المسيح (2 كور 6: 1). هم لا يطالبون بشيء، بحسب كلام الرب (مت 10: 8): "مجانًا أخذتم، مجانًا أعطوا". فإن طلبنا أجرًا من أجل عمل الانجيل نلغي مجانيّة النعمة، ويصبح المبشّرون مثل هؤلاء الفلاسفة الشعبيين وكارزي الديانات الذين يطلبون المال لقاء خدماتهم (هناك كتابة تتحدّث عن عبد يعمل لإلاهة سورية: كان يمضي متسوّلاً فيعود بالمال الكثير). وسيقول لنا بولس أنه رفض المال لقاء الكرازة، فعمل بيديه من أجل تأمين سبل العيش للكنائس (1 كور 9: 11- 12). ولكن هذا لا يعفي المسيحيين من واجب إشراك حاملي البشارة بخيراتهم الماديّة (1كور 9: 11؛ غل 6: 6)، بحيث ينال العاملون في الرسالة ما يحقّ لهم (1كور 9: 4). ولكن يبقى الفرق واضحًا بين طلب أجرة من أجل الانجيل وتشجيع أولئك الذين تحوّلت قلوبهم بالنعمة فأظهروا شكرهم لسخاء الله لهم في شكل ملموس.
وفعل الشيخُ كما اعتاد، فكرّر فكرته الرئيسيّة: نظر إلى عمل هؤلاء المرسلين، سفراء الاسم، وما أراد لهم أن يطلبوا معونة من الوثنيين، فدعا المسيحيين (نحن) إلى مساعدتهم: شاركوا في الحقّ فليدلّوا عل مشاركتهم في شكل عمليّ.
حين يسند غايس وأصحابه، والشيخ وجماعته، هؤلاء الإخوة المتجوّلين، يشاركون في خدمة الحقّ بوجه الضلال. فالضمير "نحن" (هامايس) يدلّ على الكاتب وجماعته، غايس والذين يتبعونه في جماعة ديوتريفس، لا المسيحيين بشكل عام. لهذا بدت الأداة؛ "أون" (اذن) مهمّة: بما أن هؤلاء الاخوة لا ينالون شيئًا من اللامؤمنين، يجب أن نأخذهم على عاتقنا (هيبولمباناين). هكذا نكون شركاءهم وعاملين معهم (سينارغوس) في العمل والحقّ لا في القول والكلام. فالحقّ الذي يعملون له هو تعليم الله في وحيه. وهو أيضًا تعليم المدرسة اليوحناويّة تجاه ضلال المضلّين.
3- ديوتريفس ديمتريوس (آ 9- 12)
تدلّ آ 9- 11 على أن الرسالة ليست بطاقة تعبّر عن صداقة. فوضعُ ديوتريفس يُشرف عليها كلّها. ونحن لا نفهم آ 2- 8 إن نسينا أنها توجّهت إلى أقليّة مضايقة تسير في خطى غايس. اتّصل به الكاتب قبل ديوتريفس ليستبق المواجهة الشعريّة التي يراها آتية (آ 3- 4). سبق للشيخ أن كتب بضع كلمات للكنيسة (آ 6)، أي إلى جماعة غايس التي يسيطر عليها ديوتريفس. ونظن أنه إن كتب الآن إلى غايس، فلأنه لم يعد يقدر أن يوصل صوته إلى الجماعة ككلّ.
أ- معارضة ديوتريفس للشيخ (آ 9- 10) 
بدأت الرسالة بديوتريفس (لا نعرفه إلاّ في هذا النصّ)، فدلّت على خلاف داخل الجماعات اليوحناويّة، كما بيَّنت أن الكنائس المحلّية لا تعيش العيش الأخوي. أول خطأ لدى ديوتريفس: يريد أن يكون الأول في هذه الكنيسة المحلّية. قد يكون "الرئيس" ولكنه يمارس رئاسة بتعجرف ولا يحسب حساب الآخرين. بل يفرض عليهم سلطته على حساب المناداة بالإنجيل. نقرأ الفعل "فيلوبروتوون" (لا نجد إلا هنا في العهد الجديد). يحبّ أن يكون الاول، أن يمارس السلطة، أن يتسلّط. ولكن له سلطة حقيقية. لأنه يقطع الطريق على رسالة الشيخ، ويمنع المؤمنين من استقبال الاخوة المتجوّلين .
