رؤيا القديس يوحنّا

 

الفهرس
تقديم
القسم الأول: مداخل إلى سفر الرؤيا
الفصل الأول: نظرة عامة إلى سفر الرؤيا
الفصل الثاني: تكوين سفر الرؤيا
الفصل الثالث: بنية سفر الرؤيا 
الفصل الرابع: الرؤى اليهودية في العهد القديم 
الفصل الخامس: سفر الرؤيا والتاريخ 
الفصل السادس: سفر الرؤيا والعهد القديم 
الفصل السابع: سفر الرؤيا والعهد الجديد
القسم الثاني: الكنيسة والعالم اليهودي
الفصل الثامن: إعلان وكشف، 1: 1- 3
الفصل التاسع: تحية إلى الكنائس السبع، 1: 4-8 
الفصل العاشر: رؤية ابن البشر 
الفصل الحادي عشر: الرسائل السبع، 2: 1- 3: 22 
الفصل الثاني عشر: من أفسس إلى تياتيرة، 2: 1- 29 
الفصل الثالث عشر: من سارديس إلى لاودكية، 3: 1- 22 
الفصل الرابع عشر: نظرة إجمالية إلى قلب الرؤيا، 4: 1- 22: 5 
الفصل الخامس عشر: العرش في السماء، 4: 1- 11 
الفصل السادس عشر: الكتاب والحمل، 5: 1- 14 
الفصل السابع عشر: الختوم الستة، 6: 1- 17
الفصل الثامن عشر: شعب عبّاد الله، 7: 1-17 
الفصل التاسع عشر: الختم السابع والأبواق الأربعة، 8: 1- 13
الفصل العشرون: البوقان الخامس والسادس، 9: 1- 21 
الفصل الحادي والعشرون: الملاك والكتاب الصغير، 10: 1- 11
الفصل الثاني والعشرون: الشاهدان، 11: 1- 14 


القسم الثالث: الكنيسة والعالم الوثني 
الفصل الثالث والعشرون: سقوط التنين العظيم، 11: 15-18:12
الفصل الرابع والعشرون: وحش البحر ووحش الأرض، 13: 1-18 
الفصل الخامس والعشرون: الآيات الأربع الباقية، 14: 1- 20
الفصل السادس والعشرون: الآية السابعة، 15: 1- 8
الفصل السابع والعشرون: الكؤوس السبع، 16: 1- 21 
الفصل الثامن والعشرون: الزانية العظيمة، 17: 1- 18 
الفصل التاسع والعشرون: سقوط بابل، 18: 1- 24 
الفصل الثلاثون: نشيد النصر ومجيء المسيح، 19: 1- 21
الفصل الحادي والثلاثون: الألف سنة والدينونة الأخيرة، 20: 1-15
الفصل الثاني والثلاثون: السماء الجديدة والأرض الجديدة، 21: 1- 22: 5
الفصل الثالث والثلاثون: النهاية: ها أنا آتي، 22: 6- 21 
الخاتمة: نظرة أخيرة إلى سفر الرؤيا

تقديم

سفر الرؤيا كتاب صعب وقليلون هم الذين يعرفونه حقاً. من جهة، هو يصدّنا وينفرنا منه. ومن جهة ثانية، يجتذبنا ويسحرنا.
هو يصدّنا بالفوضى الظاهرة التي فيه. بصور غريبة عن نكبات وكوارث، برموز غير متماسكة من أجل عقليّتنا الحديثة التي تبحث عن البساطة والوضوح. بعضنا لا يهتمّ به. هناك كتب عديدة في الكتاب المقدّس. بعد أن ننتهي منها كلها نعود إليه. وبعضنا الآخر يعتبر أنّ سفر الرؤيا كتاب تجاوزه الزمن. كتب لزمن معيّن. زال هذا الزمن، فلماذا العودة إلى مثل هذا الكتاب المخيف؟ فالأناجيل تكفينا وتقول لنا بوضوح ما يجب أن نعمله، فلماذا البحث في الألغاز والرموز؟ وفوق ذلك، سفر الرؤيا كتاب متشائم سيصل بالعالم إلى الدمار التامّ. أما نتطلّع بالأحرى إلى التقدّم؟ فملكوت الله سيأتي في التاريخ بفضل الإنسان ومجهوده! ولكن أين موقع الله من كل هذا؟
سفر الرؤيا يصدّنا. ولكنه يسحرنا ويجتذبنا إليه لكي نقرأه ونحاول أن نفهم معانيه. فليس من كتاب في العالم عرف تفاسير بقدر ما عرف رؤ. والتفاسير مختلفة جداً بعضها عن بعض. من قارئ حرفّي للنصوص إلى شارح يودّ أن يقرأ المستقبل في كتاب يفتح آفاقنا على نهاية العالم. نحسّ بالحشرية والفضول أمام هذا الكتاب ولا سيّما في ساعات الأزمة. ففيه نفحة من الرجاء. حينئذ نتوغّل فيه ونغوص، ولكننا لا ندرك أعماق سرّه لأنّ المفاتيح للدخول إليه ناقصة. لهذا نبقى على عتبة الكتاب. ننظر إلى صوره من الخارج وكأنها تعبير عن عالم غريب وبعيد كلّ البعد عن الواقع. قد تعجبنا صوره فنتوقّف عندها، ولكن معناه يفلت منا.
أمّا أنا فأردت أن أقدّم تفسيراً لسفر الرؤيا. أولاً: الجميع ينتظرونه لأنهم يحسّون أنّ فيه الجواب الشافي لعالمنا. ثانياً: إنّ شرقنا يعيش مناخ سفر الرؤيا، فهو بالتالي يحتاج أن يفهم الكتاب لكي يعيش إيمانه في القرن العشرين، كما عاشه المسيحيون في القرن الأول المسيحي. هم عرفوا أن يروا يد الله في التاريخ، فساروا بحسب دعوتهم حتى التضحية بحياتهم متيقّنين أنهم ينتصرون بواسطة ذاك الذي قال: أنا غلبت العالم. ثالثاً: إنّ التفاسير الشعبية عديدة والأخطاء فادحة والتبسيطات مضحكة. أما نستطيع أن نقرأ رؤ كما نقرأ الأناجيل أو أي كتاب من العهد القديم والعهد الجديد؟ رابعاً: تستعدّ الرابطة الكتابية لمؤتمر يُعقد سنة 1997 ويكون موضوعه سفر الرؤيا. لهذا قدّمنا هذا التفسير علّه يساعد المؤمنين على الولوج إلى هذا السفر فتكون الفائدة لجميع الناس، لا لفئة معدودة من الناس.
قالوا إنّ سفر الرؤيا هو سفر الخوف بسبب ما يحمل من صور عن نكبات وكوارث تحدث في الكون وتعلن نهاية العالم. لا، ليس رؤ هو كتاب الخوف، بل هو كتاب الأمل والرجاء. هو يرى الصعوبات التي تعيشها الكنيسة في العالم. يعرف أنّ بعضاً يذهب إلى الموت، والبعض الآخر إلى المنفى. وأن هناك فئة تجحد إيمانها فتصبح من "سكان الأرض" وتبّاع الوحش. ومع ذلك، يثبت المؤمن في إيمانه ويعرف أن الحمل، يسوع المسيح، سوف ينتصر في النهاية. بل هو انتصر منذ موته وقيامته وسيقود كنيسته من انتصار إلى انتصار إلى أن يجرّد أعداءه من كل أسلحتهم ويرمي بالوحش والنبيّ الكذّاب والتنين في الهاوية.
هناك في العالم حروب. وسفر الرؤيا يقرأها على أنها عقاب من الله للذين يضطهدون كنيسته. هناك كوارث طبيعية أو غير طبيعية (مثل حريق رومة أو اجتياح الفراتيين لإمبراطورية). إنها تنبيه إلى سلطة رومة لكي تعرف أنها ليست "الله". لا، ليس الإمبراطور هو الرب، بل يسوع المسيح وحده هو الرب. هذا ما أعلنه المسيحيون في بداية الكنيسة، وهذا ما يعلنونه في كل التاريخ. أجل، هناك سلطة إلهية فوق سلطة البشر، والويل لمن يساوم فيترك سمة الحمل ويأخذ سمة الوحش على جبهته ويده اليمنى لكي يستطيع أن يشتري ويبيع ويجد عملاً ويرتاح في حياته اليومية. لا شكّ في أنّ الإمبراطورية قويّة جداً، ويدها تصل إلى كلّ إنسان فتدعوه لأن يسير كالقطيع في عبادته للوحش. ولكن المؤمن يعرف أنّ لا خيار له. مَن ليس مع المسيح فهو ضدّ المسيح. ومَن لا يبني مع المسيح يكون وكأنه يهدم ما يهدمه المسيح. حياتنا في خطر، ولكن لا بأس. لقد مات الشهيدان لأنهما رفضا أن يكونا في القافلة. ماتا ولكنهما قاما كما قام المسيح من بين الأموات. هذان الشاهدان هما صورة عن الكنيسة الحاضرة في عاصمة الإمبراطورية وفي كل مدنها والعارفة بالمصير الذي ينتظرها. ولكنها تعرف أنه لا موت ولا حياة يقدر أن يفصلها عن مسيحها. فلماذا الخوف؟ 
وقالوا إنّ سفر الرؤيا هو كتاب نهاية العالم. وأخذوا يقومون بالعمليات الحسابية التي تستند إلى المخيلة لا إلى معنى الكتاب. بل قرأوا الأعداد والرموز بطريقة حرفية فجعلوا المخلّصين 144.000 شخصاً لا أكثر ولا أقلّ. أمّا الباقون فيعودون إلى العدم أو يعيشون حياة تبدو حياة البهائم أفضل منها. وحاولوا أن يجعلوا تسلسلاً بين سباعية وسباعية. هناك سبع سباعيات هي الرسائل السبع، الختوم السبع، الأبواق السبعة، الآيات السبع، الكؤوس السبع، الأصوات السبعة، الرؤيوات السبع. إذن، هناك سبعة آلاف سنة. وبما أننا سنكون مع المسيح مدة ألف سنة، فالعالم ينتهي في نهاية الألف السادس. ولكن متى ينتهي الألف السادس؟ بما أنه مرّت أربعة آلاف سنة ق. م، يبقى بعدها ألفا سنة. واكتشفوا أنّ "الكتاب" (أي كتاب؟!) يقول: إن ألّفت (أي إن وصلت إلى الألف) فلا تؤلّفان (أي لا تصل إلى ألفين).
كلنا يعلم أنّ تاريخ البشرية يصل أقلّه إلى مليون سنة. أمّا تاريخ الكون فيصل إلى مليارات السنين. وإن كان المسيح هو في وسط التاريخ، فنستطيع القول إن القسم الثاني من التاريخ، أي منذ موت المسيح وقيامته، هو بعدُ في بدايته. والألف سنة التي يتحدّثون عنها ليست رقماً محدداً، بل رقماً رمزياً. فالعدد "ألف" يدلّ على كمية كبيرة جداً. وهذه الألف سنة التي يذكرها رؤ تدل على المدّة الممتدّة من مجيء المسيح الأول، من موته وقيامته، إلى مجيئه الثاني. هذا المجيء الثاني قد بدأ وسوف يكتمل في ساعة لا يعرفها ملائكة السماء ولا الإبن إلاّ الآب. منذ موت المسيح وقيامته، تمّ الظفر ليسوع على الشيطان وأعوانه. فلا ننتظر انتصاراً آخر. كل ما ننتظر هو أن يدخل كل واحد في مسيرة يسوع فيصير "غالباً" مثل يسوع الغالب ويأكل من شجرة ألحياة.
نهاية العالم كل العالم، أي كمال السماء الجديدة والأرض الجديدة، تبقى بعيدة. ولكن هذه النهاية بدأت منذ موت المسيح وقيامته. الآن بدأت دينونة هذا العالم. وأنا إذا ما ارتفعت جذبت إليّ الناس أجمعين. وبالنسبة إلى كلّ واحد منا، فهو يدخل في النهاية بواسطة المعمودية إلى موت وقيامة مع المسيح، بانتظار ساعة الموت التي فيها ندخل في الأرض الجديدة والسماء الجديدة. لا. نهاية العالم ليست باعثاً على الخوف، إنها عودة إلى بيت الآب على مثال يسوع الذي فرح حين "علم أنّ ساعته جاءت بأن ينتقل من هذا العالم إلى الآب".
وقالوا إنّ سفر الرؤيا هو صورة مسبقة عن تاريخ البشرية. وحاولوا أن يضعوا إسماً على التنين والوحش الأول والوحش الثاني. إنّ الكتاب المقدّس في كل أسفاره لم يكتب يوماً التاريخ من أجل التاريخ. بل هو نظرة إلى التاريخ على ضوء كلمة الله. إذا أخذنا مثلاً في العهد القديم كتاب الملوك، فهو يذكر بشكل عابر ما عمله الملوك على مستوى الحرب والسياسة والعمران، ويتوقّف مطولاً على بناء الهيكل مثلاً في أيام سليمان، على إصلاح ديني قام به الملك حزقيا أو الملك يوشيا. وإذا تأمّلنا في أعمال الرسل وجدنا أن التاريخ هو في خدمة اللاهوت. وأنّ لوقا ينطلق من الواقع الذي تعيشه كنيسة (وقد تكون أنطاكية) فيُسقط عليه ما وصل إليه من تقاليد عن الكنيسة الأولى سواء كانت في أورشليم أم في مدن الإمبراطورية الرومانية. فالنصّ نقرأه على مستويين: مستوى بداية حياة الكنيسة ومستوى الكنيسة حوالي سنة 85، أي يوم دوّن سفر الأعمال. 
وكذا نقول عن سفر الرؤيا. إنه أولاً كتاب يتوجّه إلى المسيحيين العائشين حوالي سنة 95 وزمن تدوين رؤ. فالكاتب يتوجّه إلى معاصريه منطلقاً من الواقع الصعب. ويعود إلى الماضي، إلى أسفار العهد القديم، ليكتشف كلمة تشجيع وتعزية. هو لا يفكّر بالأجيال المقبلة، بل بمستقبل الكنيسة: هل سوف تنهار الكنيسة؟ ويأتيه جواب الإيمان: كلا ثم كلا. وما الذي يدفعه إلى هذا القول؟ أمانة الله. لقد حفظ كنيسته في الماضي ويحفظها اليوم ويحفظها إلى الأبد فلا تقوى عليها أبواب الجحيم. أمّا كيف يحفظ الله كنيسته بشكل عملي؟ هذا ما لا يعرفه سفر الرؤيا وما لا يقوله الله له. فبناء الكنيسة أمرٌ يشارك فيه البشر الله. نحن نستنبط الطرق التي بها تشهد الكنيسة ليسوع المسيح في العالم الذي تعيش فيه. هنا نتذكّر ما حدث بعد مجمع أورشليم الذي عُقد حوالي سنة 49. في النهاية أعلن المجتمعون: "لقد رأى الروح القدس ونحن". وهذا ما نقوله عن سفر الرؤيا وعن تاريخ الكنيسة: نحن سنعمل مع الله لكي نتابع عمل يسوع "الشاهد الأمين".
من أجل كلّ هذا، لن نبحث عن أسرار الله في رؤ. لن نبحث عن أسماء أشخاص في التاريخ لأننا ندلّ حينذاك على جهل فادح، بل على تجديف على اسم الله، لأننا ندين الناس ونحكم عليهم حين نجسّدهم في صورة التنين الذي هو الحية الجهنمية أو الشيطان. وحين نجسّدهم في الوحش الأول الذي يمثل السلطة السياسية بما فيها من بشاعة وظلم. وحين نجسّدهم في الوحش الثاني الذي يمثّل النبي الكذاب وكل ما في العالم من إيديولوجيات تستعبد الإنسان وتدوس حقوقه. سلطة الإمبراطورية تجسّدت في نيرون ثم في دوميسيانس اللذين اضطهدا كنيسة الله. ولكنها تتعدّى الأشخاص لكي تصل إلى نظام يسحق الناس وينتزع منهم حريتهم ويجعلهم كقطعان الغنم. وحين تعمل الإيديولوجيات والفلسفات الكاذبة على تأليه البشر على حساب الله، حيث تعمل في خدمة القوّة الغاشمة، فلتعرف أنّ آخرتها الدمار. ففي أكبر الويلات، كان هناك نداء إلى التوبة للأشخاص مهما تمادوا في الشّر. والله لا عدوّ له إلاّ الموت والشرّ والخطيئة من أي موضع أتت. يبقى على الإنسان باسم سفر الرؤيا وما فيه من نداء إلى الشهادة في سبيل الإنسان، أن يرفض كل ما يشوّه الإنسان ليجعله آلة في يد السلطان، أن يقاوم كل ما يتاجر بالقيم ويسخّرها من أجل مصلحة خاصة أو فئوية. أجل، سفر الرؤيا هو سفر الثورة. هكذا رفض الشعب العبراني الحياة في مصر رغم رفاهة العيش فيها. وهكذا رفض يسوع أن يتعامل مع عالم يجعل الشريعة فوق الإنسان، والقيام في خدمة الأقوياء الذين يحتقرون الشعب البسيط. وهكذا قرّرت الكنيسة الأولى أن تذهب إلى الموت لأنّ الله أولى بالطاعة من الإنسان.
لا، لا نجعل سفر الرؤيا في عالم الخيال. إنه كلام واقعيّ. ولا نجعله في ما وراء الزمن في نهاية العالم وحيث لا يكون لنا دورٌ نفعله، فتفعل عنا حتميّة التاريخ أو إله يعيش في السحاب ولا يرضى أن يقاومه أحد. سفر الرؤيا يأتي من الذي كان ويكون ويأتي، ولكنه يتجسّد في عالمنا. ويدعونا نحن العائشين في العالم أن لا نهرب من العالم. قال بولس لأهل تسالونيكي وهو يقول لنا في خطّ رؤيا يوحنا: "لا تتزعزعوا سريعاً في أفكاركم ولا ترتعبوا من نبوءة أو قول أو رسالة كأنها منّا تقول إنّ يوم الرب جاء. فلا يخدعكم أحد بشكل من الأشكال".
سفر الرؤيا هو كتاب النهاية التي بدأت في موت يسوع وقيامته. ونحن ندخل فيها لكي نجعل إنجيل يسوع يعمّ الكون كله. أجل، قد تأتي الحروب والمجاعات والزلازل فيقول لنا يسوع: "ليس هو المنتهى بعد". ولكن حين يبشرّ بإنجيل الملكوت في المسكونة كلها، شهادة للأمم، "عندئذ يأتي المنتهى".
كم نودّ أن تكون هذه الأفكار في قلوبنا خلال قراءتنا لسفر الرؤيا والتأمّل في نصوصه. ولكن قبل ذلك نقدّم في بعض الفصول دراسات عامة تعيننا على تفهّم الإطار الأدبي والفكري الذي فيه دوّن سفر الرؤيا.

 

 

القسم الأول
مَداخِل إلى سفر الرؤيَا
يتضمّن هذا القسم الفصول التالية:
1- نظرة عامة إلى سفر الرؤيا.
2- تكوين سفر الرؤيا.
3- بنية سفر الرؤيا.
4- الرؤى اليهوديّة في العهد القديم.
5- سفر الرؤيا والتاريخ.
6- سفر الرؤيا والعهد القديم.
7- سفر الرؤيا والعهد الجديد.

 

 

الفصل الأول
نظرة عامة إلى سفر الرؤيا

سفر الرؤيا هو سفر فريد في العهد الجديد. فالأناجيل وسفر الأعمال تقدّم لنا السيرة والمثل والتعليم في إطار إخباري. والرسائل تحمل العرض اللاهوتي والحضّ على حياة مسيحية تليق بالدعوة التي دعينا إليها. أمّا رؤ فيختلف عن سائر أسفار العهد الجديد. ففيه الخبر من جهة. ولكنه خبر من نوع خاص. هو يروي رؤى لما لا يراه البشر بعيونهم وسماعاً لا يسمعه البشر بآذانهم. سفر الرؤيا هو فريد في العهد الجديد، ولكنه ليس بفريد في العالم اليهودي الذي عرف عدداً كبيراً من الرؤى التي توسّلت أسلوباً خاصاً لتشجّع المؤمنين على الثبات في الإيمان، ولتفتح لهم نافذة على السماء وعلى عالم جديد يهيّئه الله بعد أن يدمّر القديم.
سوف نتوقّف عند سفر رؤيا يوحنا فنتعرّف إلى الكاتب، إلى زمن الكتابة، إلى دخول هذا الكتاب في الكنيسة.

1- كاتب سفر الرؤيا
سمّى كاتبُ سفر الرؤيا نفسه: إنه يوحنا. فنحن نقرأ في مقدّمة الرسائل: "من يوحنا إلى الكنائس السبع التي في آسية" (1: 4). إذن، لا شكّ في هويته. ثم إنه يعرف معرفة دقيقة الظروف التي فيها تعيش هذه الكنائس. وهو يكتب إلى هذه الجماعات المسيحية بسلطان يدلّ على أنّ هذه الكنائس خاضعة له.
يرد إسم "يوحنا" أربع مرات في رؤ. في 1: 1 يسمّي نفسه "عبد" يسوع المسيح. وعمله أن يكون رباطاً حياً بين يسوع وجماعته ليخبرها بما يحدث الآن في الكنيسة. هي أيام صعبة ولا بدّ من كلمة تعزية وتشجيع لا للمستقبل، بل للحاضر الذي تعيشه كنيسة أفسس وغيرها من كنائس في الزمن الحاضر.
ونقرأ في 22: 8: "وأنا يوحنا سمعت ورأيت هذه الأشياء". نحن هنا أمام تضمين حول إسم "يوحنا". قرأناه في البداية ونقرأه في النهاية. لقد سمع ورأى، إذن هو يستطيع أن يشهد، فتكون شهادته إمتداداً لشهادة يسوع. هنا نتذكّر ما في 1 يو 1: 1-3: "الذي كان من البدء، الذي سمعناه ورأيناه بعيوننا، الذي تأمّلناه ولمسته أيدينا من كلمة الحياة... نبشّركم به لتكونوا أنتم أيضاً شركاءنا". دور يوحنا هو دور الرائي ودور الشاهد المؤمن الذي يشارك إخوته شهادتهم. "أنا يوحنا، أخاكم وشريككم في المحنة. والملكوت والثبات في يسوع، كنت في جزيرة بطمس من أجل كلمة الله وشهادة يسوع" (1: 9). الشهادة التي يشهد بها يسوع هي كلمة الله. المحنة تدلّ على الإضطهاد. والملكوت هو ملك المسيح الذي انتصر بقيامته على عالم الشّر والموت.. يبقى على المؤمن أن يثبت، أن يصبر إلى المنتهى.
لماذا عدنا إلى داخل رؤ لا نجد إشارة خاصة تقول لنا مَن كان يوحنا صاحب الرؤيا. قال ديونيسيوس الإسكندراني: هو يوحنا مرقس الشاب الذي رافق بولس وبرنابا في الرحلة الرسولية الأولى (أع 13: 5). ولكنه تخلّى فيما بعد عن هذه الفكرة حين تحدّث عن عودة يوحنا مرقس إلى أورشليم لا إلى آسية (أوسابيوس، التاريخ الكنسي 7: 25). ثم لا نجد تقارباً بين رؤ وإنجيل مرقس.
نترك هذه الإشارة العابرة ونعود إلى التقليد القديم الذي يتّفق على القول بأنّ يوحنا الرسول هو صاحب رؤ. فيوستينوس الشهيد الذي عاش بعض الوقت في أفسس خلال القسم الأول من القرن الثاني، تعرّف إلى رؤ واعتبر أنّ كاتبها هو الرسول يوحنا (حوار مع تريفون 81: 15). وهذا ما تسنده ملاحظة نجدها عند أوسابيوس (الذي لا يعتبر أن رؤ هي عمل الرسول يوحنا) تقول بأن يوستينوس ذكر رؤ وسمّاها حقاً عمل الرسول (التاريخ الكنسي 4: 18). وأورد إيريناوس سفر الرؤيا مراراً في حربه على الهراطقة، فاعتبره عمل "يوحنا، تلميذ الرب" (ضدّ الهراطقة 4/ 14: 1؛ 5/ 26: 1)، أي "رسول" الرب كما قال بعض الشرّاح. هذه الشهادة مهمة جداً لأن ايريناوس الشاب عرف بوليكربوس الذي ارتبط بعلاقات وثيقة مع يوحنا (التاريخ الكنسي 5: 20). وأورد اكلمنضوس الإسكندراني رؤ مراراً فقال إنها عمل يوحنا الرسول. وحين كتب ترتليانس من قرطاجة أورد جزءاً كبيراً من رؤ ولا سيّما في أعماله المونتانية (مونتانوس اعتبر انه صوت الروح وتحدّث عن نهاية العالم) واعتبر السفر أنه من تأليف الرسول يوحنا (ضدّ مرقيون 3/ 14: 24).
وهناك شهادات بابياس (حسب أندرياس القيصري) ومليتون السرديسي (التاريخ الكنسي 4: 26) وأوريجانس (شرح يوحنا 2: 5) وهيبوليتس (المعاديّ للمسيح 36: 50) والمطلع اللوقاوي المناوىء لمرقيون. كلّهم يتحدّثون عن يوحنا الرسول ككاتب رؤ. يعتبر التقليد أنّ يوحنا بن زبدى ذهب إلى آسية الصغرى وعاش حتى سنة 95. غير أن هناك تقليداً آخر يقول إن يوحنا قد استُشهد قبل سنة 70 وربّما مع أخيه يعقوب سنة 44. 
وجاءتنا شهادة هامّة من كتاب غنوصي أكتُشف سنة 1945 في صعيد مصر. إسمه: أبوكريفون (خفيّات أو المخفى) يوحنا الذي يورد رؤ 1: 19 ويعلن أن كاتبه هو يوحنا أخو يعقوب، وكلاهما كانا إبنَيْ زبدى. يبدو أنّ هذا الأبوكريفون يعود إلى سنة 100- 150.
كان هناك بعض التردّد في الشرق بعد ديونيسيوس (منتصف القرن الثالث). ولكن لا شكّ في أنّ رؤ اعتبر في مساحة واسعة من كنيسة القرن الثاني على أنه عمل يوحنا الرسول.
أمّا المعارضة القائلة بأنّ صاحب رؤ ليس يوحنا الرسول فقد بدأت في القرن الثاني مع مرقيون الذي أعلن "إنجيل الحب"، فاعتبر أن الإنجيليين كانوا عمياناً بتأثير يهودي، ورذل كل ما لم يكتبه بولس (ما عدا لوقا في نسخة مصحّحة). بعد هذا هاجم رؤ جمعٌ من الهراطقة (في آسية الصغرى): أرادوا معارضة المونتانية فرذلوا إنجيل يوحنا والرؤيا. وحسب أبيفانيوس نسبوا رؤ إلى الغنوصي قرنتيس. وهذا الرأي أخذ به أيضاً غايوس، الكاهن الروماني في القرن الثالث (أوهابيوس، التاريخ الكنسي، 3: 28).
واعتبر بعض الشرّاح أنّ يوحنا هو نبيّ يهوديّ من فلسطين هاجر في نهاية حياته إلى آسية الصغرى. فهو يسمّي نفسه النبي لا الرسول. ولكن كان لصاحب رؤ سلطة على كنائس آسية. فإن كتب على أنه نبي، فوظيفته في الكنائس هي وظيفة رسول.
وتبع شرّاح آخرون أوسابيوس (التاريخ الكنسي 3: 29) فقالوا إنّ صاحب رؤ هو يوحنا الشيخ الذي يميّزه بابياس عن يوحنا، تلميذ الرب. هناك بعض الشكّ في أنّ بابياس ميّز بين يوحنا (التلميذ) ويوحنا (الشيخ). لكن، وإن تكلّم عن "يوحنّين"، وإن وُجد في أفسس نصبان يحملان إسم يوحنا. كما يقول ديونيسيوس (التاريخ الكنسي 7: 25)، فهذا لا يعني أنّ يوحنا الشيخ هو صاحب رؤ.
وقالت فئة ثالثة: إنّ رؤ هو كتاب "مركّب" من مقاطع عديدة تعود إلى يوحنا المعمدان وتلاميذه. فإنّ ف 4- 11 ترتبط بالمعمدان قبل رسالة يسوع العلنية. وف 12- 22 (ما عدا مقاطع في الفصل الأخير) قد دوّنها قبل سنة 70، تلميذٌ من تلاميذ المعمدان عرف بعض الأمور عن يسوع وجهل الأمور الأخرى. أمّا ف 1- 3 (+ 22: 16- 17 أ، 20- 21) فقد زادها كاتب مسيحيّ متهوّد. إنّ رؤ ليس كتاباً مسيحياً ولا كتاباً يهودياً مع زيادات مسيحية. إنه كتاب يرتبط بيوحنا المعمدان ومدرسته التي تمثل شكلاً أول من المسيحية. ولكن يُطرح السؤال: لماذا رفضت الكنيسة عدداً من الرؤى ولم تدخلها في لائحتها القانونية كما أدخلت رؤ يوحنا؟ هذا يعني أنّ رؤ هو كتاب مسيحي وان يكن أعاد قراءة نصوص العهد القديم كما فعلت أسفار أخرى من العهد الجديد. لا ننسَ أنّ كتّاب العهد الجديد هم يهود (ما عدا لوقا الذي كان وثنياً من أنطاكية)، فلماذا نتعجّب إن انطلقوا في تفكيرهم من تراث الشعب اليهودي أكانت أسفاراً بيبلية أو لا بيبلية. فلو ربط هؤلاء الشرّاح سفر الرؤيا بمدرسة يوحنا الرسولي لكانوا أقرب إلى الواقع. فالأسفار المقدّسة هي عمل جماعة قبل أن تكون عمل فرد يدوّن ما يدوّن في سكون غرفته. فالجماعة تأمّلت بتعاليم المسيح والكتب التوراتية، وجاء مَن يكتب باسمها حسب عبقريّته الخاصة.
إنّ معظم الشرّاح لا ينسبون رؤ إلى الرسول يوحنا نفسه. وهذه أسبابهم. الأول: لا شك في أنّ صاحب رؤ يسمّي نفسه يوحنا وعبد الله (1: 1) وأخ قرّائه (1: 9) والنبي (22: 8). ولكنه لا يسمّي نفسه أبداً "رسولاً". ونحن نعلم أنّ الأنبياء يأتون بعد الرسل في لائحة الوظائف حسب القديس بولس (أف 4: 11: البعض رسل والبعض أنبياء؛ 1 كور 12: 28: في الكنيسة أولاً الرسل. ثانياً الأنبياء). ماذا يكون الجواب؟ إنّ السلطة الذي بها يكتب "يوحنا" هي سلطة رسولية، لذلك فهو لا يحتاج أن يبرز لقبه. بل إنه حين لم يشدّد على درجته الرسولية لقرّائه، فقد أبرز سلطة أعظم حين كتب.
الثاني: لا شيء في رؤ يدلّ على أنّ الكاتب عرف يسوع التاريخي أو أنه كان حاضراً أمام أحداث يصوّرها الإنجيلي وتتعلّق بالرسول يوحنا. هذا ما يسمّى البرهان بالصمت. ولكن لماذا ننسى أنّ الإنجيل الرابع اهتمّ بخدمة يسوع التاريخي. أمّا رؤ فنظر إلى تتمة التاريخ. الثالث: هناك تقليد يقول إن يوحنا أستشهد. وراح بعضهم يقول إنّ يوحنا لا يأتِ أبداً إلى آسية الصغرى. يبدو أنّ هذا التقليد ضعيف. ولهذا تحاشى عددٌ من الشرّاح أن يتحدّثوا عن هذا الإستشهاد ليقدّموا برهانهم حول كاتب رؤ.
الرابع: وقدّم ديونيسيوس، أسقف الإسكندرية، برهاناً ضدّ السلطة الرسولية لسفر الرؤيا. كانت جماعة متطرّفة تستند إلى رؤ فأراد أن ينتزع منها سلاحها. حينئذٍ فصل رؤ عن يو و1 يو، مستخلصاً أن يوحنا لم يكتب رؤ (أوسابيوس، التاريخ الكنسي، 7: 25). وإلى ديونيسيوس إستند عدد من الشرّاح ليعلنوا أنّ يوحنا لم يكتب رؤ مستندين إلى خلافات بين الإنجيل الرابع وهذا السفر الغريب بفنّه الأدبي. سبق وقلنا إنه إن كان يوحنا لم يوحِ بكتابة رؤ، فالمدرسة التي تدور حوله هي التي دوّنت هذا الكتاب مرتكزَة على سلطانه الرسولي.

2- متى كتب سفر الرؤيا
قيل إنّ رؤ دُوّن فى زمن مبكر، في عهد الإمبراطور كلوديوس (31- 54). وقيل انه كُتب في زمن متأخر، في عهد الإمبراطور ترايانس (98- 117). فالذين قالوا بالزمن المبكر فسرّوا بعض العبارات والتلميحات على ضوء الواقع السياسي والثقافي والديني في منتصف القرن الأول. والذين أخذوا بالزمن المتأخر استندوا إلى سلطة الكتّاب القدماء. إنّ دوروتاوس (ناسك في القرن السادس) وتيوفيلاكت (مفسّر بيزنطي في القرن الحادي عشر) جعلا منفى يوحنا يتمّ في عهد ترايانس. أمّا معظم الباحثين فيجعل تأليف رؤ في عهد دوميسيانس (81- 96)، أو بعد نيرون (54-68). ونبدأ أولاً بالنظرية التي تقول إن رؤ دُوّن في زمن دوميسيانس.
أقدَم مرجع يجعل رؤ في عهد دوميسيانس هو إيريناوس. تحدّث عن رؤ فقال: في نهاية عهد دوميسيانس (ضد الهراطقة 5: 30). وسيذكر أوسابيوس القيصري كلام إيريناوس في التاريخ الكنسي (3: 18). أما إكلمنضوس الإسكندراني وأوريجانس (في مت 16: 6) فلم يذكرا إسم دوميسيانس. وكان فكتورينوس واضحاً (في رؤ 10: 11؛ 17: 10) وكذلك أوسابيوس (التاريخ الكنسي 3: 18، 20، 23) وإيرونيموس (الرجال العظام 9) في جعل تدوين رؤ في عهد دوميسيانس.
وإذا عدنا إلى سفر الرؤيا نفسه، نجد أنّ الخلفية هي صراع بين فرض سلطة سياسية توتاليتارية والتزام بالإيمان المسيحي. فقد تشخصنت الإمبراطورية الرومانية (صارت شخصاً حياً) في وحش يطلب لنفسه عبادة شاملة. نقرأ في 13: 4: "وسجد الناس للتنين (الشيطان) لأنه أولى الوحش سلطانه، وسجدوا للوحش قائلين: من مثل الوحش (رج: من مثل الله)؟ من له أن أن يقاتله (رج خر 15: 11)؟ يُمدح الوحش كما يُمدح الله (رج آ 17-18؛ 14: 9؛ 16: 2؛ 19: 20)! وشدّد النص على أنّ الناس جعلوا على جباههم سمة الوحش أو اقتيدوا إلى الموت. نقرأ في 13: 15-17: "تجعل جميع الذين لا يسجدون لصورة الوحش يقتلون... وتجعل الجميع يضعون سمة على يدهم اليمنى أو على جبهتهم، بحيث لا يسع أحداً أن يبيع أو يشتري إلا من عليه السمة، إسم الوحش أو عدد إسمه" (19: 20؛ 20: 4). نستطيع أن نفسّر هذا الكلام تفسيراً معقولاً في إطار نموّ العبادة للإمبراطور، لا سيّما في آسية الصغرى. إنّ مفهوم العبادة للإمبراطور تطوّر في العالم الوثني القديم بعون عبادة الأوثان وتأليه الأبطال الأسطوريين. وفي الإمبراطورية الرومانية ألّهت الدولة فاستفاد الأباطرة من هذا الوضع ليقوّوا سلطتهم. بل ليجعلوا الناس يؤلّهونهم. فيوليوس قيصر تقبّل العبادة كإله وهو بعد حيّ. ففي أفسس بُني معبد يحمل هذه الكتابة: "إلى الالاهة رومة وإلى يوليوس الإلهي". تحفّظ أوغسطس فيما يخصّ رومة، ولكنه وافق على إقامة المعابد له في المقاطعات. وبعد موته عُبد في آسية الصغرى كما في الغرب. أمّا كاليغولا فما رضي بعبادة طوعية. بل فرض على عبيده في كل مكان أن يكرّموا تمثاله. وفي زمن نيرون تثبّتت عبادة الإمبراطور كنظام ديني. مع العلم أن اضطهاد المسيحيين في عهد نيرون لم يكن نتيجة مطالبة الإمبراطور بأن يُعبد، بلا لأنه احتاج إلى مجموعة يلقي عليها تهمة حريق رومة. وفي عهد دوميسيانس من تهرّب من تكريم الإمبراطور أخطأ في المجال السياسي واستحقّ العقاب. وهكذا صار الإضطهاد من قبل الدولة مؤسّساً على الدين. إنّ الصورة عن تثبيت عبادة الإمبراطور التي نجدها في رؤ 13 تنبىء بما سيصبح عليه الأمر فيما بعد. هناك صراع قريب بين الوفاء للمسيح والوفاء لقيصر. وهكذا يكون رؤ قد دوّن في عهد دوميسيانس. 
نجد داخل الكتاب نفسه بأنّ عاصفة الإضطهاد بدأت تهدأ بعض الشيء. فالكاتب نُفي إلى جزيرة بطمس (ولم يُقتل) "من أجل كلمة الله وشهادة يسوع" (1: 9). وإن كان هذا المنفى نتيجة عمل قامت به السلطة المحلّية، فمن المعقول أن نكون أمام سياسة عامة صادرة عن رومة. ففي الرسالة إلى برغامس، نعرف أن أنتيباس، الشاهد الأمين لله، قد حُكم عليه بالموت لأنه رفض أن ينكر إيمانه (2: 13). ونُبّه المؤمنون في سميرنة إلى ما ينتظرهم من ألم وسجن قد يصل بهم إلى التضحية بحياتهم (2: 10). ووُعد أهل فيلادلفية كنتيجة لأمانتهم: "سيحفظون من ساعة المحنة الآتية على العالم كله" (3: 10: إذن، لسنا فقط في نطاق محليّ). وحين فُتح الختم الخامس ظهرت "نفوس المذبوحبن من أجل كلمة الله والشهادة التي شهدوا بها" (6: 9). إنّ مثل هذا التصوير قد يعني الشهداء في كل مكان. ولكن التعليمة التي أُعطيت لهم بأن ينتظروا بعض الوقت لكي يكتمل عدد "رفاقهم في الخدمة" (آ 11)، تدلّ على أنّ الإضطهاد هو في الأفق.
ونحن نكتشف الإضطهاد في عدد من المقاطع خلال الحديث عن الزانية العظيمة (رومة) التي سكرت بدم القديسين والشهداء. نقرأ في 17: 6: "رأيت المرأة سكرى من دم القديسين ومن دم شهداء يسوع". وفي 18: 24: "فيك دم أنبياء وقديسين، ودم جميع المذبوحين على الأرض". وفي 19: 2 نقرأ نشيداً لله الذي "انتقم من يدها لدم عبّاده" (رج 16: 6؛ 4:20).
عاشت الكنيسة الأولى منذ البداية في جوّ وثني، ولم توافق الوثنيين على طريقة حياتهم (1 بط 4: 3). واعترفت بسلطة أرفع من سلطة الإمبراطور، ونظّمت اجتماعات لم يفهمها الحكّام على حقيقتها. أول مرة نشب الإضطهاد كان على أيام نيرون سنة 64 كما يقول تاقيتوس في حوليّاته (15: 14). إنحصر هذا الإضطهاد في رومة، فتميّز عن اضطهاد شامل يتحدّث عنه رؤ. وسيعود الإضطهاد إلى نشاطه في أيام دوميسيانس الذي ظنّ أنّ المسيحيين يشكّلون خطراً سياسياً عليه (هذا بالإضافة إلى الإتهام الديني). ويروي ديوكاسيوس أنّ دوميسيانس أعدم إبن عمّه فلافيوس كلمنس ونفى إبنة أخيه دوميتيلا إلى جزيرة بونطية لرفضهما الآلهة (أو: الالحاد). وتحدّث إكلمنضوس الروماني وهو معاصر لدوميسيانس عن "نكبات ومضايق مفاجئة حلّت بنا". وهذا ما يتوافق مع ما نعرفه عن دوميسيانس المتكبّر حتى الوقوع في مرض العظمة، وما قاله عنه المؤرّخون حول اضطهاده للمسيحيين. ومع أنّ انتشار الإضطهاد في أيامه لم يكن قوياً بشكل خاص، فلا نجد حقبة أخرى في القرن الأول توافق زمن كتابة رؤ. 
وهناك براهين أخرى تسند قولنا بأن رؤ كتب في عهد دوميسيانس. الأول: أسطورة نيرون التي نجدها في خلفية ف 13 و 17 لم تتوسّع فتُقبل قبل نهاية القرن الأول. الثاني: إن الانحطاط الروحي في أفسس وسارديس ولاودكية يتطلّب بعض الوقت. الثالث: وجود شيعة ضالة مع إسم معروف (النقولاويون) يفترض مسافة بين الزمن الرسولي وزمن رؤ. الرابع: غياب كل إشارة إلى عمل رائد لبولس في آسية الصغرى. الخامس: إستعمال متى وربّما لوقا، وهذا ما يجعلنا بعد سنة 085 السادس: قد لا تكون وُجدت كنيسة سميرنة قبل سنة 60- 064 السابع: يتحدّث رؤ 3: 17 عن كنيسة لاودكية الغنية، مع أن المدينة كانت قد دمّرت في زلزال سنة 60- 61 ب. م.
ونقدّم براهين القائلين بأن رؤ دوّن في عهد نيرون. الأول: في 11: 1- 2 قيس الهيكل. فهذا يعني أنه لم يكن بعد قد دمّر. ولكننا أمام إشارة رمزية تدلّ حقّاً على أن الهيكل دمّر وداسته الأمم الوثنية. وحين سمّى الكاتب "أورشليم" سدوم (11: 8)، فهو يعني أن مصيرها صار كمصير سدوم. الثاني: تفسير العدد 666 (13: 18) الذي يعود بنا إلى نيرون (ق ص ر: 100+ 60+ 200؛ ن ر و ن: 50+ 200+ 6+ 50= 666) كما في العبرية. إن إيريناوس الذي تحدث عن رؤ في بداية القرن الثالث لم يشر إلى نيرون (ضد الهراطقة 5/28- 30). ولكن التفسير الحديث يرى في نيرون نموذج المضطهد الذي في أيامه مات الرسولان بطرس وبولس. والسؤال الذي طرحه صاحب رؤ هو: إن كانت الكنيسة اضطهدت في رومة ولم تسقط، فهذا يدلّ على أن الله يحافظ على أمانته لها. لا في أيام نيرون وحسب. بل اليوم في عهد دوميسيانس وفي كل عهد تعرف الكنيسة الاضطهاد. هنا نتذكّر دانيال الذي إن قرأناه حرفياً حسبنا أن الكاتب عاش في زمن نبوكدنصر ودمار أورشليم سنة 587، وأنه ينظر إلى الأمام ويتنبأ على الممالك الآتية. أما الواقع، فهو أن دانيال عاش في أيام انطيوخس الرابع أبيفانيوس واضطهاده المريع لليهود سنة 163- 167. عاد الكاتب إلى الوراء وألقى نظرة على الأحداث التي سبقته، فـ "درسها" على ضوء كلمة الله. هو في موقع بشري، ولهذا عاد إلى الوراء ليكشف إرادة الله في شعبه. حماه الله خلال أعظم كارثة عرفها وهي دمار أورشليم. وهو يحميه اليوم خلال إضطهاد انطيوخس. فلماذا الخوف؟ أما إن جعل دانيال نفسه "في موقع الله"، فهو يؤكد أن التاريخ بيد الله وأن الملوك مهما عظموا يخضعون له. لهذا عاد إلى نبوكدنصر. ومثله عاد صاحب رؤ إلى نيرون. ولكنه في الواقع يعيش في أيام دوميسيانس
الثالث: تفسير سبعة رؤوس الوحش في 17: 10- 11 للقول بأن رؤ دوّن في زمن نيرون. الملوك الخمسة الذين سقطوا هم أوغسطس (27 ق. م.- 14 ب. م.) طيباريوس، كاليغولا، كلوديوس، نيرون (54- 68 ب. م.). ولكن من هو "الواحد القائم؟" قد يكون غالبا. وقد نصل إلى فيتاليوس. لا نتوقّف أكثر مما يجب على عدد الرؤوس السبعة التي تعني أول ما تعني التلال السبع التي عليها بُنيت مدينة رومة. ثم إن العدد 7 الذي يشير إلى الأباطرة، فهو يعني أن حقبة من اضطهاد انتهت، وبدأت حقبة ثانية مع العدد 8. هذا يعني أن على الكنيسة أن تعرف أن الاضطهاد يرافقها ما زالت أمينة لمعلّمها. فإن اتفقت مع "العالم" وساومت، كان لها راحة "سكان الأرض" وعبّاد الوحش.
وهكذا نقول إن رؤ في نسخته النهائية قد دوّن في عهد دوميسيانس، حوالي سنة 95. عاد إلى زمن نيرون، كما قلنا، ليأخذ منه عبرة بأن الله لا يتخلى أبداً عن كنيسته، كما هو لم يتخلّ أبداً عن شعبه. قد ذهب شعب التوراة إلى السبي. وتعرف الكنيسة الموت والمنفى. ولكن المؤمنين متأكّدون من الغلبة مستندين إلى أمانة الرب.

3- دخول سفر الرؤيا في الكنيسة
تفوّق رؤ على سائر أسفار العهد الجديد فعرف انتشاراً واسعاً وأقرّت به سريعاً كنائس عديدة. توجّه إلى سبع كنائس خاصة في آسية الصغرى. فكانت كل منها مركز إنتشار سفر الرؤيا في ما حولها، وهكذا وصل الكتاب إلى كل مقاطعة آسية الصغرى. وبما أن تعليمه تركّز على حقبة صعبة دخلت فيها الكنيسة كلها، تجاوز رؤ حدود آسية فوصل إلى المؤمنين في كل أنحاء الإمبراطورية.
ولكن اختلفت الآراء حول وجود آثار من رؤ لدى الآباء الرسوليين. قد نستطيع العودة إلى "راعي هرماس" في رؤاه (2: 2، 7؛ 4: 2، 5؛ 4: 3، 6) نقابلها مع رؤ 7: 14 و 3: 10. إن كاتب راعي هرماس قد اختطفه الروح (الرؤى 1: 1، 3). ونقرأ في رؤ 17: 3: "نقلني بالروح إلى البرية". وهناك صور مشتركة بين المؤلّفين: الكنيسة كإمرأة. عدوّها الوحش. الرسل هم جزء من بنائها الروحي. قد يكون راعي هرماس استقى من رؤ، وقد يكون استقى مع رؤ من تقليد جلياني مشترك.
وهناك موازيات مع رسالة برنابا. 21: 3 مع رؤ 22: 10، 12 (الوقت قريب. أجيء عاجلاً)؛ 7: 9 مع رؤ 1: 7، 13 (ها هو يأتي)؛ 6: 13 مع رؤ 21: 5 (كل شيء جديد). ومع أغناطيوس الانطاكي في رسالته إلى أفسس 15: 3. نقابل مع رؤ 21: 3 (مسكن الله مع البشر)، وفي رسالته إلى فيلدلفية 6: 1 مع رؤ 3: 12 (أكتب اسم إلهي).
وحسب أندرياس في مقدّمة تفسيره لسفر الرؤيا (القرن السادس)، إن بابياس أسقف هيرابوليس (منبج) في السنوات الأولى من القرن الثاني، عرف رؤ واعتبره ملهماً. يوستينوس الشهيد الذي عاش مدّة قليلة في أفسس وعلّم فيها بعد ارتداده (حوالي سنة 130) كتب: "رجل منا اسمه يوحنا، وهو واحد من رسل المسيح تنبّأ في وحي وصل إليه أن الذين يؤمنون بالمسيح سيكونون معه ألف سنة في أورشليم" (الحوار 81: 15). وهناك شاهد آخر يقوله إن رؤ أرسل إلى مليتون السارديسي الذي كتب حول الرؤيا حوالي سنة 175 كتاباً احتفظ أوسابيوس بعنوانه (التاريخ الكنسي 4: 26، 27).
وايريناوس مولود آسية الصغرى وأسقف ليون في جنوبي فرنسا، استشهد مراراً في كتابه "ضد الهراطقة" برؤيا يوحنا. هذا ما يدلّ على انتشار الكتاب السريع. وكتبت كنائس ليون وفيينا (فرنسا) إلى مؤمني آسية وفريجية كتاباً، فعادت إلى رؤ 14: 4؛ 12: 1؛ 19: 9؛ 22: 11 (التاريخ الكنسي 15: 58).
ودخل رؤ في لائحة موراتوري (نهاية القرن الثاني)، وهكذا وصل إلى رومة وقبلت به هذه الكنيسة. واللاهوتي الكبير هيبوليتس (القرن الثالث) عاش في رومة وأورد مقاطع من رؤ واعتبر أن صاحبها هو "رسول الرب وتلميذه". وفي قرطاجة، "ابنة كنيسة رومة"، اعتبر رؤ كتاباً له سلطانه. في نهاية القرن الثاني عاد ترتليانس، المدافع القرطاجي الكبير عن المسيحية، إلى رؤ وأورد مقاطع من 18 فصل من فصوله. وكان ذلك في السنوات الأولى من القرن الثالث (مثلاً، ضد مرقيون 3: 14، 4). وفي مصر اعتبر اكلمنضوس الاسكندراني رؤ كتاباً رسولياً (المربي 2: 119). ومثله فعل أوريجانس معاصره ومواطنه (شرح يوحنا 5: 3). وفي سورية العربية استعمل تيوفيلوس أسقف أنطاكية "شهادة من رؤيا يوحنا" في مقاله ضد الهرطوقي هرموجينس (أوسابيوس، التاريخ الكنسي 4: 24). قد نستطيع أن نذكر مراجع أخرى، وكلها تدلّ على أنه منذ نهاية القرن الثاني انتشر رؤ وقبلت به الكنائس على أنه كتاب مقدّس وانه نتاج يوحنا الرسول.
ولكن كانت مقاومة لسفر الرؤيا. من قبل مرقيون بسبب الطابع اليهودي للكتاب. ومن قبل مجموعة مناوئة لمونتانوس في آسية الصغرى: رذلوا رؤ بسبب رموز لا تحمل على التقوى، وبسبب أخطاء وجدت في الكتاب (مثلاً، لا وجود لكنيسة في تياتيرة). وإن غايوس ذاك المدافع الغيور ضد المونتانية في رومة، رفض رؤ واعتبره من تأليف قرنتيس الهرطوقي الذي تصوّر الألفية مستوى عالم الحواس (أوسابيوس، التاريخ الكنسي 3: 28). ردّ هيبوليتس على غايوس. ومنذ القرن الثالث فرض رؤ نفسه في الغرب، ما عدا بعض الشكوك عند إيرونيموس.
أما في الشرق فكانت معارضة طويلة لسفر الرؤيا. أراد ديونيسيوس الاسكندراني أن يردّ على نيفوس في موقعه الألفاني فتفحّص رؤ فأعتبره مهماً، ولكنه رفض القول بأن كاتبها هو يوحنا الرسول. وحين رُفضت "رسولية" الكتاب، طرح أسئلة حول قانونيته. فاوسابيوس القيصري (بداية القرن الرابع) تأثّر بديونيسيوس فقال إن رؤ كُتب بيد يوحنا الشيخ الذي يتحدّث عنه بابياس (التاريخ الكنسي 3: 39). وشكّ في هذا الكتاب أيضاً: كيرلّس، أسقف أورشليم (315- 386) ويوحنا فم الذهب (347 - 407) وتيودوريتس القورشي (386- 457). ثم إن رؤ لم يدخل في الأسفار القانونيه كما أعلنت في مجمع لاودكية (حوالي سنة 360). ولهذا ألغي من البسيطة التي هي الترجمة الرسمية للعالم السرياني.
ولكن بدأت "العودة" إلى رؤ منذ القرن الرابع مع اثناسيوس أسقف الاسكندرية. ثم جاء مجمع قرطاجة الثالث (397) فجعل رؤ بين الكتب القانونية التي تقرأ في الليتورجيا. وفي مجمع القسطنطينية (680) قُبل بسفر الرؤيا في الكنيسة الشرقية. أما اليوم فجميع الكنائس المسيحية تقرّ بقانونية سفر الرؤيا وإن اختلفت بعض الشيء في طرق تفسيره.
إن قرّاء رؤ الأوائل فهموا التعليم الأساسي لسفر الرؤيا بدون صعوبة تُذكر. ولكن مع مرور الأيام بدأ الغموض يسيطر حول المواعيد الاسكاتولوجية وتتمتها. فالكتّاب الأولون مثل يوستينوس دهايريناوس وهيبوليتس ارتبطوا بالنظرية الألفية فتحدّثوا عن ملك يدوم ألف سنة على الأرض، وتتبعه القيامة والدينونة وتجديد السماء والأرض. في القرن الثالث، أدخل فكتورينوس فكرة "نيرون العائد إلى الحياة" وفكرة "الإعادة والتجديد" التي فيها تتوازى سباعية الكؤوس مع سباعية الأبواق.
في كنيسة الاسكندرية توسّعت مقاربة تستند إلى الرموز، مستندة إلى الفكر اليوناني: فالملكوت المنتظر لم يقم. ثمّ كان هذا الموقف رداً على ما تحمل الحركة المونتانية من مغالاة على مستوى الألفانية. ولعب أوريجانس دوراً هاماً في إنهاض أسلوب الاستعارة في التأويل. يجب أن نقرأ الأسرار في رؤ، فنتخطّى المعنى الحرفي والتاريخي لنصل إلى المعنى الروحي. وسار تيكونيوس في خط أوريجانس وتبعه أوغسطينس في التفسير المستيكي والصوفي. أما في الشرق فلا نجد تفسيراً لسفر الرؤيا بسبب المعارضة التي قامت ضدّه ولا سيّما في العالم السرياني الذي كتب أسفار رؤى عديدة حتى في القرن السابع. ثم إن مخطوط سيناء العربي (كودكس 150) الذي يعود إلى سنة 867، فهو لا يتضمّن سفر الرؤيا مع أنه يتضمّن الأناجيل وأعمال الرسل وجميع الرسائل من بولس إلى بطرس ويوحنا ويعقوب ويهوذا.

خاتمة
هذه نظرة عامة إلى سفر الرؤيا تجعلنا نتساءل عن التعليم الذي أراد الرائي أن يحمله إلينا. هل نحن أمام تفسير روحي لحياة الكنيسة في أيام يوحنا، وبالتالي في كل تاريخ الكنيسة؟ هل نحن أمام درس للوقائع التاريخية؟ أما أراد بعض شرّاح القرون الوسطى في الغرب أن يجدوا في هذا الكتاب مراحل تاريخ الكنيسة حتى نهاية العالم؟ وأما رأى عدد من معاصرينا في رؤ تسلسلاً للتاريخ المعاصر ليوحنا، وللتاريخ التي تعيشه البشرية اليوم؟ كلها اسئلة ما زال الناس يطرحونها اليوم علّهم يجدون جواباً على الخوف الذي ينتابهم من نهاية العالم. أما نحن فنفهم رؤ إنطلاقاً من محنة تعيشها كنيسة يوحنا. عادت إلى سنة 64- 67 وحكم نيرون. بل عادت إلى أسفار العهد القديم وقدّمت جواباً للمسيحيين العائشين في نهاية القرن الأول والمعرّضين لاضطهاد مريع. يتوجّه رؤ أول ما يتوجّه إلى معاصري يوحنا لكي يشجّعهم ويذكّرهم بأمانة الله لكنيسته. ولكن كلمة الله هي هي أمسك واليوم وإلى الأبد. وهي بالتالي تتوجّه إلينا اليوم لا لتخبرنا بأمور تاريخية، بل لتقوله لنا كلمة الله في الحاضر الذي نعيشه.

 

 

الفصل الثاني
تكوين سفر الرؤيا

عرف الشعب المسيحي أنّ الرسول يوحنا هو صاحب كل الكتب اليوحنّاوية، أي الإنجيل الرابع، رسائل يوحنا الثلاث، سفر الرؤيا. ولكن رغم التقاطع على مستوى اللاهوت واللغة، فالأبحاث في النقد الأدبي واللاهوت البيبلي تدعونا إلى فرضية تقول بأنّ المدوّن الأخير لسفر الرؤيا قد لا يكون ذاك الذي دوّن الإنجيل والرسائل. مثل هذا القول، يجب أن لا يقلقنا ولا أن يبلبلنا. فحين تعلن الكنيسة "قانونية" (هو كتاب يؤسّس العقيدة والأخلاق لأنه يرتبط بالله) أحد الكتب، فهي تؤكّد أنّ الإلهام الإلهي يُضفي على هذا الكتاب يقين كلمة الله وحقيقتها.. ولكن هذا الإعلان يترك الباب مفتوحاً أمام المسائل الأدبية والتاريخية. إن قرارات الكنيسة تعني انتماء الكتاب إلى "قانون" (لائحة) الأسفار المقدّسة. أما سائر المسائل فمتروكة لتمييز الشرّاح والمؤرّخين الواعين لمسؤولياتهم.
يتضمّن سفر الرؤيا، شأنه شأن سائر الأسفار، كلام الله. لهذا تعلن الكنيسة قانونيته، دون أن تفرض رأيها حول ما يتعلّق في هوية الكاتب وزمن كتابة هذا السفر أو ذاك. فحين ننفي تأكيداً قيل في السابق على مستوى الدراسة الأدبية والتاريخية، فنحن لا نترك خطّ الكنيسة، بل نحاوله أن نقوم ببحث بشري يساعدنا على الإحاطة بالإطار الذي يحيط هذا السفر من الأسفار المقدّسة.

1- مستوى المراجع
نطرح السؤال: هل هناك كتاب واحد أم أكثر؟ هل دوّن رؤ على مراحل؟ هنا نقابل أولاً بين يو ورؤ، ثم نتوقّف عند التكرارات التي تتيح لنا أن نكتشف المراجع.
أ- إنجيل يوحنا وسفر الرؤيا
إنّ أسلوب ولغة يو ورؤ يعودان إلى طريقة التفكير والكتابة في العالم اليهودي. ثم إن هناك تقارباً بين الكتابات اليوحناوية ونصوص قمران، والسبب يعود إلى التحاق مجموعات من قمران بالمدرسة اليوحناوية مع غناها الفكري: فالرنّة الليتورجية في تعليم يوحنا، نجدها في كتابات قمران. ثم إننا نجد وراء صورة المسيح الربّ حقائق لاهوتية مشتركة بين الإنجيل الرابع وسفر الرؤيا. نحن هنا أمام تعابير تميّز أسلوب يوحنا ومدرسته.

أولاً: صورة حمل الله
نقرأ هذه العبارة مرتين في إنجيل يوحنا (1: 29، 36) على لسان المعمدان. في المرة الأولى، رأى يسوع مقبلاً إليه فقال: "ها هوذا حمل الله" (يو 1: 29). ثم تابع شهادته الموجّهة إلى تلاميذه والذين حوله، أو بالأحرى الموجّهة إلى الكنيسة وإلينا. في المرة الثانية، كان مع اثنين من تلاميذه. ولما قال "هذا حمل الله" (يو 1: 36)، تبع التلميذان يسوع وأقاما معه ذلك اليوم كله. وسنجد تلميحاً إلى هذا الحمل أيضاً عند موت يسوع. فيسوع هو الحمل النهائي الذي "لا يكسر له عظم" (يو 19: 36) على مثال حمل الفصح عند اليهود (خر 12: 46: لا يكسر عظم).
وترد عبارة "الحمل" مراراً عديدة في سفر الرؤيا. ففي الليتورجيا الأولى، رأى الرائي "بين العرش (حيث يقيم الله) والكائنات الحية الأربعة (أي الخليقة كلها الموزّعة في أربعة أقطار الكون) وبين الشيوخ (كانوا 24. مثّلوا آباء العهد القديم ورسل العهد الجديد) حملاً واقفاً كأنه مذبوح" (5: 6)0 الحمل هو واقف لأنه قام من بين الأموات. هو مذبوح لأنه قدّم ذاته على الصليب فانتصر على الموت. لقد مات المسيح عنا، وهو لا يزال يحمل آثار آلامه حتى نهاية العالم. هذا الحمل ستسجد له الكائنات الحية... لأنه إله، لأنه الرب (5: 8). وله القدرة والمجد والحمد (5: 12). وله "الجبروت إلى أبد الدهور" (آ 13). هذا الحمل هو الذي يفضّ الختوم السبعة (كان الكتاب مختوماً بملء الأختام بحيث لا يستطيع أحد أن يقرأه ويفهمه إلا يسوع المسيح، 5: 5)، ويبدأ بأولها (6: 1). فيخاف من غضبه جميع الخطأة (6: 16). غضبه يشبه غضب الله لأنه مساوٍ لله. رج أيضاً 7: 9، 10، 14، 17؛ 12: 11؛ 13: 8؛ 14: 1، 4، 10؛ 15: 3؛ 17: 14؛ 19: 7، 9؛ 21: 9، 14، 22، 23، 27؛ 22: 1، 3، 14.
ثانياً: الشهادة
ترد لفظة الشهادة وفعل شهد مراراً في إنجيل يوحنا. فيوحنا المعمدان جاء للشهادة لكي يؤمن الناس على يده (يو 1: 7-8). ولما بدأت شهادته (آ 9) إعترف ولم ينكر بأنه ليس المسيح، بل صوت صارخ. والكنيسة تشهد أمام العالم اليهودي الذي يمثّله نيقوديمس: "نحن نشهد بما رأينا ولا تقبلون شهادتنا" (يو 3: 11). فشهادتنا تستند إلى شهادة يسوع (آ 32- 33). ويورد يسوع الشهادات التي تتحدّث عنه: يوحنا، الأعمال، بل "الآب نفسه شهد لي" (5: 31- 36). ويعود يسوع إلى شهادة الآب له في 8: 13-17 (رج 9: 35؛ 21: 24).
وفي سفر الرؤيا يبدأ الكتاب بالسبب الذي لأجله نُفي يوحنا: شهادة يسوع (1: 9). وحين يُفضّ الختم الخامس، سيرى الرائي "نفوس المذبوحين في سبيل كلمة الله والشهادة التي شهدوها" (6: 9)، كما سيرى شهادة الشاهدين اللذين يمثّلان الكنيسة والمسيح، كما يمثّلان موسى وإيليا، وبطرس وبولس (11: 7). ونقرأ في 12: 11 عن إخوتنا الذين غلبوا ذاك الذي يتهمهم (أي: الشيطان). "غلبوه بدم الحمل وبشهادتهم له، وما أحبّوا حياتهم حتى في وجه الموت". وقد ذهب التنين يقاتلهم لأنهم يتمسّكون بشهادة يسوع (آ 17؛ 19: 10؛ 20: 4).
ثالثاً: صور أخرى
وهناك أيضاً صورة الماء. ذاك الذي يطلبه يسوع من السامرية، فتطلبه هي منه في النهاية: "أعطني هذا الماء لكي لا أعطش البتة" (يو 4: 15). كان يسوع قد قال لها: "لو كنت تعرفين عطية الله، ومن ذا الذي يقول لك: أعطيني لأشرب! إذن لكنت أنت تسألينه فيعطيك ماء حياً" (آ 10).
هذا الماء هو الروح الذي سيُعطى للكنيسة بعد أن يُمجّد يسوع (يو 7: 38). ويحدّثنا سفر الرؤيا عن الماء الجاري ويدعونا قائلاً: "من كان عطشاناً فليأت. ومن شاء فليأخذ مياه الحياة مجاناً" (22: 1، 17).
وهناك صورة نهر الحياة في يو 7: 38: "من آمن بي فستجري من جوفه أنهار ماء حيّ". وفي رؤ 22: 1: "أراني الملاك نهر الحياة صافياً كالبلّور ينبغ من عرش الله والحمل". إنّ النهر يتفجّر من الهيكل كما يقوله حز 47: 1- 12. وفي أورشليم الجديدة، الهيكل هو الله والحمل (رؤ 21: 22)0 أجل، إنّ الحياة تأتي مباشرة من الله ومن الحمل. وهناك أخيراً صورة الكنيسة التي هي عروس الحمل. في يو 3: 29 نقرأ بلسان يوحنا المعمدان: "من له العروس فهو العريس. وأما صديق العريس، القائم بقربه ويسمعه، فإنه يهتزّ فرحاً لصوت العريس". ونقرأ في رؤ 21: 2: "وأنا يوحنا رأيت المدينة المقدّسة، أورشليم الجديدة، نازلة من السماء من عند الله، كعروس تزيّنت واستعدّت للقاء عريسها". هذه العروس هي "زوجة الحمل" (آ 9) التي ترافق الروح لتنادي عروسها: تعال، ماراناتا (22: 17). في العهد القديم، يُعتبر إسرائيل بعض المرات عروس الرب (هو 2: 21؛ حز 16: 8؛ أش 62: 4- 5). في العهد الجديد، الكنيسة هي عروس المسيح (2 كور 11: 2؛ أف 5: 25- 31). وهكذا يرى يوحنا في هذا الخط أنّ يسوع هو رئيس شعب الأزمنة الأخيرة.

رابعاً: إختلافات ظاهرة
ولكن مع هذه النقاط التي تدلّ على تقارب بين يو ورؤ، هناك اختلافات ظاهرة. مثلاً، لغة سفر الرؤيا المتأثّرة بالعالم السامي تختلف عن لغة الإنجيل والرسائل. أسلوب يوحنا مجرّد، تعليمي، رتيب، ناشف وقليل الصور. أمّا رؤ فدوّن في لغة ملموسة ومصوّرة. إنه نهر لا ينضب من الرموز والصور التي تتغلغل في هذا الكتاب النبويّ.
وهنا يُطرح السؤال الجوهري: هل نكتفي بالقول إنّ سفر الرؤيا يقدّم رؤية نبويّة؟ وهل نستطيع أن نؤكّد أنّ كاتباً واحداً دوّن يو ورؤ؟ وهكذا راح بعض الشرّاح يتحدّثون عن "يوحنا" (رؤ 1: 9) آخر وهو غير الذي كتب الإنجيل الرابع.

ب- التكرارات
ها نحن نورد بعض هذه التكرارات التي جعلت بعض الشرّاح يتحدّثون عن مراجع كما في أسفار موسى الخمسة.
* سقوط الشيطان
نقرأ في 12: 9، 12: "وسقط التنين العظيم إلى الأرض، وهو تلك الحيّة القديمة والمسمّى إبليس أو الشيطان، خادع الدنيا كلها، وسقط معه ملائكته... فافرحي أيتها السماوات ويا أيها الساكنون فيها. الويل للبرّ والبحر لأنّ إبليس نزل إليكما وكله غضب لأنّ أيامه قصيرة". ثم نقرأ في 20: 2- 3: "فأمسك (الملاك) التنين، تلك الحيّة القديمة، أي إبليس أو الشيطان، وقيّده لألف سنة (أي: الزمن الذي يفصل مجيء المسيح عن نهاية الزمن) ورماه في الهاوية وأقفلها عليه وختمها، فلا يضلّل الأمم بعد حتى تتمّ الألف سنة، ولا بدّ من إطلاقه بعد ذلك الوقت بقليل". إنّ عمل إبليس محدّد وآخرته فشل محتّم.
* رؤية الوحش
يصوّر 13: 1، 3، 8 الوحش كما يلي: "ورأيت وحشاً خارجاً من البحر (يمثّل سلطة رومة السياسية)، له سبعة رؤوس وعشرة قرون، على قرونه عشرة تيجان، وعلى رؤوسه أسماء التجديف... وظهر أحد رؤوس الوحش كأنه مجروح حتى الموت فشُفي من جرحه المميت، فتعجّبت الأرض كلها وسارت وراء الوحش... فيسجد له جميع سكان الأرض كلهم، أولئك الذين أسماؤهم غير مكتوبة منذ بدء العالم في كتاب الحياة، كتاب الحمل الذبيح". ونجد في 17: 3، 8: "فحملني بالروح إلى الصحراء، فرأيت إمرأة تجلس على وحش قرمزي مغطّى بأسماء التجديف، له سبعة رؤوس وعشرة قرون... والوحش الذي رأيته كان وما عاد كائناً. سيصعد بعد قليل من الهاوية ويمضي إلى الهلاك. وسيتعجّب سكان الأرض الذين أسماؤهم غير مكتوبة منذ بدء العالم في كتاب الحياة عندما يرون الوحش، لأنّه كان وما عاد كائناً وسيظهر ثانية".
* سقوط بابل
نقرأ في 14: 8: "وتبعه ملاك ثان آخر يصيح: سقطت، سقطت بابل العظيمة التي سقت الأمم كلها من فورة خمر زناها". بعد المنفى، صارت بابل تسمية نموذجية للممالك المعادية لله وشعبه. وستكون آخرتها اللعنة (أش 46: 1- 3؛ 47: 1- 15...). وفي 18: 2- 3: "وصاح (الملاك) بأعلى صوته: سقطت، سقطت بابل العظيمة! صارت مسكناً للشياطين ومأوى لجميع الأرواح النجسة وجميع الطيور النجسة البغيضة! لأن الأمم كلها شربت من فورة خمر زناها، وملوك الأرض زنوا بها، وتجّار العالم اغتنوا من كثرة نعيمها". هنا نتذكر أش 13: 21: "تربض وحوش القفر ويملأ البوم بيوتها، تأوي إليها طيور النعام وترقص فيها معز الوحش أو شياطين البرية". يشدّد النبي على رخاء القصور والتعاسة الحاضرة. كما نتذكر إر 50: 39: "تسكنها وحوش القفر والثعالب، وتأوي إليها بنات النعام. لا يسكنها إنسان بعد اليوم إلى الأبد". إن هذه الصور تدلّ على أنّ بابل، أمّ المدن، قد صارت قفراً وخراباً.
* رؤية أورشليم المقبلة
نقرأ في 21: 1-8: "وأنا يوحنا رأيت المدينة المقدّسة، أورشليم الجديدة، نازلة من السماء، من عند الله، كعروس تزيّنت واستعدّت للقاء عريسها... ها هو مسكن الله والناس: يسكن معهم ويكونون له شعوباً. الله نفسه معهم ويكون لهم إلهاً...". وفي 21: 9- 22: 5، نقرأ: "في الروح إلى جبل عظيم شاهق وأراني المدينة المقدّسة نازلة من السماء من عند الله...". إنّ موضوع أورشليم الجديدة التي تنزل من السماء، يضمّ موضوعين من العهد القديم: أورشليم الإسكاتولوجية المثالية (أش 60؛ 62؛ 65: 18- 25). ثم، نماذج سماوية عن علامات لحضور الله وسط شعبه (خر 25). هذا ما سيفعله الله من أجل المدينة المقدسة التي هي الكنيسة في واقعها المثالي المجيد عند عودة الرب. وهي تُسمّى أورشليم لأنها تجمع شعب الله. وهي تأتي من السماء لأنها ليست نتيجة تحقيق بشري، بل جماعة أسّسها الله وأنعشها.
وجاء رأي يفرض نفسه شيئاً فشيئاً: وُجدت كتابات أولانية، فصارت أساساً لتصميم سفر الرؤيا كما نجده في الوضع الحاضر. ولكن من ألّف هذه الكتابات الأولانية؟ متى ألّفها، وفي أية لغة ألّفها، ولماذا ألّفها؟ هل كانت نصوصاً يهودية تنصّرت، أم هي نصوص مسيحية منذ البداية؟ مَن دمج هذه المراجع المختلفة لكي يعطينا النصّ الحالي؟ هل مرّ التدوين في مراحل أدبية مختلفة متبل أن يصل إلى شكله النهائي؟ أسئلة ما تزال مطروحة، وقد تبقى مطروحة مدة طويلة. أمّا نحن، فيكفي أننا أشرنا إلى هذه التكرارات التي قد تكون وليدة تقليد شفهي. وفي أي حال، سنقرأ النصّ كما هو أمامنا دون البحث عن جذوره.

2- كاتب سفر الرؤيا
لقد تساءل الناس عن هوية كاتب رؤ منذ زمان بعيد، لا منذ القرن الثامن عشر فقط. إنّ صاحب رؤ يسمّي نفسه مرّات عديدة: "يوحنا" (1: 1، 4، 9؛ 22: 8). هل هو الرسول يوحنا إبن زبدى وأخو يعقوب (1 مر 1: 19)؟ وهل الرسول هو كاتب الإنجيل الرابع وسفر الرؤيا؟ أم أن كاتب رؤ هو يوحنا آخر، هو كاهن من آسية الصغرى عاش في محيط الرسول؟
أ- الموقف الأول
الموقف الأول هو موقف التقليد المسيحي الذي يؤكّد أنّ الإنجيلي يوحنا هو الذي كتب سفر الرؤيا. وها نحن نذكر الأسماء.

* يوستينوس الشهيد
كتب في حواره مع اليهودي تريفون حوالي سنة 151-155 ما يلي: "واحدٌ منا، إسمه يوحنا، ورسول المسيح، قد نال وحياً نبوياً يعلن لمؤمني المسيح أنهم سيقيمون ألف سنة في أورشليم. وحينئذ تحصل القيامة العامة والأبدية، كما تحصل في الوقت عينه دينونة جميع البشر" (81/ 4).
* قانون موراتوري
هو قصيدة تعليمية مؤلّفة من 22 بيتاً. دوّنت سنة 180 تقريباً. واكتشفها موراتوري في مكتبة ميلانو الأمبروسية، ونشرها سنة 1740. قال: "في الرؤيا كتب يوحنا إلى سبع كنائس. ولكنه في الواقع يتوجّه إلينا كلنا". ولكننا نجد بعض الشكّ والإرتياب في هذه الوثيقة. قال: "وتسلّمنا أيضاً رؤيا يوحنا ورؤيا بطرس اللذين لا يريد بعض منا أن يقرأهما في الكنيسة".
* كتّاب من القرن الثالث
إيريناوس، أسقف ليون في فرنسا (+ 206) في كتابه ضدّ الهراطقة. ترتليانس (+ 220) في كتابه ضدّ مرقيون. إكلمنضوس الإسكندراني (+ 215) في كتابيه المربيّ وأي غني. هيبوليطس الروماني (+ 235) وتلميذ إيريناوس في كتابه "ضدّ المعادي للمسيح". أوريجانس (+ 255) في تفسير إنجيل يوحنا. كل هؤلاء أكّدوا أن يوحنا الرسول قد كتب الإنجيل الرابع وسفر الرؤيا.
ب- الموقف الثاني
هو موقف الذين يعارضون أن يكون يوحنا الرسول والإنجيلي، هو صاحب رؤ.
* غايوس
كاهن روماني عاش في بداية القرن الثالث وأعلن في حواره مع بروكلوس (إحتفظ بهذا الكلام أوسابيوس في التاريخ الكنسي) ان رؤ كتاب دوّنه قرنتيس الغنوصي وربطه باسم يوحنا.
* ديونيسيوس الإسكندراني (+ 264)
لا يرى أنّ يوحنا الرسول هو الذي ألّف رؤ. فهناك يوحنا آخر دوّن هذا السفر. وأورد البرهان الذي نجده في التاريخ الكنسي لأوسابيوس. وبحسب هذا البرهان، نجد في أفسس مدفنين على اسم يوحنا. ويعلن ديونيسيوس أنّ لا شيء مشتركاً بين رؤ والإنجيل الرابع ورسائل يوحنا.
* أوسابيوس القيصري
بدا موقفه متردّداً بالنسبة إلى كاتب رؤ. ترك السؤال مفتوحاً، بل دافع عن "يوحنا آخر" غير الإنجيلي والرسول. وهذا ما كتبه في التاريخ الكنسي: 
"أن يكون هذا الكتاب ليوحنا، لن أعارض وأوافق على أنه كتاب رجل قديس وملهم من الله. ولكني لا أقبل بسهولة أن يكون هو الرسول وابن زبدى وأخ يعقوب، الذي ترك لنا الإنجيل "حسب يوحنا" و"الرسالة" الكاثوليكية. أظنّ، إنطلاقاً من الكلام ومما يسمّى ترتيب الكتاب أن ليس (يوحنا) نفسه... إنّ يوحنا لا يتكلّم في أي مكان عن نفسه، لا في صيغة المتكلّم ولا في صيغة الغائب. أما صاحب رؤ فيجعل نفسه منذ البداية في الواجهة... لم يقل، كما قال في الإنجيل مراراً، إنه التلميذ الحبيب إلى الرب، أو إنه استند إلى صدره... فالإنجيل والرسالة (الأولى) يتوافقان ويبدأان بالطريقة عينها... أما رؤ فهو يختلف كل الإختلاف عن هذين الكتابين ويبدو غريباً عنهما. إنه لا يرتبط بهما وليس بقريب منهما. ونستطيع القول إنّ رؤ لا يمتلك معهما لفظة واحدة".
لا يبدو من المعقول أن حكم أوسابيوس حول المسألة يستند إلى أبحاث شخصية في العهد الجديد. فهو قد اتبع وجهة ديونيسيوس الإسكندراني ومنه أخذ برهان المدفنين اللذين يحملان إسم "يوحنا". ويتابع أوسابيوس كلامه فيقول: "وهكذا بانت لنا بواسطة هذه الكلمات حقيقة الرأي الذي يقول بوجود رجلين بهذا الإسم في آسية (آسية الصغرى، أي تركيا)، وبوجود مدفنين في أفسس يُقال فيهما الآن انهما مدفنا يوحنا".
إنه لمن الأهمية بمكان أن ندرك الحسّ اللاهوتي الذي تمتّع به هؤلاء الكتّاب. ردّ ديونيسيوس الإسكندراني على الطرح الذي يعتبر الرسول يوحنا صاحب رؤ، وفي الوقت عينه طالب بقانونية هذا الكتاب، أي طلب إدخاله في اللائحة القانونية التي تتضمّن أسفار العهد الجديد. وإذ عدّد أوسابيوس في التاريخ الكنسي الكتب التي تعترف بها الكنيسة، ذكر أيضاً سفر الرؤيا وزاد "إذا بدا هذا صحيحاً". وجاء إثناسيوس الإسكندراني بعد بضع سنوات فأعلن في رسالة العيد التاسعة والثلاثين (367) التي كانت حاسمة بالنسبة إلى الكنيسة اليونانية، أعلن أنّ رؤ هو في عداد أسفار العهد الجديد القانونية السبعة والعشرين.
ج- إستنتاجات
توضّح السؤال حول قانونية رؤ. ويبقى السؤال حول كاتب رؤ. لا يزال الشرّاح يعرض أجوبة جديدة. أمّا نحن فنقدّم الإستنتاجات التالية: 
أولاً: يبدو أنّ يوحنا الرسول والإنجيلي ليس كاتب رؤ كما نقرأه في العهد الجديد. قد يكون دوّن داخل المدرسة اليوحنّاوية وبروح يوحنا. ولكن يداً أخرى دوّنته. وقد سمّى بعض التقليد هذا الكاتب: يوحنا الشيخ أو يوحنا الكاهن.
ثانياً: إنّ الذي نعم برؤى بطمس والذي يسمّي نفسه يوحنا (1: 1، 4، 9؛ 22: 8) قد يكون يوحنا الرسول نفسه الذي نقل فكره إلى "تلاميذه". وقد يكون شخصاً آخر عرف فكر الرسول وأسلوبه، كما عرف الأدب اليهودي الجلياني. قد يكون تلميذَ يوحنا أو سكرتيراً له.
ثالثاً: يستعمل رؤ رؤى سابقة ليوحنا، دوّنت في العالمين اليهودي والمسيحي: هذا ما تدلّ عليه الطبقات الأدبية واللاهوتية، والتكرارات والمعارضات والإختلافات. لن نقسم رؤ كما قسم الشرّاح أسفار البنتاتوكس إلى أربعة مراجع. ولكنا نقول بأن مدوّناً أخيراً صاغ النصوص الجليانية السابقة ليوحنا، ووضع لمساته زائداً أموراً عديدة أخذها من يوحنا نفسه (8:13؛ 8:17).
رابعاً: قد نستطيع أن نتكلّم عن كتّاب عديدين، توزّعوا على فترة من الزمن. وليس في الضروري أن تكون أقوالهم انتُقلت كتابة فقد انتُقلت بالشفاه والذاكرة. قد يكون أول "كاتب" صاغ القسم الجلياني يبدأ مع ف 4) منطلقاً من مراجع عديدة. وقد يكون جاء "كاتب" آخر فوضع لمسات "يوحناوية". وإذ أراد أن يجعل هذا التعليم آنياً وقريباً من الناس، جعل قبل النصّ الجلياني بحصر المعنى، الرسائل السبع إلى الكنائس، وهي تدلّ على زمان ومكان كتابة رؤ في شكله الأخير.
نحن هنا على مستوى الفرضيات. فالجواب الأخير حول كاتب رؤ لم يصل إلينا بعد.
خامساً: متى وأين دوّن رؤ
كتب إيريناوس (ليون، حوالي 200): "رؤي هذا الكتاب منذ زمن قريب. ولكن ما حدث فيه حدث خلال جيلنا، في نهاية حكم دوميسيانس".
نتذكر هنا أنّ القرارات المتعلّقة بعبادة الإمبراطور، قد ظهرت في. عهد الإمبراطور دوميسيانس، الذي امتدّ من 13 أيلول 81 إلى 18 أيلول 96. طرحت سؤالاً محرجاً على المسيحيين فعرّضتهم للإضطهاد. ثم نأخذ بعين الإعتبار أنّ أوسابيوس يجعل منفى يوحنا في بطمس في السنة 14 لحكم دوميسيانس. وهكذا يكون رؤ قد ظهر في شكله النهائي سنة 95 أو 96. قد يكون تدوينٌ أول تمّ على أيام الإمبراطور فسباسيانس (69-79). والتدوين الأخير في أيام دوميسيانس.
أين دوّن رؤ؟ في منطقة متأثرة بكنيسة أفسس. وما يدلّ على ذلك، الأشخاص الذين وجّهت إليهم الرسائل، والصعوبات والتوتّرات الموجودة بين المسيحيين.

3- يوحنا نبيّ في آسية الصغرى
من هو يوحنا هذا الذي وضع اللمسات الأخيرة على رؤ؟ ما هي علاقته بيوحنا الرسول؟ نقول: إن لم يكن كاتب واحد ألّف يو ورؤ، فهذان الكتابان قد دوّنا في المحيط نفسه. نحن في أسرة يوحناوية، في مدرسة يوحناوية.
ونطرح السؤال حول الدور الذي لعبه "يوحنا" هذا داخل الجماعة.
في بداية الكنيسة تأسّس تنظيم الجماعة على الرسل والأنبياء (1 كور 12: 28؛ أف 2: 20؛ 3: 5؛ 4: 11؛ أع 13: 1). ويبدو أن رؤ عرف فقط الأنبياء بجانب الرسل (18: 20، 24؛ 22: 9): "إفرحوا أيها القديسون (أي المؤمنون) والرسل والأنبياء". "شوهد دم الأنبياء والقديسين وجميع الذين سقطوا قتلى في الأرض". "أنا عبد مثلك ومثل إخوتك الأنبياء وجميع الذين يعملون بكلام هذا الكتاب".
كان الأنبياء متجوّلين، أو هم ارتبطوا بجماعات تقوم بأودهم. قال تعليم الرسل (ديداكيه): "تأخذ من كل بواكير معصرتك وبيدرك وبقرك وغنمك، وتعطيه للأنبياء، لأنهم عظماء كهنتك". أما دورهم فيقوم بأن يعرّفوا الجماعات (بفضل الروح) إلى شهادة يسوع، ويحرّضوهم على ممارسة كلامه. إنّ إنجيل متى يتحدّث مراراً عن الأنبياء (مت 23: 34: ها أنا أرسل إليكم أنبياء وحكماء وكتبة) فيعطينا فكرة عن التنظيم الكنسي في زمان كتابة رؤ.
في نهاية القرن الأول، حلّ محلّ هذا التنظيم الأوّل نمطٌ جديد من البنية "الملكية" المؤسسة على الأسقف وحلقة الكهنة والشمامسة. هذا ما يشهد له تعليم الرسل الذي دوّن في ذلك الوقت. ففي ف 11-13، عالج السلوك الواجب تجاه الرسل والأنبياء، فيما يخصّ التمييز والإستقبال والأجرة. وفي ف 15 (قد تكون نسخة ثانية) نقرأ: "إختاروا أساقفة وشمامسة يليقون بالرب. رجالاً ورعاة، متجرّدين، صادقين وممتحنين، لأنهم يقومون تجاهكم بوظيفة الأنبياء والمعلّمين. إذن، لا تحتقروهم. بل كرّموهم كما تكرّمون الأنبياء والمعلّمين".
إستعاد الأسقف الإرث النبوي ووجّهه نحو التعليم والتدبير المادّي. زال الشهود الرسوليون، وامتدّت الكنيسة ووجدت الإنشقاقات والهزطقات. كل هذا دفع الكنيسة لكي تكيّف تنظيم السلطة فيها. وهكذا سوف نرى أساقفة في كل آسية الصغرى. ولكن حين يطلب اغناطيوس الأنطاكي أن يحتفل بالأفخارستيا حول الأسقف، فهذا يعني أنّ الفكرة لم تدخل بعد في جميع العقول.
دوّن رؤ سنة 95 (أو 96) فلم يذكر إلاّ الأنبياء. وهكذا حيث يتحدّث رؤ عن ملاك كل كنيسة، نفكّر في المسؤول عن تلك الكنيسة دون أن نحدّد صفته. والتنظيم المسيطر هو التنظيم النبويّ الذي لا يزيله إلى فوضى المونتانية في القرن الثاني.
إذن، يوحنا "نبيّنا" ليس شخصاً منعزلاً يعيش على هامش الجماعة، ولا عضواً في مجموعة غريبة جاءت من فلسطين إلى أفسس. إنه مسؤول في الجماعة. وهو يشارك الجميع في تحمّل الإضطهاد والجهاد في الإيمان. هذا ما كلّفه المنفى إلى بطمس. إنه قائد مجموعة الأنبياء الموزّعين على الكنائس السبع. موضعه مميّز وهو يشبه موضع بولس في الكنائس التي أسّسها. وستكون له حرب مع حلقات نبوية أخرى، لأنه يراها تميل في تعليمها عن الإيمان المستقيم (2: 14، 20- 24).
كيف تصوّر هذا "النبي" تعليمه في رؤ؟ نحن أمام وحي. أمام كشف لعمل يسوع بواسطة يسوع نفسه. هو لا يستعمل "أبوكالبسيس" (وما فيها مني خفي) إلاّ في هذا الموضع. أما فعل "أبوكالبتاين" فلا يستعمله أبداً. إنه يفضّل كلمة "شهادة". فما يهمّه هو الخبرة النبوية المسيحية لا سيّما تلك التي في خطّ بولس الرسول الذي قال في رسالته إلى غلاطية: "إنّ الإنجيل الذي بشّر به على يدي، ليس هو إنجيل بشر. لأني ما تسلّمته ولا تعلّمته من إنسان، بل بوحي يسوع المسيح" (1: 11- 12).
وتعليم هذا النبي هو تعليم في زمن الإضطهاد. تعليمه هو تعليم رعائي. فبداية رؤ هي بداية رسالة، لا بداية مؤلف نظري. "من يوحنا إلى الكنائس السبع في آسية" (1: 4). والتمنّي الأخير في 22: 21 (فلتكن نعمة الرب يسوع معكم أجمعين) يذكّرنا، شأنه شأن البداية، برسائل القديس بولس.
كتب يوحنا إلى مجموعة كنائس تعيش حالة من الإضطهاد. سمّى دوميسيانس نفسه "الربّ والإله". وما طلب من المسيحيين هو عبادة الإمبراطور ومن خلالها عبادة الدولة. أراد يوحنا أن يواجه هذا الوضع الخطر للكنيسة، فكتب رؤ. فهناك مسيحيون يساومون محاولين التوفيق بين الإيمان المسيحي وسلوك يستوحي متطلّبات العالم الوثني بما فيه من شرك وعبادة أصنام. هذا هو وضع النقولاويين في 2: 6، 15. إكتشف يوحنا الخطر ونبّه المسيحيين إليه. كتب فذكّرهم بإيمان الكنيسة الأولى، وحاول أن يسلّحهم في هذا الجهاد مصوّراً لهم انتصار الحمل وداعياً إياهم إلى قرار حازم يفرض عليهم متطلّباته.
فإذا أردنا أن نفهم رؤ، نضع أمامنا الظروف السياسية والإجتماعية الملموسة التي وجدت فيها الكنائس نفسها. هناك وضع حاضر تعيشه الآن الكنيسة في عهد دوميسيانس بعد أن انفصلت عن العالم اليهودي، فلم يعد لها وضع قانوني تستند إليه. وهناك وضع سابق تعود إليه أيام الإمبراطور نيرون الذي قُتل في أيامه بطرس وبولس وعدد كبير من المسيحيين. ويتساءل الكاتب: هل زالت الكنيسة في زمن نيرون؟ الجواب هو كلا. والبرهان هو أنها ما تزال حيّة الآن، وهي تنتشر يوماً فيوماً داخل العالم الروماني وخارجه. فلماذا نخاف اليوم في عهد دوميسيانس؟ الله هو أمين. وأبواب الجحيم لن تقوى على كنيسته. هذا هو اليقين الذي أراد رؤ أن يزرعه في قلوب المؤمنين

 

 

الفصل الثالث
بنية سفر الرؤيا

قدّم الشرّاح تصاميم عديدة لسفر الرؤيا. منهم مَن شدّد على وحدة الكتاب، ومنهم مَن شدّد على الفوضى فيه. بعضهم تحدّث عن وثيقة يهودية جاءتها بعض اللمسات اليوحناوية ولا سيما ما يتعلّق بالحمل (6: 16؛ 7: 9- 10)، وهذا ما أعطى الكتاب طابعاً مسيحياً قوياً. مثلاً، زيدت في 11: 8 عبارة: "حيث صُلب ربهما". هذا ما جعل عبارة "المدينة العظيمة" تدلّ على أورشليم لا على رومة كما في 16: 19؛ 17: 18؛ 10:18، 16،19.
وها نحن نقدّم بعض تصاميم رؤ.

1- كتب هذه الرؤى
ينطلق هذا التصميم من عبارة نقرأها في 1: 19: "اكتب ما رأيت، وما يكون الآن، وما سيكون بعد ذلك".
وهكذا ينقسم الكتاب خمسة أقسام:
- المطلع (1: 1- 8): اكتب إذن. يقول الرب الإله: أنا الألف والياء.
- الرؤية الأولى (1: 9- 20): ما رأيت. الكواكب السبعة، المنائر السبع.
- الرسائل إلى الكنائس السبع (2: 1- 3: 22). ما يكون الآن، أي الحاضر. ذلك الحاضر الذي تعيشه الكنائس في واقعها الحالي، في جهادها وصعوباتها، في أمانتها وخياناتها.
- رؤى المستقبل (4: 1- 22: 5): ما سيكون بعد ذلك. علاقة الكنيسة بالعالم اليهودي، علاقة الكنيسة بالعالم الروماني. مستقبل الكنيسة الذي بدأ مع تمجيد يسوع على الصليب ويمتدّ إلى عودته.
- الخاتمة (22: 6- 21). "وقال لي الملاك: هذا الكلام صدق وحقّ، والرب الإله الذي يوحي إلى الأنبياء أرسل ملاكه ليكشف لعباده ما لا بدّ من حدوثه عاجلاً. ها أنا آتٍ سريعاً. هنيئاً لمن يعمل بالأقوال النبوية في هذا الكتاب".
* وقد يُقسم القسم الرابع (4: 1- 22: 5) إلى خمسة أجزاء:
- ما يحصل فيما بعد (4: 1-21: 8): "ثم رأيت باباً مفتوحاً في السماء، وسمعت الصوت).
- النهاية: ما سيكون (21: 9- 22: 5): "وجاءني أحد الملائكة السبعة... وقال لي: "تعال فأريك العروس، زوجة الحمل".


2- بناء يرتكز على السباعيات
* يرى بعضهم في السباعيات البنية الأدبية نص رؤ.
- المطلع (1: 1- 8). "هذا ما أعلنه يسوع". وتأتي التحيّة إلى الكنائس السبع. "من يوحنا إلى الكنائس السبع في آسية. عليكم النعمة والسلام".
- الرسائل السبع (1: 9- 3: 22). "رأيت سبع منائر". هي الكنائس السبع: أفسس، سميرنة، برغامس، تياتيرة، سارديس، فيلادلفية، لاودكية. "من كان له أذنان، فليسمع ما يقول الروح للكنائس". هناك قول يتوجّه إلى كل كنيسة، ولكن الأقوال السبعة تتوجّه إلى كل كنيسة بمفردها، بل إلى كنائس العالم والعدد 7 يدلّ على الملء والكمال.
- الختوم السبعة (4: 1-7: 17). بعد الليتورجيا في السماء وعلى الأرض (4: 1- 5: 14)، نسمع النشيد الجديد: "أنت الذي يحقّ له أن يفتح الكتاب ويفضّ ختومه". وفضّ الحمل الختم الأول، فظهر حصان أبيض يحمل معه الغلبة. وفضّ الختم الثاني فظهر حصان أحمر يدلّ على القتل. ثم حصان أسود يدلّ على الموت... ولكن عبّاد الله سيُحفظون لا من الموت الأول، بل من الموت الثاني. "فالحمل الذي في وسط العرش يرعاهم ويهديهم إلى ينابيع ماء الحياة، والله يمسح كل دمعة من عيونهم".
- الأبواق السبعة والضربات (8: 1- 11: 14). ربط الختم السابع بين الختوم والأبواق... ونفخ الملاك الأول في بوقه فوقع على الأرض برد ونار، فتذكّرنا ما حدث لا سفر الخروج (9: 23- 26). ونفخ الملاك الثاني والثالث... فتذكّر الرائي ضربات مصر: البرد، الماء الذي تحوّل إلى دم، المياه المسمومة، الظلمة، الجراد. وسنعود إلى هذا الموضوع عينه مع الكاسات السبع (16: اي): القروح، الماء المحوّل إلى دم، الظلمة، الضفادع، الرعد والبرد.
- الآيات السبع (11: 15- 14: 20). نقرأ في 12: 1: "وظهرت آية عجيبة في السماء". وفي 12: 3: "وظهرت في السماء آية أخرى". وهكذا نصل إلى 15: 1: "رأيت في السماء آية رائعة عجيبة". وهكذا نفتتح السباعية التالية:
- سبع كاسات الغضب (15: 1-16: 17 أ). رأيت "سبعة ملائكة يحملون سبع نكبات، وهي الأخيرة، لأن بها يتمّ غضب الله". الكأس الأولى حملت القروح الفاسدة والموجعة. والثانية حوّلت الماء إلى دم...
- أصوات سبعة في السماء (16: 17 ب-19: 5). "خرج صوت عظيم من العرش... وحدثت بروق ورعود ووقع زلزال عظيم". وفي 19: 1: "سمعت بعد ذلك صوتاً عظيماً كأنه صوت جمهور كبير في السماء".
- الرؤى السبع (19: 6- 22: 5). رأيت السماء مفتوحة (19) 11). ورأيت ملاكاً واقفاً في الشمس (19: 17). ورأيت الوحش وملوك الأرض (19: 19). ورأيت ملاكاً نازلاً من السماء (20: 1). ورأيت عروشاً (20: 4). ثم رأيت عرشاً أبيض عظيماً (20: 11). ثم رأيت سماء جديدة وأرضاً جديدة (21: 1).
- الخاتمة (22: 6- 21)0 أنا يوحنا سمعت ورأيت هذه الأشياء.
* ويرى آخرون القسم الرئيسي في رؤ مع سبع سباعيات يحيط بها المطلع والخاتمة.
- المطلع والرسائل (1: 1- 3: 22). "هذا ما أعلنه يسوع".
- رؤى الختوم السبعة (4: 1- 8: 1). "رأيت باباً مفتوحاً في السماء".
- رؤى الأبواق السبعة (8: 2- 11: 14). "ولما فضّ الحمل الختم السابع... رأيت الملائكة السبعة".
- رؤى سبع لملك التنين (11: 15-13: 18). "وظهرت في السماء آية... تنين عظيم أحمر".
- رؤى سبع لمجيء إبن الإنسان (14: 1- 20). "ونظرت فرأيت حملاً على جبل صهيون".
- رؤى الكؤوس السبع (15: 1- 16: 20). "رأيت في السماء... سمعة ملائكة".
- رؤى سبع لسقوط بابل (17: 1-19: 10). "قال لي: تعال أريك عقاب الزانية العظيمة".
- رؤى سبع للتتمة (19: 11- 21: 4). "دان الزانية... إنتقم لدم عباده... فركع الشيوخ".
- وعد وخاتمة (21: 5- 22: 21). "وقال الجالس على العرش: ها أنا أجعل كل شيء جديداً".
* هناك قسمة في ثلاثة أقسام مع مطلع وخاتمة:
- المطلع: 1: 1-8.
- وحي إلى سبع كنائس: 1: 9-3: 22.
- كشف مستقبل العالم والكنيسة منذ بداية تمجيد المسيح حتى الدينونة الأخيرة: 4: 1- 21: 8.
- رؤية أورشليم السماوية: 21: 9- 22: 5.
- وعد وخاتمة: 22: 6- 21.

3- العبادة في الهيكل أو في الكنيسة
تأثر شرّاح بوجود العهد القديم بكثافة في الكتاب النبوي الوحيد الذي نجده في العهد الجديد، فاكتشفوا في مسيرة رؤ انعكاساً لتنظيم شعائر العبادة في الهيكل. فجاء تصميمه كما يلي:
- المطلع: 1:1-8.
- ذبيحة الصباح. تبدأ بقراءة الشريعة (= الرسائل السبع) (1: 9-3: 22). ثم تأتي قراءة الأنبياء ووضع البخور (= الختوم السبعة) (4: 1- 8: 6). وأخيراً مزامير الأسبوع وسكيب الخمر (= الكؤوس السبع) (8: 7- 11: 19).
- التقدمة ووليمة المساء. نبدأ مع صلاة التقدمة (= قوى الأنتيكرست الثلاث، أي ما يعادي المسيح) (12: 1- 16: 20). ثم وليمة المساء الليتورجية (= سقوط بابل) (17: 1- 20: 15). وأخيراً بناء الهيكل السماوي بروعة ما بعدها روعة (= الحياة في السماء الجديدة) (21: 1-22: 5).
- وعد وخاتمة: 22: 6- 21.

* وقسم شرّاح رؤ من زاوية تاريخ الملكوت أو تاريخ الكنيسة.
- المطلع والرؤية الأولى: 1: 1- 20.
- العصر الرسولي: 2: 1- 3: 22.
- مسيرة الأحداث: 4: 1- 11: 19.
- نهاية العالم: 12: 1- 20: 15.
- نهاية الملكوت الأبدي والآخرة: 21: 1- 22: 21.
* وتأثّر شرّاح بمقابلات مع إنجيل يوحنا أو سفر الأعمال فقدموا التصميم التالي:
- المطلع: 1: 1-18.
- ملكوت الرب في المجد (يو 13: 1- 16: 33): 1: 19-3: 22.
- ملكوت عظيم الكهنة الأبدي (يو 117-18: 30): 4: 1- 19: 10.
- ملكوت أمير السلام المنتصر (يو 19: 11- 20: 10): 19: 11- 20: 10.
- نهاية وصيّة المسيح الملك (أعمال الرسل): 20: 11- 22: 5.
- خاتمة (22: 6- 21).
نلاحظ بوضوح موضع المطلع (1: 1- 8) والخاتمة (22: 6- 31). ثم قسمات داخل الجزء الرئيسي (4: 1- 22: 5) في رؤ.

4- تصميم موسّع
يأخذ هذا التصميم في عين الإعتبار تشعّبات النصّ، ويتوقّف عند المقدّمات والإستراحات، فيبدو كما يلي:
- المطلع: 1: 1-8.
- الرؤبة الأولى: 1: 9-20. "إختطفني الروح في يوم الرب".
- الرسائل السبع: 2: 1- 3: 22. "أكتب إلى ملاك كنيسة أفسس".
- الرؤية الإعدادية: 4: 1- 5: 14. "رأيت باباً مفتوحاً في السماء".
- فتح الختوم السبعة: 6: 1- 17. "ورأيت الحمل يفضّ أول الختوم".
- إستراحة: 7: 1- 17. "ورأيت ملائكة يمسكون رياح الأرض الأربع لئلا تهب".
- فتح الختم السابع: 8: 1. "ولما فضّ الختم السابع، ساد السماء سكوت".
- مقدّمة لرؤى الأبواق: 8: 2- 6. "ورأيت الملائكة السبعة، وأعطي كل واحد منهم بوقاً".
- رؤية الأبواق الأربعة: 8: 7- 12. "فنفخ الملاك الأولى في بوقه".
- إستراحة: 8: 13. "ونظرت فسمعت نسراً طائراً في وسط السماء".
- الرؤية الخامسة والرؤية السادسة للأبواق: 9: 1- 21. "ونفخ الملاك الخامس في بوقه".
- إستراحة: 10: 1- 11: 14. "ورأيت ملاكاً آخر جبّاراً بيده كتاب صغير مفتوح".
- رؤية البوق السابعة: 11: 15- 18. "ونفح الملاك السابع في بوقه، فارتفعت أصوات في السماء".
- مقدّمة إلى الآيات السبع: 11: 19. "وانفتح هيكل في السماء، فظهر تابوت العهد في الهيكل".
- الآيات السبع: 22: 1- 14: 20. "وظهرت آية عجيبة".
- مقدّمة إلى سبع رؤى كؤوس الغضب: 15: 1- 16: 1: "سبعة ملائكة يحملون سبع نكبات".
- الرؤى السبع لكؤوس الغضب: 16: 2- 17. "فذهب الملاك الأول وسكب كأسه على الأرض".
- مقدّمة إلى رؤى بابل: 16: 18- 1 2. "وحدثت بروق ورعود... وانقسمت المدينة العظيمة".
- الرؤى السبع حول سقوط بابل: 17: 1-19: 5. "وجاءني أحد الملائكة السبع".
- مقدّمة إلى رؤى النهاية: 19: 6- 10. "ثم. سمعت ما يشبه صوت جمهور كبير".
- الرؤى السبع للنهاية: 19: 11- 22: 5. "فرأيت السماء مفتوحة، وإذا فرس أبيض".
- الخاتمة: 22: 6- 21. "لا تكتم كلام النبوءة في هذا الكتاب، لأنّ الوقت قريب".
يدلّ هذا التصميم على أننا أدخلنا السباعيات في رؤ. الرسائل السبع (2: 1- 3: 22) 0 الختوم السبعة (6: 1- 8: 1). الأبواق السبعة (8: 7- 11: 18)0 الآيات السبع (12: 1- 14: 20). كؤوس الغضب السبع (16: 2- 17). رؤى بابل السبع (17: 1- 19: 5). رؤى النهاية السبع (19: 11-22: 5).
وسبقت كلَّ سباعية مقدمةٌ. 1: 9- 20 (الرؤية الأولى)؛ 4: 1- 5: 14 (الرؤية الإعدادية)؛ 8: 2- 6 (مقدّمة الأبواق)؛ 11: 19 (مقدّمة الآيات)؛ 15: 1- 16: 1 (مقدّمة كؤوس الغضب)؛ 16: 18- 21 (مقدّمة رؤى بابل)؛ 19: 6-10 (مقدّمة رؤى النهاية). وهناك الإستراحات: 7: 1- 17؛ 8: 13؛ 10: 1- 11: 14. ثم إنّ السباعيات تشكّل وحدة تامة. ومسيرة سباعيتين تنقطع. هناك وقفة واحدة (7: 1- 7) مع رؤية الختوم. ووقفتان مع رؤية الأبواق (8: 13؛ 10: 1-14:11).

5- نظرة شاملة إلى سفر الرؤيا
أ- كنيسة بشرية (ف 1-3).
هناك مقدّمة (1: 1- 3) ثم العنوان (1: 4- 8)، ورؤية إبن الإنسان (1: 9-20). بعد هذا ترد الرسائل إلى الكنائس السبع (ف 2- 3).
ب- كنيسة تواجه مشاكل عصرها (ف 4- 20)
أولاً: الكنيسة تنتقل من أمّة إسرائيل إلى سائر الأمم (ف 4- 11).
حلّت الكنيسة محلّ إسرائيل. ولكن إسرائيل القديم لم يُرذل كله. إذ إنّ بقية (هم المؤمنون الحقيقيون من شعب إسرائيل، إنتقلوا إلى الكنيسة) ستكون نقطة إنطلاق الكنيسة.
* ليتورجيا حول العرش (ف 4- 5). هناك رؤيا الرب سيّد التاريخ (ف 4)، ثم الحمل المذبوح الذي يفضّ الختوم السبعة في كتاب العهد القديم (ف 5). ويصوّر لنا يوحنا الإنتقال من إسرائيل إلى الكنيسة بشكل مشهدين متوازيين.
* المشهد الأول: الختوم السبعة (6: 1- 8: 5) (رؤية في السماء). هناك الختوم الأول والثاني والثالث والرابع والخامسة بشكل فرسان (6: 1-8). في الختم السادس نجد شهادة العهد القديم (6: 9- 11). ويكون للختم السادس بُعد كوني (6: 12- 17). هنا نجد البقية الموضوعة جانباً (000. 144). هي الخلية الأولى للكنيسة (7: 1- 8). وتتّسع الرؤيا (7: 9- 17) لتضمّ جمهور المختارين. ويأتي الختم السابع.
* المشهد الثاني: الأبواق السبعة (8: 6- 11: 19) (على الأرض). نجد البوق الأول والثاني والثالث والرابع بشكل هتافات (8: 6-13). يتحدّث البوق الخامس عن الضربة الأولى (9: 1- 11) والبوق السادس عن الضربة الثانية (9: 12- 21).
* الكتاب الصغير (الإنجيل) (ف 10). بعد هذا يُذكر دمار أورشليم سنة 70 (11: 1- 2). فإسرائيل سيُطرح خارجاً. وتتسع الرؤيا (11: 3- 14؛ رج 7: 9- 17). ونرى الشاهدين مع البوق السابع والضربة الثالثة (11: 15). ثم يأتي تابوت العهد.
ثانياً: الكنيسة تواجه قوى التسلّط (ف 12- 20)
* المرأة والتنين (12: 1- 6)0 إنّ هذه الرؤية تقدّم لنا السرّ بمجمله: الكنيسة تلد المسيح. لقد تمجّد المسيح وقُهر الشيطان. فحاول هذا أن يسيء إلى الكنيسة خلال مسيرتها على الأرض. لكن الله يحميها.
* القوى الحاضرة (12: 7- 14: 5). تبرز أمامنا على مستويين. "في السماء": ميخائيل والتنين (12: 7- 18). "على الأرض": صراع بين قوى يحرّكها الشيطان وبين المؤمنين التابعين للحمل. وهكذا يظهر الوحشان وخدّامهما من جهة (13: 1- 11: 18) والحمل والذين يتبعونه (14: 1- 5) من جهة ثانية. هناك وحش البحر (13: 1- 10) الذي يمثّل الممالك المتسلّطة. ووحش الأرض (13: 11-18) الذي يعمل في خدمة الممالك المتسلّطة. أمّا الذين يتبعون الحمل فهم مئة وأربعة وأربعون ألفاً (12×12× 1000)، هم شعب لا يُعدُ ولا يُحصى.
* إعلان الدينونة (14: 6- 19: 10). هناك إعلان إنجيل الدينونة (14: 6-13) حيث يشكّل دمار بابل راحة للمؤمنين. ثم آلام وانتصار المؤمنين مع حصاد (كل المؤمنين) وقطاف (الشهداء) (14: 14- 20). حينئذ ينشد المخلَّصون أناشيد النصر (ف 15). ويُروى دمار بابل مع الكؤوس السبع (ف 16) والزانية (ف 117، فينشد نشيدان يحتفلان بما حصل (رثاء بابل، ف 18؛ نشيد المختارين الظافرين، 19: 1- 10).
* نصر المسيح النهائي (19: 11- 20: 15). يبرز المسيح أمامنا على مستويين. "في السماء": هو المحارب المنتصر بدمه (19: 11- 21). "على الأرض": الألف سنة من تاريخ الكنيسة (ف 20).
- كنيسة نازلة من السماء (ف 21-22)
تبدو الكنيسة، أورشليم السماوية، نازلة من السماء. هي كنيسة الأرض في وجهها المتجلّي. إنتهى الخروج وانفتح الفردوس. "الله معنا". وقد بدأت الأعراس الأبدية، أعراس الحمل والكنيسة.

خاتمة
بعد كل هذا، إذا أردنا أن نفهم التعليم الذي يقدّمه رؤ، نتوقف عند وجهتين. الأولى: الوضع التاريخي. هناك توتّرات تمزّق الجماعات المسيحية الأولى. في مقاطعة آسية الرومانية. توتّرات داخلية وتوتّرات خارجية. والكنيسة تنتظر تدخلاً قوياً من الله. ولكن...
الوجهة الثانية: الوضع التاريخي للوحي. نحن في المرحلة الأخيرة من العهد الرسولي. وفيه يسوع المسيح، الربّ المتجليّ، يقدّم لجماعة العهد الجديد تعليماً أخيراً له سلطانه على مستوى الكنيسة كلها.

 

 

الفصل الرابع
الرؤى اليهودية في العهد القديم

1- مقدمة
إذا عدنا إلى تاريخ الديانات ومواضيعها، نجد أن رؤيا القديس يوحنا لا تشكل حالة منعزلة في الأدب الجلياني (جلا، كشف). بل هي جزء من عدد كبير من الرؤى نجدها في العهد القديم، في كتب العالم اليهودي الخارج من التوراة، في كتابات العهد الجديد. فعلى مستوى العهد الجديد، نجد "رؤيا الأناجيل الإزائية" (مر 13: 1ي؛ مت 24: 1 ي؛ لو 21: 5 ي)، و"رؤيا بولس" (2 تس 2: 1- 12). وهناك كتب في العهد الجديد تتضمّن الأسلوب الجلياني (أو الرؤيوي): أع 10: 9- 16؛ 2 كور 12: 1- 9؛ 1 تس 4: 13- 17؛ 1 بط 3: 19- 20؛ 2 بط 3: 10، 13. كل هذا إشارات إلى أن القرن الأولى المسيحي عرف عالم الرؤى كعنصر تقليدي حي، وإن غابت عنه حمّى "الرؤى" في القرنين السابقين.
عالم الرؤى هو تيار ديني قويّ ومميّز، تسجّل في فن أدبي محدّد هو الأدب الجلياني أو الرؤيوي. وسوف ننتظر زماناً طويلاً لنكتشف المواضيع اللاهوتية في هذا الأدب الخاص، بدءاً من سفر دانيال حتى رؤيا القديس يوحنا. نحن هنا في حقبة العالم اليهودي المتأخّر مع ما فيه من حمّى وغليان. إن حدّدنا الرؤى في القرنين السابقين مباشرة للعهد المسيحي، فلا نستطيع القول بأن هذا التيار الفكري كان ثمرة ولادة مفاجئة وتلقائية. لا شكّ في أن هناك مناخاً جعل مثل هذا الفكر يزهر، ولكنه يتجذّر في عمق الماضي الديني لشعب الله: نحن لا نستطيع أن نتخيّل رؤ إذا تركنا جانباً دفع النبوءة في العهد القديم ونشاط الأنبياء في استنباط صور مؤثّرة. إن أسفار الرؤى هي صدى تعاليم الأنبياء ومقدمة إلى الأناجيل. وقد لعبت دور الانتقال من العهد القديم إلى العهد الجديد، ودور المهيّىء للعهد الجديد. إنها تنطلق من التقليد الكتابي وتواصل التأمّل فيه على ضوء الوضع المتأزّم الذي يعيشه المؤمنون في حقبة من الحقبات.

2- عالم الجليان اليهودي
أ- حقبة الجليان اليهودي
يمتدّ الجليان اليهودي من القرن الثاني ق. م. إلى القرن الثاني ب. م. لقد وُلد التيار الجلياني في زمن المكابيين، ومع دانيال خالق هذا الفنّ الأدبي. حين عاد اليهود من المنفى سنة 538، وكانوا قد ذاقوا العبودية في بابل، شعروا بضيق عظيم لهذا الوضع الذي وجدوا نفوسهم فيه. والقوة الضاغطة التي سبّبها المناخ السياسي والديني في ذلك الوقت، فجّر الفكر الجلياني. خابت كل الآمال التي تجمعت خلال سنوات الأسر والظلم (587 - 538 ق. م.): أين هي المملكة العظمى التي تاقوا إلى رؤيتها؟ وفي أيام الاسكندر الكبير (333- 323) وخلفائه، رأوا سيطرة القوى الوثنية، ورأوا نفوسهم محرومين من كل سلطة سياسية، تواجههم أزمات هائلة على مستوى الإيمان. في الماضي أعلن الأنبياء للآباء تعزية الله الآتية (أش 40: 1: "عزّوا، عزّوا شعبي، يقول الرب. طيّبوا قلب أورشليم". وفي هذه المحنة الحاضرة، أين هم الأنبياء؟
لقد انتظر الشعب اليهودي عبثاً هؤلاء الأنبياء الذين يرسلهم إلى الرب. حين استعاد رجال يهوذا المكابي الهيكل، وضعوا الحجارة التي نجست في مكان لائق، وانتظروا أن يظهر نبي (1 مك 4: 46) وحين كُسروا، حلّ بهم "ويل عظيم لم يعرفوا مثله منذ اليوم الذي لم يظهر فيهم نبي" (1 مك 9: 27). إعتبروا أن زمن الأنبياء انتهى (1 مك 14: 41: إلى أن يقوم نبي أمين...). وسيقول الرب بلسان النبي زكريا (13: 2) إنه "سيزيل الأنبياء وروحهم النجسة" كما أزال أسماء الأصنام عن الأرض. فالنبي الكاذب يحلّ محلّ الله، شأنه شأن الأصنام.
في هذا المناخ وهذا "الجوع والعطش"، توسّع كتّاب الرؤى "والرجال الأتقياء" الذين اعتزلوا في برية يهوذا، بشكل جديد من النبوءات هو الفن الجلياني.
ب- عالم النبوءة وعالم الجليان
إرتدى عالم الجليان لوناً لاهوتياً يختلف عن عالم النبوءة الذي سبقه، ولكننا لا نستطيع أن نتصوّر الجليان من دون النبوءة. فهناك اعتقادات دينية مشتركة بين الاثنين. فالعقيدة الإيمانية الأساسية هي هي: الله هو سيّد التاريخ. الله هو الذي يوجّه مصير الشعوب كلّها، الله هو الذي يدعو الأمم كلّها أمام منبر دينونته، فيتقبّل منه مؤمنوه خلاصاً وسعادة لا نهاية لها.
إذن، بما يختلف النبي عن كاتب الرؤيا؟ النبي هو راءٍ ينعم بموهبة خاصة. أرسله الله الذي كلمته حق فكان "فم الله". لم تكن مهمته الخاصة بأن يوجّه النظر إلى المستقبل البعيد. فالمهمة النبوية تعني الحاضر قبل كل شيء: الموضوع هو السعادة الحاضرة أو الشقاء الحاضر في ساعة محدّدة من التاريخ. النبي يعزّي، يشجّع، يهدّد. ورؤاه تؤثّر فينا وتأسرنا. قد يكون منادياً يصرخ عبثاً في صحراء الإيمان. وقد يكون ذاك الذي يوقظ شعبه بضربات بوقه فيساعده على تجاوز الحاضر المؤلم الذي يعيشه.
ويظهر الرؤيويون ساعة تتجمّد دينامية النبوءة وزخمها. انتظر الشعب اليهودي أن يأتي نبيّ (1 مك 4: 46). ولكن عبثاً. فجاء الرؤيويون وحملوا الجواب. إن عالم الجليان يحلّ محل عالم النبوءة ويشكّل امتداداً له. وهكذا انتقلنا بطريقة غير شعورية من الأدب النبوي إلى الأدب الجلياني. 
كان سفر دانيال أول الكتب الجليانية في العهد القديم، فشكّل منطقة إنتقال فيها أخذ الفكر النبوي شكل رؤيا. إن الشعب المختار عاش اختباراً مؤلماً: الله، سيد التاريخ، لا يمنحه نصراً ساطعاً ولا تفوّقاً سياسياً. والحاضر، بل كل وجوده على الأرض، يبدو معتماً ويائساً. فما عاد المؤمنون ينتظرون في هذا العالم إلاّ تدخلاً خاصاً تقوم به يد الله القديرة. 
يبدأ صاحب الرؤيا فيمزّق أفق نهاية الأزمنة. ويبيّن، عبر رؤى مقلقة، أن الله ينتصر لا خلال الزمن، بل في نهاية الزمن. ما يقدّم لنا هو أكثر من فهم للحياة على الأرض. إن كاتب الرؤى يكرّر تعليمه بشكل عنيف ويبين للمؤمنين السبل التي تساعدهم على الثبات. فكل الهزائم والمصائب، وكل الآلام والاضطهادات، لا تؤثر في يقين يملأ قلب الشعب: هناك إنتصار الله. إنتصار نهائي وتام، إنتصار لا عودة عنه.
ج- عناصر أساسية في عالم الجليان اليهودي
الأساس اللاهوتي والاعتراف الإيماني هو هو بالنسبة إلى عالم النبوءة وعالم الجليان: الله هي سيّد التاريخ. غير أن اللاهوت الجلياني للتاريخ يعبّر عن ذلك بتعابير قوية. لا شك في أن الأنبياء يتحدّثون عن الهدف الأخير للتاريخ، غير أن نظرتهم تعود دوماً إلى الحاضر، وإلى وسائل نتجاوز بها هذا الحاضر. أما تعليم كتاب الرؤى فهو موجّه كلّه نحو المستقبل: هو موجّه كلّه وبوضوح إلى الاسكاتولوجيا ونهاية الأزمنة. ويصوّر إنتصار الشيطان في النهاية بواقعية ترافقها صور مخيفة. ويبدو أن العالم ينحدر إلى الظلمة التي هي ثمرة تُسقط الشيطان في فوضى وانقلاب يكون الله غائباً عنهما. ومع ذلك، ففوق تاريخ البشرية المكتوب بالدماء والدموع، يشعّ يقين نهائي وحاسم: ففي نهاية الأيام سنقهر بيد الله كل قوى الشرّ والظلمة.