"لا يقبلنا" الفعل "ابيداخوماي". يرد في كل العهد الجديد هنا وفي آ 10 يعني: الاقرار بسلطة شخص. هو لا يقبل سلطة الشيخ. ولهذا، فهو لا يستقبل الإخوة في الجماعة. لما أن ديوتريفس يحبّ أن يكون الأول (اسم الفاعل في المعنى السببّي) فهو لا يقبل الشيخ (هاماس، نحن المتكلّم الجمع. ما في آ 8، فنحن تدلّ على الشيخ مع جميع المؤمنين).
من هذا ديتريفس هذا؟ اسقف يقاوم الشيخ والاخوة المتجوّلين؟ أو شخص مليء بالكبرياء ما تهمّه الأمور التعليميّة؟ أو متسلّط قريب من الهراطقة؟ نأخذ بالخيار الثالث. فالاخوة الذين يرفضهم ديوتريفس هم أكثر من مرسلين متجوّلين. إنهم يشاركون الشيخ، وغايس وتبّاعه، في محاربة الهرطقة في هذه الكنائس.
مع أن ديوتريفس لا يُقرّ بسلطة الشيخ، فالشيخ عزم أن يزور كنيسته، ويُسمعه التنبيهات التي يستحقّ. هكذا نفهم أن سلطة الشيخ تمتدّ إلى عدد من الجماعات (كل الحلقة اليوحناويّة) "فإذا جئت" (إيان إلتو). لسنا هنا أمام فرضيّة بل تعني: عندما أجيء. وسوف يقول في آ 14؛ "أراك بعد قليل، قريبًا". أما فعل "هيبو منيسكاين" فيدلّ على تذكير شخص بشيء ما (رج 2 تم 2: 14؛ تي 3: 1). نحن أمام تذكير يدلّ على سلطة الكاتب، ويعبّر عن قساوة تجاه الذي يسمع. يجب أن يُكشف تصرّف ديوتريفس أمام جماعته. وفعل "فلواراين" يعني افترى، ثرثر، إتّهم ظلمًا. ولا يكتفي ديوتريفس بأن يتكلّم، بل هو يفعل السوء. لا يقبل الاخوة في الجماعة المحليّة ويمنع (كولود) الناس من أن يقبلوهم. ولكنه لم يصل إلى مراده، على ما يبدو. فغايس وجماعة ما زالوا هنا. هذا إذا لم يكن ديوتريفس جعلهم على هامش الجامعة، فما عادوا يؤثّرن على إخوتهم. ونقرأ فعل "إكبالاين" طرد، رمى خارجًا. هناك عمل يمارس بالقوّة والعنف.
مع آ 9، تصل 3 يو إلى ذروتها. وكل ما سبق كان تهيئه لها. أعلم الشيخُ غايوس أنه كتب رسالة (شيئًا، في اليونانيّة) إلى الكنيسة فلم يقبلها شخص اسمه ديوتريفس. قد يكون رفض مضمون الرسالة، أو أتلف الرسالة التي يمكن أن تتضمّن توصيات بالنسبة إلى المرسلين المتجوّلين. أتكون هذه الرسالة 2 يو؛ بل يمكن القول إنها رسالة ضاعت.
وماذا عن الكنيسة التي كتب إليها الشيخ؟ هي جماعة محليّة ينتمي إليها غايس. ولكن إن كان غايس من جماعة ديوتريفس، فهو لا يحتاج أن يخبره الشيخ بالوضع. إذن، هو من جماعة أخرى يحاول ديوتريفس، أن يسيطر عليها. ما يطلب الشيخ ليس تدخلاً مع ديوتريفس بل تحريضًا لغايس بأن لا يتبع مثله. ولكن بالنسبة إلى الموقف الأول، نستطيع أن نقدّم إمكانيتين. الأولى، قد يكون الشيخ كتب رسالة فأتلفها ديوتريفس. فكتب رسالة ثانية إلى صديقه غايس لتعرف الكنيسة الوضع وتتصرّف بما يوافق الوضع. الثانية، قد يكون غايس أقام في قرية بعيدة عن المدينة، وهذا ما يفسّر استقباله للمرسلين. وبما أن صحّته ضعيفة، لم يكن بمقدوره أن يمضي إلى المدينة ويواجه ديوتريفس. هذا ما يفسّر جهله للوضع وعجزه عن فعل أي شيء.