3- ميزات عالم الجليان اليهودي
أ- في نهاية الأزمنة، سيدعو الله، سيد التاريخ، الخليقة كلّها أمام منبره العادل. سيكون "يوم الرب" (عا 5: 18) يوم دينونة، يوم ظلمة ورعب. قال عا 5: 205: "يوم الرب ظلام لا نور، بل هو سواد لا ضياء له".
ب- هناك حقبة يمارس فيها الشيطان تسلّطاً لا كابح له؛ وهذه الحقبة تسبق ذلك اليوم، يوم دينونة الله. سيكون ملكوت الله أضحوكة تجاه القوى المتمرّدة، فتزعزع ذلك الملكوت من أساساته. ويعرف شعب الله نزاعاً يصل به إلى حافة الموت. ويصل عدد من المؤمنين إلى درجة يضيّعون فيها الله، فلا يعود بإمكانهم أن يفلتوا من قبضة الشّر. ويدعو البشُر الله لكي يتدخّل، وأيديهم مدمّاة، فيبدو الله وكأنه لا يستطيع شيئاً من أجلهم. وهكذا يفرض الشيطان نفسه كـ "سيّد العالم".
ج- ولم يعد للفظة "العالم" إلاّ المعنى السلبي. هو العالم الشرير، العالم الرديء والمعادي لله: فالخليقة صارت مسرحاً فيه ينتصر الشيطان. ويُطرح السؤال المقلق: هل يمكن أن يكون هذا "العالم الشرير" عمل الله؟ إن يوحنا يحدّثنا في هذا المعنى عن "العالم" الخاضع للشر.
وتجاه هذا العالم الذي يقيّده الشيطان، يتفجّر عالم آخر، عالم جديد: "أرض جديدة وسماء جديدة". هل نتطلّع هنا إلى نظرة ثنائية مأخوذة من العالم الفارسي كما في سفر عزرا الرابع (7: 50: هو كتاب منحول، سفر رؤيا دوّن سنة 120 ق. م. وانتشر انتشاراً واسعاً)؟ إنه يقول: "لم يخلق العليّ عالماً واحداً، بل عالمين".
د- ويرتبط بموضوع دينونة الأمم رجاء بقيامة الموتى. فالإيمان بالقيامة كان التعزية الكبرى للشعب اليهودي في زمن المكابيين خلال اضطهاد أنطيوخس الرابع أبيفانيوس (2 مك 7: 9- 23). وهذا يعني أن دينونة الأمم، أن "يوم الرب"، ليس نهاية العالم، ولا زوال الكون الذي سيطر عليه الشيطان في وقت من الأوقات. بل إن أحداث نهاية الأزمنة ستنطبع بتحوّل لم يُسمع به: ستكون خليقة الله الجديدة.
هذا الإيمان الذي أعلنه كتّاب العهد القديم، قد عبرّت عنه الرؤى بأسلوب ناري: ستقوم الأجساد وتتحوّل، ويتبدّل الكون الأرضي (والتاريخي) إلى سماء جديدة وأرض جديدة. والرجاء بقيامة الأجساد يطبع بطابعه الفردي عالم الجليان اليهودي. "سوف أقوم". مثل هذا التأكيد يعطي الشجاعة لكي نتحمّل كل عذابات هذا العالم المؤلمة وكل خيبات الأمل فيه. ولكننا ندرك شيئاً فشيئاً في هذا الرجاء بحياة أبدية، ميزة خاصة بشعب إسرائيل الذي يعرف الفشل السياسي، كما نجد نفحة من الأنانية والروح الوطنية الخاصة والضيّقة. وهذا ما يظهر بشكل خاص في الكتابات الجليانية: إن دينونة الله تعني الرحمة لإسرائيل، والعقاب والغضب لأعدائه. ونحن نجد هذه العقلية في نشيد التعظيم، مع ما يرافق هذا الكلام من إنتظار للمسيح القريب:
"بسط قدرة ساعده، فشتّت ذوي القلوب المتغطرسة بأفكارها. حطّ الأعزّاء عن عروشهم، ورفع المتواضعين. غمر الجياع بالخيرات، وأرسل الأغنياء فارغي الأيدي. عضد إسرائل فتاه، ذاكراً رحمته، على ما وعد به آباءنا، لإبراهيم ونسله إلى الأبد" (لو 1: 51- 55).
هـ- إن الذي يوجّه أنظار الرؤى إلى المستقبل، يحاول بكل الوسائل أن يتعرّف إلى زمن الأحداث الاسكاتولوجية. وإذا لم نجد تفسيراً عند الأنبياء، نلجأ إلى صوفية الأعداد والأرقام في العالم الجلياني. ولكن المتدرّج وحده يستطيع أن يعرف سّر الأعداد، ويحدّد تاريخ دينونة الأمم.
نقرأ في رؤ 13: 18: "من كان ذا فهم فليحسب عدد الوحش! إنه عدد إنسان. فعدده 666". هذا يعني إذا عدنا إلى الحروف العبرية: نيرون قيصر. وإذا تبعنا الرقم الموجود في بعض المخطوطات وهو 616، يعني قيصر الله. أما إذا توقّفنا عند النقص الموجود في رقم 6 (7- 1= 6)، فيكون أن رقم الوحش يدلّ على النقص والعجز تجاه الكمال والقدرة لدى الله ومسيحه.
ونقرأ في 4 عز 14: 10- 12: "خسر العالم شبابه، واقترب الزمن من الشيخوخة. قُسم تاريخ العالم اثني عشر جزءاً. لقد أدرك الجزء العاشر، ومنتصف ذاك الجزء العاشر. فلم يبقَ إلاّ جزءان بعد منتصف ذاك الجزء العاشر". لا ننسَ أن الرقم 12 (3 × 4) يدلّ هو أيضاً على الكمال. وحين نصل إلى الجزء الثاني عشر، تكون نهاية العالم قد حلّت.
لقد تجرّأ كتّاب الرؤى فبحثوا عن نهاية الأزمنة، كما حاولوا أن يحدّدوا منذ الآن الأحداث الاسكاتولوجية. كل هدا قادهم الى "عمليات حساب جليانية" ميّزت مؤلّفاتهم بشكل لافت للنظر.
و- وهناك ميزة خاصة في التعليم الجلياني: إنه يعبّر عن نفسه في لغة خاصّة به. حين يتحدّث عن سّر الاضطهادات على مرّ التاريخ في حقبته الأرضية، حين يتحدّث عن إنتصار إبليس الموقت، وعن إنتصار الله النهائي ودينونته للأمم، فهو يستعمل تعابير بعيدة كل البعد عن الإيجاز والشفافية. فكل كاتب يلجأ إلى الرؤى والرموز والتشابيه التي تتجدّد يوماً بعد يوم. إنه يريد أن يُدخل سامعيه وقارئيه في عالم دراماتيكي يشدّهم إلى ما سيقوله. إنه يريد أن يشركهم في شعور وجودي يسقيهم الواقع الحاضر. فالأدب الوجودي هو الذي خلق عالم الجليان، والاضطراب والفوضى في الأحداث، أحداث التاريخ وأحداث نهاية الأزمنة. وهو في عمله لا يتوخّى إعلامنا ومعرفتنا، بل إحداث إنقلاب فينا وخلق قلق عميق في قلوبنا.
يصوّر تاريخ البشرية ودينونة الأمم في لغة رمزية تصدمنا بشكل خارق، ولا تكون مفهومة للقارىء العائش في أيامنا. فهذه اللغة بما فيها من جرأة لا تخضع لقواعد المنطق، بل تربط الواقع بما هو بعيد كل البعد عن الواقع. ونحن نجد في التصاوير الجليانية أحداثاً مجتمعة، ولكنها لا تتوافق إطلاقاً في التاريخ الواقعي. فعالم الصور والرموز يجتاح كاتب الرؤيا، فيسكر ويستعمل هذه المواد التي ترد إلى مخيلته جامعاً إياها عن طريق المفارقة، بشكل جريء يتحدّى كل تصوّر.
فعلينا أن ندخل في حركة فكر ولغة هؤلاء الكتّاب، وإلاّ ظلّ تعليم الكتب الجليانية مغلقاً علينا. هناك سحر يطوّقنا وصور تجتاحنا يجب أن نفهم معناها، وإلاّ لبثنا غرباء عن هذا العالم الذي هو بعيد كل البعد عن المناخ العلمي الذي يعيش فيه البشر على عتبة الألف الثالث.

4- لائحة بالكتب الجليانية
أ- على مستوى العهد القديم
إن أسفار العهد القديم تتضمّن مقاطع جليانية. بدأت متفرّقة، ثم صارت متواترة. عالم الجليان حاضر في سفر حزقيال (1: 4- 12؛ 10: 1- 22؛ 37: 1- 14؛ 40: 1- 48). ويتضمّن سفر أشعيا "الرؤيا الكبرى" (ف 24- 27) و"الرؤيا الصغرى" (ف 34- 35). ونقرأ مقاطع جليانية في سفر يوئيل الذي دوّن حوالي سنة 400 ق. م. ونقول الشيء عينه عن زكريا الذي كتب في قسمه الثاني (9: 1- 14: 21) على يد شخص عاش بعد موت الاسكندر (323 ق. م.). ويبدو سفر دانيال نقطة التقاء تجمع المواضيع الجليانية التي نجدها في العهد القديم. نُسب هذا الكتاب إلى شخص عاش في زمن المكابيين (1 مك 2: 59- 60) فدوّن ما دوّن حوالي السنوات 167- 163 ق. م. شخص دانيال (الذي عاش في زمن المنفى) هو بطل الكتاب ولكنه ليس كاتب الكتاب.
لم يدخل الأدب الجلياني في شعائر العبادة عند اليهود ولا في صلواتهم الرسمية (كان يقرأ فقط من أسفار موسى الخمسة والأنبياء). استبعد من المجال الليتورجي، فانحصر في حلقات سّرية تعارض الهيكل، وانتقلت وثائقه من يد إلى يد. وهذا الطابع غير الرسمي للكتب الجليانية (ثم إنها دوّنت في زمن متأخر) منعها من أن تدخل في اللائحة القانونية للعهد القديم، التي تحدّدت بشكل رسمي في نهاية القرن الأول المسيحي.
وهكذا لا يتضمّن العهد القديم وفرة الأدب الجلياني الذي كوّنه العالم اليهودي المتأخّر. لهذا يجب أن نبحث عن هذا الأدب في خارج العالم البيبلي. وها نحن نورد أهمّ ما وصل إلينا من أسفار تعتبر كلها منحولة.
- رؤيا ابراهيم.
- رؤيا باروك.
- رؤيا إيليا.
- رؤيا عزرا.
- رؤيا موسى.
- رؤيا شدرك.
- عزرا الرابع
- رؤيا عزرا.
- كتاب أخنوخ.
- صعود موسى.
- الكتب السيبيلية.
- وصية آدم.
- وصية ابراهيم.
- وصية اسحق
- وصية الآباء الاثني عشر.
- وصية موسى.
مثل هذا التعداد يدلّ على أن كتاب الرؤى في العالم اليهودي المتأخّر، نسبوا رؤاهم إلى شخصيات عظيمة في العهد القديم مثل ابراهيم، اسحق، موسى، إيليا، عزرا، أخنوخ (تك 4: 17- 18؛ 5: 18- 24)، باروك (إر 32: 16؛ 45: 1- 5). مثل هذا الأسلوب يضفي على التعليم الذي يقدّمونه في زمن متأخر، سلطة كبيرة جداً.

ب- على مستوى العهد الجديد
ولم تنطفىء شعلة الأدب الجلياني مع العهد القديم، بل ظلّت مشتعلة عند المسيحيين، وبعد الانتهاء من تدوين أسفار العهد الجديد. والبرهان على ذلك هذا العدد الكبير من "الرؤى" التي دوّنت منذ القرن الثاني ب. م.
وإليك لائحة بأهمها:
- رؤيا بطرس.
- رؤيا بولس.
- رؤيا توما.
- رؤيا اسطفانس.
- رؤيا مريم.
- رؤيا فيلبس
- رؤيا برتلماوس.
- رؤيا زكريا.
وعاد كتّاب الرؤى هذه إلى شخصيات عظيمة في العهد الجديد ليحمّلوهم كلامهم، وليستندوا إلى سلطتهم فيصدّقهم الناس.
ونشير أيضاً إلى أن رسالة يهوذا تتضمّن مقاطع من "صعود موسى" (يهو 6- 9) وإيراداً طويلاً من "سفر أخنوخ" (يهو 14- 15). ونشير أيضاً إلى الجبارة التي تنشد عن الموتى: "الراحة الدائمة أعطهم يا رب، ونورك الأزلي فليضىء لهم". هذه العبارة مأخوذة من عزرا الرابع. ونشير أخيراً إلى أن سفر أخنوخ والكتابين الثالث والرابع من عزرا هي جزء لا يتجزأ من الكتاب المقدّس في اللغة الحبشية.

 

 

الفصل الخامس
سفر الرؤيا والتاريخ

إنّ العودة إلى الأدب اليهودي لا تكفي لكي تفسّر وجود عالم الجليان لدى المسيحيين في نهاية القرن الأول. فما لا شكَّ فيه هو أنّ الفكر الجلياني ظلّ حياً خلال حقبة تدوين العهد الجديد، فشكّل تيّار فكر مشترك بين اليهود والمسيحيين، رغم التباعد الذي تمّ بين المسيحيين والمجمع اليهودي. فهذا التفجّر المفاجىء والعنيف لهذه الحمّى الجليانية تجد ينبوعها في تأخّر عودة الرب وفي تحرّك يجدّد انتظار هذه العودة ويكون الدافع لها.
فحوالي سنة 70، فهمت الجماعات المسيحية يقيناً مؤلماً: إنّ عودة (باروسيا) المسيح الرب (كيريوس)، ديّان الأمم، لن تكون قريبة، بل بعيدة بعداً يتعدّى كل الحسابات. وواجهت المؤمنين إضطهادات (من قبل الأمم الوثنية) هدّدت وجود الكنيسة التي كانت تستعد لمسيرة طويلة عبر التاريخ، فأدركها قلق جلياني جعلها ترفع إلى السماء نظرها المتوسّل. ما كان المسيحيون يصدّقون أنّ سيد التاريخ يتخلّى عن كنيسته ويترك سلطات الظلام تنتصر عليها. ومع ذلك ظلّ في بعض الجماعات أملٌ خفيّ بعودة قريبة للرب. لهذا كانوا ينشدون في الإحتفالات الافخارستية: "مارانا تا"، تعال، أيها الرب يسوع (1 كور 16: 22؛ رؤ 22: 20).

1- المسيحيون الأولون والإمبراطورية الرومانية
رغم الحكم بالموت الذي أعلنه بونسيوس بيلاطس، ممثّل السلطة الرومانية، ضدّ يسوع، تبنّى المسيحيون الأولون تحاه الإمبراطورية موقفاً صادقاً. فكلمة يسوع قدّمت لهم السلوك الواجب سلوكه: "أعطوا ما لقيصر لقيصر وما لله لله" (مر 12: 17). وتأكيد يسوع هذا أقام تمييزاً يعتبره اليهودي عادياً (خر 20: 1- 5؛ تث 6: 4؛ أش 18: 13؛ 29: 23)، ولكنه يدهش فكر رومة الوثني: نحن لا نرفض أن ندفع الجزية، ولكن شعائر العبادة تعود إلى الله وحده (مت 4: 10؛ 6: 9- 10؛ 11: 25؛ 12: 29). وهكذا هيّأ يسوع الطريق أمام تصّرف جديد: من جهة، نقبل بالضرورات السياسية. ومن جهة ثانية، نرفض بحرّية تامة لاهوت المملكة الذي يفرض علينا عبادة الإمبراطور ورومة. 
ولقد دلّت الكنيسة الأولى على صدق وولاء تجاه الإمبراطورية الرومانية (روم 13: 1-7؛ 1 تم 2: 1- 2؛ تي 3: 1؛ 1 بط 2: 13- 14). ولكن حصل حدث ذو بُعد عظيم، فاتخذ رؤ موقفاً سلبياً من السلطة السياسية.
كتب بولس الرسول في روم 13: 1، 2، 4: "ليخضع كل واحد للسلطات المنصّبة، فإنه لا سلطان إلاّ من الله. والسلطات الكائنة إنما رتّبها الله. فمَن يقاوم السلطان إذن، يعاند ترتيب الله... لأنه لا يتقلّد السيف عبثاً. فإنه خادم لله الذي ينتقم ويعاقب مَن يفعل الشّر".
وتحدّث رؤ عن السلطة السياسية في ف 13 (وحش البحر) وف 17 (بابل العظمى، رؤ 14: 8؛ 17: 5؛ 18: 2) بألفاظ مختلفة جداً: ف "السيف" يتوجّه الآن ضدّ جماعة العهد الجديد الحاملة الخلاص. وهو يضطهدها لكي يزيلها. وكان تساؤل على مستوى الضمير في الجماعات المسيحية الأولى: هل تستطيع مثل هذه السلطة السياسية أن تكون حقاً "خادم (أداة في يد) الله" (روم 13: 4)؟ أما توجّه السيف ضدّ كنيسة الله؟ وتصوّر أزمنة الضيق هذه في رؤ 1: 9: "أنا يوحنا، أخاكم وشريككم في المحنة والملكوت والثبات، كنت في جزيرة بطمس من أجل كلمة الله وشهادة يسوع". فالمحنة تدلّ على الإضطهاد الذي هو مشاركة في الصراع الإسكاتولوجي الذي بدأ على الصليب. والملكوت يدلّ على مشاركة في ملك المسيح الذي ينتصر على الموت وقوى الشّر. والثبات هو أمانة في قلب المحنة والتجربة اللتين تدلاّن على الأزمنة الإسكاتولوجية، على نهاية الزمن التي بدأت مع آلام المسيح وموته.
قد لا يشير ف 13 و 17 بشكل مباشر إلى الإمبراطورية الرومانية (بل إلى كل حكم مستبدّ يضطهد الكنيسة). إلاّ أنّ محن المسيحيين واضطهاداتهم هي السبب الأساسي التي حوّلت تحويلاً عميقاً موقف المؤمنين تجاه السلطة السياسية.

2- التفسير التاريخي
ما زالت تفاسير رؤ (القديمة والجديدة) تشير إلى معارضة هذا السفر لرومة وللنظرة الرومانية إلى السلطان الإمبراطوري. فهل نستطيع أن ننطلق من الأرقام التي نجدها في رؤ، لكي نحدّد التلميحات إلى رومة وأباطرتها خلال القرن الأول المسيحي؟
لا شك في أن ف 17 "يتحدّث" عن رومة، تلك المدينة المبنّية على سبعة تلال. نقرأ في 17: 9: "فالرؤوس السبعة هي التلال السبعة التي تجلس عليها المرأة". المرأة تدل على مدينة (أو على شعب). وهذه المدينة هي رومة التي تعتبر الزانية الكبرى (بسبب عبادات الأصنام فيها)، والقائمة على جانب المياه الكثيرة (البحر وعالم الشرّ).
ثم، هل نستطيع أن ننطلق من ف 13 و 17 لنحدّد لائحة الأباطرة الذين كانوا سبعة (رقم الكمال في العالم السامي) أو عشرة (جمع الأرقام الأربعة الأولى في نظام فيتاغور) أباطرة؟ تقرأ في 13: 1 عن "سبعة رؤوس وعشرة قرون". فالوحش الذي له هذه الرؤوس وهذه القرون يرمز إلى سلطة الإمبراطور الروماني. ونقرأ في 17: 3، 7، 12 ما يلي: "رأيت إمرأة (المدينة، المملكة) تجلس على وحش قرمزي اللون (الأحمر علامة الموت والإضطهاد، علامة الدم) مغطّى بأسماء التجديف (تأخذ لقب سلطانه)، له سبعة رؤوس وعشرة قرون... فالرؤوس السبعة هي سبعة ملوك... أما الوحش الذي كان وما عاد كائناً فهو ملك ثامن، مع أنه من السبعة... وهذه القرون العشرة هي عشرة ملوك. ما ملكوا بعد، ولكنهم سيملكون ساعة واحدة مع الوحش". الله هو الكائن الذي كان والذي يأتي (1: 4، 8؛ 4: 8). أما الوحش فكان وما عاد كائناً. إنه يمضي إلى الهلاك (آ 11). ويشير النصّ إلى سبعة أباطرة رومان فيصل إلى نيرون أو إلى دوميسيانس. وقد يعني العشرة ملوك أمراء تابعين لرومة أو ربّما أباطرة. ومهما يكن من أمر البحث عن هؤلاء "الملوك"، فالفكرة الأساسية واضحة: السلطات التي يدفعها الشيطان هي سلطات موقتة، عابرة.
ها نحن نقدّم لائحة بالأباطرة الرومان في القرن الأول المسيحي: أغوسطس (31 ق. م.- 14 ب. م.). طيباريوس (14- 37). كاليغولا (37- 41). كلوديوس (41- 54). نيرون (54- 68). فسباسيانس (69- 79). تيطس (79- 81). دوميسيانس (81- 96). نرفا (96- 98). تريانس (98- 117).
هل نستطيع أن نطبق 13: 3 (وظهر أحد رؤوس الوحش كأنه مجروح حتى الموت، فشفي من جرحه المميت) و 17: 10 على الإمبراطور نيرون؟ لقد مات حقاً. ولكن الإعتقاد الشعبي يقول إنه يختفي في الشرق البعيد. وفي الزمن المحدّد سيظهر من جديد في رومة على رأس جيش عظيم.
وقد نستطيع لدى قراءة 17: 9- 12 أن نقدّم لائحة بالأباطرة. "فالرؤوس السبعة هي سبعة ملوك. خمسة سقطوا (أغوسطس، طيباريوس، كاليغولا، كلوديوس، نيرون). واحد لا يزال يملك (لا يزال حياً) (فسباسيانس). والآخر ما جاء بعد (تيطس). ومتى جاء لا يبقى إلاّ قليلاً (ملك سنتين فقط). أما الوحش الذي كان وما عاد كائناً، فهو ملك ثامن (دوميسيانس)، مع أنه "من السبعة ويمضي إلى الهلاك". لم يخلد الأباطرة السبعة الأولون، والإمبراطور الثامن ليس بخالد وهو سيموت.
هناك من يفترض أن نبوءة أولى دوّنت على أيام الإمبراطور فسباسيانس (أي: بعد موت نيرون، كما دوّن سفر دانيال بعد موت أنطيوخس الرابع وتوقّف الإضطهاد) وأقحمت في عهد الإمبراطور دوميسيانس في النسخة الأخيرة لسفر الرؤيا. غير أنّ الشرّاح لا يجمعون على هذا الرأي. كما أن هذا التفسير يصطدم بشروح متضاربة. لا ننسَ أن 7 هو رقم رمزي وهو يدلّ على عظمة السلطة المتعاقبة على رومة والمضطهدة للكنيسة. مع أنه من الممكن أن نتعرّف إلى الأباطرة مع بعض اليقين. ويبقى أننا أمام السلطة السياسية التي بدأت حرباً ضدّ الله وجماعة العهد الجديد. فهي التي تشير إليها الصور الموجودة في ف 13 وف 17.


3- عبادة الإمبراطور وليتورجية الرب
إن موضوع العبادة الليتورجية موضوع مركزي في رؤ. فحسب لاهوت الإمبراطورية، إعتبر الأباطرة الرومان آلهة. فيوليوس قيصر (قُتل في 15 آذار 44 ق. م.) قد رُفع إلى مصاف الآلهة بقرار من مجلسه الشيوخ الروماني فصار "الاله السامي" (ديفوس أغوسطس). وفي سنة 29 ب. م، سُجّل الإمبراطور أغوسطس على لائحة الآلهة الرومان، وهو لا يزال حياً. وحملت نقود عديدة تعود إلى ملكه، الكتابة التالية: إبن الله المعبود. وخلال القرن الأول المسيحي، بدأت شعائر العبادة وأناشيد التقوى تعظّم أباطرة رومة وتكرّمهم كآلهة.
والإمبراطور دوميسيانس سمّى نفسه "الرب (كيريوس) والإله". ونحن نرى في 13: 16 ي تلميحاً إلى عادة "وضع سمة على اليد اليمنى أو الجبهة" أمانة لإمبراطور. وهكذا "لا يقدر أحد أن يشتري أو يبيع إلاّ إذا كان عليه سمة باسم الوحش أو بعدد إسمه). فمن رفض التعبّد للإمبراطور جُعل على هامش المجتمع. وفي نهاية القرن الأول، حاولت السلطة بضغوط قوية أن تفرض عبادة الإمبراطور على مقاطعة آسية الرومانية (القسم الغربي من تركيا الحالية)؛ وهكذا وجد عدد من المسيحيين نفوسهم أمام خيار صعب ومريع: من هو كيريوس (الرب) الحقيقي؟ يسوع المسيح أم الإمبراطور الروماني؟ ابن الله ومخلّص العالم أم سلطان رومة؟
في المجدلات العظيمة التي نقرأها في رؤ، نكتشف مقاومة المسيحيين الأولين لعبادة الإمبراطور الرسمية، وشهادة إيمان مؤثرة في يسوع المسيح الذي هو الرب (كيريوس) الحقيقي والوحيد. "هي لا تنقطع عن التسبيح ليل نهار فتقول: قدوس، قدوس، قدوس الرب الإله القدير، كان وكائن ويأتي" (4: 8). "يا ربّنا وإلهنا، لك يحقّ المجد والإكرام والقدرة لأنك خلقت الأشياء كلها، وهي بمشيئتك كانت ووجدت" (آ 11). "أنت الذي يحقّ له أن يأخذ الكتاب (العهد القديم) ويفضّ ختومه! لأنك ذُبحت وافتديت أناساً لله بدمك من كل قبيلة ولسان وشعب وأمّة، وجعلت منهم ملوكاً وكهنة لإلهنا يملكون على الأرض" (5: 9- 10؛ رج آ 12-14؛ 7: 10-12؛ 11: 15، 17-18...).
أين نجد أعنف من هذا الهجوم على عبادة الإمبراطور الروماني؟ فسفر الرؤيا يندّد بهذه العبادة التي يسمّيها "سعدنة" (تشبّه كالقرد والسعدان) وتجديفاً لشعائر العبادة المسيحية تجاه الصليب والقيامة. نقرأ في 13: 3 ي عن الوحش الذي "ذُبح فشُفي من جرحه المميت، فتعجّبت الأرض كلها وسارت وراء الوحش (كما سار التلاميذ وراء يسوع). وسجد الناس للتنين (كما يسجد المؤمنون لله)... وسجدوا للوحش وقالوا: من مثل الوحش (ميخائيل: من مثل الله)؟ من يقدر أن يحاربه"؟ فالوحش المذبوح قد "قام" مثل المسيح (5: 6). والمسيح الكذّاب أو النبيّ الكذّاب "يجترح" معجزات تضلّ المؤمنين (مت 24: 24؛ 2 تس 2: 9-10). ونقرأ في 17: 1 ي عن إمرأة تشبه المرأة التي تدلّ على الكنيسة وعلى مريم العذراء في ف 12. 
إنّ ليتورجية المعادي للمسيح (انتيكريست) تقابل ليتورجية الحمل. كما تعارض أعراس الحمل والعروس. نقرأ في 14: 1: "ونظرت فرأيت حملاً على جبل صهيون ومعه مئة وأربعة وأربعون ألفاً ظهر اسمه واسم أبيه مكتوباً على جباههم" (بواسطة المعمودية). "هؤلاء هم الذين ما تدنّسوا بالنساء (أي: لم يزنوا. والزنى يدلّ على عبادة الأوثان)، فهم أبكار (على مثال الكنيسة عروس المسيح. ظلّوا على أمانتهم للرب، فاستحقوا أن يكونوا ذبيحة له). هؤلاء، هم الذين يتبعون الحمل أينما سار" (آ 4). وفي 19: 1 ي: "سمعت بعد ذلك صوتاً عظيماً كأنه صوت جمهور كبير في السماء يقول: هللويا! لإلهنا الخلاص والمجد والقوة! أحكامه حق وعدل. دان الزانية العظيمة التي أفسدت الأرض بزناها، وانتقم منها لدم عباده". وفي 21: 9- 10، نقرأ عرس الحمل. كما نقرأ في 22: 17: "يقول الروح والعروس: تعال! من سمع فليقل: تعال"! هذا ما يقابل: ماراناتا، تعال أيها الرب يسوع.
وهكذا رفض يوحنا تأليه الأباطرة الرومان، وأعلن اعتراف إيمانه المهيب بهذه العبارات: هناك كيريوس واحد حقيقي، وابن الله هو يسوع المسيح. فكل آلهة الرومان والوثنيين، وكل الأباطرة "الإلهيين" الذين يجعلون نفوسهم "كيريوس" تكبّراً وتجبّراً، ويطالبون بشعائر العبادة لشخصهم، هم: كلهم نتاج البشر أو هم خلائق حقيرة تحتاج إلى الخلاص أكثر من غيرها: فمن تعبّد لها كان عرضة للهزء والسخرية. ويسوع المسيح وحده هو الحمل المنتصر. "وحده هو ربّ الأرباب وملك الملوك" (14:17).

4- أزمات في داخل الكنيسة
إنّ الصعوبات التي ألّمت بالجماعات المسيحية الأولى في آسية الصغرى، لم تكن وليدة تهديدات آتية من الخارج. بل رأينا خلافات عميقة في الرأي بين المسيحيين أنفسهم، وهذا كان مصدر ألم عميق. نتج عن هذا الوضع إنقسامات وتكوّنت مجموعات متعصّبة ترفض التعامل مع المجموعات التي لا تدين برأيها.
فكل الرسائل (تقريباً) التي تتوجّه إلى الكنائس السبع (أفسس، سميرنة، برغامس، تياتيرة، سارديس، فيلادلفية، لاودكية، 2: 1-3: 22) تلمّح بشكل ضمني أو واضح إلى هرطقات وانشقاقات وإلى نشاط مرسلين كذبة. نقرأ في ف 2: "أعرف أنك لا تطيق الأشرار، وأنك امتحنت الذين يزعمون أنهم رسل وما هم رسل، فوجدتهم كاذبين" (آ 2). "لكن يشفع فيك انك تمقت أعمال النقولاويين كما أمقتها أنا" (آ 6). نحن أمام هرطقة قريبة من الغنوصية في تفكيرها، هرطقة تتميّز بالإنفلات الأخلاقي. "أنا أعرف ما أنت عليه من الشدّة والفقر، مع أنك غنيّ. وأعرف ما يفتري عليك الذي يزعمون أنهم يهود وما هم بيهود، بل هم مجمع للشيطان" (آ 9). المسيحيون هم اليهود الحقيقيون وإسرائيل الحقيقي (روم 2: 28- 29؛ غل 3: 29؛ 6: 16). في هذا المنظار، يكون اليهود الذين لا يقبلون بالمسيح ويسهّلون إضطهاد المسيحيين، كأنهم قد أنكروا دعوتهم المميّزة: لم يعودوا أبناء إبراهيم، بل أبناء الشيطان (يو 8: 44: أنتم أولاد أبيكم إبليس). "أنا أعرف أين تسكن، هناك عرش الشيطان. تتمسّك باسمي وما أنكرت إيمانك حتى في أيام أنتيباس شاهدي الأمين الذي سقط قتيلاً عندكم حيث يسكن الشيطان" (آ 13). ولكن عندك من يتمسّك بتعاليم "بلعام بن بالاق". لقد جرّ شعب الله إلى الزنى، أي إلى خيانة الله لربّه في التعبّد للأصنام (آ 14؛ رج آ 20- 21 وإيزابيل التي تعلّم الزنى).
خفّ الحماس الديني الأول في هذه الجماعات، بل تجمّد فما عاد يساعد على الحركة. ترك العهد الرسولي زمن الربيع، وسار في زمن الخريف. وهكذا جاء التنبيه موجّهاً إلى الجيل المسيحي الثاني أو الثالث. إنه لتنبيه خطِر. "أعتب عليك لأنك تركت محبتك الأولى، فاذكر من أين سقطت وتب وعد إلى أعمالك الماضية. فإن كنت لا تتوب، جئتك وأخذت منارتك (تدلّ على الكنيسة) من مكانها" (2-: 4- 5). ونقرأ في 3: 2-3: "إسهر وأنعش ما بقي لك من الحياة قبل أن يعاجله الموت. فأنا لا أجد أعمالك كاملة في نظر إلهي. فاذكر ما تعلّمته وكيف قبلته، واعمل به وتب. فإن كنت لا تسهر جئتك كاللصّ، لا تعرف في أية ساعة أباغتك". وهكذا يُطلب من الكنيسة أن تعيش هذا الإنتظار، ومن المسؤول عنها السهر وتقوية جذوة الإيمان فيه.

 

 

الفصل السادس
سفر الرؤيا والعهد القديم

يبدو رؤ منسوجاً من مواد تعود إلى العالم البابلي والهليني كما إلى الرمزية الفيتاغورية. وفوق كل هذا، إنه يستقي من أنبياء العهد القديم وعالم اليهود المتأخّر. وهذا ما جعل بعض الشرّاح يحسب رؤ كتاباً يهودياً أو ثمرة صياغة مبنيّة على المراجع اليهودية. لا شك في أن هناك بعض المغالاة، ولكن يبقى أنّ العهد القديم حاضر في رؤ بشكل بارز بحيث قال أحد الشرّاح: إذا أردت أن تختبر معرفتك للعهد القديم فاقرأ سفر الرؤيا. 

1- العهد القديم مرجع ليوحنا
إن يوحنا يرى أن الوحي القديم يبدو كلاً موحّداً. إنه منذ البداية إلى النهاية "نبوءة" واحدة، "شهادة" واحدة. وسيجد موضوعه وهدفه في "وحي يسوع المسيح".
أجل، العهد القديم ككلّ هو مرجع لرؤيا يوحنا. فليس من رمز أو صورة أو عنصر شكلي إلاّ ويمكن أن يعود إلى العمق البيبلي أو أقلّه إلى تقليد يهودي. هناك نلاحظ ثلاث سمات.

أ- السمة الأول: القانون اليهودي
إنّ رؤ يرجع عادة إلى لائحة الأسفار القانونية اليهودية التي تكوّنت في العصر الأول المسيحي بشكل نهائي وتكرّست في مجمع يمنية حوالي سنة 90. ويوحنا الذي كوّن كتابه في هذا الوقت، أراد أن ينطلق من الكتب المقدّسة ليبيّن أن يسوع هو حقاً المسيح الذي أنبأت به الكتب وانتظرته.
الذي يتمّ المواعيد التي يتضمّنها الوحي القديم. فالمؤمنون والآتون من العالم اليهودي كانوا كثُراً في الجماعات المسيحية التي توجّهَ إليها يوحنا. ومهما يكن من أمر، فالتنشئة المسيحية للمهتدين كان تتضمّن تنشئة بيبلية لا يفهم بدونها محتوى التعليم الإنجيلي. ولا نستطيع أن نستبعد أنّ يوحنا قد يكون توجّه، عبر الجماعة المسيحية، إلى سامعين يهود. هذا ما فعله صاحب سفر الحكمة. توجّه إلى اليهود ليشجّعهم على الثبات في إيمانهم رغم ضيق الزمن الحاضر ورغم سحر الحضارة الهلينية. ومن خلال اليهود توجّه إلى الوثنيين ليعرّفهم إلى الإله الواحد. وهكذا فعل يوحنا داعياً اليهود للتعرّف إلى المسيح. لهذا السبب إكتفى باللائحة القانونية اليهودية دون سائر الكتب لئلا يخسر كتابه سلطانه فيعتبر غير أهل للتصديق.


ب- السمة الثانية: إختلافات في النصّ
وهناك سمة أخرى تدلّ على اهتمام يوحنا بالمراجع البيبلية وهي الإختلافات التي تتضمنها هذه الإستشهادات بالنسبة إلى النصّ الأصلي. ونعطي بعض الأمثلة. في 4: 6 ي، يتحدّث يوحنا عن أربعة كائنات حية (ربّما ملائكة. هي بالأحرى تدل على الخليقة الموجودة في الكون بأقطاره الأربعة) تحيط بعرش الله. تذكّرنا هذه الكائنات بعددها وشكلها "بالكروبيم" الذين ينقلون مركبة يهوه في رؤى حز 1: 5- 12. ولكن صفة "حيّ" (كائنات حيّة أو أحياء) جاءت من يوحنا فابتعدت ابتعاداً واضحاً عن النموذج الأول: وبدل أن يقدّم وجهة رباعية (أربعة وجوه في كل كائن: وجه أسد عن اليمين...)، كان لكل من هذه الكائنات شكل يختلف عن الكائنات الثلاثة الباقية (أما في حزقيال فالكائنات تشبه بعضها بعضاً)، كما أن له ستة أجنحة (كما في أشعيا) لا أربعة.
والتنين الذي يصوّره 12: 3 يجد نمطه الأول في حية التجربة، في تك 3: 1 ي (هذا ما يقوله رؤ 12: 9: التنين العظيم، الحية الجهنمية، المدعوة إبليس والشيطان). غير أننا نراه مع سبعة رؤوس (ملء المعرفة والنظر) وعشرة قرون (ملء القوة حسب النظرة الفيتاغورية). في الختوم الأربعة الأولى ترتبط الأفراس "الملوّنة" برؤيتين في زكريا (1: 8؛ 6: 1 ي) ولكنها لا تظهر معاً. بل يظهر كل حصان وحده، ويأتي الحصان بعد الآخر. وتتحوّل الألوان كما يختلف الفرسان الواحد عن الآخر. الأول معه قوس، والثالث معه ميزان (رؤ 6: 1 ي).

ج- السمة الثالثة: المشاهد الأجمالية
ونلاحظ تصّرف صاحب رؤ هذا في المشاهد الإجمالية. مثلاً، بالنسبة إلى نبوءة مسيحانية تعود مراراً، هي نبوءة دانيال حول الشيخ (يهوه) الذي تحيط به حاشية سماوية، وحول ابن الإنسان الذي يتقدّم على سحاب السماء ليتقبّل هناك التولية المسيحانية (دا 7: 9 ي). إن الإختلافات التي أدخلها يوحنا هنا لا تعني فقط بعض السمات في النموذج الذي يستقي منه (ابن الإنسان، الملائكة، كتب الدينونة)، بل بنية الرؤية أيضاً. فالقسم الثاني الذي يتعلّق بابن الإنسان قد جعل فوق (مثل الورق الشفّاف) القسم الأولى الذي يقدّم صورة الشيخ. والمشهد الذي فيه يلتهم يوحنا الكتاب الذي يقدّمه له الملاك (10: 9) هو صورة طبق الأصل عن حز 3: 3 (أكلته فصار في فمي حلواً كالعسل). ففي رؤية حزقيال كان الكتاب حلواً. أما في رؤ فهو حلو ثم مرّ.
من الواضح أن الإستشهادات البيبلية لم تأتِ عرضاً ولا خضعت لمتطلّبات أدبية. فهي "إيرادات" لا "مراجع". والإختلافات التي نجدها تدلّ على أننا أمام شرح وتفسير. إنّ يوحنا يعيد قراءة العهد القديم ويؤوّله على ضوء الواقع الجديد الذي تعيشه كنيسة آسية الصغرى سنة 85.
ليس رؤ تصويراً لمجيء المسيح الثاني يستعمل بطريق الصدف عناصر مأخوذة من التقليد البيبلي (نصوص نبوية أو جليانية). إنه تأويل لمواضيع ورموز نبوية مأخوذة بشكل إجمالي تبرز "شهادة" عن مجيء المسيح التاريخي وعن معنى رسالته. وهذا التأويل لا يكتفي بأن ينقل معطيات الكتب المقدّسة من مستوى تعبير رمزي إلى مستوى منطقي. إنّ التأويل الذي يمارسه يوحنا ينطلق من الرموز فيحوّلها في ذاتها ويحدّد مدلولها ويعطيه وجهة جديدة.
إن ما يُشرف على الكتاب ويكوّن بنيته هو رؤية دانيال لابن الإنسان الآتي على سحاب السماء. هذه الرؤية هي في نظر يوحنا النبوءة المسيحانية السميا. فهو يرى فيها إعلاناً للزمن الأهمّ "لوحي يسوع المسيح"، أي إعلان موته الذي فيه يتمّ "سرّ الله". ويرتبط بهذه المجموعات خروج العبرانيين مع الأحداث التي سبقته (ضربات مصر) أو تبعته (عبور البحر الأحمر، الإقامة في البرية، العهد في سيناء). وهناك تلميحات إلى نهاية مملكة يهوذا ودمار أورشليم والهيكل بيد نبوكدنصرّ. وحين يتذكّر الكاتب دماراً مادياً وتنجيساً فهو يفكّر أيضاً في دمار وتنجيس روحي له نتائج لا تعوّض هي موت المسيح.
وتبرز أيضاً أحداث تقع في عدن: الخلق، التجربة، السقوط والعقاب. في هذا السياق نجد معتقدات ونظريات توسّعت على هامش التقليد البيبلي: تمرّد الملائكة، القتال بين الملائكة الأمناء والملائكة الثائرين، إستبعاد الشيطان وأخصّائه من السماء. غير أن يوحنا يتميّز عن كتّاب الجليان، فيحاول كل ما استطاع أن يربط مضمون هذه النظريات بما تقوله الكتب المقدّسة.
ويعود يوحنا إلى أنبياء ما بعد المنفى الذين نظروا إلى إعادة تكوين الشعب وبناء أورشليم والهيكل. رأى يوحنا في كل هذا لا بناء شعب من الشعوب، بل بناء البشرية كلها بعد أن تتحرّر من عبودية الشيطان. رأى إعلان أورشليم الجديدة الآتية من السماء، والهيكل الجديد الروحي من أجل العبادة في الروح والحقّ.

2- تاريخ الخلاص
نجد نفوسنا أمام ثلاثة مستويات من التاريخ: التاريخ الدنيوي، التاريخ اليهودي، تاريخ الخلاص. من تداخل هذه المواضيع تخرج رسمة عن تاريخ الخلاص، فيها يتوقف الكاتب عند النقاط اللافتة. أي عند المحطات الحاسمة في طريق ينطلق من الخلق وسقوط الإنسان فيصل إلى مجيء يسوع المسيح التاريخي والخليقة الجديدة والفداء.
هناك أولاً التاريخ الدنيوي الذي عاشه صاحب رؤ. على مستوى تنظيم رومة وحلفائها، على مستوى الكوارث الطبيعية، على مستوى الحروب التي تهدّد الإمبراطورية لا سيّما في الشرق مع الفراتيين. وهو يرى في كل هذه الأحداث يد الله تعمل من أجل شعبه. فكما كانت ضربات مصر سلاحاً بيد الله يجبر فرعون على إطلاق شعبه إلى عالم سيناء، عالم الحرية، هكذا ستكون الكوارث في الإمبراطوربة الرومانية عقاباً لسلطة رومة علّها تتوب ونتوقّف عن مضايقة كنيسة الله.
ويعود الكاتب ثانياً إلى هذه المسيرة الطويلة التي ترتسم عبر العهد القديم. ففي سفر التكوين مثلاً نجد موجزاً "لتاريخ العالم". ثم يتركّز الإنتباه شيئاً وشيئاً على حياة الشعب العبراني منذ اختياره في إبراهيم حتى العبودية في مصر ثم الخلاص من مصر والأوقات المجيدة في الحقبة الملكية التي امتدّت حتى السبي والمنفى وضياع كل شيء. وأخيراً نصل إلى إعادة بناء الشعب والمدينة والهيكل.
إذا عدنا إلى هذه الرسمة البيبلية التي يتبعها يوحنا بشكل أساسي، نجد بعض الإختلافات. ففي التوارة، كانت وظيفة خبر البدايات و"تاريخ" البشرية الأولاني أن يكونا مقدّمة لتاريخ الشعب العبراني الذي اختاره الله وسلّمه رسالة. طُمست الأحداث المتعلّقة بإسرائيل فبرز كل ما يتعلّق بتاريخ العبرانيين الخاص، حتى الأحداث البسيطة منها مثل الإحتفال بالفصح. أما رؤ فأخذت الخطّ المعاكس، تركت الخاصانية اليهودية واستعادت تاريخ البشر بما فيه من شمولية. فالبشرية كلها (لا الشعب العبراني وحده) هي موضوع مخطّط الله الخلاصي وعمل الفداء في المسيح. أنشد الشيوخ والكائنات الحية ليسوع، حمل الله: "أنت ذُبحت وافتديت أناساً لله بدمك من كل قبيلة ولسان وشعب وأمّة" (5: 9). وسوف يرى الرائي المؤمنين: إنهم جمهور كبير لا يُحصى "من كل أمّة وقبيلة وشعب ولسان) (7: 9). أجل إن جميع شعوب الأرض تنتمي إلى شعب العهد الجديد. من أجل هذا يحيلنا رؤ مراراً إلى خبر البدايات، إلى الخلق والسقطة. فجميع البشر معنيّون بهذه الأحداث.
ومع ذلك فإنّ يوحنا لا يجهل الطابع الفريد لمسيرة الشعب اليهودي ولا مدلول هذه المسيرة بالنسبة إلى مسيرة سائر الشعوب. تميّز عن سائر كتّاب العهد الجديد، فأبرز مكانة تاريخ العبرانيين داخل تاريخ الخلاص، كما أبرز عناصر التواصل مع الواقع الجديد الذي حمله يسوع المسيح: تواصل بين الشعب القديم والشعب الجديد. تواصل بين الميثاق القديم والميثاق الجديد. وفي حرب الكنيسة ضدّ التيارات الغنوصية التي تريد أن ترذل تقليد التوراة، كان ما فعله رؤ حاسماً. فهو قد عرف أن يقرأ العهد القديم في ذاته، ثم. أن يجعله في خطّ العهد الجديد حيث سيجد كماله، وحيث سيجد العهد الجديد جذوره.
ولكن حين قدّم يوحنا التاريخ البيبلي، هناك وجهة رفضها رفضاً تاماً. هي الوجهة الخاصانية عند اليهود "الوطنيين" الذين يحصرون البركة فيهم ويستبعدونها عن غيرهم. ويرى يوحنا أنّ أخطر نتيجة لهذا الإتجاه هي تفسير المواعيد والنبوءات في إطار زمني وسياسي. وكانت ردّة الفعل عنده على هذه القراءة ثابتة وقاسية، لأنّ مثل هذه القراءة تشوّه معنى التعليم الذي يتضمّنه الوحي البيبلي.
شدّد يوحنا، كما قلنا، على الطابع الشامل لمخطّط الله ولوعد التحرير الذي وعد به الله الإنسان بعد السقطة. ظنّ اليهود أنهم وحدهم مستودع هذه المواعيد وكأن عمل الله تركّز فيهم. مال العالم اليهودي بالطابع الروحي للوعد فسخّره لأهداف وطنية وزمنية.
ولكن الله عاقبه وترك أعداءه يدمّرونه على هذا المستوى السياسي والزمني. أخذ يوحنا هذا اليقين من تقليد التوراة النبوي وأعطاه بعداً جذرياً. فغاب عن مؤلّفه تذكّر المُلك المجيد. قد نجد في الرسالة إلى تياتيرة (2: 19) تلميحاً إلى ملك سليمان الذي فاق بعظمته ملك أبيه داود؛ ولكن الكاتب يعجّل فيشجب عبادة الأوثان التي ما عتمت أن تغلغلت في الشعب بسبب المثل الرديء الذي قدّمه الملك (2: 20 ي). ورجاء العودة من المنفى وبناء المدينة المقدسة الذي ألهب قلوب الأنبياء وأصحاب المزامير، قد انتقل في رؤ إلى أورشليم الجديدة التي أسّسها المسيح. ونحن لا نجد أي مقطع يتحدّث عن إعادة بناء الهيكل والمدينة بعد العودة. كما لا نجد توالي الآمال وخيبات الأمل، الثورات والفشل التي رافقتها أحداث تاريخية هامة، مثل الصراع بين الإسكندر الكبير والفرس ثم تفتّت مملكة الإسكندر في أيدي خلفائه. ومع ذلك، فإن هذه الأحداث طبعت بطابعها بعض أسفار التوراة مثل عزرا، نحميا، أستير، يهوديت، دانيال، المكابيين، طوبيا. ففي نظر يوحنا توقّف تاريخ الشعب اليهودي عند معركة مجدو (هناك مات الملك التقي يوشيا سنة 609 ق. م. على يد الفرعون) ودمار أورشليم والهيكل على يد نبوكدنصرّ سنة 587 ق. م. إنّ يوحنا يعود إلى هذه الأحداث حين يبحث في الوقائع التي يرويها العهد القديم صوراً مسبقة عن موت يسوع المسيح المأساوي. وهو يرى أنّ هذا الموت قد أوصل الشعب اليهودي إلى نهايته الروحية.
إنّ تاريخ العالم اليهودي الذي يهمّ يوحنا هو العالم اليهودي الروحي الذي عبرّت عنه "شهادة" (بالأقوال والأفعال) القديسين والأنبياء، الذين مارسوا الشريعة وحافظوا على الرجاء في عودة المحرّر. شهد يوحنا لمثل هذا العالم اليهودي الروحي واعتبره اعتباراً لم يعتبره مثله سفر من أسفار العهد الجديد. ولكنه شجب ذاك الذي تغرّب في أحلام من المجد الزمني وشارك في مشاريع عظماء هذا العالم فشوّه طبيعته الحقيقية وجعله لا يرى في يسوع المسيح المنتظر.
مثل هذه "اليهودية" يرفضها يوحنا بعنف يشبه ما نجد في الإنجيل الرابع. فاليهود الذين رفضوا يسوع لا يستحقون أن يسمّوا يهوداً من بعدُ. وإن نسبوا إلى نفوسهم هذا الإسم، "كذبوا" وصاروا "مجمع الشيطان" (3: 9؛ رج 2: 9) 0 أما أورشليم التي فيها قتل "الشاهدان" وحيث "صلب ربهما يسوع"، فلم تعد "المدينة المقدّسة". صارت في المعنى الروحي "سدوم (عالم الزنى) ومصر (عالم عبادة الأوثان)" (11: 8). وإن رمز "الزانية العظيمة" يعود أولاً إلى أورشليم كما في ف 17.
غير أن رؤ يشدّد على التواصل الحيوي بين العالم اليهودي والعالم المسيحي. ففي الرؤية في بطمس التي تدشّن الكتاب وتكثّف مدلوله، يظهر يسوع المسيح ليوحنا وسط المنائر السبع (2: 1). إن معنى هذه الرؤية واضح: إن يسوع يأتي من العالم اليهودي الذي لولاه لا نستطيع أن نفهم شخص يسوع ومدلول رسالته. ثم إن أورشليم السماوية قد صوّرت بعناصر من التقليد اليهودي لترمز إلى مفاعيل الفداء.
الأساس في برهان يوحنا هو الإيمان بأنّ يسوع هو المسيح. بأن عمله المسيحاني قد تحقّق في موته. بأن ملكه ملك روحي. هذا هو المعنى الصحيح للكتب المقدّسة. وحين رفض اليهود يسوع المسيح خسروا (في نظر يوحنا) إمكانية فهم نصوصهم المقدّسة: فالوحي الذي أعطي لهم صار صامتاً بالنسبة إليهم. لا يستطيع أن يفهمه إلاّ يسوع الذي يفتح ختمه (5: 5). وهذا الوحي يكلّم مع يسوع كل إنسان يتقبّله (10: 11). وهكذا يكون العالم اليهودي الروحي حياً في الجماعة الكنسيّة وفيها يتواصل. فابن الإنسان يعلن لرائي بطمس أن المنائر السبع (الشمعدان بفروعه السبعة يدلّ على العالم اليهودي) قد صارت الكنائس السبع (1: 20).

3- من التأويل إلى الرموز
إنّ ما يكفل التواصل بين التدبير القديم والتدبير الجديد هو حضور المسيح في هذا التدبير وذاك. فكلاهما وحي يسوع المسيح وإن بطريقين مختلفين وبقدرين متباينين. لا شك في أنّ يوحنا يتكلّم مراراً عن نهاية التدبير القديم لكي يبدأ التدبير الجديد. ولكن الوضع هو هكذا بسبب رفض الذين لم يروا في الجديد تتمّة القديم. ولأنّ التتمة تحوّلُ تحولاً نوعياً مضمون التدبير الجديد بالنسبة إلى التدبير القديم. فهذا كان إعلاناً وتهيئة ورمزاً. والجديد هو التتمة والحقيقة.
إذن، تواصل في التبديل. هذا اليقين يؤثّر على يوحنا في قراءة نصوص العهد القديم. قراءته هي القراءة النمطيّة (تيبولوجيا). أي كل ما في العهد القديم هو صورة ونمط (أو رمز) عن يسوع المسيح وعن عمله الخلاصي. 
وبما أن يوحنا يشدّد على التواصل بين التدبيرين، فنمطيّته تختلف اختلافاً ملحوظاً عن نمطيّة بولس. فرسول الأمم يرى في أحداث التاريخ البيبلي "ظلال" الأمور الآتية. نقرأ في كو 2: 17: "فما هذه كلها إلاّ ظلّ الأمور المستقبلة. أما الحقيقة فهي في المسيح". وفي 1 كور 10: 1ي: "إن آباءنا كانوا كلهم تحت السحابة... كلهم تعمّدوا لموسى... كلهم كانوا يشربون شراباً روحياً واحداً من صخرة روحية ترافقهم، وهذه الصخرة هي المسيح... حدث هذا كله ليكون لنا مثلاً... ليكون عبرة لنا نحن الذين انتهت إليهم أواخر الأزمنة". فموسى هو صورة المسيح. والغمام وعبور بحر الأحمر يرمزان إلى العماد المسيحي. والمنّ والصخر يدلاّن على الافخارستيا بما تحمل من طعام روحي وشراب روحي.
أما يوحنا فيجعل بعض الكثافة للمعطى التوراتي سواء كان تاريخياً أم عقائدياً. فالأمور المروية والطقوس والرؤى والشريعة، كل هذا يمتلك في نظره قيمة في ذاته، وإن كانت هذه القيمة ناقصة: كل هذا هو تجلٍّ فاعل لتدخّل الله الخلاصي في مرحلته الأولى.
وحين نتحدّث عن الرموز والإستعارات والصور في رؤ، فهذه اللغة تبقى مقبولة إن رأينا فيها تذكّراً مقصوداً للكتاب المقدّس. بعد هذا، فالمادة التي نسميّها "رمزية" هي بيبلية في فحواها كما أنها تحتفظ ببعدها الأصلي. وإن يوحنا يستند إلى تواصلية معنى النصّ حين يُدخل فيه اختلافات تحوّله عن أصله. فحين يعود رؤ إلى نصّ الكتاب المقدّس فهو يفترض أنّ هذا النصّ معروفٌ لدى القرّاء لا في كلامه وحسب بل في مدلوله التقليدي مثلاً، حين يقول "ابن الإنسان" فهو مقتنع بأن هذه التسمية تكفي لكي تذكّر القارىء برؤية دانيال كلها، وبأن القارىء يدركها مباشرة في ارتباطها بالحدث المسيحاني. وحين يصوّر سلسلة الأفراس الأربع بألوانها المختلفة، فهو يفترض أنّ قرّاءه يربطون هذه الصورة برؤى زكريا مع تفسيرها التقليدي في العالم اليهودي.
إن استمرارية البعد الأصلي للرموز البيبلية التي استعملها يوحنا هي معيار جوهري في قراءة رؤ، لا في علاقة هذه الرموز مع ينبوعها (الذي هو الكتاب المقدّس) وحسب. بل في علاقة كل رمز (داخل الكتاب) مع نفسه في القرائن المختلفة التي يظهر فيها ومع الرموز الأخرى التي احتفظ بها يوحنا.
لنأخذ مثلاً رمز "المرأة" في ف 12. هو رمز بيبلي وهو يعود أيضاً في ف 17 (الزانية العظيمة) وفي ف 21 (العروس، زوجة الحمل). وهو يرتبط كل مرة برموز أخرى (إمرأة "في السماء". إمرأة "في البرية". إمرأة "نازلة من السماء"). من الواضح أن معناه الأساسي يبقى هو هو عبر التلوّنات والتحوّلات التي ينالها في اتصاله برموز أخرى وفي قرائن مختلفة. ونقول الشيء عينه عن رمز "الكتاب". هناك "مختوم بسبعة ختوم". وهناك "كتاب صغير مفتوح". وهناك "كتاب الحياة". فـ "الكتاب" الذي يمسكه الإله السامي يسلّم إلى الحمل (ف 15). ثم نجده في يدي ملاك (ف 10). إن الأصل البيبلي للرمز واضح. ولهذا يحتفظ يوحنا بمدلوله الأساسي في مختلف الحالات.
وهناك رمز "الكواكب" أو النجوم. فالمقاطع الكتابيّة تدلّ على علاقة بين الكواكب من جهة والملائكة من جهة ثانية. غير أنّ هذه العلاقة ليست بواضحة. ومهما يكن من أمر، فإنّ يوحنا ينسب إلى المسيح نفسه تفسيراً لـ "الكواكب" يتأسّس على التقابل بين الكواكب والملائكة (1: 20: الكواكب هي ملائكة الكنائس، أي المسؤولون فيها). وانطلاقاً من هذه الآية، لن يتغيّر الرمز. وحين يتكلّم يوحنا عن أجسام تحترق وعن كواكب تسقط من السماء (8: 6 ي)، نحن نعرف مسبقاً أننا أمام سقوط ملائكة ويشير أيضاً إلى سقوط الملائكة التمثّلُ الرمزي للتنين الذي يجرّ (يكنّس) بذنبه السماء ويرمي على الأرض ثلث الكواكب.
وما قيل عن الرموز البيبلية يُقال أيضاً عن رمز الأعداد. فسفر رؤ مملوء بالأعداد وهو يستعملها لكي يعبّر عن تعليمه. هنا يعود يوحنا أيضاً إلى نظريات غنوصية وسّرانية. بل هو يعود بالأحرى إلى نصوص بيبلية يستند إليها وإلى ما تقدّم من تفسير.
لقد وجد يوحنا في الكتاب المقدّس قيمة العدد 7 الذي يدلّ على الملء الذي يتمّ وينغلق على ذاته. فأيام الخلق السبعة (تك 1) هي أساس هذه الرمزية. بعد هذا كان توسّع حول عمر العالم (7 أيام= 7 آلاف سنة). وبعد هذا كان تعداد حول مجيء المسيح وبداية المملكة المسيحانية التي حدّد وقتها في نهاية الألف السادس وبداية الألف السابع.
هذه النظريات وهذه الحسابات انتشرت في أيام يوحنا، ولكنه استعملها بالنسبة إلى الطرح الذي يقدّمه، كما ربطها بأساس بيبلي متين. لا شك في أنّ رؤ يعكس نظريات حول "الأسبوع الكوني" عرفتها الكتابات الجليانية. ولكن يبقى أن الرقم 7 سبق وارتبط بمجيء المسيح بواسطة نبوءة دانيال عن السبعين أسبوعاً من السنين (دا 9: 24-27). فهذه النبوءة المهمة لفهم رؤ، تجد صداها في نصّ رؤ عبر رمزية الأعداد. والوجه الغريب للتنين (7 رؤوس- 10 قرون) قد يرتبط أيضاً بنبوءة دانيال (7×10= 70). والإشارات الرمزية عن الزمن تعود بلا شكّ إلى دانيال لأن 1260 يوماً (11: 3؛ 12: 6) و 42 شهراً (11: 2؛ 13: 5) وزمناً وزمنين ونصف زمن (12: 14) وثلاثة أيام ونصف يوم (11: 11)، تساوي ثلاث سنوات ونصف السنة أو "نصف أسبوع" في الأسبوع السبعين في أسابيع سنوات دانيال.
ووجد يوحنا في التوراة ولا سيما في حزقيال ودانيال وزكريا الرقم 4 الذي يرتبط بالأرض (زوايا الكون الأربع، الرياح الأربع) وبالتاريخ (أربع ممالك شملت الكون). كما وجد الرقم 12 الذي يدلّ على الكمال (الاسباط الإثنا عشر) والرقم 3 الذي يرتبط باللاهوت "والملائكة" الثلاثة الذين يزورون إبراهيم. والرقم 6 الذي يرتبط هو أيضاً بالأرض والإنسان فيدلّ على النقص.
وانطلقت نظريات من هذه الأعداد الرمزية، ففسرّت الكمال في الرقم 12 على أنه نتيجة ضرب 4 (عدد الكون) بـ 3 (يرتبط بعالم السماء). وسلسلة العشرات (10، 20، 30) تدلّ على واقع غير محدود وغير كامل. وحُسبت الأرقام المزدوجة ناقصة، والأرقام المفردة كاملة. في كل هذا عاد يوحنا إلى المرموز البيبلية واستند إلى قيمتها التقليدية المعروفة موجهاً إياها في خط تأمّله في حياة الكنيسة خلال العقد الأخير من القرن الأولى المسيحي. 

خاتمة
إنّ رؤيا القديس يوحنا تتوسّع في مواضيع دينية كبيرة تجذّرت في العهد القديم فطبعت بطابعها حياة الشعب اليهودي وتقواه خصوصاً في القرنين السابقين للمسيحية. ونستطيع القول إنّنا لا نجد آيةً ولا فصلاً لا يتضمّنا تقارباً مع العهد القديم في مواضيعه. فقد كانت التوراة الينبوع الرئيسي الذي غرف منه العهد الجديد. أما صاحب رؤ فإنه عرف معرفة عجيبة العهد القديم الذي كان له كتاب حياة. ولكنه توقّف بشكل خاصّ عند النصوص التي تعود في عالم الجليان كما عرفه العالم اليهودي.
وهكذا نستطيع القول إن رؤ هو قراءة مسيحية للعهد القديم. إنطلق من الواقع الصعب الذي يعيشه المسيحيون في أيامه، فحاول أن يجد في الكتب المقدّسة كلمة التعزية والتشجيع التي يحتاجون إليها. لهذا عاد إلى التوراة يستخرج منها الصور والرموز ليكتب بلغة العهد القديم إنجيلاً يتوجّه إلى شعب العهد الجديد الذي تمّت له مواعيد الله في موت يسوع وقيامته.

 

 

الفصل السابع
سفر الرؤيا والعهد الجديد

كان كتاب الرؤيا على ما يبدو، آخر أسفار العهد الجديد، وقد كتب في نهاية القرن الأول المسيحي. فما هي علاقته بالعهد الجديد؟ نتوقّف أولاً عند الرسائل البولسية، ثم عند الخطبة "الجليانية" في الأناجيل الإزائية، وأخيراً عند إنجيل يوحنا. سنعود ولا شك خلال تفسيرنا لسفر الرؤيا إلى مقابلات بين هذا الكتاب وأسفار العهد الجديد. ولكننا نقوم الآن ببعض "الاستقصاءات" فنفهم كم أن رؤ ليس ذاك الكتاب الغريب العجيب. بل هو من صلب العهد الجديد، بل هو يغرف من هذا التقليد الكنسي الذي غرف منه بولس ويوحنا ومتى ومرقس ولوقا.

1- الرسائل البولسية
بولس الرسول هو شاهد كيد على أن الجماعة المسيحية الأولى انتظرت بحرارة عودة المسيح. ونجد شهادة عن هذا الانتظار في 1 تدس (4: 13- 5: 11) و 2 تس (2: 1- 22) اللتين هما أقدم رسائل بولس بل أقدم أسفار العهد الجديد. ففي1 تس بين الرسول أنه يؤمن بالمجيء (باروسيا) ويعتبره قريباً بحيث يرجو أن يكون حياً حين عودة الرب. نقرأ في 4: 15: "نحن الأحياء الباقين إلى مجيء الرب لن نتقدّم الذين رقدوا". ولكن في نهاية هذه الرسالة، يشدّد بولس على الطابع الفجائي وغير المتوقّع لهذا الحدث. "إن يوم الرب يجيء كاللصّ في الليل... (5: 2). وفي 2 تس يحاول الرسول أن يخفّف من حمى الانتظار عند قرّائه: ليس مجيء الرب بقريب. "يوم الرب لا يجيء إلاّ بعد أن يسود الكفر" (2: 3).
حين أعطى بولس أسباب هذه المهلة جعلنا نستشفّ نظرته الجليانية. فعودة المسيح يسبقها "الجحود" و"رجل المعصية" الذي يعيقه عن ظهوره عائق. وحين يزول هذا العائق السري بسبب رجل المعصية، يظهر الدمار الروحي لعدد كبير من الناس بواسطة الآيات والمعجزات التي يجترحها بواسطة الشيطان. وأخيراً، يزيله الرب في مجيئه (2 تس 2: 3- 12).
في الرسائل اللاحقة خفّ الرجاء بمجيء قريب، بل خفّت فكرة المجيء. ففي 1 كور حيث تُذكر عودة الرب، يشدّد الرسول على معنى ومضمون حقبة إنتظار سوف تمتدّ طويلاً. إنتقل الإهتمام إلى تنظيم الجماعة، وبرزت حياة المسيحيين الآنية كاستباق للواقع الاسكاتولوجي. فبولس يرى في الجماعة الليتورجية، في العماد والوليمة الافخارستية، تجلّيات حياة في يسوع لن تكون تامة إلاّ في العودة وساعة قيامة المؤمنين، ولكنها تتضمّن منذ الآن مشاركة فعلية في موت الرب وقيامته.
والرسائل التي تعود إلى الحقبة الأخيرة من نشاط الرسول، تدلّ على أن النظرة إلى نهاية قريبة قد امّحت. فتركّز إهتمام بولس على الحياة الكنسيّة التي هي ملء الاتحاد بالروح وإنتماء إلى جسد المسيح الذي هو الكنيسة. وبرزت فكرة تقول إن خيرات المملكة المسيحانية (عطية الروح، الوصول إلى حياة جديدة هي حياة الله) هي واقع حاضر ننعم به منذ اليوم. وقد أكّد بولس لمسيحيّي كولسي وأفسس أن المعمّد قد مات وقام مع المسيح (كو 2: 12: دفنتم معه وقمتم معه؛ 3: 1: إن كنتم قمتم مع المسيح)، وأنه منذ الآن معه في السماء (في المسيح يسوع أقامنا معه وأجلسنا في السماوات، أف 6:2).
لن نتوقّف هنا عند تطوّر فكر القديس بولس بين وقت دوّن فيه 1 تس (حوالي 50) ووقت دوّن فيه كو، أف (حوالي 61- 63). فلا شيء يؤكّد أنه ساعة دوّن الرسائل الأخيرة تخلّى عن أفكاره حول عودة المسيح والأحداث التي تسبق هذه العودة. أما السؤال الذي يهمّنا في ما يخصّ رؤ فهو: كيف نوفّق بين تصوير بولس لظروف المجيء وتصوير رؤ؟ يبدو أننا لا نجد نقاطاً مشتركة بين الاثنين. فسفر الرؤيا لا يتكلّم عن "جحود" يسبق عودة الرب. أما عند بولس فصورة خصم المسيح تبدو بشكل بشري، وإن تسلّم هذا الخصم من إبليس سلطات خارقة (من هنا وُلد شخص المناوىء للمسيح، انتيكرست). لا نجد شيئاً من هذا في رؤ: فالخصم هو الشيطان، والأداة التاريخية التي يستعملها هي الوحشان اللذان يمثلان كيانين مجرّدين (السلطتان السياسية والدينية الفاسدتان) لا شخصين بشريين. وأخيراً لا يتحدّث رؤ عن عائق غريب يمنع ظهور الخصم.
ويُطرح سؤال آخر: كيف نفسّر حمّى الانتظار الاسكاتولوجي التي تنسب إلى رؤ الذي دوّن بعد رسائل بولس التي عرفت غياباً لافتاً لهذا الانتظار؟ ويواجهنا السؤال بشكل خاص حين نعرف أن هذا الانتظار غير ظاهر في رسائل كتبت إلى جماعات آسية (كو، أف) حيث وُلد رؤ. إذا كان كتاب يوحنا سيُقرأ في مناخ إسكاتولوجي فلا بدّ أن يكون ردّةَ فعل على توجيهات بولس في هذا المجال!
أما إذا كان رؤ "نبوءة" تعود إلى مجيء المسيح الأول، إذا كان تأملاً حول معنى هذا المجيء وصورة عن السيرة التاريخية والروحية التي سبقته وهيأت له الطريق، حينئذٍ يختفي التعارض بين نظرة رؤ التعليمية ونظرة بولس في رسائله الأخيرة. حين نتطلّع إلى الأمور هكذا، نذكر أن كرستولوجيا رؤ تتوسّع في مواضيع تطرّقت إليها كو وأف: يظهر يسوع في قلب الكون والتاريخ. وهناك موضوع آخر مشترك بين رؤ ورسالتي بولس هو موضوع الملائكة. اهتمّ بولس بنظريات حول الملائكة انتشرت في الجماعات المسيحية فوصلت إلى بعض العبادة للملائكة. وتجاه هذا التغلغل لعبادة الأوثان، شدّد بولس على تسامي المسيح على كل الكائنات الملائكية: فالمسيح هو من أصل إلهي وهو الوسيط الوحيد بين الله والبشر. وحين افتدى البشرية بذبيحة صليبه، انتزع من الملائكة كل دور وساطة. ويقول بولس في كو 2: 15: "خلع أصحاب الرئاسة والسلطة، وجعلهم عبرة، وقادهم أسرى في موكبه الظافر". أجل في انتصاره على الموت حرم الملائكة من كل سلطة واخضعهم له.
إن مسألة الملائكة وعلاقتهم مع يسوع المسيح لم تكن بالسهلة في البدايات المسيحية،. فهي تعود أيضاً في الرسالة إلى العبرانيين التي أرادت أن تبيّن سموّ يسوع مستندة إلى إستشهادات عديدة من التوراة.. هذا يعني أن النظريات المعاصرة حول الملائكة ارتبطت بالعالم اليهودي والاتجاهات المتهوّدة على مثال الانحرافات التي ندّد بها بولس في كولسي.
إن علاقة المسيح بالملائكة علاقة أساسية في رؤ. ويُبرزها يوحنا منذ السطور الأولى في المطلع حين يتحدّث عن "وحي يسوع المسيح" الذي ينقله يسوع إلى الرائي بواسطة ملاك (1: 1). ونحن نستنتج وضعاً هاماً هو الوساطة بين الله والبشر، من الرؤية التي تلي الآية الأولى: فابن الانسان يمسك في يده اليمنى "الكواكب السبعة" (1: 16) التي هي ملائكة (1: 20). إن معنى هذا المشهد الرمزي واضح: بما أن الملائكة (7 ملائكة. إذن، عدد الكمال) هم في يد المسيح، فهذا يعني أنه يسود عليهم وقد فرض عليهم سلطانه. هذا ما نقرأه أيضاً في 2: 1 (يمسك بيمينه الكواكب السبعة) وفي أماكن أخرى.
أجل، لا تتعارض رؤ مع أف وكو. بل هي تهتمّ بالتعمّق في إيمان كرستولوجي في محيط مملوء بالتيارات الفلسفية والدينية. إن نص يوحنا وبولس يجعلنا نستشف وجود جماعة يهودية حيّة قد بدأ عندها الحوار مع الحضارة الهلنستية قبل المسيحية. فالاعتقاد بكائنات يكونون وسطاء بين الألوهية والعالم كان موضوعاً مشتركاً بين العالم اليهودي والعالم الهليني. وهذا الموضوع انتقل إلى المسيحية كما نقرأه في رؤ وكو وأف.

2- خطبة يسوع الجليانية
أورد متى (24: 1- 44) ومرقس (13: 1- 37) ولوقا (21: 5- 36) خطبة يسوع من "أجل نهاية العالم"، الخطبة الاسكاتولوجية، حسب رسمة واحدة يم اختلافات عديدة في التفاصيل. فما هي علاقة رؤ بهذه الخطبة؟
رأى الشرّاح بين رؤ والنصّ الإزائي معطيات أدبية مشتركة: إن توالي النكبات. التي أعلنها يسوع (الحروب، الثورات، الجوع، الوباء، الاضطهاد، الكوارث الكونية) تقابل ما في الختوم الستة في رؤ. كما نجد الصورة المسيحانية لابن الإنسان في النصّين. كيف نبرّر هذا التقارب؟ هناك ينبوع مشترك وإنتماء إلى فن أدبي واحد (هو الفن الجلياني أو الرؤيوي) عُرفت رسمته في ذلك العصر.
تبدأ خطبة يسوع عند الإزائيين الثلاثة بإنباء عن دمار الهيكل. تجاه عظمة الأبنية عمّ الحزن قلب يسوع فأعلن نهايتها مستعيناً بصور تذكّرنا بدمار مادي على يد أعداء من الخارج (لن يبقى حجر على حجر، مت 24: 2 وز). هنا نفكر طوعاً (حين نقرأ النصّ الذي دوّن سنة 80- 85) بحصار أورشليم ودمارها على يد الجيوش الرومانية سنة 70 ب. م. أصمّت أورشليم أذنيها عن نداء المسيح، فحزن عليها المسيح (لو 19: 41 ي).
غير أن الإزائيين يختلفون فيما يخصّ مصير الهيكل والمدينة. فالانباء على أورشليم غير موجود في مرقس. ونجده في متى بعد خطبة قاسية ألقاها يسوع ضد رؤساء العالم اليهودي وممثليه. وبّخهم على ريائهم وقساوة قلوبهم والعنف الذي مارسوه ضد الأبرار ومرسلي الله (مت 23: 1- 36). لقد رأى يسوع في مدينة أورشليم رمزاً يستعيد الأقوال التي بها ندّد بالرؤساء، وأنبأ بالعقاب الذي أعلنه إر 22: 5 (رج مت 23: 38): "ها هو بيتكم يُترك لكم خراباً".
أورد لوقا على دفعتين تشكي يسوع على أورشليم وما أنبأ به من أجلها. كانت المرة الأولى (لو 13: 34- 35: أورشليم، أورشليم! يا قاتلة الأنبياء) خلال سفر المعلّم وتلاميذه إلى المدينة المقدّسة (هذا ما يقابل متى). ويتحدّد الايراد الثاني ساعة الدخول إلى أورشليم: حين رأى يسوع المدينة بكى عليها وأعلن الكوارث التي تنتظرها (لو 19: 41- 44): إن الصورة مفصّلة إلى درجة تجعلنا نجد في نصّ لوقا قراءة لأحداث سنة 70: الحصار والسحق، القتل، الدمار.
أما إنباء يسوع في ما يخصّ الهيكل عند متى ومرقس، فهو لا يرتبط ارتباطاً واضحاً بأحداث سنة 70، وقد لا نكون أمام دمار مادي إن نحن تمعّنا في النصوص. لا شك في أن مقدّمة الخطبة تعود إلى دمار محسوس، ولكن سيصبح هذا الدمار عند متى ومرقس عمل تنجيس للمكان المقدّس. أما عند لوقا فهناك ارتباط بين تدمير الهيكل وتدمير المدينة.
إن الاختلاف بين لوقا والإنجيليين الآخرين مهمّ جداً. فلوقا لا يتحدّث عن تنجيس سوف يصيب الهيكل. أو بالأحرى هذا التنجيس هو جزء من إجتياح الرومان للمدينة. أما عند متى ومرقس فقد أعلن يسوع تنجيس المكان المقدس بعبارة "رجاسة الخراب" المأخوذة من نبوءة دانيال حول السبعين أسبوعاً (دا 9: 27)0 أغفل لوقا هذا الاستشهاد ولكنه احتفظ بلفظة "خراب" وطبقها على دمار المدينة المادي (لو 21: 20) في خط نبوءة دانيال. هذا يدلّ مرة أخرى على أن النبوءات على الهيكل وأورشليم في لوقا ترتبط ارتباطاً وثيقاً فيما بينها كما ترتبط بأحداث سنة 70 المأساوية.
نستنتج مما قيل أن الرباط بين الخطبة الأسكاتولوجية وكارثة سنة 70 حاضر في لوقا ولكنه يبقى موضع شكّ بالنسبة إلى متى ومرقس.
إن "العلامة" السابقة للأحداث الاسكاتولوجية ليست عند متى ومرقس دمار الهيكل بل تنجيسه (مت 24: 3، مر 13: 4؛ لو 21: 7: ما هي العلامة؟). فحين تُذكر "العلامة"، يعود النصّ إلى نبوءة دانيال المسيحانية حول السبعين أسبوعاً. ولكن القسم الثاني المركّز على المجيء يستعيد بدوره نبوءة من دانيال مشهورة، هي نبوءة ابن الانسان الآتي على سحاب السماء (دا 13:7-14).
حين نعيد الخطبة الاسكاتولوجية المنسوبة إلى يسوع إلى سماتها الجوهرية، نرى أن موضوعها هو ظروف وحيه المقبل كمسيح، حسب كلمة الكتاب وانتظارات العالم اليهودي المعاصر. وبين نصوص التوراة المسيحانية، فرض إنباء دانيال نفسه كالأوضح والأشمل. فما لفت الإنتباه في نبوءة السبعين أسبوعاً ليس التعداد الزمني، بل الدقة التي بها أشير إلى ما سوف يحدث قبل مجيء المسيح. لقد جعل دانيال في النصف الثاني من الأسبوع السبعين أحداثاً خطيرة جداً وهي: مقتل شخص مكرّس، تدنيس الهيكل، منع شعائر العبادة. وكل هذا نُسب إلى مضطهد كافر.
في الواقع، عاد النبي إلى حدث من الماضي هو اضطهاد ملك إنطاكية، انطيوخس الرابع، لليهود في القرن الثاني ق. م. هذا ما فهمه النقد الحديث. فدانيال ينطلق من سنة 587 ق. م.، ولكنه يعيش في القرن الثاني وقد دوّن كتابه بعد نهاية اضطهاد أنطيوخس الرابع. فهو لا "ينبىء" (بمعنى انه يعرف مسبقاً) بما سيحدث، بل يقرأ في أيامه أحداثاً حصلت في الماضي. يقرأها على ضوء كلمة الله وفي إطار تدخل الله. أما الأقدمون (قبل وبعد المسيح) فقد قرأوا دانيال كما بدا لهم أي كنبيّ عاش في زمن المنفى في بابل. والأحداث التي يوردها هي إنباء مسبق لما سيحصل عند مجيء المسيح. هكذا فهمه الانتظار المسيحاني الذي كان حياً في الأوساط الشعبية. وتوسّع الناس في هذه الوقائع فجعلوها صورة عن أزمة تاريخية شاملة، بل رأوا فيها علامات تسبق نهاية العالم. والتنجيس الذي يقود إلى إلغاء شعائر العبادة اتخذ في العقول شكل كارثة تضرب الهيكل ومدينة أورشليم وكل النظام القائم.
وانعكست هذه العقلية في سؤال طرحه التلاميذ على يسوع بعد أن حدّثهم عن دمار الهيكل. إن هذا الحدث يتضمّن في نظرهم نهاية العالم والمجيء المجيد للمسيح الذي يقيم ملك الله، كما وأعلنت نبوءة دانيال حول ابن الانسان الآتي على سحاب السماء إلى عرش الألوهة لينال منه السلطان الأبدي.
ودلّ جواب يسوع للتلاميذ على اهتمامه بأن يفصل بين مجيء المسيح ونهاية العالم. فهذه النهاية لا ترتبط إطلاقاً بوحيه كمسيح، وهو وحي يجعله يسوع تتمة متزامنة لنبوءتي دانيال: نبوءة تنجيس الهيكل ونبوءة مجيء إبن الانسان على سحاب السماء. وإذ تكلّم يسوع عن ابن الانسان، تذكّر نبوءات مسيحانية أخرى (من أشعيا، من حزقيال) تشير إلى كارثة كونية: تظلم الشمس والقمر، تسقط النجوم.
إذن، إن خطبة يسوع الاسكاتولوجية لا تعني نهاية العالم، يل تتمة النبوءات المتعلّقة بمجيء المسيح. هذا هو الحدث الذي أعلن يسوع تحقيقه القريب مع سماته الرئيسية التي هي تنجيس الهيكل، ومجيء إبن الانسان على السحاب، ترافقه كارثة كونية ودينونة وتجميع المختارين. وبدا هذا التحقيق قريباً جداً بحيث يراه سامعو يسوع. عاد الرب إلى شيء سيعمله، إلى حدث سيكشف صفته كمسيح. فما هو هذا الحدث؟ ظنّ الشرّاح أن يسوع يتحدّث عن مجيئه الثاني بالقدرة والمهابة للدينونة ولإقامة ملكه. ولكن هذا الشرح يثير الصعوبات نفسها التي ترافق قراءة رؤ قراءة اسكاتولوجية. هل نستطيع القول إن نتائج وبعد عمل يسوع المسيحاني (دينونة، تجميع المختارين، إقامة الملك) ارتبطت إرتباطاً داخلياً بمجيء المسيح الثاني؟ ثم، بما أن سنوات عديدة تفصل تأليف الأناجيل عن موت المسيح، لماذا أورد الإنجيليون (وما كانت نظرتهم) أقوال يسوع التي تؤكد أن الأحداث الاسكاتولوجية تتحقّق في الجيل الذي يعاصر يسوع؟
وتبرز صعوبة أكبر: إن الشرح الذي يقدّمه بعض الشرّاح يترك جانباً الخطبة في قسمها المرتبط بالهيكل. ومع ذلك، فهذا الموضوع هو رئيسي، لأن خطبة يسوع تنطلق منه، ولأن به ترتبط "العلامة" الاسكاتولوجية الوحيدة التي تُعطى للتلاميذ. ثمّ إن يسوع يتفوّه بالخطبة الاسكاتولوجية في أورشليم حيث صار الهيكل (منذ دخوله إلى المدينة المقدّسة) مسرح كرازته وعمله. لهذا ينبغي أن نتساءل: بمَ يقوم التنجيس الذي هو موضوع الانباء؟
لا شكّ في أن يسوع سبق له وندّد بتدنيس المعبد بسبب حضور التجّار. ثم استعاد كلمات النبي إرميا: "جعلتم منه مغارة للصوص" (إر 7: 11؛ رج مت 21: 13). وبرز وضع أكثر خطورة حين هاجم أورشليم ورؤساء اليهود لأنهم سفكوا دم الأبرار والأنبياء في الهيكل (لا 23: 34- 35). وإذ أشار يسوع إلى هذا القتل ذكّر سامعيه بنبوءة إرميا: سيترك بيتهم خراباً (مت 23: 38). إن هذه العبارة تحيلنا إلى دانيال و"رجاسة الخراب" التي استعيدت في الخطبة الاسكاتولوجية (مت 24: 15؛ مر 14:13).
حين تحدّث يسوع، في معرض كلامه عن الهيكل، عن "رجاسة الخراب"، فقد يعني كلامه: ينجّس الهيكل، فيتخلىّ عنه المؤمنون، وهكذا تكون نهاية العبادة التي تقام فيه. ونحن نستنتج هذا ليس فقط من لفظة "خراب" بل مما قاله يسوع لسامعيه: ما إن تتحقّق "العلامة" حتى يجب الهرب من اليهودية، وترك البيوت والأشغال (مت 24: 16 ي؛ مر 13: 14 ي). مثل هذا الهرب يجعل الهيكل خراباً.
أما عند لوقا فترتبط الدعوة إلى الهرب بأحداث سنة 70. وهذا ما يقلب النظرة التي وجدناها عند متى ومرقس: فظهور "العلامة" عندهما لا تسبق الهرب فقط، بل تحدّده. وسيتم هذا الهرب ساعة يكون الهيكل بعدُ قائماً، ولكنه ينجّس فيفرض على المؤمنين أن يهجروه.
إذن، ما هو تنجيس الهيكل هذا؟ هو موت يسوع الذي فكّر به الرؤساء الدينيون (عظماء الكهنة) وهيّأوه، وهم الذين يقيمون في الهيكل. فحضورهم ينجّس الهيكل. إذن، لم يأمر يسوع بمغادرة أورشليم المحاصرة، بل بمغادرة العالم اليهودي وممارساته العبادية. إن هذا الانقطاع الذي تجنّبه الرسل طويلاً رغم المجابهات القاسية، سيفرض عليهم (حسب يسوع) بعد أن يقتل. وهكذا يحسّ يسوع أن الكماشة تنغلق عليه.
إن يسوع جعل (في موته) تلاميذه يستشفّون تتمة نبوءة دانيال حول مقتل شخص مكرّس وتدنيس العبادهّ. ولكنه أنبأهم أيضاً بتتمة النبوءة المسيحانية عن ابن الإنسان الآتي على السحاب. إن هذه النبوءة ترتبط بالمسيح في قمة سلطانه وساعة يمارس دينونة الله على العالم. أورد يسوع هذه النبوءة فربطها بموته القريب ليقول لنا إن في هذا الموت تتمّ الدينونة ويتحقّق الفداء وتجميع المختارين من رياح الأرض الأربع.
وللنبوءات حول الكارثة الكونية كما أشار إليها يسوع، البعد نفسه. فالشمس والقمر اللذان يظلمان، والكواكب التي تتساقط، والسماء التي تتمزّق، كل هذا كان عند الأنبياء صوراً معروفة عن دينونة الله العظيمة التي ستحصل في مجيء المسيح. إستعاد يسوع بدوره هذه الصور ورأى فيها تلميحاً إلى موته القريب.
إن وظيفة الخطبة الاسكاتولوجية في الأناجيل الإزائية هي أن تقدّم لنا (في تواصل مع الانباءات التوراتية) مفتاحاً لقراءة أخبار آلام وموت وقيامه يسوع، لقراءة وحي يسوع الذي هو المسيح الموعود به والمنتظر. فخبر الإزائيين حول موت يسوع يتضمّن تلميحاً إلى الكارثة الكونية (مت 27: 45؛ مر 15: 33؛ لو 23: 44) وإلى نهاية العبادة اليهودية (تمزّق حجاب الهيكل، مت 27: 51؛ مر 15: 38؛ لو 23: 45). والتعليم الذي تضمنته خطبة يسوع الاسكاتولوجية قد تسلّمه الرسل في جوهره.
إذا كان هذا معنى خطبة يسوع، فقرابته مع رؤ لا تقوم فقط في الفن الأدبي والمراجع المستعملة وبعض العناصر الخاصة. بل إن المنظار هو هو وكذلك الموضوع والهدف: أن يبيّن أن الأحداث الأخيرة في سيرة يسوع التاريخية هي جزء من رسالته المسيحانية، بل هي الجزء الأهم. وليس من قبيل الصدف أن تكون نبوءتا دانيال (السبعون أسبوعاً، ابن الانسان الآتي على السحاب) حجر الغلقة في الخطبة الاسكاتولوجية كما في سفر الرؤيا. 

3- إنجيل يوحنا
الفنّ الأدبي في رؤ هو غير الفن الأدبي في يو. أما المقابلة بين مضمون ومضمون فهي ترتبط بالطريقة التي بها نفسّر رؤ. إذا كان هذا الكتاب نصاً "جليانياً" بمعنى أنه موجّه كلّه إلى عودة المسيح الذي يتمّ، بل يحقّق الخيرات المرتبطة بمجيء المسيح، فلن نجد نقاطاً مشتركة بين رؤ ويو. فإنجيل يوحنا (ورسائله الثلاث) يجعلنا نعيش في يقين مضيء وهو أن خيرات الملكوت الجوهرية هي جاهزة منذ الآن والمؤمنون يمتلكونها. هذه الخيرات هي عطية الحياة الإلهية (التي هي أبدية)، موهبة الروح، النعمة، الحقيقة، إنتصار يسوع المسيح على الخطيئة والموت. وسوف تؤكد 1 يو بوضوح أن الوجود المسيحي يسير مسيرته في الزمن الاسكاتولوجي. والإنباء على مجيء المناوىء للمسيح (أنتيكرست) قد تحقّق وجاء معه الجحود وسائر العلامات السابقة. نقرأ في 2: 18: "يا أبنائي الصغار، جاءت الساعة الأخيرة. سمعتم أن مسيحاً دجّالاً (أنتيكرست) سيجيء. وهنا الآن كثير من المسحاء الدّجالين. ومن هذا نعرف أن الساعة الأخيرة جاءت". أجل هي الساعة الأخيرة في التاريخ. وهي قريبة. ولكن قبل مجيء الرب القريب سوف نرى كائناً شريراً يتدخّل ضد المسيح ويضلّ التلاميذ إن أمكن. وتتابع 1 يو فتقول: "فمن هو الكذّاب إلاّ الذي ينكر أن يسوع هو المسيح. هذا هو المسيح الدّجال الذي ينكر الآب والابن معاً" (آ 22)؟ هناك محاولة فصل بين المسيح السماوي وهذا الكائن البشري الذي هو يسوع الناصري. دخل الله في الزمن بواسطة تجسّد الكلمة، وهو لا يزال في الزمن بواسطة تجسّد الكلمة، وهو لا يزال في الزمن بواسطة يسوع المسيح الذي يحتفظ بآثار جراحه حتى نهاية العالم. فلماذا نخرجه من العالم لكي نعيده في نهية الزمن؟ إن جسده الممجّد يعمل منذ القيامة في العالم، ولن يزال يعمل حتى يحوّل لا البشر فقط، بل الخليقة كلّها (روم 8: 18 ي). 
لن نتوقّف هنا عند التقاربات العديدة بين رؤ ويو. فهذا ما سوف نشير إليه خلال تفسير النصوص. فالمسيح هو الكلمة. وهو في رؤ الحمل المذبوح وفي يو ما زال يحمل آثار الصلب والموت. في يو بدأ عمل تقديس المؤمنين، وفي رؤ يصبح هذا التقديس حقيقة يعيشها الشهداء منذ الآن في جوّ زال منه الجوع والعطش والبرد والحرّ ومسحت كل دمعة من العيون.
في يو ورؤ، يسوع هو حمل الله (وإن اختلفت الكلمة اليونانية، فالأساس السامي يكون هو هو). نقرأ في يو 1: 29، 36 نداء يوحنا المعمدان: "هذا هو حمل الله". وفي رؤ 5: 6 نرى بين الشيوخ "حملاً واقفاً كأنه مذبوح". وفي 6: 16 نرى الخوف "من الجالس على العرش ومن غضبة الحمل". وهناك الكلام عن الماء الحي مع السامرية في يو 4: 10- 11 وخلال الكلام في الهيكل في عيد المظال (يو 7: 38). ويحدّثنا رؤ عن ماء الحياة في 7: 17: "الحمل الذي في وسط العرش يهديهم إلى ينابيع ماء الحياة" ونقرأ في 21: 6 كلام الرب: "أنا أعطي العطشان من ينبوع ماء الحياة مجاناً" (رج 22: 1، 17).



خاتمة
قابلنا رؤ مع الرسائل البولسية ولا سيما 1 تس، 2 تس، كو، أف حول مجيء الرب القريب ووجود الملائكة. ومع الأناجيل الإزائية في الخطبة الاسكاتولوجية التي لم تخرجنا من هذا العالم لتدفعنا إلى نهاية العالم، بل أدخلت القيامة في الزمن. ومع إنجيل يوحنا الذي غرف هو وسفر الرؤيا من ينبوع واحد. كان باستطاعتنا أن نبرز النصوص التي نجدها في رؤ وسائر أسفار العهد الجديد لا سيّما في الفصول الأولى والأخيرة، ولكننا تركنا هذه المقابلة إلى شرح نصّ الرؤيا. فكلام الله هو هو سواء ورد في الأناجيل أر الرسائل أو أعمال الرسل أم في الرؤيا. فكل ما قيل في العهد الجديد يرتبط بيسوع المسيح. ونحن لا نستطيع أن نعارض بولس بيسوع. فبولس هو تلميذ يسوع بشكل مباشر خلال رؤية دمشق وبواسطة الكنيسة عبر ما سمعه من المسيحيين الأولين ولا سيما بطرس ويعقوب ويوحنا. ولا نعارض رسائل بولس مع سفر الرؤيا. فلكل سفر من الأسفار ظرف كُتب فيه. ولكن حقيقة الإنجيل تبقى هي هي وإن تنوّع الأسلوب والفن الأدبي والصور والرموز. إن كلمة الله هي هي في الأمس واليوم وإلى الأبد. وهي تتوجّه إلينا اليوم. يبقى علينا أن نفهمها ونغتذي منها.

 

 

القسم الثاني
الكنيسَة وَالعَالَم اليَهودي

يقسم سفر الرؤيا قسمين. عنوان القسم الأول: الكنيسة والعالم اليهودي. وهو يتضمّن الفصول التالية:
1- إعلان وكشف، 1: 1- 3.
2- تحيّة إلى الكنائس السبع، 1: 4-8.
3- رؤية ابن البشر، 1: 9- 20.
4- الرسائل السبع، 2: 1- 3: 22.
5- من أفسس إلى تياتيرة، 2: 1- 29.
6- من سارديس إلى لاودكية، 3: 1- 22.
7- نظرة إجمالية إلى قلب الرؤيا، 4: 1- 22: 5.
8- العرش في السماء، 4: 1- 11.
9- الكتاب والحمل، 5: 1- 14.
15- الختوم الستّة، 6: 1- 17.
11- شعب عباد الله، 7: 1-17.
12- الختم السابع والأبواق الأربعة، 8: 1- 13.
13- البوقان الخامس والسادس، 9: 1- 21.
14- الملاك والكتاب الصغير، 10: 1- 11.
15- الشاهدان، 11: 1- 14.

 

 

الفصل الثامن
إعلان وكشف
1:1-3

تشكّل هذه الآيات الثلاث جزءاً من المطلع الذي يضمّ أيضاً آ 4-8. في آ 1- 3، نجد عنوان الكتاب (رؤيا يسوع المسيح) ووعداً بالبركة والهناء: هنيئاً لمن يقرأ، هنيئاً لمن يسمع، هنيئاً لمن يعمل. في آ 4-8، نتعرّف إلى من يوجّه إليه الكتاب: الكنائس السبع في آسية (أي: تركيا الحالية).
نحن هنا (آ 1- 4) كما في بداية. "رسالة" تشبه رسائل القديس بولس. "من يوحنا إلى الكنائس السبع" (آ 4). ونقرأ في روم 1: 1-7: "من بولس... إلى جميع أحبّاء الله الذين برومة". وفي 1 كور 1: 1-3: "من بولس... إلى كنيسة الله التي في كورنتوس... نعمة لكم وسلام من الله الآب والرب يسوع المسيح".
تريد الآيات الثلاث الأولى أن تبيّن أن رؤ هو تعليم "ملهم" عن الخلاص. وأنّ يوحنا كاتب رؤ هو رسول صادق تسلّم مهمته من الله. هذا السفر هو كتاب جلياني فيه يكشف الله ويعلن. غير أنّ الجماعات المسيحية العائشة في نهاية القرن الأول قد تراخت في ما يخص الأمل بعودة المسيح القريبة، فما عادت تصدّق أقوالاً في هذا المعنى يعلنها رؤ. لهذا شدّد الكاتب على الأصل الإلهي لهذا الكتاب وعلى صدق كاتبه.
هذه الآيات الثلاث نجد ما يقابلها في 22: 6- 20. وهناك عبارات في آ 1-3 نجدها في 22: 6-7، 10، 16.

1- نظرة إجمالية
أ- الأشخاص
نجد في هذه الآيات عدداً من الأشخاص. في البداية، هناك يسوع المسيح الشخص المركزي الذي نال ما نال من الله. وتجاهه، نجد الجماعة. فيها من يقرأ، وفيها عدد من الذين يسمعون ويحفظون ما يُقال. هي جماعة منفتحة على اللامحدود. هي جماعة السبع كنائس. وكنائسنا أيضاً. ونحن المؤمنون المنتمون إلى هذه الكنائس. إذن، هذا الكلام يتوجّه إلينا.
وبين يسوع المسيح والجماعة، يقف خدّام الله وعباده. تدل هذه اللفظة على المسيحيين بشكل عام كما نقرأ في 2: 20 (إيزابيل تغري عبادي) و 7: 3 (عباد إلهنا). غير أنها تدلّ في العهد القديم بشكل خاصّ على الأنبياء. نقرأ في عا 3: 7: "الرب الإله لا يصنع شيئاً دون أن يكشف سرّه لعباده الأنبياء". ونقرأ في رؤ 22: 6: "فالرب، إله الأرواح والأنبياء، أرسل ملاكه ليكشف لعباده ما لا بدّ من حدوثه عاجلاً". ويوحنا هو واحدٌ من هؤلاء العباد، من هؤلاء الأنبياء. إنه يرتبط بالمسيح، ولكنه ليس على مستوى المسيح. لهذا، فهو يحتاج إلى ملاك يوصله إلى المسيح.
ماذا يصنع هؤلاء الأشخاص؟ يتقبّلون وينقلون. الرأس هو يسوع المسيح. عرّف يوحنا بما وهبه الله له. وشهد يوحنا بدوره على ما رآه في شكل كتاب. حينئذ ستُقرأ كلمات النبوءة وتُسمع لكي تحُفظ. أي: لكي نعمل بها ونمارسها كما نفعل مع سائر الكتب المقدسة (لو 11: 28: طوبى لمن يسمع كلمة الله ويعمل بها). وسينتقل هذا التعليم في الجماعة بقدر ما نقرأه في كل جماعة.
ماذا ينقلون؟ وحي وكشف. هو وحي (رؤيا) يسوع المسيح، لا وحي يوحنا. يسوع المسيح هو الذي نقله وهو يرينا يسوع المسيح.
هذا الوحي يسمّى أيضاً كلمة الله لأن يسوع يخبرنا فيه بما تقبّله من الله. ويسمّى أيضاً شهادة يسوع المسيح. فالشهادة التي يؤدّيها يسوع هي أكمل تعبير عن كلمة الله ومتطلّباتها. أجل، "الشهادة" هي كلمة الله. وحين يشهد يوحنا، فهو يشارك في هذه الشهادة التي تضع يده على ذاك الذي ينقلها. فالشاهد في النهاية هو الشهيد. وهكذا ترتبط فكرة الشهادة بالإستشهاد. هذا ما نجده في 1: 5 حيث يُدعى يسوع "الشاهد الأمين وبكر من قام من بين الأموات وملك ملوك الأرض". هذا يعني أنه صُلب وقام وتمجّد (رج 2: 13 حيث نرى أنتيباس، الشاهد الأمين، الذي سقط قتيلاً في سبيل إيمانه). وحي يسوع المسيح هو شهادة يسوع المسيح وتتمة كلمة الله، وهذا ما يرتبط بالسرّ الفصحي لموته وقيامته. وفي هذا السرّ يشارك النبي.
سمّي هذا الوحي أيضاً "أقوال النبوءة" أو "الأقوال النبوية". سنتحدّث عن النبوءة. ما رآه يوحنا هو خبرة عاشها، لا بناء مجرّداً قام به عقله. وقد دوّنت هذه الكلمة فاتخذت طابعاً لا يتبدّل ولا عودة عنه: لا نزيد عليها شيئاً ولا نقتطع منها شيئاً (22: 18).

ب- المضمون
وما هو مضمون هذا الوحي؟ ما سوف يحدث قريباً، عاجلاً.. قربَ زمنُ النهاية: إعلان "زلزال" قريب، لا مفرّ منه. وضرورة مخطّط الله. كل هذا تبرزه عبارة: ما يجب، ما لا بدّ. هذه الألفاظ تذكرنا بالكتابات الجليانية التي تهتمّ بما سيحصل في نهاية الأزمنة، يعني الآن حسب مخطّط الله كما وُضع منذ الأزل (رج دا 2: 28- 29: الله الذي يكشف الأسرار أعلمك بما سيكون).
ويحدّد 22: 6 للكتاب الهدف عينه: ما لا بدّ من حدوثه عاجلاً. وتزيد آ 7: "ها أنا آتٍ سريعاً". ما يجب أن يحصل عاجلاً هو مجيء يسوع. هذا ما قاله يسوع أمام المجلس الأعلى في مر 14: 62: "سترون ابن الإنسان... آتياً مع سحاب السماء". هذه هي شهادة يسوع التي يشهد لها يوحنا.
إذن، يعلن رؤ أول ما يعلن ما يريد أن يكون: إعلان لمجيء المسيح، لا شيء آخر. فلا نبحث فيه عن مفتاح للتاريخ السياسي والإجتماعي والحربي للبشر والأمم. لا نبحث فيه عن تصوير للأحداث المقبلة. رؤ هو تاريخ الكون ننظر إليه في نواته مع ما فيها من معنى: تاريخ المسيح الذي يأتي، تاريخ البشر الذين إليهم يأتي، مهما كان هؤلاء البشر.
والكلمة الأخيرة هي "هنيئاً"، "طوبى" (آ 3؛ 22: 14). فالكلمة الأولى والأخيرة التي يوجّهها يوحنا إلى قرّائه ليست تحريضاً فيه الكثير من التهديد، بل وعداً بالسعادة. هنيئاً لهم، فهم لن ينتظروا طويلاً: فالزمان قريب (1 كور 7: 29).
هذا ما يقوله رؤ عن نفسه. لا حاجة إلى أن نلصق بكلام الله مقولاتنا المسبقة وأفكارنا الخاطئة

2- قراءة تفصيلية
ونعود إلى شرح الآيات.
أ- الرؤيا (آ 1)
في اليونانية: أبوكالبسيس. وحي وكشف. ترد هذه الكلمه 18 مرة في العهد الجديد، ولا نجدها في كل الكتابات اليوحناوية إلاّ في هذا المكان. إنّ سرّ الله هو سرّ "ذاك الذي يسكن نوراً لا يقترب منه" (1 تم 6: 16). فلا يستطيع الإنسان بقواه الخاصة أن يدخله. فالنعمة الإلهية وحدها تستطيع أن تجعله يدرك هذا السرّ. فالأحداث العديدة التي بها أراد الرب أن يعرّف بنفسه في العهد القديم، قد أدركت ذروتها التي لا يمكن تجاوزها، في التاريخ البشري، أدركتها في يسوع المسيح. فيه ظهر الوحي الإلهي بشكل ملموس ومسموع.
أجل، أوحى الله بإرادته وبرّه وخلاصه. وكان العهد الجديد امتداداً لهذا الوحي مع التشديد على شخص يسوع المسيح. "وحي يسوع المسيح" هو الوحي الذي يأتينا من يسوع المسيح، الرسول المتجسّد لكلمة الله. وهو الوحي الذي موضوعه يسوع المسيح، والذي توجّه إلى البشر بواسطة ما قاله وما كتبه المرسلون. و"وحي يسوع المسيح" يتضمّن جزءاً (1 كور 13: 9: معرفتنا ناقصة ونبوءاتنا ناقصة) من هذه الحكمة الإلهية الضرورية للبشر في حجّهم الأرضي. وحي يسوع المسيح هو هبة من الله. هو كشف لأعمال يقوم بها يسوع في المستقبل، كشف لما سيحدث عاجلاً.
نحن أمام الوحي الأخير المتعلّق بعودة المسيح (1 كور 1: 7-8؛ 2 تس 1: 7). ولا ننسَ أنّ الإنجيل هو أيضاً تعليم اسكاتولوجي: إنه يدخلنا في نهاية الأزمنة لأنه يعلن يسوع المسيح (غل 1: 16؛ أف 3: 3؛ روم 16: 25). وهكذا نصل إلى وحي يقدّمه يسوع (غل 1: 12). وحي يصل لنا بحسب إرادة الله.
ما سيحدث عاجلاً. شدّدت كتب الرؤى اليهودية علي فكرة الضرورة (دا 2: 28): لله مخطط تصوّرَه منذ الأزل. ومقاصده تتحقّق في التاريخ فلا يوقفها أحد. ولكن ليس هذا ما يتوخّاه رؤ. وقد بحث الباحثون بفضولية عن التاريخ الماضي وعن تنبؤات عن أحداث المستقبل. لا. سفر الرؤيا يعلن فقط مجيء المسيح.
عبده يوحنا. إنه نبي (22: 9؛ رج 1: 10)، وشاهد للمسيح (آ 2). إن كتب الرؤى اليهودية التي تريد أن تكشف مخطّط الله، إعتبرت أنّ كاتبها هو أب من الآباء الأقدمين (أخنوخ، باروك، عزرا...). رفض رؤ أن يرتبط بهؤلاء الرجال المشهورين، ولم يطالب صاحبه بأي لقب غير لقب شاهد مسيحي. وهذا أمرٌ طبيعي، لأن الكتاب لا يريد أن يتحدّث إلاّ عن مجيء المسيح ونتائج هذا المجيء.
أرسل ملاكه. إنّ هذا التلميح إلى الملاك الذي لا يُذكر اسمه، يتوخّى التشديد على السلطة الإلهية التي يرتديها نقاط التعليم الجلياني. فكتاب الوحي هذا ليس نتيجة رغبات أو سرابات بشرية. بل هو كشف عن يسوع المسيح، وقد أرسل الملاك إلى يوحنا في هذا السبيل.
ب- الشهادة (آ 2)
نجد لفظة "شهد" 33 مرة في إنجيل يوحنا، و 4 مرات في رؤ. فهذا التعليم يرتدي طابعاً رسمياً. إنه جزء من الوحي. وهذا الوحي لا يتوجّه فقط إلى يوحنا. فعلى يوحنا أن يعلنه. وهو لا يستطيع إلاّ أن يشهد بما رأى. وصاحب رؤ لا يُبرز فقط بُعد هذه التأكيدات، بل يريد أن يبيّن أيضاً أنه موكّل من قِبَل الله.
نجد كلمة الله وشهادة يسوع في 1: 9؛ 6: 9؛ 12: 17؛ 20: 4. وفي كل هذه الحالات، نحن أمام الإستشهاد (أو أقله أمام العذابات) الذي يحتمله المؤمن باسم الإنيجل. فشهادة (مارتيريا) يسوع هي أكمل تعبير عن كلمة الله. ومتطلّباتها هي أن نشارك يسوع فيها.
يسوع هو الشاهد الأمين. هذا ما يشير إلى الصلب والموت. وهو بكر الأموات، وهذا ما يشير إلى القيامة. وهو ملك الملوك وهذا ما يشير إلى الصعود والتمجيد.
كلّ الرؤى. كل ما رآه. يستحيل علينا أن نعرف معرفة عميقة وتامة أفكار الله. كما لا نستطيع أن نترجم حقيقة الله في أقوال ومدلولات بشرية. ويُطرح سؤال: هل رأى يوحنا الصور التي يرسمها رؤ؟ بل نحن بالأحرى أمام واقع روحي حاول أن يترجمه فيما بعد في لغة رمزية ومصوّرة صارت قريبة منه بفضل العهد القديم واللغة الجليانية.
ج- التطويبة الأولى (آ 3)
هنيئاً للذي يقرأ... يجب أن يُقرأ الكتاب ويُسمع. نحن أمام قراءة ليتورجية، قراءة تتمّ في شعائر العبادة. نذكر كو 4: 16 حيث يقول بولس: "وبعد قراءة هذه الرسالة عندكم، أرسلوها إلى كنيسة لاودكية لتقرأها، واطلبوا رسالتي إلى لاودكية لتقرأوها أنتم أيضاً". وفي 1 تس 5: 27: "أناشدكم بالرب أن تقرأوا هذه الرسالة على جميع الإخوة". 
النبوءة. الأقوال النبوية. إنّ صاحب رؤ يجعل نفسه في خطّ أنبياء العهد القديم. نحن نعرف انه كان للمسيحية الأولى أنبياؤها الذين تحدّث عنهم بولس. وتكلّم لو 1-2 عن أنبياء مثل زكريا وسمعان الشيخ وحنة النبيّة. إنهم ينشدون مدائح تعلن أن النبوءات القديمة قد تمّت في المسيح. ومن هذا القبيل يبدو رؤ حقاً "نبوءة": هو قراءة جديدة ملهمة ومركّزة على شخص يسوع المسيح، قراءة لما قاله العهد القديم، وهو يعتبر سلطته موازية لسلطة الأنبياء بسب النور الكامل الذي يُسقطه الروح القدس على نصوص قديمة تمّت الآن. أجل "إن شهادة يسوع هي روح النبوءة" (10:19).
الساعة اقتربت. إنّ الجماعات المسيحية الأولى قبلت بصعوبة تأخّر العودة، فخافت من إعلان مفاجىء يقول: الزمان قريب. "كايروس" هو الوقت. المؤاتي الذي يحمل غنى الله ونعمه. هو زمن الخلاص والزمن الأخير. فعلى جماعة العهد الجديد أن لا تهمل سماع التعليم الإلهي الذي يوجّهه إليها يوحنا: فمن تهامل في السماع، لن يستطيع أن يسمع. لأنّ التعليم لا يتكرّر. لسنا فقط إمام قراءة وسماع كما في يع 1: 22 (لا تكتفوا بسماع كلام الله من دون العمل به فتخدعوا أنفسكم)، بل يجب أن نحفظ هذا الكلام، نضعه موضع العمل.

3- المعنى العام
إنّ رؤ هو كتاب ألهمه الله ووجّهه إلى الجماعة لكي تقرأه في الليتورجيا. إذن، نحن بعيدون كل البعد عن كتاب "باطني" دوّنه واحد من أتباع الشيع التي زرعت العالم الروماني، واحتفظ به بعض المتدرّجين والكمّال.
أ- كتاب ملهم
فإنّ آ 1-3 تدلّ على سلسلة لا تنقطع تربط هبة الله إلى يسوع مع الكلمات المكتوبة في النبوءة. وإن آ 11 واضحة: "أكتب ما تراه في كتاب". ويعود هذا الأمر الصريح في بداية كل رسالة من الرسائل السبع التي أُرسلت إلى الكنائس. "أكتب إلى ملاك كنيسة أفسس..." (2: 1). "أكتب إلى ملاك كنيسة سميرنة" (آ 8)... وسنجد اللفظة أيضاً في 14: 13 (أكتب: هنيئاً للأموات)؛ 19: 9 (أكتب: هنيئاً للمدعوين)؛ 21: 5 (أكتب: هذا الكلام صدق وحق). وينتج من أصل الكتاب الإلهي أنه يحمل السعادة إلى الذين يقرأونه. ولكن الويل لمن يزيد أو ينقص، الويل لمن يزوّر (22: 18). هذا الكتاب هو حقاً كلمة الله.


ب- كتاب ليتورجي
يُستعمل في الإحتفالات الليتورجية. يتحدّث يوحنا عن الذي يقرأ والذين يسمعون، عن مجمل الجماعة. فالذين يسمعون يسمعون صوت الروح (2: 7، 11، 17، 29؛ 3: 6، 13، 22؛ 13: 9). والسماع لا يكفي. يجب أن نحفظ. أن نتحرّك. "من سمع فليقل: تعال" (22: 17). إن السماع يصل بنا إلى نداء نوجّهه إلى يسوع. وسيكون رؤ مملوءاً بالمدائح والأصوات التي تعكس ليتورجيا ذاك الزمان. ولا ننسَ أن يوحنا رأى ما رأى يومَ الأحد، يوم الرب (1: 10) وساعةَ الإحتفال بالإفخارستيا.

ج- كتاب يوجّه إلى الجميع
كل متعطّش إلى حياة الله يقرأه. "من. كان عطشاناً فليأت. ومن شاء فليأخذ مياه الحياة مجاناً" (22: 17). لقد قلنا: ليس كتاباً باطنياً يتوجّه إلى فئة محدودة، إلى شيعة. لا شك في أنه ليس ببسيط. فهو يطلب الحكمة والذكاء (13: 18)، يتطلّب بعض المعارف الأولية. ولكنه ليس كتاباً مختوماً، يجب أن لا نكتم النبوءة التي فيه (22: 10). بل يجب أن نعلنه لكي يعرفه الجميع.
ونتساءل: هل نحن أمام نبوءة أم وحي وكشف (وجليان)؟ حين نتحدّث عن الرؤيا، نربط هذه الكلمة (أبوكالبسيس) كما جاءتنا من الغرب بالويلات والحروب. ونحسب أننا أمام تداخل صور مرعبة مرتبطة بنهاية العالم، أو أقله بنهاية عالم. وحين نتحدّث عن النبوءة نتطلّع إلى إمكانية رؤية المستقبل والإنباء المفضل بأحداث تتم غداً. نربط صاحب الرؤى بنوع من الجنون والخيال. أما النبي فهو لا يشبه سائر البشر: يخطف، يعارض، يعيش على هامش المجتمع، غريب في تصرّفاته!! إن فهمنا الرؤيا والنبوءة في هذا المعنى قلنا: إن ذاك العائش وحده في بطمس يعلن لكم مصائب ستصبّ عليكم قريباً فتدلّ على نهاية العالم القريبة. قول كله ضلال وابتعاد عن كلام الله.
د- بين النبي والرائي
لهذا يجب أن نعود إلى المعنى الحقيقي لهاتين اللفظتين.
أولاً: النبي في العهد القديم
النبي هو حامل كلام الله. يحسّ بأمور الله. هو شاهد للإيمان والعهد. إنّ الله يكلّمه "بألف شكل شكل" (حب 1: 1): أحلام، رؤى، إستنارة داخلية. وهو يوجّه كلامه إلى الشعب الذي يعيش في وسطه مرافقاً حاجاته. إنه يكشف مخطّط الله الحاضر في وسط أحداث الحاضر. هو يكتب "مقالاً" عن الله. يدعو شعبه لكي يعي مسؤولياته في التاريخ.
فالشعب يستطيع أن يحوّل مسيرة التاريخ بقبوله أو رفضه لله. ويذكّره الأنبياءُ بالإلتزامات التي أخذها في سيناء. هناك مواعيد الله في المستقبل، مواعيد بالمسيح المنتظر ويوم الله في النهاية. ولكن هدف النبي الأخير هو دعوة إلى التوبة، إلى تبدّل يبدأ اليوم. فالزمن الأخير يبقى خفياً، وهناك ستار يحجب عن أعين البشر نهاية التاريخ.
ثانياً: الرائع في العهد القديم
سكت الأنبياء بعد المنفى. وصمت الله فلم يعد يكلّمهم (مرا 2: 9؛ مز 74: 9؛ دا 3: 38). غابت الكلمة الجديدة، فعاد الشعب إلى الكلمة المكتوبة، إلى الشريعة والأنبياء. إنه زمن الكتبة. لم يعد التاريخ الموضع الذي فيه يعمل الله، بل بدا منذ المنفى وفي زمن اليونان، أنه بين يديّ الأشرار وخاضعاً لقوى الكفر. فالمستقبل مخفيّ. والضيق واليأس وصلا بشعب الله إلى نقطة حرجة ظنّ بعدها أنه سيزول دون أن يتحرّك الله. هذا ما شعروا به في أيام أنطيوخس الرابع (167- 164 ق. م.)، وحين دخلت رومة سنة 63 ق. م، وحين دمّر الهيكل سنة 70 ب. م.
فظهرت كتب في تلك الحقبة لتشجّع المؤمنين على الثبات في أوقات الضيق هذه. أصحابها هم الكتبة (1 مك 7: 12) والمفكّرون (دا 8: 33؛ 12: 3). بما أن التاريخ وصل إلى طريق مسدود، يجب كشف نهاية الأزمنة. بعد هذا العالم الفاسد، سيأتي عالم جديد يحتفظ به الله في السماء. وفي تلك الأيام التي ستكون الأخيرة، ستتمّ دينونة الخطأة وقيامة الأبرار ثم سعادتهم الدائمة. كل هذا سيتمّ لا محالة حسب مخطّط حدّده الله منذ البدء وكان لإنسان فيه دور. فلا يبقى لنا إلا الإنتظار كمشاهد من الخارج، والقيام بعمليات حسابية تدلّ على الآخرة. هنا تختلف النبوءة عن الرؤية.
صاحب الرؤيا ليس إنساناً يعيش مع الناس فيفسر الواقع ويحرض الشعب. إنه كاتب يدرس (ويبحث) ولاهوتي يتأمّل في النصوص ليجد فيها نواميس التاريخ. هو لا يعتبر أنه يكتب شيئاً جديداً. بل يلقي الضوء على نصوص قديمة ساعة وُجد أنبياء، ساعة كانت الخليقة بعدُ جديدة. وسلطة ما يقوله تستند إلى رجال من الماضي ينسب إليهم ما يكتب: آدم، أخنوخ، إبراهيم، موسى، أشعيا، عزرا، دانيال. هو يختبىء خلف إسم مستعار، ويجعل نفسه في زمن يسبق الزمن الذي يعيش فيه ويكتب من أجل معاصريه الذين وصلت بهم الأمور إلى حافة اليأس. كل هذا يدفعه إلى أن يكتب بشكل "نبوءات" عن الأحداث التي هي جزء من الماضي: نبوءة نستخرجها من الحدث. نبوءة نقرأها اليوم عن حدث حصل منذ زمان بعيد. هو يعود إلى الوراء ليشرف على الأحداث بمنظار الله، ويكتشف حضور الله في الأحداث الماضية كما في الحاضرة والمستقبلة. كتب دانيال في القرن الثاني ق. م، فأشار إلى ما حدث في أيام الفرس والإسكندر والسلوقيين، فأرانا يد الله التي توجّه التاريخ. هذا ما يعمله أصحاب الكتب الجليانية. ويقولون إن هذا الكتاب ظلّ خفياً وقد أعلن الآن على بعض المتدرّجين.
لقد جاءت الأيام الأخيرة. فاستشفّ الكاتب في رؤية العالمَ الجديد. هو يُختطف أو يَحلم فيقوم بسفر إلى السماء (صعود أشعيا، صعود موسى). فيرى ويشاهد عظائم العلي، وتنتقل إليه أسرار الله (2 كور 12: 1-4) بواسطة ملائكة يحبّونه. وبما أن لغة البشر لا تستطيع أن تصل إلى هذا الواقع المتعالي غير المدرك، يلجأ الكاتب إلى لغة رمزية غريبة وسرية، فيها الكثير من الإصطلاحات.
وبمختصر الكلام نقول: إن النبي يرى المستقبل على ضوء ماضي العهد: خروج جديد، موسى جديد، داود جديد، ميثاق جديد. فالحاضر هو زمن الوصل الذي فيه يشارك الإنسان الله ليصنع التاريخ. والإيمان بمواعيد الماضي تجعله ينتظر بثقة تامة عمل الله في المستقبل. أما "الرائي" فلا ينتظر شيئاً من الماضي، ولا من الحاضر، ولا من مستقبل هذا العالم الذي حُكم عليه بالدمار. فالخلاص يأتي من المستقبل. والحلّ يكون في آخر الأزمنة، في عالم جديد يجتاح هذا العالم الذي سيدمّر. إنّ الله يستعيد خليقته من أساسها. وهذا ما يتطلّب رجاء مطلقاً. 
ثالثا: النبي المسيحي في العهد الجديد
هو يجمع بين الإثنين: إنه الرائي، إنه النبي.
* إنه الرائي. فالخبرة المسيحية هي خبرة رؤيا: إنها تجعلنا نعيش نهاية الإزمنة. لقد تمّ الزمان. والفأس هي على أصل الشجرة. لقد اقترب ملكوت الله. في العماد والتجلّي، إنفتحت السماء. وعرف يسوع أن موته يدشّن العالم الجديد، ومجيء ابن الإنسان الذي وعد به دانيال (مر 14: 62). وفي موت يسوع، تزلزلت الأرض وقام الموتى حسب مت 27: 51- 53. وقيامته التي أعلنها الملائكة، دشّنت القيامة العامة للأبرار وزمن فيض الروح في الأزمنة الأخيرة. وهكذا صار الله كلاً في الكلّ. 
والمسيحية هي خبرة نعمة مطلقة ونهائية لا نستحقّها، نعمة قدّمها الله في يسوع. بالنسبة إليها، يأتي الخلاص من عمل الله وحده، لا من أعمالنا في هذا العالم. ليس الخلاص ثمرة تفتّح لهذا العمل. فهناك انقطاع حاسم. يجب أن نموت عن هذا العالم، ونحمل الصليب مع يسوع، ونعمَّد في موته لكي نحيا في جدّة الروح. لا إذا كان أحد في المسيح فهو خليقة جديدة. زال (العالم) القديم. وها هو (الواقع) الجديد" (2 كور 5: 17).
سيكون للنبي المسيحي رؤى ووحي عن هذا العالم الذي لا يزال خفياً عن أنظار الجسد. وهو سيستعمل اللغة الرمزية لكتب الجليان اليهودي لكي يدلّ على انهيار العالم القديم ومجيء العالم الجديد. هنا نتذكّر اسطفانس الذي مات وهو يرى ابن الإنسان (أع 7: 55). ونتذكّر بولس الرسول يصوّر خبرته (2 كور 12: 1- 4) أو يتحدّث عن عودة الرب (1 تس 4: 13- 5: 11؛ 2 تس 1: 6- 2: 12). ونتذكر 2 بط 3: 1-13: "يوم الرب سيجيء مثلما يجيء السارق، فتزول السماوات في ذلك اليوم بدويّ صاعق وتنحلّ العناصر بالنار...".
نسوق كل هذا لنقول إن يوحنا لم يكن وحده في مناخ العالم الجلياني. فقرّاؤه يستطيعون أن يفهموه، وهم الذين قرأوا أموراً عديدة في العهد الجديد تتحدّث عن عودة الرب. غير إن يوحنا لا يكتفي بالتلميح، بل يستعمل هذا الأسلوب بشكل متماسك في كتابه كله.
* إنه النبي بكل معنى النبوءة. لم يعد نبي العهد الجديد في وضع "الرائين" اليهود الذين يعتبرون أن النهاية قريبة وإن لم تكن بعد في متناولنا. لقد تمّ كل شيء والنهاية هي هنا. ولكنها ليست بعد مرئية بوضوح. أما علامتُها فحضور ناشط للروح الذي بدأ ببناء عالم جديد يحلّ محلّ القديم. وهكذا يتقبّل الزمن الحاضر قيمة جديدة: هناك شيء نعمله. الآن لكي ننمّي العالم الجديد الذي بدأ في آخر حشرجات العالم القديم.
لهذا، قد يكون النبي المسيحي نبياً حقيقاً، نبياً يؤوّن الحاضر كما فعل أسلافه في العهد القديم. لا يكفي أن نبقى متفرّجين. فيحرّض المسيحيين ويشجّعهم ليشاركوا في عمل الروح فيهم. فالروح النبوي قد وُلد من جديد. والله قطع صمته وعاد يتكلّم فأرسل كلمته في شخص يسوع.
سيكون يوحنا في رؤ نبياً حقيقياً يلهمه يسوع (19: 10)، وليس فقط كاتباً يتأمّل في نبوءات العهد القديم كيف تمّت. هو لا يقدّم عظة عن العهد القديم، ولا يشرح أقوال الأنبياء. بل لا يورد هذه الأقوال بوضوح مسبقاً كلامه بهذه العبارة: كما كتب. إن يوحنا يعود إلى أعماقه، فيخلق لغة خاصة به من أجل تعليم جديد يضمّ أقوال الأنبياء. هو لا يكرّر أقوال الأنبياء، بل يفجّر أفقهم ويدخل كلماتهم وصورهم في شميلة يبنيها بحرية الروح القدس.
حينئذ نفهم أن رؤ هو عمل شخصي وفي الوقت عينه مليء بتذكّرات عديدة ومتداخلة من التوراة. وهذا ما يميّز رؤيا يوحنا عن عالم الرؤى اليهودي.
إنّ مخطّط الله الأزلي واللازمني الذي كشفه في كتب الرؤى اليهودية، قد كشفه أب من الآباء عاش في الزمن القديم. أما وحي المسيح الذي جاء، الذي هو حاضر، فهو يفترض شاهداً تجسّد في الكون. لهذا لا يخفي الرائي اسمه وراء أخنوخ وإبراهيم... إنه هنا، إنه شخص حيّ واسمه يوحنا.
إنّ رؤ يحمل تعليماً عن حدث يجب أن يُكرز به حتى أقاصي الأرض. فليس بكتاب سرّي. ولا يتوجّه إلى متدرّجين. فإن ظلّت الصور التي تشير إلى البلايا غامضة (كالشرّ نفسه)، فالصور التي تحمل الخبر الطيّب (البشرى) مفهومة وقد كانت شفّافة بالنسبة إلى القرّاء في القرن الأول. قيل لدانيال: "أغلق الكتاب واختمه إلى آخر الأيام" (دا 12: 4؛ رج 8: 26). أما يوحنا فقيل له: "لا تكتم كلام النبوءة في هذا الكتاب" (22: 10). لقد تحرّرت الكلمة، والحمل فتح الكتاب (5: 1- 9).



خاتمة
كانت الرؤى اليهودية متشائمة، فدفعت الناس إلى انتظار سلبي وكسول لا يعملون فيه شيئاً. أما يوحنا فبدا متفائلاً. فالغلبة هي هنا. تدعو المسيحيين إلى أن يعيشوا منذ الآن في الفرح مع الله في أورشليم السماوية، وهم يتذوّقون مسبقاً فرح السماء في الليتورجيا فيسمعون التطويبات السبع (1: 3؛ 14: 13؛ 16: 15؛ 19: 9؛ 20: 6؛ 22: 7، 14) التي تدلّ على ملء سعادتهم لأنهم منذ الآن أبناء الله وأبناء الخلاص.

 

 

الفصل التاسع
تحية إلى الكنائس السبع
1: 4-8

نحن في رؤ مع نبوءة مسيحية دوّنت في لغة جليانية. دوّنها يوحنا، ذاك النبي المسيحي في آسية. أما التعليم فكلمة رجاء في قلب الصراعات التي تعرفها الكنيسة. ونبدأ هنا مع مجموعة أولى تبدأ في 1: 4 وتنتهي في 3: 22. نجد أول ما نجد "تحية" إلى الكنائس السبع، ثم الرؤية الأولى (1: 9- 320)، وسلسلة من سبع رسائل إلى الكنائس (2: 1- 3: 22). 

1- قراءة إجمالية
أ- البداية
منذ البداية (آ 4) نجد الرقم 7. أهميته ظاهرة كمبدأ لتنظيم العناصر في سلسلة من السباعيات. وهو سيوحّد هذه المجموعة الأولى حول موضع السبع كنائس.
تُذكر هذه الكنائس أولاً "جملة": من يوحنا إلى الكنائس السبع" (آ 4). ثم ترتبط بيسوع نفسه الذي يأمر يوحنا بأن يكتب لها (1: 11). وأخيراً، ترتبط بالملائكة السبعة، "ملائكة الكنائس السبع" (1: 20).
وجّهت رسالة إلى ملاك كل كنيسة (2: 1، 8، 12، 18؛ 3: 1، 7، 14). ولكن النظرة الخاصة لا تنسينا النظرة إلى سبع كنائس لا تنفصل بعضها عن بعض. فكل رسالة تتوجّه إلى كنيسة كما تتوجّه إلى مجمل الكنائس. نقرأ: "من له أذنان فليسمع ما يقوله الروح للكنائس" (لا للكنيسة المحددة) (2: 7، 11، 17، 29؛ 3: 6، 13، 22). إذن، نحن هنا أمام سباعية تامة محورها الرسائل السبع إلى الكنائس.
والعنصر المحرّك والديناميكي لهذه المجموعة هو وجه المسيح: يقدّم النصّ المسيح أولاً في قطعة ليتورجية (1: 4- 8)، ثمّ يتأمله في رؤية (1: 9- 20) ترسمه في صور رمزية (آ 12- 16)، قبل أن يتكلّم هو ويقدّم نفسه (آ 17- 18). وهو يعطي الأمر بالكتابة، كما نجده في بداية الرؤية ونهايتها (1: 11، 19)، وفي بداية كل رسالة (2: 1، 8، 12، 18؛ 3: 1، 7، 14). يأمر بالكتابة. ثمّ يملي كل رسالة متحدّثاً في صيغة المتكلّم. إنه الشخص المركزي.
ب- التحية إلى الكنائس (آ 1- 4)
ونبدأ بالبنية، فنكتشف عناصر متماسكة. في آ 4- 5 أ، نجد وحدة تشير إليها الأداة "من": من الكائن، من الأرواح السبعة، من يسوع المسيح. في آ 5 ب- 6، تتوقّف المسيرة فنقرأ: "هو الذي أحبّنا". تتبدّل الصيغة من المخاطب الجمع (النعمة لكم أنتم) إلى المتكلّم الجمع (أحبنا نحن). قد نكون هنا أمام جواب تطلقه الجماعة: أحبنا، حرّرنا، جعل منا ملكوتاً. وتبرز الوحدة في التقابل بين "هو الذي" و"له" (المجد). وتثبت في "آمين".
في آ 7، يتبدّل الفاعل والبنية الغراماطيقية. يتكرّر ثلاث مرّات الضمير الذي يدلّ على يسوع. "هو" (آت). "ستراه" (هو). و"تنتحب عليه" (هو). هذا التكرار الذي يسنده "نعم" (وآمين) يبدو خاتمة آ 6، بل موافقة على ما يسبق، وهذا يعني تبدّلاً في المتحدّث. وتستعمل صيغة المتكلّم (أنا هو) في آ 8، فتدل على وحدة جديدة. ولفظة "أنا" تفترض حواراً وسامعين. نلاحظ أن جميع العناصر هي مثلّثة، وهذا ما نجده بتواتر في الأقوال التي تشير إلى الله.
كل هذه الإشارات تتيح لنا أن نفترض أننا أمام حوار ليتورجي.
- حيّى يوحنا الجماعة السامعة (آ 4- 5 أ).
- ردّت الجماعة السامعة بمجدلة (آ 5 ب- 6): له المجد والعزة.
- إستعاد يوحنا الكلام، فقدّم إعلاناً نبوياً نجده في قلب المجموعة (آ 7): "ها هو آتٍ على السحاب".
- قبلت الجماعة ووافقت: آمين، نعم (آ 7).
قدّم الله نفسه يوحنا (قراءة الكتاب المقدس) فأسند ما قيل (أو قُرىء) بالنسبة إلى يوحنا وإلى الجماعة.
أعدّ رؤ للقراءة الليتورجية (1: 3) فوجدنا فيه أثراً لما يجب أن نعيشه حين نقرأه. وهكذا تشكّل هذه التحية زمناً فيه يتّصل يوحنا بمحاوريه، فيشاركون في الاعتراف بالإيمان الواحد. ووجدت الكنيسةُ نفسَها في حضرة الله بشكل مباشر، فاستعدت لسماع الوحي الذي سيأتي.

2- قراءة تفصيلية
أ- التحية والسلام (1: 4- 5 أ)
أولاً: وضع الكنائس
توجّه يوحنا إلى كنائس معروفة ومحدّدة في مقاطعة آسية الرومانية (أي: شاطىء آسية الصغرى، تركيا). لا شكّ في أن هذه المقاطعة عدّت جماعات مسيحية كثيرة غير تلك المذكورة في آ 11 (كو 1: 2؛ 2: 1؛ 4: 13؛ أع 20: 5) فلماذا اكتفى يوحنا بسبع كنائس؟ لأنه أحبّ الرقم 7 (علامة الملء والكل. إذن، كل كنائس آسية الصغرى، بل كنائس العالم كله). وسبب آخر: قد تكون هذه الكنائس عرفت حياة أخوية عميقة. وأولاها هي أفسس المدينة الأسقفية (2: 1) حيث مارس الرسولان بولس ويوحنا خدمتهما. وأخيراً، هذه الكنائس تقع على خط البريد الملكي. لهذا كان من السهل إيصال رؤ إلى هذه الجماعات. لم يقل يوحنا إلى كنائس سبع (بدون أل التعريف)، بل الكنائس السبع (مع أل التعريف) فدلّ على مجموعة. الكنيسة هي واحدة وكثيرة. ويوحنا يوجّه تعليمه إلى المؤمنين في كل زمان ومكان.
لا نجد اسم سميرنة، برغامس، سارديس، فيلادلفية إلاّ في رؤ. أما المدن الثلاث الأخرى فنجدها في العهد الجديد. تذكر أفسس 16 مرة وفيها كرز بولس وكتب رسالته الأولى إلى كورنتوس. تياتيرة هي موطن ليدية، بائعة الأرجوان، التي عمّدها بولس في فيلبي (أع 16: 14). وجماعة لاودكية مذكورة في كو 4: 16.
ثانياً: النعمة والسلام
نظن نفوسنا في رسالة بولسية. السلام هو الخلاص والبركة. والنعمة تدلّ على رضى الله الفاعل. وسمّى يوحنا الينابيع الثلاثة الدائمة التي منها تنبع هذه النعمة وهذا السلام.
الينبوع الأول: الكائن والذي كان والذي يأتي. ستعود هذه العبارة كما هي في آ 8؛ 4: 8. وستكون ناقصة (بدون الذي يأتي) في 11: 17؛ 16: 5. نحن هنا أمام توسّع في خر 3: 14 حيث كشف الله عن اسمه كشفاً سرياً: "أنا هو الذي هو". وقد حاولت التقاليد اليهودية أن توضح هذا الاسم، فقالت السبعينية: "أنا الكائن". والترجوم الفلسطيني (في خر 3: 14): "أنا هو الذي هو والذي يجب أن يكون". وفي تث 32: 39: "أنا هو ذلك الذي هو والذي كان، وأنا هو من يجب أن يكون". لسنا أمام معطية حول كائن الله الحميم وكيانه الماورائي، بل حول موقفه تجاه شعبه. نحن أمام الإله الفاعل اليوم، الإله الذي تدخّل في الماضي والذي سيكون هنا غداً. تأثّر يوحنا بالليتورجيا اليهودية، ولكنه حوّل العبارة في خط مسيحي، فأبرز إقتراب النهاية وجعل "ذاك الذي يأتي" محل "ذاك الذي يجب أن يكون".
أنا هو الحي (تك 17: 1؛ أش 48: 12؛ أم 8: 22 ي؛ سي 24: 4 ي). تدلّ هذه العبارة على أزلية الله، على قربه وابتعاده، على طبيعته السماوية وقوة تدخّله في التاريخ. إن الإله الآب الذي "يأتي" قد وهب قدرته لابنه (يو 5: 22).
* الينبوع الثاني هو الروح القدير في ملئه وكماله عطاياه. في أش 11: 1 ي، يحلّ على المسيح سبعة أرواح أي ملء الروح. لسنا هنا أمام أرواح سبعة أو ملائكة سبعة مميزين. فهؤلاء يعرفهم رؤ ويسميهم "ملائكة" لا "أرواحاً" (8: 2). ويتكلّم زك 4: 2، 10 عن منارة (شمعدان) فيها 7 سرج و 7 مساكب للسرج. إنها تدلّ على أعين الرب. يلمّح رؤ إلى هذا النصّ فيقابل هذه السرج (4: 5) وهذه الأعين (5: 6) مع أرواح الله السبعة التي هي صورة عن معرفة ذاك الذي يجلس على العرش. وفي 3: 1 و5: 6، تبدو الأرواح السبعة "شيئاً" يمتلكه المسيح. في هذا الرقم 7، نحن أمام الروح كما تدركه الخبرة المسيحية في ملئه كما في تعدّد أفعاله وتدخّلاته.
* الينبوع الثالث هو يسوع المسيح. هي اللفظة الثالثة في هذه العبارة الثالوثية. نحن أمام المسيح الذي مات وقام وتمجّد. وقد أخذ هذا الكلام من تصوير المسيح في مز 89: 28، 38: "وأنا أجعله بكراً، علياً فوق ملوك الأرض... مثل القمر شاهداً أميناً". الشاهد الأمين هو ثابت وأهل للثقة حين يشهد عن كيان الله العميق وعن قصده، وسيذهب في شهادته حتى الموت. وهو بكر الأموات (كو 1: 18؛ 1 كور 15: 20). البكر يدلّ غلى حظوة ينعم بها الابن. وحين زاد "بين الأموات" شدّد أن بعدَه سيُولد له أخوة عديدون للحياة الأبدية. وهو ملك ملوك الأرض. إن ملوك الأرض يجسّدون في رؤ 6: 15؛ 17: 2؛ 18: 3، 9 الوجه السلبي في العالم (خوف، زنى). في النهاية، سيتدخل المسيح، ملك الملوك (17: 14: الحمل يغلبهم؛ 19: 16) فيغلبهم وينتزع منهم قوتهم. وهكذا تكون سلطة المسيح واضحة على القوى التاريخية المعادية.
إن هذا الإعلان الإيماني يتضمّن أربعة تأكيدات: (1) يسوع الناصري هو المسيح الموعود به في العهد القديم. يرد إسم "يسوع" 14 مرّة في رؤ، وإسم "المسيح" 8 مرّات. (2) ويُعبد يسوع كالشاهد الأمين. سار النصّ في خطّ يوحنا، فلم يشر في الدرجة الأولى إلى الكرازة الشفهية وتتمة الرسالة الخلاصية بالأمانة (فل 2: 8)، بل إلى حياة يسوع وآلامه وموته على الصليب: كل هذان شهادة مؤثّرة لحب الله وحنانه وغفرانه. وابن الله المتأنس هو علامة عن هذه الشهادة. (3) غير أن سّر يسوع الإلهي قد تجلّى للعالم في أنه بكر القائمين من بين الأموات. فالمسيح دشّن بقيامته في اليوم الثالث علاقة جديدة وشاملة مع الكون. "كان قبل كل شيء وفيه يتكوّن كل شيء... هو البدء وبكر من قام من بين الأموات لتكون له الأولوية في كل شيء" (كو 1 :17-18).
(4) والتأكيد الرابع: يسوع هو الضابط الكل، لأنه ابن الله الأزلي الذي به خُلق العالم (يو 1: 10)، ولأنه الرب القائم من الموت. فأعضاء الجماعات المسيحية الذين فرضت عليهم عبادة الامبراطور، إبتهجوا حين سمعوا أن "ربنا" هو "ملك ملوك الأرض". هذا هو الجواب على الخيار الذي جُعل أمامهم: المسيح هو الـ "كيريوس" الوحيد الحقيقي. وكل ملك أرضي، حتى لو كان إمبراطور رومة مع مطالبته بالألوهة، يبقى خاضعاً لملك المسيح على الكون.

ب- الجواب (1: 5 ب- 6)
قدّم يوحنا للجماعة بركة الله حين أعلن إيمانها المركّز كلّه على يسوع. إنه لأمر مهمّ أن نشدّد على مركزية المسيح في رؤ. وفعل الشكر الذي يرد هو نشيد مسيحي قديم (شأنه شأن سائر أناشيد رؤ) يذكّرنا بما نقرأ عند بلينوس في رسالته إلى ترايانس (111- 113 ب. م.): ينشدون المدائح مناوبة للمسيح كأنه الله.
إلى الذي يحبّنا. لا عبارة تشبه هذه العبارة في العهد الجديد. لا شك في أننا نقرأ في غل 2: 20: "أحيا في الإيمان بابن الله الذي أحبني". ولكن الفعل هو في الماضي، لا في الحاضر. فالمسيح يحبّنا اليوم في حاضر جماعاتنا (3: 9، 19- 20)، في عمق صعوباتنا وآلامنا.
إلى الذي حرّرنا. يرد الفعل في الماضي فيحيلنا إلى حدث الصليب الفريد. فبدم الحمل الفصحي، نجونا من رباطات الخطيئة، تحرّرنا. كل هذه المجدلة تنشد عمل المسيح المتمّم للخروج. ولكن ما يميّزه هو أنه عمل حبّ. نحن هنا بلا شكّ أمام تلميح إلى سفر الخروج. ففي الفداء الفصحي الأول، كان دم الحمل علامة لهذا التحرّر الذي يجعل من العبرانيين شعب الله، شعب ملوك وكهنة (خر 19: 6). وأتمّ المسيحيون هذا التاريخ النبوي فصاروا شعب الله الحقيقي (رج 5: 9- 10) وشاركوا المسيح في ملكه وكهنوته (ق 20: 6؛ 22: 3- 5).
لا ينظر رؤ أبداً إلى المسيح على أنه منفصل عن عمله الخلاصي. فالكرستولوجيا (تعليم عن المسيح) والسوتيريولوجيا (تعليم عن الخلاص) لا ينفصلان. هنا نجد فكرة هامة عند يوحنا في خبر الصلب (خرج دم وماء، يو 19: 34) وفي الفقاهة على الافخارستيا التي تتبع معجزة تكثير الأرغفة (يشرب دمي، يو 6: 35). هذه الفكرة تجد هنا مداها اللاهوتي: فالفداء من الخطايا قد تمّ بواسطة الدم. وقد شدّدت الرسالة إلى العبرانيين بشكل خاص على قيمة دم المسيح (عب 9: 12، 14، 20، 22؛ 10: 19؛ 12: 24؛ 13: 12- 20).
جعل منا ملكوتاً وكهنة. حرّر الربّ شعبه فجعل منهم ملوكاً وكهنة. وهكذا فعل المسيح بالنسبة إلى المسيحيين، شعب الله الحقيقي. تعني لفظة "ملكوت" في رؤ، المملكة والسلطان الملكي (11: 5؛ 12: 10؛ 17: 12، 17، 18). هذا يعني أن المسيح يمكّنا من الإنتصار على الشّر. لقد تحرّرت الكنيسة من الخطيئة، فصار في وسعها أن تُصعد إلى الآب، أبي يسوع، الخليقةَ التي تخلّصت من الشّر.
لله أبيه. هنا في رؤ كما في يو، الله هو أب بارتباطه بيسوع. هو أبو يسوع المسيح. وينتهي كل هذا بالمجد الذي به نقرّ بحضور الله في يسوع الذي غمرنا بالنعم الإلهية. وبالعزة، أي بقدرة الله الفاعلة دائماً أبداً. وتجيب الجماعة كلّها: آمين. نحن نؤمن. هو كذلك.
إن التلميح إلى ملكوت المسيح قد توخّى تعزية المسيحيين المضطهدين الذين ظنوا أن المسيح تخلّى عنهم ولم يدافع عنهم من إضطهادات الأباطرة الرومان. غير أن ملكوت المسيح بعيد كل البعد عن مملوكة تدلّ على قدرتها الظاهرة: هو ملكوت ليتورجي ومقدّس. ودور المسيحي المخلَّص ليس في أن يملك، بل في الخدمة الكهنوتية والعبادة التي يؤدّيها مع المسيح وفي المسيح وبالمسيح لله الآب. يبقى أن تستعد الجماعات المسيحية الأولى لهذه المهمّة. فعبادتها للآب هي واجبها الأولى الذي قد يصل بها إلى الاستشهاد. 
ج- النبوءة (1: 7)
بعد هذا التعلّق بماضي الإيمان وحاضره، يلتفت يوحنا إلى المستقبل. ويتصرّف كنبيّ حقيقي، فيعلن نبوءة. أي يقرأ قراءة جديدة عدداً من النصوص المأخوذة من العهد القديم. هي أول نبوءة في هذا الكتاب النبوي، وهى تكشف موضوعه المركزي: المسيح يأتي. هناك نصان يقفان في أساس هذه النبوءة. الأول مأخوذ من دا 7: 13: "وسط السحاب جاء مثل ابن الانسان". وهنا يأتي المسيح في جوّ إلهي: مع السحاب. هو المجيء الثاني الذي نقرأ عنه في آ 4 (الذي يأتي) وآ 8. والنصّ الثاني يعود إلى زك 12: 10 ي: "ينظرون إلّي أنا الذي طعنوه، ويحتفلون بالحداد كما لابن وحيد". هذا النصّ يدلّ على تبدّل تام في موقف إسرائيل الخاطىء: تأثّروا بفداء الله فانتقلوا من "الطعن" إلى "الحداد". والرباط بين هذين النصين يعود إلى الجماعات المسيحية الأولى. نقرأ في مت 24: 30: "وتظهر في ذلك الحين علامة إبن الانسان في السماء، فتنتحب جميع قبائل الأرض، (تقرع الصدور حزناً وندماً) ويرى الناس إبن الانسان آتياً على سحاب السماء في كل عزّة وجلال".
أجل إن المصلوب سيأتي في المجد، وسيعترف به العالم كلّه. إن مجيء المسيح المجيد سيفرض نفسه على الذين طعنوه، على الذين صلبوه،. سيفرض نفسه بذاته أو بشهوده (11: 7- 8). حينئذٍ تقرع الصدورَ كلُّ قبائل الأرض (لا اليهود فقط). هذا لا يدلّ على يأس الهالكين، بل على وعي لخطيئة اقترفوها. فرؤية المصلوب في المجد ستنزع من العالم سلاح العداوة. 
إن يوحنا يدعو الجماعة التي تستمع إليه، لكي تعي مسؤوليتها في موت المسيح (يو 19: 37). هذا ما يهيّىء النداءات إلى التوبة في 2: 5، 16، 22؛ 3: 3، 19. فكل إنسان مدعو إلى التوبة تجاه المسيح الآتي. كانت الليتورجيا صلاة عبادة فصارت صلاة توبة. وبعد أن فهمت الجماعة هذا التعليم ومتطلّباته، وافقت وهتفت: نعم، آمين!
في هذا الوقت المليء باليأس، يوجّه يوحنا أنظار الجماعات الأولى إلى عودة الرب. نحن ما زلنا ننتظرها، ولا شيء يدلّ عليها. ومع ذلك، سيأتي يوم يعلن فيه الرب دينونته. إنه سيد الكون، الضابط الكل (بنتوكراتور، آ 8). أما صورة السحاب فنجدها مراراً في الكتاب المقدس وهي تعبّر عن القدرة السامية التي يتحلّى بها ديّان الكون. كلهم سيدانون لأنهم كلهم (اليهود والوثنيون) مسؤولون عن موت يسوع.
د- كلام الله (1: 8)
الله حاضر في الجماعة الليتورجية، وهو يتكلّم بنفسه وبصوت نبيّه الذي قدّمه إلى الجماعة. الله يكفل صدق التعليم الذي يعلن. أنا هو. أنا حاضر هنا. أنا فاعل هنا والآن.
أنا الألف والياء. صورة خاصة بسفر الرؤيا. ستعود في 21: 6، وسيستعملها يسوع في 22: 13. وهكذا يؤكد رؤ مساواة الآب والابن، وارتباط الابن بالآب. لا نستطيع أن نلفظ اسم يسوع دون أن يرد حالاً اسم الآب.
هذا يعود بنا إلى أش 44: 6: "أنا الأول والآخر. أنا هو، ولا إله غيري". الله هو البداية والنهاية. الكلمة الأولى له. وله الكلمة الأخيرة. وإذا أردنا أن ننتقل من الحرف الأول إلى الحرف الآخر من الأبجدية، يجب أن نعبر كل الحروف. هذا ما يدلّ على إنتقال متواصل من الخلق إلى تتمة الخلاص. وحضور الله هذا في كل لحظة من لحظات التاريخ، نجده في العبارة التي فيها يشير "الذي كان" إلى الألف. و"الذي يأتي" إلى الياء. و"الكائن" يدلّ على حضور الله الذي يجعل الأمور تتقدّم شيئاً فشيئاً حتى النهاية (آ 4).
القادر على كل شيء. هذا هو اللقب الوحيد في رؤ الذي يُنسب إلى الله ولا يُنسب إلى المسيح بسبب طابعه الجامد (4: 8؛ 11: 17؛ 15: 3؛ 16: 7، 14؛ 19: 6، 15؛ 21: 22). تجاه هذا، تعوّدنا أن نرى في الأيقونات "المسيح القادر" (بنتوكراتور). هذا ما يترجم "صباؤوت" أي إله الجنود، إله الاكوان، الإله القدير. هنا نتذكّر هو 12: 6 (الرب القدير، له المجد) وعا 4: 13: "فالذي يصوّر الجبال، ويخلق الريح... اسمه الرب الإله القدير". والقادر أو بنتوكراتور هو صفة الأمبراطور الروماني. وهكذا يقف الله القدير تجاه الامبراطور الذي يعتبر نفسه ضابط الأرض كلّها.

خاتمة: أي تعليم نستنتجه
- عاشت الجماعات المسيحية الأولى حدثاً عظيماً كان لها ينبوع تعزية: إن يسوع عاد يكلّمها (وحي يسوع المسيح). ففي ساعة صعوده، لم يقم الرب في البعيد. وراء الغيوم. إنه حاضر في كنيسته وفاعل فيها. هو في الوقت عينه "عن يمين أبيه" وفي وسط جماعته. فالكنيسة ليست فقط جماعة أسّسها المسيح، بل حدث خلاص يرافق سر العشاء السري وقيامة الرب. 
إن التاريخ كله يدخل في حاضر الله الأبدي. الله هو النسمة القدسية والمناخ المسيحي الذي تعيش فيه كل الخلائق. التاريخ هو مسيرة تقع بين الأزل والأبد.
- وصورة المسيح التي يقدّمها لنا رؤ، تشعّ حباً ورحمة. منذ البداية يظهر بوضوح الاهتمامُ الليتورجى: فالفداء قد جعل العالم جديراً بأن يقدم العبادة الكهنوتية والسجود لله الآب. فالعالم كلّه خُلق للمديح. والعبادة الليتورجية تميّز شعب الله علي الأرض وتعدّه لليتورجية الأبدية. "أنتم تكونون لي مملكة كهنة وأمّة مقدّسة" (حز 19: 6). واستعاد 1 بط 2: 9- 10 هذه الفكرة التوراتية فقال: "أما أنتم فنسل مختار وكهنوت ملوكي وأمّة مقدّسة وشعب اقتناه الله لإعلان فضائله، وهو الذي دعاكم من الظلمة إلى نوره العجيب. وما كنتم شعباً من قبل، وأما اليوم فأنتم شعب الله. كنتم لا تنالون رحمة، وأما الآن فنلتموها".
- في اليوم الأخير، سيظهر المسيح الرب والمخلّص والدّيان الرحيم للمخلّصين، سيظهر في قدرة مرعبة للذين اضطهدوه. سواء كان يسوع التاريخ (كما عاش على الأرض) أو "المسيح" الحاضر حضوراً سرياً في كنيسته والعالم فيها. فالذي يضطهد الكنيسة يضطهد المسيح. وسيدينه المسيح، وليس من يفلت من دينونته.
- في قلب عالم راكع أمام تماثيل الأباطرة وصور الآلهة، يقدّم لها البخور عبادة وإكراماً، يعرف المسيحيون أنه ليس إلاّ إله واحد حقيقي ومخلّص واحد. و"الآلهة" مهما كانت قديرة، هي باطل وعدم. فالمسيح هو الضابط الكل، ضابط الكون، ملك ملوك الأرض. وسيكون في يوم الرب واقع مرير، فتسقط جميع الأقنعة ويكون غروب الآلهة الكاذبة. ويتعرّى مقتدرو هذا العالم من قدرتهم، ويكون مضطهَدو هذا العالم المنتصرين في الأبدية. ذاك هو العزاء العظيم الذي يتوجّه إلى الجماعات المسيحية الأولى المعرّضة لليأس: فرغم الظواهر، التاريخ هو في يد الله. وانتصار قوى الأرض هو انتصار سرابي. فالغلبة الحقيقية تكون غلبة المسيح وحده في نهاية الأزمنة.

 

 

الفصل العاشر
رؤية إبن البشير
1: 9-20

لقد استعدت الجماعة. والله الحاضر فيها ليتورجياً مع الإبن والروح، سيقدّم بواسطة شاهده يوحنا، وحياً مباشراً ومعمّقاً عن علاقته بالتاريخ كله، بل عن علاقته بهذه القطعة من التاريخ التي تعيشها الجماعة اليوم. 
نحن هنا في الرؤية الاعدادية. وهي تتضمن عدّة أجزاء:
1: 9- 10: المستفيد من الرؤية، مكان الرؤية وزمانها: يوحنا. في جزيرة بطمس. في يوم الرب، أي يوم الأحد والإحتفال بالليتورجيا المقدسة.
1: 11: الأمر بالكتابة: أكتب ما تراه وأرسله إلى الكنائس.
1: 13- 16: مضمون الرؤية: ابن إنسان...
1: 17: تأثير الرؤية على الرائي: وقعت عند قدميه كالميت.
1: 18- 20: تشجيع (لا تخف) وأمرٌ ثانٍ بكتابة الرؤية.
يدخل في رؤية "ذاك الذي يشبه ابن إنسان" أخبار عديدة تورد رؤى من التوراة. وهكذا تتسجّل هذه الرؤية التي جاءت في الأزمنة الأخيرة للمسيحية الأولى، في خطّ ظهور الله لموسى وإيليا وأشعيا ودانيال، في خطّ الظهور على الرسل فوق جبل التجلّي. هذه الرؤية تختتم كل الرؤى السابقة وتتوّجها.

1- ظروف الرؤية والأمر بالكتابة (1: 9- 11)
لسنا أمام دعوة يوحنا، كما في أسفار الأنبياء، بل أمام أمر بالكتابة. وليس الله هو الذي يرسل، بل المسيح. لا يقال: الوحي الذي ناله يوحنا. بل وحي يسوع المسيح. لا أشياء جديدة لم يُسمع بها. بل تفكير وتأمل يا كلام يعرفه المسيحيون: المصلوب يأتي. القائم من الموت يأتي. إنه الشخص الرئيسي في رؤ، إنه مركزه المضيء والديناميكي.
أنا يوحنا. لا إشارة كرونولوجية: في أيام الملك... ما يهمّ في شأن يوحنا هو وضعه كشاهد ومعترف. وضعه كمعلن للإيمان. هذا "أنا" يذكّرنا بدانيال: "أنا دانيال وحدي، رأيت الرؤيا، والرجال الذين كانوا معي لم يروا الرؤيا" (دا 10: 7).
وقدّم يوحنا نفسه كرفيق المحنة، كرفيق الإضطهاد الذي يصبّ على الجماعات المسيحية في آسية الصغرى. وهو نفسه قد نُفي إلى جزيرة بطمس، لأنه رئيس الجماعة المسيحية في أفسس. هذه الجزيرة الصخرية الصغيرة (إسمها اليوم: باتينو) تقع على شاطىء تركيا، ومساحتها هي فقط 40 كلم مربع. إن دير القديس يوحنا المشهور ينتصب في قلب مدينة خورا الواقعة على الجبل. هناك فجوة في الصخر كان الرائي قد اعتاد القيام فيها. 
أخوكم وشريككم. الإخوة والشركاء هم المسيحيون. وبصورة خاصة هم الذين يتبعون المسيح في طريق الألم والإستشهاد (6: 11؛ 12: 10- 11؛ 19: 10). ويوحنا هو واحد منهم. هناك مجالات ثلاثة تنعقد فيها الشراكة بين المسيحيين. في المحنة. في الملكوت. في الثبات. صفات ثلاث هي في الواقع واحدة. قبلها أل تعريف واحد. ولفظة "في يسوع" ترتبط بكل واحدة منها.
رفيق محنة في يسوع: نحن أمام محن نهاية الأزمنة (تلبسيس). محن يواجهها المسيحي لأن في المسيح يختلف عن العالم. رفيق ملكوت في يسوع: من يعيش المحنة يختبر منذ الآن انتصار يسوع الحاضر على الخطيئة والموت (11: 15؛ 12: 10؛ 20: 1- 8). رفيق الثبات والصبر والمقاومة في يسوع: نحن أمام الأمانة لكي نحتمل التوتّر الذي نعيشه (في العالم، لسنا من العالم) حتى عودة المسيح. ولكن عبر هذا الثبات يبدّل الله المضطهدين فيجعل منهم مواطني الملكوت. ونحن نعيش كل هذا في يسوع. قال بولس الرسول: "أعرف المسيح وأعرف القوة التي تجلّت في قيامته وأشاركه في آلامه وأتشبّه به في موته" (فل 3: 10). وقال بطرس: "المسيح تألّم من أجلكم وجعل لكم من نفسه قدوة لتسيروا على خطاه" (1 بط 2: 21).
من أجل كلمة الله وشهادة يسوع. الكلمة والشهادة هما واحد. قد تتضمّن الشهادة عطاء الذات والإستشهاد. وقد سُجن يوحنا بسبب إيمانه. هذا إجراء فردي وخفيف نسبياً. فالإضطهاد الذي خضع له المسيحيون في أيام دوميسيانس كان مبطّناً ولم يكن يسري على الجميع. ولكن يبقى أن آسية الصغرى عرفت أكبر الصعوبات في أيامه.
إختطفني الروح (رج 4: 2؛ 17: 3؛ 21: 10). يحن أمام "خروج" من هذا العالم. هذا ما شعر به بطرس حين كان يصلّي وقبل أن يعمّد كورنيليوس (أع 11: 5)، وبولس حين كان يصلّي في الهيكل (أع 22: 17؛ رج 2 كور 12: 1 ي). لا يتوقّف الكاتب عند "كيف" (خطف). فما يهمّه هو الرؤية وواقع الإلهام.
إختطف في يوم الرب، يوم الأحد. هو يوم القيامة. اليوم الذي فيه أظهر يسوع سيادته. اليوم الذي فيه يحتفلون بالافخارستيا. الذي فيه ينتظرون عودته. إنّ الليتورجيا تجعلنا نتصل إتصالاً مسبقاً بأحداث نهاية الأزمنة.
سمعت صوتاً. الرؤية هي أولاً صوت. فالكلمة تسبق الرؤية ثم توضحها (آ 17). لا قيمة للرؤية في ذاتها بدون الكلمة التي تشرحها. وكلمة المسيح هي الأولى دوماً تجاه الميول الصوفية لدى "الرائين"، تجاه "التأمّل الصوفي". نقرأ في آ 12: "إلتفتُّ لأنظر الصوت". فالموضوع الحقيقي للرؤية والمشاهدة هو الكلمة نفسها. والصوت هنا هو صوت ابن الإنسان.
كصوت البوق. هذه الألفاظ مثل "كما" "يشبه" تعود مراراً في رؤ وهي مهمة جداً. إنها تقول لنا إن التقاربات تترجم ضعف اللغة البشرية وعجز الصور الأرضية عن التعبير تعبيراً أميناً عن أمور الإيمان السامية المتعالية. وتبدو صور رؤ مرات عديدة غير متماسكة، غير مترابطة. فقد جُعلت هنا لا لترينا ولتبيّن لأنظارنا شيئاً ما، بل لتعني لنا، لتشير إلى أبعد من الصورة. إنها صور تحدّث العقل (والقلب) لا العينين. نحن أمام لغة لاهوتية تقليدية، لا أمام أسلوب تصويري أو جمالي بسبب الرسوم التي فيه. لهذا، فمحاولة ترجمة رؤ في صور لا تحمل الشيء الكثير إلى الفهم، بل تدفعنا مراراً إلى "الضحك". البوق هو عنصر عبادة يُسمع هتافُه في التيوفانيات، في الظهورات (خر 19: 13؛ عب 12: 19). إذن، إستعمل هنا ليعلن عودة الرب (مت 24: 31؛ 1 كور 15: 52؛ 1 تس 4: 16). 
إن رؤية الرب (كيريوس) المتجليّ تقع في اليوم المطبوع بالحدث الخلاصي، في اليوم الأول من الأسبوع (مت 28: 1؛ يو 20: 1؛ أع 20: 7؛ 1 كور 16: 3)، يوم الأحد، يوم قيامة المسيح: هكذا كان يتكلّم المسيحيون الأولون الذين ابتعدوا شيئاً فشيئاً عن السبت اليهودي. وحين "اختطف" يوحنا، لم يرتفع عن الأرض، بل إن جزيرة بطمس هي الموضع الذي فيه يستطيع أن يرى ويسمع ما لا يستطيع إنسان أن يسمعه لولا نعمة الله.
أكتب. يحيط بالرؤية أمران: كتب (آ 11، 19). فالمعنى هو واضح: ليس يوحنا ذاك "الكامل" (تدرّج في المعرفة) الذي ينال وحده إيحاءات سامية. إنه الأخ الذي يتقاسم كل شيء مع إخوته.
سبع كنائس. هناك خطر ملحّ؟ أو: هي كنائس تسمع ليوحنا؟ ترسل الكنيسة إلى مركز ومنه تشعّ إلى الأماكن المجاورة. قد نكون أمام دورة رعائية يقوم بها يسوع بواسطة هذه الرسائل السبع. هي كنائس آسية الصغرى، بل كل جماعة الخلاص، وكنيسة العهد الجديد كما تتحقق بشكل ملموس في كل كنيسة محلّية.

2- مضمون الرؤية (1: 12- 16)
ماذا رأى يوحنا (آ 12- 16)؟ ثم ماذا سمع (آ 17- 20)؟
أُخِذ يوحنا على غفلة، فاجأه الأمر، تجاوزه. عليه أن يلتفت. هكذا "التفتت المجدلية وراءها فرأت يسوع واقفاً" (يو 20: 14). فالمسيح يأتي ويقف حيث لا نتوقّع ولا ننتظر.
سبع منائر من ذهب. تأثرت الصورة بما في زك 4: 2، 10. منارة (شمعدان) فيها سبعة سرج (قناديل). صارت سبع منارات بتأثير من 1 مل 7: 49. يرى زكريا أن هذه السرج السبعة تدلّ على سهر الله ومعرفته الشاملة. سيعود 4: 5 و5: 6 إلى نص زك، فيرى فيه رمز الروح المسبّع الأشكال: "سبعة مشاعل هي أرواح الله السبعة". "سبع عيون هي أرواح الله السبعة".
في آ 20 المنائر هي الكنائس. ولهذا نفهم النصّ على ضوء مت 5: 14 ي (أنتم نور العالم، فليضىء نوركم قدّام الناس)، فل 2: 15 (تضيئون فيه كالكواكب في الكون)، وعدد من النصوص الرابانية: ترمز المنائر إلى طاعة الشعب وتقواه أمام الله وأمام البشر بانتظار عودة الملك المسيح الذي سيكون السراج الحقيقي (21: 23: الحمل هو مصباحها). المنائر هي صورة الكنائس التي تنتظر (مت 26: 1 ي) بأمانة، صورة إشعاع الحياة المسيحية في هذه الكنائس.
ابن إنسان. أخذت هذه العبارة من دا 7: 13؛ 10: 5 فدلّت على "الإنسان". وهي ترد 69 مرة في الأناجيل الإزائية. إنّ هذا اللقب الملوكي قد عرف لدى المسيحيين الأولين تطوّراً هاماً. في البداية، إبن الإنسان هو ديّان اليوم الأخير. في النهاية، رأوا فيه يسوع الناصري الذي يعيش الفقر و"العري"، الإضطهاد والصلب. ابن الإنسان هو أيضاً مسيح القيامة. إنحصر المدلول الأول في العالم الإسكاتولوجي. وتكمّل فيما بعد بسمات المسيح التاريخي والأرضي، كما بسمات المسيح المتجلّي والحاضر في كنيسته والعامل فيها.
في وسط المنائر شخص... ليست المسيح فوق الكنيسة، خارج الكنيسة، بل وسط الكنيسة، وسط المؤمنين. ليس غريباً عن أخصّائه، ولم يؤخذ منهم. إنه وسط المنائر، أي قريب من جماعته. فكيف نتخيّل يسوع من دون جماعته؟ يسوع ابن الإنسان (غياب أل التعريف لا يؤثّر) ما زال يمارس ملكه ودينونته، وذلك في كنائسه.
هنا تبدأ صورة ابن الإنسان: رأسه، رجلاه، حركاته، وجهه. وتستلهم هذه الصورة دا 10: 5-10 (رج دا 7: 9). إنه شخص عظيم بلباسه الطويل وحزامه الذهبي.
يلبس ثوباً طويلاً. إن صورة الثياب تذكّرنا بعظيم الكهنة في العهد القديم (خر 28: 4 ي؛ 39: 1 ي). فابن الإنسان هو عظيم الكهنة والمحتفل بليتورجية الميثاق الجديد (عب 4: 4- 5: 10). والثوب الطويل الذي يصل إلى القدمين يلامس الأرض. فمن أجل الأرض كلها أتمّ عمل الخلاص. نقرأ في حك 18: 24: "كان يلبس ثوباً طويلاً مزيّناً برموز العالم كله". ويدلّ حزام الذهب على الكهنوت والملك (1 مك 10: 89) اللذين يتمتّع بهما ابن الإنسان. في هذه الرؤية، يصل سرّ الشخص إلى الكهنوت السامي "حسب مليكصادق" (عب 5: 10)، وهو سيدوم في الميثاق الجديد.
رأسه. عيناه. تستلهم الصورة دا 7: 9 الذي يتحدّث عن الله (إذن، ابن الإنسان هو الله). البياض هو لون إلهي، لون المجد المشعّ، لون الغلبة والإنتصار. والرأس والشعر الأبيض يدلاّن على عدد كبير من السنين، على الأبدية. هو أكبر وأحكم من أي شيخ مهما كانت أيامه. وما كان يُقال عن الله في دا يُقال هنا عن المسيح. أما البهاء الساطع في عينيه فيذكّرنا بظهور الله على موسى في العليقة الملتهبة (خر 3: 1 ي). إنّ النار ترمز إلى الحياة كما إلى حضور الله. إنها علامة الحب، علامة الدينونة والتنقية. في دا 7: 9، تحيط النار بالله. أما العينان فتدلاّن على المعرفة. فنار النظر الإلهي تتغلغل في الإنسان وتكشف خباياه. هنا نتذكّر دا 10: 6 حيث للملاك عينان مثل سراجين من نار.
رجلاه كنحاس مصقول. ما زال الكاتب يتمتم فيحاول أن يتمثّل المسيح كما استشفّه في الرؤية. هذا النحاس (خلكس) هو في الواقع مزيج من فضّة وذهب. يتميّز بلمعانه. وهو ثمين جداً. ثم هو نقي بعد أن حمي في الأتون. هذا المعدن (دا 10: 6) يدلّ على ثبات الشخص وقوته. تجاه هذا، كانت رجلا التمثال في دا 2: 33 من حديد وطين (أو: خزف). هذا يدل على الضعف وسرعة العطب. أما ابن الإنسان فيتميّز بالصلابة والنقاوة كما بالحب والفداء.
صوته كصوت مياه غزيرة. نحسّ بالمجهود الذي يقوم به الرائي ليجد الكلمات والتشابيه التي تساعدنا على أن نستشفّ ملء ما لا يعبَّر عنه وأحداثاً دائماً جديدة. قد يكون يوحنا نظر إلى شاطىء الجزيرة فسمع صخب الأمواج، فأفهمته هذه الصورة تنوّع وغنى رؤية المسيح التي لا يستنفدها نظر. نتذكّر هنا صوت الله (حز 1: 24؛ 43: 2) الذي هو كصوت جمهور (14: 2؛ 19: 16). صوت الملاك في دا 10: 6 يشبه صوت جماعة كبيرة. هدير مائج. موسيقى متواصلة. كل هذا يدلّ على عظمة ابن الإنسان وبهائه.
في يده اليمنى سبعة كواكب (أو: نجوم). رج 2: 1؛ 3: 1. فابن الإنسان مسلّط حتى على الكواكب في السماء. سلطانه يشمل الكون كله، يشمل السماء والأرض. اليد اليمنى هي يد البركة والعناية المحبّة. وهذه الكواكب هي أيضاً الكنائس السبع (1: 20) (تدلّ على الكنيسة كلها) التي لا توجد إلاّ بنعمته: إنها في يد الله. وقد تكون "سلاحاً" بيد ابن الإنسان بها يحارب الشّر والخطيئة.
يرمز السيف إلى الكلمة بدليل ما نقرأ في أش 49: 2: "فمي جعله كسيف قاطع". وفي حك 18: 16: "يحمل حكمك الصارم كسيف قاطع". وفي عب 4: 12: "وكلمة الله حية فاعلة، أمضى من كل سيف له حدّان". وقد يدلّ السيف على الروح كما في أف 6: 17: "تقلّدوا سيف الروح الذي هو كلام الله". أما في رؤ، فالسيف يميّز الديان الذي يزيل الهراطقة والكافرين (2: 12، 16؛ 19: 15). فبعد صورة حبّ الله وعنايته (اليد اليمنى)، تتحوّل الصورة فجأة فتجعلنا أمام دينونة لا ترحم يتلفّظ بها الربّ في يوم من الأيام. حيث يظهر المسيح، تتفجّر أزمة تخلق انقساماً (جئت لألقي ناراً) وتفرض خياراً. فلا يستطيع أحد أن يتفلّت من هذا الحضور. فالسيف مسنون ومن يقاومه؟
وجهه كالشمس. لا نستطيع أن نتحمّل بهاء ابن الإنسان وضياءه. فالأعين البشرية لا تقدر أن تنظر إلى ملء النور الإلهي. من يستطيع أن يرى وجه الله (ونوره) ويبقى على قيد الحياة. هنا نتذكّر يسوع في التجلّي (مت 17: 2)، كما نتذكر تمجيد الأبرار في العالم الآتي (قض 5: 31: يكون محبّوك كالشمس المشرقة في بهائها). قال يسوع في نهاية مثل الزارع: "وأما الأبرار فيشرقون كالشمس في ملكوت أبيهم" (مت 13: 43).

3- تأثير الرؤية وتشجيع يوحنا (1: 17- 20)
تحدّثنا في آ 16-20 عما رآه يوحنا. وهنا نتوقّف عند ما سمعه: لا تخف. أنا الأول والآخر. فلما رأيته. إن المسيح الذي رآه يشبه "ابن إنسان" (إنسان من الناس)، ولكنه يتجاوز العقل وإمكانية الإختبار لدى الإنسان. بل هو يسحق الانسان بشكل لم يُسمع به، ويلقيه إلى الأرض. لا يستطيع الإنسان أن يحتمل "رؤية" الله. فالله هو "الآخر الآخر". إنه غريب كل الغربة عن الإنسان، ولو كان الإنسان مخلوقاً على صورته (تك 1: 26). فبين الله القدوس والإنسان الخاطىء إختلاف جذري، هوّة سحيقة. فأمام الله القدير والكلّي القداسة، يبدو الإنسان خليقة، وخليقة خاطئة. يبدو قريباً. من العدم.
وقعتُ عند قدميه. هذا ما نكتشفه في التيوفانيات والظهورات (حز 1: 28؛ دا 8: 18؛ 10: 8 ي). هذا ما يدل على حقارة الإنسان أمام الله. فالإتصال بالله يفعل فينا فعل الصاعقة. فلمسني بيده اليمنى. نحن أمام تناقض أراده الكاتب. المسيح يضمّ العالم كلّه، ولكنه ينحني على كل إنسان. فبيده التي تمسك الكواكب السبعة (أي: ملء السماء) يُنهض خادمه. لن نتساءل ببلاهة: أين يضع الكواكب في ذلك الوقت. نحن لسنا أمام صورة مرسومة، بل أمام مدلول لاهوتي يدلّ على تعطف الله وحنانه على يوحنا وعلى كل واحد منا.
ترى التوراة أن من رأى الله صار إلى الموت. فاللقاء بالله يدرك الإنسان بشكل فريد جداً بحيث لا يستطيع الإنسان أن يعود إلى تفاهات الأرض. مسّته خبرة الأبد، فكيف يعود إلى الزمن؟ أراد بولس أن ينحلّ ليكون مع المسيح. وشعر يوحنا أنه قريب من الموت، ولكن يد الله لامسته وشجّعته. وهكذا حملت رؤية المسيح تعليم تعزية يتوجّه إلى جماعات مسيحية تعرف المحنة. ليس تعليمه حملاً ثقيلاً بل كلام تشجيع من أجل الثبات.
قال. نحن هنا في ذروة الرؤية، نحن أمام أول كلمة يتفوّه بها المسيح، وهى كلمة تشجيع وعزاء: لا تخف. هي كلمة تتكرّر مراراً في الكتاب المقدّس كله (رج لو 1: 13، 20؛ 2: 10؛ مر 16: 6...).
لم يعُد من شكّ. فنحن أمام رؤية المسيح. وكلماته تتضمّن ملخصاً كرستولوجياً (يتحدّث عن يسوع المسيح) مع نقاطه البارزة: الصلب والقيامة. في هذا المقطع تشعّ صورة كما رآها القديس بولس وعرفتها الجماعات المسيحية في آسية الصغرى. المسيح القائم هو المنتصر على الموت. "إنه بكر الراقدين" (1 كور 15: 20). ونقرأ في كو 1: 15- 20: "بكر الخلائق كلها. به خُلق كل شيء في السماوات وفي الأرض... به وله خُلق كل شيء... شاء الله أن يصالح به كل شيء في الأرض كما في السماوات، فبدمه على الصليب حقّق السلام".
أنا الأول والآخر (2: 8؛ 22: 13). استعملت التوارة هذه العبارة لله (أش 44: 6؛ 48: 11). أما في رؤ فهي تعود دوماً إلى المسيح. وهي توازي عبارة "الألف والياء" التي تدلّ على وجود المسيح قبل الخلق وما وراء تاريخ العالم.
أنا الحيّ. الله هو الحيّ. وهنا أيضاً تُنقل صفة إلهية من الله إلى المسيح. هذه الكلمة توضح المعنى الذي فيه يكون المسيح الآخر: لقد تلفّظ بآخر كلمة لله. وفي هذا الزمن الأخير الذي دشّنه، يبقى الحيّ والحاضر والفاعل وسط البشر ومن أجل البشر. نحن هنا أمام تأكيد نجده عند يو 1: 4 (فيه كانت الحياة)؛ 5: 26 (الآب مصدر الحياة، الإبن مصدر الحياة)؛ 11: 25 (أنا القيامة والحياة)؛ 14: 6 (أنا هو الطريق والحق والحياة).
كنتُ ميتاً. يوضح النطق لماذا نستطيع أن نسمّي المسيح "الحيّ" على مثال الله. هنا تُذكر الكرازة الأولى: فيسوع المجيد هذا هو ذاته الذي عاش بيننا، عرف (في الماضي) الموت يوم الجمعة العظيمة. منذ الفصح، هو حيّ (الحاضر، حاضر الأبدية الذي لا ماضي فيه). "أنا حيّ" (آ 18). غير "أنا الحيّ" (آ 17). لسنا أمام حياة الله (الذي هو الحيّ)، بل أمام الحياة التي مُنحت لبشرية يسوع بعد قيامته (لو 24: 5، 23؛ أع 25: 19). ولسنا أمام عبارة "عدت إلى الحياة". فهي تدلّ على لحظة القيامة. أما هنا فالمعنى يشبه ما في روم 6: 9: "المسيح أُقيم من بين الأموات، فلا يموت أبداً". 
بيدي مفاتيح. الموت والجحيم هما موضع الموتى. لقد دخلهما يسوع وأخضعهما له. إحتلّهما كما يحتلّ قائد حصناً من الحصون. والمعنى واضح: لا شيء يوقف امتداد سلطة يسوع. فالموت نفسه تراجع من أمامه. وسبق وقلنا إنّ ابن الإنسان يمسك الكواكب في يده، أي يسيطر على السماء. هنا نتذكّر فل 2: 10: "لتنحني لاسم يسوع كل ركبة في السماء وفي الأرض وتحت الأرض". هذا يدلّ على ملء العالم المخلوق، عالم الأحياء، عالم الموتى. ونتذكّر أيضاً نزول يسوع إلى الجحيم، إلى عالم الموتى.
هذا هو أول إعلان للمسيح وهو يفتتح الرؤيا ويعدّ يوحنا ليسمع الأمر بالكتابة. هذا الإعلان يبرز طبيعة ومدلول سيادة المسيح على الكنائس. هو ديّان كلّي القدرة وكلّي الرؤية. ولكنه قبل كل شيء ذاك المنتصر على الموت، ذاك الذي يُحيي ويعطي الحياة. فمع قيامة المسيح بدأ فداء الكون كله. فكانت لنا الحياة جميعاً وتجلّى الكون بانتظار أن يصبح أرضاً جديدة وسماء جديدة.
فاكتب (آ 19). هنا نعود إلى الأمر الذي سمعه يوحنا فيما قبل (آ 11). كتب ما رأيت. ما يكون الآن. ما سيكون بعد ذلك. ما رأيت، أي الرؤية الإعدادية (آ 19- 20). ما يكون الآن، أي الرسائل إلى الكنائس (ف 2- 3). ما سيكون، أي 4: 1- 22: 5. أو بالأحرى: ما رأيت (جميع الرؤى). ما يكون الآن (2: 3). ما سيكون (4: 2).
إن 1: 1 و 22: 6 يقدّمان برنامج الكتاب: ما سيكون بعد ذلك (4: 1). إذن، هدف الكاتب الأساسي هو إعلان مجيء المسيح في العالم. بعد هذا، أحسّ بالحاجة إلى أن يتوجّه إلى كنائس محدّدة تعرف الصعوبات. وهكذا يكون 1: 19 لمسة جديدة على المخطّط الأول لتأمين موضع للرسائل (ما يكون الآن) تجاه الأمور المقبلة (ما سيكون). هناك تدوين أول تضمن 1: 1-19 و4: 22. ثم زاد الكاتب 1: 20-3: 22.
ومهما يكن من أمر، لا يجب أن نصلّب التعارض بين "ما يكون الآن" و "ما سيكون بعد ذلك": فالرسائل تتضمّن تلميحاً إلى المستقبل. وإعلان النهاية يعود إلى الحالة الحاضرة التي تعيشها كنائس آسية الصغرى.
الكواكب السبعة هي ملائكة الكنائس السبع (آ 20). فالمنائر في آ 12 قد تدلّ على روح الله الذي لا يفلت منه شيء (يرى كل شيء). والكواكب في آ 16 تعني سلطة المسيح على الكون، كما على الكنيسة كلها. والكواكب هنا تدلّ على ملائكة الكنائس والمنائر هي الكنائس. هناك سرّ الكواكب (أو: النجوم) أي المدلول الحقيقي الذي يبقى خفياً. وهناك المنائر. لا نجد سرّ الكواكب والمنائر. بل سرّ الكواكب فقط.
من هم ملائكة الكنائس؟ إذا جعلنا ف 2-3 جانباً، نرى أن رؤ يتكلّم 60 مرة عن الملائكة. هم خلائق سماوية وعلوية (تفوق الطبيعة البشرية). كانت محاولات تقول بأن ملائكة الكنائس هم بشر: مرسلون، موفدون، أساقفة. فالتعليم يتوجّه إلى كنائس موجودة على الأرض. إذن، يبقى علينا أن نبحث عن الرباط القائم بين هؤلاء الملائكة والكنائس.
عرف العالم اليهودي ملائكة شفعاء بالأمم (دا 10: 13، 20- 21؛ 11: 1؛ 12: 1)، وعرف الملائكة الحرّاس للأفراد (مت 18: 10؛ أع 12: 15). هؤلاء الملائكة هم ممثّلون سماويون لأشخاص (أو: وقائع) أرضيين. ولكن الشخص الأرضي وملاكه لا يمثّلان كائنين مختلفين، بل واقعاً واحداً هو الواقع الذي نجده على الأرض وننظر إليه من زاويتين مختلفتين.
فالصورتان (الكواكب، المنائر) تشيران إلى واقع واحد وحيد: الكنيسة المؤلفة من بشر أحياء. صورتان هما جزء من الرموز المضيئة. غير أن الكوكب (أو: النجم) هو سماوي. أمّا المنارة (أو: الشمعدان) فهي ترتبط بالأرض. ومع ذلك فنحن أمام الكنيسة عينها. فإن صوّرناها في شكلين، فلأنّ لها طابعين: من جهة، هي كنيسة تحاول رغم الصعوبات أن تحافظ على سراجها مضاءً رغم الرياح المضادّة التي تهبّ على العالم. ومن جهة ثانية، تبدو هذه الكنيسة لمن فتح الإيمان عينيه، كواقع اسكاتولوجي، كواقع من العالم الجديد والنهائي الذي هو علامة دنيوية للملكوت المقبل. إذن، مكانها هو قرب الله، في السماء، وسط الملائكة.
فإذا نظرنا بعين الجسد أو بعين الإيمان، فالكنيسة هي على الأرض أو في السماء (لا سيما حين تحتفل بالليتورجيا). هي مهدّدة وخالدة معاً. هي مضطهدة ومجيدة. إنها تشبه مسيح التجلّي (كما في الأناجيل): فهو شمس في مجد الآب وإنسان عادي أمام البشر. من فهمَ هاتين النظرتين الأرضية والسماوية، والدنيوية والإيمانية، إلى هذا الواقع الوحيد الذي هو البشرية أو الكنيسة، إمتلك المفتاح الرئيسي الذي يُدخله إلى رؤ، وتفلّت من فخّ التفسير المكاني (يقول: السماء هي فوق، والأرض هي تحت) ومن التمييز الحقيقي بين الكنيسة وملاكها، بين الإمبراطورية والوحش... نحن لسنا أمام مسافة مكانية أو تمييز عددي، بل أمام مستويين مختلفين لواقع واحد هو واقع الكنيسة.
هذا تفسير. وهناك تفسير آخر يرتبط بالتقليد. فالملاك في رؤ يعني: الملاك الحارس للكنائس. وهو تجسيد رمزي للموقف الداخلي في هذه الكنائس. وهو أخيراً المسؤول (رئيس، أسقف) في الكنائس. في العهد القديم (حج 1: 13؛ ملا 2: 7؛ 3: 1) سمّي الكهنة والأنبياء ملائكة (مرسلي) الله. ودلّت لفظة "ملاك" على رئيس المجمع عند اليهود. وهذا يعني آن "ملائكة الكنائس السبع" هم رؤساء الجماعات المسيحية (رج مر 1: 2؛ مت 11: 10؛ لو 27:7).

خاتمة: أي تعليم نستنتجه
- إن خبر هذه الرؤية يجعلنا نكتشف الصعوبات التي يواجهها الإنسان لكي يتكلّم تكلماً صحيحاً عن الله، حتى وإن لجأ إلى الصور والتشابيه. ندرك مجهود الإنسان وضعف لغته لكي ينقل إلى الآخرين ما منحته النعمة أن يراه في رؤية. الله وحده يعرف الله. الله وحده يتكلّم عن نفسه. وكل لغة بشرية تبقى تمتمة مرهقة "لأن علمنا ناقص" (1 كور 13: 9).
- ظهر المسيح في بهائه بأشكال مختلفة: كاهن أعظم وملك (اللباس والحزام، آ 13). الله أزلي وعالم بكل شيء (رأس وشعر أبيض... عينان، آ 14). منادٍ بالخلاص وصانع الخلاص (آ 15). ديّان العالم كله (يخرج سيف، آ 16). فمن أدركه نظرُ المسيح الناريّ لا يستطيع أن ينساه أبداً. فقدما المسيح قد حميتا لأنهما سارتا لخلاص البشر. وتركت هاتان القدمان آثار حبّ الآب المستعد دوماً للغفران. وبكلمة المسيح فاض الوحي كنهر مائج على عالم البشرية بما فيه من صحراء وعقم وخطيئة. ولم تكن كلمة لله للبشر جامدة كشيء نحرّكه كما نشاء؛ فهي تبقى حية وفاعلة وديناميكية. ونحن ما زلنا نتعمّق فيها ونكتشفها. وكلمة الله وحبه الخلاصي قد رأيناهما وسمعناهما ولمسناهما في يسوع الذي هو الرب الديّان وكاشف الأفكار.
- كيف واجه الإنسان رؤية المسيح؟ هو لا يستطيع أن يتحمّل البهاء الإلهي. هو يختبر حضور الله في الخوف والرعدة. فواقع الله وتعليمه يتجاوزان الإنسان ويقيّدانه فلا يعود يستطيع أن يفكّر أو يتكلم. من جهة، هناك الله الأزلي والعالم بكل شيء، القدير والقدوس. ومن جهة ثانية، هناك الإنسان المخلوق والجاهل، والضعيف والخاطىء.
- لا يريد الله أن يحطّم الإنسان، وإن كان "يصدمه" بحضوره ويجعله يخسر "توازنه". ليس الله تمثالاً في الدار لا يتحرّك. إنه الحيّ والقريب من البشر. ومن سقط على قدميه عرفه في بشريته، عرفه ذاك الذي يضع عليه يده اليمنى ويقول له: "لا تخف". الله قاسٍ لا يدرك للإنسان المتكبّر (برج بابل) ولكنه يفتح قلبه للمتواضعين. في يوم الدينونة، الله هو القاضي الرهيب. وفي زمن المحنة والإضطهاد، هو الراعي الصالح في جماعته، هو الإنسان الذي يسحرنا بحنانه. حين يقنط الإنسان وتخور قواه، يحسّ بيد الله تعزّيه وتسانده. فحبّ الله ليس فكرة مجرّدة ولا مفهوماً فلسفياً. حبّ الله تجسّد في المسيح وحلّ في قلب البشر لكي يستطيع البشر أن يقتربوا من عمق قلب الله وحياته الحميمة.

 

 

الفصل الحادي عشر
الرسائل السبع
2: 1-3: 22

أقحم الكاتب الرسائل السبع (ف 2- 3) بين خبرين يوردان رؤيتين (1: 9- 20 و 4: 1ي). طابعها طابع تعليمي، وهدفها قريب من هدف الكتابات النبوية: مواجهة الحالة الحاضرة. أما الأسلوب فهو أسلوب الرسائل في هذا الشرق القديم (إر 29: 4- 28). بعد أن تذكر الرسالة الجهة واسم المرسل، تشير إلى إيمان الكنيسة وتدعوها إلى التوبة مهدّدة إياها بالعقاب. وفي النهاية تأتي المواعيد.
ماذا يقول المشيح للكنائس؟ كيف يبدو تصّرفه تجاهها؟ هذا ما ندرسه فيما بعد. أما الآن فنلقي نظرة إجمالية على النصوص عينها فنكتشف وضع هذه الكنائس التي توجّهت إليها الرسائل.

1- الأسلوب واللغة
إذا توقّفنا عند الأسلوب واللغة، رأينا أن الذي كتبها هو الذي كتب سائر رؤ. كما نفهم أنها ألِّفت لتكوّن مجموعة تامة. ليست رسائل منعزلة جُمعت فيما بعد، بل كانت واحدة منذ البداية. توجّهت كل رسالة إلى كنيسة خاصة، إلى أفسس، سميرنة... ولكنها تعني في الواقع مجمل الكنائس. وهذا ما تدلّ عليه نهاية كل رسالة: "إسمعوا ما يقول الروح للكنائس" (2: 7، 11، 17، 29؛ 3: 6، 13، 22). وفي 2: 23، يدعو يوحنا جميع الكنائس لكي تستنتج درساً من العقاب الذي أصاب إيزابيل النبية الكذّابة في تياتيرة: "فتعرف الكنائس كلّها أني أفحص الأكباد والقلوب".
دوّنت هذه الرسائل كامتداد للرؤية في ف 1. فالعبارة التي تبدأ كل رسالة تستعيد صفة من صفات المسيح ذُكرت في ف 1. واختار الكاتب لقباً من ألقاب المسيح يرتبط مع مضمون الرسالة. ق 2: 1 (يمسك المنائر) و 2: 5 ب (أخذت منارتك)؛ ق 2: 8 ب (الذي مات وعاد إلى الحياة) و 2: 10 ب (كن أميناً حتى الموت وأنا أعطيك إكليل الحياة)؛ ق 2: 12 ب (السيف المسنون الحدّين) و 2: 16 ب (أقاتلهم بالسيف الذي في فمي). وهكذا نرفض قول القائلين بأن المقدّمات زيدت فيما بعد لتتوافق مجموعة الرسائل مع السياق الذي وُضعت فيه.
ألّفت هذه الرسائل بعد سائر رؤ. فالعبارات النهائية تتضمّن صوراً لا تتّضح إلاّ على ضوء التوسيعات اللاحقة في رؤ. مثلاً، شجرة الحياة في 2: 7. نفهمها على ضوء22: 2، 14 (شجرة حياة تؤتي غلة كل شهر. عطاؤها لا ينقطع). مثلاً، الموت الثاني في 2: 11 نفهمه على ضوء21: 8 (البحيرة المتقدة بالنار والكبريت). مثلاً، الاسم الجديد في 2: 17 نفهمه على ضوء 19: 12 (له اسم مكتوب). مثلاً، أورشليم السماوية في 3: 12 و 21: 2 ...
إذن، كان أمام الكاتب ف 4- 22 حين دوّن الرسائل. هكذا كان أمامه التصميم الذي أشرنا إليه حين تحدّثنا عن 1: 19: ما سيكون فيما بعد (1: 1؛ 22: 6). زاد في 1: 19 "ما يكون الآن" على "ما سيكون بعد ذلك". ثم عاد إلى تصميمه الأول في 4: 1.
إن هذه الرسائل تصيب وضعاً حقيقياً حاضراً في آسية الصغرى. وذلك بالنسبة إلى "ما يكون الآن" (1: 19). ونحن نجد في كل منها عنصراً ثابتاً: أعرف أعمالك. أعرفك أفضل مما تعرف نفسك. هذه الرسائل هي خطبة نبوية تتوجّه إلى كنائس معاصرة. وقد كتبها يوحنا وهو متيقّن أنه يتكلّم باسم المسيح.

2- وضع الكنائس
أ- الوضع العام
ما هو الوضع الذي تشير إليه هذه الرسائل؟ قد نظنّ أن يوحنا يطبّق على جماعات خاصة التعليم العام الذي نجده في ف 4- 22. فالتعليم يؤكّد حضور القائم من الموت ومجيئه القريب، ويحتفل بشكل مسبق بانتصار المسيح على القوى الشيطانية الظاهرة في واقع العالم الروماني ودياناته. وهو يحرّض المسيحيين ليسلكوا سلوك الغالبين دون أن يساوموا مع عدوّ آخرته الفناء. لا شكّ في أن الرسائل تتحدّث عن اضطهادات نادرة ومحليّة. ونجد فيها أيضاً تلميحات إلى مسائل تطرحها الديانات الوثنية وعبادة الامبراطور. ولكن مرمى الرسائل ليس هنا.
إذا أعدنا قراءة الرسائل السبع متسائلين عن الوضع الذي كان السبب في كتابتها، يبدو الجواب واضحاً. فالكاتب يتوجّه إلى كنائس يهدّدها خطر خاص. فالتوبيخات أو التهاني التي تنالها ترتبط بموقفها من هذا الخطر الذي هو الهرطقة. فالتهديد لا يأتي فقط من الخارج، بل من داخل الكنيسة. وتهديد الشيطان يختفي وراء سمات مسيحية في ظاهرها. فالصراع الذي يصوّره ف 4- 22 ليس فقط بين الكنيسة والعالم الوثني. فالمجابهة بين الله والشيطان تتمّ داخل الجماعات نفسها. فالعدوّ ليس فقط لدى "الآخرين". هو فينا نحن. ودينونة المسيح تصيبنا نحن قبل أي شخص آخر.
وهكذا تتوزّع الكنائس في أربع فئات. تلك التي لا تتعامل مع الهرطقة. إنها ضحيتها: سميرنة (2: 9)، فيلادلفية (3: 9). تلك التي كشفت الهرطقة ودحرتها: أفسس (2: 2). تلك التي تقبل بالهرطقة ولا تقاومها: برغامس (2: 14- 15)، تياتيرة (2: 20، 24). تلك التي غرِقت في الهرطقة فصعب عليها التخلّص منها: سارديس (3: 1- 2)، لاودكية (3: 16- 17).


ب- كنائس في الهرطقة
يبدو أنها هرطقة واحدة لا هرطقات عديدة.
تشير النصوص إلى مجموعتين: النقولاويون في أفسس أو برغامس (2: 6، 15). هم قريبون من أصحاب بلعام في برغامس (2: 14) وأصحاب إيزابيل في تياتيرة (2: 20- 22). والمجموعة الثانية تبدو مرتبطة بالعالم اليهودي. إسمهم مجمع الشيطان في سميرنة (2: 9) وفي فيلادلفية (3: 9). والهرطقتان هما من عمل شخص واحد هو الشيطان (2: 9، 13، 24؛ 3: 9).
هذه الإشارات القليلة تجد ما يكمّلها في معلومات تتضمّنها رسائل اغناطيوس الانطاكي، أو ردود قدّمها كتاب في القرن الثاني. فإذا عدنا إلى الملفّ كله وجدنا أننا أمام هرطقة واحدة.
نحن أمام تيار في مسيحية ذلك العصر تتواجد فيه إيرادات من التقاليد اليهودية (ظلَّ للديانة اليهودية وهجُها تجاه المسيحية الفتية) وتأكيدات غنوصية. وهكذا نكون أمام ثنائية غنوصية تفصل فصلاً جذرياً بين الروح والمادة، وتيار متهوّد. هنا نتذكّر في عصرنا بدعة ترتبط بالمسيح عبر كتاب منحول (هو ليس بموجود. وأصحاب الشيعة يكذبون حين يتحدّثون عن وجوده) دوّنه يوحنا في الأرامية. هو إنجيل سلام يسوع المسيح الذيمما يخفيه الفاتيكان إخفاء تاماً عن المسيحيين المساكين!!
ج- غنوصية النقولاويين
هي تعتبر أن لا نفع من الشهادة المسيحية. نحن أمام مسيحيّين سحرتهم الغنوصية، فظنوا، إنطلاقاً من الثنائية التي فيها، أن سلوك الإنسان في هذا الكون المادي ليس بذي بال. ما يهمّ هو الروح والمعرفة. فالعالم المادي هو شرير، وحياتنا على الأرض ليست مهمة للخلاص. في هذه الظروف، كل ما نعمله في هذا العالم الرديء وفي الجسد ليس له تأثير حقيقي. إذن، نستطيع أن نتعامل مع عبادة الأصنام ونأكل من اللحوم المذبوحة للأوثان. كما نستسلم للزنى والفجور (في ظل المعابد الوثنية) أي لعبادة الأوثان كما يقول هوشع، إرميا... (2: 14، 20). لماذا نخاطر بنفوسنا فنتعرّض للسجن والعذابات والموت ساعة لا شيء على الأرض يلزمنا بذلك؟ فالحياة الدينية هي قضية ضميرية خاصة. ولا علاقة لها بالحياة العاطفية والوظيفية والسياسية. فالديانة والحياة هما شيئان متميزان، ولا أثر للديانة في الحياة.
وإذا سرنا في امتداد هذه الهرطقة نصل إلى الإستنتاجات التالية: إذا كان الجسد (اللحم والدم) ليس الموضع الذي فيه يتحقق الخلاص، إذن فالمسيح لم يتجسّد حقاً. ولم يأتِ إلى العالم إلاّ في الظاهر. وموته كان تشبيهاً كاذباً (شبّه به). نكتشف هنا الظاهرية وهي هرطقة حاربها 1 يو 4: 1- 6 (يعترف بيسوع المسيح أنه جاء بالجسد)؛ 2 يو 11 (لا يعترفون بمجيء يسوع بالجسد).
قام يوحنا بقساوة ضد هذه الميول القريبة من الهرطقة. فالعالم ليس مسرحاً تمثّل فيه مهزلة. فعلى الأرض مات المسيح، وعلى الذين يريدون أن يتبعوه أن يلتزموا في أمانة قد تكلّفهم حياتهم. ليس الخلاص فقط في الآخرة. ونحن لا نستطيع أن نعيش كما نشاء على الأرض. هناك سلوك لا يتوافق مع الإيمان.
وتدعونا الرسائل إلى مجابهة المحنة بثبات (2: 3، 10، 13؛ 3: 10)، إلى السير حتى النهاية (2: 26: من غلب وثابر على خدمتي حتى النهاية)، إلى التجرؤ على الاعتراف بالمسيح (3: 5). هناك مخاطرة في الشهادة للمسيح، فهل نحن مستعدّون؟
لا، ليس رؤ كتاب الأحلام والمخيلة والتهرّب من هذا العالم. نحن مدعوون منذ الآن لنختار أن نكون وراء الحمل أو وراء الوحش في هذه المعركة العظمى التي تصوّرها لنا ف 4- 22 في خطوطها الكبرى.
بعد رؤية ابن الإنسان في بهائه المجيد، أدخلتنا هذه الرسائل السبع في العلاقات الحميمهّ التي تربط الكنائس (أو الكنيسة) برئها. هناك خطر الهرطقة الذي يميل بالمسيحيين لكي يعيشوا كالوثنيين. ولكن يسوع يسهر على كنائسه، على كنيسته. إنه الشاهد الأمين والحقيقي. لقد نال من الآب نصراً خلاصياً من أجل البشر. وها هو يحدّث كل كنيسة فيقول لها الكلمة التي تحتاج إليها بشكل نبوءة فيها الدينونة وفيها الوعد بالخلاص.

3- بنية الرسائل
إن هذه الرسائل بُنيت حسب النموذج الواحد.
أ- المضمون العام
تتضمّن كلاماً يوجّهه المسيح المجيد إلى كنيسة محلّية. نجد هنا عنواناً واحداً: إلى ملاك كنيسة... كتب. ثمّ، تقديم المسيح بعبارة ثابتة: "هذا ما يقول" (نجد العبارة نفسها في أقوال الأنبياء: هذا ما يقول الرب. هذا يعني أن يسوع هو الرب).
وتأتي الصفات مختلفة مع كل رسالة، وقد أخذت من رؤية إبن الإنسان في 1: 9- 20 أو من المطلع في 1: 4- 8 (الذي له الأرواح السبعة، الشاهد الأمين الحقيقي). يستعيد النص تقريباً الرؤية كلها عبارة عبارة. والصفة المختارة ترتبط بمضمون الرسالة بشكل واضح: المنارة (رسالة 1)، الموت والحياة (رسالة 2)، السبق (رسالة 3)، الذي يفتح (رسالة 6). وقد ترتبط بشكل خفي. في 2: 18 (رسالة 4)، العينان اللتان. مثل شعلة ملتهبة تقابلان ذاك الذي يفحص الأكباد والقلوب (2: 23). والقدمان الشبيهتان بالنحاس تشيران إلى سلطة المسيح الذي يدوسها برجليه (2: 26). وهكذا نكتشف ما هو المسيح القائم من الموت وما الذي يعمله من أجل كنيسته. إنه يمسك بيده هذه الكنائس (علامة الاهتمام) ويسير بينها (علامة دوره الفاعل).
ب- فحص ضمير
ويتفحّص يسوع أعمال هذه الكنائس. نحن أمام فحص ضمير فيه السلبي والإيجابي. ونقرأ فعل "أعرف"، فيدلّ على علم تام، ناجز، إجمالي. أما الأفعال فهي في الحاضر. ويرد تحريض على التوبة أو الثبات، على الارتداد أو الأمانة. كانت الأفعال في الحاضر، فصارت في الأمر: "تب". يرد في الرسائل 1، 3، 5، 7، ويغيب في رسالتين (2، 6). ويتكرّر ثلاث مرّات في الرسالة 4 التي هي قلب الرسائل السبع. "كن أميناً" في رسالة 2. "أثبت" في رسالة 4، 6. وفي النهاية، نظرة إلى المستقبل (مع أفعال في صيغة المضارع). هناك تهديد بالعقاب (رسالة 1، 3، 4، 5، 7). وهناك وغد بمكافأة المنتصر (في كل الرسائل). النصر أكيد ونهائي. أما العقاب فمشروط (إن كنت) إلاّ إذا كنا أمام هراطقة (رسالة 3) أو أشخاص يرفضون التوبة (رسالة 4).
هذه النظرة إلى المستقبل ترتبط بمجيء المسيح (ما عدا رسالة 2) بما فيه من تهديد أو تعزية. هو مجيء مقلق في رسالة 1، 3، 5: "إن كنت لا تسهر جئتك كاللصّ". وهو يحمل العذوبة في رسالة 4، 6: "سأجيء في القريب العاجل". وانتظرنا في رسالة 7 أن يكون المجيء مريعاً (أتقيأك) للخاطىء، فإذا هو وديع متواضع: "ها أنا واقف على الباب أدقّ". 
تستعمل الرسائل لفظة "الغالب" (المنتصر). ونجد توسيعاً لها في رسالة 4: الغالب هو الذي يحفظ أعمالي إلى المنتهى (2: 26). لسنا أمام محارب منعزل. بل ذاك الذي يسلك كما سلك المسيح. إذا كان هناك من غالب، فالمسيح قد سبق له ونال الغلبة. نقرأ في 3: 21: "كما غلبت أنا فجلست على عرش أبي" (رج 2: 28). هنا نذكر 5: 5: "هوذا قد غلب الأسد الذي من سبط يهوذا". ويو 16: 33.: "تعرفون الضيق في العالم. لكن تقوّوا أنا غلبت العالم".
ج- العطايا
وتأتي العطايا التي يقاسمها الغالب مع المسيح. إنها أمور سماوية ونهائية، وهي تنتمي إلى العالم الجديد كما يصوّره القسم الثاني ولا سيّما ف 20- 22. هكذا تظهر وحدة رؤ متماسكة. ونكتشف أن الصور المثالية عن أورشليم السماوية، تقابل حياة الكنائس اليومية واحتفالاتها الليتورجية.
- في رسالة 1: يأكل من شجرة الحياة في فردوس الله. طُرد الإنسان من الفردوس، فأبعد عن شجرة الحياة. وانتظر اليهود أن يعيدهم المسيح إلى جنة عدن. هذا ما سيفعله يسوع بالنسبة إلى الغالب. رج 22: 2.
في رسالة 2: لا يؤذيه الموت الثاني. أي الموت الأخير والنهائي. وهو يعارض موت الجسد. رج 20: 6، 14؛ 21: 8.
- في رسالة 3: أعطيه من المن الخفي وحصاة بيضاء منقوشاً فيها اسم جديد. يشير المن إلى الافخارستيا التي هي طعام إسكاتولوجي وبداية حياة السماء. والاسم الجديد نلناه في المعمودية بانتظار كتاب الحياة بعد أن ننال إكليل الشهادة. والحصاة تدل على العهد مع المسيح فيتعرّف إلينا باسمه المكتوب على جباهنا. والحصاة البيضاء تدلّ على الغلبة والمجد. رج 14: 1؛ 16:13؛ 12:19.
- في رسالة 4: أعطيه سلطاناً على الأمم (رسالة 7). أعطيه كوكب الصبح. رج 22: 16. هو سيكون مع المسيح، فيدين الأمم (الوثنية) كما يدين أسباط إسرائيل الاثني عشر. ونجمة الصبح هي المسيح.
- في رسالة 5: يلبس ثوباً أبيض (رج 6: 11؛ 7: 9، 14؛ 22: 14). أشهد له عند أبي وملائكته في الدينونة (مت 10: 32؛ لو 12: 8). الثياب البيضاء هي علامة الانتصار المرتبطة بالمعمودية، علامة المشاركة في حياة المسيح القائم من الموت.
- في رسالة 6: عمود في هيكل إلهي. أنقش فيه اسم إلهي (7: 3؛ 22: 4). إسم مدينة إلهي أورشليم الجديدة التي تنزل من السماء من عند إلهي (21: 2). وأنقش أسمي الجديد (رسالة 3). لقد نالت فيلادلفية من المواعيد ما لم تنله سواها من الكنائس.
- في رسالة 7: يجلسن معي على عرشي (5: 10؛ 20: 4، 6؛ مت 19: 28؛ لو 22: 30؛ 1 كور 6: 2).
د- النهاية
وتنتهي كل رسالة لإرسال إحتفالي: من له أذنان، فليسمع ما يقول الروح للكنائس. هنا نقدم ملاحظتين. الأولى: إذا أردنا أن نفهم النصّ نعمل الفكر أو بالأحرى ننتظر إستنارة الروح. في بداية الرسالة كلّمنا المسيح. وفي النهاية، كانت كلمة الروح إمتداداً لكلمته. يتكلّم يسوع فيُدعى كل واحد ليأخذ لنفسه هذه الكلمة، ليتخذ قراراً بالنسبة إلى هذه الكلمة. الملاحظة الثانية: تتوجّه الرسالة إلى كنيسة، ولكن على الكنائس أن تسمعها. ما يقال لكنيسة ما، يهمّ سائر الكنائس، يهمّ الكنيسة قاطبة. 

خاتمة
إمتلأ يوحنا من الاحتفال بالافخارستيا يوم الأحد، فأحسّ في أعماقه بالحاجة إلى أن يكتب إلى جماعات يعرفها كل المعرفة ويقاسمها آلامها ومخاوفها. هو يحدّثها شخصياً في خطبته. ولكنه في الواقع يريد أن يوصل إليها كلام يسوع المسيح. إنه النبي. والنبي هو الذي يرى الأمور بعين الله، يتكلّم باسم الله، يهيّىء الطريق من أجل تدخّل الله. هكذا أراد أن يفعل صاحب رؤ قبل أن يترك الإيمان بيسوع يضعف في قلوب المسيحيين الذين يعرفون الاضطهاد والموت.
يسوع المسيح الذي يتحدّث عنه يوحنا هو إبن الانسان الذي عرفته الأناجيل، الذي تألّم ومات وتمجّد. هو الكاهن والملك. إنه يشارك الله في أزليته وديمومته، كما يلج كل شيء بنظره، وهو يحمل كلماته القوية القاطعة. من وسط كنائس موزّعة في آسية الصغرى، وبالتالي في الامبراطورية الرومانية، جاء صوته يحمل العزاء والفرح مذكراً المؤمنين بأنه غلب الموت وبأننا سنغلبه بعونه إذا شئنا. هذه الكنائس هي حاضرة منذ الآن في السماء بواسطة شخصه.
كما يشعّ النور من السراج، ينبع التعليم من الكنيسة. والكنائس هيئ سرج ولا نور خارجاً عنها. الكنائس تحمل نور الكلمة. إنها النور الذي هو امتداد لنور المسيح. هناك كنائس عديدة موزّعة جغرافياً في الكون كلّه، وكل منها تحمل حصتها في النور. ولكنها كلّها واحدة لأنها كلّها في يد القائم من الموت. إن تألمت واحدة، تألّمت معها سائر الكنائس. وإن تمجّدت واحدة فرحت سائر الكنائس. فبتضامنها تشعّ وجه المسيح الواحد الذي وعدها بأن يكون معها حتى نهاية العالم.
وبانتظار ذلك، سيوجّه يوحنا رسائل إلى سبع كنائس محدّدة. لنستمع إلى ما يقوله الروح لهذه الكنائس، لكنائسنا المشتتة في العابر العريض وفي العالم أجمع.

 

 

الفصل الثاني عشر
من أفسس إلى تياتيرة
2: 1-29

هناك كنائس حية رغم هجمات الهرطقة ومحاولات الوثنية، ولكنها كنائس تحمل خميرة الموت المتنامية: كنيسة أفسس، كنيسة برغامس. وهناك كنائس تسير في طريق الموت رغم صيتها الظاهر ورضاها على نفسها. ففيها خميرة حياة تسير إلى الزوال: كنيسة سارديس، كنيسة لاودكية. وهناك كنائس سارت في الطريق الصحيح فصارت شبيهة بالمسيح في موته لتصل إلى قيامته من بين الأموات (فل 3: 10- 11): كنيسة سميرنة. كنيسة فيلادلفية. وني النهاية، كنيسة تياتيرة التي يُشرف عليها الديّان السامي.

1- رسالة إلى كنيسة أفسس (2: 1-7)
سمّيت أفسس في الدرجة الأولى. فهي أهمّ الجماعات المسيحية السبع. إشتهرت هذه المدينة بالفيلسوف هيراكليتس (540- 480 ق. م.) وبهيكل أرطاميس "إحدى عجائب الكون السبع". مارس بولس رسالته في هذه المدينة (أع 18: 19- 21؛ 19: 1- 20: 1). ويقول التقليد إن يوحنا عاش في أفسس. كما تقول 1 تم 1: 3 إن تيموتاوس أقام في أفسس وكأنه "أسقف" المدينة.
كان مرفأ أفسس ملتقى حضارة وثقافة، ونقطة لقاء بين العبادات والتيارات الفكرية الآتية من الغرب والشرق، ومسرحاً فيه تتصادم الإيديولوجيات المتعارضة. وجد بولس نفسه هنا تجاه معتقدات تسود في أفسس: المتشيّعون ليوحنا (أع 19: 3- 4؛ رج 13: 24- 25؛ 18: 24 ي؛ 1 كور 1: 12). وديمتريوس صانع التماثيل الصغيرة (أع 19: 23 ي) وعبّاد أرطاميس العظمى (أع 19: 28 ي).
وإذا تذكّرنا الصراع المعارض ليوحنا (نجد آثاره في يو)، قد نبحث عن مغتصبي لقب "رسول" عند المتشيّعين ليوحنا المعمدان الذين اعتبروا معلّمهم المسيح والمخلّص. والنقولاويون المذكورون في 2: 6 هم بعض هؤلاء الأنبياء الكذبة (2: 14- 15 وكنيسة برغامس). عرف بولس بوضوح صعوبات الجماعة المسيحية في أفسس. وهذا ما يظهر من خطبته إلى الشيوخ: "أعلم أنه بعد ذهابي، سيدخل بينكم ذئاب خاطفة لا تشفق على القطيع. ومنكم أنفسكم سيقوم رجال يحاولون بأقوالهم الفاسدة أن يجتذبوا التلاميذ وراءهم. فاسهروا إذن" (أع 20: 29- 31؛ رج 1 كور 14: 37-38؛ 2 كور 11: 13-15). وتشير 1 يو 4: 1-6 إلى تكاثر الأنبياء الكذبة. أخيراً، كانت أفسس مركزاً للغنوصيين (1 تم 1: 4-7؛ 4: 1- 3)، وفيها تصدّى يوحنا للهرطوقي قرنتيس كما يقول إيريناوس. 
الذي يمسك بيمينه... إن المسيح. الذي يتوجّه إلى كنيسة أفسس يعلن أنه يمارس سلطانه على مجمل الكنائس. هي كلها في يده. يمسك الكواكب (1: 16)، يمشي بين المنائر (1: 13).
اعرف أعمالك. هي أهل للمديح وأهل للذمّ. ترد العبارة في خمس رسائل (1، 4، 5، 6، 7). وجهدك (تعبك) وصبرك. الجهد يمثل الحياة المسيحية (14: 13) التي هـي التزام يجنّد القوى الحيّة في الإنسان. والصبر (1: 9) ليس فقط قبول المحنة، بل موقف من يتحمّل الإضطهادات والتجارب بشجاعة الإيمان. نلاحظ أنّ الكلمات الأولى التي تصوّر الحياة المسيحية في أولى الكنائس السبع، تتحدّث عن الإلتزام والشجاعة في الطاعة المسيحية. كما تتحدّث عن الصعوبات التي تلاقيها الكنيسة في ممارستها لهذه الأمانة. هي كنيسة "معترفة". نلاحظ: أنت لا تطيق (لا تحتمل) الأشرار. ثم في آ 3، جاهدت (إحتملت) من أجل إسمي. الأشرار هم الرسل الكذبة والمرسلون المتجوّلون الذين لا نستطيع أن نعرف نواياهم (1 تس 5: 19- 22؛ 1 يو 4: 1-3). قد يكونون النقولاويين أنفسهم المذكورين في آ 6. يسمّون نفوسهم رسلاً مرتكزين على العالم اليهودي (2: 9؛ 3: 9). شدّد النصّ على الشجاعة والجهاد، فدلّ على أن المحنة كانت في أن هؤلاء الناس رفضوا أن يخاطروا براحتهم (أو بحياتهم) ليعترفوا لإيمانهم.
عرف أغناطيوس الأنطاكي أن واعظين هراطقة زاروا كنيسة أفسس فرفضت أن تسمع تعليمهم. إنهم يزعمون أنهم رسل، كما سمّت إيزابيل نفسها نبيّة (2: 20)، وفي سميرنة زعم بعضهم أنهم يهود (2: 9). نحن أمام موقف واحد: أناس يرتبطون بالعالم المسيحي المتهوّد ويقدّمون نفوسهم كمرسلين مفوّضين!
إمتحنتَهم. كيف امتحنهم، وكيف عرف نواياهم؟ هذا ما لا يقوله النصّ. ولكن السياق يقدّم لنا بعض المعلومات في هذا المجال: بعد أن هُنئت الجماعة لشجاعتها في التزامها المسيحي (آ 2) يذكر الرسل الكذبة. ثم تذكر الشجاعة في احتمال الآلام من أجل الإيمان. إذن نظن أن المحنة التي تكشف الرسول الحقيقي ليست بعيدة عن هذا الوضع. لاحظ "الملاك" أن هؤلاء يرفضون المخاطرة بأي شيء ليعترفوا بإيمانهم. وهكذا عرف معدنهم. عرفهم أنهم كاذبون.
تركت محبتك الأبد (آ 4). أهذا هو الجواب على الذي أحبّنا (1: 5)؟ قال إر 2: 1: "هذا ما قال الرب: أذكر مودتك في صباك، وحبّك يوم خطبتك. سرتِ ورائي في البرّية". في يو وفي 1 يو، الحب هو جوهر الوحي المسيحي. ووحده حبّ الله للبشر يدلّ على دافع الخلاص الفصحي. هذا الحب الذي كشفه المسيح يحرّك الحب فينا. ما هي نوعيّة حبّنا التي تدفعنا إلى تحدّي الموت (12: 11)؟ تركتَ حبّك الأول، إيمانك الأول. لم يعد تكرّسك تاماً، بل صار إيمانك مقسوماً وأمانتك مزعزعة. بدأت تساوم بعد معاشرتك لهؤلاء "الكاذبين". أجل، إن تأثير المحيط وانقسامات المسيحيين الداخلية أضعفت حماساً عرفته الكنيسة يوم عادت إلى الرب. لقد حلّت ديانة روتينية محلّ زهرات الإيمان الأولى. فالمسيح لا يكتفي بهذا الموقف "الحيادي". والفتور في وقت الإضطهاد هو خطيئة كبيرة.
أذكر (آ 5). بعد اضطهاد داقيوس في القرن الثالث، عاد قبريانس، أسقف قرطاجة إلى هذه الآية يتحدث عن توبة الذين أنكروا إيمانهم. أنكون هنا أمام وضع مماثل؟ الأمر ممكن. أذكر خطيئتك وتب، وعد إلى ما كنت عليه من محبة. فإني آتيك. المسيح هو الآتي (المجيء) في يو ورؤ. نجد هنا وعد القائم من الموت بأن يكون مع أخصائه. كما نجد وعداً اسكاتولوجياً. سنرى إنطلاقاً من ف 22 أن الافخارستيا هي مناسبة مميّزة لإعلان هذا المجيء. وذاك الذي يأتي هو الديّان (هنا) والمخلّص. فمجيء المسيح يعني للكنيسة "غير الأمينة" إعادة نظر في وضعها كشعب الله: فالمنارة (رمز الكنيسة، 1: 20) قد تُزاح من محلّها الذي هو بقرب المسيح. في هذا المجال، لا نستطيع أن ننام على "أمجادنا". غير أنّ نعمة التوبة والإرتداد مقدّمة لنا. كما تقدّم لنا موهبة الحياة الجديدة مشاركة مع المسيح. فهو قبل كل شيء ذاك الذي يأتي إلى البشر.
تمقت أعمال النقولاويين (آ 6). جاء هذا الموقف يخفّف من قساوة العبارة: إن جماعة المسيحيين تستبعد النقولاويين. يبدو أن النقولاويين يرتبطون بالشمّاس نقولا (رج أع 6: 5) الذي كان ناسكاً متزهداً، فلم يحتفظ تلاميذه من مثله إلا بثنائية غنوصية سيدينها المسيح.
من له أذنان (آ 7). إن هذا التحريض الإحتفالي الذي ينهى الرسائل السبع يعني شيئين. الأول: إن فهم الكلام النبوي يفترض إستنارة الإلهام. فالآذان البشرية لا تعرف بطبيعتها أن تستمع إلى صوت الله. الثاني: ما قيل لكنيسة أفسس يُقال أيضاً لسائر الجماعات. والمشاكل التي تعرفها كنيسة واحدة تعرفها أيضاً سائر الكنائس.
من يقاوم بشجاعة وصبر كل هجمات الضلالة، مجدّداً حماسه الأول وسخاءه من أجل المسيح، ينال جزاء الغالبين. وكلمة "غلب" (إنتصر) كلمة محبوبة في رؤ. تستعمل 17 مرة. لسنا أمام غلبة بالقوة والسيف، بل غلبة الكرازة والإستشهاد، غلبة الإحتمال والإيمان. فعلى الجماعة المسيحية المضطهدة أن تتقبّل الغلبة بفشل الموت.
شجرة الحياة أو شجرة الفردوس كما في تك 2: 9. إن فكرة العودة إلى الفردوس الذي سيفتح بابه واسعاً أمام المختارين (بفضل المسيح) تواترت في العالم اليهودي المتأخر. وقيل أن شجرة الحياة تقدّم ثمارها التي مُنعت عنا منذ السقطة. طُرد آدم، وقد "تُعاقب" كنيسة أفسس. وإن عادت، إستعادت شجرة الحياة.
معنى الصورة هو اسكاتولوجي (22: 2، 14، 19). حيث المسيح فهناك الحياة في الزمن الحاضر وفي الأبدية. فمن اتحّد بالمسيح وعاش من الإيمان به، لا يموت أبداً (يو 11: 26؛ رج 5: 25). بسّر المعمودية قد قهر المسيحي الموت (روم 6: 1 ي)، لأن فيه قد بدأت الحياة الأبدية. لا شكّ في أنه يعيش على الأرض، ولكنه منذ الآن في فردوس الله: لقد تحقّق فيه شكل آخر من الوجود بالفداء والإيمان. كل هذا يشكّل تعزية عميقة للجماعات المسيحية التي يترصّدها الموت.

2- رسالة إلى كنيسة سميرنة (إزمير) (2: 8- 11)
سميرنة هي مرفأ يقع شمالي أفسس، وكانت تتوق أن تسيطر على سائر مدن آسية الصغرى. وإذ أراد السكان أن يربحوا ودّ الإمبراطور الروماني، بنوا سنة 26 ب. م. هيكلاً عظيماً إكراماً لإمبراطور طيباريوس، لزوجته ليفي، ولمجلس الشيوخ الروماني. وأقامت في سميرنة أيضاً جماعة يهودية ستلعب دوراً هاماً في الحياة العامة.
وُجد على رأس كنيسة سميرنة (إسمها اليوم إزمير) بوليكربوس (+ 156) تلميذ يوحنا الحبيب. أتُرى الرسالة وُجّهت إليه؟ دوّن أوسابيوس في التاريخ الكنسي خبر استشهاده الذي يعتبر من أقدم "أعمال الشهداء". 
الموضوع الأساسي في هذه الرسالة: الموت والحياة. فالمسيح هو الذي يحيا بعد أن عرف الموت. وحدها الأمانة حتى الموت تحصل لنا على إكليل الحياة. وأخيراً، لا يخاف الغالب من الموت الثاني الذي يتبع الدينونة الأخيرة.
الأول والآخر (آ 8؛ رج 1: 17). الذي كان ميتا. بعد أن تحدّث عن أزلية المسيح وتعاليه، ها هو يقول إن هذا المسيح هو الذي صُلب وقام. فالرب هو حقاً ذاك الذي تألّم على الصليب ومات. غير أن القبر لم يحتفظ به. هل توجّه هذا الكلام إلى مسيحيين يجادلون حول آلام المسيح وقيامته؟ 
أنا عالم بضيقك (الشدة) (آ 9؛ رج 1: 9). هذا ما يعود بنا إلى الإضطهاد. وعالم بفقرك. فقرك ظاهر وهو يقابل الغنى الحقيقي وإن كان خفياً (2 كور 6: 10؛ يع 2: 5؛ رؤ 3: 13). فالجماعة مؤلّفة من صغار القوم الذين لا "إسم" لهم في نظر العالم. ولكن الله يعرف كنوزهم الروحية. مثل هذا "الغنى" يعطي الشهادة والثقة والغلبة حتى على الموت الذي قهره المسيح بصليبه.
من يزعمون أنهم جهود. كانت جدالات حامية بين جماعة المسيحيين الأولين والمجمع اليهودي الذي يسمّي نفسه مفتخراً "مجمع الله" (عد 16: 3). ويبدو أن اليهود افتروا على المسيحيين أمام الرومان، فأشعل افتراؤهم إضطهاداً قصيراً (10 أيام) ضدّ المسيحيين: "عشرة أيام من الضيق".
حين هاجم اليهود المسيحيين، هاجموا نسل إبراهيم الحقيقي، وشعب الله الجديد. نجد هنا فكرة توسّع فيها بولس في رسالته إلى رومة: "فما كل بني إسرائيل هم إسرائيل، ولا كل الذين من نسل إبراهيم هم أبناء إبراهيم" (روم 9: 6- 7). فحين عارض اليهود مخطّط الله، "جهلوا البرّ الذي من الله" (روم 10: 3)، وأخرجوا نفوسهم من كنيسة الله، وجعلوا حياتهم في خدمة مجمع الشيطان. قال لهم يسوع: "أبوكم هو إبليس" (يو 8: 44). وعبارة "مجمع الشيطان" تفهمنا أننا أمام جماعة يهودية متعصّبة حاربت المسيحيين بعنف.
قد يكون من تهاجم الرسالة يهوداً أو مسيحيين تأثّروا بالتيارات اليهودية الباطنية، فما عادوا شعب الله ومجمعه. صاروا شعب الشيطان ومجمع الشيطان.
لا تخف (آ 15)... لا تستطيع أن تكون مسيحياً إن رفضت أن تتبع المسيح في طريق المحنة. لسنا هنا أمام اضطهاد معمّم، بل أمام إجراءات معادية ومحدودة. لهذا تُطلب الأمانة حتى الموت.
عشرة أيام. هذا ما يدلّ على اضطهاد محدود في الزمن. ولكن نجد في عد 14: 22 ان رقم 10 يشير إلى مرار كثيرة. ويبقى أننا أمام اقتداء بما في دا 1: 12، 14: إمتنع العبرانيون من أكل اللحوم النجسة، فاستجاب الله لأمانتهم. إحتملوا بشكل عجائبي محنة هذا الصوم دون أن ينالهم أذى.
كن أميناً (رج 12: 11). فالأمانة حتى النهاية قد تقود إلى الموت على مثال المسيح، الشاهد الأمين (1: 5). فالإكليل ينتظرك. إكليل الغالب، إكليل العريس... والإكليل هو خاصة صورة عن الخلاص. وبما أن اللفظة ترد في إطار عمادي، نربط هذا الإكليل بالعماد. يعطى لنا إكليل رمزي، فيصبح حقيقة وواقعاً حين نعيش الأمانة حتى النهاية.
الغالب (آ 11) (رج 2: 7) ينجو من الموت الثاني (20: 6، 14؛ 21: 8). الموت الأول هو الموت الطبيعي (موت الجسد) الذي ينتظر المعترفين.. مثل هذا الموت لا يخافه المسيحي. فالحياة الحقيقية التي يعطيها المسيح منذ الآن هي أقوى من فناء الجسد: هي الحياة الأبدية والخلاص والمشاركة مع الرب. هي واقع اسكاتولوجي تبرزه الدينونة الأخيرة. الغالب سيحيا إلى الأبد مع المسيح فلا يصيبه هلاك النفس والجسد في جهنّم.

3- رسالة إلى كنيسة برغامس (2: 12- 17)
تقع برغامس شمالي المدن السبع وهي تشرف على وادي كايكوس. زاحمت أفسس مطالبة بالمركز الأول في المنطقة. منذ سنة 29 ق. م، هي عاصمة مقاطعة آسية. وفيها بُنيت المعابد الوثنية التي تشرف على المدينة: مذبح زوش بالرخام الأبيض، معبد اسكولابوس الذي يؤمّه المرضى طلباً للشفاء.
صاحب السيف المسنون (آ 12، 1: 16). ستعود الصورة في آ 16. سيف كلمة الله.
تسكن حيث عرش الشيطان. بشكل عام، تدلّ هذه العبارة على العالم الوثني. وبشكل خاص على اسكولابوس الذي يدلّ على الشيطان عبر رمز الحيّة (تك 3: 1- 5؛ أش 65: 25؛ رؤ 12: 9؛ 20: 2). إذن، اسكولابوس يزاحم يسوع الشافي الحقيقي للمرضى.
تُهنّأ كنيسة برغامس لأنها ظلّت متعلّقة، باسم يسوع وبالإيمان المسيحي مع أن الشيطان تدخّل فنجح في "قتل" أنتيباس. إن هذه المحاولات الشيطانية كانت تهدف إلى جعل المسيحيين يُنكرون إيمانهم مهدّدينهم حتى بالموت. وهكذا صارت برغامس الموضع الذي فيه يملك الشيطان.
ما أنكرت إيمانك. في 3: 8 تهنّأ كنيسة فيلادلفية لأنها رفضت أن تنكر إسم المسيح. الإطار هو هو. الإيمان بيسوع وباسم يسوع. أما أنتيباس فيُقال انه تلميذ يوحنا (شأنه شأن بوليكربوس) وأسقف برغامس. ويروى استشهاده في القرن الخامس: جاء "وحي سماوي" يدعو الشعب الوثني في المدينة إلى المطالبة لإزالة أنتيباس الذي ما عادت الالهة تتحمّل مسيحيته. جُرّ إمام المحاكم فرفض أن ينكر إيمانه، فجُعل داخل ثور من النحاس المحميّ ومات. إستُشهد لأنه أعلن المسيح، وحين مات إتحّد بالرب أعمق اتحّاد.
ولكن (آ 14). إن الكنيسة التي كانت أمينة بوجه التهديدات الخارجية، تقبل أن يكون في وسطها أناس يرفضون مثل هذه الأمانة. 
تعاليم بلعام. عاد الكاتب إلى تفسير لنصّ التوراة (عد 31: 16؛ رج 25: 1- 3) كما قدّمه العالمي اليهودي: إن بلعام نصح بالاق، ملك موآب، بأن يجتذب بني إسرائيل إلى جحود ربّهم فيعرض عليهم الزنى ووليمة من اللحوم المذبوحة للأصنام. عاد الكاتب إلى هذا التفسير وطبّقه على مجموعة من المسيحيين يعلنون الإنفلات الأخلاقي لأنهم لم يفهموا الحرّية الحقّة. لا شركة بين البرّ والإثم. لا تقدرون أن تشربوا كأس الرب وكأس الشياطين، ولا أن تشتركوا في مائدة الرب ومائدة الشياطين (1 كور 10: 1 2). فكيف يستطيع الواحد أن يكون مسيحياً ويشارك في الوقت عينه في الإحتفالات الوثنية من زنى وكل لحوم إكراماً للأصنام.
عندك من يتبعون (آ 15-16). إختلفت جماعة برغامس عن جماعة أفسس فلم "تحرم" النقولاويين. إذن، خطأ جسيم. تأخّرت الكنيسة عن استبعادهم السريع خوفاً من أن لا يُسمع صوتها. أقاتلهم بسيف فمي. إن تهديد الدينونة (1: 16؛ 2: 12، 16) مسلّط فوق جماعة برغامس حيث المسيحيون منقسمون.
المنّ الخفي (آ 17). حُفظ المنّ في السماء للمختارين، كما تقول التقاليد اليهودية. وسيُعطى لهم كطعام عجائبي (خر 16) في العهد المسيحاني. ثم إن المنّ في المسيحية هو رمز الافخارستيا (1 كور 10: 3 ي؛ يو 6: 48- 58). وهكذا تشير صورة المنّ إلى خبز الافخارستيا. وهكذا فالخيرات الموعود بها في 2: 7 ليست محفوظة لنهاية الأزمنة. إنها توجّهنا إلى أمور حاضرة في حياة المسيحيين: منذ اليوم هم ينالون هذا الطعام الموعود به للأزمنة الأخيرة. فلا نتعجّب من ذلك: فمنذ مجيء المسيح دخل العالم في حقبته الأخيرة. هذا لا يعني أن الرسائل لا تتحدّث عن المستقبل. ولكنها تقول إن هذا المستقبل يتجذّر في حاضر حياة الكنيسة.
حصاة بيضاء. كان الغالب يتسلّم لويحة بيضاء حفر اسمه عليها، فتدلّ على انتصاره. وهناك أيضاً حصاة الدعوة إلى الوليمة (إشارة إلى الوليمة السماوية). المهم اللون الأبيض الذي يدلّ على الواقع الإلهي، على المجد الذي يتبع انتصار المسيح. وترتبط الحصاة البيضاء بالإسم الجديد فتنتمي إلى عالم متجدّد، إلى الخليقة الجديدة.
فيها إسم جديد. هنا نتذكر أش 62: 2: "يسمّونك (يا أورشليم) باسم جديد يعلنه فم الربّ". وفي أش 65: 15 (حسب اليونانية): "يعطى لعبيدي إسم جديد". وهكذا يعطي الله للغالب حياة جديدة، وجوداً جديداً يفترض حباً خاصاً. والإسم هو إسم المسيح (3: 12). هو إسم يحمله المسيح "الفارس" فلا يفهمه الناس. إسمه كلمة الله (19: 13) وملك الملوك وربّ الأرباب (19: 16). وهو وحده يعرف الواقع الحقيقي لألقابه (19: 12). وإن 144.000 يحملون هذا الإسم على جباههم (14: 1؛ رج 22: 4). إذن، ينال الغالب إسماً جديداً يدلّ على انتمائه إلى المسيح، وعلى طابعه كإنسان مجدَّد. ومتى ينال المؤمن هذا الإسم؟ في المعمودية. حينئذ يصبح خليقة جديدة بولادة جديدة هي خبرة نعيشها وسّر نعرفه وحدنا. غير أنّ هذا الإسم الجديد لا يُعطى إلاّ للذين رفضوا كل مساومة، رفضوا أن يعبدوا ربّين.

4- رسالة إلى كنيسة تاتيرة (2: 18- 29)
تياتيرة هي مرفأ هام في الشرق القديم، بين برغامس وسارديس. وإن ليدية، بائعة الأرجوان المذكورة في أع 16: 14 هي من تياتيرة.
عيناه كشعلة لهيب (آ 18). رج 1: 14-15. المتكلّم هو ابن الله (هي المرة الوحيدة يرد فيها هذا اللقب في رؤ). فالمسيح المعلّم يتكلّم بسلطة الله. أما لقب كيريوس (الرب) فيستعمل في النصوص الليتورجية.
ما عندك من محبة (آ 19). تُذكر المحبة في البداية، وهذا ما يجعلنا في جوّ اللاهوت اليوحناوي (1: 5؛ 2: 4). وإيمان (2: 13، 19؛ 13: 10؛ 14: 12) يرافق الصبر. والإيمان يدل على الأمانة والثبات في الحياة المسيحية اليومية. أعمالك الأخيرة أكثر من الأولى. نحن في وضع معاكس لما في 2: 4 حيث تركت الكنيسة محبتها الأولى.
ولكن (آ 20). إن كنيسة تياتيرة تقبل بوجود هراطقة يعلّمون ما يعلّمه النقولاويون. كان النقولاويون في برغامس النسل الروحي لبلعام (2: 14). أما تياتيرة فترتبط بإيزابيل. هي في العهد القديم (1 مل 16: 31- 32؛ 18: 4، 13؛ 21: 25 ي؛ 2 مل 9: 22، 30) زوجة أحاب، ملك إسرائيل (873- 854). هي فينيقية الأصل فارتبط إسمها بعبادة البعل التي نشرتها رغم احتجاجات إيليا وميخا. وإذ يتحدّث عنها يوحنا، فهو يشير إلى نبيّة تضع البلبلة في تياتيرة. إعتبرت نفسها أنها ملهمة فتبعها الناس في هذا الإطار الغنوصى الذي يجمع "المعرفة" إلى انفلات أخلاقي على المستوى الجنسي. هنا نتذكّر أن تياتيرة ستكون مركز المتشيّعين لمونتانوس الذي شهد على إلهام الروح القدس ضدّ كل تقليد أو تعليم كنسي.
أمهلتها (آ 21). هذا يعني أن الحالة دامت طويلاً. وهناك دعوة إلى التوبة. أما الزنى فيدلّ على عبادة الأصنام وما يرافقها من أعمال إباحية. أولاد النبية يقاسمونها عقابها، ونسلها سيزول. هذا يعني أن الهرطقة ضُربت ضربة قاتلة، ودعيت الكنيسة إلى الامانة لكي لثبت خلال وقت الألم ووقت القيامة.
تعرف بيع الكنائس (آ 23). ما يصيب كنيسة هو درس لجميع الكنائس التي تعرف الصعوبات نفسها. إني أفحص الأكباد. يعني عواطف الإنسان وأفكاره. وأعطي كل واحد حسب أعماله. رج 20: 13؛ 22: 22. في العهد القديم، الله هو من يمارس الدينونة (مز 62: 13). وهنا يمارسها يسوع نفسه (رج مت 16: 27). إذن، هو الله.
أما أنتم الآخرون (آ 24). لقد انقسمت الجماعة بالنسبة إلى إيزابيل وتعليمها. ما هي أعماق (أسرار) الشيطان؟ أسرار الهرطقة. يعتبرون أنهم أدركوا الأسرار بمعرفتهم الباطنية، أدركوا أسرار الله، فإذا هم يدركون أسرار الشيطان. وقد يكون هذا الإدراك على مستوى الحياة الأخلاقية بحيث يظنّ "الغنوصيون" أنه يحقّ لهم أن "يتعرّفوا" إلى أعماق الشّر. ولكن المتطلّبة الوحيدة تبقى الحب والإيمان والخدمة والصبر. هذا هو الكنز الحقيقي الذي يملكه المسيحيون في تياتيرة. ليس من أخلاقية أسمى من هذه، وليس من وحي أرفع، وليس من سلاح أفضل ضدّ الشيطان سوى انتظار مجيء المسيح.
من غلب (آ 26). الغالب هو الذي يحفظ أعمال المسيح إلى النهاية. هذا التحديد يضمّ عبارتين يوحناويتين: حفظ الوصايا (12: 17؛ 14: 12). عمل الأعمال (15: 3). هنا نقرأ يو 15: 14: "أنتم أحبائي إذا عملتم بما أوصيكم به". ويو 15: 10: "إذا عملتم بوصاياي تثبتون في محبتي، كما عملت بوصايا أبي وأثبت في محبته". الآب والإبن واحد. والمشاركة تامة بين الإبن والمؤمن. وحين يعيش المؤمن في العالم كما عاش المسيح (ومات)، يغلب، ويثابر حتى النهاية، أي حتى الإستشهاد. أعطيه سلطاناً على الأمم (رج مز 2: 8-9) على مثال المسيح. فما قيل ليسوع يقال للمسيحيين. فالمسيح لا يقاسم أحبّاءه آلامه فقط، بل مجده وسلطانه وذلك منذ الآن. لقد أعلن النبي لهذه الجماعة التي تحاول أن تساوم مع العالم الوثني الذي يحيط بها، أنّ أمانتها تجعلها تنعم بالنبوءة التي قيلت في المسيح. إن شهادة جماعة صغيرة وضعيفة هي انتصار على قوى الشّر في العالم كله. هي انتصار المسيح يؤوّن في حياة المسيحيين.
يرعاهم بعصا من حديد (آ 27). لم نعد أمام عصا الراعي الصالح، بل أمام رمز الدينونة التي لا ترحم. فالإنسان الذي يهرب من يد الله، يعتبر أنه صار "إلهاً". ولكن حلمه ينتهي بألم متزايد في اليقظة، فحين تأتي دينونة الله سيعرف وضعه الحقيقي: إنه رجل حقير وأهل للشفقة.
كوكب الصبح (آ 28). حسب أش 14: 12، يشير كوكب الصبح إلى سقوط ملك بابل، وهناك مقاطع أخرى (دا 12: 3؛ مت 13: 43؛ 2 بط 1: 19) تجعلنا نرى في عطية كوكب الصبح مشاركة في حياة المسيح ومجده. فيسوع يسمّي نفسه "كوكب الصبح" في 22: 16. ففي المسيحي الأمين، بدأ وجه المسيح يشعّ منذ الآن.
من كان أميناً نال كوكب الصبح. هذا ما يحيلنا إلى عد 24: 17 مع النبوءة المسيحية عن كوكب يعقوب. فالمسيح هو النجمة الصباحية التي تعلن النور العظيم والنهائي. إن هذا الوعد يقابل عطية الإسم كما يترافق مع المشاركة في ملك ابن الله وسلطانه كديّان. فالوعود للغالب هي في النهاية مشاركة في كيان المسيح: نحمل إسماً جديداً. نتسلّط على الأمم، نجلس معه على عرشه.

خاتمة
إن الذين يجاهدون وسط التجارب والمحن، سيكون مجيء الديّان لهم منظوراً وملموساً، وكلامه مسموعاً. سيعمل وسط هذه الكنائس ليدعوها إلى الأمانة التي لا مساومة فيها.
إن الذين صاروا عمياناً لا يرون. وضعهم الذي يثير الشفقة، سيكون مجيء المسيح خفياً، مفاجئاً، مؤلماً. سيأتي كاللص. سيقرع الباب.
إنّ الذين دخلوا في سرّ الفصح، في آلام المسيح وقيامته، سيكون مجيئه تعزية وراحة. سيكون المسيح مع كنيسته في ملء حضوره الذي يدوم إلى الأبد.
سيقوله يسوع لكنيسته التي غمرها بخيراته: "يعرفون أني أحببتك" (3: 9). وسيقول لتلك التي تعرف الخطر: "أنا أوبّخ وأؤدّب من أحب" (3: 19). حينئذ نهتف له: "لذلك الذي أحبنا، وحرّرنا بدمه من خطايانا، وجعل منا ملكوتاً وكهنة لله ابيه، المجد والعزة إلى أبد الدهور. آمين" (5:1 ب-6).

 

 

الفصل الثالث عشر
من سارديس إلى لاودكية
3: 1- 22

تبدو كنيسة سارديس جماعة حيّة. ولكن هذا الظاهر يبدو قناعاً يخفي الموت. ومع ذلك، ما زالت خميرة الحياة حاضرة. وبعض الناس لم يدنّسوا ثيابهم بالعبادة الوثنية. أما الرسالة إلى فيلادلفية فهي موازية للرسالة إلى سميرنة. غير أن النصّ يشدّد لا على الموت الذي يفعل في المسيحيين، بل على الحياة الجديدة التي تفعل فيهم منذ الآن. أما في لاودكية، فالقساوة تصل إلى ذروتها. الفتور يدلُّ على التراخي في الممارسة المسيحية، على التعامل مع العالم الوثني.

1- رسالة إلى كنيسة سارديس (3: 1- 6)
سارديس هي عاصمة ليدية القديمة. تقع جنوبي تياتيرة. دمّرها زلزال سنة 17 ب. م. فأعاد الامبراطور طيباريوس (14- 37) بناءها. كانت عاصمة النسيج والصوف في آسية الصغرى. لهذا تُذكر الملابس ثلاث مرات (آ 3، 4، 5). وهناك دعوة إلى السهر قد ترتبط بغزو حصل للمدينة. 
أرواح الله (آ 1). المسيح يوزّع الروح القدس بكماله (رج 1: 4). والكواكب السبعة (رج 1: 16- 20). أنت حي مع أنك ميت. فالظاهر شيء والواقع شيء آخر. فالأعمال هي التي تدلّ على الحياة، على حقيقة الإيمان. تبدو جماعة سارديس حيّة، ولكنها ميتة موتاً روحياً (يو 5: 25، روم 6: 13؛ يع 2: 17). نجد هنا أقسى حكم في الرسائل. قد تعود الحياة بفضل بعض الأشخاص الذين لم يدنّسوا ثيابهم.
إسهر (آ 2)، رج مت 24: 42: "اسهروا لأنكم لا تعرفون متى يأتي الرب". السهر هو الموقف المطلوب من المسيحيين الذين ينتظرون عودة الرب. والسهر هنا لا يقوم بممارسة بعض الأعمال. بل هو خروج من الموت وعودة إلى الحياة. أنعش ما بقي لك من أشخاص ومجموعات لم تأخذها الأمواج. هناك أعمال ولكنها ليست كاملة، ليست "ملآنة" (رج يو 16: 24؛ 17: 13؛ 1 يو 1: 4؛ 2 يو 12). أذكر لا مضمون الإنجيل وحسب، بل أذكر (آ 3؛ رج 2: 5) ما (أو: كيف) سمعت وقبلت. المعجزة التي جعلت هذا الإنجيل يُسمع ويُقبل ويستمرّ. القبول هو إنفتاح على الإنجيل (روم 10: 14 ي؛ 1 تس 2: 13 ي). إعمل به (كن أميناً) وتب. واسهر. هناك مجيء المسيح في نهاية الأزمنة. وهناك مجيء حالي إلى كنيسة لكي يدينها بسبب سلوكها. وانتظار المسيح يتمّ في الافخارستيا. ماراناتا: تعال أيها الرب يسوع.
ولكن بعض الناس (آ 4). بعض الأسماء (11: 13؛ رج أع 1: 15). لم يدنّسوا ثيابهم. من لم يدنّس ثيابه يعطى ثوباً أبيض. هو ثوب سماوي، مجيد، مضيء، ثوب الحياة والكرامة. الثوب الأبيض هو الواقع الأخير للمختار، هو واقع الخلاص والغلبة. ثياب نقّاها يسوع بدمه (7: 14) فصارت واقعاً من السماء (4: 4) يتوافق مع الاستشهاد (6: 11). هم أهل لأن يواكبوني. المسيحيون يعيشون كأناس مخلّصين. هم منذ الآن يسيرون مع المسيح.
لا أمحو اسمه (آ 5). قد يستطيع الانسان أن يتساءل عن "كتابة اسمه" في سفر الحياة الذي يتضمّن أسماء الأبرار. يتحدّث رؤ مرتين عن سفر حياة الحمل (13: 8؛ 21: 27) حيث نجد كل الذين يعيشون من الحياة الأبدية، كل الذين أعلنوا أنهم للمسيح. هؤلاء يتعرّف إليهم يسوع كأخصائه أمام الله وملائكته (مت 10: 32؛ لو 12: 8).
ذُكر سفر الحياة مراراً في العهد القديم (مز 69: 29؛ دا 12: 2)، فدلّ على أن الأبرار لا يذوقون "الموت الثاني"، أي لا يُحرمون من الحياة الأبدية. والعبارة "أمام الآب وملائكته" تدلّ على فرحة المسيح في الدينونة العامّة.

2- رسالة إلى كنيسة فيلادلفية (3: 7- 13)
فيلادلفية هي مدينة صغيرة تبعد 45 كلم إلى الجنوب من سارديس. عرفت هزات أرضية عديدة وأهمها سنة 17 ب. م. شابهت سميرنة (2: 9 - 10) فضمّت جماعة يهودية أخذت تنفتح على المسيحية. يبدو أن هناك حواراً بين العالم المسيحي والعالم اليهودي. فالمسيح هو ذاك الذي يتمّ مواعيد العهد القديم. عُرفت كنيسة فيلادلفية بغيرتها وشجاعتها، وقد مات منها 11 مسيحياً مع بوليكربوس أسقفها. كما أن اغناطيوس الأنطاكي كتب إليها يمتدح سيرتها. هنا نشير إلى أن الرسالة لا تتضمّن أي انتقاد لهذه الكنيسة.
القدوس، الحق (آ 7). كلام يتوجّه إلى اليهود فيدلّهم على أن نبوءات التوراة تمّت في يسوع المسيح. وهكذا نكون أمام إعلان للمسيحية ينطلق من العهد القديم. القدوس، الحق، ليس إلهاً بعيداً وغير منظور، بل يسوع المسيح الذي صار بشراً وسكن بيننا. وبما أنه ابن داود (أش 22: 22) فهو يمسك مفتاح الملكوت المسيحاني.
نشير إلى أن "القدوس، الحق" لا يردان في الرؤية الإعدادية بل في 6: 10. الحق هو الصادق (19: 9) والأمين (3: 14؛ 19: 11؛ 22: 6). هنا نتذكّر يوحنا الذي يتكلّم عن النظر الحقيقي، الكرمة الحقيقية، الخبز الحقيقي (يو 1: 9؛ 15: 1؛ 6: 32).
فتحت لك باباً (آ 8). نجد هذه الصورة عند بولس الرسول (1 كور 16: 9؛ 2 كور 2: 12؛ كو 4: 3) فتدلّ على انفتاح باب الرسالة. هذا يعني نجاح كنيسة فيلادلفية في تبشير اليهود. ثم إن يسوع هو الباب (يو 10: 7). فلا يذهب أحد إلى الآب إلاّ به (يو 14: 6). فالباب الذي يقود إلى الآب ليس إبراهيم ولا موسى ولا داود ولا أحد أنبياء العهد القديم، بل المسيح وحده. هذا ما تعلنه كنيسة فيلادلفية بكلامها ومثلها. حفظت كلمتي (2: 13). لقد ظهرت أمانة الكنيسة في اعتراف إيماني تجاه عالم وثني يهدّد ويضطهد.
سأجعل الذين هم مجمع الشيطان (آ 9). يبدو أننا أمام جماعة مسيحية متأثرة باليهودية. قال أش 45: 14؛ 49: 13؛ 60: 14 إن الأمم الوثنية ستخضع لشعب الله. هذه المواعيد قد صارت للكنيسة، شعب الله الجديد. وهكذا يرى الجميع أن الذين يحبّهم الرب هم المسيحيون المستعدّون ليتجنّدوا له.
صبرت كما أوصيتك (آ 10). لسنا أمام تحريض على صبر عادي، بل أمام نداء. لممارسة صبر المسيح الذي قاده إلى الصليب. أحميك (نجدها فقط في يو 17: 15). بعد أن أعلن المسيح للمسيحيين أن العالم سيبغضهم مثله صلّى قائلاً: "لا أطلب أن تأخذهم من العالم، بل أن تحميهم من الشّرير" (أي: إبليس). وتتواصل الصلاة بتشفّع من أجل المؤمنين ووحدتهم مع المسيح. هكذا يعرف العالم أن يسوع هو مرسل الآب، وأن الآب يحبّ الابن والذين له. كم نحن قريبون من هذه الآية (آ 9). أما المحنة التي ستنقضّ على العالم فهي تصيب الوثنيين في نهاية الأزمنة. لا ينجو المؤمنون من المحنة، ولكنهم يحفظون لأنهم ليسوا من العالم.
سأجيء (رج 2: 16). فاحفظ، فاثبت (2: 25) لئلا يسلب أحد إكليلك (2: 10).
سأجعل الغالب عموداً في هيكل (آ 12). إن عبارة "عمود في الهيكل" تستلهم أش 56: 5 و 62: 2 (أو غل 2: 9). "أعطيهم في بيتي وفي داخل أسوار مدينتي جاهاً واسماً يكون خيراً من البنين والبنات، اسماً أبدياً لا ينقطع ذكره". الغالب يحتلّ مكاناً مختاراً في الهيكل. يكون مثل يعقوب وبطرس ويوحنا (غل 2: 9). كان الكاهن الروماني يحفر اسمه على عمود الامبراطور فيتمجّد بمجد الامبراطور. أما هنا فينقش اسم الآب والابن، صورة حقيقة الله وأزليته التي لا تتبدّل. "الإسم الجديد"، إسم المسيح هو الاسم الليتورجي للرب (كيريوس) الذي ينضمّ إليه مدلول إسكاتولوجي للديّان الآتي.
إن أورشليم السماوية المذكورة هنا، لا هيكل فيها (21: 22). فما هو هذا الهيكل الذي يقيم فيه الغالبون، وحيث يسبّح الشهداء الرب ليل نهار (7: 15)؟ الهيكل هو علامة حضور الله وسط شعبه. لذلك لن تكون العلامة ضرورية في زمن التتمة الأخير. إذا وُجد الواقع انتفت الحاجة إلى الرمز. سيكون الله والحمل حاضرين. وهكذا نفهم أن هذا الحضور لا يمكن أن يتمّ إلاّ بالمسيح. ولهذا فالبشر الذين يحيون منذ الآن مع المسيح يُعتبرون مقيمين في الهيكل إلى الأبد.
أكتب إسم إلهي. وضعُ الإسم الإلهي على إنسان، يعني أن هذا الإنسان يخصّ الله، يكرّس لله (عد 6: 27). وستستعمل صورة الختم في 7: 3. واسم المدينة. فالغالب سيكون مواطن أورشليم السماوية (غل 4: 20؛ فل 3: 20؛ عب 11: 10). وبالنسبة إلى أورشليم الجديدة، رج 21: 2. واسمي الجديد. رج 2: 17 الذي يعد الغالب باسم جديد هو إسم المسيح. فالغالبون الذين يتبعون خطى المسيح يحملون اسمه الذي هو جديد بالمجد الخفي الذي يكمن فيه، وهو مجد صار واقعاً في الخليقة الجديدة التي يدلّ عليها سّر المعمودية. ونلاحظ هنا كما في 2: 17 أن الوعد بالاسم الجديد يتوجّه إلى جماعة اعترفت باسم المسيح حتى الاستشهاد.