بما أن الوضع هو هكذا، فلا بدّ من العمل. حينئذ أمل الشيخ في زيارة هذه الكنيسة، وتذكير ديوتريفس بواجبه، على المستوى الفرديّ أولاً، ثم أمام المؤمنين في الكنيسة، وهكذا استعدّ الشيخ لممارسة سلطانه. إن ديوتريفس يستحقّ الحرم، القطع من الجماعة بعد الذي قاله (اتّهم الشيخ) وعمله (رفض استقبال المرسلين). لا لم يعد الصراع على مستوى الكلام المكتوب والمرسل من بعيد فلا بدّ من الحضور وأخذ الإجراءات اللازمة.
ب- مديح ديمتريوس (آ 11- 12)
بعد أن تكلّم الشيخ عن سلوك ديمتريفس، ها هو يلمّح على غايس بأن يتبع الخير لا الشرّ بأن يقتدي (ميميوماي). رج 1 كور 4: 16؛ 11:1؛ 1 تس 1: 6؛ 2: 14؛ 1 تس 3: 7؛ عب 6: 12؛ 13: 7. نحن نفتدي برجال الله، بقدر ما يقتدون بالربّ (1 كور 11: 10؛ 1 تس 1: 6؛ رج أف 5: 1. هذا يعني أن ديوتريفس يقدّم مثلاً شيئًا. فلا تتبعه. والمثل الصالح هو ديمتريوس الذي يجب على غايس أن يتبعه. لا شك في أن هناك ضغطًا من قبل ديوتريفس. لهذا كتب إليه الشيخ إلى ديتريوس ليميّز ما هو خير ممّا هو الشرّ، ولا سيّما على مستوى الحقّ وواجبات الضيافة تجاه الإخوة.
من يعمل الخير هو من الله. هو يقف في جانب الله، يعمل بمشيئته. "رج يو 8: 47؛ 1 يو 1: 21؛ 3: 10؛ 4: 2- 7. إن المولود من الله، هو مولود من الله، ويمتلك قدرة الله. أما الذي يعمل الشرّ (مثل ديوتريفس)، فهو لم يرَ الله. هو ما اختبر الله. واهتداؤه يُعتبر سرابًا. رج 1 يو 3: 6 يعتبر الشيخ أن ديوتريفس لم ينتم حقًا إلى الكنيسة (1 يو 2: 19).
في آ 12، يقدّم الشيخ شخص ديمتريوس الذي هو مثال عن الخير يجب أن يقتدي به غايس، ويتوصّى به، قد يكون هو الذي حمل الرسالة (رج روم 16: 1- 2)، ويكون أحد المرسلين الذين لم يستقبلهم ديوتريفس، يبدو غريبًا عن غايس، ولهذا أوصى به الشيخ ذاك الذي اعتاد على استقبال الغرباء (آ 5). ففي وضع من التوّتر خلقه ديوتريفس، بدت هذه التوصية ضروريّة، من رفضها، دلّ على أنه يرفض سلطة الشيخ.
تكلّم الشيخ بحرارة عن ديمتريوس، وقدّم ثلاث شهادات. "كل واحد". أي المسيحيون الذين عرفوه بشكل عام. وبشكل خاص حلقة الشيخ تم "الحق". لو استطاع الحقّ أن يتكلّم لشهد بأن حياة ديمتويوس هي مثال للمؤمنين. قد لا ينال الانسان رضى البشر، ولكن عليه أن يبحث عن رضى الله (لو 6: آ 2، 26). ما رضي ديوتريفس وجماعته من ديمتريوس، ولكن له الله الذي يبّرره (1 كور4: 3- 4). من هذا الوجهة، صار "الحق" وكأنه شخص حيّ. ولكن يمكن أن يكون تصرّف ديمتريوس الذي يترافق مع الحقّ، يشهد على استقامته. والشهادة الثالثة هي شهادة الشيخ نفسه (صيغة المتكلم الجمع، نحن، تدلّ على الشيخ وحده، أو على الشيخ وجماعته). وغايس يعرف أن شهادة الشيخ صادقة. فكلام الشيخ يوثق به رغم ثرثرات ديوتريفس وافتراءاته. وهكذا جاءت ثلاث شهادات (تث 19: 15؛ ا يو 5: 8) تؤكّد سلوك ديمتريوس.