3- رسالة إلى كنيسة لاودكية (3: 14- 22)
لعبت لاودكية (دانزلي الحالية) دوراً خاصاً وسط المدن السبع. فعقلية هذه المدينة الغنيّة أثّرت على أعضاء الجماعة المسيحية الأولى. لاودكية التي يعود اسمها إلى إسم زوجة مؤسّس المدينة، أنطيوخس الثاني (261- 246 ق. م.) تقع قرب كولسي. قد أسّس ابفراس (على ما يبدو) كنيسة لاودكية بعد أن سمع بولس ورافقه (كو 1: 7؛ 4: 12- 13؛ فلم 23). وبولس وجّه رسالة إلى هذه الكنيسة قد تكون ضاعت أو هي نسخة مثل الرسالة إلى أفسس (كو 4: 14 ي).
إن موقف الجماعة المسيحية في لاودكية يعكس روح المدينة. رفضت العون الذي قدّمه لها الامبراطور الروماني لإعادة بنائها بعد زلزال دمّرها سنة 61 ب. م. فهي كانت غنيّة جداً واشتهرت بصناعة الخز والصوف كما اشتهرت بمصارفها ومدرسة الطب التي تصنع دواء للعيون عُرفت في العالم القديم. وهكذا نستطيع أن نجد تلميحات إلى هذا الوضع في الرسالة: أنا غنية (آ 17) 0 الذهب، الثياب، الكحل (آ 18).
هذا ما يقول الآمين (آ 14). الكلمة العبرية "آمين" تعني المتانة والحقيقة. والآمين الذي تتلفّظ به جماعة العهد القديم هو جواب يوافق على ما يقال ويلزم به (عد 6: 24، 26؛ طو 8: 7- 8). فبالآمين المعطى تتخذ كلمة الله قيمتها بالنسبة إلى الجماعة (1: 7؛ 22: 20). ويسوع الذي يسمّي نفسه "آمين" هو الجواب العظيم لكلام الله، وهو جواب حقّقه بارتباطه وطاعته. ففي المسيح ومع المسيح وبالمسيح مبدأ أعمال الله (يو 1: 16؛ 1 كور 8: 6؛ عب 1: 3)، قد أعطى العالم كلّه جواباً يليق بمحبّة الله، وأعلن بشكل إحتفالي أنه يخصّ الله. فبالمسيح تمّ تقديس (وعودة) العالم كلّه. والإنسان المفدي الذي يرى خيرات هذا العالم ويستعملها دون أن يهتم لرباطها بالمسيح، يستعملها إستعمالاً سيئاً وأنانياً لأنه ينجّس خيراً مكرّساً لله. فعلى المسيحي (على مثالا المسيح)، أن يقول "نعم"، "آمين" واضحاً، شفافاً، لا رجوع عنه. "فابن الله، المسيح يسوع... لم يكن نعم ولا، بل نعم كلّه. فهو النعم لكل وعود الله. لذلك نقول به "آمين" إكراماً لمجد الله" (2 كور 1: 19- 21).
يذكر أش 65: 16 مرتين الـ "إله الأمين" أي الإله الذي مواعيده أكيدة. الصادق (رج 3: 7) هو قريب من الآمين. هو مبدأ الخلق (21: 6؛ 22: 13؛ رج أم 8: 22- 23). إن هذا المسيح ليس من عالم الروح فقط، كما يريد الغنوصيون، بل قد احتمل الآلام وصار الشاهد الامين وأول شهيد.
أنت لا حار ولا بارد (آ 15). أنت تساوم مع العالم الوثني. هل أنت وثني أو مسيحي؟ وثني فنصيبك بدون التباس دينونة المسيح. أو مسيحي فالتزم إلتزاماً تاماً على خطى المسيح. فالذين يعتبرون أنهم يستطيعون أن يكونوا مسيحيين دون أن يقطعوا كل علاقة بالعالم الوثني، فهؤلاء يجدّفون على اسم الرب. من هنا عنف الحكم على كنيسة فاترة. فالهرطقة أفسدت الجماعة كلّها.
تقول: أنا غني (آ 17). صور ثلاث تدلّ على عودة إلى حب المسيح الأول، إلى الأمانة الأولى. فتجاه مُثُل سرابية لحياة أرضية، يقدّم النصّ للجماعات المسيحية الأولى ذهب النعمة والحب النقي لله وللإخوة. وفي تلميح إلى لباس يصنع في لاودكية بالصوف الأسود، تتحدّث الرسالة عن ثياب بيضاء ترمز إلى الأعمال الصالحة (19: 8). أما "الكحل" المصنوع في لاودكية أيضاً (يبُاع بثمن غالٍ جداً) فهو يشير إلى دواء روحي يساعدنا على أن نرى بعين صافية "كنوز السماء" "حيث لا سوس ولا صدأ، حيث لا ينقب اللصوص ويسرقون" (مت 6: 20).
نحن نتوق لنلبس الثوب الأبيض الذي يعطيه المسيح لمن يتجدّد. كما نتذكر كلمات يو 9: 39: "جئت حتى يبصر الذين لا يبصرون، ويعمى الذين يبصرون".
أنا أوبّخ وأؤدب من أحب (آ 19). ما زالت اللهجة قاسية، ولكن حبّ الله حاضر بالنسبة إلى أهل لاودكية. فضلالهم لا يجعل الله ييأس. فحبّه الأبوي ما زال ينتظر عودتهم.
ها أنا واقف على الباب أدقه (آ 20). هكذا ينتظر الرب جماعته، وينتظر كل مؤمن من المؤمنين. فإن فتح، كان عشاء المحبة، العشاء السري، الإفخارستيا. هنا نتذكّر نش 5: 2: دقّ العريس على باب العروس: إفتحي لي. هكذا يدقّ المسيح. فمن كان من الحقّ سمع صوته (يو 18: 37). وإن أحبّه أحد، جاء إليه مع الآب. وجعلا منه مسكناً (يو 14: 23). ونزيد على ذلك موضوعاً تقليدياً في العالم اليهودي والمسيحي: إنتظار المسيح في الليلة الفصحية. هو يأتي في نصف الليل. والليتورجيا الافخارستيا تعلن مجيئه: "كل مرّة تأكلون هذا الخبز وتشربون هذه الكأس تخبرون بموت الرب إلى أن يجيء" (1 كور 11: 26).
من غلب أعطيه (آ 21). رج 2: 26- 27. وعد في المستقبل. ووعد في الحاضر أيضاً بالنسبة إلى المؤمن المتحد بالمسيح (12: 11؛ 1 يو 5: 14). فالمسيحيون يشاركون يسوع في المحنة والملك والصبر (1: 9). معه يموتون (كل يوم) ومعه يقومون.


خاتمة أي تعليم نستنتجه
- الحياة المسيحية (والإيمان) تواجه هجوماً آتياً من الخارج ومن الداخل. ظنّ المسيحيون الأولون أنّ الرب سيحمي كنيسته بشكل منظور ويحفظها من كل الاضطهادات. ولكن ذلك كان حلماً وسراباً. فالمسيحية ليست "تأميناً" من أجل حياة سهلة. والذي يسير مع المسيح لا يخاف العاصفة. هذا ما وجب على الجماعات الأولى (وعلينا) أن تتكيّف معه: هي كنيسة مسافرة تعرف الصعوبات ولا تنتظر تدخلاً منظوراً من الله.
- بدأ المسيحيون يتعوّدون على تأخر عودة المسيح. ولكن تجاه الاضطهادات، ارتفعت من جديد صيحتهم ونداؤهم بما فيه من حنين، نحو مجيء الرب القريب. لقد سُلّمت الكنيسة إلى القوى السياسية وليس من معين. رأت أنّ المسيح "لم يتدخل"، أنه صامت ظاهرياً، فواجهت أزمة إيمانية. لماذا لا يهتمّ الرب بجماعته المضطهدة؟ لماذا تضعف الانقسامات الداخلية الجماعة فتصبح أضحوكة الأعداء؟
- تقابل هذه الرسائل السبع بين واقع الكنيسة ومثالها. فالمسيحيون يواجهون مثالهم. فغيرة زمن الارتدادات قد زالت عند عدد كبير. لقد بدأت الكنيسة تتكيّف مع الظروف وتقاسم حياة العالم الذي يحيط بها. فهِمَ المسيح موقف هذه الجماعات، ولكنه بدا حازماً. ما زلنا في زمن النعمة، والعودة ممكنة. نجعل خطانا في خطى المسيح دون تردّد ولا مساومة. فالإيمان الجديد والمحبة الكبيرة تساعدنا على تخطّي المخاوف والاضهادات لئلا نسقط في الموت الثاني.
- نكتشف هنا صورة المسيح بشكل قوي وواضح. "يمسك بيمينه الكواكب السبعة ويمشي بين منائر الذهب السبع" (2: 1). "الأول والآخر، الذي مات وعاد حياً" (2: 8). "صاحب السيف المسنون الحدّين" (2: 12). "ابن الله الذي عيناه كشعلة ملتهبة ورجلاه كالنحاس المصقول" (2: 18). "صاحب أرواح الله السبعة والكواكب السبعة" (3: 1). "القدوس، الحق الذي بيده مفتاح داود، إذا فتح فلا يغلق أحد، وإذا أغلق فلا يفتح أحد" (3: 7). "الآمين، الشاهد الأمين الصادق، رأس خليقة الله" (3: 14).
فالذي يتكلّم هو المسيح الحاضر والفاعل وسط جماعته. ابن الله الإزلي والمسيح المصلوب والقائم من الموت، وابن داود الذي فيه تحقّقت مواعيد العهد القديم، والمخلّص وديّان الكون كلّه. فأمام الرب (كيريوس) تنهار وتزول قوى هذا العالم وأباطرته.

 

 

الفصل الرابع عشر
نظرة إجمالية إلى قلب الرؤيا
4: 1-22: 5

قرأنا ف 2- 3 والرسائل إلى الكنائس، فبدت لنا غنيّة بالرموز المسيحية المتجذّرة في العهد القديم وفي حياة الكنيسة الأولى. وبدت لنا سهلة نسبياً، وإن طلبت منا بحثاً في العمق. أما ف 4-22 فيخاف منها القرّاء لأنها تحيرّهم، لأنها منطقة مجهولة بالنسبة إليهم. ومع ذلك، فهذه الفصول هي القسم المبتكر في رؤ، وهي التي دوّنت في البداية، فجاءت الرسائل السبع تقرأها في إطار كنائس محدّدة في الزمان والمكان، لتعلّمنا كيف نقرأها نحن في محيطنا وعلى مشارف الألف الثالث.
وقبل أن نبدأ بقراءة النصوص، نحاول أن نكتشف الإطار العام والبنية التي فيها تدخل التفاصيل. هنا نبتعد عن كل فكرة مسبقة. لا نحاول أن نستشرف على التاريخ المعاصر!! ولا ننتظر أن نكتشف بناء منطقياً تدخل فيه كل الآيات. المهم أن ندخل في شخصية الكاتب وفي تعاريج نصّه فنصل إلى كلمة إيمان تتوجّه إلينا الآن.

أولاً: إشارات تدلّ على البنية
1- السباعيات
أ- الختوم السبعة
الختوم السبعة هي كتاب مقاصد الله. وحده الحمل هو أهل بأن يفضّها (يفتحها) ويُشرف على تنفيذ مشروع الله. تُذكر هذه الختوم أولاً بشكل إجمالي وبارتباط مع السفر المختوم (المغلق). نقرأ في 5: 1: "كتاباً مختوماً بخمسة أختام"؛ رج 5: 2، 5، 9؛ 6: 1. ثم تُفتح الختوم الواحد بعد الآخر. لكل ختم هويته ورقمه ومضمونه الخاصّ (6: 1، 3، 5، 7، 9، 12؛ 8: 1). ولكن حين نصل إلى الختم السابع نلاحظ شيئاً جديداً. مضمونه هو صمت يتبعه إعلان الأبواق السبعة.
يبدو كل ختم حسب رسمة ثابتة مع "نظرت" قبل الفتح أو بعده (6: 2، 5 ب، 8، 9، 12 ... 8: 2). ويبدو الختم السابع كسائر الختوم. أما مضمونه فصمت وسباعية الأبواق. ثم هناك علاقة حميمة بين صوت فيه يسمع الله صلاة القديسين دون أن يجيب عليها بعد، وملائكة يحملون أبواقاً تمثّل تنفيذ مقاصد الله. فهؤلاء الملائكة يبدون جامدين في النهاية (8: 2) ولا ينتقلون إلى العمل (8: 6) إلاّ حين تصل صلوات القديسين أمام عرش الله (8: 3- 5). وهكذا يكون مضمون الختم السابع سباعية الأبواق.
ب- الأبواق السبعة
نجد هنا الرسمة عينها التي وجدناها في الختوم والسبعة. تقدّم كلها دفعة واحدة (8: 2، 6: واستعدّ الملائكة السبعة الذين يحملون الأبواق السبعة). ثم تتعاقب الأبواق بشكل تدريجي متصاعد (8: 7، 8، 10، 12؛ 9: 1، 13؛ 11: 15). ويبدو البوق السابع هو أيضاً بدون مضمون. ليس مضمونه المجدلة. فبعد 10: 7، سيكون البوق السابع تتمّة سّر الله أي ما سنقرأه في باقي الكتاب. وهناك إشارتان أخريان تثبتان هذا الإستنتاج: الويلات الثلاثة في 8: 13؛ 9: 12؛ 11: 14 والآيات الثلاث في 1:12 ،3؛ 15: 1.

ج- الكؤوس السبع
ونجد هنا أيضاً الرسمة عينها. تقدّم الكؤوس في نظرة إجمالية (15: 1، 6، 8؛ 16: 1). ثم تتعاقب في 16: 2، 3، 4، 8، 10، 12، 17. وتكون الكأس السابعة خاصة. كانت الكؤوس السابقة تعطي كل منها نتيجة محدّدة تقابل المكان الذي صبّت فيه. أما الكأس السابعة فصُبّت في الجوّ. إذاً، كوّن مضمونهُا ظواهر طقسية تلي 16: 18-21. ولكن ماذا نقول عن الزلزال الذي لا يحدث في الجوّ؟! ثم إن 16: 18-21 لا يرتبط بالجوّ بل هو جزء من سلسلة تعابير مقولبة سندرسها فيما بعد. وإذا نظرنا إلى المناخ العبادي، وجدنا أن الجوّ يمثّل موضع الأرواح الشرّيرة، الذي منه تعمل ضدّ البشر (أف 2: 2). والحال، إن تدخّل الله النهائي يتضمّن إزالة القوى المعادية وخصوصاً الشياطين (19: 20؛ 20: 10، 14، 15؛ 21: 8).
ثم إن دينونة بابل التي أعلنت في 16: 19، سترُوى بالتفصيل في 17: 1-19: 2. وعبارة "قُضي الأمر" في 16: 17 ستعود كما في تضمين في 21: 6، فتعلن أن مقرّرات الله قد نفذّت بشكل نهائي. وستكون نهاية الكتاب متأثّرة بالبوق السابع. فحين نقابل 12: 1 و 21: 9 نجد أن أحد الملائكة السبعة الذين يحملون الكؤوس السبع يقدّم على التوالي الزانية العظمى وعروس الحمل.
وفي الختام نرى أن كل سباعية تتضمن في نهايتها ما يلي. فالكأس السابعة تضمّ كل نهاية الكتاب. والبوق السابع يتضمّن الكؤوس السبع. والختم السابع يتضمن الأبواق السبعة والكؤوس السبع. وهكذا تتضمّن الختوم السبعة كل مادة الكتاب.

2- الويلات الثلاثة والآيات الثلاث
أ- الويلات
ونجد تقسيماً آخر يبدأ باحتفال في 8: 13 (ونظرت فسمعت نسراً طائراً في وسط السماء). ويتواصل في 9: 12 (مضى الويل الأول ويأتي الويلان الآخران) و 11: 14 (مضى الويل الثاني، وها هو الويل الثالث يأتي سريعاً). تحدّد الويل الأول بوضوح في 8: 13- 9: 12. والويل الثاني في 9: 12- 11: 14. وأشير إلى بداية الويل الثالث في 11: 14: يأتي قريباً، سريعاً. هذا يعني أنه لا يتأخّر، فيرافق بداية البوق السابع. لم تُذكر نهاية الويل الثالث، وهذا يعني أنه يمتدّ امتداد البوق السابع، يعني حتى نهاية الكتاب. وهذا يدلّ على أن نهاية الكتاب كله تأثّرت بطابع دراماتيكي كبير جداً.
لسنا أمام تقسيم جديد، لأن هذه الويلات الثلاثة تتماهى مع البوق الخامس والسادس والسابع. فالهدف هو إبراز الطابع الدراماتيكي لما سيحصل، ولفت الإنتباه إلى البوق السابع. هناك شيء جديد وحاسم سوف يبدأ، كالضربات الثلاث قبل رفع الستار على المسرح. قرأنا في 10: 7: "فما إن يحين الوقت وينفخ الملاك السابع في بوقه حتى يتمّ سّر الله". والمجدلة في 11: 17 تتحدّث عن الله فتقول: "أنت الكائن والذي كان". ولا تقول: الذي يأتي، الذي هو هنا. والهيكل الذي ينفتح في السماء وتابوت العهد الذي يظهر نقرأ عنهما في 11: 19.

ب- الآيات
في هذا الإطار الإحتفالي جداً، تظهر آية (سامايون) ثلاث مرات. في 12: 1: "وظهرت آية عجيبة في السماء: امرأة تلبس الشمس". في 12: 3: "وظهرت في السماء آية أخرى: تنين عظيم أحمر كالنار". في 15: 1: "ثم رأيت في السماء آية عظيمة رائعة: سبعة ملائكة يحملون سبع نكبات، وهي الأخيرة". هذه هي المرات. الثلاث الوحيدة التي فيها تظهر لفظة "آية" في صيغة المفرد. هي لا تعني "معجزة"، بل علامة نفسّرها. 
هناك تسلسل وثيق بين هذه الآيات الثلاث. هي تشكّل مجموعة كاملة. كلها موجودة "في السماء". ولفظة "أخرى" تربط الآيتين الثانية والثالثة بالأولى. يُقال شيء بسيط عن الآية الثانية. ويكون توسّع طويل في الآية الأولى. هي عظيمة. أما الآية الثالثة فهي عظيمة ورائعة بمعنى أنها تثير الخوف.
حين أشار النصّ إلى هذه الآيات الثلاث، أبرز قسماً جديداً يبدأ مع البوق السابع، وربط ربطاً وثيقاً الكؤوس السبع بالفصول 12- 14 حيث تظهر المرأة والتنين والوحش الأول والوحش الثاني (= النبي الكاذب) الذين سيتواجهون حتى النصر الأخير الذي يرويه البوق السابع.

3- عبارة نموذجية: بروق، أصوات، رعود
ترد هذه العبارة في أربعة أشكال يتوسّع فيها النصّ بشكل تدريجي مستعملاً دوماً الألفاظ الأساسية الثلاث: بروق، أصوات، رعود. في 4: 5: "خرج من العرش بروق وأصوات ورعود". في 8: 5: "حدثت رعود، أصوات، بروق، زلزال". في 11: 19: "وحدثت بروق، أصوات، رعود، زلزال، وبرد كثير". وفي 21: 18- 21: "وحدثت بروق وأصوات ورعود وزلزال عنيف ما شهدت الأرض مثله بهذا العنف منذ وُجد الإنسان على الأرض: تحطّمت المدينة العظيمة... ونزل من السماء على الناس برد كبير بمثقال وزنة، فشتم الناس الله لنكبة البرد هذه لأنها كانت رهيبة جداً".
إن العناصر الأساسية الثلاثة تعود إلى ظاهرة واحدة، هي ظاهرة الرعد. فاللفظة التي تعني "الصوت" هي في العبرية "قول" أي رعد (مز 29: 28). أما البروق فترتبط بالرعد. ما معنى الصورة في العهد القديم؟ في خر 19 وفي إطار تيوفانية سيناء الكبرى، نحن أمام ظهور حسيّ لله. ظهور يعلن عن تدخّل الله في التاريخ. هو رمز يدلّ على أن الله يعمل، دون أن يصوّر عمله بطريقة ملموسة (حز 1: 13؛ أي 37؟ 4).
* ونعود إلى 4: 5. نحن في إطار الرؤية التدشينية. رؤية ثابتة لعرش الله. لا ترتبط العبارة بما سبق ولا بما يلي. إنها تدلّ على قدرة الله الناشطة والمستعدة دوماً لأن تتدخل في حاضر يستمرّ، مثل فوهة بركان يشتعل دوماً. وسوف نرى كيف يتوضّح هذا العمل حتى نهايته.
* تبدأ 8: 5 بلفظة "وحدث" (وكان) بدل الماضي الذي يستمرّ في 4: ه. نحن الآن في كل مرّة أمام تدخّل ملموس محدّد من قبل الله في التاريخ. فالزلزال يشير إلى تدخّل عام يصيب الأرض والبشر. والإطار هو إطار استجابة صلاة القديسين أمام العرش. هذه الصلاة تدعو الله لكي يعمل، وعمله يتوضّح في الأبواق السبعة.
* في 11: 19 يتقدّم العمل، يسير إلى الأمام. فيزاد على الزلزال البرد الكثير (أو: القوي) الذي يعطي لتدخّل الله على الأرض طابع عقاب بارز. والإطار هو إطار تحقيق نهائي للميثاق (أو العهد) بواسطة الدينونة الكبرى. رج 11: 18: "جاءت ساعة دينونة الأموات، ساعة مكافأة عبيدك الأنبياء... ساعة هلاك الذين يهلكون الأرض". وينفتح الهيكل في السماء ويظهر تابوت العهد: الله سيسكن بيننا بعد أن يخزي أعداءه.
* ونجد في 16: 18- 21 العناصر نفسها ولكن مضخّمة إلى آخر حدود التضخيم. فتدخّل الله سيصل إلى أقصى قوته. هناك زلزال لم تشهد الأرض مثله منذ وُجد إنسان على الأرض. وهو يهدم المدينة العظيمة (هذا ما يرويه ف 17- 18). وحبّات البرد كبيرة جداً: 40 كلغ. هي ترمز إلى تدخّل الله الذي يعاقب البشر قبل أن يعطى لهم وقت ليأخذوا حذرهم. والإطار يعود إلى الهيكل وإلى العرش. وكلمة الله "قُضي الأمر" تدلّ على أن هذا. هو الحلّ الأخير.
في الخاتمة، إن العبارة تدل على رؤية العرش (4: 5)، وتشير بطريقة ملموسة إلى تدخّل الله الأزلي الذي لا يوقف مسيرته شيء. مثل هذه الأعمال تبدو متدرّجة حتى الذروة النهائية. هناك عودة إلى العرش (4: 5؛ 8: 3)، إلى الهيكل (11: 19) أو الإثنين معاً (16: 17). وهكذا يكون الرباط وثيقاً بين تسامي الله ومخطّط الخلاص وصلاة القديسين من جهة، وتدخّلات الله في التاريخ البشري من جهة ثانية. وفي النهاية، تأتي العبارة بعد العنصر السابع في السباعية، فتعلن تدخّل الله في الفصول التالية: تدخّل الله على الأرض بواسطة الأبواق (8: 5). عقابه بواسطة الكؤوس (11:-19). دينونته الأخيرة في الكأس السابعة (16: 18- 21). 
4- المجدلات
المجدلات بارزة في رؤ بتواترها وصيغتها الإحتفالية وتوزيعها توزيعاً منظماً في الكتاب. وظيفتها تشبه وظيفة الجوقة في التراجيديا اليونانية، فتجعلنا نعيش الأمور التي حصلت أو تعلن أموراً سوف تحصل. هي ترسل أنظارنا إلى الأمام لا إلى الوراء، فتساعدنا على التأمل في العمل الذي حصل أمامنا. ونقدم إشارات سريعة.
* 4: 8- 11: نستشفّ ما سيحصل في وليْ الكتاب: الإله الكائن، الذي كان، الذي سيأتي، لينال المجد والإكرام والقدرة.
* 5: 8- 14. هي في إجمالها ترسل أنظارنا إلى الأمام: كلى ما سيحصل في الكتاب هو تحت نظر الحمل. بسبب الفداء الذي تمّ والذي يعطي نتائجه التامة في آ 9- 10؛ بسبب صفات الله التي نالها الحمل ليعمل في الزمن الحاضر (آ 12)؛ بسبب مشاركة الحمل في عرش الله في المستقبل. وهذه المشاركة تمنحه مديح الكون كله إلى أبد الآبدين (آ 13).
* 7: 9-12. ينشد البشر الله لأجل ما عمله من أجلهم. ما أعلن في السابق في الكتاب، قد تحقّق الآن. وفي آ 12 ينشد الملائكة الله لما سيعمل في سائر الكتاب.
* 11: 15-18. جاءت النهاية. فلا يتكلّم النصّ عن الله الذي يأتي، بل عن الكائن والذي كان. إذن، من كان سيأتي هو الآن حاضر (آ 15). وهذا ما يقابل البوق السابع. ويبدأ قسم جديد. في آ 18، نستبق الأحداث التي ستتحقق فيما بعد: الملكوت (آ 15) = 12: 10؛ غضب الشعوب (آ 18)= 19: 19؛ 20: 8، 9؛ 20: 11- 15؛ نحن نتطلّع إلى الصراع الذي سيبدأ في ف 12 ولا ينتهي إلا بنهاية الكتاب.
* 15: 2- 4. يشير إلى حرب وإلى انتصار: يقف الغالبون على بحر البلّور ولا يغرقون (كما حدث لبطرس). غير أنهم لم يصلوا بعد إلى الضفّة الثانية. هم في مرحلة عبور.
* 16: 5- 07 الكائن والذي كان. والمستقبل الذي صار حاضراً قد تحدّد: ظهر الله. إنه قدوس (15: 4). لقد اقتربنا من النهاية، والقديسون الذين كانوا يصرخون تحت المذبح (6: 10) قد آستُجيبت صلاتهم.
* 19: 1- 8. تعود آ 1- 4 إلى الماضي: عرف القارىء بدينونة الزانية العظيمة (ف 17-18). وجعلتنا آ 6-8 نستشفّ عروس الحمل المستعدّة للأعراس. ولكنها لن تظهر إلاّ في ف 1 2. والبهجة الإحتفالية لهذه المجدلة، وهتاف هللويا أربع مرات، وتزايد الأصوات حتى الذروة، كل هذا يجعلنا نفكّر بخاتمة نهائية أدركناها منذ الآن ولكنها لم تتحقّق بعد كلياً. هذه المجدلة ستكون الأخيرة. تبدأ على الأرض وتنتهي في السماء حيث لا مكان للزمان والمكان وتبدّل الحالات.

ثانياً: البنية الإجمالية
1- كيف تتوزع القسمات
هناك السباعيات، عبارات الوصل، المجدلات، تماسك القسمات.
أ- السباعيات
نستطيع أن نعتبر ف 4- 5 كقسمة البداية. نحن في الواقع أمام مقدمة لسباعية الختوم. وسنجد في بداية كل سباعية مقطعاً يفتتحها فيشير إلى هذه الرؤية الأولى: 8: 2- 5 (الملائكة يتسلّمون الأبواق، والقديسون يصلّون)؛ 11: 15- 18 (البوق السابع)؛ 15: 2- 7 (الملائكة يتسلّمون الكؤوس)؛ 16: 17 (الملاك السابع). وقد نستطيع أن نعتبر ف 4-5 قطعة مستقلّة بسبب مكانتها المميزة كرباط بين القسم الأول (ف 1-3) والقسم الثاني (ف 5-22). وهكذا تبدأ السباعيات في 6: 01 العنصر السابع يتضمّن السلسلة التالية ويكون بدايتها. إذن، نستطيع القول إن القسم يبدأ مع العنصر السابع في كل سباعية: 8: 1 (ولما فضّ الحمل الختم السابع)؛ 11: 15 (ونفخ الملاك السابع في بوقه)؛ 16: 17 (وسكب الملاك السابع كأسه في الجوّ).
ب- عبارات الوصل
هي عبارة نموذجية ترد في صيغة الحاضر المستمرّ في 4- 5، ثم ترد في زمن (حدث، كان) يدلّ على أحداث محدّدة، وهي موضوعة في سياق العنصر السابع في كل سباعية: 8: 5 (حدثت أصوات)؛ 11: 19 (وحدثت)؛ 16: 18- 21 (وحدثت بروق ورعود).
ج- المجدلات
يعود 4: 8- 11 و 5: 8- 14 إلى الكتاب بجملته دون إشارة إلى القسمات. ويعود 7: 9- 12 (في آ 10) إلى الخلاص الذي حصلنا عليه: فتجاه المحنة العظمى التي بدأت في 5: 12، قد أعطى الله الخلاص للذين غسلوا ثيابهم في دم الحمل. وفي 7: 17 تكون خاتمة القسمة: لأن الحمل الذي في وسط العرش يرعاهم...
يدلّ 11: 15-18 عك بداية قسم جديد، ويبيّن 15: 3-4 (مع عناصر ظهرت في ف 12-13) أننا ما زلنا في قسم بدأ في ف 12. ويحيلنا 19: 1-8 إلى الزانية من جهة، ومن جهة أخرى إلى العروس، فنجد في 17- 18 دينونة الزانية، وفي 21- 22 إنتصار العروس.
د- تماسك القسمات
يشرف على 4: 1- 5: 14 موضوع العرش والجالس عليه، وموضوع الكتاب بختومه السبعة والذي يتسلّمه. إنه الحمل المذبوح. وهكذا يتمازج الموضوعان (العرش، الحمل) تمازجاً رائعاً في 5: 13 (للجالس على العرش وللحمل). ويتوحّد 6: 1- 7: 17 بتسلسل الختوم الستة والخاتمتين: واحدة سلبية (6: 17): جاء يوم غضبه العظيم. والأخرى إيجابية (7: 14-17) تستبق تصوير الخلاص الذي سنجده أيضاً في ف 22. ويتحدد 8: 1- 11: 14 بتسلسل الأبواق الستة الأولى والطابع المحدود لما يحصل: ثلث دمار في ف 8-9؛ شاهدان يعملان 1260 يوماً. يدمّر عشر المدينة في ف 11. وبعد الكتاب الصغير (ف 10) يبقى جزئياً بالنسبة إلى التعليم السرّي في "الرعود السبعة" (10: 4). وحين يُنفخ في البوق السابع يتمّ سّر الله (10: 7).
كيف نوحّد 11: 15-16: 16 ساعة نتخلّى في ف 12-14 عن بنية السباعية؟ في الواقع، البداية محدّدة مع رؤية تابوت العهد الذي يدلّ على تحقيق الأزمنة المسيحانية (2 مك 2: 4- 8). وتظهر عناصر جديدة: المرأة، التنين، الوحشان: إن قوى الشر تنزع القناع عن وجهها فلا تعود خفيّة. وتظهر عناصر ختامية: 14: 8 (إعلان سقوط بابل)؛ 14: 14- 20 (الحصاد الاسكاتولوجي والقطاف)؛ 15: 1 (النكبات الأخيرة التي فيها يتمّ غضب الله)؛ 16: 16 (كل واحد يستعدّ للفصل الأخير من المعركة الأخيرة).
كيف ترتبط ف 12- 14 مع الكؤوس الست؟ إن الثلاث آيات (12: 1، 3؛ 15: 1) تضمّ مجمل القسم و 15: 1-8 (يوازي 11: 15-19) (رج خاصة 11: 19 و 15: 5) يستعيد التواصل فوق ف 12-14. كان خطّ قد بدأ في ف 12-13 (حرب في السماء وعلى الأرض بين المرأة والتنين) فانقطع في ف 14 الذي كوّن كتلة مستقلّة. 
ويدخل 16: 17- 22: 5 بين عبارة "قضي الأمر" تتردّد في 16: 17 و21: 6، بين الزانية التي حُكم عليها فدمّرت (ف 17-18) والعروس التي دخلت في المجد (ف 21- 22). وبين هذين القطبين، نجد وصلة في عناصر مختلفة تشير إلى زوال الملوك والوحشين والتنين تجاه ملك الملوك ربّ الأرباب (17: 14؛ 19: 11- 16).

2- تدرّج خطوطي
حين نلقي نظرة إلى هذه القسمات الخمس (4: 1-5: 14؛ 6: 1- 7: 17؛ 8: 1- 11: 14؛ 11: 15-16: 16؛ 16: 17-22: 5)، نجد تدرجاً يصل إلى ذروته في القسمة الخامسة.
أ- الواقع
إنّ تداخل السباعيات يبيّن أن كتاب الختوم يتضمّن كل شيء. ومع العنصر السابع تبدأ سباعية جديدة. وأسماء السباعيات تدلّ على تدرّج. يُفضّ الختم، يُفتح. نحن في بداية العمل. والذي يفضّه يتسلّط شيئاً فشيئاً على واقع كان خفياً ومحفوظاً لله. وفي الختم السابع، نراه يتمتع بملء السلطان حقاً وفعلاً. وتعلن الأبواق الإنذار والتجمّع من أجل الحرب. هي تُنفخ أمام الملك أو القائد فتتجمّع الجيوش من أجل المعركة. وهي تنفخ لتعلن النصر. مع البوق السابع، تكون الحرب على أشدّها. وتأتي الكؤوس المليئة بالنكبات السبع فتدلّ على التتمة. وتشير إلى المجازاة وغضب الله العادل. وتعيد الكأس السابعة عدالة الله.
ب- تدقيق
كيف ندقّق في هذا الواقع؟ نبيّن في كل قسمة عناصر جديدة تجد خاتمتها في القسمة النهائية. القسمة الثانية (6: 1-7: 7: 17): مشروع الفارس في 6: 2 (حصان أبيض، وراكبه يحمل قوساً) يتحقّق في 19: 11 (فرس أبيض عليه راكب يُدعى الأمين الصادق). إن الموت والجحيم اللذين أطلقا في 6: 8 (راكبه يُدعى الموت والجحيم أو مثوى الأموات) سيُحكم عليهما بأن يقذفا ما فيهما من الأموات (20: 13-14). دم الشهداء الذي يصرخ إلى الله في 6: 10 (إلى متى، أيها القدوس الحقّ، لا تدين سكان الأرض وتنتقم منهم لدمائنا) سيجد جواباً في 19: 2 (إنتقم منها لدم عباده). وغضب الله الذي خافته كل فئات البشر في 6: 15 (ملوك الأرض وعظماؤها) قد تتم فيهم في 19: 18 (تأكل لحوم الملوك).
في القسمة الثالثة (8: 1- 11: 14): بئر الهاوية المفتوح في 9: 2 سيُغلق ويختم في 20: 1-8. وفي القسمة الرابعة (11: 15-16: 16): يصعد الوحشان من البحر والبرّ ليضلاّ البشر. في 13: 1، 11، 14 سيقيّدان، ويعاقبان في 19: 20 (في بحيرة من نار الكبريت الملتهب).
ج- مواضيع أخرى تبرز التدرّج
أولاً: العرش والجالس عليه والحمل
العرش هو الله كما نكتشفه عبر تجلّي قدرته وتساميه في الخليقة. والحمل المذبوح هو المسيح المصلوب والممجّد الذي يشارك قدرة الجالس على العرش في سلطان فريد على الكون. ونجد صورة عن تتمّة مخطط الله في 5: 13 (في نهاية المجدلة): "وسمعتُ كل خليقة في السماء والأرض وتحت الأرض وفي البحر والكون كله تقول: للجالس على العرش والحمل الحمد والإكرام والمجد".
وسنجد هذه الصورة في القسمة الثانية في 6: 16 في إطار من الغضب (يقولون للجبال: اسقطي علينا واخفينا عن وجه الجالس على العرش ومن غضب الحمل) وفي 7: 10-17 في إطار خلاص. غاب الموضوع من القسمة الثالثة وظهر من جديد في الرابعة في 14: 4 (يتبعون الحمل أينما سار)، وفي الخامسة في 19: 7 (عرس الحمل قد حضر). ولكننا نجد التوسّع الكامل في 21-22، وخصوصاً في 22: 1-5 حيث يشكّل ملك الله والحمل الكلمة الأخيرة في الكتاب.

ثانياً: الكؤوس، البخور، صلوات القديسين
إن لرمزية الكؤوس معناها العميق. ففي اللغة البيبلية، الكأس تدل على مصير يحدّده الله لكل إنسان. قد تكون كأساً من الخير والسعادة (مز 16: 5؛ 23: 5) أو كأساً من الشّر والغضب (مز 75: 9؛ إر 25: 15- 29). الكلمة العبرية (كوس. في العربية: كأس) تترجم في اليونانية "بوتاريون". ولكن رؤ تفرّد في استعمال كلمة "فيالي" هي لا ترد إلاّ عنده في العهد الجديد وهي تعني آنية ترافق الذبائح وتقدمة البخور. 
إستعمل رؤ هذه اللفظة في المعنى المجازي وتحدّث عن كؤوس في أيدي 24 شيخاً (5: 8: مع كل واحد كؤوس من ذهب)، وعن الكؤوس السبع في السباعية السابعة (15: 7؛ 16: 1ي مع 9 استعمالات، 17: 1؛ 13:18؛ 9:21.
في 5: 8، ساعة يبدأ العمل، ويستعدّ الحمل لفتح الختوم، تظهر هذه الكؤوس مملوءة بالبخور (أو: العطور) الذي هو صلوات القديسين. إذن، الكؤوس هي صلوات القديسين. وسنجد هذه الصلوات والعطور في 8: 3- 4 (لا تذكر الكؤوس بل ما فيها). فالعطور تعطي نكهة لصلوات البشر فتصبح مقبولة لدى الله.
كل هذا يحصل على مذبح الذهب الذي أمام العرش. فالمذبح هو الموضع الذي فيه يتمّ الإتصال بين الله والبشر، حيث يقدّم الإنسان نفسه لله والله لإنسان. فالشهداء المصلّون (6: 9) هم تحت المذبح. ومن المذبح تأتي الإستجابة. فالمذبح يتكلّم في 9: 13 (سمعت صوتاً خرج من القرون الأربعة لمذبح الذهب) و 16: 7 (سمعت صوتاً من المذبح يقول). ونعود إلى ف 8. ففي آ 2، نرى الملائكة مع الأبواق لا يتحرّكون. في آ 6، يبدأون بالتحرّك؛ ما الذي حدث في تلك الفترة؟ قُبلت صلاة القديسين فدفعت بالملائكة إلى التحرّك.
ونجد المذبح أيضاً في 14: 18 (خرج من مذبح الهيكل) حيث صلوات القديسين المذبوحين قد استُجيبت، وخرج ملاك النار من المذبح ليدعو ابن الإنسان لكي يفعل.
في 15: 1، 7؛ 16: 1 نجد مضمون الكؤوس السبع لغضب الله. يقابل 15: 7 و 16: 1 سبع نكبات غضب الله (15: 1). أي، إن صلوات القديسين الذين كمل عددهم الآن (6: 11) هي القوة التي تعجّل في نهاية التاريخ. هي تدفع الله لكي ينتقم لدم عباده المقتولين، أي يفي وعود ميثاقه. نجد كلمة "انتقم" في 6: 10 و 19: 2. فذبيحة المسيحيين المتحدة بدم الحمل، بذبيحة الحمل، تعجّل في يوم الله. هنا نفكّر في صلوات وتضرّعات المسيح في عب 5: 7، بعبادة المسيحي الروحية في روم 12: 1، بما يقوله بولس في كو 1: 24: "أكمّل في جسدي ما نقص من آلام المسيح في سبيل جسده الذي هو الكنيسة). بما يقوله بطرس: "تنتظرون وتستعجلون مجيء يوم الله" (2 بط 3: 12). بما يقوله لو 18: 1-8: "كيف لا ينصف الله مختاريه الضارعين إليه ليل نهار"؟
وهكذا نفهم كيف صارت ذات الكؤوس الذهبية صلاة القديسين وغضب الله. ونجد هذه الوظيفة المضاعفة في المبخرة الذهبية (كل ما يتعلّق بالله. هو من ذهب، أثمن ما في الكون) في 8: 3، 5. إن نارها المأخوذة من المذبح، نار الله بالذات، تعطّر صلوات القديسين من جهة، ومن جهة ثانية تحرق الأرض وتحرّك تدخّل الله.
إنّ الكؤوس (الصلوات) التي تنتظر الإستجابة تظهر في بداية 5: 8، ثم تظهر مرة ثانية ساعة تستجاب. وبين الإثنين هناك العطور والمذبح اللذان هما الطريق إلى الإستجابة. إنّ النهاية تبدأ ساعة يبدأ إنسان يصلي حتى وإن لم يحصل أمامه شيء منظور.

ثالثاً: الفارس الغالب
فارس على حصان أبيض. هو عنصر يسترعي انتباهنا في كل رؤ. يظهر في 6: 2 عند فتح الختم الأول. لا يقوم بأي عمل محدّد، غير ان لباسه يدلّ على إمكانية العمل عنده. إنطلق إلى الحرب وسيغلب. ويشدّد النصّ على هذا اليقين بالإكليل الذي أعطي له مسبقاً. من هو هذا الفارس؟ نتعرّف إليه حين نعود إلى المقطع الوحيد الذي يتحدّث عن الغلبة في القسمة الأولى. نعود إلى 5: 5: "غلب الأسد الذي من عشيرة يهوذا ونسل داود". الفارس هو الحمل.
بعد هذا يختفي ولا يعود يظهر إلاّ في الغلبة الأخيرة في 19: 11-16. ولكن خلال هذا الوقت نقرأ كلمة غلب، حرب، حارب. في القسمة الثانية نجد الفارس في 6: 2. في القسمة الثالثة (9: 7، 9) يستعدّ الجراد للحرب مع ملكهم (9: 2، 11). نحن أمام استعارة. في 11: 7، خرج الوحش من الهاوية ليحارب القديسين ويغلبهم. وسيهجم على الشاهدين ويقتلهما: مواجهة جزئية وحلّ جزئي: سيقوم الشهيدان ولكن الوحش لا يزال هنا. في القسمة الرابعة نجد حرباً في السماء (12: 7). قُهر التنين (12: 8) وطُرح إلى الأرض (12: 9). وإذ الحرب مستمرّة على الأرض (12: 13، 17)، خرج وحش من البحر (13: 1)، ثم خرج وحش من البرّ (13: 11) يكمّل عمل الوحش الأول: لقد انتقلت السلطة من يد إلى يد: من التنين إلى الوحش (13: 2). من الوحش الأول إلى الوحش الثاني (13: 12). بدا الوحش في زمن أول وكأنه لا يُقهر (13: 4، 7) ولكن غلبته جزئية وموقتة (15: 2) بفضل الحمل الذي أنشد أحبّاؤه الغالبون نشيد الظفر وهم واقفون على البحر (موطن الشّر). بعد هذا، تتهيّأ المعركة الأخيرة: نظّم المثلّث الجهنمي جيوشه: ملوك الأرض (16: 13- 14). ها قد وصلنا إلى الكأس السابعة حيث بدت المعركة الكبرى قريبة.
في القسمة الخامسة ينتهي كل شيء. في 17: 14 نجد المتحاربين: الملوك، الوحشان، الزانية. ثم الحمل الذي يساعده أخصّاؤه، المدعوون، المختارون، المؤمنون الذين وُعدوا بالنصر. حينئذ يظهر الفارس السّري من جديد، على حصانه الأبيض (19: 11- 16) فيتدمّر أعداؤه بترتيب معاكس لظهورهم: الملوك (19: 18)، الوحش الأول والوحش الثاني (النبي الكذّاب) (19: 20). التنين نفسه، الحية القديمة التي هي إبليس والشيطان بعد مهلة ألف سنة (20: 2، 7-10).
في كل قسمة ظهر عدو جديد أو اهتماماته. في القسمة الأخيرة، زالوا كلهم (رج 1 كور 15: 24-27). إذن، مع موضوع المعركة المتشعّب نكتشف عنصراً موحداً ومتدرّجاً من أول الكتاب إلى آخره.

3- شواذ في التدرّج الخطوطي
هل أدركنا معنى رؤ؟ كلا. وإلا لكنا أمام خبر بسيط. فالواقع هو أكثر تشعّباً. وهكذا تبرز عناصر جديدة تدعونا إلى نظرة جديدة.
لاحظنا التدرّج الخطوطي، تدرّجاً ينطلق في خطّ متواصل منذ البداية حتى النهاية. ولكن حين نلاحظ المجدلات نرى أن الكاتب الذي يميّز الماضي والحاضر والمستقبل، يشعر بوحدتها العميقة في زمن يسمو عليها ويشتملها. فالله هو معاً الكائن والذي كان والذي سيأتي. لا شكّ أن هناك عرضاً في ترتيب تاريخي (قبل وبعد)، ولكن النهاية موجودة في البداية وما يُروى في الماضي سيأتي في المستقبل. نحن في "أبدية" يتعاصر فيها كل شيء. وإليك بعض الأمثلة.
* في المجدلات
نقرأ في 11: 15- 18: أنت الكائن والذي كان. لا نقرأ: الذي سيأتي. فالمستقبل صار حاضراً. وفي السياق عينه (آ 15) ننتقل من الماضي (صار ملك العالم) إلى المستقبل (سيملك). وسنجد بعد ذلك فعل ملك في الماضي: ملكت (آ 17).
يشير 19: 1- 8 إلى دينونة الزانية وانتصار عروس الحمل. ولكننا نستعمل الماضي لندلّ على دينونة الزانية التي تحققت من قبل (ف 17-18) وعلى انتصار العروس الذي لم يتحقّق بعد (ف 21- 22).
* في القسمة الثانية (6: 1-7: 17)
في 6: 12-17: الختم السادس. في 6: 17 يُقال: جاء يوم غضبه العظيم. فتحدّثت الآيات السابقة عن خوف البشر. ولكن اليوم العظيم يقع في نهاية مسيرة الأزمنة الأخيرة، وسنجده في مكانه في 16: 14. نحن هنا في استباق. والكاتب بدّل موضع عناصر الخاتمة فجعلها في البداية.
* في القسمة الثالثة (8: 1- 11: 14)
نقرأ في 11: 3-13 خبر الشاهدين العجيب. تصوّر رسالتهما في المضارع (آ 3- 7). ويصوّر موتهما في الحاضر (آ 8- 10) وقيامتهما في الماضي. نحن هنا أمام ترتيب معاكس لترتيب طبيعي للخبر. بالنسبة إلى الكاتب، فما هو ماضٍ وحاضر ومستقبل قد يكون أيضاً "مستقبل، حاضر ماضٍ". إنه يخرج من التسلسل الزمني ويقف خارج الزمن، وهكذا يكون الوضع معزولاً عن توسّع خطوطي في الكتاب، فيشكّل عنصراً منعزلاً.
* في القسمة الرابعة (11: 15- 16: 16)
نقرأ في 14: 6-13. في آ 7: "جاءت ساعة الدينونة". الفعل هو في الماضي. غير أن الدينونة لم تأتِ بعد. في آ 8: "سقطت، سقطت بابل العظيمة". الفعل هو في الماضي. ولكن سيصوّر سقوط بابل في ف 17-18 (خصوصاً 18: 2). في آ 10، العقاب هو في المضارع: "يعرف (يقاسي) عذاب النار". والنتيجة هي في الحاضر: "دخان عذابهم يصعد أبد الدهور" (آ 11). إذن، نجد الماضي والحاضر والمستقبل وقد انتزعت من التسلسل الكرونولوجي العادي في الكتاب.
* في القسمة الخامسة (16: 17- 22: 5)
في 17: 8 يصوّر الوحش الذي يُلهم الزانية. "الوحش الذي رأيته كان وما عاد كائناً). "سيصعد بعد قليل من الهاوية". نستطيع أن نبذل الأزمنة كما نشاء. وُجد الوحش (13: 1 ي). ولم يعد يُوجد. ولكن كيف يعاقَب في 19: 20؟ يتحدّث النصّ عن خروجه من الهاوية، بينما صوّر الوضع في 13: 1. لقد أراد الكاتب أن يقول لنا إن الوحش الذي أقحمه في تسلسل الزمن هو في الواقع خارج الزمن. وهذا ما يتيح له أن ينسب إليه كل الأزمنة وإن لم تتوافق منطقياً. فالوحش هو دوماً هنا وفي الوقت عينه يُولد من جديد. هو غير موجود مع أنه واقعي ومعدّ للعدم.
ونستطيع أن نفسرّ هذا النصّ بشكل مختلف. أراد الكاتب أن يعارض بين إسم الله وإسم الوحش، فقدّم صورة معاكسة: الكائن، الذي كان. ثم الذي كان والذي لا يكون. وقدّم كذب قيامة الوحش (سيخرج من الهاوية ويذهب إلى الهلاك، رج 13: 4) تجاه قيامة الحمل الحقيقية (كنت ميتاً وها أنا حيّ إلى أبد الدهور، 1: 18). أو في 17: 8 تتعارض "كان، ما عاد كائناً، سيظهر" مع "الكائن، كان، سيأتي".
مهما يكن من أمر، هناك تيار في رؤ يحاول أن "يفسد" الترتيب الكرونولوجي. إن الكاتب يعرف المعنى الدقيق للزمن ولمسيرته، ولكنه يحرّك عناصره إلى الأمام أو إلى الوراء وكأنها متوازية. فكأنه يقول لنا إن تسلسل الأحداث في كتابه هو خارج زمن محدّد لأنه يضمّ كل زمن ممكن. إنه يحاول أن يرتّب أحداث كتابه، ولكنه يعرف قيمتها المستمرّة بالنسبة إلى الجماعة الكنسية، والواقعة ما وراء التاريخ. بالنسبة إلى المسيحي، الخلاص هو كله هنا، ولكنه كله خارج متناولنا. قال بولس الرسول: "نحن مخلّصون... في الرجاء" (8: 24). نحن نملك كل شيء، والأبدية قد بدأت، ومع ذلك ما زلنا ننتظرها. هذا ما يقوله صاحب رؤ مضحياً بمنطق الصرف والنحو على مذبح الخبرة المسيحية.

خاتمة
تعلّمنا الكثير عن بنية ف 4-22. إكتشفنا كتاباً مرتباً بحسب دينامية متدرّجة تذهب من "قبل" إلى "بعد"، من "بداية" إلى "تتمة". وبرزت الكلمات الأساسية بواسطة أساليب أدبية متنوّعة. كما اكتشفنا نسبية التسلسل الزمني حين رأينا أن الكاتب يبدّل موقع الأحداث من "بعد" إلى "قبل". إنه يدلنا على أن هذه الأمور ليست على مستوى الخبرة اليومية. لا شك في أنها تتسجّل في الزمن، ولكنها تتجاوزه لأنها تُقاس بمدى آخر يفلت منا: تُقاس بمدى الله الأبدي.

 

 

الفصل الخامس عشر
العرش في السماء
4: 1-11

في هذا النصّ (4: 1- 5: 14) الذي يتبع الرسائل السبع ويسبق خبر فتح الختوم السبعة، تتأمّن الوحدة بالنسبة إلى 4: 1- 11 بالعودة إلى العهد القديم. وبالنسبة إلى 5: 1- 14 بالعودة إلى العهد الجديد. فالنبي حزقيال (بشكل خاص، ف 1، 10) يلهم الجزء الأول مع رؤى لم ترد في الكتاب المقدس. أما الجزء الثاني فيدلّ على تقارب مع اللاهوت اليوحناوي بسبب موضوع الحمل (5: 6، 8، 12، 13). إن تكرار لفظة "حمل" تدهشنا جداً. نقرأها مرتين في كل العهد الجديد (يو 1: 29، 36) و 29 مرّة في رؤ.
مع ف 4 يبدأ القسم الرئيسي في رؤ. وتشكّل الرؤية التدشينية (4: 1- 5: 14) إفتتاحاً إحتفالياً سنعود إلى مواضيعه اللاهوتية بشكل مستمرّ. سنجدها بشكل خاص في نهاية رؤ مع تعابير قوية جداً. إن هذا النصّ يشبه فسيفساء مؤلفة من عدّة أحجار ثمينة، قد أخذ أكثرها من العهد القديم. نلاحظ معرفة واسعة لعالم الجليان البيبلي واللابيبلي. كما نلاحظ قوة التأليف التي إنطلقت من نصوص وأفكار متنوّعة لتصل إلى كتاب واحد موحّد.
وما يدلّ على إيمان الكاتب وتقواه، هو أنه لا يكتفي بأن يصوّر في عبارات مقولبة وبشكل غير شخصي، ما رآه وما سمعه. ولكنه كتب حقاً هذه الرؤية بقلبه، فقدّم فيها لاهوت حياته وحياة كنيسته. إننا نراه راكعاً، ساجداً أمام عظمة الله الجالس على العرش، وأمام الحمل الواقف "كأنه مذبوح". هذه الرؤية الأولى التي تتضمّن أربع مجدلات (4: 8؛ 4: 10- 11؛ 5: 9- 10؛ 5: 12- 14) لم تدوّن في لغة "باردة"، بل بقلب يصلّي وحماس ليتورجي يصارع الكلمات ليعبّر في لغة البشر عما لا يستطيع العقل البشري أن يحيط به.

1- بداية قسم جديد (4: 1- 12)
"بعد هدا رأيت" (آ أ). هي عبارة إنتقالية نجدها في 7: 1، 9؛ 15: 5؛ 18: 1. كما نجدها في الكتب الجليانية. إنها تدلّ على إنقطاع "تام" مع ما سبق، وتبرز باحتفال أهمية رؤية جديدة.
"إنفتح باب في السماء". إن العالم العلوي يتضمّن عدّة طبقات تتزايد سرّيتها وقداستها بقدر ما نقترب من الله. فهناك سماوات عديدة: 3 أو 7. وهناك أبواب متعاقبة تمنعنا من ولوجها. تجاوز أخنوخ في رؤيته باباً أول واكتشف باباً ثانياً منه استشفّ عرش الله (1 أخنوخ 14: 12، 15). هذه الصورة التي تقابل السماوات المفتوحة في حز 1: 1؛ رؤ 19: 11؛ مت 3: 16 وز؛ أع 7: 56، ترد مراراً في العالم الصوفي اليهودي فتدلّ على الوصول إلى وحي أسمى، لا يعطى حتى في السماء، إلاّ لأقليّة قليلة: رؤية عرش الله ومجده.
من فتح الباب؟ ليس يوحنا هو الذي فتحه، بل فُتح من الداخل. فالباب المفتوح هو في حدّ ذاته نعمة ودعوة يشير الصوت إلى مصدرها. 
"الصوت الأول الذي خاطبني". نعود هنا إلى رؤية إبن الإنسان (1: 10). هناك كان الصوت صوت ابن الإنسان، وهنا ربّما. لا نستطيع أن نحدّد. فهناك أصوات عديدة تخرج من عرش الله (4: 5). هي تعبّر عن فكر الله (6: 6؛ 9: 13؛ 10: 4، 8؛ 11: 12؛ 12: 10؛ 1:16، 17؛ 4:18؛ 5:19؛ 3:21).
وقال الصوت: "إصعد إلى هنا". لا نجد هذا الأمر إلاّ لدى الأنبياء. بل نجده فقط في سفر الخروج حيث يصعد موسى إلى سيناء بناء على أمر الله (24: 1، 9، 12، 15؛ تث 10؛ 1- 3). هكذا نتذكّر الميثاق القديم الذي يوجّه أنظارنا إلى الجديد.
"لأريك". لا يقول الله فقط: يُري. يختلف عن الأنبياء، والرؤية تسبق السماع في الرؤى. وإن لفعل "رأى" عند يوحنا معنى وحي لعمل الله (يو 19:5-20؛ 20: 20).
"ما سيكون (سيحصل) من بعد". المسألة المطروحة منذ البداية هي مسألة مسيرة تاريخ العالم. وجدنا العبارة في 1: 19. فهدف الكتاب هو إعلان من سيأتي قريباً، بشكل عاجل وأكيد أي المسيح (1: 1؛ 22: 6). في الأصل، فتحت الوحيَ رؤيةُ العرش في ف 4. كنا سنقرأ في 4: 1: "سأريك ما سيحصل قريباً". ولكن حين دخلت الرسائل مع الرؤية الإعدادية، تبدّل التصميم فميّز بين ما هو الآن (ف 2- 3) وما سيحصل فيما بعد (ف 4- 22) كما كتب في 1: 19. من هنا كانت العبارة: "أريك ما سيكون بعد ذلك" بدل "أريك ما سيأتي في الحال" (رج دا 1: 28- 29). غير أن يوحنا شدّد على التقارب العميق بين الإيحاءات المتعلّقة بالكنائس ورؤية العرش. رج عبارات مماثلة بين 1: 10، 19، و 4: 1- 2 أ: الصوت، البرنامج، الروح الذي يمسك الرائي.
"وفي الحال اختطفني الروح" (آ 2). هذه هي النتيجة المباشرة للأمر بالصعود إلى السماء. جاء الأمر من الله... بنعمة الروح. تعني العبارة في 4: 2 كما في 1: 10، لا اختطافاً جسدياً على مستوى المكان (جسد يخطف من مكان إلى آخر) (كما في 1 أخنوخ 14: 8). بل عبوراً على مستوى الإيمان، وإمتداداً لإمكانية الادراك. وذلك بفضل الروح الذي يتيح لنا أن نرى ما ليس بمتناول العقل البشري (رج 1 كور 2: 7- 16).
إذن دُعي يوحنا لأن يقف على باب السماء ويشاهد أسرار الله: موضع إقامته وسرّ عنايته. وسوف يرى من زاوية الله مسيرة أحداث العالم.
ما يحدث الآن، لا يمكن أن يتخيّله إنسان. الله يعرّفنا بذاته دون أن نستحقّ ذلك. فالرؤية (4: 1) لا نستطيع أن نحصل عليها بقوتنا البشرية. ما نشاهده ينعكس في رؤية الإنسان بشكل يحيّر ويبعث على الاضطراب، وذلك من أجل الفرح والتعزية (خر 3: 3؛ 1 صم 3: 15؛ إر 14: 14؛ 23: 16؛ دا 7: 1؛ 8: 1؛ 10: 7؛ يوء3: 10؛ مت 17: 9؛ أع 10:9؛ 9:16؛ 9:18).
نشير هنا إلى أن يوحنا إستفاد من نماذج سابقة ليصوّر وقائع علوية تعجز عنها كلمات البشر. لجأ إلى الرموز التي لا تكفي لتعبّر عن الواقع نفسه. الرموز هي مرتكز توجه فكرنا إلى ما لا يدرك. نحن لا نتمسك بالمرتكز وإلاّ لم نصل إلى الحقيقة الموحاة. ولكننا لا نستطيع أن نتفلّت من المرتكز، وإلاّ بنينا كتاباً ولم نقرأ وحياً يقدّم إلينا.
ليست هي المرة الأولى التي فيها تحاول التوراة أن تتصوّر هيكل الله وعرشه وقصره. ففي 1 مل 22: 19، رأى ميخا بن يملة الملك ومجلسه. وفي أش 6: 1- 6 رأى النبي الملك (6: 5)، رأى الله القدير في هيكله السماوي مع العبادة التي يؤدّيها له السرافيم. وفي حز 1: 1- 28، يرى النبي إله العاصفة يختفي في السحاب ويأتي إلى النبي في أرض المنفى. وفي أخنوخ 14: 8- 25 يرى "الرائي" الإله السماوي المختفي وراء الغيوم، في بلاطه الناري. وفي دا 7: 9- 14، يرى الرائي الله الأزلي جالساً على عرش من نار (تدلّ النار على حضور الله). يقف الديّان، يفتح الكتب ويعاقب الخطأة ويستعيد بشكل منظور تدبير العالم بفضل إبن الإنسان الذي يسلّمه ملكاً أبدياً. سنعود إلى هذه النصوص التي تصوّر الله كالملك وديّان العالم والرب القدير، ولا ننسى المسافة بين هذه النصوص ورؤيا يوحنا.

2- صورة العرش (آ 2 ب- 3)
بعد البداية، نكتشف رؤية عرش الله والعبادة التي تؤدّى للخالق (4: 2 ب- 11). نبدأ بصورة العرش (آ 2 ب- 3) وقاعة العرش (آ 4- 6 أ)، فنصل إلى الأحياء الأربعة (آ 6 ب- 8 أ) وننتهي مع العبادة السماوية (آ 8 ب- 11).
ونبدأ بصورة العرش. فالعرش هو بالنسبة إلى الأقدمين علامة كرامة الملك الذي لا يُدنى منه. وإذا عدنا إلى لغة التوراة، نفهم أننا لا نعبّر عن سر الله إلاّ بصور وتشابيه: العرش (حز 1: 26؛ 10: 1). اليشب (حز 28: 13). العتيق والزمرد (حز 28: 13). قوس غمام (حز 1: 27- 28). بما أن الله وحده يستطيع أن يعرف الله ويصوّره، فقد حاول رائي بطمس أن لا يتحدّث إلاّ بما أحسّ به في هذه الرؤية. فبحث في العالم البيبلي واللابيبلي عن عبارات تساعده على نقل لقائه مع الله إلى الآخرين. 
"وإذا بعرش منصوب في السماء" (آ 2 ب). تشرف على كل هذا الفصل لفظة "عرش". ترد 14 مرّة، منها مرتين في صيغة الجمع حيث نرى عروشاً (الاثنا عشر) أخرى تحيط بالعرش الأول، عرش الله.
تتحدّث التوراة مراراً عن السماء على أنها عرش الله (أش 66: 1؛ مز 11: 4؛ رج مت 5: 34). رأى ميخا بن يملة وأشعيا الله على عرشه. ولكن حز 1 هو الذي ألهم يوحنا بشكل خاص. إن فصل حزقيال هذا يصوّر المركبة التي يجلس عليها الله. يرمز هذا العرش إلى الملك وهكذا يكون يوحنا أمام السلطة العليا. ومع ذلك فهو لا يقول شيئاً.
"ويجلس على العرش واحد". حنى الرائي رأسه. هو الرب وإن كان لم يُذكر اسمه. هناك أيقونات صوّرت الله بشكل عرش فارغ. فالله يبقى غير منظور لأنه بهاء يبهر العيون بنور لا نستطيع أن نتصوّره إلاّ بالحجارة الكريمة.
"ومنظر الجالس على العرش كحجر اليشب والعقيق، وحول العرش قوس غمام منظره كالزمرد". عاد الكاتب إلى الحجارة الكريمة التي لا نستطيع دوماً أن نتبيّن طبيعتها (لهذا اختلفت الترجمات). وكذا نقول عن الألوان (21: 1). في حز 1، بدا العرش مثل اللازورد (أزرق). ثم كان اللون الأحمر واللون الأخضر. هذا ما يدلّ على قوس قزح (ألوان سبعة كمال الألوان) الذي هو علامة عهد بين الله والبشر (تك 9: 12- 17؛ رج حز 1: 28). إن يوحنا "يرى" في ألوان، وهو لا يريد أن يقول إلاّ ما نقرأه في 1 تم 6: 16: "الله يسكن في نور لا يدرك". أو في مز 104: 2: "يلتحف بالنور كرداء". إن يوحنا لا يصوِّر الله (الله لا يصوَّر). بل يوجّه قلوبنا إلى معنى أعمق من الصور.

3- قاعة العرش (آ 4- 16)
هذا النص (مع الشيوخ 24) قد فسّر تفاسير مختلفة حين نضعه في سياق بيبلي أو في سياق لا بيبلي. هناك 24 فرقة من الكهنة اليهود (1 أخ 24: 5 ي). أو: 24 فرقة من المغنّين (1 أخ 25: 1 ي). أو: 24 شخصاً يمثّلون شعب العهد القديم. أو: 12 (أباً) و12 (رسولاً) يمثّلون شعب العهد القديم وشعب العهد الجديد. أو: 24 شخصاً يمثّلون الحلقة التي تحيط بالأسقف. يبدو أن هذه الصورة أخذت من الحياة الليتورجية في الجماعة الأولى، فرأت الأسقف محاطاً بالشيوخ خلال الاحتفال بالافخارستيا. وهذا الاحتفال يشير إلى الليتورجيا السماوية حيث المشاركون يلبسون الثياب البيضاء (بالمعمودية صاروا كهنة)، وتكون على رؤوسهم أكاليل من ذهب (هم ملوك).
العرش هو في وسط الصورة مع حروف الجرّ: على العرش (آ 2). حول العرش (آ 3 ب، 4). على العروش (آ 9، 10). أمام العرش (آ 10). وسيجمع الرائي في نظرة واحدة الأفق ويجعله حول العرش. ينطلق من الخارج فيعود إلى المركز، إلى المحور. يبدأ في الدائرة الخارجية، فيرى: "24 عرشاً، وعلى العروش 24 شيخاً" (آ 4). فمن هم؟ ليسوا ملائكة، بل بشر. ففي رؤ يرتدي البشر وحدهم أكاليل (2: 10؛ 3: 11؛ 6: 2؛ 12: 1؛ 14: 4)، ولباساً أبيض (3: 4، 5، 18؛ 6: 11؛ 7: 9، 13؛ 16: 15؛ 19: 34). ويوعد المسيحيون بعروش سماوية (3: 21؛ رج مت 19: 28). واسم "الشيوخ" يدل على "الكهنة" (أو: القسس: قشيشا في السريانية يدلّ على الشيوخ. رج قسيس في العربية) وهم المسؤولون عن الجماعات اليهودية والمسيحية. دورهم دور ليتورجي. إنهم جالسون. هذا يعني أنهم ممجّدون.
ولكن، ما هي هويّة هؤلاء الأناس الممجّدين؟ قد نفكر بفئات الكهنة الأربع والعشرين. بل هناك أشخاص عظماء في العهد القديم رآهم اليهود والمسيحيون ممجّدين في سماء الله (لو 16: 19- 31؛ مت 8: 11- 12؛ عب 11: 2- 12: 1). في 4: 11 هم ينشدون الله الخالق. وفي 5: 5، يحيّون الحمل مع ألقابه المسيحانية المذكورة في العهد القديم.
ولكن، لماذا هم 24؟ أسفار التوراة العبرية هي 24. في الواقع هناك 22، حسب عدد حروف الأبجدية العبرية (والأرامية والسريانية). غير أن العالم اليهودي يتحدّث عن 24، بمعنى شاهدين لكل سبط من أسباط إسرائيل الاثني عشر. وهكذا، حين يكشف الله عن نفسه في مجده، يرى الرائي حوله "كتاب" العهد القديم، يرى هؤلاء "الآباء" الذين كانوا أداة الوحي النبوي، والذين يشاركون الآن في شعائر العبادة السماوية. لقد نالوا مسبقاً الحظ الموعود به للمؤمنين في العهد الجديد. يقول يسوع: إن إبراهيم رأى يومه وفرح (يو 8: 56). ويقول يو 12: 41 إن أشعيا شاهد مجد المسيح وحدّث عنه. يذكر العرش والملابس البيضاء والاكليل. إنهم ملوك يمارسون قضاء الله (5: 10؛ 20: 4؛ رج دا 7: 9- 10). إنهم كهنة بعبادتهم ومديحهم (5: 10).
لا يجعلنا الله نراه مباشرة، بل يكشف عن ذاته بواسطة من يعتبرونه الواقع الأسمى. والقارىء مدعوّ ليشاهد الله عبر شعائر العبادة التي يؤدّيها له عبّاده منذ البدايات.
"ومن العرش خرجت بروق وأصوات ورعود" (آ 5). نار وضجّة. في المدى الموجود بين عروش الشيوخ وعرش الله. هي جزء من لغة التيوفانيات التي فيها يجعل إله العاصفة الناس يرونه (خر 19: 6؛ حز 1: 13). إنّها تدلّ على عمل الله المخيف واتصاله بنا، على قدرته الناشطة دائماً والمستعدة للتدخل. أجل الله هو السرّ المخيف (مز 18: 14؛ 50: 3). وهناك أرواح الله السبعة (1: 4؛ 3: 1؛ 5: 6) أي الروح القدس بعطاياه المسبّعة، فيرتبط بنار العنصرة (أع 2: 33؛ مت 3: 11). وقد نكون أمام الملائكة السبعة (رج طو 12: 15؛ رؤ 8: 2) المذكورين مراراً في الأدب الجلياني. وهم: أوريئيل (يشرف على العالم). رافائيل (يشرف على عقول البشر). راجيل (يمارس إنتقامه ضدّ عالم النور). ميخائيل (يشرف على شعب إسرائيل والخواء). ساريئيل (يراقب أولئك الذين يدفعون الآخرين إلى الشر). جبرائيل (يشرف على الفردوس). رامئيل (المسؤول عن حراسة الذين يقومون من الموت).
"سبعة مشاعل نار متقدة". هي في خطّ وسائل العمل والتعبير عن الله. إنها تختلف عن المنائر التي تدلّ على الكنائس (1: 20). وهي تخصّ في الأصل الأدوات العبادية في الهيكل بشكل شمعدان بسبعة سرج (خر 25: 31- 40؛ 27: 20- 21). حسب زك 4: 10، هذه المشاعل (أو: السرج) هي أعين الله السبع (5: 6). وهي ترمز إلى حضور الروح المسبّع (في كل مكان) والكامل الذي ينير الأرض (1: 4).
"أمام العرش مثل بحر من زجاج يشبه البلور" (آ 6). يرى حز 1: 22 أن الجلد الذي يرتكز على رأس الأحياء الأربعة يشبه البلور. وحسب تك 1: 7، فصل الله المياه السفلى عن المياه العليا. وبما أن العرش هو فوق الجلد، فمن الطبيعي أن يجد أمامه بحر المياه العليا (حز 4: 29 ي). المياه السماوية تعتبر مجمّدة (1 أخنوخ 14: 10، 13) فلا تتميّز عن الزجاج أو البلور.
هذا البحر الهادىء يرمز إلى الاتصال بين العرش والخليقة، كما يرمز إلى المسافة اللامحدودة التي تفصل الله عن الخليقة، لأن بحراً يمتدّ بين باب السماء (حيث يقف يوحنا) والعرش.
وهكذا نرى أن العرش هو في وسط الهيكل السماوي، وقد تصوّره الرائي شبيهاً بالهيكل الأرضي: سرج (4: 5). موسيقى وعطور (أو بخور) (5: 8). نشيد قدوس (4: 8) الذي ينشد في الهيكل السماوي كما يقول أشعيا. أما الإشارات اللاحقة في هذه الرؤية التدشينية (8: 3- 5؛ 11: 19؛ 16: 17) فتزيد بعض التفاصيل مثل المبخرة وتابوت العهد والدخان...
ثم إن هذا الهيكل يتماهى مع عظمة السماء نفسها. فالرؤية كبيرة وهي تغطي كل مدى السماء. أما 24 شيخاً فهم صورة بعيدة عن آلهة بابل (الكواكب). والأبرار هم كالنجوم في السماء (دا 12: 3). والسرج السبعة تدلّ على الكواكب السبعة... كل هذه فرضيات ذكرناها، ولكنها لا تزيد شيئاً على فهمنا لسفر الرؤيا.

4- الكائنات الأربعة (آ 6 ب- 18)
"وفي وسط العرش وحول العرش، أربعة أحياء ممتلئة عيوناً من الأمام ومن الوراء...". هذا ما يحيلنا إلى حز 1: 5، حيث نجدها في وسط النور. أمّا هنا فهي في وسط العرش وأمام العرش: نتخيّل أن كل حي يقف تحت العرش. إذن، هناك علاقة وثيقة بين الأحياء والعرش. هي تشبه البشر في حز 1: 5. وفي حز 1: 6- 12 صارت شبيهة بالكروبيم (رج حز 10: 1- 22) التي كانت تحمل الله (مز 18: 11) قبل أن تُوضع على أبواب الهيكل لتمنع الناس من الدخول (تك 3: 24). كان لها أرجل ثور وجسد أسد وأجنحة نسر ووجه بشر (إذن، وجهات أربع). في يوحنا، صار لكل واحد وجه خاص به: الأسد، الثور، وجه الإنسان، النسر الطائر. وقد جعل يوحنا هؤلاء الأحياء الأربعة شبيهين بالسرافيم الذين ينشدون في رؤية أشعيا.
ما هو الواقع الذي تدلّ عليه الأحياء الأربعة: أن الرقم 4 يرتبط بجهات الكون الأربع، برياح الأرض الأربع (7: 1). والأحياء تدلّ على الكون كله. فالثور يمثل الحيوان الداجن. والأسد الحيوان المفترس. والنسر الطيور. وأخيراً الإنسان. أما كثرة العيون فدليل على العلم الشامل وعناية الله الساهرة.
هناك تقليد قديم جداً يرى في الأحياء الأربعة الإنجيليين الأربعة (إيريناوس، القرن الثاني): "بما أن هناك أربعة أقطار العالم والرياح الأربع الخارجة من الجهات الأربع. وبما أن الكنيسة مزروعة في كل الأرض، وبما أن عمود الكنيسة وأساسها هو الإنجيل وروح الحياة، فمن الطبيعي أن تسند الكنيسة عواميد أربعة ترسل إلى كل جهة روح عدم الفساد وتحيي الإنسان".

5- العبادة السماوية (آ 8 ب- 11)
وتتوسّع الصلاة، لأن أول واجبات الكائنات السماوية هو الليتورجيا وتمجيد الله الدائم: "هم لا يرتاحون ليلاً ولا نهاراً".
أ- الإطار
كانت الرؤية جامدة. فتحرّكت وصارت ليتورجيا. غير أن العمل الليتورجي سيدور حول العرش وحول الساكن على العرش. توزّع نظرنا بسبب الاحياء الأربعة التي تنشد للجالس على العرش، وبسبب أفعال العبادة التي يؤدّيها الشيوخ أمام الجالس على العرش، فيطرحون أكاليلهم أمام العرش (آ 10).
وهذا العمل الليتورجي ليس حدثاً يحصل في ساعة معيّنة ويتوقّف. إنه يتكرّر بشكل مستمرّ. "هي لا تنفك ليلاً ونهاراً تقول" (آ 8). يقول أخنوخ 71: 7 إن حرّاس العرش لا ينامون أبداً. لهذا يسقون "الساهرين" (عيري في السريانية). والعيون المتعدّدة المنتشرة في كل مكان تدلّ على سهر دائم لا زلّة فيه. لا ينقطع تسبيحهم ليلاً ونهاراً. ويسير النشيد بين جوقتين: بين الأحياء والشيوخ. والأحياء هم الذين يقودون الصلاة التي هي عبادة الخليقة بما فيها من نظام وإستمرارية. فالكون نفسه يرى في الله ملكه، وينشد مجدلة هي إفخارستيا وتعبير عن إكرام عميق وعبادة. يقدّم المجد والإكرام كما في مز 29: 1؛ 96: 7.
"ركع الأربعة والعشرون شيخاً" (آ 10). بدأت الخليقة عبادتها، فتجاوب معها البشر. فالشيوخ يتوجّهون بعبادتهم إلى الخالق، وإلى الله الذي يقود التاريخ، ويعبرّون عن سجودهم حين يطرحون أكاليلهم عند قدميه بحيث لا يبقى إلاّ الجالس على العرش. ويُعطى أخيراً إسم الله مرتين" في آ 9 وآ 10 (رج 10: 6؛ 15: 7). هو الحيّ إلى أبد الدهور. هذا الإسم يُدخل بُعد الزمن ويهيئنا لنقرأ سائر الكتاب. فصوت الخليقة وصوت البشر يدلاّن على حيوية الله الدائمة. في 1: 18، سمّي المسيح الحي. أجل، إن المسيح هو وحي الله التامّ.
ب- مضمون الليتورجيا
هناك قدوس. ثلاث مرات (أش 6: 3). دخل نشيد أشعيا في الليتورجيا المسيحية الأولى. في كلمات نقرأها في 1: 18: الرب، الإله القدير، الكائن والذي كان والذي سيأتي. هنا نجد الماضي والحاضر والمستقبل. في 1: 18: الحاضر والماضي والمستقبل: كل هذا يعدّ الطريق لتدخّل الله في التاريخ.
وتوضح آ 11 موضوع فعل الشكر: الله مبارك لأنه خالق. وهذا ما يؤكّد أنه يجب أن نفهم الرؤية في علاقتها بالله الخالق. "أنت الذي خلقت الكون" (الأشياء كلّها). إن 24 شيخاً يمثّلون كل العالم المخلوق الذي أراده الله للتسبيح والعبادة. إن الإنسان الذي تسلّم هذه الموهبة الإلهية دون أن يستحقّها، سيجعل نفسه صغيراً أمام الله خالقه.
"بمشيئتك كانت ووجدت". نجد هنا تلميحاً إلى وجود "الواقع السماوي" قبل وجود الواقع الأرضي (في مخطّط الله). فالواقع الأرضي هو صورة عن الواقع السماوي. هذا الاعتقاد نجده في العالم اليهودي كما في المسيحية الأولى. وبما أن الله خلق في البداية، فهو يستطيع أن يعمل حتى نهاية الزمن. وينتهي الفصل بالاعتراف بحقّ الله بأن يمجّد ويكرّم من أجل قدرته التي تحدّد بشكل إيجابي مسيرةَ الأحداث.

 

 

الفصل السادس عشر
الكتاب والحمل
5: 1-14

حين استشرفنا ف 4- 22، إكتشفنا المكانة المميزة التي يمثّلها ف 4- 05 إنهما مقدّمة القسم الثاني، القسم الجلياني بحصر المعنى. وهذه المقدمة تشرف على كل الكتاب. فمنها ينطلق كل الكتاب الذي هو توسّع في الختوم السبعة. ثم إن الرؤية البهائية لليتورجيا السماوية أمام العرش والحمل الفادي تشكل خلفيّة مخفيّة لكل تاريخ تتمة الأزمنة. وستعمل هذه الرؤية السماوية عمل الوراء الشفاف على مدّ الفصول التالية. فهي تقدّم بشكل مميّز سباعية الختوم، وتظهر من جديد وتتكمّل في كل عنصر سابع من السباعية (8: 2- 5؛ 11: 15- 18؛ 15: 2- 7؛ 16: 17)، وفي النهاية تمتزج مع رؤية أورشليم السماوية، بعد أن يكون نورها قد اجتاح العالم بحيث يبقى العرش والحمل في قلب المدينة من أجل ليتورجيا لا تنتهي. (21: 22- 22: 5).
وسنعود إلى المواضيع الرئيسية (العرش، الحمل) في كل قسمات الكتاب. كل هذا يبيّن أهمية ف 4- 5 لفهم الكتاب ومواضيعه. إنهما يعلنان الرؤى اللاحقة ويشرفان على تفسيرها.
درسنا ف 4 وفهمنا أن الليتورجيا المسيحية هي مشاركة في الليتورجيا السماوية الأبدية، وهي استباق للملكوت والنهاية. يبقى علينا أن ندرس ف 5 لنكتشف كيف أن المسيح يحقّق العهد القديم ويقدّم وحيه الحقيقي والنهائي.

1- نظرة إجمالية إلى ف 5
أ- وحدة الفصل وتصميمه
"ورأيت سفراً مختوماً بسبعة ختوم" (آ 1). سيُشرف على كل الفصل عبارتان: كتاب السبعة الختوم والحمل. يشرف "الكتاب" على آ 1- 5. فهو العنصر المركزي الذي يعود في كل آية. وفي آ 6، تبدأ. عبارة "حينئذٍ رأيت" توسيعاً جديداً مع لفظة "الحمل" الذي إليه تعود آ 6- 14. لا يختفي الكتاب في هذه الآيات، ولكنه يظهر من جديد في آ 7- 9 لكي يتحّد إتحاداً وثيقاً مع الحمل بحيث يصبحان مجموعة واحدة: الحمل صاحب الكتاب. ويعبرّ عن الرباط بين الحمل والكتاب بمفردة "يحقّ" التي توحّد بين أجزاء الفصل كله (آ 2، 4، 9، 12): من يحق له/ لم يوجد أحد يستحق/ الحمل المذبوح انت مستحق/ هو مستحق. ينتج عن كل ذلك وحدة أدبية- في الفصل كلّه. ثم إن ف 5 (شأنه شأن ف 4) يتضمّن حالة جامدة (آ 1- 5) وحالة متحرّكة (آ 6- 4): يُعطى الكتاب للحمل مع الليتورجيا التي تلي.
وهكذا نستطيع أن نقدم تصميمين.
- الأول في ثلاثة أجزاء، إنطلاقاً من لفظة "رأيت" ولفظة "يحق".
آ 1- 5: من يحق له أن يفتح الكتاب؟
آ 6- 10: ظهور الحمل الذبيح الذي يأخذ الكتاب: أنت مستحق أن تفتحه.
آ 11- 14: هتفوا كلهم: مستحقّ.
- الثاني في جزئين مقسومين إلى شقين:
آ 1- 7: تسلّم الحمل الكتاب. تضمين في آ 1 وآ 7: الكتاب في اليد اليمنى للجالس على العرش.
آ 1- 5: الكتاب: من يحقّ له؟ تضمين في آ 1 وآ 5: الكتاب والختوم السبعة.
آ 6- 7: أخذ الحمل الكتاب. تضمين في آ 6 وآ 7: العرش.
آ 8- 14: ليتورجية هتاف. تضمين في آ 8 وآ 14: سجود الأحباء والشيوخ.
آ 8- 10: نشيد خدّام العرش كما تعرفنا إليهم في ف 4: يحقّ لك.
آ 11- 14: وتوسّع النشيد فضمّ الملائكة وكل خليقة: مستحقّ.
ب- رباط ف 5 مع ف 4
هناك رباط قويّ بين الفصلين. فالموضوع المسيطر في ف 4 (العرش) يعود في بداية كل مشهد في ف 5 (آ 1، 6، 11، 13). وهو يرتبط إرتباطاً واضحاً مع كل مواضيع ف 5: الكتاب (آ 1، 7). الحمل (آ 6). وتلفت إنتباهنا آ 13 و14. فالحمل والجالس على العرش هما على قدم المساواة (5: 6) وينالان الإكرام الواحد والوحيد. وإليهما معاً يتوجّه (آ 14) سجود الأحياء والشيوخ (4: 6- 11). فبين الله والحمل رباط سرّي يسميه اللاهوت: المساواة في الجوهر. طبيعة واحدة.
وإذا توقفنا على مستوى العمل، رأينا أن ف 4 يبدو كمقدّمة وأساس. فالعمل بحصر المعنى يبدأ في ف 5، ساعة يظهر الكتاب. لهذا نستطيع أن نقرأ ف 5 قبل ف 4. ففي فصل 5 هناك مصير العالم، المسيح. أما الأساس فنجده في ف 4: الله القادر والخالق الذي منه يأتي كل شيء وإليه يعود كل شيء. هذه النظرة إلى الله هي الفرضية الضرورية لفهم شخص المسيح ولفهم نفوسنا.

2- كتاب بسبعة ختوم (آ 1- 5)
"ورأيت بيمين الجالس على العرش كتاباً مخطوطاً من الداخل والخارج، مختوماً بسبعة ختوم" (آ 1). أخذت الصورة من حز 2: 9- 10: أعطت يدٌ لحزقيال درجاً كتبت فيه مراثٍ ونواح. وبما أنها كانت كثيرة فاضت من الأمام والوراء. وعلى النبي أن يأكل الدرج. سنجد الصورة في 10: 1 ي: رؤية الكتاب الصغير.
* هناك ثلاثة أنواع من الكتب في الرؤى اليهودية: كتاب الحياة حيث تسجّل (أو لا تسجّل) أسماء المختارين (3: 5؛ 20: 11؛ 20: 27؛ رج لو 10: 20؛ فل 4: 3؛ عب 12: 23). كتاب الأعمال حيث يسجّل الملائكة أعمال البشر ويحملونها في يوم الدينونة. عرفه يوحنا، ولكنه ميّزه عن الأول (20: 12: الأسفار وسفر آخر هو سفر الحياة). لويحات السماء (كتاب اليوبيلات وهو كتاب منحول) تتضمّن كل تاريخ العالم كما دوّنت مسبقاً. هذا يعني أن الله لا يوقفه الشّر، وأن مشيئته ستتمّ مهما كانت المقاومة. أما يكون الكتاب المختوم هنا كتاب تدخّلات الله في التاريخ؟
* غير أن كتاب السبعة ختوم يتميّز بعدّة خصائص. أولاً: هو لفيفة (درج) من البردي كُتبت على الوجه وعلى الظهر كما في الأرشيف والعقود والوصيات. هذا ما يميّزها عن الدرج المفتوح في حز 10 ورؤ 10. الختم يكفل صدق الوثيقة والسّر المحفوظ. ثانياً: إن الكتاب هو في يمنى الله (الجالس على العرش): إذن يتضمّن ما سيتحقّق: إرادة الله والأحداث التي تقابلها. هو بلاغ يوجّه إلى البشر ويطلب منهم أن يقرأوه. أنه كلمة الله للبشر. ثالثاً: إن مضمون هذه الكلمة (مكتوبة على الوجه والظهر) لا يُدرك قبل أن تفضّ الختوم. قد نعرف الوثيقة من الخارج ولكن تبقى معرفتنا ناقصة فلا نرضى عنها. ويبقى السؤال: هل يقدر أحد أن يفضّ الختوم ويكشف بُعد التعليم الذي ما زال خفياً، ويدلّ على الشخص الذي أرسل إليه ونحن لا نعرفه؟ نحن على منعطف سيتجلىّ فيه مخطط الله. فالكتاب وُجد ليفتح. وحين نفتح الختوم لا نعود نتكلّم عن الكتاب. علّة وجوده في السؤال الذي يطرح: هل الذي يفتحه هو هنا؟ "بطل" الفصل ليس الكتاب، بل الحمل الذي يستطيع أن يفتح الكتاب.
* هنا نلتقي بالتقليد الذي يرى أن الكتاب هو العهد القديم. إنه يبقى حرفاً ميتاً ونبوءة غامضة ما دام المسيح لا ينيره ولا يكشفه فاضاً ختومه. هذا ما فعله يسوع القائم من الموت حين حدّث تلميذي عمّاوس (لو 24: 27). فالقراءة الكرستولوجية (على ضوء يسوع المسيح) وحدها تساعدنا على رفع البرقع (2 كور 3: 15- 16). بعد ليتورجية الخالق في ف 4، نصل إلى التوراة، إلى العهد القديم، الذي لا نستطيع إن نفهمه إلاّ برفقة المسيح.
نشير هنا إلى أن الكتابة على الوجه والظهر تبرز دقّة تعليم الله وأهميته. والختوم السبعة (عدد الكمال) تدلّ على أن مخطط الله سري جدًّا، وأن لا شيء يبدّله.
"ورأيت ملاكاً ينادي بأعلى صوته: من الذي يحق له..." (آ 2)؟ ليس المهمّ أن نعرف إذا كانت أحداث النهاية سوف تحصل، إذا كان العهد القديم سيتمّ، بل إذا كان الذي يفتح الكتاب هو هنا. سأل الملاك. وصوته (القوي) يتوازى مع درجته وأهمّية التعليم الذي ستسمعه الخليقة كلها (10: 1؛ 21:18).
"من الذي يحقّ له"؟ لسنا أمام إمكانية جسدية، بل صفات خلقية. فالكتب السرّية والأختام لا تسلّم إلى أيّ كان. يجب أن يبرهن الشخصُ بحياته وأعماله أنه قد أعدّ لمثل هذا العمل (رج حك 5: 5- 6).
"فما قدر أحد في السماء ولا في الأرض ولا تحت الأرض" (آ 3)، لا الملاك ولا البشر ولا الشيطان. كلّهم إقتنعوا بعجزهم واجتمعوا معاً من أجل الهتاف في آ 11- 14 (خصوصاً آ 12). بإنتظار ذلك، لا شهيد، لا نبي، لا حكيم، لا متدرّج استطاع. وهكذا انتقد الكاتب كل أصحاب العواطف الدينية بنظرياتها في عوالم الجليان السرّية.
"فبكيت كثيراً لأنه تعذّر وجود من يحقّ له أن يفتح الكتاب وينظر ما فيه (يقرأه)" (آ 4). إن الخليقة على مستوياتها الثلاثة بدت عاجزة وغير جديرة بأن تكتشف أسرار الله ومستقبل العالم. أحس الرائي بأهمية مضمون الدرج المختوم، وأحسّ بضعفه فبكى. إذا كان لا يقدر أحد أن يفتح الكتاب، فالمسيرة سوف تتوقّف، والشّر سيظلّ يدمّر العالم دون أن يجد عقاباً لأعماله.
"فقال لي واحد من الشيوخ" (آ 5). بكى يوحنا فجاء من يعزّيه. هنا نتذكّر لو 14: 25: "ما أغباكما وأبطأكما عن الإيمان بما قاله الأنبياء"! فكشخص من العهد القديم يليق به أن يعلن تتمة النبوءات التي كان شاهداً لها. وهو يفعل مستعملاً لقبين يدلاّن على المسيح الآتي. الأول لقب "أسد من سبط يهوذا". يأتي من تك 49: 9- 11 حيث يعلن يعقوب نهاية الأزمنة. "يهوذا شبل أسد. من الأطراف صعدت يا ابني. لا يزول الصولجان من يهوذا ولا عصا السلطان من صلبه إلى أن يأتي ذاك الذي تطيعه الشعوب. يغسل بالخمر ثيابه وبدم العنب رادءه". الثاني لقب "نسل (فرع) داود". في أش 11: 1: "يخرج فرع من جذر يسّى، فرع يخرج من جذوره. عليه يحلّ روح الرب. يحكم للضعفاء بالعدل ويحكم لضعفاء الأرض بالانصاف".
ودلّ الشيخ على السبب الذي لأجله يحقّ لهذا الشخص أن يفتح الكتاب: انتصر على المحنة. كانت له الغلبة. وهذا ما نفهمه من لفظة "مذبوح" في آ 6، 9، 12. إنتصاره هو موته الذي يدلّ على حبه السامي كما قال يو 13: 1. والقيامة هي إظهار لهذه الغلبة. على الجلجلة وفي ذلّ الله المنتصر وفي وحي إله ضعيف وغافر، وصل مخطّط الله إلى نهايته فاستنار كل العهد القديم. لقد دشّن الفصح نهاية الأزمنة. والمسيح ليس فقط ذاك الذي يستلم الكتاب، إنه مضمونه وموحيه والموحى فيه: سيظهر الحمل وتفضّ الختوم.

3- الحمل المذبوح (آ 6- 7)
لا حاجة إلى تمثّل انتصار الحمل نفسه: فالقيامة قد حصلت. لقد غلب. إنه في وسط العرش بل نحن سنكون أمام نتيجة القيامة التي تعدّه ليستلم الكتاب، وهذا ما يجعل الخلائق كلّها تهتف له (فل 2: 9- 10). 
"ورأيت بين العرش والكائنات الحية الأربعة وبين الشيوخ حملاً واقفاً كأنه مذبوح" (آ 6). إنتظرنا أسداً فإذا نحن أمام حمل. لماذا سمي يسوع "حمل"؟ هناك ثلاثة أسباب تتوافق لترى لا الحمل رمز المسيح. الأول: هو الحمل المقاد إلى الذبح كما في أش 53: 7: لم يفتح فاه. يرتبط أش 53 بما في لا 14: 21 حيث يصوّر تطهير العالم من برصه. إنه حمل ذبيحة التطهير. الثاني: إنه الحمل الفصحي (خر 12) الذي يحفظ بدمه خيام شعبه. هنا نفهم التشديد على دم الحمل والفداء. كما في الفصح الأول (آ 9- 10). الثالث: هو الحمل الملكي المجيد الذي يتحدّث عنه العالم اليهودي فيتصوّر المسيح المنتظر حملاً له قرون ترمز إلى قدرته. سيرى رؤ في الحمل قائد الجيوش السماوية (17: 14)، وأن غضبه لا يُحتمل (6: 16) وأنه مذبوح (5: 9، 12؛ 13: 8). إذن، الحمل هو يسوع المسيح الذي هيّأته ذبيحته الفصحية ليمارس وظائف "البطل" الاسكاتولوجي.
ونعود إلى النص. نحن لا نستطيع أن نتصوّر المشهد بعيوننا، فيوحنا لا يرسم "شخصاً"، بل يقدّم تأكيدات كرستولوجية. إن الحمل يقف في كل الدوائر التي تحيط بالعرش. إنه حيث يقيم الله، في قلب العالم المخلوق، وفي قلب البشرية. إنه في مجد الله وقلب الكون ومركز التاريخ. هو يقف. هذا يرتبط بالغلبة، بالقيامة (أع 7: 55). هو الآن واقف، غالب، ولكنه يبدو كأنه مذبوح. إنه يحمل آثار ذبيحته، آثار آلامه. هذا ما يعيدنا إلى يوحنا حيث يظهر يسوع وسط أخصّائه (يو 20: 19) ويريهم يديه وجنبه. إن يوم الفصح هو الوجهة الثانية لساعة المسيح.
"له سبعة قرون". القرن في العهد القديم يدلّ على القوة (عد 23: 22؛ تث 33: 17). وقد يدلّ على السلطة الملكية (زك 2: 1- 4؛ دا 7: 8، 24؛ رؤ 17: 12). والرقم 7 هو رقم الملء والكمال. إذن قد ارتدى الحمل ملء القوة وملء السلطان الملكي من عند الله. وسيتخذ الوحشان قروناً ليقتديا بالحمل ويحلاّ محله، ولكن لم يكن لهما سبعة قرون (12: 3: عشرة قرون. أي قوة محدودة؛ 13: 1؛ 17: 3، 12، 16؛ 13: 11). "له سبعة أعين هي سبعة أرواح الله المرسلة في الأرض كلّها". نجد هنا إشارة إلى زك 4: 1: "السرج السبعة هي عيون الرب التي تسير (في اليونانية: تنظر) في كل الأرض". هذا ما يدلّ على معرفة الله الشاملة. وهنا يتّصل النص مع أش 11: 1: ففرع داود ينال الأرواح السبعة التي تحلّ عليه، ينال الروح المسبّع المواهب. ونلاحظ أن العيون لا تكتفي بأن تتقبّل الصور. إنها ينبوع نور وسرج تضيء ذاتها وتضيء الإشياء (مت 6: 22- 23: سراج الجسد العين). فالعيون هي رمز المعرفة والإستنارة. وبالأرواح السبعة المرسلة في الأرض، سينير الحمل الأرض كلّها، سينير جميع الأمم. هذه الأرواح هي المذكورة في 4: 5: روح واحد ينبثق من الآب. فالحمل كمسيح منتصر يملك ملء الروح (يو 1: 29: حلّ الروح على المعمدان فعرف حمل الله).
"وجاء الحمل وأخذ الكتاب" (آ 7). كان الحمل في وسط العرش (في قلب الله). جاء. أخذ الكتاب الذي دوّنت فيه مصائر العالم. لقد صار العهد القديم جديداً بعد أن لمسته يد المسيح.

4- ليتورجيا لمجد الحمل (آ 8- 14)
نحن أمام كرستولوجيا عميقة تحمل كل مواعيد العهد القديم وتعليم العهد الجديد (الصليب والقيامة). هذا الإله القدير هو في الوقت عينه ذبيحة "لأنه بتقدمة واحدة جعل مقدّسيه كاملين على الدوام" (عب 10: 14؛ رج 7: 27؛ 9: 12 ي...). فقرون الحمل السبعة تشير أيضاً إلى عمل المسيح الفدائي الذي كان تاماً كاملاً.
إن الرؤية الأولى وتسليم الكتاب إلى الحمل يقطعهما على أربع دفعات أناشيد ليتورجية. نحن "غارقون" في ليتورجية الكلمة، ليتورجيا إفخارستية حيث يرافق نقلَ الكتاب المقدس أناشيدُ مماثلة.
"ولما أخذ الكتاب..." (آ 8). لقد أخذ الحمل الكتاب فوصل تاريخ الخلاص إلى ذروته. وجمعت ليتورجيا كونية الأشياء والأشخاص في إحتفال بالحدث. تحيط بها سجودات الأحياء والشيوخ (8: 14). هذه السجودات تكون دوماً في الأوقات الحاسمة. 4: 10 (رؤية الله)؛ 5: 8، 14 (رؤية الحمل)؛ 11: 16 (البوق السابع وبداية الحرب العظيم)؛ 19: 4 (المجدلة النهائية في قلب البوق السابع).
أ- ليتورجية الكائنات والشيوخ (آ 8- 10)
لن نتمثّل المشهد. فإن سجد الأحياء، فمن يحمل العرش، وأيدي الشيوخ مليئة؟ القيثارات هي الأدوات المميّزة في السجود والعبادة (مز 33: 2؛ 98: 5؛ 147: 7؛ 150: 3). إنها ترافق الأناشيد في رؤ 14: 2؛ 15: 2. والكؤوس الذهبية هي للعبادة والليتورجيا وهي تتضمّن صلوات القديسين. فالقديسون يشاركون في المحنة، بل في ذبيحة الحمل (16: 7؛ رج 6: 12؛ 12: 11). لهذا نراهم يشاركون في مديح المجد. هم كهنة وهم قريبون من الله. وصلاتهم تعجّل في مجيء النهاية. تكلّم الشيوخ باسم الكنيسة: هناك مقابلة بين احتفالاتْ الأرض واحتفالات السماء.
"كانوا ينشدون نشيداً جديداً" (آ 9). ترد العبارة مراراً في المزامير (33: 3؛ 40: 4؛ 96: 1؛ 98: 1؛ 144: 9؛ 149: 1) لتدلّ على تسبحة إحتفالية جدّاً. ولكن في أش 42: 9-10 (ما مضى مضى فأخبركم بما يأتي، وقبل أن يحدث اسمعكم به. انشدوا للرب نشيداً جديداً) تتبدّل اللهجة. فالنشيد جديد لأنه ينشد نظاماً جديداً للأشياء، ينشد نظاماً نهائياً. هذا ما نجده أيضاً في رؤ: "ها أنا أجعل كل شيء جديداً" (21: 5؛ رج 21: 1- 2؛ 2: 17؛ 3: 12). ان زمن التجديد المنتظر قد حلّ مع المسيح، فعلى الملائكة والبشر أن ينشدوا النشيد الجديد المرتبط بهذا الخلاص الذي تمّ في يسوع المسيح.
"أنت الذي يحقّ له... لأنك ذبحت". لقد تواضع يسوع، صار طائعاً حتى الصليب. لذلك يحقّ له. نحن أمام مديح من أجل العمل الفصحي. "إفتديت لله بدمك". ما زلنا أمام الذبيحة الفصحية. "أناساً من كل قبيلة ولسان وشعب وأمّة" (دا 3: 4- 7؛ 7: 14). هي عبارة تعود إلى رؤ (7: 9؛ 11: 19؛ 13: 7؛ 14: 6؛ رج 10: 11؛ 17: 15). نجد هنا دوماً أربعة ألفاظ، وهي تدلّ على أربعة أقطار الكون. إختلف عمل المسيح عن الفداء الفصحي الأول، فعنى جميع البشر ولم يميّز بين نسل ولغة وبلد.
"جعلتهم لإلهنا ملكوتاً وكهنة" (آ 10). رج خر 19: 6. صار المفديون شعباً مقدساً لله. صار الاقتراب من الله ممكنة، وأعيد العهد إلى ما كان عليه قبل الخطيئة، وارتدى المفديون رسالة كهنوتية (20: 6) على مثال المسيح والذي يقاسمونه ملكه (2: 26- 27؛ 3: 12، 21؛ 20: 6؛ 22: 5).
"وسيملكون على الأرض". يتردّد الملك دوماً بين الحاضر والمستقبل، ما هو الآن وما لم يحصل بعد. لسنا أمام موقف الغالب والمنتصر. فالملك يحدّد مشاركة في ملك المسيح. وهذا الملك يتدشّن (في نظر يو ورؤ) ساعة يموت المسيح على الصليب. والملك يعني نشر حضور الله في الأرض كلها والتغلّب على كل الحواجز بحبّ يسير بنا حتى الموت (12: 11). وتوحيد العالم باجتذابه إلى الحب.

ب- وامتدت الليتورجيا السماوية (آ 11- 14)
وتكبر الدائرة فجأة بشكل واسع جدًّا. فتنشد الأجواق الملائكية الجوابين الذين يختتمان الليتورجيا السماوية (آ 11- 12). كما تنشدهما جماعة تمتد امتداد الكون (آ 13- 14).

أولاً: الملائكة (آ 11- 12)
هؤلاء الملائكة العديدون هم معاونون يرسلهم الله ليحقّقوا قصده دون أن يستفيدوا منه. ينتقل فعل شكرهم من الصلاة في صيغة المخاطب (يحقّ لك) إلى إعلان في صيغة الغائب. (يحقّ له). ولا يعودون يتحدّثون عن الكتاب، بل يعلنون بألفاظ عامة نتائج المشهد السابق. وهكذا نعتبر الاعلانين في آ 9- 10 وآ 10 متوازيين، يستضيء الواحد بالآخر. فكلاهما ينشدان الحمل المذبوح من أجل خلاص البشر. غير أن النتيجة تختلف. في الأول، يتسلّم الحمل المذبوح الكتاب. في الثاني يتسلم القدرة والغنى والحكمة... إذن، الدرج الذي تسلّمه الحمل منحه وضعاً يستحق لأجله العبادة الكاملة التي تعبّر عنها ألفاظ سبع (القدرة، الغنى، الحكمة، الجبروت، الاكرام، المجد، الحمد) تتوجّه إلى الله في 1 أخ 29: 11- 12. وهذا ما يعيدنا إلى الرباط بين الحمل والكتاب: إذا كان قد أُخذ الكتاب وفُتح، فهذا يعود إلى أنه الموضوع المركزي في النبوءات التي يتضمّنها، إلى أنه النهاية المنتظرة والزمن الحاسم. فكيف لا ننشد كما ننشد الله ذاك الذي يتُم أيضاً مخطّطه الخلاصي.
ثانياً: الكون (آ 13- 14)
وفي النهإية، أعلن الكون كله المجدلة. قرأنا ثلاث مفردات في 5: 3 (السماء والأرض وتحت الأرض). وزيد هنا "البحر". إن العبادة ترتفع من كل مكان حتى من البحر (أش 38: 18). وتتوجّه المجدلة معاً إلى الله والحمل. وهكذا يجد ف 4 وف 5 وحدتهما: نبدأ بمديح الله الخالق ونصل إلى مديح الله الفادي في ابنه يسوع المسيح الذي هو واحد معه، وهو ذلك الذي تأنّس ومات من أجلنا. فعمل الله والحمل عمل واحد.
"وقال الأحياء الأربعة: آمين! وركع الشيوخ ساجدين" (آ 14). وختم الأحياء الأربعة صلاة الخليقة. وانتهى كل شيء في صمت الشيوخ وعبادتهم وأشركوا في هذه العبادة. كل شيء صار جاهزاً لكي تتحقّق مسرّة الله.

خاتمة
نتعلم من هذا النص ستة أمور:
* إن رمز العرش السماوي (4: 2) يدلّ على عظمة الله، الآب الأزلي، التي لا نستطيع أن نعبّر عنها. وإليه نوجّه النشيد المثلث: قدوس. قدوس، قدوس. ووجه الله هذا يرتبط بلاهوت العهد القديم وتقواه. فهو الله القدوس الذي يُقيم في نور لا يُدرك. هو وحده لا يتلفّظ بكلمة واحدة. ولكنه عبّر عن فكره الأزلي حول مستقبل كنيسة المسيح والكون كلّه في كتاب بسبعة ختوم. فالفكر الإلهي لا يتبدل. وما كُتب فقد كُتب إلى الأبد. مخطّط الله في خلاص العالم سوف يتحقّق. يبقى أن ندخل فيه.
* إن مشاريع الله لا يدركها الإنسان. "ما قدر أحد في السماء ولا في الأرض ولا تحت الأرض أن يفتح الكتاب ويقرأه (ينظر فيه)" (5 : 3). فالإله القدوس والأزلي يختلف عنّا كل الاختلاف. حين يعيش الإنسان في اللامبالاة تجاه الله، فمصير العالم لا يعنيه لأنه يعيش منغلقاً على ذاته في تفاصيل حياته اليومية. ولكن من كانت له فكرة ولو قليلة عن الله، يحمل في نفسه قلقاً سرياً: فهو يفعل كل شيء لكي يقترب من الله ويعرف أفكاره ولكن الحيرة تسيطر على الإنسان الباحث عن الله، حين يرى أن الله لا يُدرك، وسرّه لا يُكشف. فيصبح هذا العطش في داخله عطشاً يائساً. لهذا بكى رائي بطمس أمام ضعفه وشقائه، أمام صمت الله. في قلبه جرح ينزف حتى الموت: أيكون الحنين إلى الله سراباً؟
* وتبرز توليةُ (جلوسه على العرش) الحمل (5: 5 ي) الطابع الفريد والضروري الذي يشكّله الفداء بيسوع المسيح. واحد وحده يستحق أن يفتح الكتاب المختوم: هو يسوع المسيح. وهكذا تنزل عن عروشها "كل الآلهة". أما مؤسّسو الديانات فهم "سراق ولصوص لا تسمع لهم الخراف" (يو 10: 8). فالفداء جاء إلى البشرية بالتجسّد والصلب والقيامة. ولهذا، فيسوع وحده يفتح الكتاب المختوم. ولا يكتفي بكشف مقاصد الله الأزلية، بل يتمّها حتماً. وهكذا يبدو يسوع الوجه المركزي في كل تاريخ العالم ويتّخذ بعده الكوني.
* نلاحظ أن كرستولوجية رؤ تقدّم يسوع المسيح كذلك الذي فيه تتمّ الآمال المسيحانية في العهد القديم. هذه المراجع سوف تتضمّخ بالإيمان المسيحي وتتفسّر تفسيراً جديداً: يسوع المسيح هو آخر آباء العهد القديم، ومعه يتمّ ويكتمل العهد الأول.
* كشفت تولية الحمل (5: 5) كرستولوجيا فيها يمجّد يسوع. فموته وقيامته يؤسّسان موقعه في الكون. فحضور الرب القائم من الموت والمرتفع إلى السماء، يتحقّق بشكل خاص في كنيسته. وفيها ما زال يتكلّم ويفسرّ مقاصد الله الأزلية. إن تحوّل الكون في المسيح قد بدأ، ولكنه لن يتمّ إلاّ بعد حرب شرسة مع الشيطان وأتباعه.
* ويظهر الطابع الليتورجي لهذه الرؤية التدشينية (4: 1- 5: 14). ليتورجيا في السماء، ليتورجيا على الأرض. فالحمل يشير إلى الحمل الفصحي وموت المسيح وبالتالي الافخارستيا (1 كور 5: 7: المسيح فصحنا قد ذُبح). والكتاب أيضاً يشير إلى قراءة الكتب المقدسة في الليتورجيا. فليتورجية الكلمة (الكتاب) وليتورجية التقدمة (الحمل) تشكّلان ذروتين في ليتورجيا إفخارستية ستنتهي في نهاية الكتاب والنداء الأخير إلى "أصل داود ونسله، إلى كوكب الصبح المنير" (22: 16، كانت السهرة الليتورجية تنتهي عند الصباح): "ماراناتا: تعال أيها الرب يسوع".

 

 

الفصل السابع عشر
الختوم الستة
6: 1-17

في ف 4-5 وفي قلب ليتورجيّا سماوية عظيمة، أُعلن الحمل "مستحقاً" بأن يأخذ الكتاب ويفضّ ختومه (5: 9). إن انتصاره يتيح له أن يوصل مقاصد الله إلى تمامها. في ف 6-7 (حتى مع 8: 1: ولما فضّ الحمل الختم السابع، ساد السماء سكوت) سنشهد فتح الختوم الستة. في ف 6، يبدو تدرّج "الضربات" منتظماً حتى الخاتمة في 6: 17: "جاء يوم غضبهما (الله والحمل) العظيم، فمن يقوى على الثبات"؟ للوهلة الأولى يبدو ف 7 وكأنه معترضة كبيرة، لأن الختم السابع لن يُفتح إلا في 8: 1. في الواقع، إنه جواب على السؤال الذي طرح في 6: 17 (من يقوى على الثبات). يقوى على الثبات البقيةُ الباقية من إسرائيل الجديد، أولئك الذين ختموا على الأرض بوسم الإله الحيّ (7: 1-8). إنهم شعبْ لا يُعدّ ولا يُحصى: يقفون في السماء أمام عرش الله والحمل، بعد أن اجتازوا المحنة الكبرى (7: 9-17). نحن في ف 6 و 7 أمام درفتين تتعارضان: العالم يهتز وقد تزعزعت طمأنيناته. إكتشف أنه انقطع عن الله، فخاف وطلب أن يختفي من وجه الله مثل قايين (تك 4). هذا في الفصل السادس. وفي الفصل السابع، طُبع المختارون بالختم الإلهي فأقاموا قرب الله في اتحاد لا يقطعه شيء. صورة مظلمة، صورة مضيئة. هكذا تتعاقب الصور في رؤ. وندرس هنا ف 6 ونترك دراسة ف 7 إلى ما بعد.

1- الختوم السبعة
أ- نظرة إجمالية
يبدأ التعليم الجلياني (جلا، أي كشف) بحصر المعنى في ف 6. ففي هذا الوقت بدأ ينكشف "ما سيكون عن قريب" (1: 1) حسب مقاصد الله الأزلية.
كزر العالم الجلياني اللابيبلي أن نهاية الأزمنة والدينونة العامة يسبقهما سلسلة من النكبات. وهكذا رأوا في نمطية سفر الخروج (خر 7: 14- 12: 30: ضربات مصر، تحرّر وخروج) رسمة أولى للتصوير الجلياني. و"رؤيا الإزائيين" وبالأخص نسخة لوقا (17: 20- 18: 8؛ 21: 5- 36) تعطي صورة عن أحداث مريعة تسبق نهاية الأزمنة. إن رؤ يوحنا تقدّم مثل لوقا لائحة بسبع نكبات ترد في ترتيب مختلف.


لو 21: 10-12، 25-26 رؤ 6: 1-14
1- حروب 1- حروب (آ 6)
2- زلازل 2- مجاعة (آ 6)
3- وباء 3- وباء (آ 8)
4- مجاعات 4- إضطهادات (آ 9- 11)
5- أحداث مخيفة في السماء 5- زلزال
6- إضطهادت 6- ظواهر كونية
7- ظواهر كونية، مخاوف 7- خوف البشر (آ 12- 14)
إن ترتيب النكبات المختلفة التي يصوّرها رؤ لا يُفهم في معنى تسلسل تاريخي. بل يجب أن نرى في هذا التعداد أسلوباً اختاره الكاتب عمداً لكي يصل إلى الذروة. نحن على ما يبدو أمام أحداث متوازية، حصلت في الوقت عينه، ولكنها وردت الواحد بعد الآخر لكي تعطي للنصّ انشداداً دراماتيكياً.
معنى التعداد واضح: سيحتمل المسيحيون محنة قاسية تجعل حياتهم صعبة، بل مستحيلة. وبدل كلام تعزية ووعد بتدخّل الله القريب، تطلّ في الأفق الآلام والإضطهادات المريعة.
ما هو عدد النكبات التي توردها رؤ؟ إن 15: 1 يتحدّث عن "سبع نكبات يتمّ بها غضب الله". وقد سبقتها نكبات أخرى، جاءت في مجموعة سباعية. ولكن إذا كانت رؤية الآيات (12: 1- 14: 20) قد شكّلت من الوجهة الأدبية وحدة متماسكة جمعت فيها عناصر قديمة وأحداث الزمن الذي فيه دوّن رؤ، فمجموعة النصوص التي تصوّرها قد وُضعت في سلسلة النكبات.
والسلسلات الثلاث من النكبات ترتبط بعضها ببعض. فالنكبة الأخيرة في كل سلسلة تقابل النكبة الأولى من السلسلة التالية (مع مقطع "إستراحة": 8: 2- 6؛ 11: 19؛ 15: 1- 16: 11). السلسلة الأولى: 6: 1- 8: 1. الثانية: 8: 7- 11: 18. الثالثة: 16: 2- 17.
ب- بنية النصّ (6: 1-8: 1)
إن خبر فتح الختوم السبعة يتضمّن عناصر مختلفة. فتصوير فتح الختوم الأربعة الأولى متشابه وموجز. أما خبر فتح الختمين الخامس والسادس فيبدو مختلفاً. نجد فيه صوراً ورموزاً جديدة. والمخاوف المذكورة بمناسبة فتح الختم السادس تشبه ما نقرأه في "رؤيا الإزائيين". والإنتظار الذي يسبق فتح الختم السابع يتقوّى بدخول نصّ ليتورجي (7: 1-17). كان الإنتظار قوياً، فلم يضعف حين فُتح الختم السابع. بل وصل التصوير إلى قوة جديدة: صمت يسمح للقارىء بأن يسمع حفيف البردي. "ولما فضّ الحمل الختم السابع، ساد السماء سكوت نحو نصف ساعة". لم يحدث شيء في ذلك الوقت. عيل صبر الحاضرين فوصل القلق والإضطراب إلى الذروة.
نشير هنا إلى أن الدرج لا يقرأ إلاّ إذا فضّت الختوم السبعة. ولكننا أمام فنّ أدبي يجعل الإنتظار يقوى شيئاً فشيئاً حتى الوصول إلى النهاية. 

2- الفرسان الأربعة (6: 1- 8)
يصوّر فتحُ الختوم الأربعة الأولى بشكل مماثل. كل مرة يفتح الحملُ أحدَ الختوم، يهتف أحد الأحياء: "هلمّ". ويهجم حصان يركبه فارس. وينال الفارس سلطة (ومهمة) يرمز إليها القوس أو الإكليل أو السيف أو الميزان.
يلفظ "هلمّ" أربع مرّات فنفهمه في معنيين. إمّا بشكل أمر (تعال). يدعو الأحصنة الأربعة التي نظهر على التوالي. وإمّا بشكل صلاة تتوجّه إلى المسيح. ففعل "جاء" يدلّ مراراً في رؤ على مجيء المسيح. "ها أنا آت عاجلاً": هي عبارة تتكرّر 7 مرات (2: 5؛ 3: 11؛ 16: 5؛ 22: 7، 12، 20؛ رج 1: 4؛ 4، 8). وتتجاوب مع هذا الوعد آخر كلمات رؤ، صلاة الروح والعروس: "تعال" (22: 17-20). في هذا المقطع الذي ندرس، يمثل الخليقة الأحياءُ الأربعة فيعبّرون عن نفاد صبرهم بصوت كالرعد (6: 1؛ رج 8: 19).
وما يثبت هذه الفرضية، السياق السابق. بدأت الليتورجيا السماوية (ف 4- 5) بعبادة الخالق وانتهت بالإحتفال بالإنتصار الفصحي للحمل الذي يتمّ كتاب العهد القديم. بعد هذا، تدوّي صلاة تجذّرت في الجماعات الأولى: تعال، ماراناتا (1 كور 16: 22).
قد يقول قائل إن هذا الفصل لا يتكلّم عن مجيء المسيح! بل هو لا يتكلّم إلا عن هذا المجيء. هنا نقابل ف 6 مع الأناجيل الإزائية (مر 13؛ متى 24؛ لو 21). المرمى في الأناجيل وفي رؤ هو هو: إستعمال لغة تقليدية لإعلان العلامات السابقة لمجيء المسيح. وهكذا نفهم ف 6 على أنه جواب في اللغة التقليدية على صلاة من أجل مجيء المسيح. والنكبات التي حرّكها فتح الختوم تدلّ على أن دينونة الله أتت. فلا حاجة للبحث عن تلميح إلى أحداث حصلت في ذلك الوقت أو سوف تحصل في المستقبل.
ظهرت أربعة أحصنة أو بالأحرى أربعة أحصنة مع فرسانها. يُذكر الفارس بعد الفرس لكي يتسلّم الرموز التي تميّز كل ظهور. إن النموذج الذي يستلهمه يوحنا لا يتحدث إلاّ عن الأفراس. ففي رؤيتَيْ زكريا (1: 8- 15؛ 6: 1- 8) هناك أربعة أحصنة، أو أربع مجموعات من الأحصنة تختلف ألوانها: هي مرسلة من قِبَل الله لكي تجسّ الأرض. وصورة الفرس تشير إلى جري سريع وشارد، إلى جري يرتبط بالحرب. هي تجول في كل الأرض، نحو الجهات الأربع. الأفراس هي هنا وهناك. لا نتوقعها. هي لا تتعب، وسرعتها مذهلة، ولا نستطيع أن ندرك منطق جريها. ربطها زك 6: 5 برياح السماء الأربع (رج رؤ 7: 1). إذن، ليست الأفراس أعداء الله وإن كان عملها مدمّراً. قد تكون مرسلة من عند الله. هذا ما تدلّ عليه صيغة الفعل في المجهول حيث يختفي الله. "أعطي لها". أي: أعطاها الله (6: 2، 4، 8: إكليل، سيف، سلطان). كما يدلّ عليه شبه الصوت وسط الأحياء الأربعة (6: 6). لا يقول زكريا شيئاً محدّداً عن نتيجة رؤية الأفراس الأربع، بل يكتفي بملاحظتها. وهكذا انطلق يوحنا من إطار فارغ يستطيع أن يملأه حسب الرؤية التي حصل عليها.
أ- حصان أبيض (آ 1- 2)
أهم سؤال يطرح في هذا المقطع يدور حول الحصان الأبيض والفارس الأبيض. إنقسم الشرّاح فئتين لا تتوافقان. قالت فئة أولى: تشكل الأفراس الأربع مجموعة متناسقة لا تنفصل. إن مثّلت الثلاث الأخيرة ثلاث نكبات، فهذا يعني بالضرورة أن الأول يجسّد أيضاً نكبة. ولكن أية نكبة؟ تلك التي ستقرّر مع الفرس الثانية حرباً خارجية وحرباً داخلية مع تصفية الحسابات. وقال بعضهم: هذا الحصان الأبيض هو الأنتيكرست، المناوىء للمسيح.
وقالت فئة ثانية: ورث يوحنا إطاراً فارغاً من زكريا، فكان حراً. وإن رأينا في الأفراس الثلاث الأخيرة نكبات، ففي الفرس الأولى نجد قوّة خيّرة. إنها تتميّز عن الأفراس الأخرى: فاللون الأبيض يدلّ دوماً في رؤ على الإنتماء إلى "حزب" الله.
فالوعد بالإكليل والنصر هو للقديسين والمؤمنين ورفاق الحمل. وفعل "غلب" لا ينطبق إلا مرتين على القوى المعادية، وإن انطبق فبشكل موقّت (11: 7؛ 13: 7). في هذه الظروف نرى في الحصان الأبيض الكرازة الإنجيلية، بل المسيح نفسه. ولكن أما ننزعج حين نجعل على المستوى نفسه يسوع المسيح ثم الحرب والجوع والوباء؟
وكان حلّ ثالث يساعدنا على تجاوز الخيار دون أن ننسى تناسق مجموعة الأفراس الأربع وفرادة الفرس الأولى. ننطلق من القوس التي في يد الفارس. هناك في العهد القديم قوس الله وسهامه، أي أحكام الله وعقوباته (تث 32: 41- 42؛ حب 3: 8- 9؛ مر 21: 4). وهناك نصّ حز 5: 16-17 الذي يلقي ضوءاً خاصاً على الآية التي ندرس: "أرسل عليهم سهام الجوع القاتلة، سهام التدمير، وأزيدهم جوعاً على جوع وأحرمهم مؤونة الخبز. وأرسل عليهم الجوع والوحوش الضارية فتقتل بنيك وأنزل فيك الوباء والدم وأجلب عليك الحرب". من جهة، تجتمع سهام الرب مع الجوع والوباء والسيف والوحوش الضارية، ومن جهة أخرى، لا تشكّل هذه السهام نكبة خاصة بل هي قاسم مشترك للنكبات الأخرى: سهم الجوع، سهم التدمير والإفناء. نجد في رؤ 6: 1-8 الرمز عينه عن القوس (السهام) المرتبطة بالنكبات عينها: الحرب، الجوع، الوباء، الوحوش الضارية دون أن تشكّل السهام مجموعة عديدة مع هذه النكبات.
وهكذا يكون الفارس الأول رمزاً للدينونة الأخيرة، دينونة الله الاسكاتولوجية (في نهاية الأزمنة) التي تحرّك هذه النكبات. وهذه الدينونة ترتبط بشخص يسوع وموته: هنا نفهم لماذا يتحلّى هذا الفارس بسمات سماوية، ولماذا "يعدونه" بالغلبة الدائمة، وهي غلبة قد سبق وحاز عليها: "خرج غالباً"، خرج يحمل الغلبة (5: 5). ومع ذلك فهي غلبة يجب أن نتمّها ونجعلها ساطعة. "إنطلق لكي يغلب". وهكذا نفهم أيضاً التشابه الذي أراده الكاتب (وإن تكن بعض الإختلافات) بين الفارس الأبيض في 6: 2 والفارس الأبيض في 19: 11- 16 الذي هو ملك الملوك وربّ الأرباب، الذي يحوز الغلبة الأخيرة: إن الفارس في 6: 2 يستبق الغلبة الأخيرة.
إذن، أعاد يوحنا في ف 6 تفسير تقاليد يهودية تعلن نهاية الأزمنة. فالنكبات التي اعتبرها العالم اليهودي معلنةً لنهاية مقبلة، ستتّخذ طابعها الحقيقي على ضوء الفصح. فالنهاية هي هنا منذ الآن. والمسيح قد سبق له وانتصر بذبحه على الصليب. فالنكبات ليست فقط علامات تسبق التدمير المقبل، بل ترافق تسلّط المسيح على مسيرة التاريخ، وتعبّر عن هذا التسلّط. وهي تأخذ كامل معناها على ضوء الصليب.
لهذا تستطيع الخليقة أن تقول: هلمّ، تعال. وهي تعرف أنها تجد في كل ما يحصل، المسيح الذي يعمل فيدلّ ملء الدلالة على الغلبة التي سبق له وحازها.
ب- حصان بلون النار (آ 3- 4)
هو أحمر، هو أصهب، هو أشقر. قد لا يكون اللون رمزياً (نار الحرب). وقد يعود إلى أفراس زك 1: 8؛ 6: 2 (حمر، دهم، شقر، بيض). ولكن هذه الرؤية الثانية تجسّم الحرب ونتائجها: القتل، الخلافات. لا ننظر هنا إلى ظاهرة الحرب كثابتة في التاريخ البشري. بل نحن أمام صراعات تنبىء بالحقبة المسيحانية (رج مر 13؛ 8، 12: أمة على أمة، مملكة على مملكة... يسلّم الأخ أخاه).
أعطي الفارس "الأحمر" سيفاً. دلّ السيف في العهد القديم على تدخّل الله من أجل شعبه في نهاية الأزمنة (تث 32: 41- 42؛ أش 27: 1؛ 34: 5 ي). ونجد صدى لهذا في مت 10: 34: "لا تظنوا أني جئت لألقي على الأرض السلام. لا، ما جئت لألقي السلام بل السيف". لقد انطلق عمل المسيح المنتصر، فتتحرّك. تجاهه أمواج المياه المعادية التي سبق لها فقُهرت فخسرت كل قوّة لها. هذا ما يجعل نكبات هذه الأرض نسبية: إنها علامة عن شيء آخر.
ج- حصان أسود (آ 5- 6)
لن نبحث عن رمزية في هذا اللون (أسود، أدهم) الذي يعود إلى زك 6: 2، 6. فالميزان الذي يمسكه الفارس في يده يرمز إلى التقنين (حز 4: 16)، بل إلى المجاعة. هي نكبة تلي الحرب دائماً. الكيل يساوي تقريباً "ليتراً". وهذا ما يوازي حصّة العامل في اليوم الواحد. والدينار هو (متوسّط) أجرة العامل اليومي (مت 20: 2). قال شيشرون الخطيب الروماني: ندفع ديناراً واحداً لقاء 12 كيلاً من القمح و24 كيلاً من الشعير. تزايدت الأسعار بسرعة جنونية، وسيطر التضخّم. نحن في أزمنة صعبة. جداً.
ما هو هذا الصوت الذي يعلن الأسعار؟ يدلّ عليه النصّ بشكل غامض. هو يأتي من وسط الأحياء. هل يدلّ على احتجاج الخلائق على نقص في الطعام؟ بل هو بالأحرى صوت الله الذي رحم البشر فلم يسمح بأن ترتفع أسعار الزيت والخمر.
لماذا لم يرتفع ثمن الزيت والخمر؟ قال بعضهم إن الحرب لا تصيب إلا الغلاّت السنوية التي لم نتمكّن من زرعها، ولا تمسّ الأشجار المثمرة. وعاد آخرون إلى يوء2: 10- 11 الذي يعلن نقصاً في القمح والخمر والزيت والشعير، بعد مرور الجراد. ولكن بما أن رؤ يعلن أحداثاً في بدايتها وذات طابع جزئي، ولا يعلن بعد التدمير النهائي، فهو يخفّف من قساوة النكبة التي صوّرها يوئيل ويتحدّث فقط عن ربع الأرض (رؤ 6: 8). وستتعاقب النكبات فتزيد ثقل المحنة. وهكذا يكون سلطان الفارس الأسود محدوداً. ونجد تفسيراً ثالثاً: يرمز الزيت والخمر إلى الخيرات الإسكاتولوجية التي تجد صورة عنها في المعمودية (زيت المسحة) والافخارستيا (الخمر).
د- حصان شاحب
الصعوبة الأولى: معنى الصفة: أخضر (خلوروس في اليونانية). ولكننا لا نجد هذا اللون عند أفراس زكريا. ولكن "خلوروس" هو لون المرض والخوف، لون شخص شاحب الوجه. غير أننا لا نجد هذا المعنى في أي نصّ بيبلي آخر. نجده فقط عند الشعراء والأطبّاء: أخضر، أخضر أصفر، أصفر أخضر، ضارب إلى الخضرة، أخضر باهت اللون. أو: ممتقع، مصفرّ.
الصعوبة الثانية: الفارس فارسان. هو الموت وتتبعه الججيم (مثوى الأموات). في الواقع نترجم لا "الموت"، بل "الطاعون". فالترجمة اليونانية للعهد القديم لا تفصل بين الإثنين. فبعد الحرب والجوع تأتي الأوبئة. فالكلمات المتوالية، سيف/ جوع/ طاعون تحيلنا إلى حز 5: 16- 17؛ 14: 21: "أرسلت عقوباتي الأربع الشديدة على أورشليم: السيف، الجوع، الوحوش الضارية، الطاعون (أو الوباء، الموت). ونحن نجد اللائحة ذاتها في نهاية آ 8 التي تحمل عمل الفرسان: السيف، الجوع، الموت تعود إلى الفرسان الثاني والثالث والرابع. والجحيم تحلّ محلّ الوحوش الضارية (رج 2 مل 17: 25-26).
هنا نستشفّ لماذا صار الفارس الرابع فارسين. فالكاتب يستلهم زك 6 الذي يقدّم له إطار الفرسان الأربعة. ولكن بما أنه يقرأ النصّ قراءة مسيحية، فهو يعزل الفارس الأولى. فإذا أراد أن يحافظ على التطابق بين أفراس زكريا ونكبات حزقيال الأربع، فُرض عليه أن يذكر مرتين إحدى الأفراس الباقية. وهذا ما فعل. فالفارس الرابع الذي اسمه "الموت" يؤلّف زوجاً تقليدياً مع الجحيم (1: 18؛ 20: 13- 14).
ونلاحظ في نهاية آ 8 تحديداً يسري على الفرسان الثلاثة الآخرين (أعطي لهم، سمح لهم). هم لا "يضربون" إلا ربع الأرض. ما زال هنا في بداية العقوبات. والحياة تسير مسيرتها ولو كان البشر مدعوّين لكي يميّزوا علامات الأزمنة.
قد نكون عند فتح الختم الأول وتهديدات الحرب، أمام تلميح إلى حدث حصل قبل ذلك الوقت ببضع سنوات، وهو انتصار الفراتيين (62 ب. م.) الذين اشتهروا بحروبهم علي ظهور الخيل. وفي الختم الثالث، قد يشير النصّ إلى مجاعة هائلة حلّت بآسية الصغرى (موضع الرسائل) سنة 92 أو 93 ب. م.، أي قبل التدوين النهائي لسفر الرؤيا بوقت قليل. مع الختم الخامس نكون في ليتورجية العهد القديم في الهيكل مع تذكّر شهداء إضطهاد نيرون. فَتحْتَ المذبح تقيم نفوس الشهداء. وكما كان دم الذبائح يسيل عند مذبح المحرقات، كذلك نجد نفوس الشهداء عند المذبح. وصرخة انتقام الشهداء هي في خطّ العهد القديم (اعتبرت الحروب نكبة وعقاباً من قِبَل الرب): هم لا يفهمون لماذا يتأخّر الله، لماذا لا يتدخل.

3- الختم الخامس (6: 9- 11)
يختلف مشهد الختم الخامس عن مشهد الختوم السابقة، ولكن لا نجد انقطاعاً في الخبر. نحن لا نزال أمام سلسلة العلامات التي تسبق النهاية والتي تتواصل مع اضطهاد المؤمنين (مر 13: 9؛ لو 21: 12). 
أ- رأيت تحت المذبح (آ 9)
ترد اللفظة مع أل التعريف. فوجود هذا المذبح واضح مع أنه لم يُذكر من قبل. إن العهد القديم يفترضه في أش 6: 6 حين يحمل أحد السرافيم عنه جمرة ليطهّر شفتي أشعيا، أو في خر 25: 9، 40 الذي يؤكّد أن الهيكل الأرضي صُنع على مثال الهيكل السماوي.
"تحت المذبح النفوس". ما معنى هذا الكلام؟ ولكن أي مذبح نعني؟ هيكل المحرقات الواقع خارج المعبد أو مذبح البخور (العطور) الواقع في الداخل وأمام حجاب قدس الأقداس؟ في المعنى الأول، نكون أمام تلميح مباشر إلى طقوس الذبائح عند اليهود. كان دم الذبائح يرشّ عند مذبح المحرقات (لا 4: 7: يصت الدم عند أساس مذبح المحرقة). والدم هو النفس (والحياة) (لا 17: 11: نفس الجسد هي في الدم). إن موت هؤلاء الناس يُعتبر ذبيحة تكفير. هذا ما يقوله العالم اليهودي عن شهدائه منذ زمن المكابيين.
في المعنى الثاني نكون أمام مذبح العطور أي المذبح السماوي الوحيد المذكور في رؤ. وهذا يعني أن موت هؤلاء الناس هو ذبيحة مرضية لله. مهما كان المعنى الذي نأخذ به، فنحن أمام الشهداء الذي ضحّوا بحياتهم على مثال الحمل (18: 24). هذا ما يدلّ عليه الفعل "ذبح" (المذبوحين) الذي يشير إلى موت المسيح كذبيحة فصحية (5: 6؛ 9: 12؛ 13: 8) يحاول أن يتشبّه بها الوحش (13: 3) هزءاً واحتقاراً. 
إنّ صورة الشهداء تحت المذبح. تدلّ على قرب خاص من الله. لقد منحهم الله امتيازاً بأن يكونوا بقربه بعد موتهم. هنا نقرأ نصوص بعض المعلّمين في هذا المجال. "جُعلت نفوس الصديقين تحت عرش الله". أو رابي عقيبة: "من دُفن في أرض إسرائيل، كان وكأنه دُفن تحت المذبح. ومن دُفن تحت المذبح كان وكأنه دُفن تحت عرش المجد".
من هم هؤلاء الشهداء؟ قبل أن نجيب، نذكر أسباب موتهم: "كلمة الله... والشهادة التي أدّوها" (أو: حملوها). هناك من له شهادة يسوع. ومن يشهد ليسوع. في 12: 17؛ 19: 10 نحن أمام أناس لهم شهادة يسوع. ويوضح 19: 10: "شهادة يسوع هي روح النبوءة" (رج 1 كور 12: 3: "لا يستطيع أحد أن يقول: يسوع رب، إلاّ في الروح القدس"). من كانت له شهادة يسوع امتلك في ذاته الشهادة التي يؤدّيها الروح القدس ليسوع (يو 15: 26: روح الحق يشهد لي وأنتم تشهدون لي). هذا يدلّ على ائتلافنا (نحن مدوزنون) مع كلمة الله، وعلى جدارتنا بأن نعبّر عنها تعبيراً كاملاً (مت 10: 20: لستم أنتم المتكلّمين، بل روح أبيكم). شهادة يسوع ليست عملاً نقوم به، بل حالة ثابتة يعرفها المسيحيون الذين يخضعون للروح فيجعلهم جديرين بأن يشهدوا الشهادة العلنية ساعة تأتي المناسبة (12: 17؛ يو 15: 27). وهذا الوضع قد يقودهم إلى الشهادة، كما حصل ليوحنا (1: 9). أو إلى الموت كما حصل للمسيحيين (12: 11؛ 4:20).
لا يقول النصّ إن 6: 9 يعني شهادة يسوع. فاستنتج بعض الشرّاح أننا أمام شهداء العهد القديم، هؤلاء الناس الذين لم يعرفوا المسيح، ولكنهم كانوا من الحقّ فضحّوا بحياتهم ليدافعوا عنه. إنهم "جمع كبير من الشهود" (عب 12: 1). إنهم "دم الصديقين الذي سُفك على الأرض منذ هابيل الصديق إلى زكريا بن برخيا الذي قُتل بين الهيكل والمذبح" (مت 23: 34-35). نلاحظ أنهم يصرخون إلى الله ويسمّونه السيد (أدوناي في الأرامية) كما يفعل اليهود الأتقياء. ونداء الإنتقام الذي يطلقونه يجعلنا في مناخ العهد القديم.
إذن، نحن أمام شهداء العهد القديم. ولكن قد نجد تلميحاً إلى أولئك الذين قتلوا في أيام نيرون (64- 67 ب. م.). وهكذا تعني العبارة جميع الشهداء "المذبوحين" حتى ساعة كتابة رؤ. لقد صارت الكنيسة شعب الله الجديد، فضمّت في جوانبها جميع الشهداء إلى الشهيد الأمين الذي هو يسوع المسيح، بعد أن صار موتهم امتداداً لموته.
ب- صلاة الشهداء (آ 10)
لقد تميّز الشهداء بالمصير الذي أعطي لهم. ومع ذلك فهم يرفعون إلى الله صلاة عنيفة. يرفعونها بصوت عالٍ: إلى متى؟ هي صلاة شخص ظُلم وهو يطالب. نجدها في مز 13: 2-3؛ 79: 15- 10، حيث يعتبر المرتّل أن الله لم يكن أميناً لالتزامه وعهده. وهنا، يضع الشهداء على المحك قداسة الله وحقيقته.
"ينادون بالإنتقام من سكّان الأرض". أي من جميع البشر الذين ليسوا خدّام الله. هي صلاة بعيدة عن المسيحية. هناك طلب الإنصاف ثم الإنتقام. ولكن نلاحظ أنهم لا ينتقمون، بل يسلّمون، شأنهم شأن صاحب المزامير، الإنتقام إلى يد الله. بل هم يودّون أن يعجّل الرب في الدينونة الأخيرة فيدلّ أمام العالم على القيم الحقّة والمنتصرين الحقيقيين. إذا عجّل الله في الإنتقام، هذا يعني أن نهاية العالم قد أتت، وهذه هي رغبة المؤمنين العميقة.
ج- جواب الله (آ 11)
هناك جوابان. الأول: أعطي الشهداء ثوباً أبيض بانتظار أن يتحقّق مخطّط الله تحقّقاً كلياً. نالوا عربون الملكوت. وهذا صار ممكناً منذ موت المسيح. هم لم يخسروا كل شيء، ولم يسفك دمهم عبثاً، إنهم باكورة الخلاص الشامل.
الثاني: طلب منهم أن يصبروا، أن "يرتاحوا" إلى أن يصل عدد إخوتهم إلى ملئه. إن فكرة عدد المختارين كما حدّده الرب، نجدها في كتب الجليان اليهودي (1 أخنوخ 47؛ 4 عزرا 4: 35- 36). يقول الصدّيقون: إلى متى؟ فيصلهم الجواب: إلى أن يتمّ عدد الذين هم مثلكم. فالله لا يترك التاريخ يسير نحو الإنزلاق. بل جعل له حداً. وبانتظار ذلك الوقت، ستكون اضطهادات.
حين نضع جانباً اللباس الجليانى للفكرة، نجد وراء الختم الخامس قلق المسيحيين الأولين تجاه تأخّر عودة المسيح: وُعدنا بالمجد والغلبة، وها نحن نجد الإضطهادات والإستشهاد. هي كارثة من الوجهة البشرية. أجاب الله بأن على المسيحيين أن يمرّوا في الآلام (الحاش كما نقول في السريانية) على مثال المسيح. بأن الله ينتظر ساعته ليدلّ على معنى هذا الفشل الحاضر. هنا نتذكّر مر 13: 10: "يجب أولاً أن يُعلن الإنجيل في كل الأمم". وهذا ما سيتوسّع فيه يوحنا في رؤ 10.
لقد نال المختارون ثوب السعادة الأبدية. ولكن لا بدّ لهم من النضوج في النعمة. فالسماء ليست "شيئاً" نمتلكه. هي دينامية مستمرّة. ولهذا على المختارين، رغم ثوبهم الأبيض، أن يتحلّوا بالصبر. من جهة، لا يتدخّل الله بكل قدرته إلاّ في نهاية التاريخ. ومن جهة ثانية، سيموت عدد كبير من المسيحيين شهداء. وهكذا يدخل "المختارون". شيئاً فشيئاً في مخططات العناية الإلهية التي تنكشف لهم. هذه المخططات تشير إلى سرّ العدد الكامل (رج روم 11: 25) الذي صار كبيراً في نظر الشهداء، ولكنه لم يصل إلى ما حدّده الله في قصده الأزلي؟ جمهور كبير لا يُحصى.

4- الختم السادس (6: 12- 17)
لا نجد كثيراً من النصوص الجليانية قد دوّنت بشكل ملموس ودراماتيكي كما دوّن هذا الخبر للكوارث التي تسبق يوم غضب الله (6: 17). فهو يعود إلى صور مأخوذة من العهد القديم (أش 13: 9- 10؛ 34: 4؛ حز 32: 7-8؛ يوء2: 10؛ 3: 4؛ عا 8: 9) ومن العهد الجديد (مر 13: 24-27؛ مت 24: 29 ي). فالبشريّة كلها غارقة في فوضى قاتلة ومأخوذة في رعب وهلع. محا القلق والإضطراب الإختلاف بين البشر، فبدا عظماء الأرض كالعبيد، والملوك كصغار القوم. كلهم لجأوا إلى المغاور وطلبوا الموت لنفوسهم.
أ- تفسير النصّ
فُتح الختم السادس فجرّ وراءه سلسلة من الإنقلابات الكونية هزت العالم القديم. نحن هنا أيضاً أمام عالم جلياني تقليدي (مر 13: 28، 24- 25). وكل عنصر من هذه الصور يرتبط بنموذج من العهد القديم: لغة إصطلاحية حول نهاية الأزمنة. لغة تحاول أن تؤثر فينا، لا أن تقدّم لنا معرفة علمية.
"زلزال". يذكر بين المظاهر الإسكاتولوجية (عا 8: 8؛ 9: 5). نقرأ في يوء2: 10: "أمامهم ترتجف الأرض وترتعش السماوات. تسودّ الشمس والقمر، وتمنع الكواكب ضياءها ساعة يجهر الرب بصوته أمام جيشه". ونجد كلاماً عن الشمس السوداء في أش 50: 3، وعن القمر المدمّى في يوء3: 4 (تنقلب الشمس ظلاماً، والقمر دماً).
"وكواكب الفضاء تتساقط" (آ 13). نقرأ في أش 34: 4: "ويفنى كل جند السماء والسماوات تُطوى كورق البرديّ ويسقط جندها جميعاً سقوط أوراق الكرم والتين" (رج مر 13: 25). تبدو السماء كخيمة منصوبة فوق العالم. ثم تُطوى مثل ورق البرديّ لتُوضع في مكانها. وقبل ذلك سقطت الكواكب (النجوم) كالثمار الخضراء. وتنقلب الجبال التي هي عواميد السماء. وتنقلب الجزر التي هي عالم ثابت في قلب الأوقيانوس الوسيع. وهكذا يعود الكون إلى الخلاء والخواء، إلى الفوضى الأولى (إر 4: 23-26؛ نا 1: 5).
"وملوك الأرض" (آ 15). وتصوّر ردّات فعل البشر. يتضمّن التعداد سبع مفردات (ملوك، عظماء، أقوياء، أغنياء، زعماء، عبيد، أحرار) فيدلّ على البشرية كلها (عدد الكمال). أولاً: الطبقات العليا التي تخيف الآخرين: ملوك الأرض الذين هم في رؤ أعداء الله الألدّاء (16: 14؛ 17: 2، 18؛ 18: 3، 9). ثم العظماء والأقوياء (قوّاد الجيوش). ثم أصحاب المال والزعامة. وفي النهاية، آخر السلّم: الأحرار والعبيد. والهرب إلى المغاور هو جزء من الصور الجليانيّة. رج أش 2: 10، 19 (دخلوا في الصخر واختبأوا في التراب من هيبة الرب... يدخل البشر مغاور الصخور ويختبئون في حفائر التراب".
"يقولون للجبال: أسقطي علينا". نجد النموذج في هو 10: 8: "يقولون للجبال: غطّينا. وللتلال: أسقطي علينا" (رج لو 23: 30). يختبىء البشر ويبتعدون قدر المستطاع من وجه الجالس على العرش، كما فعل آدم وحوّاء (تك 3: 8).

ب- إعتبارات
هذا الكلام يدعونا إلى اعتبارات حول الكوارث التي تصوّر أمامنا. إنها علامات ملتبسة وتتحمّل مدلولات عديدة. ليست فقط عقوبات. إنها أيضاً أسلحة وسهام بها يحارب الله أعداءه (رج 6: 2 والقوس). وهي بشكل خاص علامات تسبق ظهور الله وتدلّ على اضطراب الخلائق حين يقترب منها الله القدّوس. فكل إنسان على الأرض يكتشف عجزه العميق (عدم ثباته) أمام التسامي الكامل للذي هو. كل المعالم تزول. ولا يقف إلاّ الشهداء الذين يدلّون على العالم الجديد، الذين هم أناس المستقبل. وتتنامى النكبات فتدلّ على اقتراب الله شيئاً فشيئاً.
ولكن الله ليس وحده في ظهوره، في تيوفانيته. لم نعُد فقط أمام يوم الرب كما أعلنه يوئيل (2: 11؛ 3: 4) وصفنيا (1: 14). لم نعد أمام يوم غضبه (صف 1: 15-18؛ 2: 2-3؛ نا 1: 6؛ مز 110: 5؛ روم 2: 5). بل نحن أمام قراءة كرستولوجية جذرية تطبّق كل هذا على المسيح. نحن أمام غضب الحمل وغضب الله. والنصّ يبرز في آ 17 الإتحاد الوثيق بين الله والحمل فيقول: "جاء يوم غضبهما" (رج 5: 13). نحن هنا أمام تأكيد عميق جداً: فدينونة الله وتدخّله النهائي والمنتقم هما يسوع المسيح، صليب يسوع المسيح (يو 5: 22: الآب لا يدين أحداً بل جعل القضاء في يد الإبن). والحبّ الظاهر في صليب المسيح يكشف عن خطيئة العالم ويحكم عليه، كما يدمّر "تأمينات" المتكبّرين، ويثير الرفض والمعارضة والحروب مع ما يرافقها من جوع ووباء وموت إلى أن لا يعود حضور الله يحتمل لقربه. وينتهي هذا الفصل بسؤال: "فمن يقوى على الثبات"؟
والجواب نجده في ف 7: يثبت الذين أدركوا في الإيمان الحبّ الخلاصي مش خلال غضب الله. والذين استسلموا مثل يسوع إلى دينامية بذل الذات حتى الموت (6: 11؛ 17: 14). هنا نكتشف كل لاهوت الآلام حسب القديس يوحنا: الإرتفاع على الصليب يكرّس يسوع ملكاً. في هذا المجال قال القديس ليون: "يا لعظمة الصليب العجيبة! هنا نجد محكمة الربّ. هنا دينونة العالم. هنا سلطة المصلوب".

 

 

الفصل الثامن عشر
شعب عباد الله
1:7-17

في تعارض قاسٍ أراده الكاتب، يتبع مشهدُ المختارين المختومين على جباههم مشاهد القلق واليأس بما فيها من مآسٍ. توقّفت العاصفة، ولكن جاء صمت مخيف فأعلن شيئاً لا نتوقّعه: "وإذا أخذت هذه تحدث، فانتصبوا قائمين وارفعوا رؤوسكم لأن خلاصكم قريب" (لو 21: 28). ففي كثافة الشقاء صار عون الله قريباً: تلك هي التعزية الممنوحة للجماعات الأولى: حين تصل الكوارث الطبيعية (صور عن القلق) والإضطهادات إلى الذروة، هذا يعني أن الله صار قريباً من الأمناء له.
إن ف 7 يستعيد السؤال المطروح في 6: 17: من يثبت أمام غضب الله والحمل الذي لا يفلت منه أحد؟ هل يلغي غضب الحمل كل أمل؟ هل يضرب البشرية كلّها فلا يفلت منها أحد؟ هنا نجد نفوسنا أمام قسمين. ويبدأ كل منهما بعبارة: "رأيت بعد ذلك" (آ 1، 9). رأى في 7: 1- 8: 144000. وفي 7: 9- 17: جمهور كبير لا يُحصى. في القسم الأول نرى الملاك الحامل الختم (آ 1- 3). ثم نسمع عدد الذين خُتموا على جباههم (آ 4- 8).

1- جماعة المئة وأربعة وأربعين ألفاً (7: 1- 8)
نحن أمام الكنيسة شعب الله. هي تشمل عدداً كبيراً جداً، كما تضمّ جمهوراً كبيراً من كل أمّة وقبيلة وشعب ولسان (4 مفردات. هذا ما يدلّ على العالم كلّه بأقطاره الأربعة).
أ- ختم الله الحي (آ 1- 3)
"ورأيت بعد ذلك أربعة ملائكة" (آ 1). يرى العالم اليهودي في زمن رؤ أن كل ظاهرة طبيعية قد أوكلت إلى ملاك مسؤول. هناك ملائكة الرعد والبحر والجليد والبرد. وسنجد في رؤ 14: 18 ملاك النار، وفي 16: 5 ملاك المياه. وهنا نجد ملاكاً لكل ريح.
يستلهم الكاتب هنا التمثّل الشعبي للعالم في العصور القديمة: فالكون هو مساحة مستطيلة. ومن كل زاوية تهبّ ريح خاصة تحمل السعادة أو الشقاء: وهكذا يذكر الملائكة الأربعة الذين سلمهم الله سلطاناً على الرياح الأربع (إر 49: 36؛ دا 7: 2).
أولاً: الدور الذي تلعبه هذه الرياح
يرى العهد القديم في هذه الرياح رسل الله (مز 104: 4) ومطيّته حين يذهب إلى القتال (زك 9: 14). هو رمز قريب من رمز الأحياء التي تحمل العرش. فالرياح هي الوسائل التي بها يفعل الله في أربع زوايا الكون، بشكل مفاجىء. بقوة، وفي أي مكان. والريح لا تنفصل عن العاصفة في التيوفانيات. ولهذا، قد يكون للرياح دور خيّر فتحمل مثلاً الحياة إلى العظام اليابسة (حز 37: 9). في العنصرة، هجمت روح عظيمة على العليّة (أع 2: 2). وقد تأتي هذه الرياح فتنفّذ قرارات مدمّرة أصدرها غضب الله، مثلاً ضد عيلام (إر 49: 36)، أو ضد افرائيم (هو 15:13).
من أين جاء رؤ بهذه الصورة؟ من رؤية زك 6: 5 الذي يماثل بين المركبات الأربع بأفراسها وبين الرياح الأربع التي تتفحّص الأرض. في رؤ 7: 1- 3، الرياح هي في خدمة غضب الله، لكي تؤذي الأرض والبحر والأشجار (آ 2- 3). أجل، أول ضحايا هذه الرياح العنيفة هي الأشجار.
الملائكة واقفون ومستعدّون للعمل. واقفون في أربع زوايا الأرض التي هي بشبه مستطيل. يوقفون الخاضعين لهم لحظة قصيرة ليعطوا مهلة للعالم قبل النهاية. نجد هنا من جديد موضوعاً عرفته كتب الرؤى اليهودية (مثلاً، 1 أخنوخ 66): الزمن الذي فيه بنى نوح السفينة (الفلك). الموضوع هو أن لا تمزج في عقاب واحد مخيّم العالم (من أشخاص وأشياء) ومخيّم الله. إنه اهتمام نعمة الله دفعه إلى أخذ مبادرة الوقفة القصيرة.
"رأيت ملاكاً آخر يطلع من الشرق (الشمس الشارقة)" (آ 2). ترتبط وظيفته بالرحمة التي تمسك الرياح المدمّرة. الشرق هو الوجهة التي منها يأتي الله بمبادراته الخلاصيّة: عدن (تك 2: 8)، كورش (أش 41: 25)، المجد (حز 43: 2؛ رج لو 1: 78؛ مشرقاً من العلاء). إن هذا الملاك يوازي الأربعة الأولين. وصوته القوي يدلّ على أهمية تعليمه وسلطته. سيعطي الأوامر لزملائه بأن لا يفلتوا الرياح المدمّرة إلى أن "نختم عباد إلهنا على جباههم". من يمثل هؤلاء "نحن" (نختم نحن)؟ ملائكة آخرون؟ الكنيسة؟ مهما يكن من أمر نحن نفهم سبب هذه المهلة.
هذا الملاك أمسك ختم الله الحيّ. يحب يوحنا هذا الإسم الإلهي الذي يطبّق على المسيح في 4: 9، 10؛ 10: 6؛ 15: 7؛ رج 1: 8. هذا يعني أن الختم يهب الحياة. إنه صورة عن المعمودية التي فيها نحمل إسماً جديداً.
ثانياً: ماذا يفيد الختم
ينجّي الناس الذين يحملونه على جباههم من سلطان قوى الهاوية (9: 4). هذا لا يعني أن المسيحيين يفلتون من محن هذا العالم خصوصاً من النكبات التي حرّكتها الختوم الستة الأولى. هم لا يُعفون من أي شيء يحدث في حياة البشر. بل إن المحن والإضطهادات ستصبّ على المسيحيين الأمناء: نستطيع القول إنهم وُعدوا بالاستشهاد. ولكن حتى في هذا الموضع، هم لا يُتركون: فالمسيح هو معهم وهو يحفظهم (3: 10). لهذا فهم يستطيعون أن يواجهوا أسوأ الأخطار: فمصيرهم الأبدي مؤكّد. والمحن تكشف فقط أنهم يختلفون عن سائر "سكّان الأرض": هم منذ الآن ينتمون إلى عالم الله. فالموت الجسدي الذي قد يصيبهم لا يؤثّر على الكارت الجديد والنهائي الذي صاروه.
ثالثاً: من يُختم، من يُطبع بهذا الختم
ظنّ البعض أن 144000 هم المسيحيون الآتون من العالم اليهودي، الذين خرجوا من أسباط إسرائيل الاثني عشر. وهكذا يدلّون على فئة خاصة من المسيحيين. والحال أن الملاك ختم "عباد الله"، لا بعضاً منهم. وهذا اللقب يدلّ في رؤ على المسيحيين (1: 1؛ 2: 20؛ 6: 11؛ 19: 1، 5؛ 22: 7- 6). في 9: 4 نجد فقط مجموعتين: أولئك الذين خُتموا وخلِّصوا. أولئك الذين لم يختموا فهلكوا. والمجموعة نفسها (144000) في 14: 3 تمثّل (كما يقال لنا) "المفتدين في الأرض". إذن نحن أمام المسيحيين جميعاً.
رابعاً: الختم في سفر الرؤيا
تلمّح آ 3 إلى حز 9: إن العقاب سيصيب أورشليم. أما الأناس الذين لا يتحملون الشرك فقد طبعوا على جباههم بحرف التاء (في العبرية. هو قريب من الصليب) (حز 9: 4). حين تُرجم العهد القديم إلى اليونانية، صارت هذه المفردات (التاء): علامة، آية (سامايون، في اليونانية). وهكذا عفا المدمّر عن الذين طُبعوا بهذه العلامة. نحن هنا أمام مبدأ الختم بالدم في خر 12: 7، 22، 23: الدم على العتبة. غير أن يوحنا ابتعد عن هذا النموذج وذاك ساعة سمّى هذه العلامة. ففي نظره، ليست تاء ولا صليباً ولا علامة من العلامات. إنها ختم (سفراغيس).
وجعل الوحش أيضاً علامة على جباه "مؤمنيه" (الأمناء له) (13: 16). في هذه الحال لا يستعمل يوحنا كلمة "سفراغيس" (التي كان بإمكانها أن تشدد على التوازي)، بل كلمة "خرغما" (سمة). لماذا؟ لأن لكلمة "ختم" "خَتَمَ" معنى محدداً جدًّا، معنى يكاد يكون مخصّصاً. وهذا ما يتيح إستعماله في وضع ويمنع إستعماله في وضع آخر. ففي كنيسة القرن الثاني دلّ "الختم" على المعمودية. نقرأ في "راعي هرماس" ما يلي: "نال الموتى (الروحيون) ختم أبناء الله ودخلوا في ملكوت الله. فالإنسان ميت قبل أن يحمل اسم إبن الله. وحين يتقبّل الختم، يرذل الموت ويتقبّل الحياة. والختم هو الماء: إذن، ينزلون في المياه أمواتاً ويخرجون منها أحياء". وحتى عند القديس بولس، كانت الكلمة عنده إحدى المفردات العمادية. نقرأ في 2 كور 1: 21- 22: "إن الذي يثبتنا وإياكم في المسيح ويعطينا المسحة هو الله الذي طبعنا بختمه وجعل في قلوبنا عربون والروح". يدلّ الختم على حقّ الملكية التي لله على إنسان يُصبح خاصته في المعمودية. والختم هو أيضاً العلامة الخلاصية التي تحمي المعمد ساعة الدينونة الاسكاتولوجية.
هذا هو معنى الكلمة في رؤ. فإن 14: 1 يحدّد أن 144000 يحملون على جباههم (نحن أمام الختم) إسم المسيح وإسم أبيه (يعمّد باسم الآب والابن). وبدت العبارة عينها في 3: 12: أنقش إسم إلهي، أنقش اسمي، تلميحاً إلى المعمودية. فالروح القدس يطبع فينا صورة المسيح الذي هو التعبير المنظور للآب. وهكذا نفهم لماذا أدخل الكاتب لفظة "ختم" حين أشار إلى حز 9، ولماذا لم يستعملها حين تحدّث عن الوحش. فلا معمودية لدى الوحش. بل هناك معمودية واحدة باسم الآب والابن والروح القدس.

2- 144000 (آ 4-8)
"عدد المختومين" (آ 4). فالملاك الصاعد من الشرق، من حيث تشرق الشمس، من مسكن الله المميّز، يمسك بيده ختم الله الحي (آ 2). وعليه أن يختم المختارين.
العدد هو رقم رمزي. 12: عدد قبائل إسرائيل المدعوة لتكون شعب الله 12 × 12: تعبير عن الطابع الكامل والحصري (6: 11: يكتمل عدد رفاقهم. كلّهم. ولا أحد سواهم). 1000: رمز إلى جمع كبير جداً لا يمكن إحصاؤه. إنهم في الأصل أبرار شعب إسرائيل الذين يشكّلون النواة الأساسية للشعب الإسكاتولوجي. وفي النهاية كل شعب الله وإسرائيل الحقيقي.
إذن، نحن أمام جماعة المعمّدين. ولكن لماذا أحصاهم حسب القبائل وأعطى رقم الاحصاء؟ الرقم كما قلنا هو رمزي (وليس بحقيقي كما تقول بعض الشيع): هو رقم شعب الله وقد ارتفع إلى مستوى لا يتخيّله عقل بشر. وهذا الرقم له أهميته، وسيورده الكاتب مرة أخرى في 14: 1: "ونظرت فرأيت على جبل صهيون حملاً ومعه مئة وأربعة وأربعون ألفاً ظهر اسمه واسم أبيه مكتوباً على جباههم".
لماذا قدّم لنا هذا الرقم حسب القبائل؟ ليقول لنا إن إسرائيل الحقيقي وشعب الله الحقيقي هو الشعب المسيحي. ليس هو مجموعة أفراد (كل يتدبّر أمره، يخلّص نفسه)، بل شعب منظّم فيه يجد إسرائيل القديم كماله.
لائحة من 12 إسماً. وفيها بعض الأمور التي تسترعي الانتباه. هي تحذف "دان" وتجعل مكانه "منسى" (فيبقى الرقم 12) الذي يتضمّنه يوسف أبوه. كان بالإمكان أن يلغى يوسف (والد افرائيم ومنسى) ويوضع مكانه إفرائيم ومنسى. ولكن الكاتب لم يفعل، بل ألغي "دان". فسمعة دان سيّئة في الكتاب المقدّس. أقامت هذه القبيلة في الطرف الشمالي من فلسطين، بعد إحتلال الأرض، فخسرت كل إتصال سياسي وروحي مع سائر القبائل بسبب بعدها الجغرافي وتأثير الفينيقيين عليها. وهكذا زالت من ذاكرة الأجيال المقبلة (قض 17- 18؛ 1 مل 12: 29- 30: العجل في دان وعبادة الأوثان). نقرأ في تك 49: 17: "يكون دان ثعباناً على الطريق، وافعواناً على السبيل. يلسع رسغ الفرس فيسقط الراكب إلى الوراء". ستنطلق الكنيسة الأولى من تك 3: 15 وتجعل من دان المناوىء للمسيح (أنتيكرست) فيقبرل إيريناوس: "لهذا السبب لم يحسب دان في رؤ بين الأسباط الذين خلِّصوا".
لا نعود نجد شجرة سلسلة القبائل في أي مكان من الكتاب المقدس. ثم إن يهوذا يُذكر أولاً بسبب النبوءات المسيحانية المرتبطة به. لا ننسَ هنا ما قيل لنا في 5: 5 عن المسيح الذي هو "أسد قبيلة يهوذا". 

3- جمهور كبير لا يُحصى (7: 9- 17)
إن شعب الله في العهد الجديد هو جماعة مؤلّفة من "يهود ووثنيين". وجّهت آ 4- 8 أنظارنا إلى العالم اليهودي في الدرجة الأولى. أما آ 9- 17 فوجّهتنا إلى مسيحيين من أصل وثني، أو بالأحرى إلى مسيحيين جاؤوا من أقطار الكون الأربعة، من العالم كله. فأبناء ابراهيم ليسوا فقط "الشعب اليهودي"، بل جميع أبناء الوعد من أية أمّة أو قبيلة كانوا (روم 9: 6 ي؛ 11: 17 ي). والهدف الأخير لكل شعب الله هو الليتورجيا الأدبية الواجبة "للجالس على العرش وللحمل".
هناك سمات عديدة تجعل هذه الرؤية تتعارض مع سابقتها. من جهة، هناك جمهور معدود (144000). ومن جهة ثانية، جمهور لا يُحصى. الأولى تعود بنا إلى العهد القديم، والثانية إلى الكون كلّه. واحدة تقوم على الأرض والأخرى في السماء. واحدة مطبوعة بالختم لمجابهة المحنة الآتية. وسيُقال لنا عن الأخرى إنها جابهت المحنة وانتصرت عليها.
إذن، كل شيء يميّز بين هذين الجمهورين. والذين رأوا في آ 1- 8 تلميحاً إلى المسيحيين من أصل يهودي، يرون هنا صورة عن المسيحيين من أصل وثني. ولكن إذا كان 144000 المفتدين من الأرض (14: 3)، وإذا كان الحمل قد افتدى أناساً من كل أمة وقبيلة وشعب ولسان (آ 9؛ رج 5: 9)، فهذا يعني أن الشعبين متشابهان، وأن المئة والأربعة والأربعين توازي المفتدين من كل أمة...
ولكن ما هو مرمى هذه الرؤية الثانية؟ سندرس النصّ في التفصيل ونميّز الرؤية في حدّ ذاتها (آ 9- 12) ثم تفسيرها بفم أحد الشيوخ (آ 13-17).
أ- الرؤية في حدّ ذاتها (آ 9- 12)
أولاً: جمهور كبير (آ 9)
إن العدد اللامحدود لهذا الجمهور يحيلنا إلى الوعد الذي أعطي لإبراهيم بنسل كبير يشبه نجوم السماء والرمل على البحر (تك 15: 5؛ 22: 17). هذا يعني أننا أمام التتمّة الأخيرة.
"كانوا واقفين أمام العرش". إطار المشهد هو هو في هذا المقطع وفي ف 4- 5. والليتورجيا التي ستقام في آ 10- 12 ستكون إمتداداً لمجدلات ف 5. ولكن في الماضي، إقترب الأحياء والشيوخ وحدهم من العرش. أما الآن، وللمرة الأولى في رؤ، يُقبل أناس (من كل أمة) في الموضع الذي تتمّ فيه العبادة السماوية. بل هم يشاركون في هذه العبادة. ويقتربون من العرش بواسطة الكهنة (5: 10). نحن هنا أمام استباق لما في ف 21- 22 حيث نرى حضور الله في أورشليم السماوية حضوراً مباشراً ومستمراً.
هذا تفصيل ينبّهنا بأن لا نرى في رؤ مراحل متعاقبة لتاريخ يسير في خطّ متواصل. هناك إنطلاق وتقدّم في الكتاب، ولكننا دوماً أمام الواقع عينه الذي يخفيه الظل فيخرج شيئاً فشيئاً إلى النور. إن رؤ هو شروق شمس: نحن أمام المواضع عينها والأشخاص نفسهم، ولكن كل شيء يتحوّل بنور ذلك الآتي.
"يلبسون ثياباً بيضاء". لقد انتصروا. هم أطهار أنقياء. بل تجدّد كيانهم تجدداً أساسياً. هم أناس جدد، أناس سماويون. قدّمت الثياب البيض إلى المنتصرين (3: 4) والشهداء (6: 11) وهم يمثّلون فئتين قريبتين تدلاّن على المثال المسيحي.
"بأيديهم أغصان النخل". النخل يدلّ على الغلبة والانتصار (1 مك 13: 51؛ يو 12: 33). بعد ذلك الوقت، سيُحفظ النخل للشهداء. أما هنا، فلا يميّز الشهداء عن سائر المؤمنين. ما يقال ينطبق على جميع الأمناء للمسيح. رأى بعضهم في هذا المشهد تلميحاً إلى عيد المظالّ. كان هذا العيد يذكّر العبرانيين بإقامتهم تحت الخيام في البرية، ولا حماية لهم إلاّ حماية الله. كانوا يبنون أكواخاً من ورق الشجر في كل بيت. ويذهبون في طواف (زيّاح) إلى الهيكل وهم يحرّكون أغصان النخل حول المذبح (إنتصار الله). وكان عيد المظالّ عيد المياه التي تحمل من سلوام، وعيد النور الذي ينفذ في الظلام، وعيد الفرح والانتظارات المسيحانية والاسكاتولوجية. وكانوا ينشدون هوشعنا، يا ربّ خلّص. إن نهاية الأزمنة ستكون آخر عيد مظال يعرفه شعب الله (زك 14: 16).
نحن هنا أمام فرضية لا بأس بها. فيكون النصّ الذي نقرأ "عيد مظال" نحتفل فيه بتحريرنا النهائي في الهيكل السماوي. ونكتشف التجمّع حول الله، النخل (آ 9). هوشعنا (آ 10). شعائر العبادة ليلاً ونهاراً (آ 15). حماية الله كما الخيمة (آ 15- 16). ولماذا لا تكون خلفيّة هذا النص مناخ عيد المظال؟ يستفيد الكاتب من صور قديمة ليعبّر عن خبرة حماية الله لشعبه خلال المحنة.
ثانياً: الخلاص لإلهنا (آ 10- 12)
هذا يعني أن الله يمارس حقاً عمل الخلاص، يخلّص. هذا هو ترجمة "هوشعنا" عيد المظال في مز 118: 25: "يا ربّ خلّص يا رب أنجح". لقد تمّ الخلاص. لهذا نهتف هوشعنا. ونحرّك أغصان النخل. 
وسيظهر الخلاص في 12: 11 (الآن حصل الخلاص): سقط الشيطان وانتصر الشهداء. في 19: 1- 2 (لإلهنا الخلاص والمجد والقوة): دانَ الله الزانية وانتقم لدم عباده. فالخلاص يكون حاضراً حين يجعل الناس حبّ المسيح يمرّ قبل حبّهم لذاتهم. أو حين يُجبر المنافقون على أن يروا في مصائبهم علامة عن فشلهم وعن انتصار الله (السحرة في مصر: خر 8: 19: هذه إصبع الله). الخلاص يكون حين تتمّ مشيئة الله وتُعرف في وضح النهار. وهذا الخلاص هو لله والحمل. فغلبة الشهداء هي في النهاية غلبة الحمل. نقرأ في 12: 11: "غلبوا بدم الحمل"، أي بالصليب. 
وكان جواب الملائكة والشيوخ والكائنات (الحية) (5: 12) على مديح الشهداء علامة على موافقتهم لما يقولون: "آمين". حين يُعلن البشر بحياتهم أن خلاص الله يتحقّق الآن وفي هذا المكان بالذات. أي، حين يمجّدون الله، تنضمّ إليهم السماء فتصبح عبادتهم وعبادة السماء واحدة: كما في السماء كذلك على الأرض.
تتضمّن المجدلة سبع مفردات (الحمد، المجد، الحكمة، الشركة، الإكرام، القوة، القدرة) كما في 5: 12 (الكمال المديح والتمجيد). هناك ست مفردات مشتركة بين المقطعين وإن اختلف الترتيب. وكلمة "غنى" (في 5: 12) يحل محلها "الشكر" (في 7: 12). وهكذا عدنا إلى العبادة الأبدية التي يصوّرها ف 5. ولكن البشر يشاركون فيها في هذه المرة فلا تقتصر على الشيوخ والكائنات الحيّة. كل شيء قد قيل الآن، ولم يبقَ شيء. ولكن حواراً بين يوحنا وصديقه "الشيخ" القديم (رج 5: 5) يتيح لنا أن نتعمّق في معنى هذا المشهد.
ب- تفسير الرؤية (آ 13- 17)
"فقال لي واحد من الشيوخ" (آ 13). سؤال الشيخ سؤالا شكلي، ولكنه يبرز أهمية الوحي الذي وصل إلى يوحنا، ويدعو القارىء ليبحث عن معناه الخفي. رج حز 37: 3- 4 (يا ابن البشر، أترى تحيا هذه العظام؟)؛ زك 4: 2، 5 (قال لي: ماذا أنت راءٍ). هذا الكلام يعبّر عن تساؤلنا وتساؤلا الرائي. من هم بالتحديد هؤلاء اللابسون ثياباً بيضاء؟ ويشدّد النصّ على الطابع النهائي للخلاص كما سيعيشونه.
"جاؤوا من المحنة الكبرى" (آ 14). قبل أن يطلع الصباح العظيم، كان التقليد الجلياني ينتظر تفاقم العذاب والضيق. قوة الخلاص تخرج من قوة الانخذال، كما في آلام يسوع (مر 15: 33- 34). إن دا 12: 1 يعلن من أجل النهاية محنة لم يسمع بها أحد (رج مر 13: 19؛ رؤ 3: 10). سيعود الناس من هذه المحنة الأخيرة بعد أن حملوا صليبهم ونالوا إكليل الشهادة. إنهم معاصرو النهاية، معاصرو تتمّة كل شيء. 
"غسلوا ثيابهم وبيضوها بدم الحمل". الدم أحمر، فكيف يجعل الثياب بيضاء؟ نتذكّر هنا أن صور رؤ لا تُرسم في لوحة، بل تدلّ على معنى عميق. فاللون الأبيض علامة الغلبة. أجل، قد غلبوا بدم الحمل. نقرأ في 22: 14 أن الذين غسلوا حللهم يدخلون إلى أورشليم السماوية وتكون لهم شجرة الحياة. ولكن منذ الآن، ومنذ حياتهم على الأرض، تسلّم الغالبون الحلّة البيضاء (3: 4- 5) وعلامة أورشليم الجديدة (3: 12). نحن إذن أمام الخلاص النهائي الذي يقدّم منذ الآن إلى المسيحيين. فمع أنهم ما زالوا يعيشون على هذه الأرض، فهم منذ الآن في السماء. إنهم هذا الكيان الجديد الذي سيكونون في الملكوت، بعد أن جُعلوا وراء تقلّبات الزمن. ثم إن الأفعال في صيغة الماضي تدلّ على أننا في وقت محدّد من حياة هؤلاء الأشخاص، في وقت المعمودية. فالمعمودية هي تطهير بالاغتسال كما يقول العهد الجديد (أع 22: 16؛ 1 كور 6: 11؛ أف 5: 26؛ تي 3: 5؛ عب 10: 22). أما هنا فالمعمّد يغتسل بدم الحمل. والمعمودية هي مشاركة مع المخلّص الذي مات، "تهيئة للقيام بشعائر العبادة لله (آ 15). نجد في عب 9: 14 هذه العناصر الثلاثة: التطهير بالدم من أجل العبادة. "فما أولى دم المسيح الذي قدّم نفسه إلى الله بالروح الأزلي قرباناً لا عيب فيه، أن يطهّر ضمائرنا من الأعمال الميتة لنعبد الله الحي".
وهكذا تكون الرؤيتان في ف 7 قد أشارتا إلى المعمودية: كختم الله الحي. كتطهير (وتأليه) في اتحاد بموت المسيح. أما المحنة فقد تكون اضطهاداً من الخارج وإنقساماً في الداخل. أعطي للمؤمنين اللباس فنالوا الخلاص. ولكن عليهم أن يتوقوا بشجاعة وتواضع إلى هذا الخلاص ويشاركوا فيه. فالعماد لا يجد مفاعيله كلها إلاّ في ساعة الموت مشاركة في موت المسيح وقيامته.
"لذلك هم أمام العرش" (آ 15). ينتج عن تفسير اللباس الأبيض تفسير الحضور أمام العرش كما لاحظناه في آ 9. إذا كانوا واقفين (علامة النصر) بحضور الله، فلأن المعمودية جعلت منهم أناساً جدداً، قرّبتهم إلى الآب، صالحتهم (روم 5: 2؛ أف 2: 18؛ 3: 12؛ عب 10: 19). 
والفداء جعل منهم كهنة (1: 6؛ 5: 10) أي أناساً يستطيعون أن يقتربوا من الله في هيكله (3: 12). هم يشاركون في الليتورجيا السماوية. وسيكونون منذ الآن في وضع سينكشف كلياً في نهاية 22: 3: سيكون الله حاضراً لهم حضوراُ مباشراً وأزلياً: هذا هو أساس حياة المسيحي.
"والجالس على العرش يظلّلهم بخيمته". أي: يجعل فوقهم خيمته لكي تحميهم من حز الشمس في النهار ومن البرد في الليل. بعد هذه الجملة، تصبح الأفعال في صيغة المضارع: لن يجوعوا، لن يعطشوا... في آ 9- 13، كانت الأفعال في صيغة الماضي. في آ 14- 15أ صارت في الحاضر. في آ 15 ب- 17 صارت في المضارع (المستقبل). ونهاية آ 15 تدلّ على البداية التي هي في الحاضر. هذا يعني أننا نستطيع أن نتحدّث عن الواقع المسيحي وكأنه شيء ينتظر تمامه (روم 8: 24). هو حاضر هنا، ولكنه لم يتمّ بعد. والحياة المسيحية (وخصوصاً العبادة المسيحية) هي استباق للملكوت.
"نصب خيمته". هو فعل "سكانون" في اليونانية. يستعمل في يو 1: 14 (الكلمة صار بشراً ونصب خيمته بيننا)؛ رؤ 7: 15؛ 12: 12؛ 13: 6؛ 21: 3. نتذكّر عيد المظالّ أو أش 4: 5- 6: مجد الله هو خيمة تحمينا من الشمس. نحن في النهاية أمام مسكن ثابت ونهائي. الله يقيم وسط أخصّائه بشكل مستمرّ ونهائي. وحضور الله هذا يسمّى عند اليهود "شكينة" (سكن، سكاني في اليوناني، أي خيمة): جعل الله حضوره عليهم. هذه هي نهاية كل تحرّك العهد القديم والجواب على رغبة البشر العميقة: عمانوئيل، الله معنا. كل أسرار المستقبل تعود إلى هذا اليقين (رج 1 تس 4: 17؛ لو 23: 43).
"لن يجوعوا ولن يعطشوا ..." (آ 16- 17). هذه صورة عن الحياة الأبدية. تبدو آ 16- 17 أب تتمة لنبوءة أش 49: 10: "لا يجوعون ولا يعطشون، لا يقرعهم الحرّ ولا الشمس، لأن راحمهم يهديهم، وإلى ينابيع المياه يوردهم". أعاد الكتاب تدوين النبوءة على ضوء المسيح. فالقائد الذي يعلنه ليس الله، بل الحمل الذي يقف في وسط عرش الله. لن يذهبوا إلى ينابيع الماء البسيطة، بل إلى ينابيع مياه الحياة (يو 4: 14؛ 7: 38). وفعل "هدى" (قاد) يذكّرنا بعمل الروح القدس الذي يقودنا يوماً بعد يوم إلى الحقيقة كلها (يو 16؛ 13).
في آ 16- 17 نجد إستباقاً للوضع النهائي الذي نقرأه في ف 21- 22. وكما وجدنا آ 15 في 21: 3، كذلك يتواصل التوازي في 21: 4 ويبدو 7: 15- 16 قريباً جداً من 21: 3- 6.
وها نحن نجمل معنى آ 9- 17. يتألف الجمهور الكبير من مسيحيين جعلتهم أمانتهم للحمل المذبوح (على الصليب) غالبين وقد تجعلهم شهداء. خلِّصوا منذ الآن. وهم اليوم ما سيكونون فيما بعد: عبّاد قريبون من الله، يعيشون منذ الآن في حضرته، وينعمون بعطاياه العجيبة.
إن السؤال في 6: 17 (من يقوى على الثبات) وجد في هذا المجال جوابين. يثبت أولاً أولئك الذين صاروا بالمعمودية ملك الله وشعب الله. ويثبت ثانياً أولئك الذين اتحدوا بالمسيح في محنهم فما خافوا أن يخسروا حياتهم (نفوسهم)، فاختبروا القيامة في ذواتهم. "طوبى للمضطهدين من أجل البرّ فإن لهم ملكوت السماء" (مت 5: 10).
حين فتح الحمل المذبوح الختوم، دشّن في هذا العالم سلطاناً يمارسه باسم الله. بدأ مجيئه كراعي نهاية الأزمنة. وأطلّ اليوم العظيم، يوم الغضب ويوم الخلاص، لأنه يوم الحقيقة. فالدينونة (والتمييز) تتمّ وسط العذابات. فغضب الله والحمل يحلّ بسكّان الأرض (6: 16- 17. يرعاهم بعصا من حديد 22: 27؛ 12: 5؛ 19: 15. كلهم يرتعبون من الخوف). وخلاص الله والحمل (7: 10) يضع جانباً عباد الله (7: 1- 8)، الذين عاشوا المحنة في قدرة دم الحمل (7: 14): هو يرعاهم ويقودهم إلى ينابيع مياه الحياة (7: 16- 17). ومنذ الآن يبدو شعب المعمّدين كبداية العالم المقبل (6: 9- 1)، وهم يعيشون واقعه العميق والنهائي في شعائر العبادة. سفر الرؤيا هو كتاب التفاؤل والتعزية.


خاتمة
نتعلّم من ف 6- 7 الأمور التالية:
- إن تعليم الكتاب الذي فضت ختومه يذهلنا. يجب على الجماعات الأولى أن تقرّ بواقع تنامي الاضطهادات في المستقبل. فطريق الكنيسة مطبوع بهجومات تشتدّ قساوة يوماً بعد يوم. وانتصار المسيح الفصحي (لاهوت المجد) هو علامة تميّز الكنيسة المجاهدة (في مسيرتها على الأرض): فدرب الصليب سيبقى دربها حتى نهاية الأزمنة. وعدد الذين سيُقتلون من أجل كلمة الله لم يبلغ بعد إلى ملئه (6: 9- 11).
- ويتضمّن فتح الختوم تعليم تعزية. لا يعطى سلطان للموت "إلاّ على ربع الأرض" (6: 8). فالذين ينجون من الشرّ بين البشر هم أولئك الذين "خُتموا على جباههم" (7: 3). ففي قلب الفوضى الزاحفة على العالم، تستطيع "البقية المقدسة" أن تقاوم وتنجو بفضل حماية خاصّة من قبل الله. في الخارج، كل شيء يبدو متعارضاً مع واقع يقول إن عهداً جديداً (ملكوت الله) بدأ مع المسيح. إلاّ أن على المسيحيين ألاّ ينسوا كلام الرب: "إذا أخذت تحدث هذه الأمور، فانتصبوا قائمين وارفعوا رؤوسكم لأن خلاصكم يقترب" (لو 21: 28). ما يدهش البشر ويتعارض مع انتظارهم، هذا الوضع المبلبل، هو البداية النهائية للخلاص. وساعة انتظر الناس إنتصار الشرّ إنتصاراً نهائياً، تحقّقت غلبة المسيح. فلا يجب أن يضلّ الإيمان المسيحي بسبب هذه الكوارث الكونية وإن كانت مخيفة ولا مخرج منها.
- عرف رؤ تدوينه النهائي في نهاية القرن الأول المسيحي. في ذلك الوقت، تراخى انتظار عودة المسيح. ولكن المؤمنين كانوا يتعلّقون في الخفاء بمجيء الرب القريب. أصاخوا بآذانهم حين سمعوا: "إنتظروا قليلاً" (6: 11) تجاه الاضطهادات الأرضية. لأن هذه العبارة ذكّرتهم بما نقرأ في يو 16: 16: "بعد قليل لا ترونني ثم بعد قليل تشاهدونني".
- تتنوّع نظرة الإيمان المسيحي. قيل للأموات وخصوصاً للشهداء الذين هم تحت المذبح ويلبسون الثياب البيض (8:6- 11)، أنهم لم يدخلوا بعد إلى ملء أسرار الله ومقاصده. ولكن ما يدهشنا هو أن مختاري السماء ينقصهم الكمال والصبر. هذا يعني أن هناك نمواً داخلياً لسكان السماء، نضوجا لمعرفتهم وازدياد سعادتهم قبل اليوم الأخير. فالقديس ليس إنساناً وصل. هو في الطريق.
- يتضمن رؤ اسكاتولوجيا ديناميكية. وهكذا نفهم أن المسيحيين الأولين لم يفصلوا هذه الدنيا عن الآخرة. هناك واقع واحد يضم هذا العالم والآخر. فيوم الله الأبدي يحمل رباطات من أجل التعاون المتبادل والتعزية. ولكن، إن كان الشهداء قد تركوا هذا العالم المنظور، فقد وجدوا في المسيح القائم والمتجليّ، علاقة أعمق مع هذا العالم وإقتراباً منا لم يعرفوه خلال حياتهم على الأرض.

 

 

الفصل التاسع عشر
الختم السابع والأبواق الأربعة
8: 1-13

شكّل ف 6-7 دبتيكا في درفتين: فُتحت الختوم السبعة فانطلق غضب الله (ق 6). هذا من جهة. ومن جهة ثانية، ظهرت المهلة التي تتيح للرب أن يضع جانباً إسرائيل الجديد (أي: الكنيسة) ويجعله قادراً على مواجهة المحنة العظمى بواسطة دم الحمل (ف 7).
وسنجد تعارضاً مماثلاً بين ف 8-9 من جهة وف 9- 11 من جهة ثانية. تعارضاً بين أحداث الكون ومصير المؤمنين. فحين يُفتح الختم السابع، تبدأ الأبواق السبعة بالنفخ. إنطلقت الأبواق الستة الأولى، فأرسلت نار غضب الله في مختلف قطاعات الطبيعة والبشرية، دون أن يلي ذلك ندمٌ عند سكان الأرض (ف 8- 9). وأُعطيت مهلة أخيرة للكنيسة فأتاحت لها أن توجّه إلى الأمم شهادة نبوية، إعلاناًْ عن مجيء الديّان، نداء أخيراً إلى التوبة. بعد أن اجتمعت الكنيسة (ف 7) من كلّ أمّة وقبيلة وشعب ولسان، ها هي تُرسَل (ف 10- 11) قبل حلول تتمّة سرّ الله. وذلك حين ينفخ الملاك السابع في بوقه (10: 7).

1- الختم السابع (8: 1- 5)
أ- المقدّمة (8: 1)
"ولما فضّ الحمل الختم السابع" (آ 8). نجد في النصّ ضمير الغائب. وهو يدلّ على الحمل، لا على الله، كما في 7: 17 (الحمل الذي في وسط العرش). فبعد الكوارث الكونية في الختم السادس، ماذا نستطيع أن ننتظر من الختم السابع الذي هو تكملة للختوم الستة السابقة؟ النفخ بالبوق ولا شكّ. ولكن سيكون هناك سبعة أبواق. حسبنا أننا وصلنا إلى النهاية، ولكن الباب الأخير ينفتح على سبع درجات جديدة. نحن هنا أمام استبعاد لكل قراءة كرونولوجية (حسب تسلسل الأزمنة) للسباعيات. فهي لا تعلن تعاقباً على مستوى التاريخ، بل ترتبط بالتعليم عينه (بالوحي عينه) الذي تحاول أن تحيط به إحاطة وثيقة.
وبدأ كل شيء بفراغ: "ساد السماء سكوت نحو نصف ساعة". الصمت هو في السماء. يرى فيه بعض الشرّاح اجتياح العبادة السماوية لتتيح لله لكي يصغي إلى صلوات القديسين. ولكن يبدو أن ما توقّف عن الحركة هو الظواهر الكونية. قشعريرة سيطرت على الخليقة تجاه التيوفانيا القريبة، تجاه الله الذي سينهض. هو صمت أمام الرب الإله، لأن يوم الرب قريب (صف 1: 7؛ رج حب 2: 20؛ زك 2: 17؛ مز 76: 9-10). ولكننا في هذه المقاطع أمام صمت فُرض على الأرض أو على البشر الخطأة الذين لم يبقَ لهم ما يعترضون به على الله. أما هنا، فنحن بالأحرى أمام لحظة من الصمت، أمام هذا النسيم الخفيف الذي يشعر به إيليا بعد العاصفة والزلزلة والنار، قبل أن يبدأ الله فيكلّمه (1 مل 19: 11 ي). هذه "النصف ساعة" ترمز، شأنها شأن جميع الكسور في رؤ، إلى أزمة، إلى عدم توازن، إلى نقص شيء ما. وهي تعطي الصمت رنّة مخيفة. وتبرز المشهد الذي يلي (8: 2- 5) والذي يحصل خلال اللحظة (نصف ساعة) التي فيها صمتَ كل شيء.
إنتظر القارىء، ولكن لم يحصل شيء، فخاب أمله. غير أن هذا الصمت سيبرز الطابع السرّي لما سيحصل. توقّفت فجأة الكوارث الطبيعية على الأرض، وتوقّفت صلوات القديسين في السماء. وانتظر الجميع العاصفة بعد هذا الصمت. وهذه الثواني المحدودة قد تتحوّل إلى الأبدية. صمت يستمرّ ولا يُحتمل.
ب- الرؤية التدشينية (8: 2- 5)
بين السباعيتين، سباعية الختوم السبعة وسباعية الأبواق السبعة، أُقحم فاصل واستراحة: ليتورجيا إحتفالية في السماء. ثم تحلّ فجأة بالأرض كارثة هائلة.
"ورأيت الملائكة السبعة" (آ 2). إن إطار آ 2- 5 هو الذي أبصرناه في ف 4- 05 الملائكة واقفون أمام الله، كعبيد (وخدّام) أمام ملكهم. وضع أمام الإسم أل التعريف، للدلالة على أن هؤلاء الملائكة يشكّلون مجموعة معروفة (رج طو 12: 15). "أعطوا سبعة أبواق". إن البوق يبدأ ويرافق كل الأوقات الكبرى في تاريخ الخلاص. وهو يطبع بطابعه الأعياد (مت 6: 2) وتتويج الملك (1 مل 1: 39). هو يدعو الشعب إلى القتال (إر 4: 5)، ويعلن مباشرة الهجوم (قض 7: 18؛ 1 كور 14: 8). وهو يرافق ظهورات ربّ الجنود (أو: الأكوان، صباؤوت) حين يأتي لكي يحرّر شعبه (خر 19: 6؛ عب 12: 9). وهو يدعو الشعب للإحتفال بشعائر العبادة، ويرافق الإحتفالات (عد 10: 10). إذا عدنا إلى يش 6، رأينا أن البوق يُعلن الليتورجيا كما يُعلن الحرب. وان يكن نصّ يشوع هو نصّ ليتورجي قبل كل شيء. فالله يعمل كل شيء، والشعب ينتظر خلاصه.
في هذا الإطار، يكون من الطبيعي أن يعلن البوق أحداث النهاية، وساعة تجلّي الله العظيم وقتاله الأخير. نقرأ في يوء2: 1: "أنفخوا في البوق في صهيون، واهتفوا في جبلي المقدّس، وليضطرب جميع سكان الأرض، فإن يوم الرب وافد وقد اقترب". وفي صف 1: 16: "يوم بوق وهتاف على المدن الحصينة وعلى البروج الشامخة" (رج مت 24: 31؛ 1 تس 4: 16). وفي زك 9: 14: "الرب ينفخ في البوق" (رج تث 5: 22).
في آ 2، تسلّم الملائكة سبعة أبواق، ولكنهم لم يستعدوا لكي ينفخوا فيها إلا في آ 6. فماذا حصل في ذلك الوقت؟
"جاء ملاك آخر ووقف بجانب المذبح" (آ 3). هو ليس أحد السبعة. ووظيفته تدلّ على أنه ليس أدنى منهم. فما سيقوم به يعادل بأهميته ما ستحرّكه الأبواق السبعة. المذبح هو مذبح الذهب أو مذهب العطور (أو: البخور، رج 9: 13) الذي يصوّره خر 30: 1- 8 والذي يكون أمام الله مباشرة (رج أش 6: 6). هناك يحتفل الملاك وكأنه كاهن. يأخذ عن المذبح جمراً في مبخرته ويضع عليه حبّات بخور (لا 16: 12؛ رج 10: 1). والدخان الذي يرتفع يرمز إلى صلوات البشر الصاعدة أمام الله (مز 2:141).
إن صلوات جماعة المختارين على الأرض تقابل البخور. والملاك يجمع صلوات نقّيت في بوتقة الهيكل السماوي، ويضمّها إلى صلوات الليتورجيا السماوية التي تقدّم لله.
"ثم أمسك الملاك المبخرة" (آ 5). إنه يستعمل المبخرة عينها والجمرات التي خدمت في شعائر العبادة، ليلقي النار على الأرض. إن هذه الفعلة تستلهم حز 10: 2 (إملأ راحتيك جمر نار وذرِّ على المدينة). فالنار هي في الوقت عينه نار ملموسة أخذت عن المذبح، ونار الحرائق التي ستشتعل على الأرض، ونار غضب الله: نحن هنا أمام رمز يعلن أن الضربات التي تشعل الأرض قد جاءت من عند الله. هي نار مطهّرة للأبرار، ونار آكلة للذين يرفضون الله (عب 12: 29: "إلهنا نار آكلة"، رج 10: 27- 31: نار مستعرة تلتهم العصاة). هي بداية العقاب. وفي الجزء الثاني من الآية (فحدثت أصوات...) صار عمل الله واضحاً عبر علامات ظهور العاصفة: الرعود، الأصوات، البروق (رج 4: 5). ثم الزلزال (رج 6: 12) لأن الأرض ستصاب الآن بشكل مباشر.
يبرز المشهد الرباط بين صلوات القديسين ودينونة العالم. بين فعلتين متعارضتين يقوم بهما الملاك. هكذا ندرك أهمية صلوات القديسين. هناك شيء يوقف انطلاقة الأبواق وحلوله النهاية. أما صلوات القديسين فتلامس قلب الله وتعجّل في مجيء النهاية.
ولكن، كيف نفهم هذا الرباط؟ هناك طريقتان. الأولى، نفكّر بصراخ الشهداء الذين يطلبون من الله أن ينصفهم (6: 9-10؛ رج لو 18: 18). حينئذ نفترض أن صلوات القديسين تطلب أن تمارس الدينونة ضدّ الرافضين ولا تتأخّر. كما تطلب أن يحفظ المؤمنون في المحنة الآتية.
الطريقة الثانية، نلاحظ أننا إذا وضعنا جانباً 6: 9- 10، تبدو كل صلوات رؤ، أناشيد مديح لله وللحمل. حينئذ نفترض أن صلوات القديسين هي مجدلات شكر. هذا يعني أن الليتورجيا المسيحية هي استباق للدينونة والملكوت. وكل مرة تعرب الكنيسة عن هويتها في اعترافها الإيماني، يبدو العالم متمرّداً "ويحترق" بهذه الشهادة. وكل مرة تقول الكنيسة "نعم"، فهي تدفع العالم إلى اتخاذ موقف من موقفين: إمّا يرتدّ ويرجع إلى الله. وإمّا ينغلق على رفضه لله.
استُجيبت صلوات القديسين، والملائكة سيبدأون بالنفخ في أبواقهم.
في هذا المقطع، بدا الملاك مجنّداً بشكل خاص تجاه الخليقة وكأن لها حقاً عليه. هو الأقرب إلى الله وبالتالي هو "وسيط" يحمل صلوات البشر. إن الملاك ينقي صلوات القديسين ويقوّيها لتجد آذاناً صاغية لدى الله واستجابة. لولاه، لبدت ضائعة ودون استجابة.
إن الله يستجيب الصلوات (لو 18: 1- 8). والمسيحيون سينجرفون في الكوارث الكونية الآتية. أما تهوّروا حين صلّوا فحرّكوا دينونة غضب الله، ونسوا أن المسيحيين أنفسهم هم أيضاً مهدّدون؟ سترينا الفصول التالية بشكل واضح أن القوى المعادية للمسيحية قد سُمح لها بأن تحارب القديسين وتغلبهم... فقد أعطي وحش البحر "سلطاناً على كل قبيلة وشعب ولسان وأمّة (13: 7).

2- الأبواق الأربعة الأولى (8: 6- 13)
أ- نظرة إجمالية
إذا أردنا أن نفهم تصميم رؤ الإجمالي، يجب أن نعتبر فتح الختوم السبعة كوقفة طويلة بعض الشيء، تتيح للكاتب أن يقحم سباعيتين جديدتين: سباعية الأبواق وما رأى فيها (8: 7- 11: 8). وسباعية كؤوس الغضب. وهكذا يكون ما حدث في 8: 1- 16: 17 بمثابة توسيع لحدث ضخم يبدو بشكل موجز لكي ينتج أكبر توتّر ممكن. في العودة المستمرّة إلى الأحداث، تظهر كثرة الآلام "المكدّسة" في المرحلة الأخيرة.
وإذا انطلقنا مما نعرف عن الملائكة في عالم الجليان اليهودي، نستطيع أن نكتشف علاقة أدبية بين المقدمة (الملاك والمبخرة) ورؤى الأبواق (الملائكة والأبواق). نقرأ في "رؤيا موسى" (عدد 38): "جاء جميع الملائكة. بعضهم يحمل المباخر والآخرون الأبواق".
ونستطيع أن نرى في خلفيّة رؤى الأبواق السبعة نمطيّة سفر الخروج. فهناك مقاطع تذكّرنا بالضربات العشر التي حلّت بمصر المتعبّدة للأوثان، والتي حدثت قبل خروج العبرانيين إلى برية سيناء.
وإذا قمنا بمقابلة بين رؤى الختوم ورؤى الأبواق، نجد تشابهات عديدة
- الختوم 1- 4 (6: 1-8): الحمل يفضّ أول الختوم. ثم الأبواق 1- 4 (8: 7- 12): فنفخ الملاك الأول في بوقه.
- الختم 5 (6: 9- 11): نفوس المذبوحين. والبوق 5 (9: 1- 12): الويل الأول.
- الختم 6 (6: 12- 17): رأيت الحمل يفضّ الختم السادس. والبوق 6 (9: 13- 21): الويل الثاني.
- فاصل (7: 1-17): يدلّ على المخلّصين، يقابله فاصل (10: 1- 11: 4) يصوّر الشاهدين اللذين يمثلان الكنيسة.
- الختم 7 (8: 1): ولما فضّ الحمل الختم السابع. والبوق 7 (11: 15-18): ونفخ الملاك السابع في بوقه فارتفعت أصوات عظيمة في السماء تقول: "صار ملك العالم لربنا ولمسيحه".
وبعد مجموعة الرؤى الأربع (على مثال رؤى كؤوس الغضب في 16: 1- 9) يصوّر النصّ بالتفصيل الرؤيتين الخامسة والسادسة. وبعد فاصل، تأتي الرؤية السابعة.
ونبدأ بالأبواق الأربعة الأولى التي هي السبب في الأحداث التي ستحصل. فبعد كل نفخ ببوق، تبرز دراما مرعبة، فلا يكون للبشر وقت للتفكير أو العمل. في كل شقاء نجد نفوسنا أمام دمار الثلث (8: 7، 9، 11، 12). لا يُصاب الإنسان نفسُه، بل المدى الحيوي لإنسان، أي أربعة أجزاء الخليقة: الأرض (8: 7). البحر (8: 8- 9). الأنهار (8: 10- 11). النجوم (8: 12، أو الكواكب).
ب- نظرة تفصيلية
إنّ مسيرة سباعية الأبواق تشبه مسيرة سباعية الختوم. الأبواق الأربعة الأولى متقاربة في بنيتها وفنّها الأدبي. أما البوقان الخامس والسادس فهما في بنية مختلفة، وقد جاءا في قنوات تقليدية مختلفة. ويبرز التعارض في أنهما يحملان (شأنهما شأن البوق السابع) لقباً إضافياً: "ويل (8: 13؛ 9: 12؛ 11: 14). والبوق السابع يأتي (مثل الختم السابع) في 11: 15، بعد مهلة امتدت على فصلين (ف 10-11).
إنّ قراءة ما كُتب عن الأبواق الأربعة تضع أمامنا الملاحظات التالية:
* على مستوى الأمكنة: الأرض، البحر، المياه الحلوة، الكواكب: الكون كله ضُرب في عناصره التي لا يُستغنى عنها. وسنجد التوالي عينه في الكؤوس الأربع الأولى (الناس، البحر، الأنهار والينابيع، الشمس، 2:16، 3، 4، 8).
* العناصر التي تدمّر. هي تأتي من العلاء، من السماء. هي تُلقى (آ 7، 8)، تقع، تسقط (آ 10). أو هي الأجسام السماوية قد ضُربت (آ 12) وأُصيبت: لقد نالت طابعها الناري من أصلها السماوي: فالملاك سبق له ورمى النار على الأرض (8: 5). فسقط على الأرض البرد والنار. فاحترقت الأرض والأشجار (آ 7). واشتعل الجبل (آ 8). وهوت نجمة كبيرة كأنها شعلة من نار (آ 10). وأظلمت الكواكب (آ 12). هل نحن هنا أمام الدخان؟
* النتائج الحاصلة: ولكن للنار التي هي نار غضب الله، نتائج محدودة: الثلث. في الختم الرابع، كان الربع. أما هنا فازدادت النسبة، ولكننا لم نزل أمام علامات سابقة للدينونة. وسنجد هذا الثلث في 8: 7، 8، 9، 10، 11، 12، ثم في 9: 15، 18. وهكذا ترد لفظة "الثلث" 12 مرة في ف 8 ومرتين في ف 9. هذه الطريقة عرفها الأنبياء (زك 13: 8: ثلثان ينقرضان وثلث يبقى؛ حز 5: 2، 4: أحرق بالنار ثلثاً منه). وهكذا يشدّد النصّ على ما في هذه النكبات الأولى من تنبيه وتحذير.
* المعنى: لن نفسّر هذه الظواهر على أنها ظواهر حقيقية. فصور رؤ تتجاوب مع مقاصد لاهوتية، لا مع تمثّلات واقعية. لهذا يجب أن نبحث عن المنابع البيبلية أو اليهودية التي استقى منها الكاتب.
- يشير البرد والنار إلى الضربة السابعة في ضربات مصر (خر 9: 24- 25). وقد زاد الكاتب الدمّ على خطى يوئيل (3: 3): "اجعل معجزات في السماء وعلى الأرض، دماً وناراً وأعمدة من دخان".
- إن صورة الجبل العظيم المشتعل هي جزء من العالم الجلياني التقليدي (إر 51: 25). وقد رأى أخنوخ (18: 13) في موضع العقاب سبع نجوم تشبه جبالاً عظيمة مشتعلة: هي الملائكة الساقطون (رج 9: 1). تحوّل البحر إلى دم وماتت الأسماك كما في ضربة مصر الأولى (خر 7: 20- 21). وزادت الضربة خطورة حين تحطّمت السفن.
- ليس الكوكب (النجمة) المشتعل نيزكاً (نجماً يتساقط). بل هو علامة خارقة عن النهاية (6: 13؛ مر 13: 25). يسمّى هذا الكوكب "علقم" بسبب النتيجة التي تنسب له. في التقليد اليهودي، يعتبر العلقم، بسبب مرارته، سماً مميتاً. ونحن نجده في النبوءات عن العقابات المحفوظة لعبّاد الأوثان (إر 9: 14). وفي إر 23: 14، يرتبط تحوّل المياه الحلوة بعقاب سدوم وعامورة (رج تث 29: 17، 22).
- ونرى ظلمة الكواكب في الضربة التاسعة من ضربات مصر (خر 10: 21). فهو جزء من يوم الرب كما يقول أش 13: 10 (الشمس تظلم والقمر لا يضيء) وإر 4: 23 (لم يكن نور في السماوات) وحز 32: 7 (أغطي الشمس بغمام والقمر لا ينير بنوره) ويوء 4: 15 (أظلمت الشمس والقمر ومنعت النجوم ضياءها).
وهكذا يكون في خلفيّة الأبواق الأربعة تذكّراً لضربات مصر. وصلاة القديسين تكون حينئذ العلامة التي تحرّك الدينونة، كما حرّك وجود العبرانيين في مصر النكبات التي حلّت بالمصريين. كل خروج الشعب من مصر بقوة الله، هو صورة عن خروج الكنيسة من الأمم. وإذا تفحّصنا بدقّة ما قاله الأنبياء عن النهاية وما قاله يوحنا في رؤ، نلاحظ أن جميع الأمم ستصاب بذات الضربات التي أُصيبت بها مصر. هذا ما قاله القديس إيريناوس في كتابه ضدّ الهراطقة.
قد يكون في الضربة الثانية تذكر لحدث من التاريخ المعاصر: إشتعال بركان الفازوف سنة 79 ق. م. كما قد تكون نجمة سقطت على الأرض فأعطت للرائي ألواناً بها يصوّر رؤيته. ولكن قد يكون الحدث النموذجي لهذه الأبواق الأربعة الأولى تدمير سدوم وعامورة (تك 19: 23- 28)، الذي هو نمط دينونة الله ضدّ الخطأة: مطر من الكبريت، الدخان، البحر الذي يموت والمياه التي تصبح مالحة. إذن، نحن أمام كارثة طبيعية عظيمة صوّرها الكاتب بسمات أخذها من ضربتَيْ مصر الأولى والسابعة. 
نتعلّم من هذا المقطع أمرين. الأول: سينجرف الكون في خواء الأيام الأخيرة. فالخليقة صارت ملعونة بخطيئة الإنسان (تك 3: 7). وقد أسلمت إلى "رئيس هذا العالم" (يو 12: 31؛ 14: 30؛ 16: 11). الثاني: إن الشرّ الذي يصيب الكون، لن يكون تدميراً يحمل العقاب. فساعة الدينونة لم تأتِ بعد. هدفه أن يضايق البشرية الفاسدة في مدى حيوي يتناقص شيئاً فشيئاً. فعلى الإنسان القائم تجاه هذه الأحداث، أن يفكّر ويعود إلى الله.
وينتهي ف 8 بفاصل (آ 13) يقدّم لنا "رؤية النسر". يدلّ النسر في الرؤى اليهودية على المنادي بالشقاء: والويل المثلث لسكّان الأرض، يدل على أن الأحداث القريبة سوف تصيب الإنسان نفسه. ولكن ليس هذا بداية الدينونة الأخيرة. بل هو محنة قاسية وثقيلة على البشر تتوخّى إرجاعهم عن عنادهم أقلّه في الساعة الأخيرة.
النسر هو حيوان نجس، ولا يحمل عادة "بلاغات" الله. أما هنا فهو جزء من علامات الدينونة. يقف في وسط السماء بشكله المهيب الرهيب. ولكن حضوره يدلّ على أنه سيجد شيئاً يأكله. في لو 17: 37 تظهر النسور بين دينونة سدوم وصلاة القديسين لكي تأتي النهاية: "حيث تكون الجثة هناك تجتمع النسور". إذن، تبدو الدينونة قريبة أكثر من ذي قبل. 
أعلن النسر ثلاثة ويلات تتماثل مع الأبواق الثلاثة الأخيرة (8: 13؛ 9: 12؛ 11: 14) التي تختلف اختلافاً كبيراً عن الأبواق الأربعة الأولى. وهكذا تبرز وحدة ف 9- 11. نحن على نقيض مع التطويبات السبع التي تتوزع رؤ، ولكن الويلات تبدو بشكل نداء أخير إلى التوبة. بعد أن أُصيبت الطبيعة، سيُصاب البشر في أجسادهم ونفوسهم في البوقين الخامس والسادس، وهذا ما يدفعهم إلى التفكير.

 

 

الفصل العشرون
البوقان الخامس والسادس
9: 1-21

تصوّر الرؤية الخامسة والرؤية السادسة بشكل مطوّل. فما يحصل هو متشعّب ومليء بانطباعات جديدة، يتعب الكاتب ليجد صوراً يعبّر بها عنها. إنه لا يستطيع أن يصوّر ما هو مخيف. وتتردّد أداة التشبيه (كأن) في 9: 3، 5، 7، 8، 9، 10 فتجعلنا نستشفّ الصعوبة في الإحاطة بهذه الخبرة بواسطة ألفاظ بشرية. وتذكّر أحداث تاريخية ومخاطر الحرب (ولا سيما الفراتيين الآتين من الشرق) يتداخل مع عبارات مأخوذة من العهد القديم (خر 10: 14 ي؛ يوء 1: 1ي).
وصورة الجراد تصل إلى اللامعقول وإلى الغريب والشواذ. نحن نعرف منذ البداية أننا لسنا أمام الجراد، بل أمام كائنات هائلة (وربّما أمام أمراض داخلية وقلق يتجاوز كل تصوير) لا نستطيع أن نتصوّرها بشكل ملموس مهما كانت مخيّلتنا واسعة.

1- البوق الخامس أو دخان الهاوية (9: 1- 11)
نحن هنا أمام غمامة من الشياطين تهاجم الإنسان المتمرّد دون أن تقتله.
أ- المشهد (9: 1-3 أ)
عرفت كتب الجليان اليهودي أن تدلّ على ملاك لا إسم الله بكلمة "كوكب" أو "نجمة". ولكننا هنا أمام ملاك سقط من السماء منذ زمان بعيد (لم يره الرائي ساقطاً)، وسقط إلى الأبد (هذا ما تدلّ عليه صيغة الفعل). فإبليس أو أحد محازبيه هو على الأرض، وقد نال من الله سلطاناً بأن يعمل في وسط العالم مع الشبيهين به. نتذكّر هنا أي 1: 12 بالنسبة إلى المعنى.
إقترب إبليس من الهاوية التي هي المكان العادي لإقامة الشياطين (لو 8: 31؛ 2 بط 2: 4؛ يهو 6) ولاويتان وسائر الوحوش البحرية التي ترمز إلى الشرّ والخطر بكل أشكاله. هذه الهاوية تقع تحت الأرض وتتصل بالأوقيانوسات، كما تتصل بالأرض نفسها عبر "مدخنة" ضيقة. هذه "المدخنة تسمّى "بئر الهاوية" التي يغلق بابهَا حجرٌ ضخم (أي 38: 30) يوصده (ويختمه. نحتاج إلى مفتاح لكي نفتحه) ليمنع الملائكة الجاحدين من الخروج منه، والدخان الكثيف الذي يسيطر عليه من التفلّت منه. الصورة الجغرافية لهذا الممشى الذي يصل الهاوية بالأرض هي وادي هنوم (جا- هنوم أي: جهنّم) الواقع جنوبي أورشليم: فالأفران العالية التي تشتعل باستمرار من أجل العاملين في المعادن والفخّار، تخرج النار والدخان اللذين يذكّران الناس بالذبائح البشرية التي كانت تنحر سابقاً في هذا الموضع المشؤوم (2 مل 16: 3؛ 32: 35). ومهما يكن من أمر، نرى أن الطريق ستكون مفتوحة للمجرّب ورجاله. أجل، جاءت ساعة التجربة دون أن تكون ساعة التجربة المطلقة التي يسقط فيها كل إنسان.
ونقدّم بعض الملاحظات على المستوى الأدبي. تتكرّر أربع مرّات لفظة "بئر" ولفظة "دخان". وترد لفظة "هاوية" ثلاث مرات: مرتين هنا ومرة في 9: 11 بشكل تضمين. وترد أداة التشبيه "كأن" تسع مرات، ولفظة "أشبه" أربع مرات. وهكذا نفهم الصعوبة التي يحسّ بها الكاتب لكي يعبّر عن شعوره. والدخان الذي يخرج من البئر يملأ الكون ظلمة، وهذا ما يساعد المجرّبين في عملهم (يو 3: 20). هم يأتون بشكل جراد ويسيطرون على البقعة التي منها ينطلقون.
ب- عمل الجراد (9: 3 ب- 6)
إن تذكّر ضربة مصر التاسعة (خر 10: 1- 20) وقول يوء 1: 2-2: 11، يختفيان وراء هذه اللوحة التي دوّنت بشكل مبتكر جداً. على كل حال، هذا الجراد ليس بجراد. إنه "شبه" جراد (آ 7): فنحن نعلم أنه لن يلعب دوره العادي كمدمّر للمحاصيل. إن الأبواق الأربعة الأولى قد عبّرت عن انتفاضات الطبيعة ساعة إعلان قصد الله. أما البوق الخامس فيهتمّ الآن بالبشر الذين لا يملكون ما يدافع عنهم، لا يملكون السمة الإلهية المرسومة على جباههم، والتي تشبه، "ترس الإيمان" (أف 6: 16). إن الجراد سيفعل كالعقارب (آ 3، 5، 10)، تلك الحيوانات المخيفة بعضّتها التي لا تقتل بل توجع: نحن نحتاج إلى معونة الله لكي نتخلّص منها (تث 8: 15). الفكرة قريبة مما نجد في لو 10: 18-19: "كنت أرى الشيطان يسقط من السماء كالبرق. لهذا أعطيتكم سلطاناً بأن تدوسوا الحيّات والعقارب وكل قوّة العدوّ".
إن حرّية العمل التي تركها الله للمجرّبين محدودة مرتين. من جهة، لا تستطيع أن تقرّر موت البشر، بل تكتفي بأن تعذّبهم (حياتنا هي بيد الله). هذا ما نراه أيضاً في 11: 10 حيث يُنزل الشاهدان بسكّان الأرض عذاباً جديداً (رج 12: 2؛ 14: 10؛ 20: 10؛ العذاب في 14: 11؛ 18: 7، 10، 15). ومن جهة ثانية، سيمتدّ العذاب فقط خمسة أشهر. هذا التمديد الذي يعود أيضاً في آ 10، هو غير متوقّع وفريد (على ما يبدو) في كل الأدب الجلياني. هل نحن أمام تلميح إلى معدّل طول الحياة لدى الجراد؟ كلا. فالعالم الجلياني لا يتوقّف عند الدقّة الحسابية، بل عند اللغة الرمزية. ويرد الرقم خمسة في 17: 10 (خمسة سقطوا) ليصل بنا إلى الرقم سبعة. هل نحن أمام نصف الرقم عشرة الذي يعني زمناً قصيراً؟ هل زمن المجرّب هو خمسة من 12، أي خمسة مقابل سبعة (عدد الكمال) المحفوظة للمسيح؟ يبقى هذا التفسير معقولاً، مع أن زمن المسيح هو 1260 يوماً، أي سبعة أنصاف سنة (1/2 3). ومع هذا، فالخمسة أشهر المذكورة هنا هي الزمن الذي فيه يتضايق البشر من عضّات العقارب فيطلبون الموت ويرغبون فيه. أمّا الرقم سبعة فيرتبط ارتباطاً رمزياً بالحياة والحياة مع الله.

ج- تصوير الجراد (9: 7- 10)
إن تصوير سكان الهاوية الذين ينتشرون في الأرض، أمر له معناه. فهو يحاول أن يفهمنا طبيعة الحرب التي يقومون بها ضدّ البشر. وهذه الحرب نستشفّها في السمات التي تميّز "شبه" الجراد هذا.
هذه السمات الثماني تصوّرها الكتاب في شكلها العام الذي هو شكل الخيل. ثم تأتي التلميحات إلى رؤوسها ووجوهها وشعرها وأسنانها وصدورها وأجنحتها وأذنابها.
هذه "الحيوانات" ليست بمسالمة. وهدفها هو الحرب. لأنها تشبه الخيل الذي لم يسُتعمل في إسرائيل إلاّ للحرب (1 مل 10: 26- 29) والذي يقف مزاحماً لإيمان بالله (مز 20: 8؛ 33: 17؛ أش 30: 16). أما القاسم المشترك بين الجراد والخيل فهو السرعة.
والهدف النهائي لهذا القتال هو الوصول إلى السلطة والملك (موضوع الأكاليل)، الوصول إلى الغنى والرفاهية (موضوع الذهب). ولكن النصّ يشدّد على أنها ظاهر السلطة وظاهر الغنى. لشبه الجراد وجوه رجال وشعر نساء. نحن أمام مزيج من إثنين يكرهه شعب إسرائيل (تث 22: 5، 9- 11؛ لا 19: 19؛ 1 كور 11: 14-15)، ويدلّ على الفوضى في الخلق، وعلى العودة إلى الخواء. إنّ تسلّط الشيطان على البشر يمارَس على حساب التناسق في العالم. ولكن المجرّب ورفاقه يتظاهرون بوجوههم التي تبدو كوجوه بشرية. إنهم من البشر، مع أنهم "بشر كاذبون"، بشر مزيّفون (أبو الكذب، يو 8: 44). وتزيّن الجراد بشعره النسائي، بزينة الغواية (نش 4: 1؛ يه 10: 3؛ 2 مل 9: 30؛ أش 3: 14). أخذت قوى الهاوية ظاهر الملاطفة والفتنة، فبدت بشكل رفاق طيبين ومن أهل البيت. أما هدفها في الواقع فهو الإفتراس والتمزيق والأذيّة بأسنانها الأسدية. هي تمزّق بلا رحمة ولا شفقة، وكأنها لا تحسّ بما تسبّبه من عذاب للآخرين: صفّحت صدورها بالفولاذ فلا تدخلها الرأفة.
تسلّح الجراد بهذا الشكل، فانطلق إلى الحرب في حفيف أجنحة يشبه تحرّك المراكب. ولكن الخدعة تلعب في هذا القتالة: فالجراد لا يهاجم وجهاً لوجه، بل بذنبه. وهكذا يسيء إلى البشر.
وقبل تقتل الله الذي يتجاوب مع صلاة القديسين فيأتي ليعيد إلى الخليقة تناسقها، يقاسم "سكانُ الأرض" (أي الكائنات اللحمية التي ينقصها الإيمان الحقيقي) الهزّات في الكون (الأبواق الأربعة الأولى)، وتهاجمها تجارب عديدة تقلقها. وعلى الشيطان أن يعجّل ويُعمل الفكر لأن أهدافه التي تؤذي كلسعة العقارب (سلطة، إحتلال، قساوة، مال)، يجب أن تأخذ شكلاً صالحاً يخفي طبيعتها الحقيقية وهي مزاحمة الله في أهدافه. وعليه أيضاً أن يبرز مثالاً هو في النهاية عودة معمّمة إلى الخواء وإلى نهاية الخليقة بشكل مطلق (إلى العدم).


د- خاتمة (9: 11-12)
يقول أم 30: 27 إن لا ملك للجراد. ولكن بما أننا هنا أمام شبه جراد، فقد صرنا خارج القاعدة. ملك هذه الحيوانات هو من طبيعتها. إنه ملاك الهاوية. ويحمل إسماً يدلّ على مهمته ومهمّة رجاله. في العبرية، إسمه "أبدون" أي الهلاك، الدمار. ترتبط هذه اللفظة مع "شيول" (مثوى الأموات) في أم 15: 11؛ 27: 20؛ أي 26: 6. ومع القبر في مز 88: 12. نجد فكرة تدمير الحياة في أي 31: 12. ويصبح الموت والدمار شخصين حيّين في أي 28: 22. وسيتقوّى هذا التشخيص شيئاً فشيئاً في الأدب اليهودي المتأخّر، فلا يعود "أبدون" فقط "الشيول"، بل مسكنه الأعمق، وهاوية الهاويات. وهكذا ما يتوخّاه ملك الجراد بفضل حيله هو موت الإنسان النهائي والذي لا مفرّ منه.
وهو يحمل أيضاً في اللغة اليونانية إسم "أبوليون". هو شخص يدمّر الآن ودائماً (إسم الفاعل). لماذا هذا التحديد؟ من أجل التقارب بين أبدون (المدمّر) وأبولون إله الحب (شعاره هو الجرادة) الذي يُعبد في كل مكان ولكنه يدمّر الإنسان في العمق. هذه بداية القتال، يبقى علينا أن نتحدّث عن مرماه الحقيقي.

2- البوق السادس أو جيش النار (9: 13- 21)
أ- مدخل إلى التفسير
هذه الضربة السادسة تشبه سابقتها وتبرز في إطار النار كما في الأبواق الأربعة الأولى (8: 5). إن هجوم الخيل يبدو شبيهاً جداً بهجوم الجراد بحيث نميّز بصعوبة التسلسل بين لوحة ولوحة والتطوّر بين فكرة وفكرة. وما يبرز هنا هو المذبحة الكبيرة التي يقوم بها 200 مليون من الفرسان. وهي مذبحة تتجاوز إلى حدّ بعيد "الأذية" التي سبّبها الجراد. حين تحدّثنا عن الجراد كنا خائفين من دمار يتعدّى أذيّة بسيطة، ساعة دلّت هذه اللفظة على عمل الفرسان (9: 19). فإذا عدنا إلى التطويبة التي في رأس الكتاب (طوبى للذي يقرأ ويسمع ويعمل، 1: 3) أدركنا أن المعنى هو في مكان آخر.
يجب أن لا ننسى ترابط مشاهد رؤ بحيث يوضح مشهدٌ معنى مشهد آخر. فمشهد الجراد ومشهد الفرسان قريبان من مشهد وحش البحر ومشهد وحش البرّ. فنحق نجد التقابلات التالية:
- من جهة، يخرج الجراد من الهاوية (9: 1) المرتبطة ارتباطاً عضوياً بالأقيانوس، وإن لم تكن هي الأوقيانوس. وكذا نقول عن الوحش الأول. هو يخرج من البحر (13: 1) الذي هو في نظر رائي بطمس البحر المتوسط، ووجهة الغرب. ويتحدّث الجراد ووحش البحر عن موضوع واحد هو الحرب (9: 7، 9؛ 13: 4- 7).
- من جهة ثانية، ينطلق الفرسان من شواطىء الفرات (9: 14) ويخرج الوحش الثاني مني الأرض (13: 11). كلاهما ينتميان إلى وجهة الشرق. وهكذا ترتسم خطّة الكمّاشة التي أسنانها الجراد ووحش البحر ثم الفرسان ووحش البرّ. ويختلف هذا "الزوج" عن سابقه: إنه لا يحارب، بل يعمل بالنار (9: 13، 18؛ 13: 13).
وما الذي يميّز الجراد والفرسان عن وحش البحر ووحش البرّ؟ يُذكر المذبحْ الذهبي (9: 13) فيدلّ على أن الجراد والفرسان يتدخّلون على أثر صلوات القديسين. ويتحدّد موقع عملها قبل ذكر الموت والقيامة. وضررهم يتوجّه فقط على البشر الذين لم يُحتموا بسمة الله (9: 4). أما الوحشان فلا يظهران إلا بعد أن يدعوهم التنين الذي يرتبطان به ارتباطاً تاماً (13: 2، 11). وعملهما يتوجّه على القديسين، على المسيحيين (هذا هو وضع الوحش الأول، 13: 7) ثم على البشرية كلها (وضع الوحش الثاني، 13: 16).
يبقى أن نحدّد العلاقة القائمة بين الجراد والفرسان، وهي علاقة تتوازى مع تلك التي تجمع وحش البحر ووحش البرّ. إنّ تحليل المقطوعة السابقة جعلنا نرى في الجراد تجربة السلطة والغنى، وهي تجربة تسحر لكنها تخون لأنها تقودنا إلى الخواء. وفي صورة الفرسان نكون أمام تجربة الشرك وعبادة الأوثان. وهذا التطوّر الجهنّمي سوف نقرأه في ظهور الوحشين اللذين يتكلّمان باسم التنين فيدلاّن على ما في هذه التجارب من أشكال ملموسة وهائلة.
ب- طلائع تندر بالخطر (9: 13- 14)
"ونفخ الملاك السادس بالبوق، فسمعت صوتاً خرج من القرون الأربعة لمذبح الذهب الذي أمام الله" (آ 13). هو المذبح المذكور في 8: 3. إذن، هناك رباط خاصّ بين ليتورجية في: 3-5 والبوق السادس. قد يكون الصوتُ صوتَ الملاك الذي له سلطة على النار (14: 8). فالأحداث التي يثيرها الصوت تبدو جواباً على صلوات المؤمنين (على مثال الأحداث السابقة). أجل، جاء جواب الله من مذبح الذهب الذي يرمز إلى صلوات المؤمنين.
"أطلِقِ الملائكة الأربعة المقيدين على نهر الفرات" (آ 14). لسنا هنا أمام ملائكة صالحين على مثال أولئك والذين أمسكوا رياح السماء (7: 1) لئلا تحدث ضرراً. غير أنهم قد يكونون قُيِّدوا لخطيئة كبيرة اقترفوها. وحين حرّرهم الله والحمل، أطلقوا العنان للقوى المدمّرة (1 أخنوخ 66: 1). نجد وراء هذا التصوير كل خبرة إسرائيل التاريخية التي طبعت مخيّلته الجماعية.
نهر الفرات هو الحدّ الذي بعده لا تسمّى الأرض أرضاً مقدّسة وأرض موعد (تك 2: 14؛ 15: 18؛ تث 1: 7). هو حدود قوى الخواء في الشرق كما البحر في الغرب. إن هذه البلدان البعيدة في الشرق قد شكّلت تهديداً صار أمراً ملموساً مرّات عديدة (أشور، بابل، أش 8: 7). وسيكون خطيراً في نهاية الأزمنة مع اجتياح جوج، ملك ماجوج (حز 38-39). لقد استعمل الله هذه الشعوب كأداة يعاقب بها شعبه ويربّيه، قبل أن يعاقب هذه الشعوب على قساوتها المفرطة في هزيمة تصوّر مسبقاً الدينونة الأخيرة (أش 10: 5- 19؛ زك 14: 1 ي). إذن، نحن هنا أمام تقليد جلياني يهودي ينسب إلى الملائكة دور المجتاحين الآتين من الشرق الذين يوكلهم الرب بمهمة دمار موقتة.
نستطيع أن نرى هنا تلميحاً إلى خطر آتٍ من الشرق، آتٍ من عند الفراتيين. كان نظر رومة دوماً إلى الشرق من حيث تأتي الجيوش الفراتية، كما إلى الغرب بسبب البرابرة الذين لن يوقفهم شيء عن اجتياح الإمبراطورية في القرن الخامس.
حين عقد الله عهداً مع إبراهيم، وعده ونسله بأرض تمتدّ من النيل إلى الفرات (تث 11: 24؛ يش 1: 4؛ تك 15: 18). كان الفرات يشكّل الحدّ الفاصل بين شعب إسرائيل وأعدائه الرئيسيين. في أش 8: 5-8، تصوّر الجيوش الأشورية كطوفان عظيم "يعلو على جميع جداوله ويطغو على كل شطوطه ويندرىء على يهوذا". والفرات هو أيضاً حدود المملكة الرومانية في الشرق: هناك هُزم كراسوس سنة 53 ق. م، ثم استسلم ولجش سنة 62 ق. م. قد يكون يوحنا انطلق من هذا الواقع ليقدّم لنا صورة اسكاتولوجية تدعو الناس إلى التوبة. فرقم 200 ميلون مع الموت الذي يحمله هو حدث اسكاتولوجي يحمل الهول إلى البشر.
ج- عمل الفرسان (9: 15- 19)
جاءت الساعة التي فيها يتعرّف الله إلى أخصّائه. والشيطان هو أيضاً مستعدّ، وسيرسل حملاته العسكرية. ويرى رؤ في تفاؤله أن ثلث البشر فقط سيقع في فخاخ الوثنية. لسنا هنا أمام حرب حقيقية وحّمام هائل من الدم. فالفرسان ليسوا مجهّزين لهذا العمل، ولا يحملون أي سلاح هجومي. فقتل ثلث السكان صورة تشبه تحرير أربعة ملائكة مقيّدين. فالإبتعاد عن الإله الحقيقي والتعلّق بالأصنام هو مسيرة إلى الموت. "أصنام الأمم معثرة لنفوس الناس" (حك 14: 11). وعبادة الأوثان تعارض الوصية الأولى من الوصايا العشر وهي وحدها الخطيئة التامة الأساسية التي تلغي الخليقة، هي خطيئة تقود إلى الموت (روم 5: 12).
وتكاثر الملائكة الأربعة فصاروا جيشاً من 200 مليون فارس: هذا أعظم رقم يُذكر في الكتب المقدسة، شرط أن نضع جانباً دا 7: 10 حيث نجد 10 مليارات من الناس يقفون أمام الله. كان سكّان الإمبراطورية، على ما يبدو، 80 مليوناً في القرن الأول. وسكان العالم: 200 مليون. لسنا هنا أمام إحصاء دقيق بل أمام فكرة تقول إن كل إنسان قد أصابته تجربة الشرك.
"فانفكّت قيود الملائكة الأربعة" (آ 15). الله يراقب كل شيء ويسيطر على مجرى الأمور، كما يضع حداً لهذه الأعمال السلبية: ساعة دخول الملائكة على المسرح. ثم القوّة المدمّرة، ثلث البشر. هذه النسبة هي التي وجدناها في الأبواق الأربعة الأولى.
"عدد جيش الخيّالة" (آ 16). وجود أل التعريف، يدل على أنهم معروفون. ونحس هنا أن الكاتب يوجز تقاليد واسعة كما فعل 2 مك حين دوّن كتابه. والأرقام الهائلة (20.000 × 10.000= 200 مليون، 5: 11؛ دا 7: 10) والسمات المخيفة تدلّ على أننا أمام رمز لا أمام واقع تاريخي حقيقي. لم يكن للكاتب وقت بأن يحُصي هذا الجيش، بل سمع عدده (رج 7: 4).
"وتراءت لي الخيل" (آ 17-19). وسيصوّر الخيل لا الخيّالة ما عدا في آ 17 أ (على الفرسان دروع من نار). وتذكّرنا الصورة بصورة الجراد (9: 7- 10). ولكن الجراد عذّب الناس أمام الأفراس فقتلهم. وما نلاحظه هو الطابع الناري الذي يميّز سباعية الأبواق (مع أننا لا نجد في البوق الخامس إلاّ الدخان. لا ننسى أن النار تدلّ على الله). نتخيّل هنا نار حريق ينتقل بسرعة من مكان إلى آخر.
والألوان: هو كبريت يحترق. والنيران صفراء، حمراء مثل رؤوس أسُود. والشعلة الصغيرة هي زرقاء. ويصوّر الكاتب الشكل والحركة. الدروع هي مقدّمة النار التي تخرج من أفواهها نيراناً جديدة. الفم هو قلب النار التي منها تخرج النار والدخان والكبريت. والأذناب طويلة ومشتعلة وهي تتحرّك بسرعة، وتستطيع أن تصبح بدورها أفواهاً جديدة ومراكز تدمير عديدة. هنا نستطيع أن. نتذكّر سدوم وعامورة.
يُذكر الفم ثلاث مراث (آ 17، 18، 19)، وكذلك الرأس (آ 17، 18، 19) وعمل القتل (آ 15، 18، 20). أمّا الأذناب فتذكر مرتين في آ 19. والسلاح مثلّث وكذلك الإستعراض. من جهة، هناك النار والدخان والكبريت الذي يخرج من أفواهها (آ 17-18). ومن جهة ثانية نجد صفات صدور الخيل: نار، ياقوت، كبريت (آ 17). فالصدر الذي يحتوي القلب (مركز الفكر) هو من ذات الطبيعة التي يبصقها الفم (عضو الكلام). والحال، ارتبطت النار والدخان والكبريت بعبادة الأوثان (14: 10- 11). وأحمر الياقوت (صديق أبولون في اليونانية) هو لون الأصنام البيبلي (إر 10: 9؛ حز 23: 6).
إن مثل هذا التجميع للصور والتشابيه يدلّ على تقدّم الشّر في موجات متلاحقة، لا على تهديد بالحرب فقط. فقدرة الخيل تكمن في أفواهها وأذنابها (9: 19). نحن في النهاية أمام شياطين (كبريت) ينفّذون دينونة ملغزة يكون ضحيتها أتباعهم أنفسهم.
وهكذا يعمل الفرسان بكل كيانهم (من الرأس إلى الذنب)، بكل قواهم (صورة الأسُود)، بكل عقلهم (الصدر)، بكل خطبهم (الأفواه)، بحيلهم التي أخذوها من آبائهم (الحيّات). ينشرون النار المحرقة والدخان الذي يعمي والكبريت الذي يعقّم (أش 34: 9). وهكذا يهلك في سرابهم ثلث سكان الأرض. أجل، جاء الوقت الذي فيه يأخذ المجرم "جسداً" ويصبح واقعاً، وذلك حين يقدّم الوحش الثاني صورة صادقة عليها نار السماء ليعبدها العالم (13: 13- 14).
د- الخاتمة (9: 20- 21)
وننتظر الخاتمة لنعرف أن الموضوع هو الشرك ورفض الله. لنعرف أن الثلث قُتل. أن الجميع أُصيبوا. لم يرتدّ أحد ولم يتخلّ عن عبادة الأوثان (آ 20) ولا عن نتائجها (آ 21). الأصنام هي هنا، وهي مذكورة في ترتيب تناقصي على مستوى الكرامة (ذهب، فضة، نحاس، حجر، خشب) وفي ترتيب تصاعدي على مستوى العقم الشخصي (رأى، سمع، مشى). في هذا الوقت يُنتج عبّادها المتأثرون بها كل الثمار المحرّمة في الوصايا العشر (القتل، السحر، الزنى، السرقة).
"وأما البشر الذين نجوا من هذه البلايا" (آ 20- 21). فنا نجد الهدف العميق لضربات الله. فالله لا يحبّ الدمار. فمتطلّبات قداسته تحرق الإنسان الخاطىء، أو بالأحرى تحرق خطيئته وتدعوه إلى التوبة. من يرفض أن يشتعل يحسّ بنار حبه وكأنها نار غضب. وكان سفر الحكمة قد حدّثنا عن حكمة الله حين يعاقب: ما يتوخّاه هو ارتداد الإنسان. ولهذا يجعل عقابه مناسباً (حك 12: 9-10). ولكن ضربات مصر جعلت الفرعون يقسيّ قلبه (خر 11: 10). وبلايا الأبواق الستة لم تجعل سائر البشر يعودون إلى الرب (أع 15: 17).
"ما تابوا ممّا فعلت أيديهم". ليس الموضوع سلوكهم العام، بل الأصنام التي بها يرفض الإنسان أن يسلّم ذاته إلى الله وحده (تث 4: 28؛ مز 115: 4؛ 135: 15؛ إر 1: 16؛ دا 5: 4، 23؛ رج 1 كور 10: 19-20). "ما تابوا عن القتل والسحر". في آ 20، وجدنا مبدأ الشرك. وفي آ 21، نتائجه الأخلاقية (21: 8؛ 22: 5؛ رج روم 1: 18-23، 24- 32). إن لائحة هذه الرذائل (مت 15: 19؛ غل 5: 20) تتجذّر في ليتورجيا العماد وفقاهته، إنها ترسم حدوداً لا نستطيع بعدها أن نحيا حياة يلهمها الإيمان المسيحي.
وهكذا يري رؤ أنّ البلايا تدشّن الدينونة وتفصل البشر إلى فئتين: فئة الإيمان وفئة عبادة الأوثان. فئة الطاعة للوصايا وفئة التخليّ عن الأخلاق. ولكن الله لا يستسلم لغياب التوبة هذا. فقبل أن تجيء النهاية، على الكنيسة أن تقوم بمهمتها كنبيّة وشاهدة لله فيبلغ إعلان دينونة الموت والحياة إلى جميع البشر ويمنحهم مهلة للتوبة.
ماذا نختار؟ الملاك المقيّد بوجه أسد، أو الإله الذي أُنزل عن عرشه بوجه حمل؟ هل نختار الإله الواحد أو إبليس الذي هو لجيون، عديدون (9: 16؛ رج مر 5: 9)؟ هل نختار الصنم أم صورة الله الحيّ؟ هل أصبحنا لا نقدر أن "نبصر ونسمع ونمشي"؟

خاتمة
ماذا نتعلّم من هذا النصّ؟ ثلاثة أمور:
- لقد أُصيب الناس أنفسهم بالأحداث التي أعلنها البوق الخاص. هزّت بلايا الأبواق الأربعة الأولى الكون، ولكن الخليقة لم تُصب بأذى (9: 5). أما الآن، فالبلية أعظم. ففي البوق الخامس، سيتعذّب البشر خمسة أشهر (9: 5). أما في البوق السادس فسيموت ثلث البشرية (9: 15). لم يسمع البشر تهديد الله ونداءه إلى التوبة. فمن أدار ظهره لإله الرحمة والغفران، ذهب إلى لقاء إله العقاب والغضب.
- إنّ سّر الإختيار. والختم الإلهي صار مفهوماً فهدّأ روع المؤمنين. فالذي لما يختم على جبهته بالختم الإلهي ليس "هالكاً" بذات الفعل. فالله يعطيه نعمة، يعطيه مهلة: ولكنه سيرفض هذه المهلة ولا يتوب كما تقول آ 20 و آ 21.
- إن التعليم المتعلّق بالشيطان الذي سيسمّيه بولس الرسول "إله هذا العالم" (2 كور 4: 4) هو جزء من التعليم المسيحي. فالشيطان الذي يصوّر كأنه "كوكب سقط من السماء على الأرض" (9: 1؛ رج سي 10: 12-13؛ يو 8: 44؛ 2 تس 2: 4) هو قوّة شخصية، هو الشرّير (زك 3: 1 ي؛ لا 7:16 ي؛ حك 2: 24؛ 2 بط 2: 4؛ يهو 6). له سلطة على الكون (البوق الخامس) وعلى البشر (البوق السادس). ولكن الشيطان لا يستطيع أن يمارس سلطانه إلاّ إذا أعطاه الله "مفتاح بئر الهاوية" (9: 1؛ رج أي 1: 6- 12).

 

 

الفصل الحادي والعشرون
الملاك والكتاب الصغير
10: 1-11

إن رؤية الملاك الجبّار الذي يحمل كتاباً صغيراً، تدخلنا بشكل مباشر في قلب تعليم رؤ. وهي تتضمّن ثلاثة مقاطع قصيرة: نرى الرائي على المسرح في المقطع الأول (آ 1- 4) والأخير (آ 8- 11). وسيكون مشاهداً متفرّجاً في المقطع الثاني (آ 5- 7). ويمكننا أن نلاحظ حضور المثلث السماء/البحر/ الأرض حسب ترتيب واحد في المقطع الأول والأخير. ويظهر حسب ترتيب آخر (البحر/الأرض/السماء/ثم السماء/الأرض/البحر) مرتين في المقطع الثاني. هذا يدلّ على تأثير التعليم الذي يتضمّنه الكتاب على الكون. وهذا يدلّ أيضاً على الدقة التي بها دوّن الرائي كتابه. أما هذا الفصل فيستلهم بشكل خاص تث 12: 4-9؛ حز 2: 8- 3: 15، بعد أن أعاد صياغة ما قرأه في هذين النصين.
قبل أن ندخل في التفاصيل، يجب أن ندرك الترتيب العام للفصل. فيوحنا يجد نفسه أمام ملاك مهيب. قد لا يفهم تصرّفه (آ 1- 3، 5- 7). ولكن صوتاً آتياً من المساء علّمه الموقف الذي يليق بما يحصل حوله هذا الملاك (آ 4، 8- 11).
حمل الملاك عنصرين مميّزين: كتاب صغير مفتوح، وصوت يحرّك الرعود السبعة فيعلن إقتراب التتمة الأخيرة. قد ينتظر يوحنا هذه التتمة بموقف منفعل (لا يفعل شيئاً)، وينسى الكتاب الصغير. أما الصوت فيبعده عن تعليم الرعود السبعة (آ 4: أكتم ما نطقت به الرعود السبعة) ليدفعه إلى التعلق أولاً بالكتاب الصغير (آ 8- 11: خذ الكتاب).

1- الملاك والكتاب الصغير (10: 1- 4)
إن الملاك بصفته الرسول الإلهي، يلتحف بقدرة الله ومجده. إنه ينقل تعليم المصالحة مع الله الرؤوف (قوس قزح هو علامة رحمة الله، تك 9: 12- 17). صورة هذا الملاك تشبه صورة المسيح التي رآها الرائي (1: 12 ي). هذا يعني أن الملاك خاضع لسلطة الله. والملاك لا يورد كلماته الخاصة، بل يمسك في يده كتاباً مفتوحاً، أي إنه أُمِر بأن ينقل تعليم الله فلا يزيد عليه ولا ينقصه. إستطاع الحمل (= المسيح) وحده أن يفتح الكتاب المختوم بسبعة ختوم (5: 1)، أما الآن فتعليم الله قد سُلّم لكي يُعلن. فالملاك نفسه لا يستطيع أن ينقل أسرار الله لو لم يكن الله قد عرضها فيما مضى.
نلاحظ أن خبرة رؤية المسيح جعلت رائي بطمس يقع على الأرض (1: 17) ويصبح "كالميت". أما رؤية الملاك فلم تحدث إضطراباً عنيفاً بهذا العنف لدى يوحنا. فالملاك يجعل التعليم الإلهي في متناول الإنسان. بل هو يحرّك الرغبة في تدوين الرؤية (تأهّبتُ للكتابة).
يبدو يوحنا واقفاً على الأرض، وهو سيتحدّث عفا سيحدث على الأرض. أما الملاك فيرتدي سحاباً شبيهاً بالسحاب الذي يرافق إبن الإنسان (دا 7: 13) أو الله نفسه (خر 16: 10). والمجد الذي يحيط بوجهه يبدو كذلك المجد الذي يحيط بعرش الله في 4: 3. يبدو وجهه كالشمس، فيذكرنا بابن الإنسان (1: 16). وساقاه كعمودين من نار (رج 1: 15). 
ومع ذلك لسنا أمام المسيح نفسه، بل أمام ملاك قريب من الله. قوّته عظيمة، وقامته رفيعة. في خطوة واحدة يستطيع أن يغطّي الكون كله (آ 2، 5، 8). يسمّى "القوي" (الجبّار). وصوته عظيم. تصويره يقابل مهمته التي تعني الكون كله.
"بيده كتاب صغير مفتوح" (آ 2). التقارب يفرض نفسه مع 5: 2 حيث نجد ملاكاً آخر جباراً (قوياً) (رج 18: 21) يرتبط بكتاب السبعة ختوم. إن المشهدين يستلهمان إستلهاماً واضحاً دعوة حزقيال (2 : 8- 3: 3). فقد دُعي النبي ليأكل درجاً تقدّمه له يد (آ 9- 10). كُتب الدرج على الوجه وعلى الظهر (رؤ 5: 2) أكله حزقيال فأحسّ بطعمه كالعسل (آ 9-10).
هناك علاقة واضحة بين الكتابين رغم الاختلافات بينهما: واحد كبير جداً والثاني صغير جداً. واحد مختوم والآخر مفتوح. واحد في يد الله والآخر في يد ملاك. واحد سلّم إلى الحمل لكي يفتحه والآخر إلى الرائي لكي يأكله.
وحين أكل يوحنا الكتاب قيل له بأن يتنبأ (آ 11). وان 11: 1- 13 يصوّر المهمة النبوية للشاهدين (11: 3، 6، 10). إذن، هذان الشاهدان يجسّدان أو يحقّقان موضوع الكتاب الصغير الذي هو: الإعلان النبوي لدينونة الله التي تصيب جميع البشر. وفي النهاية، إذا كان الكتاب المختوم يمثّل العهد القديم الذي يستطيع المسيح وحده أن يفتحه ويتمه بمجيئه، فالكتاب الصغير الذي سلّم إلى الرائي يدلّ على ما سيفعله البشر لكي يهيّئوا هذا المجيء. ما يفعله الحمل يعرفه هو وحده. أما الكتاب الصغير فهو مفتوح. مضمونه واضح وقصير وملحّ: الرب يأتي. هذا ما يجب أن يقوله المسيحيون. هذه هي مسؤوليتهم التي لا غنى عنها في مجيء التتمة النهائية. ولكن كل هذا لم يفهمه يوحنا الرائي حين ظهر له الملاك.
"وصرخ بصوت عظيم كأنه زئير الأسود" (آ 3). هنا نفكّر في هو 11: 10؛ عا 1: 2؛ 3: 8 ("زأر الأسد، فمن لا يخاف؟ تكلّم الرب، فمن لا يتنبأ"؟). تأثّر يوحنا بصوت الملاك، ولكن هذا لم يدفعه إلى التنبؤ (إلى الكتابة في العالم الجلياني). فالصوت هو علامة تحرّك التعليم الذي يودّ يوحنا أن يكتبه أي "الرعود السبعة". فالرعد ليس ضجة عادية، بل هو تعليم سماوي ملوكي ومهدّد لأنه يعلن أحكام الله.
تذكّرنا أيضاً لفظة "أسد" بأسد يهوذا (تك 49: 9؛ رؤ 4: 5؛ 10؛ 3)، فتدلّ على السلطان كما تدلّ على ما في كلام البلاغ من إلحاح. وحين زاد الرعد كخلفية صوتية، أبرز بشكل أقوى سلطان الله. ففي العهد القديم يشبّه صوت الله بقصف الرعد والعاصفة (مز 18: 14؛ 29: 3؛ إر 25: 30 ي). وعدد 7 يرمز إلى الملء والطابع النهائي. فكلمة الله التي نُقلت حتى الآن، تبدو على أنها الكلمة الأخيرة، التي لا مفرّ منها، التي لا يُزاد شيء عليها. وقسم الملاك (آ 6) يؤكد أنه لم يعد من مهلة بعد الآن، أن البوق السابع سيتمّ النفخ فيه، أن سر الله سيكمّل. وهذا ما يدلّ على الطابع النهائي واللامتبدّل لدينونة غضب الله.
هذا ما حدث في حياة يسوع (يو 11: 2- 29). قال يسوع: "يا أبت، نجني من هذه الساعة... يا أبتِ مجّد اسمك". فقال صوت من السماء: "مجّدته وسأمجده". فقال الحاضرون: "هذا دويّ رعد". هكذا أجاب الله يسوع. وهنا، صرخ الملاك وقدّم الكتاب الصغير فبدا كمن يعلن الدينونة، فجاء الرعد السماوي يصوّر منذ الآن تحقيق هذه الدينونة (رج صم 12: 16- 18 حيث تبدو الرعود السبعة كالكلمة الأخيرة لله).
"تأهبت للكتابة" (آ 4). أراد يوحنا أن ينقل (= يكتب) ما فهم، ولكن الصوت السماوي أفهمه أنه يجب أن لا يفعل. أختم تعليم الرعود السبعة. أي: لا تعلنه، بل احتفظ به إلى ما بعد (دا 8: 26؛ 12: 4). سنجد عكس ذلك في رؤ 22: 10: "لا تكتم كلام النبوءة في هذا الكتاب، لأن الوقت قريب".
لماذا يكتم الرائي تعليم الرعود السبعة؟ لأننا أمام إيحاءات سرّية لا يجب أن تنشر (رج 2 كور 12: 4). ثم إن الرعود تحتفل بالتحقيق النهائي للدينونة. أما الرؤية فتقول بأن هناك مهلة، بأن الدينونة لن تتمّ الآن. إذن، لا بدّ من السكوت بشكل موقت على تعليم الرعود. نحن هنا أمام مهلة شبيهة بمهلة 7: 1-3 حيث منعت الريح من أن تهبّ. ففي هذه المهلة الأخيرة وقبل اليوم الأخير، تمتدّ حياة الكنيسة.