ربطنا آ 11 مع آ 12. وهناك من يربط آ 11 مع ما سبق. يطلب الكاتب من غايس أن لا يقتدي بالشرّ الذي يفعله ديوتريفس حين لا يستقبل الاخوة. وهو يقتدي بالخير حين يقبلهم. إن فعل الخير كان من الله، عاش حسب وحي الله في يسوع المسيح، ولا سيّما المحبة الأخوية التي هي هنا محبّة المرسلين المتجوّلين. اعتبر الفنوصيون (وتبعهم ديوتريفس) أن لهم رؤية الله (1 يو 3: 6؛ 4: 20) وإن لم يحبّوا اخوتهم الذين يتعلقون بيسوع الذي وُلد في الجسد، ويطلب منا أن نهتمّ بحاجات الجسد لدى اخوتنا. هناك "اغاتوبويون" (صانع الخير) "كاكوبويون" (صانع الشرّ). كما نكون نفعل. والشجرة تُعرف طبيعتها من ثمارها. بمن سوف يقتدي غايس؟
4- سلامات (آ 13- 15)
تستعيد آ 13- 14 ما في 2 يو 12. إن يوحنا يكتب إلى جماعتين مختلفتين، بلبلهما جدال لاهوتيّ مماثل مع ظروف شخصيّة ومحليّة مختلفة. في 2 يو، كتب إلى كنيسة وعبّر عن فرحه في 2 يو، كتب إلى شخص وما أشار إلى الفرح القريب، لأنه يعرف ماذا ينتظره من مواجهة صعبة مع ديوتريفس.
سبق الشيخ وأعلن نيّته بأنه يزور الكنيسة (آ 10). وشعر بالنظر إلى هذه الزيارة المرتقبة، أنه لا يحتاج (ايخون تعبّر عن واجب) إلى كتابة أطول. بل يرجو أن يرى أصدقاءه بلا تأخير ويتكلّم معهم وجهًا لوجه. أن يكلّمهم بفمه، ويكلموه بأفواهم تعبّر صيغة الاحتمال (غربساي) عن كتابة رسالة واحدة تتضمّن ما يحسّ الكاتب بأنه مجبر على كتابته. أما الحاضر (غرافاين) فيدل على امتداد في خط هذه الرسالة. "كالاموس" هي قصبة يكتبون بها رج 1 يو 12.
وتنتهي الرسالة بالسلامات. أولاً يُذكر غايس. السلام عليك. رج نهاية رسائل بولس (روم 15: 33؛ 16: 20؛ 2 كور 13: 11؛ غل 6: 16؛ غل 4: 9؛ 1 تس 5: 23؛ 2 تس 3: 16؛ رج عب 13: 20). ثانيًا: الأحباء. هم أعضاء الكنيسة التي يقيم فيها الشيخ (لو 12: 4؛ يو 15: 14- 15؛ أع 27: 3). هم يرسلون سلاماتهم. وفي النهاية، يرسل الشيخ سلامه إلى كل واحد بمفرده (كاتاونوما، باسمه). قد تكون أمام الجماعة التي تصلّي في بيت غايس أو أعضاء الكنيسة التي تلتقيّ معه، لا مع دبوتريفس إذا كان ديوتريفس أتلف رسالة الشيخ، فغايس سيقرأ الرسالة الثانية حين تحين الفرصة. لهذا أرسل إليهم يوحنا سلامه: هم يعيشون (يسلكون) في الحق، إذن هم أحّباؤه.
خاتمة
ذاك هو تفسير رسائل يوحنا الثلاث التي ارتبطت من بعيد أو من قريب بالانجيل الرابع. جاء الموضوع في الرسالة الأولى: المحبّة الأخوية مع توصيات ملموسة (3: 17) أو قول يتردّد أكثر من مرّة: "أحبّوا بعضكم بعضًا" (3: 11، 23...). وذكر الرسول تصرّف المسيح ودعا جماعته للاقتداء به (2: 6؛ 3: 16؛ 4: 17). وفي خطّ انجيل يوحنا، فهم التلاميذ أن عليهم أن يحذروا من العالم وممّا في العالم (2: 15). وهكذا نكون أمام ثنائيّة تفصل بين عالم وعالم، بين فئة وفئة. هناك عالم الحقّ وعالم الكذب. هناك الجماعة المؤمنة التي تعترف بأن يسوع جاء في الجسد. وتجاهها جماعة "المنشقين" الذين رفضوا هذا الموقف الايماني. هؤلاء هم أبناء إبليس. وأولئك هم أبناء الله (3: 1- 2، 8- 10؛ 5: 1، 12- 13). وفي هذه الرسالة قرأنا أقوالاً مشهورة: الله نور (1: 5). الله محبّة (4: 8، 16). لسنا أمام تحديد، وليس من تحديد يحصر الله. بل أمام إشارة تفهمنا عمل الله من أجلنا. ولا تتوقّف هذه الأقوال على مستوى المعرفة الدينية وحسحب، بل تصل إلى الموقف العمليّ، فتُفهم المؤمن أن كل كلام لا يصل بنا إلى الأفعال التي تدلّ على عاطفتنا تجاه القريب. يبقيه خارج النور، ولا يعتبر مولودًا من الله. فمن لم يحبّ أخاه، صار قاتلاً، وصار من حزب قايين، من حزب إبليس.
وتوجّهت 2 يو إلى السيّدة المختارة، إلى جماعة كنسيّة ترتبط ارتباطًا وثيقًا بالجماعة التي يعيش فيها الشيخ، وذلك على مستوى العقيدة وعلى مستوى الممارسة. وتوجّهت 3 يو إلى رجل يعيش وحده في كنيسة منعزلة. هو غايس الذي يطلب منه أن لا يقتدي بمثل ديوتريفس، ذاك الرئيس المتسلّط الذي يرفض استضافة المرسلين المتجوّلين، فيدلّ على نقص في المحبّة الأخويّة.
ثلاث رسائل نسبها التقليد منذ ايريناوس، أسقف ليون، إلى يوحنا الرسول وأخي يعقوب، الذي هو التلميذ الذي كان يسوع يحبّه. ونسب إليه أيضًا الانجيل الرابع وسفر الرؤيا. وكانت أبحاث بشكل خاص حول الانجيل. وقدّمت لنا الرسائل شخص "الشيخ" الذي ذكره بابياس في نصّ احتفظ به اوسابيوس. فهذه الإشارة تتحدّث عن يوحنا الشيخ الذي عاش في آسية الصغرى (= تركيا) في نهاية القرن الأول.
أيكون هذا الشيخ هو يوحنا الرسول الذي يقول عنه التقليد بأنه عمّر طويلاً؟ لا شيء يؤكّد ذلك. وفي ظنّي أن الانجيل الرابع وسفر الرؤيا والرسائل الثلاث هي وليدة المدرسة اليوحناويّة التي كانت في آسية الصغرى وربما في سورية. تنوّع الكتّاب داخل هذه المدرسة الواسعة، وأخذ كل واحد منهم بأسلوب خاص به، فكانت لنا ثلاثة أنواع من الفنون الأدبيّة: الفن الانجيلي مع تعليم فيه جرأة واسعة بالنسبة إلى الأناجيل الإزائيّة. والفن الجلياني الذي ترك لنا سفر الرؤيا مع نظرة إلى الحمل الذبيح والقائم من الموت والمنتصر في المؤمنين خلال الاضطهاد. مع الفن الرسائليّ الذي تميّز هنا بتعليم موجّه إلي حقبة محدّدة في تاريخ الكنيسة. حقبة عرفت بشكل خاص الغنوصيّة التي رفضت أن يكون المسيح أخذ جسدًا واتّحد بالمادة، والتي اعتبرت أن الديانة تتوقّف عند معرفة باطنيّة تنسى التقليد الذي تقبلناه من الرسل، وننسى الصليب كعمل يسوع كفّارة عن خطايانا، وتنسى المحبّة الأخويّة التي تدلّ في النهاية أن الله محبّة وأن من لا يحبّ ليس من الله.