2- قسم الملاك (10: 5- 7)
لا نظنّ أن هذه المهلة تشكل دورة وتأخراً يدلاّن على "ضعف" الله أو "عدم قراره". لا، هذه المهلة هي جزء من مخطّط الله، لأن الله يعرف إلى أين يسير، ويعرف التاريخ الدقيق لتتمة هذا السرّ كما أعلنه لعبيده الأنبياء. إن نهاية المهلة محدّدة مسبقاً وهي قريبة جداً. في الأيام التي نسمع فيها الملاك السابع ينفخ في بوقه (10: 7). هذا ما وجب التذكير به للكنائس مراراً كما في 2 بط 3: 3- 9.
"رفع يده اليمنى" (آ 5). فالأمر كيد جدُّا إلى درجة تجعل الملاك يُقسم بالحي إلى أبد الدهور. يستلهم هذا المشهد دا 12: 5- 7: "رفع يده اليمنى نحو السماء...". وكمّل يوحنا اللقب الإلهي عائداً إلى رؤ 1: 18؛ 4: 9، 10؛ 15: 7. وتوسّع فيه مذكراً بأن هذا الحيّ هو الخالق أيضاً. قسم إحتفالي جداً وفيه أسمى تأكيد عمّا سيفعله الله.
إذن، حدّد تاريخ النهاية. نال دانيال وحياً أن التتمة ستكون بعد إضطهاد انطيوخس يأبيفانيوس بثلاث سنوات ونصف. أما بالنسبة إلى يوحنا، فسيسبق النهاية بالضرورة زمن النبوءة والشهادة الذي يمتد أيضاً ثلاث سنوات ونصف (1260 يوماً) (11: 3). زمن صعب ولكنه محدود. زمن المحنة والأمانة. إنه زمن النغمة المهدّدة والتوبة الممكنة (2 بط 3: 9): "إن الله يصبر عليكم لأنه لا يريد أن يهلك أحد، بل أن يتوب الجميع". 
"فما إن يحين الوقت" (آ 7). في نهاية حقبة هامة تجعلنا ننتظر النهاية، سيدلّ البوق السابع على تتمة سّر الله. تعود لفظة "سرّ" في رؤ 1: 20؛ 17: 5، 6 لتدلّ على المعنى الخفي لرؤية من الرؤى. وسّر الله هنا هو المعنى الخفي للتاريخ الذي يدلّ رغم الظواهر أنه ليس مسلّماً للصدفة والحتمية، بل يسير في خط معيّن. هذا ما أعلنه الأنبياء في الماضي. وهذا ما سيظهر بوضوح تام عند البوق السابع (11: 15). وإن القسم الثاني من رؤ (ف 12- 22) سيروي هذه التتمة.

3- رسالة الإنجيل (10: 8- 11)
وعلى خلفية تدلّ بالتأكيد على قرب النهاية، توجّه الصوت أيضاً إلى يوحنا. كان قد منعه. من كتابة بلاغ السبعة رعود. وها هو يفهمه ما يجب عليه أن يفعل: "إذهب، خذ الكتاب المفتوح". هو في الوقت عينه أمر. ودعوة وتولية نبوية. 
"الصوت الذي سمعته خارجاً من السماء" (آ 8). هذا يدل على طبيعة الأمر الذي وصل إلى يوحنا وما فيه من سموّ. فقد يمانع الرائي من الاقتراب إلى الملاك العظيم والمجيد دون تعليمات محدّدة من "واحد" أكبر منه. والكتاب الذي في يد الملاك هو كتاب مفتوح عكس كتاب السبعة ختوم. ويصوّر الملاك واقفاً على البحر والبرّ، أي مشرفاً على الكون كلّه من أعلى السماء.
"فذهبتُ إلى الملاك" (آ 9). أطاع يوحنا الصوت السماوي وطلب الكتاب الصغير. قيل له أن يأخذه ويأكله: سيكون حلواً كالعسل في فمه، ولكن سيكون مراً في جوفه. لقد عاد يوحنا الآن إلى الأرض، إلى مسرح القتال الأخير. لم يكن ليوحنا أن يأخذ الكتاب بشكل خارجي ودون أن يقوم بعمل، بل أن يجعله جزءاً منه على مثال يسوع الذي طعامه هو أن يعمل مشيئة من أرسله (يو 4: 34).
يعود بنا هذا المشهد إلى حز 2: 8؛ 3: 3 مع ذكر الطعام وحلاوة العسل. غير أن حزقيال لا يشير إلى المرارة في الجوف. نجد أن هذه المرارة حاضرة في مضمون الدرج: مراث، نواح، ويل (حز 2: 10). وهي حاضرة أيضاً في قساوة المهمة التي يقوم بها النبي (حز 3: 7- 8) فتملأه مرارة وغيظاً (حز 3: 14). ونستطيع أن نتذكّر أيضاً في إر 15: 16- 17 الكلمة التي تبهج وتغضب. "كانت لي كلمتك سروراً وفرحاً في قلبي، لأن اسمك ألقي علّي... جلست منفرداً، لأنك ملأتني غضباً". إن لفظتَيْ "حلو، مرّ" تعودان إلى عواطف النبي أكثر منه إلى مضمون البلاغ. فدعوته تكشف له وجهتين متعارضتين في مهمته النبوية: حلاوة بأنه بجمل بلاغاً يعلن الغلبة (مز 19: 10- 11؛ 119: 103). مرارة لأن عليه أن يكشف القناع عن القلوب القاسية ويحارب هذه القساوة. وسنجد صورة واضحة عن هذا الوضع في خبر الشاهدين (ف 11).
من أراد أن يعلن كلمة الله جعلها جزءاً منه، فيكون منادياً بلا عيب لكلام الله في ملء نقاوته، ولا يعطي أفكاره وتفسيره الخاص لكلمة الله. وهكذا شدّد الرائي على سلطته الخاصة التي يكفلها الله، فدوّن كتابه. فالرّب الحاضر والفاعل في كنيسته لا يتكلّم فقط في الأناجيل والرسائل، بل في سفر الرؤيا أيضاً.
"قيل لي: يجب أن تتنبأ ثانية" (آ 11). بعد أن "هضم" يوحنا الكلمة التي تضع البشر أمام نفوسهم وأمام الله، بعد أدن صار والكلمة "جسداً واحداً"، ها هو يُرسَل كما أرسل إرميا (إر 1: 5، 9- 10). أُرسل إلى جميع البشر. غير أن اللائحة التي تضمّ عادة الألسنة والقبائل والشعوب والأمم (5: 9؛ 7: 9؛ 13: 7؛ 14: 6) تذكر هتا الملوك بدل القبائل. وهكذا يعلن النصّ أن الشاهدين سيصطدمان بأكثر خدّام الشيطان نشاطاً وهم: ممثّلو السلطة السياسية في الأمبراطورية المتعبّدة للأوثان.
إلى ماذا يرمز هذا الكتاب الصغير؟ هنا اختلفت الآراء. فقال بعضهم هو الإنجيل. والبعض الآخر كلمة الله كما وصلت إلى يوحنا. نشير إلى أن هذا الدرج لن يذكر فيما بعد في رؤ، ما يتضمّنه هذا الدرج هو تعليم للكنيسة المؤمنة ونحن نجده في الآيات اللاحقة (11: 1- 13).

 

 

الفصل الثاني والعشرون
الشاهدان
11: 1-14

يشكّل هذا الفصل مفتاح رؤ. كان ف 10 قد أعلن مهمّة نبوية دُعي إليها الكاتب دعوة خاصة. والحال أن الشاهدين اللذين يتحدّث عنهما ف 11 سوف يتنبّأان (آ 3). ويتحدّث النصّ عن نبوءتهما (آ 6). ويقول إنهما "نبيان" (آ 10). فالنداء إلى تنبّؤ على شعوب وأمم وألسنة وملوك (10: 11) يتمّ في تعداد الأشخاص الذين عذّبهم عمل الشاهدين: شعوب، قبائل، ألسن، أمم (11: 9). وهكذا يكون 11: 1-13 صورة عمّا أعلن في ف 10 وتحقيقاً له. وهو يدلّنا بشكل ملموس على ما تقوم النبوءة في عالم أعطي مهلة من الوقت لكي يتوب.

1- نظرة إجمالية
نحن هنا أمام فاصل (يبدأ في 10: 1 مع الكتاب الصغير) أقحم بين الرؤية السادسة والرؤية السابعة فوصل بالتوتّر إلى ذروته. لأنه بعد البوق السابع والأخير، لن يعود هناك من مهلة، وسرّ الله يتمّ (10: 6-7). هذا الفاصل ينقسم قسمين من جهة النصّ والمواضيع. جمُعا انطلاقاً من أخبار مختلفة كانت في الأصل مستقلّة فانتمت إلى التقليد الجلياني اليهودي. كان القسم الأول (10: 1- 11): الدعوة ورؤية الكتاب. وقد تحدّثنا عنه. والقسم الثاني (11: 1- 14) هو رؤية الهيكل والشاهدين.
إذا قابلنا هذا الفاصل مع فصول أخرى من رؤ نجد بعض الأخبار المتوازية. الدعوة كما رآها الرائي (1: 19- 20: اكتب؛ 4: 1ي: إصعد). صورة ابن الإنسان والملاك الجبّار (1: 13 ي؛ 10: 1). الكتاب الصغير المفتوح (10: 2) والكتاب المختوم (5: 1 ي). وحش الهاوية (7:11 ي؛ 13: 1 ي).
ونصّ 11: 3-13 قد يكون وجد مواده في التقاليد الجليانية للعالم اليهودي المتأخر (رؤيا إيليا، أخبار موسى)، فوضع عليها لمساته المسيحية. فرؤيا إيليا (التي وصلت إلينا في القبطية) تبدو قريبة جداً من رؤية الشاهدين. ولا سيما في النهاية حيث ينسب موت المناوىء للمسيح لا إلى إيليا القائم من الموت، بل إلى الله نفسه.
لن نتوقف عند ما قيل عن علاقة هذا النصّ بوثيقة قديمة عاصرت إضطهاد نيرون للمسيحيين (حوالي سنة 56) أو دمار أورشليم سنة 70. يكفينا أن ننظر إلى النصّ في بنيته الحالية. فنرى فيه أربعة أحداث: قياس الهيكل (آ 1- 2). شخص وعمل الشاهدين (آ 3-6). إنتصار وحش الهاوية على الشاهدين (آ 7-10). قيامة وتمجيد الشاهدين والنتائج التي تلت هذا الوضع الجديد (آ 11-13). وهكذا تكون آ 14 لحمة بين الأحداث التي حرّكها البوق السادس، فانتهت هنا، وبين دخول البوق السابع على المسرح.

2- قياس الهيكل (11: 1- 2)
للوهلة الأولى، يبدو المشهد غريباً حقاً وبدون علاقة مع المهمة النبوية. ومع ذلك، فهو يستلهم أش 40: 3 ي: قاس ملاك الهيكل المقبل... قاس الطول وقاس العرض. وقاس كل عتبة. ونشير إلى كلام زك 2: 5: "أنا أكون لها، يقول الرب، سور نار من حولها ومجداً من داخلها". لا شكّ في أن الكاتب عرف "هيكل هيرودس" الذي بدأ العمل فيه سنة 20 ق. م، وانتهى سنة 64 وسوف تدوسه أقدام الجيوش الرومانية (الوثنية) سنة 70 بقيادة تيطس وفسباسيانس.
ولكن في الواقع لسنا أمام بناء أو دمار مقبل، بل أمام اجراء حماية وحفظ. ما يُقاس يُحفظ (لا يمسّ بأذى). والباقي يسلّم إلى الوثنيين. إن صورة القياسات تعود إلى تصميم الله. ففي 1 أخنوخ 61: 1- 5، يحمل الملائكة إلى الأبرار قياسات المسكن المهيّأ لهم.
ونلاحظ التشابه بين هذا النص و 7: 2-8. فبين الختم السادس والختم السابع، ساعة يهتزّ العالم تحت وطأة الدينونة، يطبع 144.000 بختم فيصبحون ملكاً لسيّدهم لا يجوز لأحد التصرف به، ولا ينتقل إلى آخر. وهنا أيضاً بين البوق السادس والبوق السابع، أعلن أن بعض الناس سيحفظون، سيخلصون: هم العابدون في الهيكل وأمام المذبح.
ويختلف هذا النصّ إختلافاً لافتاً عن النصوص التي أخذها نموذجاً له. ليس الملاك هو الذي يقيس، بل يوحنا نفسه. ومن قاس حفظ (خلّص من الدمار) أو بالأحرى دلّ على أن مخطّط الله الخلاصي أكيد حقاً. وحين يقوم إنسان بهذا العمل في كتاب ينطلق فيه كل شيء من السماء، فهذا يفترض أنه تلقّى نداء واضحاً من السماء: هو الأمر الذي جعله نبياً في 10: 11: يجب أن تتنبّأ. إذن، أول شيء يقوم به النبي هو أن يدلّ على الطابع المزدوج لأمور الأرض، لأمور هذه الدنيا. فأقدس شيء فيها، كالهيكل والمدينة المقدّسة، أو الكنيسة، تُحفظ حفظاً لا شكّ فيه، وفي الوقت عينه تُسلم إلى الأمم.
"قس هيكل الله" (آ 1). نحن هنا أمام صورة. فالهيكل والمذبح والمدينة لا تدلّ على واقع مادي وحسب (المدينة تدلّ على موضع وعلى سكان يقيمون في هذا الموضع. وكذا نقول عن الكنيسة)، بل أيضاً على مجموعة بشرية. فالقديس بولس يتحدّث عن الكنيسة على أنها هيكل (1 كور 3: 16؛ 2 كور 6: 16؛ أف 2: 21؛ رج 1 بط 2: 5). والغالب في رؤ 3: 12 سيصير عموداً في هيكل إلهي. وهكذا نفهم لماذا ننتقل بدون تمهيد في آ 1 من قياس الأبنية إلى إحصاء الساجدين. نحن أمام أمر واحد هو عملية حفظ وتخليص. حيت تنجو الأبنية ينجو القائمون فيها، وحين تدمّر يدمّر القائمون فيها.
إذا كان الهيكل يدلّ على جماعة، أيكون يوحنا قد فكّر بالجماعة اليهودية. أي: إن اليهود الذين صاروا مسيحيين أقاموا داخل الهيكل. واليهود الذين رفضوا الإيمان المسيحي رذلوا وجعلوا في الخارج، في الرواق الخارجي. هنا نتذكّر عبارة "مجمع الشيطان" (2: 9؛ 3: 9). أو ما قاله مت 8: 12: "من كان لهم الملكوت يُطرحون خارجاً في الظلمة". أو لو 13: 28: "ترون إبراهيم واسحق ويعقوب في ملكوت الله وأنتم في الخارج مطرودون" (رج يو 15: 6: الأغصان اليابسة). ولكن رأينا حين قرأنا عن 144.000 بأن رؤ لا يقيم تمييزاً وسط شعب القديسين. فهمّه هو مجمل المسيحيين تجاه العالم. وبما أن القسم الأول يُعنى بالعالم اليهودي، فالكاتب يشير إلى دمار العالم اليهودي من خلال دمار أورشليم سنة 70 وبالتالي دمار شعب العهد الأول، وحفظ شعب العهد الثاني. نحن هنا في خطّ سفر الخروج حيث كان يحفظ العبرانيون ويُعاقَب المصريون (رج خر 9: 26: غير أن أرض جاسان، حيث أقام العبرانيون، لم يكن فيها برد). وفي خطّ سفر الحكمة الذي يتحدّث عن الظلمة "لأعداء الله"، نقرأ: أما قديسوك فكان عندهم نور عظيم (حك 18: 1). كل هذا رمز إلى الحماية الحقة التي يؤمّنها الله لعباده، ودعوة إلى الآخرين لكي يلجأوا إلى حمى الرب المتجليّ هنا في شخص يسوع المسيح.
ونتابع بحثنا لكي نتعرّف إلى جماعة الهيكل هذه.
"رواق الهيكل الخارجي. أتركه ولا تقسه" (آ 2). إذا كان الهيكل والمذبح (أو المعبد والرواق الداخلي) يدلاّن على الجماعة، فهذا يعني أن الرواق الخارجي يدلّ على جماعة أخرى، والكل يشكّل كتلة هندسية واحدة. ولكن إن كان القسم الداخلي يمثل عبّاداً محفوظين، فالآخرون قد رموا خارجاً. وهكذا لا ينعم جزء من شعب الله بالحماية التي يحتفظ بها الله لمؤمنيه: لقد أسلم إلى الوثنيين. فهم سيدوسون المدينة المقدّسة. هذا ما نقرأه في أش 63: 8 1 (داسوا مقدسك)؛ دا 8: 10- 13 (يُداس القدس)؛ ولو 21: 24: "يدوس الوثنيون أورشليم". لقد داس العدو المدينة المقدّسة، وداس في الوقت عينه الساكنين فيها.
"مدة 42 شهراً". إذا حسبنا أن الشهر القمري يعدّ 30 يومأ، تكون هذه المدة 1260 يوماً (آ 3؛ 12: 6) أو ثلاث سنوات ونصف السنة (12: 14). إن هذه الأرقام ترجع إلى دا 7: 25؛ 12: 7 (إستعمل في رؤ 10: 5). هذه هي الفترة الحقيقية التي فيها ظلّ الهيكل منجساً بيد أنطيوخس الرابع أبيفانيوس. دوّر دانيال الرقم فجعله ثلاث سنوات ونصف السنة أو نصف الأسبوع الأخير للسنوات التي تقود إلى النهاية (دا 9: 24- 27). إذن، هو زمن خطّط له الله، فأعطاه مكاناً صغيراً ومحدوداً في تاريخ العالم. فحقبة الإضطهاد ليست وقتاً فيه ينسى الله شعبه. إن 42 شهراً هو الوقت الذي فيه تُسلّم المدينة المقدسة إلى الوثنيين. وهو أيضاً زمن النبيين اللذين لبسا قدرة الله، ولكنهما سُلّما إلى المضطهدين.
وهكذا قِيس كل شيء: مدى الهيكل الذي اجتاحه الوثنيون، وزمن التاريخ الذي أعطي لهم. فعلى الشعب المقدّس، وعلى كل واحد في هذا الشعب أن يعرف أنه لن يُغمر بشكل كامل في الزمان وفي المكان فيغرق "في الأمواج". إنه الآن وسيبقى دوماً في يد الله حتى ساعة يبدو وكأن العالم غلبه.
والآن، يبدو المعنى على الشكل التالي: الهيكل (والمدينة المقدسة) هو الكنيسة في وضعها الحالي. هي في الوقت عينه محميّة ومسلّمة إلى الأمم. ترتبط في الوقت عينه بعالم السماء و الملائكة كما بعالم سكّان الأرض. هناك وجهتان في الكنيسة: هي موضع المجد والأمان إن نظرنا إليها على ضوء مخطّط الله. وهي مذلولة ومتألمة. وفي خطر قتال غير متكافىء إن تطلّعنا فقط إلى ظروف حياتها الحاضرة. ويقول لنا الكاتب: الكنيسة هي هنا وهناك. هي الكنيسة عينها. وهذه الإزدواجية التي تصلبها هي جزء مكمّل وضروري لكيانها في زمن النبوءة هذا. هذا هو وضعها الحالي.
هذه اللوحة هي الخلفية التي عليها نستطيع أن نفهم خبر الشاهدين.

3- شخص وعمل الشاهدين (11: 3- 6)
أ- عودة إلى الوراء
إنّ هذا التلميح إلى دمار المدينة المقدسة (= أورشليم) يعود إلى حملة أسرة فلافيان، إلى المرحلة الأخيرة في الحرب اليهودية كما دوّنها المؤرخ اليهودي فلافيوس يوسيفوس. دامت هذه الحرب ثلاث سنوات ونصف (وهكذا ينطلق الكاتب من الواقع الحاضر، ويعود إلى الماضي ولا سيما دانيال مع ثلاث سنوات ونصف السنة، ويتطلّع إلى المستقبل ليقول لنا إن هذا الإضطهاد سيكون محدوداً في الزمان)، وفي نهايتها. دمّرت أورشليم والهيكل. ومرّ وقت ظلّ فيه اليهود يقدّمون الذبائح في الهيكل، ساعة كان الرواق الخارجي ينجّس.
إنطلق الكاتب من هيكل هيرودس. وعاد إلى هيكل سليمان (1 مل 6- 7) مع غرفه، وهيكل المحرقات، وبحر النحاس. والباقي هو القصر الملكي وبيت أرز لبنان، وقد بني في الخارج، في الرواق. حمى الله بسلطانه المقام المقدّس والساكنين فيه وتخلّى عن الباقي. إهتم بشعبه من الوجهة الدينية، وترك جانباً الناحية السياسية. فالمسيح ليس ملكاً زمنياً. من الحاضر إلى الماضي، ثم إلى المستقبل. إلى الكنيسة، جسد المسيح. دمّر هيكل أورشليم بعد أن تخلّى عنه الله. وحلّ محله جسد يسوع المسيح الذي مات وقام، الذي يقيم فيه الله كما في هيكل لم تصنعه الأيدي. ويشكّل المعمّدون حجارة حية في هذا المعبد الجديد الذي لا يفنى.

ب- ملاحظات إجمالية
يتحدّث النص عن حياة الشاهدين في أربع آيات (آ 3- 6). أما الأحداث المتعلّقة بموتهما وقيامتهما فتمتدّ على سبع آيات (آ 7- 13). هذا ما يدلّ على أهمية آ 7-013 إن لم نتحدّث عن موت الشاهدين وقيامتهما، نكون وكأننا لم نقل شيئاً عنهما.
كل ما يحدث يعود إلى العالم الوثني، إلى سكان الأرض. فهم الذين يشاهدون وينظرون (آ 9، 11). ونلاحظ لوحتين متعارضتين سواء عمل روح الله أو الوحش. قُتل الشاهدان، قام الشاهدان فعمّ الخوف الأرض. نظرت الشعوب إلى الجسدين المعروضين (بعد الموت) فعمّها الفرح، وتأمّل الأعداء الشاهدين صاعدَيْن إلى السماء، فمات من مات وارتعب الباقون وارتدوا: "أخذوا يمجّدون إله السماء" (آ 13).
إذن، يتّضح أن هذين الشاهدين (والنبيين) يتجاوبان مع الدعوة التي عبّر عنها 10: 11، التي أرسلت إليهما بأن يتوجّها إلى شعوب وأمم وألسن وملوك. ويحدّثنا الكاتب مراراً عن توازٍ بين "شاهد، شهادة" (آ 3، 7)، وبين "تنبأ، نبي، نبوءة" (آ 3، 6، 10). وهكذا يعلن أن النبوءة التي يتحدّث عنها لا تختلف عن الشهادة. "شهادة يسوع هي روح النبوءة" (19: 10؛ ق 22: 9؛ 19: 10). فالنبوءة هي يسوع المسيح متحدثاً عن نفسه.
والسؤال الذي يُطرح: ماذا يعمل النبي المسيحي؟ تنبأ يعني سار في الطريق التي رسمها الروح. إكتشف أن النبوءات القديمة دلّت على المسيح. أعلن بالصوت العالي شهادة يسوع هذه.
وإن آ 3-13 هي صورة عن هذا التحديد: سوف نرى الشاهدين يستعيدان عمل الأنبياء الكبار في الماضي (آ 4-6) ويتمّانه باسم يسوع. وفي الوقت عينه، هما شاهدان ليسوع: مصيرهما مصيره، وسيموتان حيث صُلب ربهّما (آ 8)، ويعرفان مثله القيامة والصعود (آ 11- 12). فالنبي (الشهيد) يقوم في شكل من الأشكال مقام المسيح. وهو يشهد بكلامه وأعماله على ذبح الحمل، فيصبح هكذا علامة ارتعاب أو خلاص. فالدينونة تجد استباقها فيه، فيكون الناس معه أو ضدّه.
تلك هي مهمّة الكنيسة في الأزمنة الأخيرة. والبوق السابع لن ينفخ فيه قبل أن تتمّ هذه المهمّة (مر 13: 9-10؛ مت 10: 17-20). وها نحن نعود إلى التفاصيل.
ج- الشاهدان
ينغمس هذا المقطع كله في مناخ غريب. لأن الكاتب يعتبر الشاهدين (مع أل التعريف) معروفين. ولكننا لا نعرفهما. فهل عرفتهما الكنيسة الأولى؟ لهذا قدّمت شروح مختلفة ومتعارضة، وقد يكون الكاتب لجأ إلى صور عديدة لكي يعبّر عن فكرة الكنيسة الشاهدة، والتي تبدو شهادتها امتداداً لشهادة ربّها.
هذان الشخصان هما: إيليا وأخنوخ، موسى وإيليا (تحويل الماء إلى دم، إغلاق السماء)، حنّان ويشوع (ذبحهما الأدوميون ولم تُدفن. جثتاهما)، بطرس وبولس (طُرحا في ساحة المدينة العظمى على أيام نيرون)، يشوع وزربابل (زك 4: 1-10). قد يكون في الأساس تقليد من العالم اليهودي المتأخر، قد أُعيد كتابته بقلم مسيحي.
إذا عدنا إلى رؤيا إيليا، وجدنا سمات تعطي صورة سابقة للمسيحية عن ألم سابقي المسيح، وتدلّ على ما في رؤيا يوحنا (إستشهاد، تدنيس الجثتين خلال ثلاثة أيام ونصف يوم، القيامة، الصعود). وفي العقيدة اليهودية (2 مل 2: 11؛ سي 48: 9، 12؛ ملا 3: 23؛ رج مر 9: 4 ي) خلال القرنين الأخيرين السابقين للمسيحية، ضمّت صورة موسى وإيليا (اللذين تركا هذا العالم بشكل سرّي) إلى إعلان الخلاص الإسكاتولوجي والحرب ضدّ المناوىء للمسيح. والعهد الجديد نفسه يعطي أهمية كبرى لشخص موسى الذي يُذكر فيه 80 مرة، وشخص إيليا الذي يُذكر 29 مرة (يُذكر إبراهيم 73 مرة، وداود 59 مرة).
"أرسل شاهديّ". هو المسيح يتكلّم. أو الله، إذا كان الشاهد هو المسيح. يتحدّث عنهما الرائي وكأنهما معروفان. مثل الملاكين (9: 14) والرعود السبعة (10: 3). في الواقع، هما في فكر الله ومشروعه منذ إنشاء العالم (أف 1: 4).
من هما هذان الشاهدان؟ هما شخصان محدّدان وغير محدّدان. هما شخصان رمزيان، شخصان جماعيان. يرى يوحنا نفسه فيهما، وفيهما يرى أيضاً كل الأنبياء المسيحيين. لا يتميّز الأنبياء عن القديسين الذين يُذكرون دوماً في معيّتهما (11: 18: الأنبياء والقديسين؛ 16: 6؛ 18: 20، 24). إنهما المسيحيون الذين بذلوا حياتهم أمانة لله والحمل. إنهما الغالبون الذين هم مع يوحنا (1: 9) شركاء في محنة يسوع وملكه وثباته. إذن، يرمزان إلى كل المسيحيين الذين يتجاوبون مع المهمة النبوية المحدّدة على الشكل التالي: شهادة حتى الموت لواقع مشروع الله.
لن نتوقّف عند هذا الشخص أو ذاك لنجد هذين الشاهدين. فهذه الصور الرمزية تكوّنت من ملامح أشخاص مهمين في حياة الكنيسة، في الكتاب المقدّس. وعلى كل حال، يبقى يسوع الشاهد المثالي.
لقد انتظر العالم اليهودي مجيء السابقين للمسيح بشكل عودة نبي (موسى، حسب تث 18: 18؛ إيليا حسب ملا 3: 23) أو نبيين معاً كما في التجلي (مت 17: 3). ومعجزتا الشاهدين (إيقاف المطر، تحويل الماء إلى دم) هما صدى لما حقّقه إيليا وموسى. وهكذا، حين مارس الشاهدان المهمة النبوية التي مارسها موسى وإيليا، فهما يشهدان في العالم لحياة المسيح وقيامته.
"عليهما المسوح". ليس المِسحُ هو اللباس الذي يميّز النبي بل المعطف (1 مل 11: 29؛ 2 مل 2: 14؛ 3: 4). إنه لباس الحزن والتوبة. فمهمة الشاهدين ليست مهمة مجيدة، هما فقيران ومعوزان. يتبعان سيّدهما على طريق الجلجلة. وحضورهما يدعو العالم إلى التوبة لزمن محدّد هو 1260 يوماً.
د- الزيتونتان والمنارتان
تستلهم هذه العبارة زك 4: 1- 14. تدلّ الزيتونتان على رئيسَيْ إسرائيل: يسوع الكاهن الأعظم، وزربابل الأمير الملكي. هما يسهران على المنارة (الهيكل الذي أُعيد بناؤه. أو الشعب الملتئم في جماعة مقدّسة). لقد رأى العالم اليهودي في هذا النصّ نبوءة عن مجيء المسيح (الملك) وعظيم الكهنة في الأزمنة الأخيرة. ولكن يوحنا كان حراً في إعادة قراءته للنصّ. فصار أمامنا منارتان. كانت السرج السبعة في المنارة (4: 5؛ 5: 6) أرواح الله السبعة أو روح الله المسبّع المواهب. وإذ ذكر يوحنا منارتين، أراد أن يدلّ على هذين الشاهدين (لا تصحّ الدعوى إلاّ بشهادة شاهدين). وإذ ماثل بين الشاهدين والمنارتين، أراد أن يبرز غنى المسحة الروحية التي تقبّلاها (أش 61: 1: نالا مواهب الروح).
"يقفان أمام ربّ الأرض". قد تغشّ الظواهر. ولكن المسيحيين الذين يشهدون ليسوع في هذا العالم، يعيشون بقرب الله الذي يلهمهما.
"إذا حاول أحد أن يؤذيهما" (آ 5). ستتمّ مهمتهما رغم الحواجز بعد أن أعطاهما الله المناعة. النار السماوية تدلّ على غضب الله ودينونته (لو 9: 45). في 2 مل 1: 10 ي، أنزل إيليا النار على جنود جاؤوا يطلبونه. فترجم سي 48: 1 هذا النصّ فقال: "حينئذ قام النبي إيليا كالنار، وتوقّد كلامه كالمشعل". إن النار ترمز إلى قوة الكلمة النبوية (إر 5: 41؛ هو 6: 5).
مسحهما الرب (الزيتونة) فصارا نوراً للعالم. لهذا لن يستطيع أحد أن يوقف مسيرة كلمتهما ولا مسيرة كلمة الكنيسة. فمن حاول أن يعارض شهادتهما، حاربتهما النار الخارجة من فمهما، حاربتهما كلمة الله التي هي سيف ذو حدّين. قال الله لإرميا: "جعلتُ كلامي ناراً في فمك" (إر 5: 14). وقال يسوع: "جئت ألقي على الأرض ناراً" (لو 12: 49). تتردّد في آ 5 وآ 6 لفظة "أراد" (حاول) ثلاث مرات. ولكن تعليم المسيح هو أقوى من كان إرادات البشر.
"لهما سلطان" (آ 6). إن الأنبياء المسيحيين يتمّون رسالة إيليا فيغلقون السماء ويمنعون المطر (1 مل 17: 21؛ سي 48: 3). ويقول لو 4: 25 (رج يع 5: 17): ثلاث سنوات ونصف السنة. ويستعيد المسيحيون عمل موسى فيحوّلون الماء إلى دم. بل يعملون أعظم منهما: يضربون الأرض بأنواع البلايا كلما أراد. هنا نتذكّر يو 15: 7: "إذا ثبتّم فيّ، تطلبون ما تريدون فيكون لكم".

4- إنتصار الوحش على الشاهدين (11: 7- 10)
"الوحش الصاعد من الهاوية" (آ 7). تسبّق هذه الآية على 13: 1 (رأيت وحشاً خارجاً من البحر)، فتتحدّث للمرة الأولى عن "الأنتيكرست" (المناوىء للمسيح) الذي يقتل الواعظَين "السمجين" اللذين يدعوان الناس إلى التوبة. هذا الأنتيكرست هو "الوحش الخارج من الهاوية" (حك 19: 13-17). هذا الوحش الجهنمي (الشيطاني، لأنه تابع للشيطان) الذي نتحدّث عنه في ف 13، 17 هو في أصل عداء العالم للشاهدين. إنه يذكّرنا بالحيوان الرابع عند دانيال: صعد من البحر وحارب القديسين وتغلّب عليهم (دا 7: 2). ولكن كم تدوم غلبته؟!
"ما إن يتمّا شهادتهما". لا يصوّر النصّ هذه الشهادة، بل ما يبرز سلطة الشاهدين. قد لا تكون هذه الشهادة استشهاداً، وقد تكون. نحسّ أن المهم بالنسبة إلى الشاهد هو الإقتداء بيسوع في موته وقيامته. نشهد ليسوع، نتنبّأ حين نضع في هذا العالم وفي أجسادنا علامات عن دينونة الله ونعمته. هذا هو معنى الكتاب الصغير الحلو كالعسل والمرّ كالعلقم.
"وتبقى جثتاهما مطروحتين" (آ 8). ظل جسدا الشهيدين بدون دفن: علامة احتقار (مز 79: 2-3؛ طو 1: 8؛ 2: 3-43)، أو عقاب نموذجي (إر 8: 2). هذا هو الواقع الذي عاشته الكنيسة منذ أيام نيرون. 
"المدينة العظيمة" هي بابل (= رومة) في 16: 19؛ 17: 18؛ 18: 10. هناك مات بطرس وبولس. وجاء تحديد يقول: "حيث صُلب ربهما". فصارت بابل: أورشليم. يجب أن لا نخاف من قلة التماسك، فنحن لسنا أمام الجغرافيا، بل أمام اللاهوت. لقد أراد الكاتب أن يبيّن أن العالم الذي فيه تشهد الكنيسة هو أفضل عالم وأسوأ عالم. فأورشليم المدينة المقدّسة حيث يريد أن يتّحد الله بأخصّائه هي أيضاً مكان مسلّم إلى الشيطان (آ 2). في العهد القديم، أورشليم هي في الوقت عينه موضع مكروه ومسكن العلّي. ولا بدّ من الدينونة لكي لا تكون أورشليم إلاّ أورشليم السماوية. لهذا تسمّى بابل (= أورشليم) هذه وبإلهام نبوي: سدوم ومصر. سدوم التي عرفت بفسقها وزناها. ومصر التي اشتهرت بتعبّدها للأوثان. كلتاهما صارتا نموذج العداوة ضدّ الله. لا يجد فيهما رجال الله إلاّ الحقد والبغض.
قال أش 1: 9- 10: "لو لم يترك ربّ الجنود لنا بقية يسيرة، لصرنا مثل سدوم وأشبهنا عمورة. إسمعوا كلمة الرب، يا حكّام سدوم. أصغوا إلى شريعة إلهنا، يا شعب عمورة). هكذا تحدّث أشعيا إلى أورشليم فعاد إلى تك 19 ليشير إلى ما ستصير إليه المدينة. وهكذا عاد يوحنا إلى "بابل" فرأى فيها الموضع الذي فيه صُلب يسوع (أورشليم) والمدينة التي فيها مات بطرس وبولس (رومة): صورة المضطهد اليهودي للكنيسة، صورة المضطهد الوثني. ثم لا ننسى أن الزنى هو رمز إلى عبادة الأوثان (رج إر 23: 14؛ مت 11:24).
"وينظر الناس" (آ 9). الشعوب والقبائل... تمثّل أهل العالم كله، وقد جاؤوا لكي يتحققوا من موت الشهيدين. وهذا أمر معقول في مدينة ترمز إلى العالم. وعُرضت الجثة ثلاثة أيام ونصف يوم. دامت الرسالة ثلاث سنوات ونصف السنة. وهكذا يكون كل يوم مقابل سنة. نسبة ضئيلة. ولكنها كافية لكي تدلّ حقاً على موتهما بانتظار قيامتهما. هذه المدة هي نصف أسبوع وقد حدّدها الله ليمجّد عبديه فيما بعد.
"ويشمت سكّان الأرض" (آ 10). سكّان الأرض هم الذين يرفضون الله (3: 10؛ 6: 10؛ 8: 13). ويصوّر فرحهم بشكل تقليدي جداً: يأكلون، يشربون، يرسلون بعضهم لبعض الهدايا (الحلوى وغيرها) (أس 9: 19؛ نح 8: 10- 12). وهذا الفرح يدلّ على ارتياحهم؛ لم يعودوا يحتملون هذين النبيين. فحضورهما وحده كان يشير إلى الدينونة، إلى نظرة الله إلى العالم، إلى الحقيقة. كل واقع العالم بدا واقعاً كاذباً وظاهرة مزيّفة. 
إذا كان في خلفية هذا النص نح 8: 10، 12، فنحن في اليوم الأول من تشرين أي في رأس السنة الخريفية. وهكذا يدلّ رؤ على أن موت الشاهدين دشّن لسكان الأرض سنة جديدة وحقبة جديدة تمحو القلق الذي بعثه فيهم كلام النبيين. بدأت الخليقة فارتعبت أمام مجيء الله، بسبب الشاهدين. ولكن وحش الهاوية قتلهما وعاد كل شيء إلى ما كان عليه في السابق.

5- قيامة الشاهدين ومجدهما (11: 11- 14)
ظلّت جثتا الشاهدين ثلاثة أيام ونصف يوم من دون دفن، معرّضتين لاحتقار العابرين (هذا ما حدث ليسوع: يا هادم الهيكل وبانيه... خلّص نفسك). يعتبر اليهود أننا أمام شّرين يُقترفان تجاه الموتى. فمن لا يُدفن يُستبعد من القيامة والحياة الأبدية. ثم إن كل من لا يُدفن قبل ثلاثة أيام لن يعود إلى الحياة، لأن النفس تبقى فقط لا الجسد ثلاثة أيام بعد الموت. فحين تركوا هاتين الجثتين من دون دفن أكثر من ثلاثة أيام، تحرّروا في الزمن وفي الأبدية من هذين الواعظين المزعجين.
"بعد ثلاثة أيام... دخلت روح حياة" (آ 11). لا نكتفي فقط بتلميح إلى صعود إيليا (2 مل 2: 11). فرغم السمات المشتركة، ليس الشاهدان فقط موسى وإيليا. إنهما يرمزان إلى المسيحيين. وإن كانا قد ماتا على مثال ربّهما المصلوب، فنحن ننتظر لهما قيامة وصعوداً تشبه قيامته وصعوده. ونبوءة حز 37: 11 التي كانت نموذج آ 11، جعلتنا نستشفّ القيامة: إن روح الرب أعاد الحياة إلى العظام اليابسة. أجل، الرب هو سيّد الحياة والموت، وهو سيقيم كنيسته.
"وسمعتُ صوتاً عظيماً... إصعدا إلى هنا" (آ 12). وصعد الشاهدان إلى السماء في السحابة ذاتها التي فيها صعد يسوع (أع 1: 9). جاء صوت من الله (آ 11 أ). جاء صوت من السماء (آ 12 أ). إن حياة الشاهدين اتخذت كامل معناها من عند الله. انتهت تلك الحياة في فشل ظاهر. ولكن الرب بيّن أن مهمتهما لم تفشل، إنهما ليسا مغلوبين بل غالبين.
الشاهد الأول هو يسوع. ثم الكنيسة التي يمثلها بطرس وبولس. وسيكون الرسل شهود يسوع. بل العالم كله سيشاهد هذه القيامة ويتأمّل الأعداء في هذا الصعود. إذن، ظهر خلاص الله بشكل علني، فاختبره أناس رأوا أن الحياة الأبدية هي أكثر واقعية من الموت، وبرهنوا عنه بواضح البرهان (12: 11: غلبوه بدم الحمل وما أحبّوا حياتهم حتى في وجه الموت). أعلنوا بحياتهم زوال العالم، وها هم بموتهم وقيامتهم يكرزون بالحقيقة الحقّة وأساسها في الله.
"وفي تلك الساعة حدث زلزال عنيف" (آ 13). إن ظهور المعنى العميق لموت الشاهدين وقيامتهما، هو علامة النهاية (مثل الأبواق). وهذا ما نعبّر عنه بالزلزال. لقد دخل عمل النبيين في عمل الله. وبشهادة القديسين خسر العالم ثباته بقدرة الله الذي يهزّ المدينة العظيمة فيسبّب الموت الروحي لعدد كبير جداً من الأشخاص: 7000 (7= عدد الكمال. 1000= عدد كبير جداً).
إن الضربات التي تلت الأبواق الستة الأولى قسّت قلوب الناس (9: 20- 21: ما تابوا). أما هنا، وللمرة الأولى، فقد سيطرت على البشر رعدة مقدّسة. فارتدّوا ومجّدوا إله السماء. هذا يعني أنهم أقرّوا بخطيئتهم كما أقرّوا بحقّ الله المطلق (يو 9: 24؛ يش 7: 19؛ 1 صم 6: 5؛ إر 16:13).
كانت شهادة الشاهدين (وشهادة الكنيسة) علامة عن النهاية وعن انتصار الله القريب. فسبّبت زلزالاً ودلّت في الوقت عينه على الدينونة التي تحكم، وعلى النعمة التي تعيد الحياة إلى الموت. هذه الشهادة هي علامة معارضة، وقد وُضعت لسقوط وقيام كثيرين (لو 2: 34).
"مضى الويل الثاني" (آ 14). إنطبق "الويل الأول" (8: 13؛ 9: 12) على رؤية البوق الخامس. وتحقّق الويل الثاني (9: 12؛ 11: 14) في البوق السادس. والآن، جاء "الويل الثالث" (11: 14) الذي يتمّ في البوق السابع.

خاتمة
قدّمت رؤى الأبواق (8: 7- 11: 18) مواضيع مختلفة تطرّقنا إلى بعضها فيما سبق. ونودّ هنا أن نبدي ثلاث ملاحظات:
- إن الفاصل بين البوق السادس والبوق السابع (10: 1- 11: 14)، الذي يصوّر موت الشاهدين وقيامتهما وصعودهما (11: 13)، يذكّر الجماعات الأولى بالمصير المظلم الذي ينتظرها، بأن الله سوف "يتخلّى" عنها. فالمناوىء (أنتيكرست). سوف ينتصر على كنيسة المسيح (الوحش الطالع من الهاوية، 11: 7). وحين تنظر الجماعة إلى الشاهدين كصورة نموذجية، سوف ترى رسمة عن وجهها قد صوّرت بمواضيع مأخوذة من العهد القديم.
- إن الجماعة المسيحية تشارك في آلام المسيح وتمجيده. هي تشهد لإيمانها بالمسيح حين تُدعى لكي تحمل عبر التاريخ التعليم عن آلام يسوع وموته. وتتضمّن دعوة الكنيسة نداء لكي تسير في طريق الصليب: "إن كانوا اضطهدوني، فسوف يضطهدونكم أيضاً" (يو 15 : 20). إنّ آلام يسوع المسيح تمتد الآن في الزمن في استشهاد الكنيسة. فحاضر يسوع المسيح الإله الإنسان يتأوّن في تاريخ الكنيسة: هذا ما تذكّرنا به النصوص الليتورجية. وبما أن "المسيح يسبقنا (في قيامته وتمجيده) كالباكورة" (1 كور 15: 23). وبما أنه "دخل من أجلنا سابقاً لنا" (عب 6: 20)، فإن كنيسة الرب تشاركه أيضاً في قيامته وصعوده. هذا ما عاشه الشهيدان.
- حين أراق أعداء المسيح دم الشهداء، كمّلوا عدد المخلّصين (6: 11) وعجّلوا في نهاية. التاريخ. فدم الشهداء ليس قفط بذار المسيحيين، كما قال ترتليانس. إنه أيضاً بذار دينونة العالم.

 

 

القسم الثالث
الكنيسَة وَالعَالَم الوَثَني

يتضمّن هذا القسم الثالث الذي يعالج علاقة الكنيسة الأولى بالعالم الوثني، الفصول التالية:
1- سقوط التنين العظيم، 11: 15- 12: 18.
2- وحش البحر ووحش الأرض، 13: 1- 18.
3- الآيات الأربع الباقية، 14: 1- 20.
4- الآية السابعة، 15: 1- 8.
5- الكؤوس السبع، 16: 1- 21.
6- الزانية العظيمة، 17: 1- 18.
7- سقوط بابل، 18: 1- 24.
8- نشيد النصر ومجيء المسيح، 19: 1-21.
9- الألف سنة والدينونة الأخيرة، 20: 1- 15.
10- السماء الجديدة والأرض الجديدة، 21: 1- 22: 5.
11- النهاية: ها أنا آتٍ، 22: 6- 21.

 

 

الفصل الثالث والعشرون
سقوط التنين العظيم
11: 15- 12: 18

1- نظرة إجمالية
في ف 4 بدا القسم الجلياني بحصر المعنى في رؤ. طرح السؤال: ما الذي يحصل فيما بعد (4: 2)؟ إلى أين يتوجّه العالم الذي تهزّه هذه المحن العديدة؟ كيف سيعيد الرب برّه (حياة بحسب وصاياه) على الأرض؟ كيف يقود الأزمنة إلى نهايتها؟ هل سيأتي فيزيل الشرّ ويملك في وسطنا؟ أتراه نسانا؟
أ- أدخلتنا اللوحة التدشينية (ف 4- 5) بشكل مباشر إلى سيد الكون المتعالي، إلى السماء، أمام العرش الذي يجلس عليه شخص سرّي (ف 4). في ذلك المقام الرفيع، ستكشف لنا مخطّطات رسمها الله. ما زالت سرية وخفية. وهي مختومة بسبعة ختوم. وها هو الحمل المذبوح يقف وسط العرش، ويدلّ على أنه يستطيع أن يفتح ختوم الكتاب (العهد القديم) بفضل الغلبة التي حازها بدمه. وهو يشارك ذاك الجالس على العرش في سلطانه (ف 5).
ب- في زمن أول (ف 6- 7) فضّت الختوم الستة الأولى (ف 6)، وأعطيت مهلة قبل فتح الختم السابع لكي تجتمع الكنيسة، لكي يجتمع عباد الله المختومون بختم الله (هم يخصّون الله). إنهم مقدّمة السماويين الذين يشاركون العالم المقبل كما تقول الليتورجيا التي نحتفل بها في الإيمان.
ج- في زمن ثانٍ (ف 8- 11)، فضّ الحمل غير المنظور الختم السابع. وأمام هذا الملك الآتي، نفخ الملائكة بالأبواق، فأعلنوا التأهب من أجل القتال الذي بدأ. أصابت النار (سلاح في يد الله مثل كل عناصر الطبيعة) الأرض والسماء والبحر والأنهار. وصعدت من الهاوية جيوش تسبق الشياطين. وتنامى الحريق وانطلق. وكانت نتائج المناوشات الأولى محدودة (الثلث)، كما توخّت إيقاظ الناس إلى التوبة (ف 8- 9). 
وتُركت مهلة ثانية حتى البوق السابع. إنها ستتيح للكنيسة أن توجّه إلى الأمم شهادتها النبوية التي هي: إعلان مجيء الديان، والنداء الأخير إلى التوبة (10: 1- 1411). وقام الشاهدان (يعني الكنيسة) بمهمتهما خير قيام في أقسى ظروف. كرزا في وقت محدود وما كانت حماية الله لتغيب عنهما. صارت النهاية قريبة: وأعلنت الويلات الثلاثة (8: 13؛ 9: 12؛ 11: 14) فدوّت كثلاث ضربات تسبق إفتتاح المسرح ودوّى التنبيه بشكل إحتفالي. "ما إن يحين الوقت وينفخ الملاك السابع ببوقه حتى يتمّ سرّ الله" (10: 7).
د- ونصل إلى 11: 15: "ونفخ الملاك السابع في بوقه". فالكنيسة تكشف بشهادتها مجد ابن الله. وتجعل ملكوت الله يظهر واضحاً وضوح النهار. كل شيء سوف يتمّ. فبعد الاقتراب والتنبيهات والمواجهة الخفية والمغفّلة في السابق، سيرتفع الستار الآن. فسفر الرؤيا هو جليان، هو كشف تدريجي، هو تدرّج في نور الإيمان أكثر منه تدرّج في تسلسل الأحداث. إذا قابلنا رؤ بشروق النهار الأبدي بعد الليل الحاضر، تكون الختوم ذاك الضوء الخفيف الذي يسبق الضحى ويغيّب النجوم. والأبواق هي الزمن الذي فيه نرى بوضوح دون أن نعلم بعدُ من أين يأتي النهار. وكل ما يتبع البوق السابع يكون شروق الشمس منذ طلوعه في الأفق حتى إرتقائه وفي كبد السماء منتصراً على كل ظلّ وعتمة (21: 23- 25؛ 22: 5).
نحن الآن في وضح النهار، وإن لم ينشر هذا النهار كل إمكاناته. فنقرأ في 11: 15: "صار مُلك العالم لربنا ومسيحه، فيملك إلى أبد الدهور". سيعلن المقاتلون عن أسمائهم وتبدأ معركة أخيرة تصل بنا إلى النصر الذي حازه الله منذ موت ابنه وقيامته.

2- البوق السابع: ملك الله (11: 15- 19)
أ- أصوات عظيمة (آ 15)
كل عنصر من عناصر السباعيات يعيدنا إلى السماء في إطار رؤية تدشينية نشاهد فيها العرش والهيكل السماوي. والهدف هو إبراز الرباط الوثيق بين توسّعات تاريخ الخلاص وتسامي نشاط الله غير المنظور.
في 8: 2- 5، وبين الختم السابع والأبواق الأولى، قدّم الملائكة العطور (البخور) على مذبح الذهب مع صلوات القديسين. وهذا ما جعل النار تنطلق على الأرض.
هنا أيضاً نجد ليتورجيا نرى خلالها ثلاث آيات (12: 1؛ 12: 3؛ 15: 1). والآية الثالثة هي نفسها ليتورجيا سماوية تعلن سكب الكؤوس. نجد الظاهرة نفسها في 16: 17- 21 وسكب الكأس السابعة.
تقوم ليتورجية 11: 15- 18 بهتافين: من جهة، أحداث عظيمة لا اسم لها. من جهة ثانية، أصوات الشيوخ الساجدين. في 4: 8، أنشدت الكائنات الحية الأربعة "قدوس" قبل نشيد الشيوخ. ووجدنا المجموعتين معاً في 5: 8، 14؛ 19: 4. كل مرّة، في حقبة مميّزة من الكتاب: في البداية، في الوسط، في النهاية.
"إرتفعت أصوات" (آ 15). نحن هنا ولا شك أمام الأحياء الأربعة الذين يرمزون إلى الخليقة: فالخلائق كلها تعلن ملك الله على الكون. ادّعى الشيطان أنه سيّد العالم (رج مت 4: 8 أ) وأنه يمارس سلطانه بواسطة ملوك الأرض (ف 17- 19). في الواقع، الله هو السيّد. وهو يمارس سلطانه بواسطة المسيح (17: 14: الحمل يغلبهم؛ 19: 16: ملك الملوك وربّ الأرباب): "صار ملك العالم لربنا ولمسيحه". تلمّح هذه العبارة إلى مز 2: 2 حيث نرى الأمم تتمرّد على الرب وعلى مسيحه.
أي حدث أطلق هذا الإعلان، "هذا الإنجيل"؟ مصير الشاهدين اللذين تعرّفنا إليهما في 11: 3- 12. إبتهجت الأمم لموتهما (آ 10). ولكن الله أقامهما (آ 12). حينئذ بدا هذا الموت كانتصار، لأنه كان الطريق إلى القيامة. "إختنق" الناس وتمزّقوا من الغيظ. ولكن بعضاً منهم مجّدوا الله، أي أقروا بوجود إصبع الله (آ 13).
أجل، رأت الجماعة مسيحيين يموتون ويقومون، فاحتفلت بالواقع الحاضر لملك الله ومسيحه. إنه "يملك إلى أبد الدهور". مُلك واحد لاثنين. إنهما واحد. فالله والحمل واحد في اللاهوت، واحد في العلم، واحد في المجد. نقرأ في 5: 13: "للجالس على العرش وللحمل (معاً) الحمد والإكرام والمجد والجبروت إلى أبد الدهور". فما نقوله لله الجالس على العرش، نقوله للحمل يسوع المسيح؛ رج 6: 16: وجه الله وغضب الحمل. رج غضب الله؛ 7: 9- 10: وقفوا أمام العرش وأمام الحمل. وهتفوا: النصر لإلهنا الجالس على العرش وللحمل؛ 12: 10: "النصر والعزة والملك لإلهنا والسلطان لمسيحه"؛ 14: 4: باكورة لله وللحمل؛ 22: 1، 3: "ينبع من عرش الله والحمل" (العرش هو الآن للإثنين).
ب- نشيد الشيوخ (آ 16-18)
"فركع الشيوخ" (آ 16). وتجاوب فعل شكر الشيوخ مع إعلان الخلائق. في 4: 11 و 5: 18، كانوا قد قالوا بأن الله والحمل يحق لهما وحدهما بأن يمارسا السلطان الملكي. والآن يقرّون بأن "المختار" قد أمسك بزمام السلطان. وقد انطبع واقع هذه التتمة (10: 7) بلقب أعطي لله: الكائن والذي كان. ولا يزيد النص: الذي يأتي كما في 1: 4، 8؛ 4: 8. فالنبوءة قد تمّت: لقد جاء الله. إنه هنا. لقد عاش الشهود الموت والقيامة مع المسيح. ونستطيع القول بأن ملك الله هو حقيقي وواقعي وفاعل. هكذا نقرأ في الأناجيل الأربعة أيضاً: إن الآيات التي اجترحها يسوع، إن الآية التي هي يسوع، تكشف أن الملكوت هو هنا (رج مت 11: 2- 6؛ لو 11: 20، 29-30). والكنيسة هي علامته في رؤ. هذا يعني أن ما كتبه يوحنا ليس بالغريب الشاذ. بل هو كلام مسيحي في لغة تزعج عاداتنا ورتابتنا.
"غضبت الأمم" (آ 18). إن غضب الأمم الذي يردّ عليه غضب الله، يحيلنا إلى مز 2: 1، 5، الذي هو مزمور مسيحاني. إذن، نحن في الأزمنة الأخيرة، في الأزمنة المسيحانية (مز 46: 7؛ 99: 1). لم يبق إلاّ الدينونة الأخيرة حيث يُعامل كل واحد حسب أعماله. ذكر النصّ هنا زمناً لدينونة الأموات. ولكننا لا نقرأ تصوير هذه الدينونة إلاّ في ف 20. 
ستكون الدينونة مكافأة للبعض: أولاً، للأنبياء. أي الأنبياء المسيحيون والشهود (11: 3، 6، 10). ثم القديسون والذين يتقون اسم الرب. لن نرى هنا فئات مميّزة: خدّام، مؤمنون من أصل يهودي، مؤمنون من أصل وثني: مثل هذه التمييزات لا تدخل في نظرة رؤ. كل هذه التسميات تقول شيئاً واحداً: إنهم المسيحيون.
وستكون الدينونة عقاباً للبعض الآخر. فالذين يدمّرون الأرض سوف يدمّرون، والذين يُهلكون الأرض يهلكون. إنه عقاب يتوافق مع أعمالهم الفاسدة. فالفساد والتدمير يميّزان في العهد القديم عمل الذين يميلون بإخوتهم عن طرق الطاعة لله، عن طريق العهد. ففي رؤ، الزنى (= عبادة الأوثان) الذي عرفته الزانية العظيمة يفسد الأرض، يدمّر الأرض (19: 2)، لأنها لا تراعي مخطّط الله، لأنها تحوّل العلاقات المتبادلة بين الكائنات والأشياء حين تجعل من نفسها إلهاً وترفض الدخول بتواضع في النظام الذي أراده الله.
ج- هيكل الله وتابوت العهد (آ 19)
لم نعد أمام الهيكل الأرضي كما في 11: 1- 2، بل أمام نموذجه السماوي الكامل كما في خر 25: 10، 40. هذا الهيكل السماوي ينفتح فيكشف ما في مضمونه من سرّ: تابوت العهد. في 15: 5 سوف نجد "خيمة الشهادة" التي تستر تابوت العهد في قدس الأقداس. هذا ما يراه خليقاً بأن يُذكر في الهيكل السماوي، وهو يعبّر أفضل تعبير عن غاية الهيكل: إنه تعبير عن إرادة الله بأن يعقد عهداً مع البشر، بأن يسكن في وسطهم، بأن يكون فيهم ليلتقوا به ويعطي ذاته لهم. وإن ملكوت الله هو التعبير التام لإرادة الله هذه في عهده.
وهكذا، حين يكشف الله عن نفسه ملكاً عبر شهادة أخصائه، حين يدين البشر (آ 17- 18)، حين يجعل أخصّاءه يشاركون المسيح في انتصاره، حين يصبّ على أعدائه كؤوس غضبه (15: 5)، فلأنه في النهاية يذهب إلى آخر حدود عهده (مز 74: 20).
حين دلّ الله على تابوت العهد، كشف عن كائنه الحميم: هو إله عهد ولقاء، وهذا الوحي الأخير ترافقه آيات تقليدية من التيوفانيات (خر 19: 16، 19) تترجم حيوية الله السرّية والرهيبة. وإن رؤ هو تيوفانيا تقوى شيئاً فشيئاً: بروق، أصوات، رعود، في 4: 5. وفى 8: 5 يُزاد الزلزال. ثم البرد القوي في 11: 9. وفي النهاية، ذروة كل هذا في 16: 18- 21، بحيث لن يقدر الأعداء على المقاومة، فلا يبقى إلاّ الله وحده والحمل في وسط أخصّائه في نور حضوره المتألّق كالشمس. وهكذا نصل إلى كمال العهد (21: 3، 22، 23؛ 22: 3، 5).
في هذه الخلفية التي تدشّن الملكوت وتدلّ على ملء العهد تظهر (11: 19؛ 12: 1؛ 12: 3) آيات ثلاث في السماء (12: 1؛ 12: 3؛ 15: 1). هذه الآيات تدلّ على ملكه، وعلى أمانته للعهد.

3- التنين العظيم (12: 1- 18)
مع ف 12- 14 إنتظرنا سباعية الكؤوس السبع (16: 1)، فإذا نحن مع الخبر. وفي الوقت عينه نكتشف أشخاصاً جدداً: المرأة، الطفل، التنين، الوحشان. ويتواصل كشف التاريخ. وإن صعود النور الإلهي ينزع القناع عن قوى الظلمة. وما سوف يظهر هو الأساس الأخير للواقع الحاضر، لمرمى المعركة العظيمة، لكل ما تحتاج إليه الكنيسة لكي تعرف ما تعيشه على هذه الأرض.
أ- قراءة النصّ
نبدأ فنقرأ النصّ ببساطة، وننسى ما نعرفه مسبقاً، ولا نتساءل عن الواقع الذي يختفي وراء الأشخاص. نتوقّف عند ثلاثة أمور. المنطق أو تسلسل النصّ. البنية والتصميم. مرمى النصّ والفكرة الموجّهة.
أولاً: تسلسل النصّ
نكتشف الوحدات الصغيرة التي تشكّل هذا النصّ، كما نكتشف الرباطات التي تجمع الوحدات بعضها إلى بعض.
* آ 1- 4 أ. نجد وحدتين متعارضتين.
- آ 1- 2: وحدة أولى تتركّز على شخص المرأة. تصوّر صورة تتسجّل في إطار سماوي. تبدو وكأنها في بيتها وهي تمتلك كل صفات المجد. ثم يقال لها ماذا تعمل. فنشاطها يتعارض مع ظاهرها المجيد. هي تستعد لأن يكون لها ولد، وهو حدث سعيد في حدّ ذاته. غير أنها تبكي: جُعل الفعل في الحاضر للدلالة على أن الألم يمتدّ طويلاً. هي إمرأة تعيش الآن الآلام.
- آ 3- 4 أ: نجد وحدة جديدة مركزة هذه المرة على "تنين عظيم". عبارة المقدمة هي هي: "وظهرت في السماء آية أخرى". ولكن صورة التنين تتعارض كلياً مع صورة المرأة.
ويصوّر التنين: أحمر كالنار. وأعطيت له صفات المعرفة المتعدّدة الأشكال والقدرة الهمجية والسلطة. كل هذا يؤكد عليه عمله. إنه يتصرّف في السماء كأنه لص ومقلق يهاجم أصدقاء الله. تبدو السماء صغيرة له فيتحرّك ويكنّس (في الحاضر، يجرّ) نجوم السماء ويلقيها على الأرض. 
حتى الآن، لم يحدث شيء بين المرأة والتنين. أخذ كل من الشخصين موضعه في إطار السماء. وسيبدأ العمل. وسيبدأ القتال.
* آ 4 ب- 6: الهجوم الأول للتنين
إتّخذ التنين مبادرة المواجهة، وقف تجاه المرأة والطفل الذي سوف تضعه. إنه يريد أن يبتلع الطفل. اللفظة الأساسية: ولَدَ، ولد، ولادة. حارب التنين ولم يصل إلى نتيجة. فهناك "شخص خفيّ" ينظّم أمور المرأة والطفل.
وضعت المرأة طفلها، وهو ولد معدّ لأن يملك على العالم بعصا من حديد. ثم "اختطف" الولد إلى الله وإلى عرشه، فشارك الله نفسه في سلطانه: هل ستبقى المرأة تحت رحمة التنين؟ كلا. لقد هربت إلى الصحراء حيث هيأ الله لها موضعاً تُعال فيه. إذن، التنين ضعيف أمام الله، وهو لا يستطيع أن يواجهه مباشرة. سخر الله من التنين: لا طفل، لا امرأة. فظلّ التنين وحده في السماء. ماذا سوف يحدث؟
* آ 7- 9: وحدة ثالثة
نجد وحدة جديدة مع لفظة "قاتل، قتال" (3 مرات في آ 7- 8)، ولفظة "سقط" (3 مرات في آ 9). سقط التنين إلى الأرض، وسقطت ملائكته معه.
- آ 7- 8: وتوسّع القتال. وتواجه جيشان: جيش ميخائيل وجيش التنين الذي لم تكن له المبادرة هنا، فأجبر على الدفاع عن نفسه. ميخائيل هو قائم مقام الله (من مثل الله. مي- كا- ايل). قيل عنه وعن جيوشه: وجب عليهم أن يقاتلوا. جاءت الأوامر من الله اللامنظور ومن شريكه، الولد الذي اختطف إلى عرشه. فالله والطفل هزما التنين بواسطة "القائد" ميخائيل. لا مواجهة مباشرة: فالله والولد هما فوق المواجهة. وخسر التنين ولم يعد له مكان في السماء. صارت السماء كلها لحزب الله.
- آ 9: والنتيجة: ألقي التنين إلى الأرض وملائكته معه. ويقول لنا الكاتب من هو هذا التنين: الحية القديمة، إبليس، الشيطان، خادع الدنيا. 
* آ 10- 12: نشيد النصر في السماء
وتبدّلت اللهجة. لم نعد أمام خبر بل أمام نشيد النصر بعد القتال. وحلّل صوت من السماء وضع الأمور بعد الحدث. نجد في آ 10 ب: ألقي (سقط). والتعارض بين "السماء" و"الأرض". والإشارة إلى إبليس. هذا من جهة. ومن جهة ثانية، تبدو الاختلافات بين الألفاظ لافتة. في آ 7- 9، نجد ميخائيل وملائكته الذين قاتلوا التنين. أما هنا فالنصر (= الخلاص) يُنسب إلى الله وإلى مسيحه اللذين يمتلكان القدرة والملك (آ 10). وينسب أيضاً إلى الإخوة (آ 11) الذين غلبوا بواسطة دم الحمل، الذين ضحّوا بكل شيء على حساب حياتهم. لم نعد أمام لغة رمزية، بل لغة مسيحية واضحة: إلهنا، مسيحه، إخوتنا، الحمل، كلمة الشهادة. واجهوا الموت. ونلاحظ تقارباً مع النشيدين في 11: 15 و11: 17- 18. لا تتبدّل إلاّ هوية الذين ينشدون. في ف 11: الكائنات الحية والشيوخ. هنا: الإخوة والمسيحيون المؤمنون. فالضمير "نحن" (إخوتنا نحن) يدلّ على أنهم مسيحيون "سماويون" يتكلمون (رج 7: 9-10). ويسمّى التنين باسم لم يُستعمل بعد: متّهم اخوتنا.
بعد الاحتفال بانتصار المسيح وإخوتنا، كان تقاسم "مناطق النفوذ". فالساكنون في السماء لا يرتبطون إلاّ بالله ويقيمون في فرح لا ينتزعه منهم أحد. أما الأرض والبحر فسوف يتحمّلان غضب الشيطان، ولكن لمدة قصيرة سوف تنتهي قريباً. فبين الغلبة التي حُزناها، ونتائج هذه الغلبة، تبقى مهلة قصيرة، قصيرة في نظر الله الآتي. نحن أمام مهلة إقامة المرأة في البرية: 1260 يوماً (آ 6)، 42 شهراً (11: 2)، ثلاثة أزمنة ونصف زمن (آ 14) أي نصف 7، وهذه يدلّ على حقبة موقتة.
ذُكرت الأرض والبحر، فاستعددنا لولي الخبر الذي يحصل على الأرض (آ 13، 16)، ثم على شاطىء البحر (آ 18).
وفي الختام، يبدو النشيد تفسيراً وجودياً للرؤية، قراءة حاضرة، ترجمة الرموز الغامضة إلى لغة مسيحية. تأويل وتأوين لقتال التنين ضد المرأة والطفل. لقد حوّل النشيد النصّ إلى صلاة لليوم الحاضر.
* آ 13- 14: الهجوم الثاني
ويستعيد الخبر مسيرته، فنجد المرأة (تركناها في آ 6) والتنين (غاب في آ 10- 12). وترتبط هاتان الآيتان مع آ 9 (نستطيع أن نلغي آ 10- 12 دون أن يتبدّل المعنى): "سقط التنين على الأرض، وسقط معه ملائكته". وفي آ 13: "ولما رأى التنين أنه سقط على الأرض".
وهجم التنين. فأفلت الطفل بشكل نهائي. إتخذ التنين المبادرة في آ 4 ب، وهنا أيضاً ولكن ضدّ المرأة. إنطلق في أثرها، ولكنه في الواقع يلاحق طفلاً: "طارد المرأة التي وضعت الولد الذكر". ولكن مبادرة سبقت مبادرته. قبل أن يصل إلى المرأة، أعطى الله ومسيحه للمرأة جناحي نسر عظيم فهربت إلى الصحراء حيث تجد طعامها. نلاحظ التوازي بين آ 6 (هربت) وآ 14 (طارت). كانت آ 6 استباقاً. أما آ 14 فهي في مكانها. وحدث كما بعد آ 6: وجد التنين نفسه وحيداً على المسرح. وكما في المرة الأولى سيندلع قتال بعد المحاولة الفاشلة.
* آ 15- 16: قتال على الأرض
وعاد التنين إلى القتال: على الأرض هو في عقر داره. وقد بُني الخبر بشكل دائري: "قذفت الحية من فمها نهر ماء/لكي يحملها في أمواجه/ ولكن الأرض اسعفت المرأة/ إنفتحت الأرض وابتلعت/ التنين الذي قذفه النهر من فمه).
في آ 4 ب، أراد التنين أن يبتلع الطفل. والآن، هو بنفسه "يبتلع".
قاوم ميخائيل وقوى السماء التنين. وها هي الأرض بدورها تقاومه. فالأرض ليست موضعاً يخصّ التنين. هو عليها لوقت من الزمن (آ 12). موضعه هو الهاوية (20: 2، 3، 10، 14، 15). الأرض هي موضع القتال وموضوع النزاع: لمن ستكون؟ على كل حال، فالله سيملك عليها في يوم من الأيام (21: 10).
* آ 17- 18: الهجوم الثالث.
لم ييأس التنين. أفلت منه الهدف. أفلتت منه المرأة، فيبقى عليه أن يهاجم نسل المرأة، سائر أولادها بعد أن اختُطف الأول إلى السماء. قد يحاول أن يخدع المرأة ير لا تكون أماً. ولكن بما أنها هنا، فغضبه يتضاعف (آ 12 ب). ولكنه يطلب الأولاد.
باقي نسل المرأة هم المسيحيون الذين شاركوا المصلوب، فدفعتهم هذه المشاركة إلى إعلان إيمانهم، إلى عيش شهادة تقودهم إلى الاستشهاد. هم أولئك الذين أنشد النشيد إنتصارهم (آ 11). غير أن التنين، وهو من مقام سماوي، لا يستطيع أن يقاتل بنفسه المسيحيين. لهذا سيجد ممثلين له على الأرض ومن بين البشر. أناس تراهم عيوننا، ولكن قلوبنا تعرف من أين جاؤوا. إذن "وقف على رمل البحر" من حيث يخرج القائد الذي يقوم معه.
ويبقى الخبر معلّقاً. وهو ينتظر ف 13 لكي يكون كاملاً. 
ثانياً: التصميم
بعد هذه القراءة نرسم تصميماً للنصّ ممكناً
آ 1- 4 أ: الأشخاص على المسرح.
- إمرأة مجيدة. هي في المخاض. هي تتألّم.
- تنين قوي. ولكنه يعادي أحبّاء الله. فيلقيه الله على الأرض.
* آ 4 ب- 9: في السماء. هجوم أول للتنين. لم يعد الطفل في متناوله.
- عداء: وقف التنين أمام المرأة ليبتلع إبنها (آ 4 ب).
- عجز: لم يفعل الطفل شيئاً. ولكنه نجا وتسلّم السلطة (آ 5). وهربت المرأة إلى الصحراء إلى مكان هيّأه الله لها لكي يعيدلها 1260 يوماً (آ 6).
- معركة خاسرة: بعد انتصار الطفل (آ 10): قتال في السماء بمبادرة من الله وهزيمة التنين: لا مكان له في السماء، فسقط بدوره على الأرض (آ 7-9).
* آ 10- 12: في السماء. نشيد الظفر. الخلاص (= النصر) لله ولمسيحه لأن متهم اخوتنا قد سقط (رج 4 ب- 9). وانتصر إخوتنا أيضاً حين شاركوا الحمل في موته (إرتباط بما يلي: 13 ي). وهكذا تقسّم الكون: السماء لله. والأرض والبحر للشيطان الغاضب الذي نزل عليهما. 
* آ 13- 16: على الأرض. هجوم ثانٍ للتنين الذي سقط على الأرض. لم تعد المرأة في متناوله.
- عداء: طارد التنين المرأة التي ولدت الطفل (آ 13).
- عجز: لم يصل التنين إلى المرأة التي طارت إلى الصحراء حيث تُعال: زمن، زمنان، نصف زمن، أي ثلاثة أزمنة ونصف زمن (آ 14).
- معركة خاسرة. لم يستطع التنين أن يصل إلى المرأة. فقام بحرب ولكنه فشل. أسعفت الأرض المرأة فلم ينلها أذى (آ 16).
* آ 17- 18: على الأرض. هجوم ثالث للتنين.
- عداء: غضبَ التنين على المرأة، فذهب يقاتل باقي نسلها. وسنعرف فيما بعد كيف وبأية وسيلة قاتلهم.

ثالثاً: الفكرة الموجّهة
وهكذا نرى أن مرمى هذا الفصل ليس مصير المرأة، بل إنتصار الله على التنين الذي ألقي من السماء على الأرض: يُصوّر النصر في آ 4 ب- 9، 13- 16. يحُتفل بالنصر في آ 10- 12.
في الظاهر، كانت المبادرة للتنين، وهو يبدو متفوّقاً. فهو الذي يهاجم دوماً (آ 4 ب، 13، 17). ولكن عمله في الواقع ذاهب إلى التفتت. أفلت منه الطفل، ثم المرأة، وأخيراً نسل المرأة. أخذ مجال عمله يتقلّص: في السماء أولاً. ثم على الأرض فقط ولمدة محدودة.
ب- المواضيع البيبلية
التلميحات البيبلية عديدة في ف 12. فالكتاب يتحدّث في لغة مصطلحة ورموز لاهوتية صاغها العهد القديم. لهذا، لا بدّ من العودة إلى الينبوع البيبلي لكي نفهم معنى النص ولا نطلق لمخيلّتنا العنان.
لم نذكر الاستشهادات في مسيرة ورودها في النصّ، بل جمعنا التلميحات البيبلية حول مواضيع ثلاثة تشكل خلفية ف 12: الخلق والسقطة، حواء والحية. الخروج من مصر والإقامة في البرية. ولادة الشعب الجديد لا التقليد النبوي والجلياني.

أولاً: الخلق والسقطة، حواء والحية
يرى ف 12 في المواجهة بين المرأة والتنين صورة عن المواجهة بين حواء والحية. في آ 9 يُقال لنا أن التنين يتماهى مع "حية البدايات وخادع العالم كله" (رج آ 15: قذفت الحية من فمها). وحرب التنين ضد باقي نسل المرأة (آ 17) يحيلنا إلى تك 3: 15: "أجعل عداوة بينك (أيتها الحية) وبين المرأة، بين نسلك ونسلها".
إن ف 12 هو توسّع مسيحاني على ضوء يسوع المسيح في تك 3: 15. فالمسيح المولود من المرأة ينهي القتال بين الناس والشيطان حين يتغلّب على الشيطان. وحيث خُدعت حواء وصارت إلى العري (تك 3: 10- 11: أنك عريان)، هربت إمرأة رؤ وهي ملتحفة بالمجد، وكانت الغلبة لنسلها. كيف ذلك؟ بممارسة شريعة الله ممارسة صارت ممكنة بواسطة المسيح. يعلّمنا ترجوم (النسخة الأرامية) تك 3: 15 كيف كان المؤمنون يفهمون هذا النصّ في ذلك الوقت. "حين يحفظ أبناء المرأة فرائض الشريعة، يصيبونك ويضربونك على الرأس. ولكن حين يتخلّون عن فرائض الشريعة تصيبينهم وتعضّينهم في العقب. غير أنه سيكون لهم دواء، وأنتِ لن يكون لك دواء: فهم معدّون للسلام في النهاية، في أيام الملك المسيح".
كل شيء يدور حول قبول أو رفض الشريعة التي تعتبر طعام الشعب الأسمى، على ما في تث 8: 3: "لا يحيا الإنسان بالخبز فقط، بل بكل كلمة تخرج من فم الله".
غير أن حواء أرادت أن تتغذّى من ثمرة شجرة المعرفة. اعتبرت أنها "إلهاً" يعرف ويقرّر ما هو خير وما هو شّر. أكلت من ثمار الكذاب وأبي الكذب. فخسرت لباس المجد. أما في أيام المسيح المنتصر، فقد قبلت المرأة أن يعولها الله (في ممارسة الشريعة، طعامي أن أعمل مشيئة من أرسلني، يو 4: 34) بعيداً عن الحية (رؤ 12: 6- 14). وفي آ 17 سوف نرى نسلها يعملون بوصايا الله ويحفظون شهادة يسوع، أي: يكونون شهوداً (وشهداء) مثله. كانوا أمناء للشريعة واقتدوا بيسوع، فدلّ موقفهم مسبقاً على نتائج القتال: سوف ينتصرون.
وهكذا يصطلح في أيام الولد- المسيح ما تفكّك في زمن البدايات. ولكن يبقى أن تك 3: 15 لا يفسّر مجمل ف 12: إنه الموضوع المركزي الذي حوله تُبنى الصور.
ثانياً: الخروج والإقامة في البرية
في سُطر الشرق القديم، يكون التنين الوحش الرئيسي الذي يحارب إلهاً ينظّم الكون ويرتّبه. إنه جملة كل العداوات ضد الله. هكذا كان لويتان أو الحية الملتوية، وبهيموت أو البهيمة بكل وحشيّتها.
ولكن هذه السطرة قد صارت في العهد القديم "مدلولاً تاريخياً". فصورة التنين تعود بنا إلى سفر الخروج. فمصر وفرعون هما تجسيد نموذجي للتنين. نقرأ في مز 74: 13: "شققت (سيطرت على) البحر بقدرتك، وكسرّت (وحطمت) رؤوس التنانين على المياه". وفي حز 29: 3 نقرأ كلام الرب: "أنا خصمك يا فرعون ملك مصر، يا تنيناً عظيماً رابضاً وسط النيل" (رج 32: 2: تشبه، يا فرعون، أسدَ الأمم، والتنين في المياه). يستلهم حزقيال صورة التمساح الذي عُرف في مصر القديمة (رج أي 7: 12: أبحر أنا أو تنين، يقول أيوب). ويرى إر 51: 34 صورة عن التنين في شخص نبوكدنصّر: "أكلني نبوكدنصر، أفناني وجعلني إناء فارغاً، إبتلعني كالتنين". والتنين سيكون آخر عدوّ يقتله الله في الأزمنة الأخيرة (أش 27: 1).
المرأة هي صورة تقليدية عن شعب الله. هربت إلى الصحراء حيث تُعال بطريقة عجائبية (آ 6، 14). هذا يذكّرنا بخروج العبرانيين بعد تهديد فرعون، ومعجزتَيْ المنّ والسلوى (خر 16، عد: 11). في آ 14، "أعطيت المرأة جناحَي نسر عظيم"، على مثال ما أعطي لشعب الله في الخروج (19: 4: حملتكم على أجنحة النسور وجئت بكم إليّ) والتثنية (32: 11: كالنسر الذي يغار على عشه) لينجو من الخطر.
والنهر الذي قذفته الحية لكي يبتلع المرأة (الماء علامة الشّر) يذكرنا بملاحقة الجيوش المصرية للعبرانيين كما في خر 14: 8- 9 (تبع بني إسرائيل) أو 15: 9 مع عقاب المطاردين في خر 15: 12: "مددت يمينك فابتلعتهم الأرض" (كما ابتلعت النهر)؛ رج عد 16: 30- 32؛ 26: 10؛ مز 106: 17. وسوف نقرأ في رؤ 15: 1- 2 نشيد الغالبين أمام بحر البلّور. فنتذكّر نشيد العبرانيين بعد عبور البحر الأحمر (خر 15). 
كل هذه العناصر (أي المرأة والتنين والنشيد) تسمّى آية (12: 1؛ 12: 3؛ 15: 1). فهي كآيات ومعجزات سفر الخروج، براهين تدلّ على عطيّة الخلاص التي يمنحها الله. وهكذا نفهم أن الله سيكون إلى الأبد مخلّص الكنيسة كما كان مخلّص العبرانيين في مصر. وسيصنع الشيطان نفسه "آيات" (سامايون) ليدلّ على "حقيقة" قدرته (11: 13- 14؛ 19: 20). لقد كان سفر الخروج النموذج الأول للخلاص وانتصار الله. وخلاص نهاية الأزمنة سيقود النموذج إلى كماله. فيقول نشيد 10: 11: "هذا هو زمن الخلاص وهو يتم الآن"، وظهر العهد في ملء ظهوره (11: 19).
ثالثاً: ولادة المسيح والعالم الجديد
إن الانتظار المسيحاني يرى الأزمنة الأخيرة كأنها صراع بين الله والأمم حيث يُجلس الله ابنَه على عرش ويخضع له كل شيء. ونحن نشهد السيناريو النموذجي لهذا الصراع في مز 2 الذي نجد عدداً من عباراته في هذه الفصول. آ 2: الرب ومسيحه. رج رؤ 11: 15 (ملك العالم لربنا ولمسيحه). آ 1- 5: غضب الشعوب وغضب الله. رج رؤ 11: 18 (غضبت الأمم، فجاءت ساعة غضبك). آ 8- 9: يقود الأمم بعصا من حديد. رج رؤ 12: 5 (يحطم الأمم كلّها بعصا من حديد)؛ رج 2: 27 (يرعاهم بعصا من حديد، لأنهم رفضوا نداءه).
ويُقابل كلّ هذا، القتال والمحن التي ترافقه بولادة في الألم. فشعب الأزمنة الأخيرة يشبه امرأة (= صهيون) تلد في الألم الملك (= المسيح) أو الشعب الجديد. هنا نقرأ أش 66: 7- 8 الذي استلهمه رؤ 12: 3، 5: "قبل أن تتمخّض ولدتْ، وقبل أن يأخذها الطلق ولدت ذكراً. من سمع بمثل هذا الأمر؟ من رأى شبيهاً له؟ أتولد أرض في يوم واحد، أم تخرج أمّة في لحظة، حتى تلد صهيون بنيها وتخرجهم قبل مخاضها"؟ أجل، صهيون (أو أورشليم)، صارت أم عائلة كثيرة العدد بعد أن عاد إليها ساكنوها. ونقرأ أيضاً في مي 4: 10: "تلوّي يا بنت (مدينة) صهيون (أورشليم) وتوجّعي كالتي تلد... لتذهبيْ إلى بابل من بعد. هناك ينقذك الرب".
يصوّر مجدُ صهيون المتجدّد بألفاظ كونية كما في 12: 1 (السماء، الشمس، القمر). فنقرأ في أش 60: 1- 3: "قومي استنيري فنورك جاء، ومجد الرب أشرق عليك. ها هو الظلام يغطّي الأرض، والسواد الكثيف يشمل الأمم، أما عليك فيشرق الرب وفوقك يتراءى مجده. فتسير الأمم في نورك والملوك في ضياء إشراقك". وفي نش 6: 10: "من هذه المشرقة كالصبح، الجميلة كالقمر، البهية كالشمس"؟ وفي وصية نفتالي (5: 3- 4، كتاب منحول): "أمسك لاوي بالشمس ويهوذا بالقمر... كان لاوي كالشمس وبدا يهوذا مشعاً كالقمر وتحت قدميه اثنا عشر شعاعاً (رج تك 37: 19 حيث الأسباط الاثنا عشر هي 12 كوكباً).
جاء التيار الجلياني فقرأ هذه الصور بشكل جذري. مثلاً، رؤية الأزمنة الأخيرة في رؤيا أشعيا. ففي أش 24- 27 نجد أحدث أقسام الكتاب. أولاً: الآلام، نقرأ في أش 26: 17- 18: "كنا أمامك يا رب كامرأة قاربت الولادة، تتوجّع وتصرخ في مخاضها. لكننا حبلنا بوجعنا وولدنا ريحاً، فلا جعلنا في الأرض خلاصاً ولا ازداد سكان العالم". ثم يأتي التدخّل الإلهي، فيطعن التنين ويعيد الموتى بالقيامة: أش 26: 19- 27: 1: "تحيا موتاك وتقوم أشلاؤهم... في ذلك اليوم يعاقب الرب بسيفه القاسي العظيم الشديد لويثان الحية المدهشة، لويثان الحية الملتوية، ويقتل التنين الذي في البحر" (رج أش 51: 9).
وقدّمت رؤية دا 7- 12 أيضاً صوراً عن هذه المواجهة الأخيرة. في 7: 8، 24: الوحش الرهيب بقرونه العشرة (رج رؤ 12: 3). في 8: 10: القرن الذي نما فوصل إلى جند السماء (الكواكب) وأسقط على الأرض قسماً من هؤلاء الجند كما أسقط النجوم ورؤوسها (رؤ 12: 4). في 10: 13- 21؛ 12: 1 نرى ميخائيل الملاك المحامي ورئيس جند السماء.
هذه عيّنات من الصور التي استعملها الكاتب ساعة بدأ يعرض آيات الخلاص الكبرى التي صنعها الله، فكانت الأساس الذي إليه تستند غلبة الشاهدين.
ج- تعليم رؤ 12
رغم الظواهر المعاكسة، ملكوت الله هو فاعل الآن حقاً، فلا نضلّ حين نرى الاضطهادات. وسيعرض الكاتب بوضوح محرّكات التاريخ الخفيّة، ويبرز القوى التي تعمل "في السماء" ومن وراء ما نرى على الأرض.
أولاً: النشيد (آ 10- 12)
نبدأ بالنشيد لأنه الأوضح. هناك صوت النبيّ المسيحي الذي يفسّر الأمور لإخوته. الخلاص أي إن نصر الله النهائي هو هنا. لقد غلب وانتهى الأمر بالنسبة إليه. والسلطان الحقيقي، في هذا العالم، لا يمارسه الشيطان وأعوانه (كما يظنّ البعض)، بل المسيح باسم الله. منذ البداية، دفعت الحية القديمة الإنسان لكي يعارض الله. أغوت العالم كله وأضلّته. وكانت تقف أمام الله كالمتهمة (الشيطان هو الذي يفتري)، فتذكره بخطايا البشر (زك 3: 1- 2)، وتبرز هذه الخطايا من أجل هلاكهم حسداً (أي 1: 9- 11؛ 2: 4- 5). وحين تلتصق الخطيئة بالانسان، تجعله غريباً عن العهد وبعيداً عن الله. جرّ التنين بذنبه ثلث نجوم السماء ورماها على الأرض (رج دا 8: 10؛ روم 3: 9: الجميع هم تحت الخطيئة؛ أف 2: 1 - 3: كنتم أمواتاً بزلاتكم وخطاياكم... كنا بالطبيعة أولاد الغضب). 
ولكن منذ أحبنا المسيح ونجّانا بدمه من خطايانا (1: 5)، ما عاد إتهام يؤذي ذاك الذي يؤمن بهذا الحبّ. قال بولس في روم 8: 1: "ما من هلاك الآن للذين في المسيح يسوع". فيسوع الذي أحبنا قد "أفلت" بقيامته من قبضة الشيطان وحاز على الغلبة (5: 5). ألقي الشيطان من السماء على الأرض. هذا ما قاله يسوع نفسه: "كنت أرى الشيطان يسقط من السماء كالبرق" (لو 10: 18). ونقرأ في يو 12: 31- 32: "الآن (في الفصح) دينونة هذا العالم. الآن يُلقى رئيس هذا العالم خارجاً. وأنا متى ارتفعت عن الأرض، جذبت إليّ جميع البشر".
ليست السماء مكاناً ولا الأرض. هما مستويان في الواقع الذي نعيشه. السماء هي مستوى الواقع الروحي. هو مهم وحاسم وثابت وهو يتسجّل في الأبدية. لا نرى السماء بعين الجسد، بل بعين الإيمان فقط. والناس المجذّرون في الله وفي مسيحه بمشاركة يسوع في حياته وشهادته يُعتبرون سماويين، يُعتبرون مقيمين منذ الآن في السماء. أما الأرض فهي مستوى الظواهر، مستوى الواقع الذي نراه. هو لا يؤثِّر على المصير العميق للكائنات، وهو لا يدوم. إن "سكان الأرض" هم أناس يرفضون أن يسمعوا لله، فخضعوا للشيطان عن وعي أو بلا وعي.
إذن، في الماضي كان الشيطان في دائرة السماء، وكان له سلطان على مصير البشير الأبدي، فيستطيع أن يميتهم بالموت الأبدي. ولكن ها قد وُضع حدّ لنشاطه، وزال التهديد الذي كان ثقيلاً على الإنسان منذ البدايات. منذ الفصح والقيامة، لم يعد الشيطان كما كان، لم تعد له علاقة بالسماء، ولم تعد له أهميته في مخطّط الله. صار عمله على مستوى الأشياء المائتة والعابرة. ولا يستطيع أن يفرض نفسه على البشر بشكل حاسم ونهائي. فالله ومسيحه هما القوة السميا في التاريخ.
كل الذين يتحدون بموت المسيح الغالب، يشاركون في الإنتصار على الشيطان وتجريده من سلاحه، ويخاطرون في إعلان كلمة يسوع مستعدّين لأن يفضّلوا المسيح على حياتهم. هذا ما فعل الشاهدان في ف 11. ونقرأ في مر 8: 35: "لأن الذي يريد أن يخلّص حياته يخسرها. ولكن الذي يخسر حياته في سبيلي وسبيل البشارة يخلّصها. وفي يو 12: 25: "من أحبّ نفسه خسرها. ومن أبغض نفسه في هذا العالم حفظها للحياة الأبدية". 
ونستنتج الآن أموراً عملية مع آ 12: الذين مديِنتهم هي في السماء (فل 3: 20)، الذين حياتهم مخفيّة مع المسيح في الله (كو 3: 3- 4)، الذين مسكنهم في السماء، يستسلمون بدون تحفّط إلى الفرح، فرح القائمين من الموت، فرح الإنجيل.
ولكن الويل للأرض وللبحر. الويل لنا بقدر ما زلنا "مغطّسين" (غارقين) في هذا العالم الحاضر. فالأرض هي بالنسبة إلى المسيحيين زمن القتال والأمانة الخطرة حيث يفلت العدو فيبدو أنه يتفوّق عدة وعدداً. ولكن الله يمنعه. وما يُثلج الصدر هو أن هذا الزمن القاسي يدوم مدة قصيرة من الزمن بالنسبة إلى مخطط الله: 1260 يومأ. زمن وزمنان ونصف زمن.
ثانياً: الخبر (آ 1- 9، 13- 18)
على ضوء هذا النشيد (آ 10- 12) نستطيع أن نقرأ الخبر في آ 1-9، 13-18..
المرأة هي الكنيسة التي تتجذّر في تاريخ إسرائيل. الكنيسة في بعدها السماوي تلتحف بالمجد. وتلبس الإكليل علامة الغلبة. وفي بعدها الحالي والأرضي، ما تزال غارقة في الآلام.
الشعب المسيحي يلد المسيح. هناك يولد في بيت لحم من مريم العذراء. ننطلق من الصورة الواقعية مع مريم فنصل إلى الصورة الروحية أي أورشليم السماوية وشعب الله الجديد. وهكذا نكون في النهاية أمام ولادة المسيح الكامل، ولادة البشرية الجديدة، ولادة الرؤوس والأعضاء عبر سّر العبور العمادي في الموت والقيامة. إن الولادة التي نتحدّث عنها هنا هي ولادة القيامة. كما نقرأ في أع 13: 33: "الله أقام يسوع كما كتب في مز 2: أنت ابني، أنا اليوم ولدتك". إذن، الآلام هي عذاب المسيح وصلبه حيث يشاركه أخصاؤه. ونص يو 16: 21 يلقي ضوءاً على النص الذي ندرس: "فالمرأة تحزن وهي تلد، لأن ساعتها جاءت. فإذا ولدت تنسى أوجاعها لفرحها بولادة إنسان في العالم". إن عذاب يوم الجمعة سينصبّ على الجماعة، مثل أوجاع الولادة. ولكن القيامة ستغمرها بالفرح مثل أم تفرح بولادة إبنها. إذن، تُعتبر الجماعة كأنها أم الإنسان الجديد، أم المسيح القائم من الموت، ونحن نستطيع أن نطبّق هذا النصّ على مريم بقدر ما مثّلت مريم الكنيسة عند الصليب. نقدر أن نفكّر في مريم في مذود بيت لحم. وبالأحرى على الصليب حيث ولدت الكنيسة من جنب المصلوب، ولدت من الماء والدم، من المعمودية والافخارستيا. وكانت مريم هناك، حواء الجديدة وأم أبناء عديدين. ونتذكّر أيضاً ما يقوله بولس الرسول في غل 4: 19: "يا أولادي الذين اتمخّض فيكم من جديد إلى أن يتكوّن المسيح فيكم . وفي 1 كور 4: 15: "لو كان لكم عشرة آلاف مرشد، فما لكم آباء كثيرون. لأني أنا الذي ولدتكم بالبشارة التي حملتها إليكم".
أراد التنين أن يزيل الإنسان الجديد، أن يبقي المسيح في الموت، أن يستبعده إلى الأبد، أن يمنعه من القيامة، ولكن عبثاً! التنين هو مجموعة القوى المعادية التي تهاجم عمل الله. وتكدّس آ 9 الأسماء التي يحملها هذا التنين في الكتاب المقدّس: الحية القديمة، إبليس والشيطان، مضلّ المسكونة. ونجد الأسلوب عينه في 11: 8 عن المدينة: سدوم (مركز الزنى) ومصر (مركز العبادات الوثنية)، حيث صلب ربهما (أورشليم القاتلة). إبليس هو قويّ في الظاهر. رهيب جداً. ومشاريعه عديدة: يضطهد المرأة (آ 13). يقاتل نسلها (آ 17). هو يهاجم دوماً عمل الله، فلا يكلّ ولا يهدأ. ومع ذلك فأعماله هي ريح وهواء.
ظنّ أنه ابتلع المسيح (في الموت). ولكن المسيح قام وجلس عن يمين الله. ثم إن الشيطان لا يتجاسر أن يقاتل الله بشكل مباشر. وبواسطة ميخائيل يستغلّ الله إنتصار المسيح. فالله والشيطان ليسا على مستوى واحد. لا قيمة له. وهو لن يجد موضعاً في السماء له ولجماعته. وما يقوم به إبليس وحزبه، لا يؤثّر على مشروع الله الخلاصي. فقد ألقي على الأرض وقُهر إلى الأبد.
أفلت منه "الولد" على الأرض، فلاحق الكنيسة. إن الكنيسة تعيش في غياب ربهّا الذي ارتفع إلى الله. ولكنها في يد الله. يحملها جناحا النسر العظيم إلى هذه البرية التي تتجوّل فيها بين مصر وأرض الميعاد، بين الخطيئة والقداسة، بين الأرض والسماء. فهذه الصحراء هي منطقة خاصة على الأرض يصل إليها من السماء كلُّ طعام، يصل "المن"، تصل الكلمة والافخارستيا. هذه الصحراء هي الموضع الذي فيه هيّأ الله للكنيسة بعض السماء على الأرض، هي الموضع الذي تجد فيه الكنيسة الحماية المطلقة. والمحن التي تمثلها مياه النهر لا تدركها حقاً. "فأبواب الجحيم لا تقوى عليها" (مت 18:16).
ما استطاع التنين أن يصيب الكنيسة فذهب يقاتل باقي أبنائها، يقاتل شعب الله هذا الذي هو نحن. ولكن الذين يحفظون الوصايا والذين لهم شهادة يسوع، لا يخافون شيئاً. لقد سبق لهم فانتصروا كما قيل في آ 11: "غلبوا بدم الحمل وبكلمة شهادتهم".
من عمر قلبُه بإيمان جعله يتجاوز ظاهر الأشياء ويقرأ آيات الله، يعرف اننا نقاتل شخصاً مغلوباً على أمره (هو إبليس). وان وراء عذابات الولادة، تدلّ القيامة مسبقاً أن ملكوت الله هو هنا. فلا نحتاج إلاّ إلى وقت قصير لتنتهي المعركة، وتعلن الدينونة، فلا يبقى إلاّ الله في أورشليم التي صارت كلها سماوية.

4- نظرة تفصيلية
ترتبط في ف 12 مسائل تأويلية ومسائل تاريخية. لهذا نجد في هذا الفصل المفتاح الذي يساعد على تفسير الكتاب كله. فالتدوين الحالي قد احتفظ بعناصر توراتية ولا بيبلية تعود إلى زمن متأخر، وقد تضمّنت تقاليد ميتولوجية آتية من بابل وإيران وعالم اليونان. ونحن ندخل بشكل أفضل في الخلفية اليهودية، هذا العالم الصوري والرموزي لسفر الرؤيا حين نلجأ إلى الآداب المنحولة سواء ارتبطت بالكتاب المقدس أم لا. ونكتفي بمثل شبيه بما في آ 1- 6: ففي أناشيد الشكر في قمران، نجد نصاً له علاقة وثيقة برؤية يوحنا، رؤية الآية الأولى التي فيها ستضع المرأة ولداً. يعود هذا النص إلى المغارة الأولى (3: 7- 12) فيقول: "أُشبه في الألم امرأة تضع ولداً فتصبح للمرة الأولى أماً. عذاباتها كثيرة وألم صدرها لا يُحتمل بانتظار ولادة بكرها. إن مجيء الأولاد إلى العالم يتم في عذابات قاسية. فالتي حملت في حشاها "البطل" ستلد ابناً وسط ضيق قاتل. فوسط الآلام والمخاطرة بالحياة، ولدت الحبلى بكراً. والعجيب (الله) دعا مجلسه بقوة ساعة خرج البطل من حشا أمه".
نحن هنا أقلّه أمام تقليد مشترك بين رؤ وكتابات قمران. وقد نكون أمام تقليد يهودي طبع بطابع مسيحي ساعة أقحم الكاتب نشيداً مسيحياً أو زاد في آ 17: "الذين لهم شهادة يسوع".
في آ 1، نرى الشمس... الشمس هي لباس منير يدلّ على نداء الله وبركته. والكواكب الاثنا عشر تدلّ على الأسباط الاثني عشر التي رأى فيها التقليد المسيحي الجماعة الكنسية وإسرائيل الجديد والحقيقي. أما القمر الذي عبده السومريون (الإله سين، من هنا سيناء، صحراء الإله سين) فقد ارتبط بحرب الشياطين مع القمر بسبب الزيادة والنقص فيه. وقد تكون ارتبطت الصور عن "المرأة" بعالم بابل وإيران، أو بعالم العهد القديم (تك 37: 9؛ أش 1: 8؛ 26: 17؛ 50: 1؛ إر 4: 31؛ مز 104: 2). 
التنين في رؤ هو صورة عن الشيطان (آ 3، 4، 7، 9، 13، 16؛ 13: 2، 4؛ 20: 2). هو حية كبيرة وهائلة. تنين أحمر بلون الدم بسبب قوى الدمار والعداوة والسلطة الشيطانية. هو أحمر لأنه قتل واضطهد. إن صورة التنين تعود إلى كليشاهات تقليدية. تعود مراراً في رؤ. في 12: 3: سبعة رؤوس وعشرة قرون (وسبعة تيجان). في 13: 1: سبعة رؤوس وعشرة قرون. في 17: 3: سبعة رؤوس وعشرة قرون. نجد صورة الحية بسبعة رؤوس في نصوص أوغاريت (راس شمرا) الميتولوجية وفي عالم فينيقيا القديم. إن استعمال هذه الصورة المرعبة التي تتحدّى الخيال، يتوخّى إظهار الهمجية والتفوّق لدى التنين الذي جرّ بذنبه ثلث كواكب السماء (آ 4). بل هو يستعد لكي يختطف الطفل ويبتلعه. قد تكون هناك علاقة بين "ثلث كواكب السماء" وسقوط الملائكة، لأن 9: 1 يتحدّث عن سقوط نجم من السماء.
"ولدت ابناً" (آ 5). هناك جمع بين الولادة والاختطاف (رفع المسيح). كانت جماعات آسية الصغرى (أي تركيا) تحتفل في ليل 14- 15 نيسان بالحبل بالمسيح وارتفاعه بالموت على الصليب.
"وكان قتال في السماء" (آ 7). يبدو ميخائيل في النظرة اليهودية، في قمة تراتبية الملائكة (ملاك يهوه أو الرب). والسبب الذي أطلق القتال في السماء هو العمل الخلاصي الذي أتمّه ابن الله المتجسّد. وإذا تذكّرنا أن ميخائيل هو الملاك المحامي لإسرائيل (دا 1. : 21)، نفهم أن هذا القتال يعلن هجوماً سيتلقّاه شعب الله الجديد حين يعلن حقيقة الله الواحد وسط عالم مأخوذ بعبادة الأوثان.
"أعطيت المرأة جناحي النسر" (آ 14). وفي آ 6 قيل: "هربت المرأة إلى الصحراء". فالصحراء ليست فقط الملجأ وموضع الخلاص، بل هي قبل كل شيء موضع الحياة الحميمة مع الله. والإقامة في الصحراء هي الزمن الذي فيه تُعرف وصايا الله وتُعاش. هي زمن الصمت الداخلي، زمن الصلاة والبحث عن الكمال.

خاتمة
- تساءل التأويل المسيحي عن بُعد تعليم ف 12. قد يكون على مستوى مريم العذراء، أو الكنيسة أو يسوع المسيح. فالأول يرى في الآية الكبرى مريم أم يسوع. هذا التفسير الذي جهلته الأجيال الأربعة الأولى قد انتشر فيما بعد بفضل الليتورجيا والفن المسيحي. والثاني يتطرّق إلى تاريخ الكنيسة واضطهاداتها. تبعه عدد كبير من الشرّاح. والثالث يرتكز على لاهوت الصعود والارتفاع: فالرب (كيريوس) المجيد يستعيد مرة أخرى في كنيسته التاريخية، الطريق التي سار فيها يسوع الفقير والمضطهد والمصلوب، لأن مملكة الله لا تدرك غايتها إلاّ خلال المعركة الأخيرة.
- المرأة التي ولدت الطفل هي الشعب الذي يشعّ في مجد النعمة الإلهية (الشمس) والعهد (إثنا عشر). وينظر الكاتب في الوقت عينه إلى شعب العهد القديم وشعب العهد الجديد. هذه المرأة التي هي أم المسيح هي في الوقت عينه أم الأحياء ولها بنون آخرون (آ 17) ظلّوا أمناء لشهادة يسوع المسيح. شعب الله في العهد الجديد هو شجرة تجذّرت في العهد القديم قبل أن تتخذ وجهها الجديد، وجه يسوع المسيح.
- إن القتال مع الشيطان لا ينفصل عن حياة يسوع التاريخية، ولا عن حياة المسيح في كنيسته. فقد كتب لو بعد تجربة يسوع أن "الشيطان ابتعد عنه إلى الوقت المحدّد" (لو 4: 13). فالمسيح يدفع كنيسته في درب الألم والاضطهاد، ولا يعفيها مما تألّم منه. إن الضيق يدلّ على صدق الكنيسة والمسيحي.

 

 

الفصل الرابع والعشرون
وحش البحر ووحش الأرض
1:13-18

في قلب رؤ، وساعة نُفخ في البوق السابع وتمّ سرَّ الله (10: 7)، وساعة أنار قربُ الله العالم وحرّكه بشكل تدريجي، وساعة بدا ملكه حاضراً هنا لأن الشهود فضّلوا الله على حياتهم. في تلك الساعة كشف الكاتب عن سرّ التاريخ والوضع المعاصر وطابعه الدراماتيكي. فجعلنا نشاهد آيتين متعارضتين: آية المرأة وطفلها (12: 1)، آية التنين (12: 3). كيف بدا الوضع وكيف انتهى؟
قدّم لنا ف 12 السوابق الخفيّة للوضع المعاصر. هي رؤية إيمان. فُتح هيكل الله في السماء وظهر تابوتُ العهد ليدلّ على أن العهد تحقّق كاملاً (11: 19). لم يعد من مكان للتنين العظيم، للشيطان، لمتّهم المؤمنين. إستُبعد بكل بساطة، فلم يعد يستطيع شيئاً ضدّ المسيح والكنيسة، ولا ضدّ إرادة الله التي بانت واضحة وجليّة. ولكن بقي له سلطان موقت على الأرض، وهو سيقاتل بضراوة لأنه يعرف أنه صار ضعيفاً، أن لا مستقبل له، وأن آخرته الزوال. هذه هي الوجهة الخفيّة للواقع الحالي، وهذا ما يشجّع المؤمنين في الأيام الصعبة التي يعيشونها. 
ويقدّم لنا ف 13 الوجه المنظور والمختبَر لهذا الواقع الحالي، لما نعيشه اليوم. هناك دعاية كاذبة ومحتالة. ونحن مدعوون إلى أن نرى وراء ما يسمّى تسلسل الأحداث، قوّة خفيّة تعمل من خلال هذه الأحداث بشكل متماسك. وهذه القوة هي وحش البحر أي السلطة السياسية، ووحش الأرض أي السلطة الإيديولوجية.

1- الوحش الأول (13: 1- 10)
حين نقرأ النصّ قراءة أولى، نكتشف بعض الكلمات "المفاتيح": "سلطان (آ 2، 4، 5، 7). "قتال" و"غلبة" (آ 4- 7). "أعطي له" (مرتين في آ 5 ومرتين في آ 7). "تجديف" (آ 1، 5، 6 مرتين). "سجود" (مرتين في آ 4، 8). وتوزّعُ هذه الكلمات في النصّ، يساعدنا على إدراك بنيته.
- آ 1. تضع أمامنا الوحش وهو صاعد من البحر. ندرك قوته: عشرة قرون، سبعة رؤوس، عشرة تيجان. نحن أمام تشديد على سلطانه. ونجد على رؤوسه أسماء تجديف لأنه يقاوم الله ويعارضه.
- آ 2- 4. سلطان الوحش وأصل هذا السلطان.
- آ 5-8. تجديف على الله ومحاولة الحرب. إنتصارات الوحش بالقول والعمل. هناك تقاليد سابقة للمسيحية ورموز الأعداد والتلميحات إلى أحداث القرن الأول المسيحي. كلها تعارض السرّ المركزي في المسيحية، سرّ صلب الرب وقيامته. فالوحش الذي يطلع من البحر ويحمل على رأسه أسماء التجديف (آ 1)، يقابل ذاك (الحمل) الذي يأتي من السماء والذي إسمه "كلمة الله" (19: 13). فالأنتيكرست (المناوىء للمسيح) يبدو كأنه "مسيح عاد إلى الحياة". فسرُّ وحش البحر يستلهم سرّ المسيح الذي صُلب وقام. إنّ الشرّ (والشرّير) يتقنّع بقناع المسيح.
أ- تصوير الوحش (13: 1)
"رأيت وحشاً طالعاً من البحر" (آ 1). إن الأحياء الأربعة في رؤية دا 7 ترمز إلى الممالك المعادية لله، وقد خرجت هي أيضاً من البحر. فالبحر هو الخواء الأولاني الذي ينتصر عليه الخالق. هو الموضع الخفيّ الذي إليه تلجأ القوى المعادية لله وفيه تتقوّى. هو الهاوية المظلمة والرمز إلى عالم الشرّ والموت (11: 7؛ 17: 8).
البحر هنا هو بشكل ملموس البحر المتوسّط. فالعالم اليهودي ماهى بين الحيوان الرابع عند دانيال والإمبراطورية الرومانية. والنسر الذي يتحدّث عنه 4 عزرا 11- 12 والذي يرمز إلى رومة، يخرج هو أيضاً من البحر. إذن، هناك علاقات بين الوحش والإمبراطورية. وبالتالي مع الشرّ، مع التنين الذي ينتظر طلوع الوحش من البحر.
"له سبعة رؤوس وعشرة قرون". هذا هو عدد القرون والرؤوس لدى الحيوانات الأربعة في دا 7. وهو عدد قرون ورؤوس التنين (12: 3). فالوحش قريب من التنين الذي هو قائده وملهمه. على قرونه عشرة تيجان. إذن، له ثلاثة تيجان أكثر من التنين: ما يميّزه هو السلطان الذي يمارسه.
من هو هذا الوحش؟ بالنسبة إلى البعض هو الإمبراطورية الرومانية. وإلى البعض الآخر هو الأنتيكرست. أو بالأحرى: الإثنان معاً. فالإمبراطورية الرومانية تجسّد المناوىء للمسيح. فمنذ العهد القديم، إعتُبر الأعداء التاريخيون لشعب الله صورة مسبقة (ونموذجاً) تدلّ على العدوّ النهائي الذي يجسّد قمّة العداوة والتجديف على الله، تدلّ على عدوّ الله. وقد تجسّد العدو على التوالي في ملك صور، في نبوكدنصر، في أنطيوخس أبيفانيوس، في نيرون. ووراء هؤلاء نجد محرّكاً واحداً هو إبليس. وفي المسيحية، إتخذ هذا المناوىء لله شكل المناوىء للمسيح (أنتيكرست)، الذي يعارض بشكل منهجي شخص يسوع وتعاليمه وأعماله. كانت رومة العدوّ الأكبر للإيمان المسيحي، فسُمّيت أنتيكرست. وهكذا يُسمّى كل واحد يضطهد الكنيسة على مدّ العصور.
"وعلى رؤوسه أسماء تجديف". في دا 7: 8، 11، 25؛ 11: 36، يبدو شخص يختفي وراء أنطيوخس أبيفانيوس فيتلفّظ بكلام الكبرياء. إنه يعتبر نفسه إلهاً. رج 2 تس 2: 4 (يجلس في هيكل الله). في الواقع، حمل الأباطرة الرومان أسماء يستطيع الله وحده أن يحملها: الله، الإلهي، المعبود (سبستوس في اليونانية، أوغسطس في اللاتينية)، ابن الله. فكل صاحب سلطان مجرّب في أن يعتبر نفسه الله.
إنطلق رؤ من دا 7: 1-28، ولكنه وجد في العالم الذي يعيش فيه واقعاً تلمّحُ إليه صور مأخوذة من العهد القديم. مثلا، كتب الشاعر فرجيليوس عن الإمبراطور الروماني أوغسطس: "هذا هو الرجل. هذا هو قيصر أوغسطس (المعبود) الذي وُعد به آباؤنا منذ زمان قديم. هو ابن الإله، وحامل هذا العصر الذهبي، ومؤسّس إمبراطورية حكمها في الماضي ساترنوس (إله رومة وابن جوبيتير)، وهي إمبراطورية تصل إلى حدود الشمس". أما نقولاوس الدمشقي فقد عبد الإمبراطور بهذه الكلمات: "منح الناس هذا الرجل لقب "أوغسطس" (أي: المعبود)، وكرّموه فكرّسوا له الهياكل وقدّموا له الذبائح في المدن والبلدان، عرفاناًَ لعمله العظيم وللخيرات التي أنعم بها عليهم". وإنّ مجلس مقاطعة آسية حيث كانت الكنائس التي تسلّمت الرسائل السبع، قد أعلن بمناسبة عيد الإمبراطور أوغسطس ما يلي: "إن العناية التي تدبّر كل شيء في حياتنا قد زيّنت، في رحمتها وكرمها، وجودنا بأجمل هدية حين قدّمت لنا أوغسطس، وأرسلته لنا كمخلّص، ووضعت حدًّا للحرب، فتجاوب مع آمال وتمنيات الأزمنة الماضية. فهو لم يغطِّ فقط على المحسنين الذين سبقوه، بل أخذ من لاحقيه كل أمل بأن يتجاوزوه. وبالنسبة للكون، دشّن يوم مولد الإله أوغسطس سلسلة الإحتفالات التي تُقام إكراماً له". 
ب- تنصيب الوحش (13: 2- 4)
إن آ 2 تصوّر لاجئة إلى التشابيه وقفة الوحش ورجله وفمه، كما سبق للنصّ وصوّر ابن الإنسان في 1: 13-17. لهذا، سيكون الوحش في سمات عديدة تقليداً للمسيح "وسعدنة" له. إنه المناوىء للمسيح بكل معنى الكلمة. إنه مزيج من النمر والدبّ والأسد. لقد أخذت سماته من الوحوش الثلاثة الأولى في دا 7. فالوحش المذكور هنا يلخّص هذه الوحوش الثلاثة ويجمعها. وهو ينال سلطانه من التنين نفسه، كما نال المسيح من الله عرشه وسلطانه (2: 28، 3: 21). وفي هذا أيضاً يبدو مناوئاً للمسيح. نحن لسنا أمام اعتراض على السلطة السياسية في حدّ ذاتها، بل أمام تجاوزات الإمبراطورية الرومانية. نحن بعيدون جداً عن ولاء بولس في روم 13: 1 (على كل إنسان أن يخضع لأصحاب السلطة، فلا سلطة إلاّ من عند الله) وبطرس في 1 بط 2: 13 (إخضعوا لكل سلطة بشرية). لم تمرّ بعض العقود حتى وعى المسيحيون الوضع العام: نُزع الفناع عن رومة، واكتُشف الشيطان وتجديفه وراء قدرتها. ورأوا من خلال رومة السلطان السياسي المطلق الذي لا يعتبر الوجود الإنساني أي اعتبار.
"أحد رؤوسه مجروح" (آ 3). إن فعل "جرح" المستعمل هنا هو ذاك الذي استعمل عن الحمل في 5: 6. نحن هنا أمام مهزلة سياسية تحاول أن تقلّد قيامة المسيح، وتعارض ديمومة الكنيسة. فهذا الوحش لن تكون له نهاية في العالم، على ما يبدو، وهو يملأ العالم بسلطانه "إلى الأبد". 
إذا كانت الرؤوس تدلّ على الملوك (17: 9)، أنكون أمام إمبراطور قيل أنه مات ولكنه لم يبقَ في عالم الموت؟ نعرف أن الناس تحدّثوا في نهاية القرن الأول عن نيرون فقالوا عنه إنه الأنتيكرست. وأكّدوا أنه أُفلت من الموت سنة 68 أو اختُطف من العالم وهو لا يزال حيّاً بشكل يفوق الطبيعة. وانه ينتظر عودته لكي ينتقم من الذين (ظنوا أنهم) قتلوه. هذه الأسطورة ألهمت رؤ فرأى القارىء الأول في هذا النصّ تلميحاً إلى نيرون (في أيامه قُتل بطرس وبولس) وإلى الإضطرابات الخطيرة التي تبعت موته دون أن تزول الإمبراطورية.
"وسجدوا للتنين" (آ 4). كل مرة تهاجم السلطة السياسية وتستعيد أنفاسها في انتصار حربي أو في ثورة، يتعجّب الشعب ويجعل ثقته فيها. تعجّب الشعب بهذا الشفاء المذهل، فسارت الأرض بأسرها وراء الوحش وسجدت للتنين. بدأت فسجدت للتنين (آ 4 أ) ثم للوحش (آ 4 ب). فمن عبد الوحش عبد التنين. من عبد السلطة السياسية أو الحاكم، عبد الشيطان، وجدّف على الله.
ونلاحظ تقارباً بين الوحش والتنين. على مستوى الصرف. رج آ 1 (12: 3). عشرة قرون، سبعة رؤوس. سلطان الواحد هو سلطان الآخر. رج آ 2 ب: أعطاه التنين قوته وعرشه وسلطاناً عظيما. سجود للوحش وسجود للتنين (آ 4). كلاهما يحاربان المسيحيين (آ 7؛ رج 12: 17). زمن عملهم هو هو (آ 5؛ 12: 6، 14): 42 شهراً أو 1260 يوماً أو ثلاث سنوات ونصف السنة. يبدو التنين والوحش من "جوهر" واحد. هما واحد على "مثال" الله والحمل اللذين عملهما واحد ويستحقّان السجود الواحد (5: 13؛ 7: 9- 10؛ 11: 15؛ 12: 10).
وكما تمثّل الوحش (هزءاً) بموت الحمل وقيامته، فهو يتمثّل بالليتورجيا المقامة إكراماً للحمل. نال الحمل إكرام الكائنات الحية الأربعة (تدلّ على الخليقة بأقطارها الأربعة)، والأربعة والعشرين شيخاً (شعب العهد القديم وشعب العهد الجديد) والخليقة كلها (5: 8-13). ونال الوحش إكرام "الأرض بأسرها، سجود "جميع سكان الأرض" (آ 8). تستعيد هذه العبارات تلك المستعملة في التوراة لله حصراً. نقرأ مثلاً في خر 15: 11؛ تث 3: 24؛ مز 86: 8؛ 113: 5: "من هو مثلك، يا الله" (ميخائيل= مي- ك- إيل= من ك الله). إستحق هذا الملاك إسمه في السماء، والملاك يدلّ على حضور الله (12: 7- 9). والوحش أخذ ثأره على الأرض فقيل عنه: من مثل الوحش، من يشبه الوحش (آ 4)؟
وهكذا أقام الوحش على الأرض بقدرة التنين على أنه المناوىء للمسيح، وحلّ محل الحمل المذبوح. وأكّد سجودُ الناس هذا الأمر، فجمعوا في سجود واحد، التنين والوحش. ليس السلطان وحده هو ما يدفع الناس إلى السجود. بل إن وجهة قلب الناس العميقة تدفعهم إلى السجود. هذه هي ديانة الدولة كما عرفتها رومة والممالك القديمة، كما عرفتها النازية وعدد من الممالك الحديثة.

ج- حروب الوحش (13: 5- 8)
أعلنت هذه الحروب في العبارة الأخيرة من آ 4: "من يقدر أن يحاربه"؟
أعطي له،. أؤتي. ترد هذه اللفظة أربع مرات في بضعة أسطر. من يعطيه؟ التنين؟ كلا. ففي آ 2 ب نقرأ: أعطى التنين الوحش قوته... أما هنا، فنحن في صيغة المجهول التي تدلّ على الله. الله نفسه أعطى الوحش. سمح للوحش بأن يمارس سلطانه ويضطهد الكنيسة حتى الموت. ولكن في الوقت عينه، تبدو قوّة الوحش مراقبة ومحدودة بواسطة إرادة الله. كل ما يفعله الوحش يبقى داخل تصميم الله.
"أعطي للوحش فماً ينطق بكلام الكبرياء". هكذا كان أنطيوخس (دا 7: 8، 20) الذي اعتبر أنه يستطيع أن يحوّل العبادة في الهيكل. وأعطي أيضاً كلام "التجديف" كما في دا 7: 25 حيث اعتبر الملك نفسَه الله. إن هذا الوحش هو من نسل وحوش دا 7. والوقت الذي أعطي له أن يعمل فيه هو 42 شهراً. هذا ما يدلّ على وقت قصير (نصف 7). يدلّ على الزمن الحاضر الذي فيه تعيش الكنيسة محنتها (11: 2-3؛ 12: 6، 14) وهي عالمة أنها في يد الله.
"فأخذ يجدّف" (آ 6). أخذ الوحش "يهاجم" الله. يهاجم اسمه وشخصه، يهاجم حضوره (مقامه) وسط البشر، يهاجم الذين آمنوا بالله، الذين بيتهم في السماء. عرفنا في 7: 15؛ 12: 12 أن مقام الله (مسكنه) يضمّ منذ الآن البشر الذين تجعل أمانتُهم من حياتهم عبادة مرضية لله، عبادة سماوية (رج 3: 12). والوحش الذي يعتبر نفسه الله، لا يقبل بأن يفلت البشر من سلطانه معتبرين نفوسهم منذ الآن مواطني السماء يقيمون منذ الآن في حضرته، في بيته.
"وأعطي القدرة" (آ 7). أولاً، أعطي الوحش فماً... ثانياً، "أعطي له أن يحارب القديسين ويغلبهم". نقرأ هذه العبارة في دا 7: 21. وهي صدى لما في رؤ 12: 17: يتابع الوحش. حرب التنين ضدّ نسل المرأة. يهاجم الكنيسة ويغلبها. هذا ما يذهلنا! إذن، يسمح الله أن يكون القتال هائلاً، أن يُقهر القديسون! يُزالون في أجسادهم ويقتلون. وهناك الغواية والضلال بواسطة تعليم موجّه. وسلطة الوحش هي شاملة: "على كل قبيلة وشعب ولسان وأمّة".
"يسجد له سكان الأرض" (آ 8). من ينظر من الخارج يرى أن السلطة السياسية (الظاهرة) هي الغالبة. لهذا انضمّ سكان الأرض إلى الحزب الأقوى، إلى الأكثرية، وعبدوا الوحش. هكذا كان في الماضي، وهكذا يكون اليوم وغداً. وهكذا توحّدت الأرض كلها حول الوحش. فأين هو الحمل الذي افتدى بدمه "كل قبيلة ولسان وشعب وأمّة" (5: 9)؟ أين هو الجمهور الكبير الذي لا يُحصى والواقف أمام العرش وأمام الحمل (7: 9)؟ هكذا يهزأ الإنسان بسلطان الحمل، كما فعل اليهود بيسوع على الصليب: خلّص آخرين ولا يقدر أن يخلّص نفسه!
ولكن الواقع هو غير ذلك. فلا يعبد الوحشَ إلاّ "سكانُ الأرض" (لا سكّان السماء). سكّان الأرض هم الوثنيون، أعداء الله وشعبه. يسمّون بعبارة سلبية: "أسماؤهم غير مكتوبة في كتاب الحياة، في كتاب الحمل الذبيح". هم يختلفون كل الإختلاف عن الذين يتبعون الحمل رغم أنه ذُبح. فكأني بيوحنا يقول إن الذين لا يتبعون المسيح في سرّه الفصحي، يتبعون بالضرورة الوحش ومن يمثّله (مت 12: 30: من ليس معي فهو عليّ، ومن لا يجمع معي فهو يفرّق). يجب أن نختار بين الحمل الذبيح (آ 8) والوحش الذي "جُرح حتى الموت فشُفي من جرحه المميت" (آ 3، 12، 14). إذن، لا خلاص إلاّ في المسيح. منذ "إنشاء العالم" نحن مدعوّون فيه. والخليقة كلها تتوق إليه (رج أف 1: 4- 5؛ مت 25: 34).
د- دعوة إلى التأمّل (13: 9- 10)
من كان له أذنان فليسمع" (آ 9). أنهى يوحنا كلامه لافتاً إنتباهنا إلى أهمية هذه الرؤية. هو سرّ عظيم يجب أن نفهمه، هو وحى رئيسي في تعليم يجب أن يؤوّنه كل واحد في حياته اليومية. أن يقرأه الآن في حياته الحاضرة. هذه العبارة وجدناها في نهاية كل من الرسائل السبع التي أرسلت إلى الكنائس، مع ذكر الروح القدس (رج 14: 13). ما هو هذا الشيء الهامّ الذي يجب أن نفهمه؟
"من للسبي فإلى السبي يذهب، ومن للقتل بالسيف..." (آ 10). تستلهم هذه الآية إر 15: 2 الذي يقول: "الذين للموت فإلى الموت. والذين للسيف فإلى السيف. والذين للجوع فإلى الجوع. والذين للسبي فإلى السبي". نحن أمام تذكير إحتفالي بالمخاطر التي يتعرّض لها كل من يعارض الوحش ويرفض السجود له: يذهب إلى المنفى أو يموت. لا يستطيع القديسون أن يتجنّبوا الإضطهاد. قال يسوع في مت 24: 9: "حينئذ يسلّمونكم إلى الضيق، ويقتلونكم، ويبغضكم جميع الأمم من أجل اسمي". لا مساومة ممكنة بين الله وأحكام التسلّط من أية جهة أتت.
إعلان قاسٍ شديد. ثم "كلمة السرّ" في زمن الإضطهاد: هي ساعة ثبات القديسين وإيمانهم. فالثورة المسلّحة لا تنفع شيئاً ضدّ قوّة الشرّ. السلاح هو الثبات والمثابرة والإيمان. ما يُطلب من المؤمنين هو أن يسلّموا ذواتهم بكليتها إلى قدرة الحمل، إلى قدرة الله. وهم مدعوّون لكي يواجهوا بشجاعة حرباً يموتون فيها. ولكن أعطي لهم التأكيد الخفي بغلبة تتمّ من دون عنف ولا قتال.



2- الوحش الثاني (13: 11- 18)
أ- دور الوحش الأول
إستعاد الوحش الأول كل رموز رؤية دا 07 أما الوحش الثاني فلا يستطيع أن يرتبط بنموذج مأخوذ من العهد القديم. لقد "خلقه" الكاتب لكي يكمّل ما في رمز الوحش الأوّل من نقص. لهذا يجب علينا أن نتعرّف إلى دوره الخاص. ونبدأ أولاً فنلاحظ خط طابعه الثاني والخادمي. هو يأتي بعد الوحش الأول. ثم إن علة وجودة هي أن يكون خادماً، أن يخدم الوحش الأول الذي يُذكر 8 مرات في 6 آيات. فالوحش الجديد يعمل "أمام الوحش"، "تحت نظر الوحش" وكأنه يطلب منه الموافقة والرضى. ونلاحظ ثانياً تواتر فعل "صنع" الذي يمر 8 مرات: في سبع منها، الوحش الثاني هو فاعل الفعل. في الإستعمال الثامن، البشر هم الذين يصنعون (بأن يصنعوا صورة للوحش) ولكنهم يأتمرون بأمر الوحش الثاني. الوحش الأول يُلهم، يأمر، يمارس السلطة. وموقع الوحش الثاني هو على مستوى التنفيذ العملي. يدلّ فعل "صنع" على العمل، كما يدلّ على "كلمات". فالوحش الثاني هو وحش "العلاقات العامة" (يدعو الناس للتعبّد للوحش الأول، للسلطة السياسية). هو يتحدّث. ينقل كلاماً. يجادل: حمل الأرض على السجود، خدع سكّان الأرض (آ 11، 14 ب). كان الوحش الأول ذاك المجدّف والمتكلّم بكلام الكبرياء. أما الوحش الثاني فيلهم الأول ويعطيه أن "يتكلّم" (آ 15).
ويتوسّع الكاتب في ثلاثة أعمال يصنعها الوحش الثاني. الأول: يصنع آيات ومعجزات. مثلاً: ينزل ناراً من السماء على الأرض بمشهد من الناس (آ 13). الثاني: صدّقه سكان الأرض فدعاهم ليصنعوا صورة الوحش، ثم جعل هذه الصورة تتحرّك وتتكلّم بحيث يقتل كلُّ من لا يسجد لها. نحن هنا على مستوى السحر وعالم الديانات. الثالث: يضع الوحش الثاني سمة الوحش الأول على اليد أو الجبهة، ومع النتائج الإقتصادية والإجتماعية التي تصدر عنها. من ليس عليه سمة باسم الوحش (من ليس مع السلطة) لا يستطيع أن يبيع ولا أن يشتري. وهكذا يزول كل الذين يعارضون الوحش الأول. ويتم تنظيم الذين هم معه.
نجد في هذا المقطع عبارات متوازية. في آ 12: "يسجدون للوحش الأول". في آ 15: "الذين لا يسجدون لصورة الوحش". في آ 12: "شُفي جرحه المميت". في آ 14: "الذي جرحَه السيفُ وعاش".
نستطيع أن نقسم هذا المقطع كما يلي:
- آ 11- 12: الخدمة التي يقوم بها الوحش في الأيام العادية. هو موظّف ينفّذ الأوامر. هو خادم. يعمل باسم الوحش الأول ويجعل الناس يعبدونه.
- آ 13- 15: الدعاية، الإيديولوجيا، ونقاوة الفكر "الفلسفي" العامل في خدمة السلطة السياسية: يجب إزالة المنشقّين وتحريك الإضطهاد. وتسير الأمور بشكل تدريجي: آيات ومعجزات، صورة تتكلّم، قول "نبوي" يدعو إلى قتل كل من يرفض السجود.
- آ 16-17: السمة التي تحيط بمجمل نشاط الناس: عملهم (اليد اليمنى، فكرهم (الجبهة). إن غابت هذه السمة عنهم، كانت آخرتهم الموت.
في هذا الإطار العام نقدّم الشروح المفصّلة.
ب- الوحش الآخر (13: 11- 12)
"ثم رأيت وحشاً آخر" (آ 11). هو يصعد من الأرض لا من البحر. إذن، مجاله محدود. هو موضع تاريخ البشر. هو العالم ولا سيما آسية الصغرى. هذا الوحش ليس بعظيم كالأول، بل يبدو قريباً من الواقع البشري. له قرنان فقط، وهذا ما يتيح له أن يحاكي (بسخرية) الحمل. ولكن صوته يكشفه. إنه ينطق مثل التنين. إنه ينبثق من التنين. وهكذا يرتبط بعالم الشرّ، شأنه شأن الوحش الأول.
"مارس سلطة الوحش الأول" (آ 12). لماذا جُعل هذا الوحش هنا؟ لكي يجعل الناس يسجدون للوحش الأول. وهو سيعود فيما بعد برفقة الوحش الأول باسم النبي الكذّاب (16: 13؛ 19: 20؛ 20: 10)، نبي الكذب على مثال إبليس. هذا ما يدلّ على الوجهة الدينية لنشاطه الذي يسعى إلى تنمية العبادة للإمبراطور. في هذا المجال، هو يعاكس كل المعاكسة الشاهدين (ف 11) اللذين تتوجّه نبوءتهما نحو الطاعة للمسيح. وهكذا نستطيع أن نقابل بين الله والتنين، بين الحمل والوحش، بين الشاهدين والوحش الثاني أو النبي الكذاب.
من هو هذا الوحش؟ رمزَ الوحشُ الأول إلى سلطة الإمبراطورية. على هذا المستوى سنجد الوحش الثاني. فآسية الصغرى عرفت في القرن الأول المسيحي رغبات شعبية عميقة إلى ديانة حسّية وقريبة من البشر، تجعل الإنسان يلمس لمس اليد واقع الآلهة، تضع التسامي الإلهي في متناول اليد، تنزل على الأرض الإله مع جوقه "السماوي": كل هذه الرغبات قد وجدت تلبية لها في عبادة الإمبراطور. وهكذا يتوزّع تاريخ المقاطعة تظاهرات عديدة، متكرّرة وملحاحة بأن تنمو الهياكل والليتورجيات من أجل عبادة رومة وسيّدها.
فالوحش الثاني هو هذه الروح الدينية الخاصة (في آسية الصغرى) التي تحارب بحرارة من أجل عبادة الإمبراطور. هو هذا الضغط الإجتماعي الذي يمارسه المجتمع كله. إنه يلعب دوراً مغايراً كل المغايرة لدور النبي الحقيقي (الشاهدين)، فيدفع المسيحيين لكي يتشبّهوا بهذا العالم، ويدخلوا دخولاً كاملاً في عالم تسيطر عليه الدولة المؤلّهة (الدولة هي الله).
ج- علامات صورة الوحش (13: 13- 15)
وإذ أراد الوحش الثاني أن يدفع الناس إلى عبادة الوحش الأول، قام بثلاث محاولات: الأولى: "صنع معجزات عظيمة". هذا ما يميّز الأنبياء الكذبة في نهاية الأزمنة. مر 13: 22: "سيقوم مسحاء كذبة وأنبياء كذبة، يأتون بالآيات والخوارق، لكي يضلّوا المختارين لو أمكن" (رج 2 تس 2: 9- 10). الثانية: "تنزل ناراً من السماء". هذا ما فعله إيليا في 1 مل 18: 38؛ 2 مل 1: 10. وهكذا يحاول هذا الوحش أن يقتدي بالشاهدين (11: 5)، فيدلّ على رضى الآلهة عليه وثقة الناس به. الثالثة: "يخدع سكّان الأرض" (12: 9؛ 20: 3، 8، 10) ولا يخدع غيرهم. فخوارقه لا تضلّ إلاّ الذين يحملون سمة الوحش ويسجدون لصورته (19: 20). الوحش الثاني يعمل بمحضر من الوحش الأول (في حضرته). هو يشاركه في شرّه وفي إرادته بأن يُعبد.
"وأمر سكّان الأرض بأن يصنعوا صورة للوحش" (آ 14 ب). إن الوحش الثاني يحرّض سامعيه على رفع تماثيل للإمبراطور تقدّم أمامها الذبائح إكراماً لهذا الوحش (الأول، السلطة) الذي يُولد من جديد رغم الأزمات التي يتعرّض لها، فيبدو أنه غير مائت. سوف نرى مثلاً ترايانس يفرض على المسيحيين أن يقدّموا الذبائح. أمام تماثيله. هذا هو التجديف الأعظم.
"ونال القدرة على أن ينفخ في صورة الوحش" (آ 15). لسنا أمام خداع بسيط، بل أمام شيء متواتر في العالم الذي يحيط بنا. فأخبار الممارسة السحرية التي تتحدّث مراراً عن تماثيل تتحرّك، كانت كثيرة في ذلك الزمان. وانتظر الناس من هذه التماثيل أن تعلن أقوالاً نبوية، أن تشفي المرضى وتلهم الناس. وكل هذا يدلّ على حضور الآلهة وعملهم.
د- سمة الوحش (13: 16- 18)
"يضعون سمة على يدهم" (آ 16). ستلعب هذه السمة دوراً كبيراً في ما يلي من الكتاب (14: 9، 11؛ 16: 2؛ 19: 20؛ 20: 4). إنها مقياس الدينونة الأخيرة. فهي تطبع بطابع حسّي الناس الذين يرفضون أن يسجدوا لله ويتعلّقون بعبادة الأوثان. إنها تقابل الختم الذي به يختم الله مؤمنيه (7: 3-4؛ 9: 4). في الحالتين نحن أمام كتابة واضحة أو عددية لرقم من الأرقام (13: 17 و 14: 1). والعلامة تدلّ على "الشخص" الذي فيه نضع ثقتنا ورجاءنا.
"فلا يقدر أحد أن يشتري" (آ 17). نحن هنا أمام متضمّنات إجتماعية واقتصادية. فعبادة الوحش تتعدّى المجال الشخصي والفردي وتصل إلى الحياة العامة. فكل واحد مُجبر بأن يُعلن إيمانه وإلا كان مواطناً خائناً، فيُخنق على المستوى الإقتصادي والحياتي.
وهكذا نرى أن لا توافق إطلاقاً بين انتماء وانتماء، إنتماء إلى الوحش وانتماء إلى الحمل. لا نستطيع أن نعبد ربّين. فالذي يرفض الخضوع لمجتمع توتاليتاري يستبعده ذاك المجتمع المرتكز على توافق ديني. لأن من رفض هذا التوافق هدم أُسس المجتمع وتوازن الجسم الإجتماعي. فالحياة المهنية والمدنيّة تتوزّعها طقوس دينية تتوجّه إلى الإمبراطور. والويل لمن يتخلّف عنها.
مثل هذا "الإيمان" لا يتوافق مع المسيحية، وهو يحاول أن يمحق الديانة الجديدة، ويعتبر المسيحيين "لا إلهيين" وملحدين. هذا ما نراه اليوم في مجتمعات تغسل دماغ المواطن من المهد إلى اللحد، وتقتل فيه كل شخصية بشرية فيها يختار حياته في خطّ المواهب التي منحه الله إياها.
الوحش الثاني هو "الدعاية" وترويج أفكار الدولة. شكله شكل حمل وديع وهو يريد خيرنا. هو يتملّقنا لكي يخدّرنا. لا يحدّثنا إلاّ عن الحياة والعدالة والسلام. هو يتكلّم لغة الإنجيل، لكن لسانه لسان كذب لا علاقة له بالحقيقة.
بعد هذا، نجد نداء إلى التأمّل (آ 18) كما في آ 9: "وهنا لا بدّ من الحكمة". إن الوحش الثاني يعمل في كل مكان، وإن يكن بشكل غير منظور، لهذا يدعونا يوحنا إلى السهر والتفكير الشخصي لكي ننزع عنه القناع أينما وُجد، لكي نكتشف رقم الوحش ونتعرّف إلى "إسمه" لكي نقاوم سحره.
هذا هو وقت التمييز. هذا هو وقت الحكمة. الحكمة النبوية التي هي موهبة روحية قريبة من الفطنة التي تكشف الألغاز (دا 5: 12). نحن أمام فكّ رموز، وعمليات حسابية: فلعدد الوحش مدلول يجب أن نكتشفه بفضل إصطلاحات ورموز. "هو عدد إنسان" "وعدده 666".
هو عدد إنسان. يعني هو في متناول الإنسان الذي يستطيع أن يفكّ رموزه. فلا نلجأ إلى اصطلاح فائق الطبيعة. وهو عدد يرتبط كانسان، بواقع بشري. يبقى علينا أن نحدّد هذا الإصطلاح ونفكّ لغز هذا العدد. سنجد هنا ثلاث طرق لاكتشاف المعادلة بين الأحرف والأعداد:
* الطريقة الأولى. 666 هو عدد مثلّث. نحصل. عليه حين نجمع كل الأرقام الواقعة بين 1 وعدد معين. مثلاً العدد المثلّث للرقم 8 هو 36 (1+ 2+ 3... 8). والعدد المثلّث للرقم 36 هو 666 (1+ 2... 36). إذن، عدد 666 يعود إلى 36 ثم إلى 8. وهكذا نكون أمام الملك الثامن. فإذا تفحّصنا لائحة الأباطرة الرومان (أوغسطس، طيباريوس، كاليغولا، كلوديوس، نيرون، فسباسيانص، تيطس، دوميسيانس، نرفا، ترايانى) يكون الثامن هو دوميسيانس (81- 96 ب م). إذن نقرأ إسم الإمبراطور دوميسيانس الذي اندلع في أيامه اضطهاد عنيف ضدّ المسيحيين في آسية الصغرى، والذي نفى يوحنا إلى جزيرة بطمس.
* الطريقة الثانية، طريقة الجامتريا وهو أسلوب مؤسّس على القيمة العددية لحروف الأبجدية. فالعبرية واليونانية (والعربية والسريانية...) لا تمتلكان الأعداد. لهذا تلجأان إلى الحروف. وهكذا يكون لكل لفظة قيمة عددية. مثلاً، نقرأ على أحد جدران بومباي في إيطاليا هذه الكتابة: "أحبّ تلك التي اسمها 545. ولكن هل نأخذ بالحرف العبري أم بالحرف اليوناني؟ فإذا قرأنا رقم 666 مع الحرف اليوناني، نجد ما وجده القديس إيريناوس: لاتينوس (أو اللاتيني، أي رومة)، تيتان (أو التنين). وإذا أخذنا الأحرف العبرية كان لنا ق ص ر- ن ر و ن (666) أي: قيصر نيرون. وإن كتبنا نيرون من دون النون (ن ر و) نحصل على رقم 616 الذي نجده في بعض المخطوطات.
* الطريقة الثالثة تتوقّف عند الرقم في ذاته، وما فيه من رموز. هناك 6 مكرّرة ثلاث مرات. هو الشرّ والنفاق والجحود مكرّرا. في الأقوال السيبلية نقرأ أن إسم الله مؤلّف من 888، فيدلّ على اللاهوت أو على "ياسوس" (يسوع). إن 666 (3 مرّات الرقم 6) يبُرز الطابع الشيطاني لواقع أو لشخص ما مبرزاً رباطه مع الرقم 6 الذي يدلّ على العدو. إن رقم 6 يتوق إلى رقم 7 دون أن يدركه. إنّ إبليس يحاول أن يحاكي الله دون أن ينجح في ذلك.
وهكذا يذهب ف 13 إلى عمق الأمور: فالخطر الحقيقي للكنيسة هو البنية السياسية الوثنية التي تسير حتى المطلق، التي تريد أن تبعد الله عن الأرض لتحلّ محلّه. إن إرادة القوة هذه هي هائلة وقاتلة، ولكن نهايتها الفشل.

خاتمة
إن النظرة المسيحية إلى الإمبراطورية الرومانية قد عرفت تطوّراً طويلاً وقاسيا من روم 13: 1- 4 إلى رؤ 13. لقد عرفت المسيحية الأولى أحداثاً مُرّة وخيبات أمل عديدة، فسمّت في النهاية السلطة السياسية "الأنتيكرست" المناوىء للمسيح.
يقدّم لنا ف 12-13 مثلّثاً شيطانياً: التنين (12: 1 ي)، الوحش الأولى أو وحش البحر أو السلطة السياسية (13: 1 ي). الوحش الثاني أو وحش الأرض، أو السلطة الإيديولوجية (13: 11 ي). مع الوحش الأول يمارس التنين سلطانه. مع الوحش الثاني يقوم بعمل الدعاية. إن سرّ هذه القوّة الشيطانية يجد تفسيره في عناد من غلب فحاول أن يجتذب إلى الشرّ أكبر قسم من الكون.
لم يحتفظ وحش البحر بأثر الجراح بعد أن شُفي من ضربة السيف: إنه يرمز إلى القوّة الكاملة (لم ينقصها شيء) لذاك الذي يمارس سلطاناً سياسياً على العالم. ووحش الأرض هو النبيّ البليغ، ومنظّم الدعاية، و"اللاهوتي" الذي يعمل في خدمة إبليس. فهو بخطبه الرنّانة يسعى إلى أن يدعو العالم "إلى الخلاص" (كما يراه هو). وهو أيضاً منظّم الإحتفالات العبادية إكراماً للوحش وبالتالي للتنين. هو شخص قوي وصاحب ذكاء وحيلة. ويظهر في عظمة معجزاته وعلمه وبلاغته ليجتذب الناس إلى الشرّ اللابس لباس الخير. قال القديس بولس في 2 كور 11: 14- 15: "إن الشيطان يتنكّر بهيئة ملاك نور، فليس بغريب أن يتزيّى خدّامه بزيّ خدّام البرّ. إلا أن عاقبتهم ستكون على وفق أعمالهم". 
إن الإحتفال الليتورجي (شفي الجرح... فعبد الناس الوحش) هو محاكاة ساخرة لليتورجية يوم الجمعة العظيمة ويوم أحد القيامة. وصورة الشيطان المقدّمة في شعائر العبادة هي صورة ساخرة عن الحمل الذبيح الذي صُلب وقام. الأنتيكرست هو مسيح كاذب. إنه يتنكّر بهيئة المسيح وكنيسته. ويعارض بوعي كامل بين ليتورجيا شيطانية وليتورجيا مسيحاوية. "إحذروا الأنبياء الكذبة الذين يأتونكم بثياب الحملان وهم في داخلهم ذئاب خاطفة" (مت 7: 15).
ماذا ينتظر المسيحيون في مثل هذا الوضع؟ في المرحلة الأخيرة من العمل الشيطاني، هناك علامة واحدة تدلّ على أمانتهم للمسيح: هي شهادة الدم. فالمسيح ينتصر بآلامه وموته. ينتصر على الصليب وينتصر في الكنيسة وينتصر فينا. فيجد موته امتداداً في موتنا لتكون قيامتنا امتداداً لقيامته ومجده.

 

 

الفصل الخامس والعشرون
الآيات الأربع الباقية
14: 1-20

تحدّثنا في ف 12-13 عن ثلاث آيات: المرأة (12: 1-3)، التنين (12: 3- 16)، الحرب بين ميخائيل والتنّين (12: 7 ي). وبعد أن تعرّفنا إلى الوحشين الذين يعملان على الأرض عمل التنين أو الشيطان، نتوقّف عند الآيات الأربع الباقية. الآية الرابعة: الحمل على جبل صهيون (14: 1- 5) مع المئة وأربعة وأربعين ألفاً الذين ظهر إسمه واسم أبيه مكتوباً على جباههم. الآية الخامسة: إعلان الدينونة (14: 6- 13) يقوم به ثلاثة ملائكة. الآية السادسة: ابن الإنسان والمنجل في يده من أجل الحصاد والقطاف (14: 14- 20). الآية السابعة: "رأيت في السماء آية أخرى عظيمة وعجيبة" (15: 1). سندخل في رؤى كؤوس الغضب بواسطة سبعة ملائكة (15: 1-8). ولكن هذا سيكون موضوع الفصل التالي.

1- الحمل على جبل صهيون (14: 1-5)
يتحدّث رؤ عن المسيح، عن الحمل. ولكننا لا نرى المسيح إلاّ في البداية، في ف 5 وفي النهاية، في ف 19. وهنا في ف 14. هذه الرؤية مهمّة جداً. فهي تفتح قلوبنا على النور بعد الرؤى المأساوية في ف 13. بعد بلايا الختوم الستة، طرح سؤال: من يقوى على الثبات (6: 17)؟ فجاء الجواب في ف 7: أولئك المختومون بسمة الحمل، المئة والأربعة والأربعون الذين يسهر الله عليهم. وهنا يطرح السؤال عينه أمام سلطة الوحش التوليتارية. ماذا يحدث للذين لا يتراخون أمام الإغواء والتهديد، الذين يرفضون المشاركة في عبادة أوثان لا يفلت منها أحد في كل مدينة وفي الإمبراطورية كلها؟ وكان الجواب: سيكونون على جبل صهيون مع الحمل، في اتحاد لا يعكّره شيء حتى الموت.
أ- المئة وأربعة وأربعون ألفاً (14: 1)
نجد هنا للمرة الأولى في رؤ موقعاً محدّداً، هو جبل صهيون حيث بُني الهيكل في أيام سليمان. هنا نتذكّر 11: 19 حيث تحدّث الكاتب عن الهيكل وتابوت العهد. هناك نموذج سماوي لتابوت العهد (كما تقول نصوص الرابانيين، رج خر 25) الذي سيظهر من جديد في نهاية الأزمنة (2 مك 2: 8). وهكذا نكون أمام وحي كامل للعهد بدأ في سيناء مع موسى، وتبنّاه سليمان في أورشليم، وأتّمه يسوع مع المئة وأربعة وأربعين ألفاً.
قد ظهر الرقم 144.000 في 7: 4 ليدلّ على ملء شعب الله. وتضمّنت آ 2 كلمات قرأناها في رؤية البداية (1: 15: صوت مياه غزيرة). والسيناريو مع "النشيد الجديد" (آ 3) يذكّرنا بما في 5: 8-9 (مستحقّ أن تأخذ الكتاب). أما الذين لما يتدنّسوا بنساء، أي لم يزنوا، فهم الذين رفضوا عبادة الأوثان وخيانة المسيح. فالزنى يدلّ عند الأنبياء على تعدٍّ على الوصية الأولى: "أنا هو الرب إلهك، لا يكن لك إله غيري". 
ننطلق من المدلول المقدّس لجبل هيكل صهيون في أورشليم، فنصل إلى المعنى الرمزي، إلى السور المقدّس الذي يجتمع المؤمنون في داخله حول المسيح. فالمئة والأربعة والأربعون يمثّلون على الأرض كنيسة المختارين، يهوداً أو وثنيين. جُعلوا وسط عالم شيطاني، فوجدوا نفوسهم في موضع الإختيار المقدّس، وقد حماهم المسيح من هجمات إبليس.
وقف الحمل. لقد قام من الموت. إنه الحيّ. والمئة والأربعة والأربعون الذين معه هم واقفون مثله. ماتوا مثلما مات. وكما قام يقومون. هنا نقرأ يوء3: 5: 11: "كل من يدعو باسم الرب يخلص. ففي جبل صهيون يكون ناجون". فجبل صهيون هو موضع تجمّع المخلّصين والناجين في نهاية الأزمنة، رج عو 16-17. إن أع: 17-22 قد استعاد يوء 3: 5. قال رؤ: يسكن على جب صهيون أولئك الذين يدعون باسم الحمل أبيه، وقد كُتب الإسمان على جباههم. أمّا سكّان الأرض، فهم يحملون سمة إسم الوحش (13: 17). أما المئة والأربعة والأربعون فهم يحملون اسم الحمل وختمه (7: 3- 4).
ب- الليتورجيا السماوية (14: 2- 3)
"وسمعت صوتاً" (آ 2). لقد صارت الرؤية صوتاً يُسمع. تكدّست التشابيه فدلّت على أننا أمام حدث إحتفالي ومهيب. والشعور الذي نستخرجه هو مزيج من رعدة مقدّسة وحضور إلهي: الرعد، المياه الغزيرة، ثم صوت القيثارة بما فيه. من نعومة وتناسق. أنشد الملائكة، فرافقهم المئة وأربعة وأربعون ألفاً: فليتورجياتنا واحدة مع ليتورجية السماء.
"يرنّمون ترنيمة جديدة" (آ 3). تجاه ليتورجية الشيطان هناك الليتورجيا الإلهية. فشياطين الأزمنة الأخيرة سيُقهرون بالسيف (أي كلمة الله التي هي سيف له حدّان). هناك من يذهب إلى المنفى، وهناك من يذهب إلى الموت (13: 10). والسلاح الوحيد ضدّ عمل إبليس هو الصلاة (الترنيمة الجديدة) والعبادة التي تطلب مجد الله.
ما هي هذه الترنيمة الجديدة؟ ماذا تقول؟ هنا نتذكّر الليتورجيا في 5: 8-13 حيث تظهر أيضاً هذه الترنيمة الجديدة. نحن أمام العبادة نفسها وهي تضمّ السماء إلى الأرض وتستعمل القيثارات أيضاً. نحن أمام احتفال بالحمل وبالفداء الذي يحمله الحمل بآلامه وقيامته (5: 9- 10). دمه يفدي البشر ويجعل منهم لله ملوكاً وكهنة. والحالة أن المئة والأربعة والأربعين ألفاً هم المفديون في الأرض، الذين اقتناهم الله لنفسه (هم خاصته). لهذا، يستطيعون وحدهم أن يتعلّموا هذا النشيد. لقد انضمّوا إلى مملكة المسيح، فشكّل انضمامهم هذا خطراً لهم إذ حرمتهم الإمبراطورية حقوقهم المدنيّة وكأنها حكمت عليهم بالإعدام.
ترمز هذه الترنيمة إلى نعمة علوية خاصة بالمفديّين. فالكنيسة قد أفتُديت في الأرض بموت المسيح وذبحه. والترنيمة الجديدة هي القلق الذي تحوّل إلى نعمة فصار "قوّة الله وحكمة الله" (1 كور 1: 24).
ج- ملامح المئة وأربعة وأربعين ألفاً (13: 4- 5)
وتبرز أربعة ملامح في وجه المفديّين في شكل مديح:
* "لم يتدنّسوا بنساء، لأنهم أبكار". نفهم العبارة في المعنى الروحي. فـ144.000 يدلّون على كل شعب الله المؤلّف من رجال ونساء. إذن، لسنا أمام متنسّكين امتنعوا عن ممارسة الزواج. حينئذ نكون قد حصرنا عدد المخلّصين. وإن قلنا إنهم كلهم متنسّكون، فهذا يعني أن يوحنا يعتبر الزواج نجاسة! معاذ الله. نحن أمام بكورية (أو بتولية) في المعنى الواسع: هي أمانة وسلامة (لا عيب فيها) الكنيسة التي احتفظت من كل اتصال بالعالم وأوثانه. فالعهد القديم يرى أن الزنى هو عبادة الأوثان. وسفر الرؤيا أيضاً. (2: 14، 21، 22؛ 17: 4؛ 18: 23). هذه هي الكنيسة التي هي مقدّسة ولا عيب فيها. قال بولس الرسول في أف 5: 27: "كنيسة مجيدة لا عيب فيها ولا تجعّد ولا ما أشبه ذلك، بل مقدّسة لا عيب فيها". وفي 2 كور 11: 2: "خطبتكم (أنتم كنيسة كورنتوس) لرجل واحد وهو المسيح، لأقدّمكم إليه عذراء طاهرة". وفي رؤ 3: 4: "بعضْ الناس عندك ما دنّسوا ثيابهم، فهم أهل لأن يواكبوني بثياب بيضاء". وقد يكون هناك أيضاً تحذير من البغاء المكرّس في ظلّ المعابد الوثنية (أسلوب واقعي). كما نكون على المستوى الروحي أمام تكريس الكنيسة كلها من خلال. تكريس أبنائها الذين يخصّون الرب.
* "يتبعون الحمل أينما يذهب". يقال في رسالة شهداء ليون (في فرنسا) (سنة 177) ان فاتيوس الذي جاهر بإيمانه واستشهد: "لقد تبع الحمل أينما ذهب". إذن، نحن أمام تحديد للتلميذ الحقيقي. "من يحبني فليتبعني. وحيث كون أنا يكون هناك خادمي" (يو 12: 26). وفي يو 21: 18 كل شيء يتلخّص بالنسبة إلى بطرس في هذه الكلمة البسيطة: "أنت اتبعني"! وقد وردت هذه الكلمة في إطار استشهاده وموته. فالنصّ يقول: "قال هذا ليدلّ على أية ميتة كان بطرس مزمعاً أن يمجّد الله بها" (آ 19). مقابل هذا قرأنا في رؤ 13: 3 كيف أن الأرض كلها (لا السماء) تعجّبت "وتبعت (سارت وراء) الوحش". إذن، المئة والأربعة والأربعون ألفاً هم متضامنون مع الحمل. لماذا؟
* لأنهم "افتدوا من بين الناس كباكورة لله وللحمل". كانوا عبيداً، فحرّرهم فصاروا له. صاروا خاصته. هم باكورة. أي أول الثمار. هل هم أول المخلّصين؟ كلا. هل هم نخبة المسيحيين؟ كلا. فيوحنا يتوجّه عادة إلى جميع المسيحيين. لهذا نقول: هم حصّة الله والجزء المكرّس لله. إنهم موضوعون من أجل العبادة وخدمة الله كالبواكير التي تقدّم ذبيحة لله. إنهم أعزّاء على قلب الله كما نقرأ في إر 2: 2-3 عن أورشليم: "أذكر مودّتك (تعلّقك بي) في صباك، وحبك يوم خطبتك. سرت ورائي (تبعتني) في البرية، في أرض لا زرع فيها. إسرائيل مكرّسة (مقدّسة، مخصّصة. وحده الله يتصّرف بها) للرب، باكورة صارت له". هذا ما نقوله عن المفديين.
* ما وُجد في فمهم كذب: "إنهم لا عيب فيهم". هذا لا يعني أنّ "المفديّين" قالوا الحقيقة دوماً. فالكذب يدلّ أيضاً على عبادة الأوثان. يقول أشعيا عن صانع الصنم: "ضلّله قلبه المغرور، فلا ينقذ نفسه ولا يقول: هذا كذب (أي صنم كاذب) في يميني" (أش 44: 20؛ رج يو 8: 44- 45). الشرك هو تعلّق بالعدم، رجوع إلى العدم، إلى الباطل. والكذب هو ما يعارض مخطّط الله فلا يدوم. في رؤ 21: 27 يوضع الكذب على مستوى الرجس. "لا يدخلها (أي أورشليم) شيء نجس، ولا الذين يعملون القبائح ويفترون الكذب". وفي 22: 15 يستعيد الكاتب كل الرذائل التي لا يستطيع المسيح أن يتحمّلها: السحر، الفجور، القتل، عبادة الأوثان، الكذب. ولا ننسَ النبي الكاذب الذي يرتبط بإبليس أبي الكذب.
أما المؤمن فيرفض الكذب رفضاً قاطعاً. موقفه هو بساطة ونقاوة وبُعد عن كل "خلط". هو من "لا عيب فيه" وكأنه ذبيحة تقدّم إلى الرب. تحدّث بولس في أف 1: 4: "إختارنا قبل إنشاء العالم لنكون عنده قدّيسين بلا لوم في المحبة". وفي فل 2: 15: "حتى تكونوا أنقياء لا لوم عليكم وأبناء الله بلا عيب في جيل ضالّ فاسد". وفي كو 1: 22: "أسلمه (جسد المسيح) إلى الموت ليجعلكم في حضرته قديسين بلا عيب ولا لوم". ويتحدّث 1 بط 1: 19 عن الحمل الذي لا عيب فيه ولا لوم. فالمفديّون هم سلالة الحمل، ودمه يخلّصهم.

2- إعلان الدينونة (14: 6- 13)
تجاه انتصار الوحشين الظاهر، قدّم الكاتب جوابه فذكّرنا بأن المؤمنين هم منذ الآن مع الحمل. ويُطرح حالاً السؤال التالي: ما هو موضح المضطهِدين أمام الله؟ ماذا يكون عقابهم في الدينونة؟ أوضحت آ 12- 13 أن المؤمنين هم ما وراء الدينونة. مصيرهم تحدّد، فلم يعودوا عرضة للدينونة والهلاك. هذا ما نقرأه هنا وهناك: "لا يخافون الموت الثاني" (11:2؛ 6:20، 14؛ 8:21).
إن هذا المقطع يذكرنا بما في 8: 13. هناك حديث عن "ملاك آخر". بعد انتصار المثلّث الشيطاني، تعلن دينونة الله العظيمة والنهائية. فالإعلان والتنفيذ يتمّان في وقت واحد. في هذا المقطع يظهر للمرة الأولى إسم "بابل العظيمة التي سقت جميع الأمم من خمر غضب زناها" (آ 8).
إن موضوع (والفن الأدبي) إعلان الدينونة بيد الملاكين الثاني والثالث، قد أخذ من العهد القديم (أش 21: 9؛ 34: 10؛ 51: 17؛ إر 25: 15-29؛ حز 38: 22؛ دا 4: 27). وما يدهشنا هو أن سقوط بابل العظيمة قد أعلن وكأنه تحقق منذ الآن (آ 8)، مع العلم أن دينونة بابل الزانية لن يصوّر إلاّ في 17: 1 ي. ونشير أيضاً إلى التوازي بين آ 8 و 2:18-3.
لمّح الملاك الثاني إلى أمور ستتوضّح في الفصول اللاحقة (17: 1 ي). أما الملاك الثالث فأشار إلى أحداث ذكرت في ف 13. كلى من ملائكة الدينونة الثلاثة (آ 6، 8، 9) يحمل بلاغاً خاصاً. فالتعليم الإلهي غني جداً بحيث لا يستطيع ملاك واحد أن يحمل وحده بلاغين إثنين ويقوم بمهمتين. 
تتضمّن هذه الرؤية التي سميناها الآية الخامسة، ثلاثة أقسام. وفي كل قسم يأتي ملاك جديد فيطلق إعلانه. واحد يعلن الإنجيل الأبدي. وآخر، سقوط بابل. وثالث: الخيار الذي نتخذه. هل نسجد للوحش؟ كل هذا يدعونا إلى التأمّل، يدعونا إلى الثبات والإيمان.
أ- إنجيل أبدي (14: 6- 7)
طار الملاك الأول في وسط السماء لتسمعه الأرض كلها. هذا ما فعله النسر في 8: 13 قبل أن يعلن ويلاته. هناك إنجيل أبدي لا بدّ من إعلانه، "بشارة يبشّر بها". نحن أمام بلاغ يرسله الله كما في 10: 7. أمام إنجيل (بدون أل التعريف)، لا أمام الإنجيل أو الأناجيل الأربعة. وهو أبدي، أي اسكاتولوجي ونهائي. فمنذ انتصار المسيح قدّمت لنا الأمور الأخيرة "الأبدية" (رج يو 4: 14؛ 6: 51؛ 8: 51). في هذا المعنى نعلن أن البلاغ الذي يشير إلى الدينونة الأخيرة هو أبدي ونهائي. والإعلان يوجّه إلى "سكان الأرض"، أي إلى الأمم الوثنية. وهو إنجيل يُعلن في المسكونة كلها: كل أمّة وقبيلة ولسان وشعب.
فالبشارة التي لا يستطيع البشر أن يبدّلوها تعني البداية والنهاية، تعني الخلق والدينونة. فخلق السماء والأرض والبحر وينابيع المياه هو تجلّ (أبيفانيا) لقدرة الله وحبّه ورحمته. أما ساعة الدينونة فهي تجلّ لعدالته الإلهية. هذا الإعلان المزدوج نقدّمه للبشر بقوة وإلحاح ("بصوت عظيم") كمنادين يسبقون الملك: هكذا يدخل البشر في أزمة تدفعهم إلى قطع علاقاتهم بالعالم الذي يعيشون فيه، إلى القرار والإلتزام. فبلاغ الخلاص ليس إعلاماً دينياً بسيطاً، ولا تعليماً يدخل في الأذن ولا يؤثّر في الحياة. بلاغ الخلاص يهزّ القلوب ويطلب منا أدن نتخذ موقفاً.
"خافوا الله، إتّقوا الله ومجّدوه". نخاف الله حين نجعل له مكاناً في حياتنا. حين نحسب له حساباً في تصّرفاتنا. حين نخدمه. حين نقبل بأن نربط إرادتنا لإرادته (رج 11: 18). ونمجّد الله حين نقرّ به وبما هو: هو الأول والآخر. هذا هو هدف عبادة الكنيسة (4: 9- 11؛ 5: 12- 13؛ 19: 7). والخطأة يمجّدون الله حين يقرّون بخطيئتهم ويبزرون الله. حين يرتدّ البشر يقول رؤ: "مجّدوا الله" (11: 13؛ 16: 19).
إذن، أطلق الملاك نداء إلى التوبة: أتركوا السلطة الوطنية ولا تعبدوا إلاّ الله، لا تعبدوا إلاّ "صانع السماء والأرض والبحر وينابيع المياه". نحن هنا أمام موضوع نموذجي من الكرازة إلى الوثنيين. في أع 14: 15- 16 قال بولس لأهل لسترة: "نبشّركم بأن ترجعوا عن هذه الأباطيل إلى الله الحيّ، الذي صنع السماء والأرض والبحر وجميع ما فيها". وفي 17: 24- 25 إلى أهل أثينة: "إن الله الذي صنع العالم وجميع ما فيه، لا يسكن، إذ هو ربّ السماء والأرض، في هياكل صنعتها الأيدي... هو يعطي الجميع حياة ونفَساً وكل شيء".
إذا كان النداء ملحاً، فهذا يعني أن ساعة الدينونة قد حلّت.
ب- سقوط بابل (14: 8)
في الفكر اليهودي، بابل هي رمز العظمة المعادية لله. بابل، مدينة الخطيئة، تعارض أورشليم، المدينة المقدّسة. بابل هي رومة حسب ما يقول 1 بط 5: 13: "تسلّم عليكم الكنيسة المختارة التي في بابل"، حيث أقام بطرس، أي رومة. وتتكرّر كلمة سقطت لتدلّ على ما في هذه البشرى من يقين محرّر.
إذن، جاء الملاك الثاني وأوضح بلاغ سابقه: الدينونة هي في شكل محسوس سقوط بابل. "سقطت، سقطت بابل العظيمة". تعود هذه العبارة إلى أش 21: 9: "سقطت بابل، وتحطّمت إلى الأرض جميع أصنام الهتها". هكذا يستريح شعب الله المُداس كالحنطة على البيادر (آ 20). وبابل هي رومة، هي المقرّ العام للعداوة ضدّ الله. منذ الآن صارت بابل عدماً تجاه دينونة الله، وإن تأخّر خبر دمارها.
"سقت جميع الأمم". إن خمر زنى بابل يسكر الأمم. فهي الزانية العظيمة (17: 2) السكرى. وهي تشارك الأمم في ضلالها وعبادتها للأوثان. وقد نكون أيضاً أمام خمر غضب الله كما نقرأ في أش 51: 17 (شربت من يد الرب كأس غضبه، أي دينت)؛ إر 25: 15 (خذ كأس غضبي واسقها للأمم)، مز 75: 9 (بيد الرب كأس خمر معتّقة). فدينونة غضب الله تدرك في قساوتها التي لا ترحم كلّ عبّاد الوحش. أجل، ان خمر الزني وخمر غضب الله يلتقيان. فالسكر الذي تحمله عبادة الأوثان هو تعبير عن غضب الله الذي لا يرضى عن الشّر من أي جهة أتى.
ج- الخيار اللازم (14: 9- 13)
بعد نداء الله في بشرى يطلقها إلى البشر، وبعد الوضع الميؤوس منه الذي تعيش فيه بابل، جاءت الدعوة إلى أن نختار. سيحكم على عبّاد الوحش كامتداد لسيطرته الوقحة. أما حافظو وصايا الله فطوباهم: "سيستريحون من أتعابهم".
نحن هنا أمام الخاتمة الحقيقية للفصل الثالث عشر: ستصيب الدينونة عبّاد الوحش. وإذا كانت الأفعال في صيغة المضارع، فهذا لا يعني أن الدينونة قد تأخّرت إلى ما بعد، بل ان الوثنيين لن يفهموا هذا الوضع إلاّ شيئاً فشيئاً.
"وتبعهما ملاك آخر" (آ 9). كان قد أعلن أن الذي لا يسجد لصورة الوحش يُقتل. وان كل من لا يحمل سمة الوحش لا يستطيع أن يشتري ولا أن يبيع (13: 15، 17). فجاء ملاك ثالث يدلّ على مصير قاسٍ جداً يصيب من يسجد للوحش ويحمل سمته. إنه سيشرب غضب الله ويقاسي العذاب الأبدي في النار والكبريت. يتوجّه هذا التنبيه العنيف إلى الشعوب الوثنية كلها (آ 6). كما يتوجّه إلى أولئك المسيحيين الذين ينكرون إيمانهم خوفاً من الإضطهاد المقبل. فيوحنا سيقول في آ 13: طوبى للذين يموتون منذ الآن في الرب. هذا يعني أن هناك من قرّر أن يعيش بعيداً عن الربّ. 
إن عبدَ أحدٌ الوحش، إن ظلّ يسجد له رغم النداء إلى التوبة (آ 7)، أو لا سمح له، إن بدأ "مسيحي" يعبد الوحش بعد تنكّره لإيمانه، سيتحمّل غضب الله ورفضه لهذا الوضع. يصوّر غضب الله في العهد القديم بشكل جرعة من الخمر. نقرأ في أي 21: 20: "يرون هلاكهم بعيونهم ويتجرّعون غضب القدير". فالأمم التي يقدّم لها كأس غضب الله، "ستترنّح وتفقد صوابها... سيتقيّأون ويسقطون ولا يقومون" (إر 25: 16-27). إن غضب الله ليس جزءاً خارجياً من شريعة المجازاة اللاشخصية التي تبنى في الواقع، بل جواب الله البار على الإنسان الذي يرفض بشدّة نداء حبّه.
خمر غضب الله صرف لا مزيج فيه، لم يُخلط بماء لكي تخفّ قوّته. غضب الله لن ترافقه رحمة الله ولا نعمته.
وتمتزج صورتان عن هذا الغضب: عقاب سدوم وعمورة (تك 19: 24؛ حز 38: 22)، وصورة وادي هنوم، صورة جهنّم حيث كانوا يحرقون الأولاد ثم الجثث والقمامة. إن التعبير الرمزي لعقاب الله يتضمّن نقطتين هامّتين: جهنّم هي أبدية. وليست بعداً عن الله، بل فرضاً أن نتحمّل قرب الله الذي هو نار محرقة للخاطئين. فالطابع الذي لا يُحتمل والألم الذي يزداد، يكمنان في حضور الله المتواصل. لولا الله، لما كانت جهنّم جهنّم. نحن ننجذب في أعماق كياننا إلى الله، ومع ذلك نرفض. هذا هو التمزّق المؤلم.
"يقاسي العذاب أمام الملائكة وأمام الحمل". قالت يسوع في لو 12: 9: "من ينكرني قدّام الناس أنكره قدّام ملائكة الله". إن العذاب أمام "ضيوف" السماء يدلّ على قساوة الدينونة، كما يدلّ على ثقلها وفظاعتها. لقد تحمّل المسيحيون العار والهزء والمقاومة. وسيكون لمقاوميهم أن يتألّموا حين يرون سعادة الأبرار. تقول كتب الجليان اليهودي إن آلام الهالكين سوف تزداد حين يلقون نظرة على الأبرار.
إن الأقوياء في هذا العالم يتسلّطون بعين وقحة باسم الوحش. ولكنهم في نظر الرائي هالكون وذاهبون إلى العدم أمام نظر الحمل الذي يقف أمام الله مع المؤمنين.
"هنا صبر القديسين" (آ 12). كان الكاتب قد وجّه كلامه إلى القارىء مرتين داعياً إياه إلى التأمّل (13: 9- 10، 18). وها هو يدعوه للمرة الثالثة. أجل، حين نقرأ رؤ لا نظنّ أننا في عالم الخوارق والخفايا الهائلة، لسنا في عالم نسي الأرض وما يتعرّض له الإنسان. في رؤ، نحن أمام واقع الإنسان اليومي والملموس: ما الذي يتمّ الآن حولنا وفينا، وكيف يجب أن نتصّرف؟
إذا كان الأشرار قد حُكم عليهم (آ 9- 11)، فهذا يعني أن الوقت قد جاء للمسيحيين بأن يثبتوا، بأن يتحدّوا المحنة ويخاطروا بحياتهم على خطى المعلّم. فهو وحده يتيح لنا أن نعمل مشيئة الله ونخضع لشريعته. إن عبارة آ 12 تشكّل تضميناً مع 13: 10. إن ف 13 وف 14 يكوّنان وحدة متكاملة، فلا نفصل انتصار الأشرار عن فشلهم العميق وهلاكهم.
"ثم سمعت صوتاً" (آ 13). بعد أن تدخّل الرائي معلناً أن الآلام هي حظّ المؤمنين، سمع صوتاً من السماء يعلن: "طوبى للذين يموتون في الرب". كانت آ 12 تشجيعاً سلبياً، فجاءت آ 13 تشجيعاً إيجابياً. من هو هذا الصوت؟ هو الروح يعلن بسلطانه الإلهي كما في 10: 4، 8؛ 12:11.
تكلّم صاحب رؤ، فجاء صوت من السماء يدلّ على صدق كلامه ويكلّمه. فالنهاية هي في يد الله. وتأتي التطويبة الثانية. كانت الأولى في 1: 13. وستتبعها خمس تطويبات هي: 16: 15؛ 19: 9؛ 20: 7؛ 22: 14. وجاء الأمر بالكتابة يشدّد على آنية هذا الوحي.
والثبات المستعدّ لمواجهة الموت ليس حلاً بسيطاً من الإنتظار قبل أيام أفضل. بل الباب نفسه الذي يفتح على السعادة الموعود بها. الثبات هو الجوع على السعادة. هنا نتذكّر مت 5: 10- 11(طوبى للمضطهدين.. فإن لهم ملكوت السماوات). هذه الحقيقة تسري على الجميع، وتتحقّق بالدرجة الأولى في شخص الشهداء.
"منذ الآن". تعود هذه العبارة إلى الزمن الجديد الذي يدشّنه المسيح. منذ مات يسوع وقام، إنفتح "اليوم" الحاضر الذي فيه يُعطي الخلاص الآن. والذين يموتون تعطى لهم منذ الآن الحياة الأبدية. هم يشاركون في القيامة الأولى ولا يعنيهم الموت الثاني كما تقوله التطويبة الموازية في نهاية خبر الدينونة. "سعيد وقديس من له نصيب في القيامة الأولى: لا سلطان للموت الثاني عليهم" (20: 6).
الروح هو الذي يقول هذا الكلام. فهو في رؤ يحدّثنا دائماً عن الحاضر الذي نعيش فيه. هذا ما فهمناه حين قرأنا الرسائل السبع إلى الكنائس. وفي 22: 17 نقرأ: "فالروح والعروس يقولان: تعال! والسامع فليقل: تعال! والعطشان فليأت".
"إن أعمالهم تتبعهم". الأعمال هي كل ما يشكّل السلوك المسيحي: الأتعاب، الجهود، الثبات، الصبر، الإيمان، الخدمة (2: 2، 9). ليست الأعمال كنزاً من الإستحقاقات توضع مسبقاً في السماء، لتؤثّر على دينونة الله. إنّ النصّ يقول إن النظر لا يُعاد في ما قاموا به في حياتهم. والموت لا يهدّد الحياة الأبدية التي كانت علاماتها ظاهرة فيهم. كانوا غالبين وسيظلّون غالبين. صارت الدينونة وراءهم وقد تجاوزوها: إن أعمالهم تتبعهم.

3- الآية السادسة: حصاد الأرض وقطافها (14: 14- 20)
بعد رؤية 144.000 رفيق للحمل، بعد الإعلان المثلّث للدينونة التي أصابت بابل وعبّادها، ها نحن أمام رسم جديد للدينونة الأخيرة عبر صورتيَ الحصاد والقطاف.
في 19: 11 ي، سوف نجد تصويراً جديداً للدينونة يعود إلى صورة القطاف. لا نحسب أن هذين المقطعين يتعاقبان في الزمن. فلقد اعتاد الكاتب أن يعود مراراً إلى الموضوع عينه معطياً رنّة مختلفة لكل من التمثّلات المتوازية. إن ف 19- 20 هما انتصار المسيح الأخير على أعدائه الكبار: الشيطان، الوحش، النبي الكذاب. إنهما تنفيذ الدينونة في ما هو أساسي فيها. فالمشهد له أبعاد كونية.
يقول 14: 14- 20 إن اتحاد 144.000 مع الحمل (آ 1- 5) من جهة، وعقاب عبّاد الوحش من جهة أخرى (آ 6- 11) هما جزء لا يتجزّأ من الدينونة. إذن، تتحقّق الدينونة منذ الآن في الخبرة اليومية بالنسبة إلى المؤمنين كما بالنسبة إلى الكافرين. هذه الملاحظة تدعونا إلى تفسير آ 14-20 كخاتمة للفصل كله: تجاه 144.000 نجد الحصاد الذي يعني المؤمنين. تجاه عقاب عبّاد الوحش هناك القطاف الذي يعني عابدي الأوثان. وبنية كل من القسمين بسيطة: ابن إنسان (أو ملاك) يظهر مع منجل (آ 14-16). ثم ملاك آخر يؤمَر باستعمال هذا المنجل (آ 17- 20)، فينفّذ الأمر.
نعجب حين نرى "ابن الانسان" يتسلّم من الملاك أمراً بأن يلقي المنجل على الأرض. يبدو أن لفظة "منجل" هي مفتاح هذا النصّ. وهي ترد في جميع الآيات (14 مرتين، 15، 16، 17، 18، 19) ما عدا في آ 20. فهي تضمّ في نصّ واحد مرجعين كانا مستقلّين في البداية.
إن تصوير إعمال المنجل الثاني (آ 17- 20) يبدو كثر دراماتيكية، أكثر تفصيلاً وأكثر دموية. لماذا إعمال المنجل مرة ثانية بعد أن حصدت الأولى الأرض (آ 16)؟ هنا نعود إلى ما قلناه سابقاً حول الحصاد ودينونة شعب الله، والقطاف ودينونة الهالكين. فقد يكون القطاف يعني أيضاً المؤمنين الذين يعرفون الإضطهاد والموت.
أ- الحصاد (14: 14- 16)
"نظرت فرأيت سحابة بيضاء" (آ 14). السحابة تدلّ على حضور الله وسلطانه. والبياض علامة الغلبة. في خطب يسوع، تبدو لفظة "سحاب" جزءاً لا يتجزّأ من إعلان الدينونة (مر 13: 26؛ 14: 62؛ مت 24: 30؛ 26: 64؛ لو 21: 27). ونلاحظ في العهد الجديد أن السحابة ترتبط دوماً بالمسيح. لهذا فالجمع بين السحابة والمسيح له بُعد اسكاتولوجي.
يتحدّث رؤ مرتين عن شخص هو "شبه ابن إنسان". هو المسيح في إطار السحاب كما في دا 7: 13. نلاحظ أن هذا اللقب المسيحاني المتواتر في الأناجيل يبدو نادراً في رؤ. في الرؤية التدشينية (1: 13)، وهنا في آ 14، يبدو ان ابن الإنسان، رغم نشاطه كديّان، لا يتمتّع بميزات تختلف عن ميزات ملاك. إن كان هو الذي يحصد، فالملاك هو الذي يقطف. لا شكّ في أن الكاتب ما زال مرتبطاً بتقاليد جليانية يهودية. لهذا، حين يتكلّم عن يسوع المسيح، فهو يفضل بأن يعطيه إسماً خاصاً: ابن، حمل، عريس، ربّ. وهو يعترف له بالسلطان الإلهي. إن ابن الإنسان في هذا المقطع تحيط به هالة إلهية، وهو يجلس على سحابة بيضاء، وفوق رأسه تاج الملوك. يستلهم المشهد يوء4: 12-13: "أنا هناك جالس لأدين الأمم المجاورة. أعملوا المنجل فالحصيد نضج. تعالوا دوسوا فتمتلىء المعصرة وتفيض الخوابي".
"مثل ابن إنسان". نحن في العالم الجلياني وفي حديث عن المسيح في نهاية الأزمنة. إنه يبدو كملك منتصر (إكليل من ذهب) وديّان (المنجل). ابن الإنسان عبارة تدلّ على المسيح المرتفع في المجد.
"وخرج من الهيكل ملاك آخر" (آ 15). الملاك في الفكر اليهودي يدلّ على أمر الله وقد صار منظوراً. لقد تشخصنت وصية الله في الملاك. الآب وحده يحدّد ساعة الدينونة. ويعرف المسيح أنه خاضع للآب في الطاعة، وهو الذي طعامه يقوم بأن يعمل مشيئة من أرسله (يو 4: 34). قال يسوع: "لا يستطيع الإبن أن يفعل شيئاً ما لم يرَ الآب يعمله. لا أستطيع أن أصنع شيئاً من نفسي. أنا أدين حسب ما أسمع. دينونتي حقّ لأني لا أطلب مشيئتي، بل مشيئة ذلك الذي أرسلني" (يو 5: 19- 30).
حمل الملاكُ الأمرَ إلى المسيح. خرج من الهيكل ونقل إرادة الله. قال مر 13: 32: وهذه الساعة لا يعرفها أحد، لا الملائكة ولا الابن، بل الآب وحده". إذن، الله يعطي الإشارة لبدء الحصاد والقطاف. جاءت ساعة الحصاد، فحصاد الأرض قد يبس. إذن، نضج. لقد مدى "زمن قليل" (6: 11) فيه وجب على الشهداء بأن ينتظروا تحت المذبح.
في يوء4: 13، دلّ الحصاد والقطاف على دينونة الهالكين. أما هنا فالسياق يدعونا لكي نرى في الحصاد صورة عن تجمّع المؤمنين. فالأناجيل تستعمل صورة الحصاد لكي تعلن اجتماع المختارين في آخر الأزمنة (مت 3: 12؛ 9: 37؛ مر 4: 29؛ رج يو 4: 36-38). هذا ما يقابل رؤية 144.000 مع الحمل.
"وألقى منجله" (آ 16). هنا يعود النصّ أيضاً إلى يوء4: 13. لا حاجة إلى العنف. ما إن بدأ الحصاد حتى انتهى. هو وقت جمع الحنطة في الإهراء. فالدينونة الأخيرة لا "تعيد النظر" في حياة المسيحيين الجديدة (كأنها موضوع تساؤل)، بل تثبت انتماءهم إلى شعب المختارين.

ب- القطاف (دا 1: 17- 20)
تدلّ صورة القطاف على عقاب الهالكين. هنا نتذكّر الخمر (الدم) الذي يجري كما في أش 63: 2 ي.
"وخرج ملاك آخر" (آ 17). الملاك ينفّذ أعمال الله العظيمة. هو يخرج من الهيكل، من عند الله. إن التقارب بين 6: 9- 11 و 14: 18 يدلّ على أن صراخ "الذين ذبحوا من أجل كلمة الله والشهادة التي أدّوها" قد سُمع الآن. لهذا، جاء الملائكة يساعدون ابن الإنسان في عمل الدينونة. وسينفذ الحكم الإلهي بقساوة لا ترحم.
"وخرج من المذبح ملاك آخر" (آ 18). إن الملاك الذي يعطي الأمر بالقطاف يخرج من المذبح، من مذبح البخور، من أقدس موضع في الهيكل. هو ملاك النار.
يرى اليهود أن كل عنصر في الطبيعة يقع تحت مسؤولية ملاك خاص (نستطيع أن نتحدّث عن إله لكل شيء في العالم الوثني). في 7: 1 عرفنا ملائكة الرياح. والنار هي أداة العقاب. ولكنها ترتبط بشعائر العبادة لأنها تخرج من المذبح. ليست الدينونة انتقاماً وبغضاً، إنها الوجه الآخر للإنجيل، لرفض الإنجيل. يرفع القديسون الصلاة والمديح لله، فيدلّ العالم انه متمرّد ومحروق وضعيف ومخزي بسبب حضور الله المتجليّ (8: 5). لا توافق إطلاقاً بين الخطيئة والله. بقدر ما ينير الإنجيل العالم، بهذا القدر عينه يحُكم على الخطيئة وينكشف القناع عن وجوههم فيظهرون في واقعهم.
"فألقى الملاك منجله" (آ 19). إن العناقيد التي رُميت في معصرة غضب الله، تدلّ على "الذين عبدوا الوحش وحملوا سمة اسمه" (14: 11). هم يقاسون دينونة رهيبة، لأن الله لا يُستهزأ به. فنهاية التاريخ مطبوعة بتدخّل المسيح تدخّلاً مباشراً لا يقاوم. وحين ظن "المناوىء" (للمسيح) أن حصاده قد تأمّن، تصبح ساعة الحصاد ساعة الدينونة فينذهل ويتعجّب. ظنّ المناوىء أنه يستطيع أن يعجلّ نصره، فإذا هو يعجّل في نهاية التاريخ لهلاكه.
"ودِيست المعصرة في خارج المدينة" (آ 20). تمّ المشهد خارج المدينة. فالقاضي يجلس عند باب المدينة. وحسب يوء4: 12-16؛ زك 14: 22 تتمّ الدينونة قريباً جداً من أورشليم. فهي ملجأ من أجل المؤمنين بالمسيح وموضع الخلاص المقدّس. يرى اليهود أن دينونة الله ستتمّ في وادي يوشافاط (يوء4: 2- 12) أو على جبل الزيتون (زك 14: 2- 15). 
"فجرى منها دم". حسب أش 63: 3 (دستها وحدي أنا الرب) المسيح هو الذي يدوس المعصرة "بثوب مضّرج بدم" (19: 13). وهو الذي "يدوس في المعصرة خمر سخط غضب الله القدير" (19: 15). لجأ الكاتب إلى المراجع اليهودية اللابيبلية ليصوّر هذا النهر من الدم. مثلاً، نقرأ في سفر أخنوخ (100: 3): "غرق الحصان حتى صدره في دم الكافرين وغاصت المركبات".
الغلوة تساوي 192 متراً. قد يشير النصّ إلى فلسطين التي طولها من تخوم صور إلى حدود مصر 1600 غلوة تقريباً (بالضبط: 1664). وفي المعنى الرمزي، يدل على البشرية كلها التي تتلقّى طوفان الدمّ المدمّر. 4 (رقم العالم)× 4× 100 أو 40× 40= 1600. هذا يعني أن أبعاد الدينونة هي أبعاد الكون.

خاتمة
تتم الدينونة بأمر من الله الآب. فمن رفض اللقاء بالمسيح كالفادي الرحيم، سيُحكم عليه بأن يواجهه كالديّان.
إن كرستولوجيا رؤ تفترض كرستولوجية الكنيسة الأولى. كانوا يسمّون يسوع ابن الإنسان (يرد اللقب 69 مرة عند الإزائيين): يصوّرون الرب الممجّد "مثل ابن إنسان"، فيمسكون في عبارة واحدة سرّ التجسّد وسرّ الإرتفاع والتمجيد. إن يسوع يجتذبنا شيئاً فشيئاً قي مجال السرّ والعالم الذي لا يعبَّر عنه.
أعلن الملائكة ثلاث مرات مجيء يوم الدينونة الذي لا يفلت منه أحد. إن الوقوع في يد الله أمرٌ رهيب. لا نستطيع أن نتحدّث عن الله الرحيم بصدق، إن وضعنا جانباً صورة الله الديّان والعادل الذي يجازي كل إنسان حسب أعماله. فالسعادة الأبدية والهلاك الأبدي ليسا نتيجة قرار إعتباطي ومسبق يتخذه الله. إنهما يرتبطان بأعمال البشر (14: 13) شراً كانت أو خيراً. إن لحياتنا على الأرض نتائج هائلة على الآخرة. فمنذ الآن نحن نبدأ مع الله ببناء بيت لم تصنعه الأيدي بانتظار أن نترك خيمتنا على الأرض (2 كور 5: 1 ي).
نجد في ف 12- 14 شمولية دراما العالم. إنطلقنا من الصراع الأهلي بين التنين وابن المرأة، فوصلنا إلى الحلّ النهائي التاريخي، إلى الدينونة العامة. فتاريخ الكون هو موضع التسلّط البشع. ولكنه أيضاً موضع يسير فيه خلاص الله صاعداً، وليس من يقاومه. يبقى علينا أن نتحلّى بالحكمة والفطنة لنقرأ ما ترمي إليه الأبدية في ضيقنا الحاضر. قال 13: 18: "لا بدّ من الحكمة والذكاء". و 14: 12: "هي ساعة ثبات القديسين الذين يتمسّكون بوصايا الله والإيمان بيسوع".

 

 

الفصل السادس والعشرون
الآية السابعة
15: 1- 8

مع ف 15- 16 نجد نفوسنا من جديد أمام سلاسل السباعيات التي عرفناها في الختوم (ف 6) والأبواق (ف 8- 9). فبعد جمالات ف 10- 11 و 12- 14، يبدو ف 15- 16 باهتين ومليئين بالكليشهات المعروفة. ومع ذلك، نجد فيهما صوراً لا تنسى وسوف نحاول أن نتوقّف عندها. 

1- آية رائعة عجيبة (15: 1)
"ثم رأيت في السماء". أية رؤية عجيبة تلك التي تقدّم سبعة ملائكة وسبع نكبات! كيف نفهم هذه المفارقة؟
أ- وحدة ف 15- 16
يبدأ ف 15 مع الملائكة السبعة الذين يمسكون النكبات السبع (آ 1، 6، 8)، وقد أعطوا سبع كؤوس ذهبية مليئة بغضب الله (آ 7). إنهم سيصبّون هذه الكؤوس على الكون (16: 1، 2، 3، 4، 8، 10، 12، 17).
وهكذا ترتبط هذه "الآية" بسباعية الكؤوس. وحسب طريقة التداخل التي عرفناها في رؤ والتي فيها يتضمّن العنصر الأخير من السلسلة السابقة كلّ السلسلة اللاحقة، تكون هذه الآية الثالثة (12: 1: الآية الأولى؛ 12: 3: الآية الثانية، 15: 1: الآية الثالثة) مشتملة على الكؤوس السبع، بل على كل ما سوف يحدث حتى نهاية الكتاب، كما أن النكبة الثالثة (11: 14) تشمل البوق السابع، وكل ما يليه.
ب- قرابة مع سباعية الأبواق.
بدا ف 15- 16 وحدة متماسكة. وهما يبدوان قريبين من سباعية الأبواق في ف 8- 9.
أولاً: على مستوى النموذج
كانت سباعية الأبواق النموذج لسباعية الكؤوس. ففي السلسلتين تُذكر على التوالي الأمور عينها: الأرض (8: 7؛ 16: 2)، البحر (8: 8؛ 16: 3)، الأنهار والينابيع (8: 10؛ 16: 4)، الشمس (الكواكب) (12:8؛ 8:16).
ثم يُذكر الظلام في ارتباطه مع ملكوت الشيطان (9: 2 ي؛ 16: 10). وفي الموقع السادس (البوق السادس في 9: 14- 17، والكأس السادس في 16: 12، 14) يُذكر الفرات واجتياح العدوّ للبلاد. أخيراً تبدو السماء (أو الهواء) معنية في الضربة السابعة التي تتضمّن الرعود والأصوات والبروق والبرَد.
ثانياً: على مستوى التعليم
تستعيد الكؤوس تعليم الأبواق، مبرزة أهميته. فالكوارث التي لم تكن تصيب سوى ثلث الأشخاص والأشياء (البوق الأول والثاني والثالث والرابع والسادس)، أو التي بدت عابرة (5 أشهر في البوق الخامس، 9: 5، 10)، قد اتخذت الآن وجهاً دراماتيكياً. فأصابت جميع البشر وأسماك النهر وبدت أنها خطرة جداً.
نحن حقاً أمام النكبات الأخيرة التي فيها يتمّ غضب الله ورفضه لعالم الشرّ.
ثالثاً: ضربات مصر
إن الكؤوس شأنها شأن الأبواق، تلمّح إلى ضربات مصر وإن لم تكن التلميحات هى هي، وإن كان الناس هم الذين يُصابون في الكؤوس بشكل واضح. مثلاً، "احترف الناس بحرّ شديد، وما تابوا ليمجّدوا الله" (8:16).
في الكؤوس بدت التلميحات إلى سفر الخروج مقصودة، متعمّدة، وأكثر مما في الأبواق.
فاللفظة "ضربة/ نكبة" تترجم اليونانية "بلاغي". إنها تتوزّع في ف 15 -16 (1:15، 6-8؛ 9:16، 21).
- إن الغالبين يقفون على البحر (مركز الشر. يدوسونه. هم واقفون أي منتصرون. وقفة القيامة بعد العبور في الموت) وينشدون نشيد موسى: لقد خرجوا من مصر، من العبودية والنار.
- إن وضع الغالبين في الضيقات التي تحاصرهم، يذكّرنا بالتمييز الذي قام به الله بين العبرانيين والمصريين. في خر 8: 19 (أميّز بين شعبي وشعبك، يا فرعون)؛ 9: 7 (لم تمت مواشي بني إسرائيل كما ماتت مواشي المصريين)؛ 9: 19- 21؛ 10: 23 (ما كان الواحد يبصر الآخر. أما بنو إسرائيل فكان لهم نور في مساكنهم). رج رؤ 7: 1- 8؛ 11: 1- 2، 6؛ 6:12، 14؛14: 1- 5.
- ذكر النصّ ثلاث مرات تجديف البشر ورفضهم للإرتداد. في 16: 9، 11، 21: "ولكنهم ما تابوا من أعمالهم، بل جدّفوا على إله السماء". هذا ما يقابل تقسية قلب فرعون بعد كل ضربة من الضربات. مثلاً، في خر 8: 11: "فلمّا رأى فرعون أن الفرج جاءه، قسّى قلبه، ولم يسمع لهما" (لموسى وهارون). وبعد الضربة الرابعة: "قسّى فرعون قلبه هذه المرّة أيضاً، فلم يطلق الشعب من أرض مصر" (خر 8: 28؛ رج 7:9).
- إن لفظة "عجيبة" تمتلك معنى قوياً، فلا توازيَ فقط "رائعة" (15: 1، 3). يستعملها العهد القديم ليدلّ على ما عمله الله من أجل خلاص شعبه.

رابعاً: مشهد ليتورجي
إن إدراج الكؤوس والأبواق يقطعه مشهد ليتورجي يُدخل صلاة القديسين ويتيح للسباعية بأن تنطلق. في 8: 1 نقرأ: ولما فضّ الختم السابع ساد السماء سكوت نحو نصف ساعة. وفي 15: 1ب: "هي الأخيرة بها يتم غضب الله". ق 8: 2- 4 و 15: 2- 4؛ 8: 5- 6 و15: 5- 16: 1. ففي الحالتين، هناك علاقة بين شعائر العبادة المسيحية وآيات الدينونة الأخيرة.
ج- إستنتاجات
ماذا نستنتج من هذه المقابلة بين الكؤوس والأبواق وبين ضربات مصر؟ هناك ثلاثة إستنتاجات.
الأول: لن نبحث مهما كلّف الأمر عفا يقابل هذه النكبة أو تلك على المستوى التاريخي. فالكتاب لا يريد أن يتحدّث عن التاريخ المعاصر. حديثه هو حديث لاهوتي. إنه يريد أن يصوّر لنا الخلاص الذي يتمّ الآن، فيستعمل علامات اصطلح على استعمالها في دينونة الله. كل خلاص هو على مثال الخروج من مصر.
الثاني: حين يلقي سفر الخروج الضوء على هذه الضربات، نفهم أنها لا تصدر عن إرادة الله بالتدمير. فدينونته لا تطلب موت الإنسان. ما يريده الله بكل بساطة هو أن يُعرف كما هو، كالإله الواحد، كالرب والمخلّص. وعدد الضربات (أو: النكبات) هو علامة بأن الله يريد (ويصرّ) أن يعود بفرعون (في سفر الخروج) وبالبشرية (في سفر الرؤيا) إلى التوبة. وحين يرفض الإنسان نداء الله، يحكم على نفسه ويحسّ بأن مبادرات الله هي أعمال غضب وانتقام. لهذا نقرأ في سفر الخروج أن الله قوى قلب فرعون. بينما الواقع هو أن فرعون قسّى قلبه حين رأى ما رأى من تصرّفات الله. وهذا ما نقوله عن "سكّان الأرض" (أو العالم في زمن كتابة رؤ). أرادوا أن يدينوا الله بدل أن يقرّوا بأنهم صاروا غرباء عنه وعن ذواتهم. ودلّ تجديفهم إلى أي حدّ هم بعيدون عن الله. فالإنسان هو الذي يقرّر هلاكه وموته النهائي. أما الله فلا يريد موت الخاطىء، بل أن يعود عن ضلاله ويحيا.
الثالث: إن ف 15- 16 لا يكرّران ببساطة ما قيل في ف 8- 9. فبعد ف 8- 9، جاء إنتصار النبيين الشاهدين (ف 11) وقراءة آية المرأة وآية التنين مع الوحشين (ف 12- 14) فأفهما المسيحيين أن الدينونة بدأت تتمّ منذ الآن. وأن الشيطان قد غُلب وانتهى أمره. وأنهم الغالبون رغم الظواهر المقلقة. لقد اختبروا أنهم خُتموا بختم الله، أنهم وُضعوا جانباً لأنهم يخصّون الله. وهم ينتظرون بإيمان مستقبل الله. لقد خرجوا من أرض العبودية، فكانت ضربات مصر البوتقة التي تقود إلى الحرية: لهذا أنشدوا نشيد موسى والحمل.
وفي النهاية اقتنعوا أن الدينونة هي وجهة من النعمة، فأعطوا لنكبات الكؤوس معناها الحقيقي: هي آخر محطّة في تاريخ الخلاص، وليست سلسلة من الانهيارات. حين يعيشون السرّ الفصحي ويقبلون مع الحمل بأن يفضّلوا حبّ الله على حياتهم، يدلّون على أنهم قطعوا كل علاقة بالعالم الخاطىء، انهم منذ الآن "في السماء"، أنهم تجاوزوا الدينونة ويملكون مع الحمل: لهذا ينشدون نشيد موسى والحمل.
لهذا، نستطيع أن نفهم حقاً، ومهما كان في فهمنا من مفارقة، أن النكبات التي تحلّ بالعالم هي في نظرهم "آية عظيمة وعجيبة". فآية التنين كانت آية وحسب (12: 3). وآية المرأة آية عظيمة (12: 1). لقد أتاحت الآيتان الأوليان للمؤمنين أن يفهموا فهماً عميقاً ما يحدث خلف ظواهر التاريخ. أما الآية الثالثة، آية الملائكة السبعة (بنكباتهم السبع) الذين سينفّذون دينونة الله، فهي أعظم من الآيتين الأولى والثانية: هي "آية عظيمة وعجيبة". هكذا نصل إلى الرجاء الذي يعلّمنا إياه الإيمان، ونرى الآن أن الأمور تتحرّك وتسير إلى الأمام. فالماضي بما فيه من ضيق هو طريق خلاص وحاسبة نشيد. "أيها الأحبّاء، لا تستغربوا أن تكونوا في حريق المحنة (أي: الاضطهادات)، كأنما هو أمر غريب عرض لكم. إفرحوا بالحري بمقدار ما تشتركون (لا نقتدي فقط بآلام المسيح، بل نشارك فيها) في آلام المسيح حتى تفرحوا أيضاً وتبتهجوا (رج تطويبة المضطهدين في مت 5: 11- 12) في تجلّي مجده" (1 بط 4: 12-13). هذا هو معنى حياة الكنيسة!

2- الملائكة السبعة (15: 2- 4)
أ- لقد تمّ
يقف ف 15 كلّه في عالم "التتمة". فاللفظة تحيط بالرؤية في بدايتها (آ 1: يتمّ غضب الله) وفي نهايتها (آ 8: تتمّ النكبات السبع). ونجد ما يقابل هذا حين تصبّ الكأس السابعة ويهتف الصوت: "قُضي الأمر" (إنتهى كل شيء. تمّ كل شيء) (16: 17). تمّ يعني كمل وانتهى ووصل إلى الغاية. هكذا كان الوضع بالنسبة إلى يسوع حين قال من على صليبه: "تمّ كل شيء" (يو 19: 30). لقد أتمّ يسوع رسالته وهو يمجّد الآن. وعلى مثاله ستكون الكنيسة بعد أن تمرّ في المحنة والاضطهاد.
ما تمّ هو غضب الله. واللفظة تحيط أيضاً بالرؤية في بدايتها (آ 1: غضب الله) وقبل نهايتها (آ 7: غضب الله الحي). إن غضب الله ليس عاطفة ذاتية متقلّبة الأطوار. بل هو دلالة وضعية للمسافة بينه وبين الخطيئة، لعدم التوافق بينه وبين الشّر، بين كثافة كيانه الأبدي وبطلان عبادة الأوثان بما فيها من فناء وتلاشي. ظهر غضب الله حين حملَ عملُ الإنسان البعيد عن الله ثمارَ الموت. هذه هي الدينونة. إنها استسلام الإنسان إلى نتائج ما فعلت يداه (روم 1: 18- 32؛ أف 2: 1- 3). 
إذن، هذه الضربات هي الأخيرة. هي التنبيه الأخير والمحنة الأخيرة قبل الخلاص. لا شك في أن هذه الدينونة قد أعلن عنها فيما قبل وكأنها قد تمت: قُهر الشيطان. هذا ما عرفه المؤمنون بشكل كرازة موجّهة إلى الكنيسة (11: 18: جاءت ساعة غضبك ودينونة الأموات)، بشكل مديح لله (12: 10- 12: اليوم تمّ النصر) عبر إنجيل أبدي (14: 6- 12: بشارة يبشّر بها سكان الأرض) وصورة مسبقة (14: 14- 20: سحابة جلس عليها مثل ابن إنسان للدينونة). هذا ما يعرفه المؤمنون ويعيشون منه في الإيمان. ولكن حان الوقت ليعلنوا هذا الوحي جهاراً ويدلّون على أنه بدأ يتحقّق. أخذت الكأس تفيض، وجاءت الأزمة الأخيرة التي بعدها يتمّ كل شيء. هذه هي الدينونة الأخيرة.
ولكن يقول قائل: بعد الكؤوس السبع هناك أحداث أخرى أيضاً: دمار بابل (ف 17- 18). التسوية الأخيرة والنهاية (ف 20). لا شكّ في ذلك. ولكن كل هذا هو تفسير مفصّل للكأس السابعة، لأن دور الملائكة السبعة بضرباتهم السبع يضمّ نهاية الكتاب كلها: فهم يقدّمون الوضع الأخير الذي نتج عن النكبات الأخيرة. واحد منهم يدلّ الرائي على دينونة الزانية العظيمة (17: 1)، وآخر يكشف له عن مجد عروس الحمل (21: 9).
ب- نشيد الظافرين (15: 2- 3 أ)
"ورأيت" (آ 2). نحن أمام رؤية جديدة مع أشخاص جدد. وستكون رؤية ثالثة في آ 5 (وبعد ذلك رأيت) يظهر فيها الملائكة السبعة بشكل أكثر تفصيلاً.
إذن، إن آ 2- 4 تقطع تقديم السبعة الملائكة بضرباتهم السبع لغاية في قلب الكاتب. لقد تعرّفنا إلى هذا الوضع في 8: 3- 5 ساعة تقديم الملائكة السبعة بأبواقهم (8: 1- 6).
حين يُدخل الكاتب المديح في قلب تقديم النكبات، فهو يبيّن أن على المسيحيين في احتفالاتهم الليتورجية أن يعلنوا برّ الله، والمدلول الإيجابي لقرارات يتّخذها الله المحرّر. حينئذ تبدو آيات الدينونة كما هي حقاً، لا بشكل كوارث عمياء. تبدو أجزاء مكوّنة لتاريخ الخلاص كما كان الوضع بالنسبة إلى ضربات مصر. وهذا المديح يعجّل في مجيء النهاية، ويدلّ على أن الملكوت والدينونة حاضران منذ الآن، ويقيم على الأرض واحة يبرز فيها العالم النهائي، ويكشف بطلان وعرضية الشرك الذي يرفض الله. إن حياة الكنيسة تعجّل في المواجهة الأخيرة.
"بحر من البلور المختلط بالنار". يُذكر هذا البحر البلوري في 4: 6 (بحر شفّاف مثل البلور): هي المياه السماوية التي تحيط بالعرش. من أين تأتي النار التي تمتزج بالبحر؟ نار البروق؟ نار غضب الله (8: 5)؟ إن إطار النصر ونشيد موسى يذكّراننا بالبحر الأحمر والخروج من مصر. والنار التي تمتزج بالماء هي تلميح إلى المحنة التي يُجبر المخلّصون على المرور فيها. هنا نفكّر بنصوص مثل مت 3: 1 (يعمّدكم بالروح والنار) أو 1 كور 3: 15 (خلاص كما عبر النار) أو حك 19: 20 حيث نقرأ: "والنار اشتعلت في الماء والماء لم يعد يُطفىء" (رج حك 16: 17- 23 ووجود البرَد).
"رأيت الذين غلبوا الوحش واقفين". هنا نعود إلى ف 13 وإنتصارات الوحش على القديسين (13: 7: يحارب القديسين ويغلبهم)؛ وعبادة شاملة يؤدّيها أولئك الذين أسماؤهم غير مكتوبة في سفر الحياة، في سفر الحمل (13: 8)؛ والموت الذي يصيب كل الذين لا يسجدون لصورة الوحش (13: 15)؛ والعدد الذي يميّز بين المؤمنين وسكّان الأرض، ويهمّش المقاومين (13: 17). الغالبون هم المسيحيون الذين رفضوا أن يدخلوا في منطق عبادة الأوثان مخاطرين بحياتهم ليسوا فقط الشهداء، بل كل الذين يفضّلون الطاعة للمسيح ولله على الاهتمام بنفوسهم.
"كانوا واقفين على البحر". لم يعبروا بعد. إذن، لم ينتصروا بعد الانتصار الكامل. لقد بدأوا ينتصرون. هذا ما يدلّ عليه اسم الفاعل. رج 1 كور 1: 18: الذين يخلّصون الآن. هم يسيرون على المياه مثل بطرس في مت 14: 29، مثل أموات أحياء. هم ما زالوا في قلب المحنة، ولكنهم قد قاموا وهم الآن واقفون. نحن هنا أمام تلميح إلى المعمّد الذي يعيش موت المسيح وقيامته (2 كور 4: 11: نسلّم إلى الموت لأجل يسوع، لتظهر حياة يسوع في جسدنا المائت). بحر المحنة هو بالنسبة إليهم البحر السماوي الأكيد الذي يقود إلى عرش الله. إن موقع إنتصارهم هو منذ الآن في السماء حيث يشاركون في شعائر العبادة كما يصوّرها ف 4- 5.
"القيثارة" محفوظة للموسيقى السماوية (5: 8؛ 14: 2). هيئ "قيثارات الله"، لأدوات موسيقى دنيويّة. إنها عطايا نعمة من أجل موسيقى ملهمة.
"ويرتلون نشيد موسى، عبد الله، ونشيد الحمل" (آ 3). يشير النصّ إلى النشيد الذي ترنّم به العبرانيون بعد أن عبروا البحر الأحمر (خر 15): "أنشد للرب جلّ جلاله. الخيل وفرسانها رماهم في البحر. الرب عزّتي وتسبيحي. جاء فخلّصني" (آ 1- 2). كما رأى موسى في المحنة الحاملة الموت (في البحر) دينونة الله وتدخُله الفدائي، كذلك رأى الغالبون في النكبات التي ضربت العالم علامات خلاص للمؤمنين وحكماً عادلاً على سكّان الأرض.
هذا النشيد هو أيضاً نشيد الحمل. لا نتخيّل نشيدين مختلفين. فالخلاص القديم من مصر هو رمز لنجاه تامة حقّقها الحمل الذي افتدانا من الخطيئة حين اجتذبنا عبر موته إلى انتصار قيامته. إذن، يطبّق الكاتب على الحمل نشيد موسى. هكذا استعادت مريم نشيد حنة أم صموئيل (1 صم 2: 1) ولكنها وضعت فيه نفحة جديدة على ضوء الخلاص الذي يحمله إبنها يسوع.
ذُكر موسى. هي المرة الوحيدة التي فيها يذكر رؤ بوضوح شخصاً من أشخاص العهد القديم. هذا يعني أن نشيد شكر العهد القديم انضمّ إلى نشيد شكر العهد الجديد (24 شيخاً، أي 12 من العهد القديم و12 من العهد الجديد) ليؤلّفا نشيداً واحداً. فالنصر الكامل والأخير، نصر الحمل، يستعيد في ذاته كل التدخلات الخلاصية في العهدين.
لقد انتُزع شعب العهد القديم وشعب العهد الجديد من خطر كبير جدا"، فكانت لهما النجاة من أعدائهما. ساعة بدا كل شيء ميؤوساً منه، امتدت ذراع الله بقوّة: "يمينك يا رب قديرة. يمينك يا رب تحطّم العدّو" (خر 15: 6). والعودة إلى "الحمل" قد تشير إلى حمل الفصح الذي يرشّ دمُه على "جانبي الباب وعتبته العليا" (خر 12: 7، 22). فتحرير شعب الله لا يتمّ إلاّ بدم الحمل. "إن المسيح فصحنا قد ذبح" (1 كور 5: 7). وفي عب 9: 12- 14: "إن كان دم الثيران يُرشّ على المنجَّسين... فكم بالأحرى دم المسيح الذي بروح أزلي قرّب لله نفسه بلا عيب، يطهّر ضميرنا من الأعمال الميتة لنعبد الله الحي" (رج عب 9: 20- 23؛ 10: 19؛ 12: 24؛ 13: 12- 20).
ج- ترنيمة الظافرين (15: 3 ب- 4)
ولكن ماذا تقول ترنيمة موسى والحمل؟ لا نجد فيها عبارة واحدة مأخوذة من خر 15. غير أنها مبنيّة بجمل مأخوذة من العهد القديم ولا سيّما المزامير.
"عظيمة وعجيبة أعمالك" (آ 3). رج مز 111: 2: "أعمال الرب عظيمة ودرس لكل من يسرّ بها"؛ 139: 14: "عجيبة هي أعمالك، وأنا أعرف هذا كل المعرفة" (رج خر 15: 11).
"أيها الرب الإله القدير". رج عا 4: 13: "فالذي يصوّر الجبال ويخلق الريح... اسمه الرب الإله القدير"؛ رؤ 1: 8: "وهو الإله القدير". 
"طرقك عدل وحق". رج تث 32: 4: "صوّر الكائنات وعمله كامل، وكل طرقه عدل"؛ مز 145: 17: "الرب عادل في كل طرقه، ورحيم في جميع أعماله".
"يا ملك الأمم، من لا يهاب (يخاف) اسمك" (آ 4). رج إر 10: 6- 7: "من لا يهابك يا ملك الأمم، فمهابتك تليق بك... وفي الممالك كلها لا نظير لك"؛ مز 86: 9: "جميع الأمم الذين صنعتهم، يجيئون ويسجدون أمامك، ويمجّدون اسمك يا ربّ".
"فأنت وحدك قدوس". رج مز 145: 1: "أعظّمك يا إلهي الملك، وأبارك اسمك إلى الأبد".
"جميع الأمم ستأتي". رج ملا 1: 11: "فمن مشرق الشمس إلى مغربها اسمي عظيم في الأمم"؛ رج مز 86: 9- 10.
هذا "المزمور" هو نشيد إعجاب أمام الله. وهو يتوزّع كالموسيقى حول عبارة هي الذروة فيه: "من لا يخافك؟ من لا يمجّد اسمك"؟ فالمخافة والتمجيد بحيلاننا إلى النداء الذي سمعناه في 14: 7: "خافوا الله ومجّدوه". إنه ملّخص الموقف الحقيقي أمام الله. فالغالبون يؤكّدون أن كل ما يحدث في العالم يدفعهم إلى الإقرار بحضور الله الناشط والتجنّد له. كل ما صنعه الله يدفعنا إلى عرفان الجميل والتوبة. كل ما يفعله الله ليس علامة موت، بل علامة حياة.
ماذا نلاحظ في هذه الترنيمة؟ إن تدخّلات الله تدلّ على وجهه الحقيقي. تدخّلاته هي عظيمة وعجيبة مثل آية 15: 1 (رأيت في السماء آية عظيمة، عجيبة). وهي تدلّ عليه في بهائه. إنه سيّد الكون. تدخّلاته هي عدل وحقّ لأنها ثابتة ومتينة وتتكيّف مع الأوضاع. فهي تدلّ عليه بأنه وحده يعرف أن يقود البشر، بأنه ملك الأمم. وهذه التدخلات تصبح بواعث تدعونا إلى المخافة والتمجيد. فأنت وحدك قدوس. لا ترضى عن الشّر والخطيئة.
وبمختصر الكلام، لا ينشد الغالبون نصرهم الخاص. فالغلبة هي غلبة الله والحمل، ويُدهش المؤمنون حين يشاركون فيها. ويعلنون يقيناً يقول إن كل ما صنعه الله يكشف عن إرادته بأن يخلّص، وندائه بأن نؤمن به. ويدعو المؤمنون كل الأمم لكي ينضمّوا إلى هذا اليقين فيعرفوا أن يقرأوا في التاريخ أعمال الله العادلة كما تتجلّى في العالم. لسنا هنا أمام صلاة متشيّعة وطالبة الإنتقام. ويبرز على هذه الخلفية بشاعةُ التجديف المثلّث ورفضُ البشر بأن يفهموا ويتوبوا (16: 9- 11، 21). هذه هي الدراما التي يشير إليها الإنجيل مراراً (مر 13: 11- 15؛ لو 13: 34- 35؛ 19: 41- 44؛ يو 9: 38- 41؛ 12: 37- 43). يرى "الناس" في الصليب إنتقام الله وجهالة يتحمّلونها. وكان الصليب هو في الواقع طريق حياة وحكمة إلهية (1 كور 1: 18).
إن هذه الترنيمة التي تحتفل بالله المتجلّي بأحكامه في التاريخ، تشكّل مقدّمة هامة للكؤوس السبع.

3- كؤوس الذهب السبع (15: 5- 8)
"وبعد ذلك رأيت" (آ 5). بعد الانقطاع عما نجد من شرح في آ 2- 4، نستعيد رؤية "هيكل خيمة الشهادة". عبارة لم نعتد عليها. فالهيكل قد حلّ محل الخيمة التي كانت ترافق العبرانيين في الصحراء: تُنصب مع سائر الخيم، فيتوقّف الشعب عن الترّحال. وتُرفع ساعة يرشح ساب الرب (علامة حضوره) فترفع مع سائر الخيم. ثم إن الهيكل السماوي هو النموذج الأول لخيمة الشهادة ولهيكل أورشليم معاً.
"فُتح الهيكل". عبر المعترضة في ف 12- 14، نستعيد ما قلنا في 11: 19 (وانفتح هيكل الله في السماء). ولكن في 11: 19، كشف فتح الهيكل عن العهد مع الله والاتحاد به. أما هنا، فالفتح يتوخّى إطلاق تطواف الملائكة السبعة والدلالة على أن النكبات التي تضرب الأرض تأتي من الله نفسه. هذا السيناريو وجدناه في 14: 15، 17 (خرج ملاك من الهيكل).
"خرج الملائكة السبعة" (آ 6). يستلهم المشهد حز 9- 10 (عقاب المدينة والهيكل) (إن رؤ 8: 5 عاد إلى حز 10: 2: أمسك المبخرة وملأها من نار المذبح)، ولا سيما حز 9: 2 (يلبس كتاناً) حيث نرى الملائكة الذين سيعاقبون أورشليم خارجين من رواق الهيكل.
إن لباس هؤلاء الملائكة يدلّ على طابعهم السماوي: كتان نقي برّاق (رج 19: 14 وأجواق الملائكة و19: 8 والمسيحيين "السماويين"؛ رج 3: 5؛ 6: 11): هو ثياب الكهنة. ويدلّ على كرامتهم السامية: حول صدورهم أحزمة من ذهب مثل ابن الإنسان في 1: 13. إذن، هم "ملوك".
"فأعطى أحد الكائنات..." (آ 7). في حز 10: 7، سلّم أحد الكروبيم نار الدينونة. أما هنا فأحد الكائنات التي تحمل عرش الله. وهكذا يدلّ النصّ على أن تحقيق الدينونة يحرّك كل مراتب السماء حتى أعلاها.
"سبع كؤوس من ذهب". الكأس هي التي يقدّمها صاحب الوليمة للحاضرين. وهي تدلّ على المصير الذي يصيب شخصاً من الناس. مثلاً، الكأس التي سيشربها يسوع في جتسيماني هي كأس مرّة. والكلمة المستعملة هنا "فيالي" تدلّ على كأس تستخدم في الليتورجيا: إن هذه الكؤوس تمثّل صلاة القديسين (5: 8؛ 8: 3- 3). وهذه الصلاة تعجّل بمجيء الدينونة الأخيرة التي بها يمجّد الله تمجيداً كاملاً. وهناك تفصيل آخر يبرز المناخ العبادي في هذا المشهد: عبارة "غضب الله الحيّ إلى أبد الدهور". في آ 7، تبدو كالصلاة النهائية في شعائر العبادة والسجود.
ليس من حدث دنيوي محض. فكل ما يحصل إنما يحصل لكي يتجلّى مجد الله. ففي الليتورجيا وبالليتورجيا يحصل في الحقيقة ما يجب أن يكون. في الليتورجيا وبالليتورجيا تتمّ دينونة الله، ودينونته من أجل النعمة والحياة.
"وامتلأ الهيكل دخاناً بسبب مجد الله وقدرته" (آ 8). هذا المشهد يعود إلى خر 40: 34 (غطّى السحاب خيمة الاجتماع وملأ مجدُ الرب المسكن) وحز 10: 4 (إرتفع مجد الرب فوق الكروبيم نحو عتبة البيت. فامتلأ البيت من السحاب والدار من ضياء مجد الرب) وأش 6: 4 (إمتلأ البيت دخاناً). فالنور والنار والدخان تدلّ دوماً في العهد القديم على حضور الله القدير والمهيب. ففي ساعة الدينونة هذه، لا نستطيع الوصول إلى الله (ما استطاع أحد أن يدخل الهيكل). فما لم يصعد حتى الآن إلى الله بشكل تكفير وصلاة، لن. يستطيع أن يصعد فيما بعد. الآن، كل صلاة صارت باطلة، وتأخّرت ساعة التوبة (العذارى العشر في مت 25: 1 ي). جاءت الساعة التي فيها لا يستطيع الإنسان أن يعمل (يو 9: 4).
"ما استطاع أحد أن يدخل الهيكل". إن ساعة النكبات الأخيرة هي ساعة قدرة الله وعظمة حضوره. فالسحاب والدخان يدلاّن على حضور الله، وفي الوقت ذاته يخفيان هذا الحضور.
حين دُشنت خيمة الاجتماع مع موسى (خر 40: 23- 35) والهيكل مع سليمان (1 مل 8: 10- 11)، ملأ السحاب المكان فدلّ على الحضور الإلهي، وعلى رضى الله. فالسحابة تخفّف ما في قدرة الله من تدمير، كما تخفي السرّ الأخير لعمله. فوقت الدينونة، شأنه شأن اللحظة الأولى للقيامة، يبقى خفياً علينا إلى الأبد. هنا نتذكّر ثلاث ساعات الظلمة التي أحاطت بدينونة العالم التي هي موت يسوع على الصليب. إنها الساعة السرّية التي فيها يتّحد الناسوت باللاهوت بشكل نهائي. لم يستطع أحد أن يكون شاهداً لما حدث. ولكن حين لفظ يسوع النفس الأخير، وتكرّس الهيكل الجديد (جسد يسوع)، شاهد قائد المئة "ابن الله" من خلال هذا المصلوب (مر 15: 39). أما لماذا لا يستطيع أحد أن يدخل إلى الهيكل قبل نهاية الضربات؟ فلأن الكون يصبح واسعاً وسع الكون. وتظهر الخليقة الجديدة بعد أن تتمّ الدينونة ويمرّ جميع البشر في النار. حينئذٍ وحينئذٍ فقط تنزل المدينة المقدسة من السماء وتتطابق الخليقة والهيكل (تصبح الخليقة كلها هيكل الله) فيتقرّب جميع الناس من الله الحاضر وسط أخصّائه (21: 22، 37؛ 22: 3- 5).

 

 

الفصل السابع والعشرون
الكؤوس السبع
16: 1-21

إن نمطيّة سفر الخروج التي سبق واكتشفناها في 15: 1-8 قد تداخلت في رؤى كؤوس غضب الله. فالنكبات الأربع الأولى تضرب، شأنها شأن نكبات الأبواق الأربعة الأولى، أربع مناطق مختلفة في الكون. الأرض (8: 7؛ 16: 2). النهر (8: 8؛ 16: 3) . الأنهار (8: 10- 11؛ 16: 4- 7). الكواكب (الشمس) (8: 12؛ 16: 8- 9).
ولكن ضربَ كلٌ من الأبواق ثلث مناطق الكون. أما الآن فصارت الخليقة كلها خاضعة للدمار. كان الوضع دراماتيكياً فزاد. ثم نلاحظ تشابهات واضحة بين كؤوس الغصب وضربات مصر. في الكأس الأولى (16: 2) نجد القروح التي هي الضربة السادسة بين ضربات مصر (خر 9: 8- 12). في الكأس الثانية (16: 3-7) يتحوّل الماء إلى دم (خر 7: 14- 25) كما في الضربة الأولى. في الكأس الخامسة (16: 10- 11) تغطّي الظلمة الأرض كما في الضربة التاسعة من ضربات مصر (خر 10: 21-23). في الكأس السادسة (16: 12- 15) نرى الضفادع كما في الضربة الثانية (خر 8: 1-7). وفي الكأس السابعة (16: 17- 21) ينزل البرَد الكبير كما في الضربة السابعة (خر 9: 13- 35). في العهد القديم، إستعان الله بالطبيعة لكي يعود بفرعون إلى التوبة ويدعوه إلى الإعتراف بقدرة الله. وفي العهد الجديد، جاءت قوى الطبيعة تدلّ على دينونة الله. هل تاب الناس؟ كلا. مثلاً نقرأ في الكأس السابعة: "شتمَ الناسُ الله لنكبة البرَد" (16: 21).

1- الكؤوس الأربع الأولى (16: 1- 9)
"وسمعت صوتاً عظيماً من الهيكل" (آ 1). الصوت الذي يخرج من الهيكل هو صوت الله. نقرأ في أش 66: 6: "صوت جلبة من المدينة، صوت من الهيكل. هو صوت الربّ يعاقب أعداءه". نحن هنا أيضاً في جوّ الدينونة. والصوت يخرج باحتفال من المكان المقدّس. فالله هو الذي يأمر بالنكبات الأخيرة. إن كؤوس الله السبع ستصبّ على الكون. وفكرة الغضب الذي يصبّ، تذكّرنا بنصوص عديدة في العهد القديم. نقرأ في مز 69: 25: صبّ عليهم سخطك، وليدركهم وغر غضبك". وفي إر 10: 25: "أفرغ غضبك على الأمم الذين لم يعرفوك، وعلى العشائر الذين لم يدعوا باسمك". وفي صف 3: 8 يقول الرب: "أجمع الأمم وأحشد الممالك لأصبّ عليهم حنقي، كل اضطرام غضبي، لأن الأرض كلها ستؤكل بنار غيرتي".

أ- الكؤوس الأولى والثانية والثالثة (آ 2- 4)
إن الكأس الأولى، شأنها شأن البوق الأول (8: 7)؛ تضرب الأرض فتذكّرنا بضربة مصر السادسة (خر 9: 8 ي). الكارثة ليست قاتلة، ولكنها تضرب جميع البشر، أقلّه أولئك "الذين عليهم سمة الوحش ويسجدون لصورته". إن ما اعتبروه سمة حياة كشف عن واقعه وتحوّل إلى قروح. وهكذا جاءت الضربة في خطّ الزلة. والصورة التي عبدوها لا تستطيع أن تعينهم (آ 2).
والكأس الثانية (آ 3)، شأنها شأن البوق الثاني (8: 8)، تضرب البحر الذي يتحوّل إلى الدم. نتذكّر ضربة مصر الأولى (خر 7: 14- 21). الدم هو دم ميت، دم جثة هامدة. وهذا ما يجعله نجساً. وفعلت الضربة ولم تتوقّف عند حدّ: كلّ ما في البحر مات.
والكأس الثالثة (آ 4)، شأنها شأن البوق الثالث (8: 10- 11) تضرب المياه العذبة التي لا تتحوّل إلى أفسنتين، بل إلى دم كما في ضربة مصر الأولى (خر 7: 14- 21). قد نكون هنا في جوّ معارض لما حدث في البرية. كانت الماء مرّة، فألقى موسى ورق شجرة في الماء فصار عذباً (خر 15: 23- 25).
ب- نشيد الملاك (آ 5-7)
"ملاك الماء" (آ 5). بعد ملائكة الرياح (7: 1) وملاك النار (14: 18)، يظهر للمرة الثالثة ملاك مسؤول عن ظاهرة طبيعية، ملاك الماء. هذا الملاك يتدخّل في الوقت المناسب، لأن الكأس الثالثة ضربت منطقة نفوذه. إذن، كان عالماً بما يفعل حين أعلن الطابع الحقيقي للدينونة: هي دينونة الله العادلة. ترنيمته توازي ترنيمة الغالبين الواقفين على بحر البلّور. فبعد المؤمنين تأتي الخليقة نفسها فتقرّ أن تصرّف الله عادلة رغم الظواهر. الله هو "الكائن والذي كان" لا "ذاك الذي يأتي" كما في 1: 4-8؛ 4: 8، لأن الديّان هو الآن حاضر. وعمله يكشفه على أنه القدوس، ذاك الذي لا يستطيع تحمّل الشرّ (15: 4).
"سكبوا دم القديسين" (آ 6). إن تحوّل الماء إلى الدم ليس ضربة عادية. انه القصاص العادل للذين سفكوا دم القديسين والأنبياء (11: 18؛ مز 79: 3). إن النداء الذي أطلقه الشهداء المخفيّون تحت المذبح (6: 10) قد سُمع، فضرب الله المضطهِدين. وأنشد الملاك: نالوا ما يستحقون. لسنا هنا على مستوى الإنجيل وما فيه من مغفرة. بل أمام نظرة تنطلق من الواقع وما فيه من كارثة، فترى فيه عقاب الله.
"وسمعت صوتاً من المذبح" (آ 7). وبدأ المذبح يتكلّم. هو المذبح الذي حمل إلى الله كل صلاة القديسين (8: 3- 5؛ رج 9: 13؛ 14: 18). يمثّل صوتُه صوت القديسين والشهداء فيقابل صوت الملاك وما فيه من طلب انتقام. وهو يستعيد كلمات نشيد موسى ونشيد الحمل: 15: 3-4: "عظيمة عجيبة أعمالك...". نلاحظ أن المعنيّين الأولين، أي المسيحيين المعرّضين للإضطهاد والموت، لم يتوجّهوا إلى الله إلاّ لكي يمجّدوه: وهم يرون أن ثمرة الدينونة العظمى ليست في ما تحمل من انتقام، بل في ما به تتيح للأمم بأن يفتحوا عيونهم ويسجدوا لملك الملوك. 
إذن، الكلمة الأخيرة ليست كلمة الملاك الذي يبتهج بالإنتقام، بل كلمة المسيحيين الذين ينشدون لله فرحتهم لأنهم شالوا الخلاص (19: 2). 
خرج الوحش الأولى من البحر (13: 1). كان البحر ينبوع الشّر فصار مقبرة لجميع الأحياء بحيث لن يخرج وحش آخر يحمل الضرر. مع "وحش البحر" ماتت كل وحوش البحر، وذلك في الكأس الثانية. هنا تحوّل المدلولُ المرتبط بالدم. في العهد القديم كان دم الذبائح عربون التكفير والخلاص. وكذا نقول عن دم المسيح في العهد الجديد. أما هنا، فصار الدم علامة منظورة عن الهلاك. فمن رفض الخلاص والتقديس بدم المخلّص، سيجرّه دم آخر إلى هلاكه.
وما هو أساس الحياة، أي المياه الجارية، تحوّلَ إلى دم ينزّ من الموتى: حينئذ يصيب العقاب الناس والحيوان في وجودهم. فالإنسان الذي يرفض أن يشرب الدم الذي يعطي الحياة الأبدية (يو 6: 54) يحُكم عليه بالعطش ويُفرض عليه أن يشرب "دم الموت" في نهاية الأزمنة. تلك كانت الكأس الثالثة.
ج- الكأس الرابعة (آ 8- 9)
الكأس الرابعة تشبه البوق الرابع (8: 12)، وهي تعني الشمس. أما هنا فالضربة ليست تعتيماً ونشر ظلام، بل حرّاً شديداً يتنامى. في العهد القديم، رمزُ الشمس هو رمز إيجابي، أما إشعاعاته فمخيفة. والمرتّل يرى بركات الله في حماية من نيران الشمس. قال في مز 21: 6: "فلا تؤذيك شمس النهار، ولا يؤذيك القمر في الليل". ونقرأ في أش 4: 6: "يرسل الرب خيمة تظلّل أورشليم في النهار من الحرّ". وفي 49: 10: "لا يجوعون ولا يعطشون، ولا يضربهم حرّ الشمس" (رج ؤ 7: 16).
نجد أن ذات القوى التي تحمي المتّحد بالله، تدمّر ذاك الذي انقطع عنه. فالمريض يجد سماً في طعام الأصحاء. ودفعت الضربة الناس إلى التجديف لا إلى التوبة. عرفوا أن مصدر هذه النكبات هو الله، ولكنهم لم يدركوا نواياه ولا قصده. ولم يفهموا أن الله عادلة ورحيم معاً. يحمل الخلاص ويجازي كل واحد حسب أعماله. نحن هنا أمام قساوة القلب التي نلاحظها بعد كل ضربة من ضربات مصر.
خُلقت الشمس لكي "تنير الأرض" (تك 1: 5). كانت حسنة، كما يقول نشيد الخلق. ولكنها ستصير منفّذة أحكام الله (تك 1: 18). كان الناس قد حرموا من الماء، وها هي حرارة الشمس تحرقهم، أما حين نكون مع أناس أبرار، فالنار تتحوّل إلى برودة. هذا ما حدث لرفاق دانيال في أتون النار (دا 3: 66، 88).
في نهاية الأزمنة، تسبّب النار التي ترمز في العهد القديم إلى حضور الله (خر 3: 1- 16 والعليقة المحترقة) موت الجميع. فالخاطىء القاسي القلب الذي يقترب من الله، يدمّر باتصاله بالعدالة الإلهية. من يبتعد عن الله يدمّر أساس حياته. من يرذل الله، يرذله الله.

2- الكأسان الخامسة والسادسة
أ- الكأس الخامسة (آ 10- 11)
قد أصاب غضب الله عرش الوحش، أي عاصمة وحش البحر (رومة والسلطة السياسية) (13: 2). أصيب الناس بالعمى. وانخسفت مملكة الشرّ كما تنخسف الشمس. ويصوّر الكاتب بشكل مؤثّر مرارة عبّاد الوحش وسخطهم ويأسهم: فبعد آلامهم المتكاثرة والقروح الخبيثة التي أصابتهم، عليهم الآن أن يقرّوا بعجزهم: "كانوا يعضّون على ألسنتهم من الألم".
تذكرنا الكأس الخامسة بالبوق الخامس (9: 1- 12) رغم الإختلاف الظاهر. ففي الحالتين نحن أمام الظلمة والتعتيم، أمام ظلمة مملكة شيطانية مملوءة من عذابات البشر. غير أن النصّ يعود بشكل مباشر إلى ضربة مصر التاسعة (خر 10: 21- 23). في الكؤوس الأولى، قدّمت الخليقة للبشر مرآة خطاياهم. ولكن عنادهم ورفضهم فتحا الباب للقوى الشيطانية التي خرجت من "مخابئها" في الكؤوس الثلاث الأخيرة.
لقد ضُرب "عرش الوحش". ضُربت سلطة الإمبراطورية ومن خلالها سلطة التنين. فالمملكة التي افتخرت أنها تنير العالم (إمبراطورية لا تغيب عنها الشمس)، تعيش في ظلام مفاجىء. وهكذا يذكّرنا الوضعُ بالجراح التي أصابت الوحش إصابات قاتلة (13: 3، 12، 14).
"عضّ الناس على ألسنتهم". نندهش من هذا الألم الذي يصيب البشر: فالظلمة في حدّ ذاتها ليست ظاهرة مؤلمة. ولكننا أمام أكثر من ظلمة طبيعية بسيطة. فتصوير الظلمة المصرية في حك 17 يفهمنا أن هذه الظلمة هي مرعبة لأنها تخرج من مملكة الموت (حك 17: 14: خرج عليهم من أعماق الجحيم المحتوم). إنها التعبير الكامل عن العقاب الذي يجُمل في ذاته سائر الضربات. وهذا ما نكتشف في النصّ الذي ندرس: فالظلمة ترافق وتجمع الضربات السابقة. لهذا ذُكرت القروح التي سببتها الكأس الأولى والأوجاع القوية التي سبّبتها الكؤوس التالية، فجعلت الناس يعضّون على ألسنتهم من الألم. قال حك 17: 20: "كانوا على نفوسهم حملاً أثقل من الظلمة". 
ومع ذلك، ظلّوا يجدّفون. عميت قلوبهم على مثال هذه الظلمة، وقست نواياهم، وما أرادوا أن يتوبوا في هذه الساعة اليائسة: أرادوا أن يدينوا إله السماء، ففعلوا غير ما فعل الناس في 11: 13 (مجّدوا إله السماء). إتهموا الله ولم يقرّوا بضلالهم.

ب- الكأس السادسة (آ 12)
"وسكب الملاك السادس" (آ 12). الفرات هو "النهر الكبير". وكان يشكّل سوراً طبيعياً يحمي الإمبراطورية الرومانية من الأعداء. والتلميح إلى الفراتيين (أو: البرتيين) (ملوك المشرق) الذين كانوا الخطر الأكبر على رومة في القسم الثاني من القرن الأول، يعني أنه حين يجفّ الفرات، لن يعود حاجز يمنع الفراتيين من الوصول إلى الإمبراطورية الرومانية وتدميرها. إنها عدوّة كنيسة الله وهي تستحق الدمار بسبب خطاياها.
غير أن هذا التلميح إلى حدث معاصر نفهمه في معنى رمزي: كما أنه لم يعد للمملكة الرومانية حدود طبيعية تحميها، هكذا لا يستطيع شيء أن يحمي مملكة الشيطان. فالقلاع التي أخّرت حتى الآن الحكم الإلهي قد زالت. ولم يبقَ لمملكة المناوىء (أنتيكرست) أمل بالوقوف أمام الهجمات المتعاقبة: لقد سلّمت إلى الكارثة.
إن الكأس السادسة قريبة من البوق السادس (9: 13 ي). وموضوع كليهما هو الفرات. يختلف المشهدان، ولكن في كلتا الحالتين، يقام الحاجز الذي يمنع اجتياح جيش كوني وشيطاني "للبلاد". نحن في المشهدين أمام حدث يفوق الطبيعة، وإن انطلق الكاتب من اجتياح الجيش الشرقي للإمبراطورية. جفّ الفرات كما جفّ الأردن في الماضي والبحر الأحمر، فانفتحت الطريق أمام "الجيوش". ولكن المعجزة لم تتمّ هذه المرّة لخلاص شعب إسرائيل، بل من أجل أعدائه.
ج- المثلّث الشيطاني (آ 13- 14)
إن الكأس السادسة (كأس الغضب) التي ترتبط بالخامسة (16: 10)، ترسم أمامنا المحاولة الأخيرة واليائسة التي يقوم بها المثلّث الشيطاني: يجترح المعجزات، ويسعى إلى أن يؤلّب ملوك كل الأرض لكي يقاتلوا الله. 
ويسمّى موضع القتال الكبير الاسكاتولوجي: هر مجدّون (16: 16). قدّمت تفاسير عديدة لكي تفسرّ هذا الإسم الذي يرد مرة واحدة في الكتاب المقدّس كله. هر أي جبل. هي جبال مجدو التي أنشدتها دبورة في قض 5: 19: "جاء الملوك وقاتلوا، ملوك كنعان حاربوا في تعنك عند مياه مجدو، وغنيمة فضّة لم يغنموا". في مجدو مات احزيا الملك بعد أن رماه رجال ياهو في المركبة، عند منحدر غور (2 مل 9: 27). وفي مجدو مات يوشيا الملك الشاب، حين أراد أن يعترض جيوش فرعون الزاحفة لمساعدة الأشوريين (2 مل 23: 29؛ 2 أخ 35: 22). وقد يعني هر مجدون: جبل الموعد أو جبل الإجتماع والجماعة (أش 14: 13).
مجدو هي قلعة هامة في الشمال، على منحدر جبل الكرمل، وهي تشرف على سهل يزرعيل التي كانت مسرح حروب هامة في العالم القديم. ولكن إن تحدّث العهد القديم عن مجدو فهو يجهل كلياً عبارة "جبل مجدو". 
نحن هنا أمام إشارة جغرافية، ولكننا نفهمها في المعنى الرمزي على أنها: "موضع تجمّع كل جيوش الحلف الشيطاني" (هناك اجتمعت جيوش مصر الوثنية). موضع تجمّع القوى المعادية لله. وهي تقابل صهيون، جبل الله (عب 12: 22 ي: دنوتم إلى صهيون، إلى جبل الله الحي، إلى أورشليم السماوية...). في هذا الوضع يكون أفضل تفسير هو ذاك الذي يجعل من هر مجدون رمزاً إلى الموضع المصيري الذي فيه يجتمع الوحش وملوك الأرض والجيوش (19: 19) ليُبادوا خلال الدينونة الشاملة (19: 21).
أجل، دخل المثلّث الشيطاني على المسرح: التنين الذي هو الشيطان (12: 3، 9). الوحش (13: 1). النبي الكذّاب الذي يقابل الوحش الثاني (13: 14؛ رج 19: 20: النبي الكذاب الذي عمل العجائب مثل الوحش الثاني).
نستغرب وجود أركان الحرب الشيطانية بمناسبة ضربة تبدو جزئية. ولكننا في الواقع أمام الكأس الأخيرة التي تدلّ على نهاية من النهايات (16: 17). بعد هذا، يعاقب الله بابل والمثلّث المذكور هنا. إذن، وصل التوتّر إلى الذروة، وهذا ما يدلّ عليه حضور الشيطان ومعاونيه.
قد ينتج عن هذا بعض التردّد في الإعلان: من جهة ملوك الشرق الذين أرسلهم الله ضدّ إمبراطورية الشيطان. ومن جهة ثانية الشيطان يجمع ملوك الأرض ضدّ المؤمنين بالله. ما الذي يبرّر عدم التماسك هذا؟ هناك تبريران لا يتعارضان، بل يقفان في موقفين مختلفين. الأول أدبي: يريد الكاتب أن يستبق سباعية الكؤوس فيربط الأحداث التي سيفصّلها فيما بعد، بدءاً بالصراع الأخير ضدّ الملوك (17: 14؛ 19: 19؛ 20: 8- 9). وهكذا تتضمّن الكؤوس التحقيق الكامل لغضب الله. والتبرير الثاني هو لاهوتي: إن غضب الله لا يتألف في ذاته من عقوبات يخلقها الله من العدم ويطلقها كحاجز في طريق البشر. إن غضب الله يقوم بأن يسمح بأن ينتشر منطق الدمار المستمر الذي يرتبط بموقف عبادة الأوثان (القروح ودم الكؤوس): حين يفيض الله غضبه، فهذا يعني انه لم يعد يصبر، انه خرج من تحفّظه وانتظاره وطول أناته، انه دلّ على استنكاره لسلوك البشر، انه فتح الصراع الذي يجعله تجاه الشيطان. لهذا يجب أن نربط بغضب الله التجمّع الأخير للقوى المعادية وهي: الشيطان، معاونوه، كل ملوك الأرض. لقد ظهرت العداوة ضدّ الله بشكل واضح جداً وبدأت التعبئة العامة.
خرج من فم الأشخاص الثلاثة (التنين، الوحش، النبي الكذاب) ضفادع. إن صورة الضفادع تذكّرنا بضربة من ضربات مصر (خر 8: 1 ي). كما أن جراد سفر الخروج كان نموذجاً لحشرات "فائقة الطبيعة" (رؤ 9: 1- 12)، كذلك رمزت الضفادع إلى الأرواح والشياطين، إلى عالم إبليس. هذا ما نقرأ في لو 4: 33 (رجل به روح شيطان نجس). أما لا 11: 10- 11(هو رجس) فيجعل الضفادع بين الحيوانات النجسة.
إن هذه الضفادع "تصنع المعجزات" مثل سحرة مصر في أيام موسى (خر 7: 11، 22) والنبي الكذاب في رؤ 13: 13- 15. وهي تخطب في "ملوك الأرض كلها لتجمعهم للحرب في اليوم العظيم، يوم الله القدير".
إن الفصل الأخير في هذه الدينونة التي تتحقّق الآن، سيكون القتال العظيم النهائي مع اندحار القوى المتحالفة للهجوم الأخير. هذا هو اليوم العظيم، يوم يهوه صباؤوت (رب الجنود)، يوم الإله الضابط الكل (8:1؛ 8:4؛ 11: 17؛ 15: 3؛ 16: 7؛ 19: 6، 15؛ 21: 22). هو يوم انتصار على كل عداوة موجّهة ضدّ الله، ضدّ مقاصده، ضدّ شعبه.
د- ها أنا آت (آ 15-16)
إن آ 15 تقطع التوسّع. ولكنها من تأليف الكاتب الذي أراد أدى يرتاح القارىء من هذه الصور. كما أراد أن يدعوه إلى التأمّل كما فعل في 13: 9 (من له أذنان) و 13: 18 (لا بدّ من الحكمة). أما الأفكار والصور فنجدها في أمكنة أخرى من رؤ. نقرأ في 3: 3: "إن كنت لا تسهر جئتك كاللصّ". وفي 18:3: "إشترِ ثياباً بيضاء تلبسها لتستر عريك المعيب". أجل، لقد أقحمت آ 15 كما أقحمت نصوص عن الكنيسة في 7: 10- 11، 14 بين العنصر السادس والعنصر السابع من السباعية، وكما أقحمت عبارات توجّهت إلى القارىء مثل 12:14-13.
إن انتظار المجيء الثاني كان حياً في الجماعات المسيحية في منتصف القرن الأول. ولكنه ضعف بعض الشيء مع الزمن. لهذا جاءت النصوص تذكّر المؤمنين أن النهاية ستأتي، ربما في زمن متأخر، ولكنها تأتي بشكل فجائي (مر 13: 16) دون أن ننتظرها. ستأتي كلصّ. فكل من لم يستعدّ لتقبّل الرب، يتعرّض بأن يجد نفسه "عرياناً" أي مهزوماً مثل آدم، فلا يحقّ له أن يرافق الغالبين المرتدين اللباس الأبيض.
نحن أمام مفتاح يتيح لنا أن نقرأ ف 16 بعينين جديدتين. الهدف واضح: يريد الكاتب أن يمنع القارىء من أن يحصر نفسه داخل عالم الخيال الجلياني، وأن يذكّره أن كل هذا يعني حياته اليومية. إمتزج المسيحيون مع الناس في الساعات المظلمة، ساعات يوم الله العظيم، فطلب منهم أن يكتشفوا معناه. عليهم أن يبتهجوا لأن هذا اليوم هو يوم المسيح، اليوم الذي يأتي فيه يسوع إلينا كاللصّ. ويشجّع يسوع كل منا على السهر لكي يكون مستعداً. السهر يعني أن نحفظ نفوسنا من كل ثقة مغالية بنفوسنا، وأن نثابر على عمل الخير على ما قال 1 بط 4: 19: "ليستودعوا نفوسهم الخالق الأمين، وهم يصنعون الخير". السهر يعني أن نحفظ ثيابنا. إن كلمة حفظ ترتبط بالوصايا (14: 12: من أحبّني حفظ وصاياي، يو 4: 23). ويعني اللباسُ الأعمالَ الصالحة (19: 8) التي تتبعنا في يوم الدين (14: 13)، وإلاّ نكون عراة.
والكوارث الهائلة التي توسّع فيها ف 15-16 جاءت في إطار من التعليمات المعطاة للمسيحي حول السلوك الذي يجب أن يسلكه. عليه أولاً أن يمجّد الله من أجل تدخلاته. هذا هو نشيد 15: 3- 4 الذي يعود في 16: 7. وهذا ما تقوم به الكنيسة في ليتورجيتها. وعليه ثانياً أن يسهر. نحن أمام التطويبة الثالثة في رؤ الذي يتضمن سبع تطويبات (1: 3؛ 14: 13؛ 16: 15، 19: 9؛ 20: 6؛ 22: 7، 14). يتلفّظ بها المسيح أو ملاك أو صوت سماوي. وهذا يعني أننا لا نفهمها إلا في الإيمان.
السهر والتمجيد هما الموقف الذي ينصح به الملاك في 14: 7: "خافوا الله ومجّدوه، لأن ساعة الدينونة جاءت" (رج 15: 4).

3- الكأس السابعة (16: 17- 21)
سُكبت الكأس الثالثة في الجوّ. الجوّ هو موطن الأرواح الشريرة، والموضع الذي منه تنطلق لتقاتل البشر (أف 2: 2). إن تدخّل الله الأخير يتوجّه ضدّ القوى الشيطانية، وهذا ما سوف نعرفه فيما بعد.
إن مضمون الكأس السابعة لا ينحصر في آ 18- 21، شأنه شأن مضمون الختم السابع أو البوق السابع، بل يضمّ كل ما تبقّى من الكتاب. إن آ 18- 21 تشكل مقدّمة للتوسّع اللاحق الذي ليس بسباعي بل هو التكملة الأخيرة للدينونة: فصل تام بين المدينتين: بابل العظيمة التي ستدمّر (ف 17-18) وأورشليم السماوية التي ستتجلّى (ف 21- 22) بعد زوال كل قوى الشرّ. ونقدّم اللوحة التالية:
الختم السابع البوق السابع الكأس السابعة
الانطلاق 8: 1 11: 15 أ 16: 17 أ
حدث ليتورجي في الماء 8: 2- 4 11: 15 ب-18
15: 2-4
فتح الهيكل 8: 5 أ 11: 19 أ 16: 17 ب
علامات تيوفانية 8: 5 ب 19:11 ب 18:16-21
15: 7 (دخان)
نستنتج من هذه اللوحة الملاحظات التالية:
* أولاً: تتكرّر عناصر البوق السابع. وهذا يعود إلى وجود نواة مركزية في رؤ هي ف 12-14. فبعد ف 12-14، يجب أن نستعيد في 15: 1-8 المسيرة التي انقطعت في 11: 15-19 (أي بعد 11: 19 نصل إلى 15: 1-8). نجد هنا معنى الدخان (15: 7): إنه عنصر تيوفاني على مثال الأصوات والرعود والبروق.
* ثانياً: لا نجد في الكأس السابعة حدثاً ليتورجياً. فصلاة القديسين تعجّل في مسيرة الأحداث. في هذا الوضع إنتهى كل شيء، ووصل انتظار القديسين إلى محطته الأخيرة. قالي الصوت: "لقد قُضي الأمر".
* ثالثاً: تشكّل الكأس الثالثة الذروة في هذه المسيرة المتدرّجة. في 11: 19، فُتح الهيكل وظهر تابوت العهد. في 15: 6-7، فُتح الهيكل وخرج الملائكة السبعة بضرباتهم السبع. في 16: 17، جاء صوت قوي من العرش فعرفنا أننا صرنا في النهاية. "قضي الأمر".
إن عبارة "قُضي الأمر" تختتم السباعيات. وتختتم الكؤوس السبع في تضمين مع 15: 6: نحن أمام تتمة نكبات الملائكة السبعة، إنتهى وقت كان يمنع فيه الدخول إلى الهيكل. فقد صار مفتوحاً للجميع. كما تبدأ هذه العبارة ما يلي مباشرة، أي دمار بابل (يصوّر الملاك بالتفصيل هذا الدمار في ف 17-18).
وترد هذه العبارة (قضي الأمر) مرة ثانية في 21: 6، فتختتم ظهور أورشليم السماوية (نزورها مع ملاك آخر من ملائكة الكؤوس، 21: 9- 22: 5). فغضب الله ليس الكلمة الأخيرة المشرفة على التاريخ. الكلمة الأخيرة هي أورشليم السماوية.
والعناصر التيوفانية من بروق وأصوات ورعود وزلزال وبرَد تصل إلى ذروة لا يمكن تجاوزها. والزلزال هو من العنف بحيث "لم تشاهد الأرض مثله منذ وُجد الإنسان على الأرض" (لا ننسى أن الزلزال يدلّ على حضور الله). نجد هنا عبارة تعود ثلاث مرات في نهاية ضربات مصر. بالنسبة إلى الضربة السابعة في خر 9: 18، 24 (لم يكن مثله في مصر منذ أُسّست). بالنسبة إلى الضربة التاسعة في خر 10: 14 (لم يكن قبله ولن يكون بعده). وبالنسبة إلى الضربة العاشرة في خر 11: 6 (لم يكن مثله ولن يكون مثله). ونجد العبارة عينها في دا 12: 1 (لم يكن منذ كانت أمّة) ومر 13: 19 (لم يكن مثله منذ بدء الخليقة).
والبرَد يبدو بشكل غير طبيعي: بحجم بدرة (40 كلغ تقريباً)، هذا هو وزن الكرة التي أطلقها الرومان بالمنجنيق في حصار أورشليم سنة 70 ب. م. وأعلن حك 5: 22 الدينونة الأخيرة بهذه الكلمات: "وسخطه يرجمهم ببرد ضخم". إذن، هذه العلامات التيوفانية ترمز إلى غضب الله وتدلّ على الحضور الإلهي الذي ما زال ممكناً في هذا العالم بما فيه من شرور.
* رابعاً: تقول لنا آ 19 ب سبب حضور الله هذا: "ذُكرت بابل العظيمة أمام الله". يبدو الله بعض المرات وكأنه يترك الأمور تجري مجراها. ولكن أمانته تتذكّر، فتبدأ محاكمة العالم. ويتجلّى حضور الله ليكشف الهوّة التي بينه وبين تقلّب المدينة الشريرة.
المدينة العظيمة هي بابل العظيمة. هي رومة وما ترمز إليه الإمبراطورية. هي تحفة التنين والوحشين. هي التي تتلقّى الإصابة الأولى. صارت عرضة لغضب الله بعد أن انقطعت عن الله. هي تواجه شجبه وتشرب كأس غضبه.
"تحطّمت المدينة فصارت ثلاثة أقسام، وانهارت مدن الأمم". وبعد هذا، أصاب الكون ما أصابه. فغضبُ الله أثر على ما بدا ثابتاً ومتيناً في هذا العالم: الجبال (إر 4: 24؛ حز 38: 20؛ حب 3: 6؛ رؤ 6: 14)، الجزر التي هي بشكل جبال في البحر (حز 26: 15-18). أجل، سيزول العالم الحاضر كله (21: 1) فيها الله قريباً من الناس بشكل مباشر في عالم جديد (21: 3).
ولكن أمام الله نفسه يقف الناس الذين يواجهون العدم، فيجدّفون على الله بنكبة البرَد هذه. إنهم يستعيدون موقف فرعون ويتحمّلون الكارثة دون أن يكتشفوا معناها ولا موقعها في تاريخ الخلاص. هذا هو سرّ العمى والكفر والكبرياء.

خاتمة
إن الرؤى السبع لكؤوس الغضب تبيّن أن المحن الكبرى التي أرسلها الله تقدّم للخطأة إمكانية التوبة الأخيرة. فالله لا يريد موت الخاطىء، بل أن يعود عن ضلاله ويحيا. فالله يقوم بكل المحاولات ويستنفد كل الإمكانات ليسهّل طريق العودة للخاطىء، ولكن رفض الإنسان يجعل قدرة الله عاجزة بعد أن قيّدها الله وكبّلها. إن الله يحترم الحرية التي وهبها للإنسان، حتى وإن استعمل الإنسان هذه الحرية ليحارب الله.
ويكمن سرّ الشرّ في عناد الخاطىء المتمادي وبغضه لله. قيل مرّتين عن البشر أنهم "رفضوا أن يتوبوا" (16: 9، 11). وقيل مرّتين أيضاً أنهم "جدّفوا على اسم الله" (16: 9، 21). ما يسبّب العمى للخاطىء هو أنه يرى في المحن التي تصيبه، لا دعوة إلى التوبة والإرتداد، بل آلاماً مشينة يسومه إياها إله لا محبّة عنده. لو عرف الإنسان خطيئته وأقبل إلى التوبة! حينئذ تتبدّل الأمور على ما في 11: 10: إنه سيخاف ويمجّد إله السماء.

 

 

الفصل الثامن والعشرون
الزانية العظيمة
17: 1-18

ها قد وصلنا في قراءتنا لسفر الرؤيا إلى مرحلة التتمة والنهاية، المرحلة التي فيها يظهر جلياً أن لا توافق بين الله وعبادة الأوثان، المرحلة التي فيها ستعيد الدينونةُ الشرّ إلى الهاوية، والأرض إلى الله.

1- بنية هذه الفصول
نبدأ مع 16: 17 ونصل إلى 22: 5. كل هذا تشرف عليه الكأس السابعة، ويتألّف من ثلاث لوحات.
أولاً: اللوحة الوسطى (19: 11- 20: 15). نرى فيها المسيح وأخصّاءه بعد أدى انتصروا على الشيطان وأعوانه. نرى في نور اليقين المجيد ما أوردته ف 12- 14 في النور النبويّ، في نور الإيمان. في البداية قُهر وحشا ف 13 ثم التنين في مرحلتين، كما في ف 12: طُرح على الأرض من علياء قوته، ثم قام لفترة من الزمن. ثم أزيل بشكل نهائي. من هنا يبدو سيناريو الدينونة الأخيرة على الشكل التالي:
- 19: 11- 21: مجيء المسيح الملك وجيوشه: نهاية الوحشين.
- 20: 1- 6: ملك المسيح على الأرض مدّة ألف سنة (من مجيئه الأول إلى مجيئه الثاني): قيّد التنين خلال زمن محدّد: القيامة الأولى.
- 20: 7- 15: أطلق التنين من أجل القتال الأخير، ثم طُرح في الهاوية: نهاية العالم ودينونة الموتى الأخيرة.
ثانياً: اللوحتان الأولى (16: 17- 18: 24) والثالثة (21: 1- 22: 5). هما تتعارضان بشكل موازٍ كنتيجتين متضاربتين في الدينونة التي صوّرتها اللوحة الوسطى. فتجاه دمار الزانية، أي المدينة التي حملها الوحش، نجد عروس الحمل التي تقيم لدى الله.
والموازاة بين هاتين اللوحتين واضحة جداً.
* الكأس السابعة (16: 17) تنهي كل شيء وتحمل
الدمار لعابدي الاصنام والخلاص للقدين
16: 17- 21 21: 1- 8
أ- تفي الأمر (آ 17) أأ- قضي الأمر (آ 6)
ب- سقوط بابل، مدينة الوحش ب ب- مجيء أورشليم الجديدة من
(آ 19) عند الله (آ 2-5)
ج- نهاية العالم القديم مجيء العالم الجديد
* بعد ذلك نجد رؤية هنا ورؤية هناك يفتحهما أحد الملائكة الحاملين الكؤوس السبع
- 17: 1- 3: وحدثني أحد الملائكة -21: 9- 10: وقال لي أحد الملائكة
السبعة. وقال: "تعال فأريك الزانية السبعة: "تعال فأريك العروس، إمرأة
العظيمة". حينئذ حملني بالروح الحمل". فحملني بالروح إلى جبل
إلى الصحراء عظيم شاهق
أ- 17: 3- 18: رؤية الزانية الجالسة أأ- 21: 10- 27: رؤية أورشليم السماوية
على الوحش (آ 3-6). تفسير التي تتمّ النرءات وترسّخ في
الرؤية (آ 7- 18). كنيسة الاثني عشر رسولاً.
ب- 18: 1- 24: رؤية سقوط بابل. ب ب- رؤية أورشليم السماوية. إنها
"لن توجد من بعد" (آ 14، 21) كفردوس جديد بقيم الله فيه.

ثالثاً: وتأتي أكثر مجدلات رؤ إحتفالاً (19؛ 1- 10: هللويا! لإلهنا الخلاص والمجد)، فتختتم اللوحة الأولى (16: 17- 18: 24) وتعلن اللوحة الثالثة (21: 1- 22: 5). هذه المجدلة تشبه سابقاتها (4: 8، 11؛ 5: 9 ي). هي لا تجعل "العمل المسرحي" يتقدّم. بل هي تبرز الأوقات الهامة (مثل الجوقة في المآسي اليونانية، والخطبة في أعمال الرسل)، وتبرز مدلولها على ضوء الإيمان، وتعيد كل شيء إلى هدفه 
بالإضافة إلى ذلك، فهي تقرّب بين اللوحتين الأولى والثانية من خلال اللوحة الوسطى، فتؤمّن اللحمة داخل المجموعة التي ندرس، أي 16: 17- 22: 5.
- 19: 1- 5: مديح لله بسبب سقوط بابل (عودة إلى ف 17- 18).
- 19: 6- 8: مديح لله من أجد أعراس الحمل (إعلان عن ف 21- 22).
وقد نزيد على هذه اللوحات ثلاثة تأكيدات احتفالية: بعد سقوط بابل نسمع: "هذه هي أقوال الله الصادقة" (19: 9). بعد النصر العظيم نسمع: "هذا الكلام صدق وحق" (21: 5). وبعد تصوير أورشليم السماوية نسمع أيضاً: "هذا الكلام صدق وحق" (22: 6).
ونبدأ بقراءة اللوحة الأولى، فنميّز فيها ثلاثة فصول: رؤية الزانية العظيمة (17: 1- 18). دينونة بابل (18: 1- 24). نشيد الغلبة في السماء (19: 1- 10). ونتوقّف عند الفصل الأول والزانية العظيمة.


2- رؤية الزانية العظيمة (17: 1- 18)
أ- المدخل
هذا الفصل هو بداية قسم يحمل خبراً مصوّراً كُتب في أسلوب جلياني باطني. هو يتحدّث عن بابل، ولكنه يعني في الواقع رومة، القوة السياسية المعادية للكنيسة. إن كاتب سفر دانيال (167- 163 ق. م.، خلال المرحلة المكابية، 1 مك 2: 59- 60) إستعمل الأسلوب نفسه كي يتحدّث عن نبوكدنصر (نبوكدنصرّ الثاني، 605- 562)، ملك بابل. ولكنه في الواقع كان يشير إلى أنطيوخس الرابع أبيفانيوس (175- 162)، ملك أنطاكية، الذي جعل منه نموذج المستبدّ الكافر.
هناك من يتحدّث عن سبع رؤى. الأولى: بابل الزانية (17: 1- 18). الثانية: إعلان سقوط بابل (18: 1- 3). الثالثة: دعوة شعب الله إلى الهرب (18: 4- 8). الرؤية الرابعة: رثاء مثلّث (18: 9- 19). الخامسة: فرح في السماء (18: 20). السادسة: تنفيذ الدينونة (18: 21 - 24). السابعة: نشيد انتصار في السماء (19: 1- 5). تعود هذه النصوص مراراً إلى العهد القديم. إن 18: 2- 10 و 21- 24 يعودان إلى أش 13: 21؛ 21: 9؛ 47: 5، 8، 9 وإر 16: 18؛ 50: 15، 29، 32؛ 51: 9، 45 وخصوصاً حز 26: 12 ي؛ 27: 1- 30؛ 28: 18. وتكون التلميحات التاريخية عديدة إلى الأباطرة، إلى رومة المدينة المبنيّة على سبع تلال، في 17: 7- 18.
وهناك من يتحدّث عن سبعة أصوات. الصوت الأول: 17: 1- 8 (كلّمني)؛ الثاني: 18: 1- 3؛ الثالث: 18: 4- 24؛ الرابع: 19: 1- 4؛ الصوت الخامس: 19: 5؛ السادس: 19: 6- 8؛ السابع: 19: 9- 10. 
وإذ نعود إلى ف 17، نجد فيه ثلاثة مقاطع. الأول: دعوة الملاك (آ 1- 2): "تعال فأريك عقاب الزانية العظيمة". الثاني: رؤية الزانية العظيمة (آ 3- 6): "فرأيت امرأة تجلس على وحش قرمزي". الثالث: تفسير عناصر الرؤية (آ 7- 18): "سأكشف لك سر المرأة والوحش الذي يحملها".
قد يكتفي التفسير بما في آ 8 (الوحش) وآ 18 (المرأة). أما آ 9- 17 فتبدو "زيادة" لها مقدمتها في آ 9 أ (وهنا لا بدّ من الحكمة. دعوة إلى القارىء)، ولا تعود تتكلّم عن الوحش ولا عن الزانية، عكس ما أعلن في آ 1. هناك حديث طويل عن سبعة رؤوس (آ 9- 11) وعشرة قرون (آ 12- 14، 16- 17). وتبدو آ 15 (مع المياه) كأنها معزولة. لن نقول كما قال بعض الشرّاح إن كاتباً غير كاتب رؤ أقحم هذه الآيات في هذا الموضع. لماذا نريد أن نفرض منطقنا على نص يتحدّى المنطق ويقدّم تعليماً من خلال الصور والتشابيه.

ب- دعوة الملاك (17: 1- 2)
"وجاءني أحد الملائكة السبعة" (آ 1). إن حضور هذا الملاك (يدلّ على حضور الله) يعني أن دينونة الزانية جزء لا ينفصل عن الدينونة التي أشارت إليها الكؤوس السبع، على ما عرفنا في 16: 19 وذكر دمار المدينة العظيمة.
"الزانية العظيمة". ترد اللفظة مراراً في العهد القديم فترمز إلى أمة أو مدينة تخون الإله الحقيقي. نقرأ مثلاً في أش 1: 21: "صارت المدينة الأمينة زانية". هذا هو وضع أورشليم (حز 16: 15 ي؛ 23: 1 ي). وصور هي زانية كما نقرأ في أش 23: 16 ي: "خذي الكنّارة وطوفي في المدينة أيتها الزانية المنسيّة". أما الزانية هنا فهي بابل (آ 5) التي تدلىّ على رومة (رج 14: 8). إذ صوّر الكاتب دينونة بابل، تابع خطوة خطوة ما في إر 51 وقوله النبوي على بابل.
تحدّث إر 51: 13 عن بابل "الساكنة على المياه الغزيرة"، فدلّ على الفرات ومختلف القنوات التي تمرّ في المدينة: ليس الوضع هكذا بالنسبة إلى رومة ونهر التيبر. هنا نكتشف أسلوب كاتب رؤ: فهو يريد أن نرى في نصّه النبوءات القديمة التي تمنح سلطة لأقواله. كما يريد لنصّه أن يصوّر الوقت الحاضر لكي يكتشف القارىء أن هذه النبوءات قد تمّت اليوم. لهذا تبع إرميا فتحدّث عن بابل التي على شاطىء المياه. وفي آ 15، فسرّ هذه المياه تفسيراً رمزياً على أنها "شعوب وأجناس وأمم وألسنة". هكذا نستطيع أن نقرأ بسهولة مصير رومة في هذه الصورة. وسوف نجد أمثالاً أخرى في ف 18 الذي يتبع حز 26. رومة هي النموذج الكامل، وبابل كانت رسمة له. لهذا سمّيت: الزانية العظيمة. 
"بها زنى ملوك الأرض" (آ 2). هذه الزانية قد زارها جميع ملوك الأرض. وقد جذبتهم في تمرّدها على الله فصاروا زناة مثلها. نقرأ في إر 51: 7: "بابل كأس ذهب بيد الرب تُسكر كلّ الأرض. من خمرها شربت الأمم فتمايلت". وفي أش 23: 17 عن صور: "تزني مع جميع ممالك المسكونة على وجه الأرض". إن الامبراطورية قد استمالت إليها كل صاحب سلطة في هذا العالم، فلا يفلت أحد.
ج- رؤية الزانية (17: 3- 6)
"فحملني بالروح" (آ 3). هنا نتذكّر 1: 10 وبداية رؤ: "إختطفني الروح في يوم الرب". و 4: 2 والليتورجيا الأولى: "وفي الحال اختطفني الروح وإذا عرش في السماء".
أعطى الملاك يوحنا نظرة جديدة، هي نظرة الإيمان، تتيح له أن يرى عبر الظواهر المباشرة. وجد نفسه في الصحراء. ففي الصحراء ستظهر المدينة التي لن تكون بعد وقت قليل إلاّ صحراء وخراباً (إر 51: 26، 29، 43)، قفراً ومدينة مستوحشة. أما أورشليم الجديدة فتكون على جبل عالٍ ، قرب الله (21: 10).
وتميّزت المرأة بثلاثة أمور: جلست على الوحش. لباسها غني. هي سكرى من الدمّ.
"رأيت امرأة تجلس على وحش قرمزي". الوحش هو ذاك الذي رأيناه في ف 13 مع رؤوسه السبعة وقرونه العشرة. إنه يمثل السلطة الشيطانية المجسّدة في الامبراطورية التوتاليتارية التي ترفض كل خضوع لله. غير أن النظرة إلى الأشياء أدقّ مما في ف 13. فالمرأة تتميّز عن الوحش. وامبراطورية رومة ليست الوحش. إنها تجسده بشكل موقت. في آ 16- 17 سوف نرى الوحش يعادي رومة. لا حبّ عند الشيطان. ليس عنده إلاّ علاقات قوة وسلطان ومصالح.
الوحش يدلّ على الشرّ. والمرأة على شعب وأمة. واللون الأحمر يشير إلى الدم الذي سفكته. ثوب الوحش قرمزي وهو يدلّ على الغنى والترف اللذين يرافقان الكبرياء والخطيئة (أش 1: 18). ويقابل هذا اللون اللونُ الأبيض (رؤ 19: 14). أما "أسماء التجديف" فهي الألقاب الإلهية التي أعطاها الشعب لأباطرتهم في شعائر العبادة.
"وكانت المرأة تلبس الأرجوان" (آ 4). لباسها مثل لباس الوحش. فهي تقتدي به. ويستلهم الكاتب صورة المرأة الغاوية ليصوّر المرأة: الذهب، الحجارة الكريمة، واللآلىء. بيدها كأس من ذهب لتسقي زبائنها (رج 14: 8؛ 18: 6). في 16: 19 الله هو الذي يسقي بابل من خمر غضبه فتسكر وتسقط. هي كأس مذهّبة في الخارج فتجذب الناس. أما في الداخل فهي مليئة بالأرجاس والنجاسة (رج مت 23: 25). الأرجاس هي الأصنام وشعائر عبادتها وسلوك الذين يتعبّدون لها. والنجاسة هي كل ما يميل بالإنسان عن عبادة الإله الحقيقي.
"وعلى جبينها اسم" (آ 5). الإسم على الجبين يدلّ على حقيقة الشخص وعمق كيانه. هناك اسم الله الذي ينقش في هيكل الله (3: 12؛ رج 7: 3؛ 9: 4). هناك اسم الحمل واسم أبيه مكتوب على الجباه (14: 1؛ رج 22: 4). وتجاه ذلك نجد سمة الوحش (14: 9؛ رج 13: 16؛ 20: 4). اسم المرأة هو سرّ. هذا يعني أننا نحتاج إلى التمييز والإيمان لكي ندركه. ولكن من تحلّى بالإيمان تجاوز الظواهر التي تفتخر بها رومة (الغنى، النفوذ، السلطان) ليرى "الزانية" وراء هذا الوجه الخادع. مجدها ليس بشيء. إنها عابدة الأصنام.
"ورأيت المرأة سكرى من دم القديسين" (آ 6). ها نحن أمام سكر آخر. لا سكر غضب الله (16: 19) ولا سكر الزنى (17: 2)، بل سكر دم الشهداء (أش 34: 5- 7؛ إر 46: 10). يشير النصّ إلى الذين ماتوا في أيام نيرون (رج عب 10: 32- 40). وفي أيام دوميسيانس وغيرهما. 
د- تفسير عناصر الرؤية (17: 7- 18)
أولاً: سر المرأة والوحش (آ 7- 11)
"سأكشف لك سر المرأة" (آ 7). إذن، سيوضح الملاك للرائي معنى ما رأى: المرأة والوحش صاحب السبعة الرؤوس (يرى، يعقل) والعشرة القرون (قوة واسعة). نحن هنا أمام "سرّ" واحد هو سرّ الشرّ الذي يعارض كنيسة المسيح. وحين تأمّل الملاك مجدهما الوقح اكتشف المؤشرات السابقة لدمارهما النهائي.
"والوحش الذي رأيته" (آ 8). لا بدّ من نزع القناع أولاً عن الوحش. فهو يسبق المرأة في التراتبية الشيطانية، ويكوّن لها عرشاً وسنداً. ويشدّد النصّ على خاصية شديدة تحيط بالآية 8: صعد بعد قليل من الهاوية ومضى إلى الهلاك. كان، وما عاد كائناً، وسيظهر ثانية.
نقابل هذه العبارة مع تلك التي تورد لقب الله: كان، الكائن، يأتي (1: 4- 8؛ 4: 8). الوحش هو حقاً مناوىء لله. والمراحل الثلاث في مصيره تشير إلى الخبر الذي رواه 13: 3 (جُرح فشفي من جرحه) بكلمات مغلفة فحدّثنا عن رأس مجروح حتى الموت. ولكنه عاد إلى الحياة. نحن هنا أمام تلميح إلى موت نيرون الذي مات، ولكن الناس انتظروا سنوات عديدة عودته "العجائبية". في المقطع الذي ندرس، عاد الكاتب إلى هذه المعتقدات الشعبية، فقدّم نيرون كصورة كاملة عن الامبراطورية التي تثير إعجاب الذين لم تكتب أسماؤهم في كتاب الحياة. 
"كان". دلّ حكمه على طبعه الشيطاني. إنه الوحش. "ما عاد كائناً". لقد مات. ومع ذلك فالجماهير الموسوسة تنتظر عودته في مجد "إلهي". أجاب يوحنا: أجل سيعود ليلقى الدمار الذي يحتفظ به الله القدير للمتمرّدين. سيعود في شخص أباطرة يخلفونه. سيعود في سلطات توتاليتارية آخرتها الدمار. هذا ما قيل عن التنين في ف 12: كان، طُرح فوصل إلى الأرض. ولكنه لا يدوم طويلاً.
"وهنا لا بدّ من الحكمة والفهم." نحتاج إلى عقل تنيره الحكمة الإلهية. هنا نتذكّر 13: 18 (لا بدّ من الحكمة) لنحسب عدد اسم الوحش. نحن نحتاج إلى موهبة روحية لنفهم موضع الأشخاص والأشياء في مخطّط الله في العالم.
الرؤوس السبعة هي التلال السبع التي بُنيت عليها مدينة رومة (أي: المرأة تجلس عليها). والرؤوس السبعة هي سبعة ملوك كما في 13: 3. يعني النصّ الأباطرة الرومان. ولكن أين نبدأ العدّ لكي نصل إلى الرقم 7؟ يرى كاتب رؤ أن قلب تاريخ العالم هو الفصح، هو موت المسيح وقيامته في أيام طيباريوس قيصر. في ذلك الوقت، طُرد الشيطان من السماء وجاء على الأرض يحرّك الوحش، يحرّك عداء الامبراطورية على المسيح (ف 12- 13). إذن، نبدأ العدّ بعد طيباريوس: كاليغولا (1). ثم كلوديوس (2) ونيرون (3). ثم فسباسيانس (4) وتيطس (5). دوميسيان هو السادس وهو الامبراطور ساعة دوّن رؤ: "واحد لا يزال يملك". والذي "ما جاء بعد" هو نرفا (96- 98). والثامن الذي هو الوحش هو ترايانس (98- 117). في هذه الفرضية، يُجعل أوغسطس ونيرون اللذان ذكرهما الإنجيل (لو 2: 1؛ 3: 1) خارج اللائحة. ويبدأ المناوىء للمسيح مع كاليغولا. وهناك فرضية ثانية تبدأ مع أوغسطس وتنتهي مع دوميسيانس الذي في عهده دوّن رؤ بشكل نهائي. حينئذٍ يكون "المالك" فسباسيانس. والآخر تيطس، والوحش دوميسيانس.
"أما الوحش الذي كان وما عاد كائناً" (آ 11). قد يكون الحديث عن عودة نيرون. "سيقوم" فيكون الملك الثامن. إنه يبدأ سلسلة جديدة. إنه يجسّد الوحش أفضل تجسيد. هو امبراطور مات ولكنه عاد إلى الحياة.
"إنه من السبعة. إنه رمز إلى الامبراطورية التي تولد من الرماد كالنار. نحسبها ماتت فإذا هي تبدأ من جديد في نهاية آ 11كما في آ 8 مع الوحش الذي كان وما عاد وسيظهر. ولكن نعرف في هذه المرة كيف سيعود الوحش الذي يرمز إلى الامبراطورية بالذات: إنه الانتيكرست الحقيقي مع قيامته الكاذبة.
يبقى أن نفسّر كيف يذهب إلى الهلاك (آ 8، 11). هنا تتدخّل القرون العشرة.
ثانياً: القرون (آ 12- 17) والمرأة (آ 18)
إن تفسير القرون العشرة يتضمّن درفتين (آ 12- 14، 16- 17) تفصل بينهما المياه (آ 15) التي تدلّ على الشعوب والأمم. كانت الرؤوس السبعة سبعة ملوك. والقرون العشرة هي عشرة ملوك أيضاً. ولكن هؤلاء لا يُمزجون مع السبعة الأولين الذين يقابلون أباطرة رومة السبعة. والذين نتحدّث عنهم الآن هم بدون ملك. إنهم يستعدّون أن يتسلموا الملك ويمارسوه لوقت قصير جداً (ساعة من الوقت) برفقة الوحش الذي هو الامبراطورية الرومانية. يبدو أنهم مشتّتون في العالم كله. هم عشرة وهذا الرقم يدل على الكون كله (الحروف الأربعة الأولى). ملوك غير معروفين وغير محدّدين، يعيشون على حدود المملكة فتخور قوتهم شيئاً فشيئاً. هل هؤلاء الملوك هم خاضعون لرومة أم مزاحمون لها؟ هذا أمر ثانوي بالنسبة إلى مشاريعهم التي تتحقّق في ثلاثة أوقات، ونحن نجدها على التوالي في آ 13، 14، 16.
* الوقت الأول: معاهدة مع أقدر القديرين. يتخلّى الملك عن جزء من سلطته، مهما كانت صغيرة، ويسلّمها إلى من هو أقوى منه فيعتبر أنه يشاركه في سلطانه وينعم بقوته. إذن، في تيار أول جاء ملوك بعيدون تمارس عليهم رومة سحرها، يطلبون حمايتها. هذا ما فعله المكابيون حين أرسلوا وفداً إلى رومة سنة 161 ق. م. ليبرموا معاهدة معها (1 مك 8: 17- 1 3). وستجدّد هذه المعاهدة خطياً سنة 142 ق. م. (1 مك 14: 24؛ 15: 15- 24) دون كبير فائدة. ومرة أخرى تبدو المفارقة صحيحة: مهما كان الوحش فظيعاً بشعاً، فهو يمارس سحره على ضعفاء يظنّون أنهم صاروا أقوياء به حين يتخلّون عن حريتهم.
* الوقت الثاني: من كان للوحش كان بشكل آلي ضد إنجيل الحمل. فعلى الكنائس المعذّبة أن لا تنتظر أية مساعدة من هذا الجانب، بل اضطهاداً متزايداً. فليست مملكة أفضل من مملكة. والكنيسة لن تحصل على السلام حين تلجأ إلى أقوياء هذا العالم. فالتأكيد بالنصر يعطيه الحمل بشكل مجاني وبدون شروح فيما يخصّ طريقة الحصول عليه أو زمن الإحتفال به. هو ينتصر، ويشاركه المعقدون في فرحته. يسمّى المؤمنون بأربعة أسماء: أولاً: "الذين معه". يقابلهم الملوك الذين هم مع الوحش (آ 10). ثانياً: المدعوّون. ثالثاً: المختارون. رابعاً: المؤمنون. هذا اللقب الأخير يطبّق على المسيحيين في الرسالة إلى سميرنة (2: 10: كن أميناً حتى الموت) والرسالة إلى برغامس (2: 13: أنتيباس شاهدي الأمين) في سياق يتحدّث عن الموت. وانتصار الحمل وأخصّائه هو إنتصار على الموت بالقيامة. ليس إنتصاراً مادياً ووقتياً نحصل عليه بالسلاح. بما أن يسوع هو رب الأرباب وملك الملوك، فهو يخرج منتصراً من هذه المعركة. وهذا اللقب النادر في العهد القديم (تث 10: 17: الرب إلهكم هو إله الآلهة ورب الأرباب؛ مز 136: 2- 3؛ رج 2 مك 13: 4) قد كُتب علي رداء وفخذ الفارس الأبيض (المنتصر) الذي يسمّى "الأمين" فيوقّت هجومه في ليلة الفصح (رؤ 19: 16). فعلى المسيحي، هذا "الغالب" في الرسائل السبع، أن لا يخاف حين يسمع بالرعود المزمجرة: سيكون مصيره مصير الحمل. وان كان أميناً لن يعرف الموت الثاني (2: 11).
* في الوقت الثالث سيتحالف الملوك العشرة على الزانية مع الوحش. سنعود إلى ذلك في آ 16.
الملوك العشرة (ملوك الأرض) قد اجتمعوا (16: 14) من أجل قتال اليوم العظيم، يوم الله القدير، وستُروى هزيمتهم في 19: 19 ي. هؤلاء سيملكون في الظاهر مع الوحش. ماذا سوف يعملون؟ هدفهم واحد (آ 13): أن يجعلوا سلطانهم وقدرتهم في خدمة الوحش. سيقاتلون الحمل فيغلبهم الحمل (آ 14). حتى الآن، كان الوحش يهاجم القديسين فقط ويغلبهم (13: 7)، أقلّه في الظاهر (14: 1- 5). وللمرّة الأولى والأخيرة، سيهاجم الوحش الحمل بواسطة الملوك المتحالفين. ولكن الحمل سيخرج منتصراً هو والذين ربطوا مصيرهم بمصيره (7: 14- 17؛ 14: 1-5).
أما الزانية العظيمة (آ 15) الجالسة على الوحش بألوانها القرمزية فهي في الوقت عينه في البرية، على سبع تلال، وعلى المياه العظيمة. الصحراء تدل على عزلتها وعقمها بسبب غياب الله عنها. الجبال هي الأمكنة العالية التي عليها تؤلّه وتعبد. والمياه هي الشعوب العديدة التي تسيطر عليها بدرجات متفاوتة. هذه الشعوب تسمّى بحسب الرباعية المعهودة: قبيلة، لسان، شعب، أمّة (5: 9؛ 7: 9؛ 11: 9؛ 13: 7؛ 14: 6، رج 10: 11). ولكن هنا حلّ محلّ "القبائل" "الجموع". فالجموع تدلّ على أجواق الليتورجيات السماوية (7: 9؛ 19، 6). هذا يعني أن البشرية كلها مدعوّة لأن تكون الجماعة التي تنشد مدائح الله. 
عرف الأنبياء صورة المياه الغزيرة، ولكنهم استعملوها في سياق النزاعات والحروب والاجتياحات. فمياه النيل والفرات هي الجيوش المصرية أو الأشورية (أش 8: 7؛ 17: 2؛ إر 46: 7- 8، 47: 2) الفكرة هي هي (أش 5: 30؛ دا 11: 10). فالملوك العشرة يرئسون جماعة الشعوب. وباسمهم يخضعون لرومة ويجعلون فيها خلاصهم حتى ولو حاربوا الإنجيل. ولكن بعد وقت قليل ستنغمر رومة بهذه الجموع التي افتخرت بها فتنال المذلّة.
"وتلك القرون العشرة" (آ 16). نعود إلى القرون العشرة والوحش الذي ترتبط به. ليس الوحش هو الذي قرّر دمار رومة مع أنه فرح بهذا الدمار، ولكنه أجبر على مشاهدة هذا الدمار مدفوعاً من الملوك الذين نفخوا جسده فصار ثقيلاً وما عاد يستطيع أن يضبط القوى (القرون) التي لصقت به.
تجذّر سلب رومة في عاطفة البغض (2: 6؛ 18: 2). ما الذي حرّك مثل هذا الغيظ؟ ما قيل عن الزانية التي استاء ملوك الأقاليم من غناها وترفها الذي ما عاد يُطاق. لا بدّ من وضع حدّ لهذا الرخاء الذي يجعل الشعوب يتذمّرون. وهذا ما حدث في أربعة مشاهد رمزية لن يكون بُعدها الدقيق دوماً شفّافاً.
* أولاً: ستكون رومة قفراً كما تقول مرثاة 18: 17- 19. لا ننسَ أن المرأة الزانية تمثّل مدينة، المدينة المدينة (التي ما بعدها مدينة)، تمثّل أكبر تجمّع سكاني من الرجال والنساء العائشين في موضع واحد. إن صورة القفر وتحويل المدينة إلى صحراء يعود إلى تقليد الأنبياء منذ هو 2: 5 الذي طبّقه على إسرائيل الزانية (10؛ 4) والوقحة بغناها (2: 10؛ 10: 1). واستعاد حزقيال الصورة في قصيدة مجازية يستلهم هوشع بشكل متحرّر (حز 23: 25- 29؛ رج 16: 1 ي). ولكن القساوة هنا تتعدّى كل حدود. فلسنا أمام أرض أو بلد صار قفراً، بل أمام أكثر المدن سكاناً في العالم. فبقدر ما تقود هذه المساكن إلى الخطيئة، إلى الغنى الفاحش وعبادة الأوثان (رج 2: 11- 17 وما قيل عن برغامس)، يجب أن تزول مثل هذه المدن، أقلّه روحياً، كما زالت بابل أولى مدن بابلونية (تك 11: 8). فلا توافق إطلاقاً بين هذه المدينة وأورشليم السماوية، بحيث يجب أن تزول واحدة من الاثنتين. أما المسيحيون فعليهم أن يختاروا: هل يكونون مواطنين لرومة أم لأورشليم؟ 
* ثانياً: وفي خط قرأناه عند هوشع وحزقيال، نجد الصورة الثانية بتعرّي المرأة كما عرّيت أورشليم عقاباً لها عن ضلالاتها (مرا 1: 8). فالعري لا يجرّ فقط العار (الذي لا يُذكر هنا. الموضوعان يرتبطان عادة. رج 3: 17- 18؛ 16: 15)، بل يدلّ أيضاً على سقوط القناع، على كشف حقيقة الشخص (رج عب 4: 13). جُرّدت من القرمز والأرجوان، من حلي الذهب والحجارة الكريمة، ماذا بقي لبابل التي هي رومة؟ بعد ساعة (18: 10، 17، 19) سوف نرى أن لا شيء وراء هذه الواجهة يمكن أن نتأسّف عليه. سيعود الفصل التالي إلى هذا الوضع ليزيد التفاصيل الضرورية.
* ثالثاً: الصورة الثالثة تجعلنا على مستوى الوحوش الكاسرة: "يكلون لحومها" (في الجمع. ست مرات، رج 19: 18- 21). الإستعارة معروفة. فالبار الذي يضطهده الأشرار، يتهم هؤلاء بأنهم يريدون أن يأكلوا لحمه (مز 27: 20). آل ألأنبياء فثاروا على ظلامات القضاة الذين يرتشون، لأنهم "أكلوا لحم شعبي" (مي 3: 3). نحن هنا قريبون من فكر يع 5: 3: "ذهبكم وفضتكم قد صدئا، وصدأهما سيشهد عليكم ويأكل لحومكم كالنار". اللحم هو الجزء الذي يجتذب الإنسان (أي 33: 25؛ رج 2 مل 5: 14). ولحم رومة هو غناها الذي سيتغذى منه آخرون.
* رابعاً: ستُحرق المدينة العظيمة كما يقول 18: 18- 19. إذن، ستعرف المصير الذي حفظ لمدينة أخرى عظيمة وشهيرة هي نينوى (نا 3: 15). تنقية تامة ودمار كامل سوف يلتقيان هنا في الإجراء الأخير. الذي يتخذه الملوك ضد الزانية. ضمّ الوحش هذه القرون (الملوك) إلى سلطانه، فحكم على نفسه بأن يشاهد عاجزاً زوال تلك التي افتخر في الماضي بأنه يحملها على ظهره.
كل هذا السيناريو يتوافق مع مخطّط الله (أو: رأيه. هنا في آ 17 وفي آ 13 بشكل تضمين). تلك هي مسيرة (لاهوتية) الأشياء والتاريخ: يتحالف هؤلاء الملوك العشرة مع الوحش لكي يدمّروه في أعظم ما يرمز إليه، في العاصمة التي يقيم فيها ومنها يطلق أوامره. الوحش يحمل الظلم والدمار لكل القيم الأساسية في الإنسان. فمن انضمّ إليه شارك في مشروعه الموجّه قبل كل شيء على الحمل والمعمّدين (17: 14). إذا كان الوحش والملوك لا يستطيعون أن يخرجوا منتصرين، فقوة الدمار عندهم باقية. وإن لم يجدوا هدفاً لقتالهم يدمّرون أنفسهم بأنفسهم.
هذا مشهد يستطيع المؤمنون أن يروه "إلى أن تتمّ أقوال الله" (آ 17). "أقوال" الله هي في الجمع مثل 19: 9 الذي يرتبط بتطويبة (هنيئاً للمدعوين إلى وليمة عرس الحمل). ان عمل التدمير الذي تقوم به الامبراطورية ضد نفسها، يمتدّ إمتداد حياة الكنيسة، أي 42 شهراً (13: 5). وهذا ما يدلّ على مهلة تفصلنا عن الدخول إلى السماوات الجديدة والأرض الجديدة التي هي موضوع "كلمات هذه النبوءة".
"والمرأة التي رأيتها" (آ 18). آية فيها الكثير من السخرية والتضخيم. سخرية لأنها تشدّد على مملكة تحمل الموت في ذاتها. وتضخيم بسبب تكرار أل التعريف ثلاث مرات: المدينة، العظيمة، المتسلّطة. المرأة هي المدينة، ونحن لا نتعجب من هذه المماثلة. وُضع الوحش والمرأة في البداية والنهاية بشكل تضمين، جُمعت الدولة (السلطة السياسية)، والمدينة (رومة)، ولكن الواحدة ابتعدت بالموقع عن الأخرى. وسبب إنفصالهما هو الملوك العشرة الذين وقفوا بينهما.

خاتمة
إنزرعت كنائس آسية المسيحية في مدن متوسّطة أو هامة ظلّت فيها شهرة رومة عظيمة ومتألّقة. فمن هذه العاصمة اتخذ القرار باضطهادات تضرب وتهدّد. هل رجلاها هما من نحاس أم من فخّار؟ وها هو يوحنا يقدّم جواباً لقلق قطيعه.
قال: نهاية الامبراطورية هي الدمار. ولكننا لا نكتشف هذا الدمار في تعاقب الأباطرة. قد نحسّ أن سقوط رومة صار قريباً، ولكنه شعور وحسب. فبعد سبعة قياصرة، سيقوم ثامن يحمل المشعل ويبدأ سلسلة جديدة (17: 8- 11). جوهر الأمور ليس هنا. إنه يكمن في هذه الشعوب العديدة العائشة على هامش رومة. فملوكهم سينضمّون إلى رومة التي تلقي عليهم بسحرها من بعيد. خضعوا لمن هو أكبر منهم، فتوهّموا أنهم صاروا كباراً. وأخذوا يقاتلون الإنجيل مع رومة. ولكن الحمل غلب الموت، ولهذا فهو سيغلبهم. سقطت رومة كقصر من التراب. ولكن القتال سوف يدوم "إلى أن تتمّ أقوال الله". فليحافظ المسيحيون، هؤلاء الغالبون، على الإيمان والرجاء، وليعتبروا الإلاهة رومة بحكمة وفطنة: هي ملكة محتضرة تحكم على الذين باشروا في هدمها.

 

 

الفصل التاسع والعشرون
سقوط بابل
18: 1-24

هذا هو الإعلان الثاني لدينونة بابل. الآن نعرف حقاً (14: 8؛ 18: 2) من هي بابل: إنها القوة العظيمة التي تناوىء المسيح (أنتيكرست). مع بابل (ورومة) ستُصاب كل القوى المعادية لله. بما أن غناها وعباداتها المخزية كانت سراباً شيطانياً، فقد صارت المدينة العظيمة "مسكناً للشياطين ومأوى لجميع الأرواح النجسة" (آ 2). لقد جاءت الساعة الإحتفالية التي فيها تُنزع الأقنعة. فعلى بابل أن تكشف عن وجهها الذي يحمل على القرف بسبب سماته الشيطانية.

1- قراءة إجمالية
إنطلق ف 17 من رؤية تظهر بهاءً عكراً، فأعلن دينونة بابل، وبشكل جذري فشل الوحش أمام الحمل فشلاً تاماً. أما ف 18، فيرينا العقاب نفسه، بشكل ملموس، وإن غير مباشر، عبر النتائج التي يسبّبها. إنه يلقي الضوء على الأسباب العميقة لما يحدث ليبرز أساسه. نجد أداة "لأن" في آ 3، 5، 7، 8، 20، 23، 24. يستلهم ف 18 مرثية حزقيال على صور (ف 27-28). وهو يتبعها بشكل قريب، بحيث تبرز في ضوء جديد المقاطع التي فيها يبتعد عن نموذجه.
أما التصميم فيبدو بسيطاً. يحيط بالنصّ في بدايته ونهايته ظهور ملاك (آ 1-3 ثم آ 21-24). وفي الحالتين نحسن بشعور يملأ العينين. في آ 1، ينير الملك القدير بمجده الأرض كلها. في آ 21 أ، ينفّذ الملاك الثاني عملاً رمزياً لافتاً: يرمي في البحر حجراً عظيماً. وبعد هذا حالاً، تعود المياه هادئة مالسة. هذا هو سقوط بابل.
ويتوازى البلاغان اللذان يحملهما الملاكان. لن يبقى شيء من هذه الكبرياء الوقحة. فبعد صور الخراب في آ 2، نجد الفراغ والصمت في آ 22- 23 أ. وأسباب هذه الدينونة (آ 3، 23 ب- 24) تذكّر التجّار وملوك الأرض وجميع الأمم بما فعلوا معها.
أما القسم المتوسط (آ 4- 20) فيتألّف من خطبة يلقيها صوت آتٍ من السماء. ونجد في قلب هذه الخطبة ثلاث مرثيات تصوّر أمام عيوننا وبشكل دراماتيكي الإنهيار المفاجىء للمدينة الغنيّة. وهكذا يأتي على التوالي ملوك الأرض (آ 9- 10) وتجّار الأرض (آ 11- 17 أ) وأهل البحر (آ 17 ب-19). كلهم يبكون وينتحبون (آ 9، 11، 19). يقفون عن بُعد خوفاً من عذابها (آ 10، 15، 17 ب). ويطلقون رثاءهم كما في جنازة: ويل... ويل... المدينة العظيمة... ساعة واحدة كانت كافية (آ 10 ب، 16، 19 ب).
ويحيط بهذه المرثيات الثلاث ثلاثة تحريضات ترد في صيغة الأمر حول السلوك الواجب إتخاذه تجاه المدينة التي حُكم عليها. وكل تحريض يرافقه تبرير. إثنان منهما يتوجهان إلى المسيحيين. الأول: السلوك الواجب اتخاذه قبل الدمار (آ 4- 5): أخرجوا من هذه المدينة يا شعبي لأن خطاياها تكاثرت. الثاني: السلوك الواجب اتخاذه بعد الدمار (آ 20): الفرح والتسبيح لأن الله أنصفكم وعاقبها. والتحريض الثالث لا يتوجّه إلى شخص محدّد. هنا نفكّر بالملائكة الموكّلين بتنفيذ العذاب الإلهي (حز 9: 1، 5، 6)، أو بالوسطاء البشريّين الذي يحرّكونهم (ملوك الأرض في 17: 16). وهنا نجد أيضاً تبريراً (آ 7 ب-8) يتبع الترتيب الذي نجده في آ 5-7 أ.
وهناك ملاحظة حول صيغة الأفعال: فالماضي والمضارع يمتزجان على مدّ هذا الفصل. أجل، إن الكلمات البشرية محدودة حين تحاول أن تعبّر عن اليقين الأساسي الذي يبلبل المقولات الزمنية: فنصر المسيح قد سبق له وتمّ، ولكنه لم يتمّ بعد. فحاضر حياتنا هو منذ الآن مستقبل الإسكاتولوجيا النهائي. ولا يختبره إلا الذي يعيش في شركة مع الحمل الذي أسلم إلى الموت ولكنه قام وجلس عن يمين الله.
وهكذا يجعلنا ف 18 ندرك سقوط بابل كشيء ينتمي إلى الأزمنة الأخيرة، وفي الوقت عينه يحصل أمام عيوننا. نحن نعيش دراما بابل وعظمتها وزوالها وكأننا حاضرون. ونتسلّم التعليمات التي نسير بموجبها قبل الحدث وبعده. ونشاهد مرارة وخيبة أمل المستفيدين، ونفهم السبب العميق لما يحدث: دم الأنبياء والقديسين وجميع الذي سقطوا قتلى في الأرض.

2- قراءة تفصيلية
بابل هي واقع أرضي تجسّد تاريخياً في رومة القرن الأول، رومة التي هي صورة عابرة عن مدن أخرى. زوالها هو الفصل الأخير في هذه السباعية التي تدلّ على بداية تاريخ محدّد، وعلى بداية التاريخ. ومصير سائر القوى المادية المجملة في الوحش والتنين سنراه فيما بعد، حين نتجاوز حدود الزمان والمكان لنصل إلى أورشليم الجديدة.
يعلن ملاك سقوط بابل (آ 1-3) فيقابله ملاك آخر يصوّر غرق المدينة (آ 21- 24). الأول يتمتع بقدرة عظيمة، والثاني يمتلك رحى عظيمة. ويُذكر التجار في نهاية كل من المشهدين. ويحمل دمار المدينة نتائج متضاربة للمسيحيين وللمستفيدين من بابل. دُعي شعب الله إلى الخروج من المدينة قبل أن تسقط (آ 4-8)، ثم إلى الفرح حين يكمل الحريقُ عمله (آ 20). وتُذكر دينونة الله هنا وهناك. وأخيراً، في وسط اللوحة تفعل النار فعلها فتحرّك ثلاث مرثيات يطلقها الملوك (آ 9-10) والتجّار (آ 11-17 أ) وأهل البحر (آ 17 ب-19).
نلاحظ في هذا التصميم شيئين هامين. الأول، إن القسم المتوسّط (آ 9-19) هو مرثاة طويلة على دمار بابل وحريقها. فالمدينة ليست عادة للدمار والحريق، بل لتكون موضع السكن. ولهذا يتأسّف الناس على هذه المدينة الذاهبة إلى الزوال. الثاني، تتمّ المرثاة في ثلاث لوحات، واللوحة الوسطى تنقل إلينا صدى بكاء التجّار الحزانى بسبب ضياع كل هذا الغنى. فالمال والرفاه والترف هي قِيم كاذبة وغير دائمة. وموضوع القوة والسلطة السياسية يختفي أمام موضوع الغنى.
أ- الإعلان الملائكي (18: 1- 3)
"الملاك الآخر" الذي يدخل الآن على المسرح، هو الملاك السابع عشر في هذه السباعية، وقبل الأخير (رج آ 21). هو ينزل من السماء كذاك الذي حمل الإنجيل (10: 1؛ رج 20: 1). إذن، هو يحمل خبراً طيباً. مُنح القدرة على مثال ملاك القطاف (14: 18). ولكن قدرته كبيرة، مطلقة. ظهوره يجعل الأرض تستنير (فوتيزو، رج 21: 23؛ 22: 5). وهذا ما يشير إلى تيوفانيا وظهور إلهي مخفي، لأن المجد هو صفة خاصة بالله وحده وبالحمل (17 مرّة في رؤ). لهذا، من الأفضل أن نتحدّث عن ظهور المسيح (كرستوفانيا)، لأن مختلف العناصر التصويرية (ينزل من السماء، يضيء، هو مجيد) لا تلتقي إلا في شخص المسيح. إذن، يعلن المسيح الحكم كأمر قد تمّ وتحقّق حسب اللاهوت التقليدي الذي يجعل الدينونة في يد المسيح، قائم مقام الله. فأحد اكبر أشكال العداوة على الله سوف يزول: يبقى على الإبن أن "ينصف" الآب حين يدين المدينة التي تهين الله وتعتبر نفسها مزاحمة لله.
نلاحظ أن موضوع العمل الذي يصوّر هنا هو بابل المدينة. فسكانها وملوكها وتجّارها لا يصابون بالدمار مثلها. فهي وحدها ستنقلب، فيسكن فيها بعد الآن الشياطين والأرواح النجسة الذين لا يحقّ لهم الدخول إلى الملكوت. وتسكن أيضاً الطيور النجسة والبغيضة التي تبحث عن الجثث وتأكلها (لا 11: 13- 19)، فلا يحقّ لها الدخول إلاّ إلى عالم الموت. ومن اللافت أن المدينة المدمّرة لم تصبح ممراً وسهلاً واسعاً، بل سجناً ومأوى لهذه الكائنات الشريرة. فبابل هي موضع يسجن ويغلق على الناس، يخنق الأحياء ويستضيف الموتى.
ويعود الكاتب إلى اللغة الإصطلاحية فيقدّم ثلاثة أسباب لدمار المدينة: بسبب الدور الذي لعبته تجاه البشر فجاءت بهم إلى عبادة الأوثان، وتجاه ملوك الأرض الذين أشركتهم في شّرها، وتجاه التجّار الذين اغتنوا بترفها. عبادات وثنية وممارسات الفجور، وسلطان مغالٍ وغنى فاحش، هذا ما حكم على بابل بالدمار.
ب- خطبة آتية من السماء (18: 4- 20)
في هذا المقطع نقرأ تحريضاً أول للمسيحيين (آ 4-8) ثم رثاء الملوك لبابل (آ 9- 10) والتجار (آ 11-17 أ) وأهل البحر (آ 17 ب-19). وأخيراً تحريضاً ثانياً للمسيحيين (آ 20).

أولاً: تحريض أول للمسيحيين (آ 4- 8)
هو صوت آخر يتكلّم دون أن يكون تبدّل في الشخص الحاضر على المسرح. نحن أمام بلاغ آخر، وإن يكن حامله هو هو، هو المسيح الذي يتوجّه إلى شعبه. إلا إذا كان الصوت صوت الله الذي يتكلّم عن المسيح. 
النداء للخروج من المدينة هو أمرٌ ملحّ كما في أش 48: 20 (أخرجوا من بابل، أهربوا)؛ 52: 11 (إنصرفوا، إنصرفوا، أخرجوا من هناك)؛ إر 50: 18 (إرتحلوا من وسط بابل ومن أرض الكلدانيين أخرجوا)؛ 51: 6، 45 (أهربوا من وسط بابل، وانجوا كل واحد بنفسه). ففي المدينة يسكن معاً الشيطان وتبّاعه، والإنجيل ومؤمنوه (2: 13). كيف يقيمون معاً؟ لا مجال للمساومة. فشعب الله قد عاش دوماً هذا الوضع من الصراع قبل أن يقوم بالخيار الحاسم. خرج لوط من سدوم التي جاوزت خطاياها كل حدّ (تك 19: 12-14) فدلّ على العبرانيين الذين تركوا أرض مصر، أرض عبادة الأوثان. إن شظف العيش في مسيرة الخروج يتعارض مع غنى المدينة وطمأنينة الحياة فيها. ولكن هذا ما يُفرض على المؤمنين ساعة تهدّد خطيئةُ المدينة صراحة الإنجيل. فعلى الشعب أن يخرج لئلا يبادل اتحاده مع الله باتحاده مع الخطيئة. عليه أن يختار الكأس التي يشربها، وهذا الخيار يفرض عليه أن يقطع كل اتصال بعبادة الأصنام وسراباتها التي هي السلطان والمال والحضارة. فمنذ البداية أرادت بابل أن تجعل رأسها في السماء (تك 11: 4). ولكن خطيئتها هي التي بلغت إلى السماء كما قالت إر 51: 9. وهذه الخطيئة ليست فكرة عامة أو مجرّدة، بل هي مثال يترجم في الواقع الملموس. هذا ما قاله البيت الأول (آ 4- 5). 
وإذا انتقلنا إلى البيت الثاني (آ 6- 7) نجد أربعة أفعال في صيغة الأمر، وهي تبدو قاسية جداً. لتعامَل بابل كما عاملت الآخرين. حينئذ يصيبها ما أصاب إيزابيل في تياتيرة (2: 23)، تنفيذاً لشريعة المِثل (سنّ بسنّ، عين بعين). ولكن سيحكم عليها شعب الله أن تدفع الضعف عن خيرات اقتنتها بالظلم (خر 22: 8). قال داود إن الغني الذي سلب الفقير، يدفع له أربعة أضعاف (2 صم 12: 6). وهكذا قرّر زكّا أن يفعل بعد أن لامسته نعمة المسيح (لو 19: 8). أما بابل فلا تدفع إلا نصف أربعة أضعاف. إذن، تبقى مرحومة. أما عذابها فهو النار التي تحرقها (آ 7، 10، 15؛ رج 14: 11)، وعقابها يناسب أعمالها. نلاحظ أن صورة الكأس هي مركزية في هذا البيت، لأننا ما زلنا أمام شر المشاركة أو اللامشاركة: إن كأسيَ الله تقابلان كأسيَ بابل (14: 10؛ 16: 19؛ ق آ 6؛ 4:17).
إن الأوامر الأربعة المعطاة هنا هي في خطّ العبارة الأولى: "أخرجوا، يا شعبي"! حين لا يعود المسيحيون يتضامنون مع بابل، ينفّذون هذه الأوامر. يتركون المدينة ويتخلّون عن فسادها الذي لا يحمل ذرّة من قداسة ولا شيئاً من حضور الله. يتركونها فتبدأ عمليّة الخراب.
نجد في قلب البيت الثالث (آ 7 ب-8: قالت في قلبها) موضوع السرعة: "في يوم واحد": نحتاج إلى سنوات لكي نصل إلى ذروة. ويوم واحد يكفي لكي نسقط إلى الحضيض. الكبرياء هي سبب الخراب. ظنّت المدينة "في قلبها" أنها متينة، صامدة (أجلس)، وحلفاؤها لن يتخلّوا عنها. قالت: "لن أكون أرملة" في خط أش 47: 8 (لن أقعد أرملة ولن أعرف الثكل). نجد في خلفيّة هذا المقطع شخص إيزابيل (2: 22-23). في الواقع، بابل هي سريعة العطب. وحين يتركها المسيحيون، سينتظرها الموت والجوع والوباء، هذا المثلّث الذي يذكّرنا "بالهدايا" التي حملها الفارس الأحمر والأسود والأخضر (6: 3- 8) الذين يسبقهم الفارس الأبيض. كل ذلك يصبح ملموساً في حريق هائل (يتذكّر النصّ حريق نيرون سنة 64) سيجعل دخانه عيونَ الناظرين تدمع.
وأخيراً، ينتهي التحريض بكلام تعزية: "قوي هو الربّ القدير". وهو يدلّ على قدرته في قساوة دينونته وعدالتها، وهذا ما يدلّ عليه فعل "كرينو" كما نقرأه في آ 20 بشكل تضمين يتوازى مع نهاية هذا التحريض الأول.
ثانياً: رثاء مثلّث (آ 9-19)
* رثاء الملوك على بابل التي تحترق (آ 9- 10)
إن دخان الحريق (آ 9 ج) يسبّب بكاء الملوك، كما سيسبّب بكاء البحّارة في اللوحة الموازية (آ 18 أ). فالملوك المذكورون هنا هم الذين "تزوّجوا" بابل (زنوا بها) أي ارتبطوا بها لينعموا بترفها: نحن دوماً أمام الغنى أكثر منه أمام السلطان. حين رأى الملوك الدمار بكوا كما سيبكي التجّار (آ 11، 15) والبحّارة (آ 19)، ولطموا الصدور. هذا يعني أنهم لبسوا الحداد (1: 7؛ رج لو 8: 32؛ 23: 27؛ أع 8: 2). أما البحّارة فيدلون على حدادهم حين يلقون التراب على رؤوسهم (آ 19) كما أمام ميت (يش 7: 6). كانت الملكة جالسة بتشامخ، فإذا هي تسقط. والتي ظنّت أنها لن تكون أرملة، لم تجد عوناً لدى عشاقها الذين وقفوا بعيداً لئلا تصل إليهم النار، لئلا يصل إليهم عذابها. لهذا فكّروا بنفوسهم لا بسيّدتهم حين صرخوا مرّتين: آه، آه (أو الويل). صرخوا، لا لأن المدينة دمّرت، بل لأنها لم تنبّههم في الوقت المناسب: ففي ساعة واحدة حُكم عليها ونُفّذ الحكم. الأفعال هنا هي في صيغة المضارع. ستكون في صيغة الحاضر في مرثية التجار وستكون في الماضي مع بكاء البحّارة: أجل، نحن أمام مشهد يتحدّى الزمن وإن تجذّر في تاريخ معيّن، وإن تجذّر في التاريخ.
* رثاء التجّار (آ 11-17 أ)
يبدأ الرثاء بعبارة لاذعة: خسروا أكثر زبائنهم غنى. فالأنانية تسود في بابل. فحين ينظر الله وأخصاؤه بحنين إلى المدينة الجميلة التي صارت إلى الخراب، سيملي عليهم المشهد عواطف أخرى (آ 21- 24). إذن، بكى التجّار وتألمّوا (كما في حداد، آ 11، 15، 19) لأن بضاعتهم لم تجد من يشتريها. قد تكون بضائع آتية في البحر، أم قوافل آتية من الشرق إلى رومة.
ويورد النصّ أسماء 29 بضاعة آتية من آسية، وهذا ما يدلّ على ترف رومة. هناك أربعة أنواع من الحلى، أربعة أقمشة، ستّة أنواع من الأثاث والأواني، خمسة أنواع من التوابل والعطور، أربع مواد غذائية. ثم سوق الحيوان حيث نجد الغنم والخيل... ولكن رومة ستخسر كل هذا فلا يبقى لها شيء تلبسه أو تتزيّن به. وهناك أيضاً العبيد الذين يشُترون على أنهم "جسد" للعمل. وهناك الأحرار الذين يعملون في رومة، شأنهم شأن العبيد (بعد أن اشترتهم رومة) كمعلّمين وفنّانين...
في آ 14، يتوجّه التجّار إلى رومة: "الثمر الذي اشتهته نفسكِ". كل هذا قد زال. هكذا تزول أمور الأرض ولا تعود.
ويقف التجار بعيداً كما وقف الملوك. بكى هؤلاء على قدرتهم التي زالت (آ 10). أما التجّار فعلى زبائن خسروهم، وعلى بضائع جميلة أكلتها النيران.
* رثاء البحّارة (آ 17 ب-19)
يُذكر هنا كل أهل البحر، من القبطان حتى آخر عامل على السفينة. تعود هذه اللوحة إلى حز 27: 8- 9، 27-29 يا رثائه لصور. وردّة الفعل الأولى لدى البحّارة: "أية مدينة تشبه المدينة العظيمة" (نتذكّر ميخائيل: من مثل الله؟). كان عبّاد الوحش قد قالوا: "من مثل الوحش" (13: 4)؟ وهكذا يكون التقارب واضحاً بين المدينة والوحش على مستوى الكبرياء والتعالي للتشبّه بالله.
وهكذا يتوسّع المثلّث (الملوك، التجار، أهل البحر) في مرثية عرفها العالم القديم، فلم تحمل جديداً. بل شدّدت على موضوع الغنى السريع تجاه الفقر الذي يمتدحه المسيح في كنيسة سميرنة (2: 9) وفيلادلفية (3: 8). 
ثالثا: تحريض للمسيحيين (آ 20)
وتتبدّل اللهجة تبدّلاً تاماً مع عودة التحريض إلى المسيحيين. إن هذا النداء يتعارض تعارضاً كلياً مع البكاء والنحيب السابقين، وهو يدعو إلى الفرح وربما إلى الشماتة (رج 11: 10؛ 12: 12). يتوجّه هذا النداء إلى جميع المسيحيين، إلى الذين ماتوا فصاروا في "السماء"، وإلى الذين ما زالوا على الأرض. القديسون، أي المعمّدون والرسل أي المرسلون (رج 2: 2 و21: 14 حيث تحصر اللفظة بالإثني عشر). والأنبياء أي الرعاة الذين يجعل يوحنا نفسه منهم (22: 9). إن سبب هذا النداء إلى الفرح هو الوجه الآخر لما جعل الملوك والتجّار والبحّارة يبكون: هؤلاء لبسوا الحداد بعد أن خسروا ما أحبّوا واختاروا. وأولئك ابتهجوا لزوال هذه القيم المزيّفة.
"الله قضى قضاءكم منها". عاقبها على ما فعلت بكم. تلك التي قتلت القديسين ها هي تموت أو بالأحرى تذهب إلى المنفى. لقد أنصف شعب الله الذي يستطيع أن يعود إلى دعوته الطبيعية، دعوة الفرح والقلب المطمئن. لا شكّ في أن الباعث سلبي الآن، لأننا فقط أمام زوال العدوّ. ولكن حين تظهر النتائج الإيجابية لهذا الوضع الجديد، حينئذ ستكون البهجة الطافحة والفرح الكامل: فنفهم أننا بحاجة إلى ليتورجيا لكي نعبّر عن هذا الحالة (19: 7): "الملك للرب إلهنا القدير! لنفرح ونبتهج".
ج- هكذا تُرمى بابل (18: 21- 24)
تورد آ 21 عملاً رمزياً يستلهم إر 51: 63 (إربط به حجراً وألقه في وسط الفرات) ويتوسّع فيه. بابل (رومة) تشبه حجراً (رحى) كبيراً جدا. الرحى هي جزء من الحياة. لهذا فلا تؤخذ رهينة (تث 24: 6: كمن يرتهن قوت النفس). ولكن الرحى هي أيضاً أداة تسحق الحَبّ، ولهذا فهي مخيفة. كان بإمكان رومة أن تكون المرأة القديرة التي تهتمّ بأولادها (أم 31: 15)، فلم تكن إلا قوة عمياء تسحق الشعوب. وبما أنها "كبيرة" فهي تحتاج إلى ملاك "جبّار" لكي يزيحها ويرميها في البحر الذي هو موضع الشرّ وكل تهديد بالموت. هناك تكون حيث يجب أن تكون ولا تشكّل خطراً على أحد. "لن توجد من بعد أبداً".
ويبدأ رثاء غير رثاء الملوك والتجّار والبحّارة. يتذكّر الكاتب خمسة أمور مأخوذة من قيم المدينة الحقيقية: يبكي يوحنا بفم الملاك، بل بفم السماء: صمتت الموسيقى ولم يعد من مكان لصنعة صانع. صمت صوت الطاحون الذي يطحن الحَبّ لإطعام الناس. وانطفأ الحُب في ظلمة ليل بهيم فلم يعد يُسمع صوت عريس وعروس. سكوت الموت والحزن والوحشة. ولكن الحنين لم يزل هنا. مدينة جميلة من كل الوجوه بناها الناس من أجل الموسيقى والحُب والحياة اليومية، من أجل الفنّ والنور. كل هذا جُعل في خدمة سلطة أنانية وغاشمة. ولكن الحكم على رومة والدعوة إلى الخروج من المدينة ليسا هرباً إلى "فردوس" مفقود، ولا إحياء لمثال عرفه الريكابيون في أيام إرميا فرفضوا شراب الخمر والأطعمة الخاصة (إر 35). فصاحب الرؤيا هو إبن مدينة. وهو يطلب مدينة جديدة لا فردوساً يعيش في عالم الخيال.
كان لا بدّ من هذا الدمار بعد الفوضى التي عرفتها الإمبراطورية: قواعد البيع والشراء صارت النواميس الأساسية للحياة! كيف نعيش حياة مسيحية، بل حياة إنسانية، في عالمٍ يسيطر عليه المال والربح والمصلحة؟ هل يستطيع الإنسان فيه أن يتفتّح ويحقق شخصيته؟ أول ضحاياه هم القديسون (المعمّدون) والأنبياء (المسؤولون) (6: 9). ولكن ساكني الأرض يُذبحون (6: 4) فيشاركون الحمل في ذبيحته (5: 6، 9، 12؛ 13: 8). وغرقت رومة في هذه الدماء التي سفكتها، ودُمّرت بعد أن دمّرت الشعوب والممالك. دُعيت فخانت دعوتها!
خاتمة
يصوّر لنا سقوط بابل في مشهد مهيب: نحن لا نرى الكارثة، بل نسمعها من خلال الأصوات والأخبار.
بابل الزانية هي رمز إلى كل قوة أعداء الله وخصوم المسيح. هي في نظر المسيحيين الأولين سلطة رومة السياسية. ولكن بابل هي كثر من رومة لأنها ما زالت حيّة بعد دمار رومة. فما دام التاريخ البشري موجوداً، تبقى بابل التي هي مدينة أو شخص أو قوة سياسية أو إيديولوجيا...
وحياتنا في بابل هي مخاطرة بحياتنا متقوّين بنعمة الله. إنّ المسيحيين يعيشون في بابل، ولهم دور يلعبونه وسط هذا العالم الشرير. هم لا يهربون منه خوفاً وجبانة. ولكن قد تأتي ساعة يفرض فيها عليهم بأن يذهبوا. "أخرج منها، يا شعبي"! هناك حدّ فاصل بين المسيحيين والعالم (الذي يعارض الله). هم في العالم، ولكنهم ليسوا من العالم. فلا يحزنوا إن هم أُجبروا على تركه. ولا يلتفتوا إلى الوراء كما فعلت إمرأة لوط. هم في العالم ولكنهم منذ الآن في الأبدية، منذ الآن هم أبناء الله وإن لم ينكشف بعد ماذا سيكونون.

 

 

الفصل الثلاثون
نشيد النصر ومجيء المسيح
19: 1-21

"هلّلويا"! لإلهنا الخلاص والمجد والقدرة"! إن صراخ النصر (هلّلويا) يرد اربع مرات في العهد الجديد، ولا يرد إلاّ في رؤ 19: 1، 3، 4، 6. نجده في بداية المزامير ونهايتها (104- 106؛ 111- 113؛ 115-117)، وهو يرتبط باسم الله. ونجد 126 لفظة "آمين" في العهد الجديد (31 في مت، 13 في مر، 6 في لو، 50 في يو. يسبق كلمات يسوع: آمين، أقول لكم، الحق أقول لكم). نتلفّظ بكلمة "آمين" في الليتورجيا (1 كور 14: 16) فنعلن أن مواعيد الله قد تمّت. وبما أن يسوع هو الذي أتمها، لهذا يسمّى "آمين" (3: 14؛ رج 1: 7؛ 5: 14؛ 7: 12؛ 11: 15؛ 19: 4؛ 22: 20).
نتوقّف في هذا الفصل عند قسمين كبيرين. الأول: نشيد الظفر في السماء (19: 1-10). والثاني: إنتصار المسيح (19: 11- 21) في إطار الحرب الأخيرة والدينونة العامة.

1- نشيد النصر في السماء (19: 1- 10)
بعد دينونة بابل التي أعلن عنها 18: 20، جاءت هذه المجدلة الأخيرة وأبرزت البُعد الحقيقي للحدث. نحن لا نستطيع أن نرى الأمور على حقيقتها إلاّ في الصلاة. وهكذا تكتشف الكنيسة عمل الله وتنشده باحتفال. سمع يوحنا مرتين "صوت جمهور كبير" في آ 1-6. إذن، نحن أمام صلاتين، أمام مقطعين صغيرين. الأول يتوجّه إلى الماضي فيحتفل بدينونة الزانية (آ 1-4). هي صلاة بشكل حوار في جوقتين (آ 1- 3) يشارك فيها الشيوخ 24 والكائنات الحية بسجودهم (آ 4). والثاني يتوجّه إلى المستقبل. هناك احتفال بأعراس الحمل القريبة (آ 5-8). نسمع النداء السماوي (آ 5)، ثم الصلاة بحصر المعنى (آ 6-8): "الملك للرب إلهنا". بعد هذا تأتي التطويبة الرابعة (آ 9- 10).
أ- الصلاة الأولى (19: 1- 4)
أولاً: دان الزانية العظيمة (آ 1-3)
"سمعت صوت جمهور" (آ 1). من هو هذا الجمهور الكبير؟ إنه يتألّف من الملائكة (5؛ 11؛ 7: 11! ومن المسيحيين الذين يكوّنون أيضاً جمهوراً سماوياً (7: 9)، فلا تختلف هتافاتهم عن هتافات الملائكة (10:7؛ 10:12).
أولى كلمات الصلاة هي: هلّلويا. هي المرة الأولى التي نجدها في رؤ. وسوف تتكرّر ثلاث مرات في آ 1- 4. نحن أمام لافظة ترتبط بشعائر العبادة. هلّلوا: أنشدوا، سبّحوا. وليرافق نشيدكم الفرح. يا أو يَه: تصغير يهوه أي الرب. هلّلوا للرب. تجذّرت هذه اللفظة تجذّراً عميقاً في الليتورجيا اليهودية، فصارت نداء إلى المديح وعبّرت في ذاتها عن المديح الذي نرفعه إلى الله. قال طو 13: 18: "في يوم بناء أورشليم تنشد كل البيوت: هلّلويا، مبارك إله إسرائيل"!
عادة، تتبع "هلّلويا" جملة تفضل الباعث على المديح. وهي تتجذّر هنا في رؤية دينونة بابل. فالسماويون يرون بعين الإيمان ما وراء الظواهر، ويشاهدون في هذه الدينونة الخلاص الذي تحقّق، وعلامة حضور مجد الله وقدرته، ولا يكتفون بالحديث عن كارثة حصلت صدفة واتفاقاً. إنهم يستطيعون أن يعلنوا أن أحكام (دينونة) الله هي عدل وحقّ (15: 3؛ 16: 7). هي متينة وقد تكيّفت مع الأوضاع الجديدة ووُجّهت كما يجب أن تُوجّه.
"دان الزانية العظيمة" (آ 2). لقد أعاد الله سلطة الشرك التي تعارض الله وتفسد الأرض، إلى موضعها. لم تحترم المخطّط الإلهي، وشوّهت العلاقات بين الأشخاص والأشياء، وجعلت نفسها مكان الله. وهكذا أنصف عباده وشهوده. فالدم الذي أُريق ظلماً والذي بدا أن الله غير مهتمّ به، قد انتُقم له الآن (6: 10؛ 16: 16؛ 18: 20، 24). عادت العدالة الإلهية وفرضت نفسها من جديد بعد أن شكّ فيها البشر. كان المؤمنون على حقّ، والإيمان لم يخيّب آمالهم.
"وقالوا ثانية" (آ 3). واستعادت المجموعة نفسها المديح. غير أنها شدّدت على وجهة أخرى هي: الدينونة النهائية. "دخانها يتصاعد أبد الدهور" (رج 14: 11). كذا كان الدخان مع سدوم وعمورة في تك 19: 28 أو مع أدوم في أش 34: 9- 10 (لا تنطفىء ليلاً ولا نهاراً، ودخانها يصعد مدى الدهر)؛ رج رؤ 18: 9، 18.
ثانياً: الموافقة على الصلاة (آ 4)
"فركع الشيوخ الأربعة والعشرون" (آ 4). نجد هنا كما في الليتورجيا السماوية العظمى (ف 4- 5) الأربعة والعشرين شيخاً (أي الكنيسة) والكائنات الحيّة الأربعة (أي الخليقة كلها). إنهم يمثّلون على التوالي شخصيات العهد القديم والعهد الجديد، كما يمثّلون العالم ومخلوقاته. لقد دلّوا، على مدّ رؤ، على تضامنهم مع المسيحيين فشاركوهم في صلاتهم وانضمّوا إلى اعتراف إيمانهم. في 7: 11 قالوا: "آمين! لإلهنا الحمد والمجد". في 11: 16 قالوا: "نشكرك أيها الرب... لأنك أظهرت جبروتك". وفي 14: 3 رنّموا "ترنيمة جديدة أمام العرش". أما هنا، فهم يوافقون بشكل احتفالي على نشيد الجمهور الذي يعلن أن قد تحقّق خلاص الله ودينونته. فالخلق وتاريخ الخلاص يقرّان بأن المسيحيين ولجوا إلى عمق مخطّط الله. كل شيء حسن، كما في البداية. فليس لنا أن نزيد شيئاً إلاّ: آمين. هلّلويا!
ب- الصلاة الثانية (19: 5- 8)
أولاً: النداء السماوي (آ 5)
"وخرج من العرش صوت" (آ 5). رج 16: 17 (صوت عظيم من العرش في الهيكل). هو صوت الله. أو حامل كلمته: ربنا وإلهنا يسوع المسيح. هو يدعو إلى مديح جديد يردّد فيه كلمات مز 135: 1، 20 (أو 115: 13): "هلّلويا! سبّحوا اسم الرب. سبّحوا يا عبيد الرب... أيها المتّقون للرب باركوا الرب".
"يا جميع عباده، والذين يخافونه". نحن أمام مجموعة المؤمنين. إذن، الشعب كله مدعوّ إلى أن يستعيد المديح الذي بدأ في 19: 1- 2. إن الشعب قد أنشد حتى الآن، الله الذي دان بابل وعاقبها. ولكن هذا هو الوجه الآخر للإنجيل. فعدالة الله لا تستنفد إمكانياتها في العقاب. لا بدّ من استعادة المديح لكي ننشد الله المخلّص.
ثانياً: الملك للرب إلهنا (آ 6- 8)
"ثم سمعت ما يشبه صوت جمهور" (آ 6). هنا تبدأ الصلاة الثانية بحصر المعنى في جوقة هائلة تشبه المياه الغزيرة والرعود الشديدة (14: 2). لا ننسَ أننا في حضرة الله. والمجتمعون هم الأمناء للحمل الذين لا حدّ لأمانتهم. هم ينشدون نشيداً يلخص تجسد المسيح وكرازته وفصحه أي موته وقيامته. هلّلويا. وبعد هذا يأتي السبب الذي دفعنا إلى النشيد: "لأن إلهنا القدير قد ملك". الفعل في صيغة الماضي، يدلّ علي عمل بدأ في الماضي وانتهى الآن. أجل، إن ملك الله سيزول ليحلّ محلّه الحمل وأعراسه. فالسباعية الخامسة التي بدأت هنا ستكون سباعية الزواج والحبّ، سباعية الحياة الحميمة والثقة التامة. لقد دخلنا في مناخ الإنجيل الرابع: "لا أدعوكم بعد عبيداً، لأن العبد لا يعلم ما يصنع سيّده. بل دعوتكم أحبّاء" (يو 15: 15). حين تبدأ أعراس الحمل، يتخذ الملك وجهاً نهائياً. لا شك في أن الملك هو ملك الله الضابط الكلّ، وأن الأعراس هي أعراس الحمل إبنه مع المدينة الجديدة. ولكن المواطنية التي وُعد بها المختارون ليست مواطنية العبيد بل مواطنية الإبن في ملكوت الحبّ.
هلّلويا. "لنفرح ونبتهج" (آ 7). إن بهجة الله تملأ قلب الإنسان الذي التزم في طاعة لا حدود لها ولا تحفّظ فيها. بعد اللهجة الباردة في الأناشيد السابقة التي تعلن بشكل لا شخصيّ حقائق الإيمان الكبرى، نجد نفوسنا أمام لغة حارة وقريبة من الحياة وكثر شخصية. نحن لا نكتفي بالملاحظة، بل نتحدّث في صيغة المتكلّم: لنفرح ونبتهج. الرب أظهر ملكه.
مع الفرح والبهجة نحن في جوّ اسكاتولوجي تتحدّث عنه تطويبة مت 5: 12. فالذين يعيشون مع المسيح هم في الفرح حتى في وسط الإضطهادات، لأنهم يعرفون أنّ ملكوت الله هو منذ الآن لهم. ويتغذّى الفرح بيقين يعلن أن وقت الإتحاد النهائي مع الحمل قد جاء، ان وقت أعراس الحمل قد حلّ. سوف يستعيد الكاتب هذا الموضوع في ف 21. أما هنا، فنحن أمام بداية تجعلنا ننتظر النهاية.
تعود صورة الأعراس إلى العهد القديم الذي يصوّر بشكل زواج العهد الإحتفالي الذي به ارتبط الله بشعبه في سيناء (أش 54: 6؛ هو 2: 1 ي؛ حز 7: 6 ي). واستعادت المسيحية الصورة وأعطتها لوناً خاصاً فتحدّثت عن أعراس المسيح مع العروس التي اختارها (الكنيسة).
وهذا العيد سيكون محفوظاً لأزمنة مجيء الملكوت. كان الرابانيون قد ربطوا نشيد العرس في مز 45 بأعراس الملك المسيح المقبلة مع إسرائيل في آخر الأزمنة. ونحن نجد الصورة مراراً في العهد الجديد (مت 25: 1؛ يو 3: 29؛ 2 كور 11: 2؛ أف 5: 24، 32).
هناك أوقات تنتقل الأعراس إلى المستوى الثاني، فيحتفظ النصّ بوليمة العرس، ويشدّد على الدعوة إلى المشاركة فيها (مت 22: 1- 14؛ مر 2: 19-؛ 20). ونجد الوجهتين في نص رؤ هذا. في آ 7: أعراس الحمل. في آ 9: وليمة أعراس الحمل.
لقد استعدّت العروس، تزيّنت. وهكذا يشدّد الكاتب على المسؤولية الناشطة للمسيحيين في هذه التهيئة. ويؤكّد أن أمانتهم الملموسة تتيح لهم أن يقرّوا بأنّ ملكوت الله هو حاضرٌ الآن وفاعل. مثلاً في إعلان 11: 15-18 (صار ملك العالم لربنا) الذي يلي خبر الشاهدين (3:11-14).
"وأعطيت أن تلبس الكتّان" (آ 8). التهيئة يعني تهيئة ثوب العيد. لئلا نوجد عراة (16: 15) والكتّان (لباس الكهنة) المتألّق الناصع يقابل زينة المرأة الزانية (18: 16) بألوانها الفاقعة. الكتّان هو أعمال القديسين. هو الطاعة اليومية لوصايا الله استعداداً لعيد الله العظيم.
ونلاحظ في الوقت عينه أنّ كل هذا هو عطيّة من الله. لا تعارض بين العطية ومسؤولية الإنسان الحرّ. فالله لا يعطينا اللباس "محاكاً". بل يعطينا أن نصنع اللباس. فالناس لا يتقبّلون هذا الثوب كغرباء عنه (رج أف 2: 10). هذا ما يلقي الضوء على مت 22: 11-12 حيث نتشكّك حين يُطرد الذي لا يملك ثوب العرس. كان باستطاعته أن يهيّىء له ثوباً (مت 7: 22-23) فلم يفعل.
ج- التطويبة الرابعة (19: 9- 10)
وعدت التطويبة الثانية بالراحة للذين ماتوا في المسيح (14: 13). وتحدّثت. الثالثة عن الذي يحرس ثيابه فلا يمشي عرياناً (16: 15). هنا نخطو خطوة إلى الأمام: ننتقل من مفهوم الراحة إلى مفهوم الوليمة الذي يتضمّن اقتناء ثوب العيد. "طوبى للمدعوّين إلى وليمة عرس الحمل". هنا نتذكّر لو 14: 15: "طوبى لمن يشارك في الوليمة في ملكوت الله". ولكننا في رؤ لا نميّز بين المدعوّين وبين المختارين. فالمدعوّون الذين نتحدّث عنهم هنا هم الذين تجاوبوا مع النداء الموجّه إليهم (قالوا: نعم)، هم المختارون، هم المؤمنون.
"هذه الكلمات هي كلمات الله حقاً". يدلّ الملاك على صدق التطويبة، بل على صدق كل ما سبق. فتبدو هذه العبارة بشكل خاتمة سنجدها في 22: 6 (رج 21: 5). كما أن التطويبة في 19: 9 تتلاقى والتطويبة في 22: 7: "هنيئاً لمن يعمل بالأقوال النبوية في هذا الكتاب". 
"فارتميت على قدميه لأسجد" (آ 10). كيف نفسّر مشهدَي محاولة السجود الذي يرفضه الملاك، هنا وفي 22: 8- 9؟ تحدّث الشرّاح مراراً عن تحذير من ضلال يرتبط بعبادة الملائكة. غير أن هذه العبادة كانت نادرة جداً فلم تكوّن مشكلة. ثم، كيف نتخيّل أن يكون يوحنا محتاجاً إلى مثل هذا التحذير وهو المهتمّ بعبادة الله وحده؟
هنا. نعود إلى طو 12: 18: "لا نضل لي، بل الفضل لله الذي أرسلني. فاحمداه إلى الأبد". أراد طوبيت وابنه طوبيا أن يسجدا أمام الملاك رفائيل، فدعاهما الملاك إلى أن يباركا الله ويباركاه وحده. في هذا الخطّ نفهم نصّ رؤ: فمن خلال الوسطاء، يجب أن نتعرّف إلى الله الذي يكشف عن ذاته: فمن خلاله ما يقوله الملائكة في رؤ، يجب أن نكتشف وحي يسوع. ونقول الشيء عينه عن الظهورات بعد القيامة. الشخص الأهم هو يسوع القائم من الموت. أما الملائكة فهم هنا لكي يدلّوا على حضوره.
لا يتوخّى رؤ أن يرضي فضول البشر الباحثين عن أسرار السماء والتاريخ. بل هو يريد أن يشهد للحمل المذبوح الذي مات وقام من أجلنا (5: 9؛ 10). فمن طلب غير ذلك، من بحث عن "تنبّؤات" نطلب معناها لكي نعرف المستقبل، يكون قد ضلّ حول الطبيعة الحقيقية لهذا السفر، يكون قد مزج بين كلمة الملاك وكلمة الله، يكون قد توقّف عند الشكل والمبنى وأهمل المعنى. يكون قد سمع الملاك وسجد له، ولم يسمع لله ويسجد له لتكون له الحياة.
ليس رؤ كتاباً باطنياً يحمل "أسرار" الكون. إنه تعليم نبوي. وكل نبوءة حقيقية تقود إلى شهادة يسوع: "شهادة يسوع هي روح النبوءة". يعني: حين يتكلّم النبي فيسوع هو الذي يشهد.
ينتج من كل هذا أنه إن لم يُؤدَّ السجود للملاك، فالنبي يجب أن لا يُهمل أو يُحتقر. فكلمته التي هي في النهاية شهادة يسوع، تُحترم كما تُحترم كلمة الملاك. النبي هو رفيق الملائكة في خدمتهم. قال الملاك ليوحنا: "أنا في الخدمة رفيق لك ولإخوتك الذين لهم شهادة يسوع". ففي الملاك كما في النبي يتكلّم الروح لكي تتجلّى شهادة يسوع والدلالة على انتصاره الفصحي. وما يقولانه هو "حقاً كلمات الله".
سقطت بابل وسقطت معها النظم البشرية، لأنها عمل الوحش. وقد بُنيت لكي تتحدّى الله مثل برج بابل. ولكن البشر لا "يسقطون". يُعزلون ويُعرّون (17: 16)، ولكنهم ما زالوا مدعوّين لكي يتّخذوا قرارهم بالنسبة إلى الله ما داموا على قيد الحياة. وحدها دينونة الأموات ستكون نهائية (12:20-15).
تسقط بابل كل يوم أمام عيوننا، ولكن سقوطها لا يغلق أمام سكان الأرض طريق التوبة. بل هو يجعل القديسين يشعرون بسعادتهم لأنهم مدعوون إلى وليمة عرس الحمل (19: 9).

2- إنتصار المسيح (19: 11- 21)
هنا تبدأ الرؤى السبع. في الأولى نجد فرساً أبيض والراكب عليه هو المسيح (19: 11-16). في الثانية (آ 17-18) نرى ملاكاً واقفاً في الشمس. في الثالثة (آ 19- 21) نشاهد الوحش وملؤك الأرض وجنودهم مجتمعين. في الرؤية الرابعة نجد ملاكاً نازلاً من السماء (20: 1-3). في الخامسة نرى العروش للقضاء (آ 4- 10). في السادسة (آ 11- 15)، نشاهد عرشاً عظيماً أبيض يدلّ على انتصار الله النهائي. وفي الرؤية السابعة (21: 1 ي) تطلّ علينا السماء الجديدة والأرض الجديدة.
فبين زوال العالم القديم الذي يرمز إليه دمار بابل وفناؤها (ف 17-18)، وبين المجيء النهائي للعالم الجديد الذي يدلّ عليه ظهور مشعّ لأورشليم السماوية التي زال منها كل قتال، كل دمعة، كل موت (21: 1-22- 5). بين هذين القطبين، يرينا الكاتب التدخّل النهائي الذي فيه جعل الله كل "شخص" في "مكانه" في مجيء المسيح وانتصاره الشامل.
أمام وجه هذا المسيح الذي يرافقه أخصّاؤه (19: 11- 16) سيزول الشرّ حتى أعمق جذوره (19: 17- 20: 15). أولاً: يقتل "سكّان الأرض" (19: 17- 20: 15). ثانياً: يُلقي في مستنقع النار الوحش والنبي الكذاب اللذين دفعا الناس إلى القتال (19: 20). وأخيراً، ينضمّ إليهما التنين المحرّك الأخير للثورة (21: 10) بعد حكم يصدر على دفعتين (20: 1- 15). في الدفعة الأولى: يُقيَّد لألف سنة (20: 1-3) ساعة يملك المسيح مع أخصائه لدينونة أولى (20: 4-6) حيث يعود الشهداء وحدهم إلى الحياة (القيامة الأولى) ليملكوا معه في حياة أبدية لا تخاف الموت الثاني. في الدفعة الثانية، يُرمى في مستنقع النار بعد محاولة تمرّد قصيرة (20: 7-10) ساعة تتمّ دينونة مجمل الموتى (20: 11- 15) ويزول الموت نفسه بعد أن يلقى في مستنقع النار: هذا هو الموت الثاني (21: 14؛ رج 20: 6).
أ- تقديم المسيح (19: 11- 16)
نجد هنا قسمين رئيسيين في نهاية ف 19. في آ 11-16: تقديم المسيح. في آ 17- 21: المعركة الأخيرة. ولكن المشهدين يكوّنان وحدة متكاملة: فالقتال الأخير يجعل وجهاً لوجه الفارس وجيشه (آ 11- 14) وملوك الأرض وتبّاعهم (آ 18: 19) الذين هم الأمم (آ 15). والسلاح المستعمل هو "سيف مسنون" (آ 15، 21). إن المشهد كله يبرز المسيح كديّان قوى العالم والمنتصر عليها. لا نجد من جهة ديّان الكنيسة (آ 11-16) ومن جهة ثانية ديّان الأمم (آ 17- 21) كما يقوله بعض الشرّاح.
حينئذ رأيت السماء مفتوحة" (آ 11). حتى الآن كانت الإيحاءات السماوية محدودة. في 4: 1 فُتح بابٌ فقط ليسمح للرائي بأن يرى الليتورجيا السماوية. في 11: 19 وفي 15: 5، فُتح الهيكل فكشف عن نيّة الله العميقة بأن يقيم وسط البشر. وهنا، فُتحت السماء نفسها. نحن أمام تطوّر جذري في الوحي. فُتحت السماء، فظهر أمام عيون الجميع أن التاريخ البشري والتاريخ السماوي هما تاريخ واحد.
إن عبارة "سماء مفتوحة" تذكّرنا بنصّ يو 1: 51: "سترون السماء مفتوحة، وملائكة الله صاعدين ونازلين فوق ابن الإنسان". أي: تفهمون أن الله يأتي حقاً على الأرض في شخص يسوع. ونجد العبارة عينها في أخبار عماد يسوع (مر 1: 10؛ مت 3: 16؛ لو 3: 21). هذا ما تريد أن تبيّنه هذه الرؤية: في شاخص المسيح تمارَس دينونة الله نفسها.
إنّ أولى اهتمامات هذه الآيات هي أن تحدّد إسم الفارس، أن تحيط بكيانه ووظيفته (آ 11، 12، 13، 16). إن الأسماء التي يحملها،. ينسبها الأنبياء إلى الله نفسه. وعمل المسيح قريب جداً من عمل الله. فهو الله الذي يدين ويقاتل، ولكن لدينونته وقتاله إسماً هو يسوع المسيح (يو 5: 22: إن الآب لا يدين أحداً بل سلّم الحكم كله إلى الإبن. أما سائر صفات الفارس فمأخوذة من النبوءات المسيحانية، وهي تدلّ على أنه يتمّ كل ما انتظر الشعب من مسيحه. هو يتمّ ما هيّأه الله منذ الأزل أي الإنتصار على ما يحسبه العالُم لا يُقهر.
"وإذا فرس أبيض". الفارس هو المسيح. ولكن صورة المسيح الفارس ليست تقليدية في العالم اليهودي ولا في العالم المسيحي. بل نجد في رؤ: الحمل، أسد يهوذا. ولكن هناك تقارباً قد يلقي الضوء على هذه الصورة: فالفارس الأول في رؤ 6: 2 هو أبيض أيضاً ومعه إكليل. إنه يجسّد أحكام الله. وهنا يوضح النصّ أن وظيفة المسيح الرئيسية هي في أن يدين ويحارب. في بداية الكتاب، نرى مجيء المسيح عبر سلسلة من الأحداث تدلّ على الدينونة وتؤوّنها. وفي نهاية الوحي نرى بوضوح أن الديّان هو المسيح نفسه.
"راكبه يُدعى الأمين والصادق" (أو: الحق). إنه يُوصف بما تُوصف به كلمات الله (22: 6؛ رج 18: 9). وسيسمّى بعد قليل "كلمة الله" (19: 13). الأمين والصادق يقابلان في العبرية: آمين. أمونة أي أمانة. إمت أي الحق. إنه آمين، والشاهد الأمين والحقيقي (3: 14). ذاك الذي شهادته ثابتة ومتينة مثل أعمال الله.
"يحكم ويقاتل بالعدل". إن فعل "حكم" (أو: دان) لا يجعلنا في مناخ الحكمة كما في 20: 4، 11. بل يعني: أعاد الحق من أجل المظلومين (كذا في العهد القديم، لا سيّما في سفر القضاة). هكذا كان المسيح في أش 11: 4 (يقضي للفقراء بالعدل وينصف المظلومين ويميت الأشرار). هذا ما يتوافق مع تدخّل يعاقب ظالمي شعبه (مز 9: 9؛ 96: 13؛ 98: 9). ويرى المؤمنون في العقوبات التي تدعو الكافرين إلى التوبة، "طرق الله العادلة والحقة" (15: 3-4). إن الخلاص لا ينفصل عن الحكم المعلن ضدّ كل من يقاوم مخطّط الله. فالله لا يخلّصنا مظهراً أنه لا يبالي بالشّر أو ينساه. الخلاص هو دوماً رفض للشّر وحكم عليه، وإعادة العلاقات الصحيحة بين الله والخلائق، وفي داخل الخليقة. فالمخلّص هو أيضاً الديان. يرد الفعلان (يحكم، يقاتل) في الحاضر فيدلاّن على شيء حاضر حضوراً تنكشف علاماته لمن يعرف أن يرى الواقع من خلال الظواهر. 
"وعيناه كشهاب نار" (آ 12). مثل عيني ابن الإنسان في الرؤية التدشينية (1: 14). في الحالتين نحن أمام المسيح، وهو ينفذ إلى نوايا البشر الخفية (2: 18 ي).
"تيجان عدة". التاج يدلّ على السلطان الملكي (آ 16: ملك الملوك). هو شريط يربط حول الجبهة. لهذا يتحدّث النصّ عن "تيجان عدة". هنا تأخذ الصورة كامل قوّتها حين نقابلها مع تيجان والتنين السبعة (12: 3) وتيجان الوحش العشرة (13: 1). إن المسيح يضع حداً لكل استيلاء على السلطة بالقوة.
"كُتب عليه إسم لا يعرفه أحد سواه". سيُعلن الإسم في آ 16. نحن هنا خارج المنطق ولن نتوقّف عند هذا الوضع، بل نحاول ما يعني هذا الإسم.
في 2: 17 أعطي إسم جديد للغالب لا يعرفه أحد سواه. وحسب 3: 12، إنه إسم الله، إسم أورشليم، إسم المسيح. إذن، نحن أمام إسم يترجم العلاقة الحقيقية بين الغالب وبين المسيح والأمور السماوية. ونحن لا نكتشف هذه العلاقة إلاّ بالإيمان الذي نعيشه. حين يرى المؤمن ربّه في يسوع، ينطبع باسم معلّمه.
"يلبس ثوباً مغموساً بالدم" (آ 13). هذه الصورة، شأنها شأن صورة القطاف الذي يدوس العنب في المعصرة (آ 15) تعود إلى أش 63: 1- 6 الذي يعلن عقاب أدوم برمز دائس العنب الذي تلطّخت ثيابه بالعصير أي بالدم. إنّ الذي ينزل العقاب هو الله نفسه. أما أصالة رؤ فتقوم في قراءة كرستولوجية للنبوءة. دائس العنب هو المسيح. قد تأثّرت هذه القراءة بتقارب مع تك 49: 8-12 حيث نرى المسيح يصل ليدوس ثوبه في دم العنب. المسيح هو مقاتل يمارس باسم الله دينونته وانتقامه: الدم هو دم الأعداء المقهورين.
مقابل هذا، يرى شرّاح آخرون (ونحن منهم) في هذا الدم دمَ الحمل المذبوح. في هذا القتال سفك يسوع دمه من أجل العالم: هكذا أحبّ الله العالم...
"واسمه كلمة الله". إن كلمة الله فاعلة. "قال فكان كل شيء، وأمر فصار كل موجود" (مز 33: 9). وقال الله في إر 5: 14: "أجعل كلماتي في فمك ناراً وهذا الشعب حطباً فتأكلهم". وفي 23: 29: "كلمتي كالنار، وكالمطرقة التي تحطّم الصخر". ونقرأ في هو 6: 5: "ضربتُ بالأنبياء، وقتلتُ بكلام فمي". كلامه هو نعمة وحكم معاً. كل هذا يرتبط بصورة السيف المسنون الذي به يضرب الرب الأمم (آ 15، 21؛ رج 1: 16؛ 2: 12، 16).
وهناك ثلاثة مقاطع بيبلية تلقي ضوءاً خاصاً على تسمية المسيح هذه. الأول: مطلع الإنجيل الرابع. "في البدء كان الكلمة... والكلمة صار بشراً". في يو وفي رؤ، هو لقب واحد يدلّ على يسوع المسيح. الثاني: حك 18: 15 ي: في لوحة ذات أبعاد كونية، يتحدّث المقطع عن تدخّل الله الذي ساعد على الخروج من مصر في ليلة الفصح: "هجمت كلمتك القديرة من السماء، من العروش الملكية، على أرض الخراب كمبارز مخيف وسيف صارم يمضي قضاءك المحتوم". الثالث: عب 4: 12: "حية كلمة الله وفاعلة، وأمضى من كل سيف ذي حدّين، ونافذة حتى تفصل النفس عن الروح والأوصال عن المخاخ، ومميّزة نيات القلب وأفكاره. وما من خليقة خافية أمامها: بل كل شيء أمام عينيها عارٍ مكشوف لعينيها. ولها سنؤدّي حساباً).
"وكانت تتبعه خيل بيض" (آ 14). ما هي هذه الخيول التي تؤلّف جيوش السماء؟ جواب أول: الملائكة. فالنصوص اليهودية والمسيحية القديمة تتحدّث عن حضور الفرق الملائكية بجانب المسيح في مجيئه والدينونة الأخيرة (مت 25: 31؛ مر 8: 38 وز؛ مر 13: 27 وز؛ 2 تس 1: 7). حسب مت 26: 53، هناك جيوش سماوية تأتمر بأمر يسوع منذ رسالته على الأرض.
ولكن يجب أن نبحث في خط آخر. فثوب الكتّان النقي الذي هو ثوب الملائكة (15: 6) ينسبه رؤ بالأحرى إلى المسيحيين الأمناء. إنه يرمز إلى الخلاص الذي ينعمون بواقعه الأبدي منذ الآن. إنه يرمز إلى الغلبة والإنتصار (3: 4، 5، 18؛ 4: 4؛ 6: 11؛ 7: 9، 13).
وفي 17: 14 الذي يوازي هذا المقطع، حين يحارب الحمل الأعداء أنفسهم، فهو يجتذب في انتصاره المدعوين والمختارين والمؤمنين. وفي 19: 15، يقود المسيح جيشه ليتمّ نبوءة مز 2: 9: "يرعى الأمم بعصا من حديد". وفي 2: 27، يُوعد الغالب بأن يشارك في تتمة هذه النبوءة عينها: "يرعاهم بعصا من حديد". إذن، هذا الجيش هو جوقة المسيحيين الذين حافظوا على الأمانة، هؤلاء المنتصرين الذين هم سماويون منذ الآن لأنهم يعيشون الحياة الأبدية. وسوف نجدهم مشاركين في دينونة الأمم في 20: 4.
تبعت جيوش السماء الفارس الأبيض. هذا يعني أن المسيح يأتي، يتحرّك فلا يبقى في مكان واحد. هم كهنة مثله بثوب الكتّان. وهم منتصرون بانتصاره.
"ويخرج من فمه سيف مسنون" (آ 15). إن صورة السيف المسنون تذكرنا بالرؤية التدشينية في 1: 16. وفي 2: 12-16 يدلّ السيف على حكم يصدر على الكنيسة. أما هنا، فهو صورة القرار الذي تتلفّظ به كلمة الله ضدّ أعدائها. فنحن كما في آ 11 أ، نجد في خلفية النصّ أش 11: 3- 4: "يدين الفقراء بالإنصاف. وبكلمته يضرب البلاد كما بعصا". وقال يو 12: 48: "من رذلني ولم يقبل كلمتي فله من يدينه: الكلمة التي أسمعتها هي التي تدينه في اليوم الأخير".
"يرعاهم بعصا من حديد". رج مز 2: 9 الذي طُبّق على الطفل المسيح في 12: 5 وعلى الغالب في 2: 27.
"يدوس في معصرة". سبق وظهرت الصورة في 14: 10، 19، 20. ولكن نجد هنا تحديداً خاصاً: المسيح هو الدائس الإسكاتولوجي باسم الله. 
"إسم مكتوب على ردائه وعلى فخذه" (آ 16). المهمّ هو اللقب: "ملك الملوك وربّ الأرباب". هذه ذروة آ 11- 16، وخاتمة تقود إليها كل المقاربات السابقة. هذا اللقب الذي وجدناه في 17: 14 يرتبط بالله ارتباطاً مباشراً. وهكذا نشدّد مرة أخرى على الطابع الإلهي للمسيح الديّان.
ب- القتال الأخير (19: 17- 21)
هي المرة الثالثة التي فيها يلمّح رؤ إلى قتال ضدّ الملوك. في 16: 14- 15؛ في 17: 14؛ في 19: 17- 21. وسوف نعود إلى هذا الموضوع في 20: 7-10. نذكّر هنا مرّة أخرى أننا لسنا أمام تعاقب كرونولوجي (تسلسل أحداث)، بل أما تصوير نستعيده فنزيد عليه ونلقي أضواء مختلفة على صوره.
"ورأيت ملاكاً واقفاً في الشمس". وقف هناك ليستطيع أن يوجّه كلامه، كما من على منبر، إلى "جميع الطيور التي تطير في وسط السماء" (رج مت 24: 28: حيثما تكون الجثة، هناك تجتمع النسور). طيور هي من نسل النسر الذي أعلن "الويل" المثلّث في 8: 13. أما التفاصيل المرعبة فتعود إلى حز 38-39 عن القتال النهائي العظيم ضدّ جوج، ملك ماجوج. فالنبوءة التي أعلنت نهاية كل تمرّد بشريّ تمّت في هذا اليوم. فكلمات الملاك تستعيد حرفياً قول النبي ضدّ جوج كما في حز 39: 17-20: "إجتمعي وتعالي احتشدي من كل جهة... تأكلين لحم الجبابرة وتشربين دم رؤساء الأرض... تشبعين على مائدتي من الخيل وراكبيها والجبابرة وكل مقاتل". ولكن صاحب رؤ يبذل نصّ حزقيال بشكل لافت.
فما كان وليمة ذبائحية عند حزقيال صار "وليمة الله العظيمة" (نجد الكلمة عينها في 19: 9: "وليمة عرس الحمل"). وإن الوليمتين تتعارضان تعارضاً تاماً كما تتعارض الزانية وعروس الحمل. إن الخلاص والعقاب هما وجهتان في عمل الله الواحد. وحيث تحدّث حزقيال عن الجبابرة والرؤساء، وسّع رؤ التعداد فامتدّ امتداد البشرية: "جميع الناس، أحراراً وعبيداً، صغاراً وكباراً" (رج 11: 18؛ 13: 16؛ 19: 5؛ 20: 2). لسنا أمام تاريخ بعض الملوك وجيوشهم: هي معارضة تامة تجعل البشرية ضدّ الله، ولكنها ستتراجع أمام انتصار المسيح.
ورأيت الوحش" (آ 19). في 17: 16، كان الوحش قد حرّك ملوك الأرض ضدّ عاصمة الإمبراطورية. وهكذا بدأت دينونة الله تنفّذ. سقطت بابل، ولكن الوحش وحلفاءه ما زالوا حاضرين وهم يستعدّون لقتال الفارس وجيشه.
"فوقع الوحش في الأسر" (آ 20). في الواقع، لا معركة تذكر. بل هزيمة وعقاب. فكما في ف 12، صار النصر من الماضي ولا يمكن أن يكون موضوع تساؤل (5: 5). فالفارس لم يأتِ ليقاتل، بل لينشر نتائج القتال.
إن رؤساء الجيش الجهنّمي (الوحش، النبي الكذاب) هم أول الضحايا الذي تُذكر ذنوبهم للمرّة الأخيرة (13: 16؛ 14: 9؛ 16: 2؛ 20: 4). أعلنت نهايتهم فلم تكن الكلمات كافية لكي تعبّر عن واقع يتعدّى الإدراك البشري. ولقد تردّد الكاتب بين عدّة تصوّرات للآخرة. فصورة مثوى الأموات بدت ضعيفة أو هي لم تبدُ نهائية. وزوال الأعداء لم يدخل في نظرته، لهذا اختار بحيرة النار ليدلّ على موضوع العذاب الأبدي، على عكس الحياة الأبدية.
"وهناك الباقون" (آ 21). إختلف مصير الجيش عن مصير رؤسائه. فالموت بسيف الكلمة ليس مخيفاً وليس نهائياً مثل بحيرة النور. وسوف ننتظر 20: 15 وبعد آخر فعل من أفعال الدينونة، حتى نرى أناساً يرمون في بحيرة النار. هل نحن أمام نصر روحي على أعداء دفعوا إلى الإرتداد بواسطة كلمة سمعوها؟ دُفعوا إلى التخلّي عن "جسد" الإنسان العتيق؟ ربما. ولكن يبدو عذابهم حقيقياً.

 

 

الفصل الحادي والثلاثون
الألف سنة والدينونة الأخيرة
20: 1-15

1- ملاحظات أولية
أ- نمطان من التفسير
في قلب هذا الكتاب الصعب الذي هو رؤ، يطرح ف 20 أصعب المشاكل وأعقدها. ونستطيع القول إن هناك طريقتين لفهم هذا المقطع ولا سيّما الألف سنة.
أولاً: الألف سنة المقبلة
هناك تفسير حرفي، تطلّعي، ألفاني.
* قد يُفهم المستقبل في أنه نهية الزمن. هذا هو التفسير الأقدم والأكثر حرفية. ستكون هناك حقبة مقبلة في التاريخ توضع في ظلّ يسوع المسيح. فالله يظهر على الأرض كل البركات التي هيّأها للإنسان منذ البدايات. ستكون تتمة أرضية لنبوءات العهد القديم، تتمة للتاريخ في التاريخ. ويتضمّن تاريخنا زمناً فيه يقرّ الكون كله بسيادة الله.
* وقد يُفهم المستقبل بالنسبة إلى زمن تدوين رؤ. فالصعوبات والأخطار التي لاقاها المسيحيون حتى الآن، ليست بشيء إذا ما قُوبلت بالزمن الذي فيه ينتصر الإيمان. ماذا هي ثلاث سنوات ونصف السنة مقابل ألف سنة (مع العلم أن 1000 يدل على كمية كبيرة جدًّا. أو هو رقم الخلود)؟ هذا النمط من التفسير يسيطر على التأويل البروتستنتي.
ثانياً: رمز إلى الحقبة الحاضرة
الألف سنة هي رمز إلى الحقبة الحاضرة. هذا هو التأويل الرمزي والروحي والكنسي والمرتبط بالحاضر. ونلاحظ أن كل ما قيل لنا عن هذه الحقبة نجده في أماكن أخرى من العهد الجديد (وفي رؤ) عن الحقبة التي دشّنها موت المسيح وقيامته. إذن نحن بالأحرى أمام تاريخ الكنيسة، لا أمام الحقبة الأخيرة أو ما قبل الأخيرة للتاريخ العالمي. اختيرت الألف سنة بالنظر إلى إقامة الإنسان في الفردوس. ألف سنة هي طول يوم إلهي قطعه الإنسان بسقطته: وعمل المسيح جاء يصحّح هذه السقطة وهذا الفشل. هذا النمط من التفسير نجده بصورة خاصة عند الكاثوليك.
ب- رؤ 20 وما يوازيها من نصوص (ف 11، 12، 13، 17)
أولاً: نعتبر ف 20 وحدة لا تتجزأ. لا نؤخذ بالألف سنة وننسَ الدينونة الأخيرة. ما يؤمّن وحدة هذا الفصل هو إرتباطه مع ما سبقه، هو نهاية الشيطان. فبعد بابل والوحشين، ها هو العقاب الأخير لعدوّ البدايات الأول، وهو الحية الجهنمية أي الشيطان.
ثانياً: إن قصة الشيطان المروية هنا تبرز نقاطاً مشتركة مع قصة التنين والوحشين كما نجدها في ف 12، 13، 17. هو مصير واحد يمرّ في ذات المراحل: سلطة سابقة، هزيمة، نهوض، نهاية.
* في 20: 2- 3: هزيمة الشيطان وهي تعلن نهايته. في 12: 12، سقط التنين على الأرض وعرف أنه لم يبقَ له وقت طويل. في 17: 7- 8، كان الوحش، ولم يعد موجوداً الآن. سيعود ليذهب إلى الهلاك.
* ترتبط هذه الهزيمة بمصير المسيح. في ف 20 قيّد الشيطان ساعة يملك المسيح. في ف 12، كانت ولادة المسيح السبب في نفي التنين. في ف 13، بدا جرح الوحش مثل جرح الحمل. في ف 17، كان الوحش ولم يعد موجوداً تجاه الله الكائن والذي كان والذي سيأتي.
* تُوصف حقبة الذلّ بمقياس زمني في ف 11، 12، 13: 1260 يوماً. 42 شهراً. ثلاث سنوات ونصف السنة. راجع "بعض الوقت" (12: 12؛ 20: 3). نحن أمام أرقام رمزية. وستكون الألف سنة أيضاً رمزية. بالنسبة إلى المؤمنين، هو زمن الاضطهاد (11: 1- 7؛ 12: 12- 17؛ 13: 1 ي؛ 17: 6؛ 20: 9). وتتوقّف المحنة بتدخل من الله (11: 1-12؛ 6:12، 14، 16؛ 17: 14؛ 9:20). حينئذ يحسّ المؤمنون المرتبطون بالمسيح بواقع الخلاص.
* ونتوقف عند 11: 11- 12؛ قام الشاهدان من الموت كما قام معلّمهما. وفي 12: 10- 11، إنتصر الإخوة كما إنتصر المسيح. وفي 20: 4، 6 هم يمارسون الدينونة والملك والكهنوت مثل يسوع. كل هذا ليس وليد الصدفة. فلقد "عرف" الكاتب أن لظهورات الشيطان في هذا العالم نقاطاً مشتركة ترتبط بالحدث الفصحي. إذن، لا نقرأ هذه الصور المتوازية وكأنها صور متعاقبة، بل كإيحاءات تحمل النور الأساسي عينه (وإن اختلفت وجهات النظر) الذي ينير البشر. وهذا النور هو انتصار يسوع الفصحي.
ج- رؤ 20 على ضوء الفصول الموازية
نعرف في ف 20، أنه خلال الألف سنة التي يكون فيها الشيطان مقيّداً، يمارس المؤمنون القضاء (آ 4)، يعيشون و"يملكون" مع المسيح (آ 4، 6)، يكونون كهنة الله (آ 6). هذه هي "القيامة الأولى" (آ 5).
ماذا تعني هذه التأكيدات؟ هل نحن أمام وقائع جديدة ومجهولة في العالم الحاضر، وبالتالي محفوظة لحقبة مقبلة؟ مثل: الدينونة، الملك، الكهنوت.
مع أن النصّ لا يفرض ذلك إطلاقاً. يبدو أن القضاة (في آ 4) الجالسين على العروش هم الشهداء، الذين قطعت رؤوسهم. هم المعترفون، الذين لم يسجدوا للوحش. في 19: 14، حين جاء الفارس المسيح رافقه أخصّاؤه يوم جاء للقضاء وليدلّ على أنه ملك. فلا نعجب إن وجدنا هؤلاء الرفاق أنفسهم على العروش معه. ولكن حين يتحدّث مت 19؛ 28؛ لو 22: 30؛ 1 كور 6: 2-3 عن جمع المسيحيين مع المسيح للقضاء، فهم يتحدّثون عن هذا الوضع في صيغة المضارع، ويجعلونه في آخر الأزمنة.
هناك تماهٍ شبه تام بين ملكوت الله وقضائه. حين يصمد الشاهدان في موقفهما حتى الموت، نستطيع أن ننشد في السماء أن ملك الله قد بدأ، وأن زمن قضائه قد حلّ (11: 15- 18). والمسيحيون يشاركون الله في ملكه وعدالته، فيجعلونهما ظاهرين لكل إنسان. هم ملوك وقضاة. وهم أيضاً كهنة. يعيشون هكذا فيؤدون لله العبادة والطاعة اللتين تليقان به. وحسب 1: 5- 6 و5: 9- 10 هذه الأمور هي منذ الآن جزء من حياة المسيحي. وقد قال يوحنا نفسه (1: 9) إنه يشارك قرّاءه في المحنة والملك والثبات. إذن، لسنا أمام مواعيد محفوظة لمستقبل بعيد: أن نكون ملوكاً وقضاة وكهنة، فهذه ميزة حياة المسيحيين الحاضرة.
ويقول معترض: كل هذه المجموعة (الملك، القضاء، ممارسة الكهنوت) يسميها 20: 5 القيامة الأولى. أما يفترض هذا أن أناساً مرّوا في موت الجسد. وهذا ما يحيلنا إلى منتهى الأزمنة لألف سنة؟ وإلاّ، فما هي هذه القيامة الأولى؟
ويأتي الجواب. إن رؤ يعرف الموت الثاني (12: 11؛ 20: 26) فيدلّ به على العقاب الأخير، على الهلاك. الموت الأول هو موت الجسد. قد نرافق عدداً من آباء الكنيسة فنتحدّث عن قيامة في مرحلتين بعد موت الجسد: موت المؤمنين أولاً (آ 4). ثم القيامة العامة (آ 12- 13).
غير أن رؤ لا يربط أبداً موت الجسد بالقيامة الأولى، كما أنّه يجهل واقع القيامة الثانية والتعبير عنها. فالكاتب يرى أن المؤمنين ينالون منذ هذه الحياة الخلاص الأبدي. إنهم ما وراء الدينونة، ولم يعد لهم أن يخافوا الموت الثاني (2: 11؛ 20: 6). إنهم منذ هذه الأرض وقبل موتهم في الجسد، يعيشون حياة جديدة ومنبعثة، تجعل منهم أناساً سماويين (7: 9- 17؛ 12: 10- 12؛ 14: 1- 5؛ 15: 3- 4). هذه هي القيامة الأولى ولا قيامة غيرها في نظر صاحب رؤ. غير أنها لم تظهر كل نتائجها وتظلّ مهدّدة قبل موت الجسد. هذا ما يقوله الإنجيل الرابع: من يحيا ويؤمن بي فلن يموت أبداً (5: 25- 26).
ويقول قائل: خلال الألف سنة، الشيطان هو مقيّد ومسجون في الهاوية لئلا يسحر الأمم (آ 2- 3): فهذا لا يعنى زمننا الحاضر حيث الشيطان حرّ طليق.
ويأتي الجواب. إن قلنا هكذا نسينا المثل الإنجيلي عن الرجل القويّ (الشيطان) الذي ربطه المسيح وسلبه كل ممتلكاته (مت 12: 29 وز). إن هذا المثل يعني رسالة يسوع الحاضرة. ونتذكّر لو 10: 17- 19 حيث يرى ْيسوع الشيطان ساقطاً من السماء خلال مهمة رسله. ونذكر يو 12: 31: "الآن يطرح أركون هذا العالم خارجاً". منذ ساعة إنتصار يسوع، قيّد الشيطان وما عاد يفتن الناس كما في البداية. حطّم سلطانه، فما عاد ملكاً، وتفلّت أناس عديدون من قبضته. لقد ربطه المسيح لكي يمنعه من الإساءة إلى البشر. قد يؤذيهم، قد يضطهدهم، ولكنه لا يستطيع أن ينتزعهم من يد المسيح ويد أبيه. قال يسوع الراعي الصالح عن خرافه: "أنا أوتيها حياة أبدية فلا تهلك إلى الأبد، ولا يخطفها أحد من يدي. إن ما أعطاني أبي هو أثمن من كل شيء، ولا أحد يستطيع أن يختطفه من الآب" (يو 10: 28- 29).
ويُطرح سؤال: هل هذه الألف سنة هي مهلة محدّدة بوضوح؟ أم تدلّ على حقبة من حقبات المستقبل نستطيع أن نتعرّف إليها؟
والجواب. إن الألف سنة تشبه الحقبة التي جعلها الكاتب 1260 يوماً و 42 شهراً. ثلاث سنوات ونصف السنة. هي أوقات رمزية تدلّ على زمن المحنة. وهي أرقام تدلّ على مهلة محدودة. إذن، نحن مدعوون لنبحث في الألف سنة عن مدلول رمزي لا كرونولونجي (حسب تسلسل الأزمنة). ولكن ما هو هذا المضمون؟
عاد التقليد اليهودي والتقليد المسيحي إلى أش 65: 17- 25 (أخلق سماوات جديدة وأرضاً جديدة فلا تذكر السالفة ولا تخطر على البال...)، فظنّا أن المملكة المسيحانية تقوم في إعادة الحقبة الفردوسية التي قطعتها السقطة الأولى. كان على آدم أن يموت يوم يخطأ (تك 2: 17). إذن، هو لم يكمل يوم الله في الفردوس. في الواقع، مات وهو بعمر 930 سنة (تك 5: 5)، إذن قبل نهاية يوم الله. فألف سنة في عين الله كيوم أمس الذي عبر (مز 90: 4). هذا هو المعنى الرمزي الذي نسيناه.
حين نقول إن المسيح يملك ألف سنة، هذا يعني أنه، وهو آدم الجديد، يُلغي نتائج السقطة ويتيح للإنسان أن يستعيد ظروف القرب من الله، كما كان الأمر في الفردوس. هذا ما حدث في رؤ: تقيّد حية البدايات فلا تستطيع أن تطغي الإنسان من بعد (12: 9؛ 20: 3). تقدّم ثمار شجرة الحياة إلى الذين رافقوا المسيح وانتصروا معه على الشيطان (2: 7؛ 22: 14، 19). هؤلاء المؤمنون يستطيعون أن يحيوا في جنّة الله ولا يخافوا الموت الأول ولا الموت الثاني، لا الاستشهاد (12: 11) ولا الهلاك (2: 11: 20: 6). إنهم يملكون مع المسيح.
نحن في الأزمنة الأخيرة. ولكن هذه الأزمنة الأخيرة قد بدأت مع موت المسيح وقيامته. وهكذا يحيلنا رؤ 20 إلى الحقبة الحاضرة، الحقبة التي نعيشها اليوم. والألف سنة تدلّ على الزمن الممتدّ بين مجيء يسوع الأول (إنتهى بالموت والقيامة) ومجيئه الثاني.
د- نظرة الفصول الموازية (11، 12، 13، 17) بالنسبة إلى رؤ 20
إن الحديث عن الزمن الحاضر موجود في الفصول الموازية. وكل فصل قدّمه من وجهته الخاصة.
* في ف 11، 42 شهراً (آ 2) أو 1260 يوماً (آ 3) هي زمن الشهادة بما فيها من مخاطرة. فالشاهد يسلّم إلى أيدي الوثنيين، ولكن قدرة الله تحميه. إن هذا الزمن يتسلّم من الخارج نوراً يكشف طبيعته. فبعد 1260 يوماً، يقيم الله الشاهدين (آ 11).
* في ف 12، تبدو 1260 يوماً (آ 6) أو 3 سنوات ونصف (آ 14) كالزمن الذي دشّنه موت المسيح وقيامته (آ 5). ألقي الشيطان من السماء (آ 7- 10)، فلا يستطيع أن يهلك البشر وصارت أيامه معدودة (آ 12). الله يعين أخصّاءه (آ 6، 14) فيكونون منتصرين وإن حُكم عليهم بالموت (آ 11).
* يحدّد ف 13 الزمن الحاضر من زاوية الاستعمال اليومي. إذا بقينا على سطحية الأمور، لا نرى سلطان الشيطان الشامل الكامل. والمؤمنون المؤسّسون في المسيح يقاومون، ولكنهم شبه مرذولين من الحياة الاجتماعية (آ 17). غير أنهم يعرفون أن يروا في هذا التسلّط ظاهرة بشرية وحسب (آ 9- 10، 18؛ رج 14: 12- 13). إنهم منذ الآن مع الحمل (14: 1-5).
* ويحدّثنا ف 17 عن الزمن الحاضر كزمن فيه بدأت دينونة الله تتمّ. فالوحش الذي حاكى المسيح هزءاً، كانت آخرته الدمار. فالذي يعرف أن يرى الآيات، يجد أن دينونة الله بدأت عملها في تاريخ العالم والبشر عبر دمار الممالك.
* وفي ف 20، تدلّ الألف سنة على الزمن الحاضر والحقبة التي فيها يقيّد المسيح الشيطان ويمنعه من ممارسة نشاطه الهدّام. فالمؤمنون يملكون ويشاركون لا دينونة العالم، وهم كهنة الله. ومن خارج الألف سنة يأتي الوحي النهائي الذي يكشف المعنى الحقيقي لهذه الحقبة. فبعد الألف سنة، يُطلق الشيطان لحظة قبل أن يزول زوالاً نهائياً. ما عدا ذلك، فالحقبة الأخيرة وحقبة الألف سنة حقبتان متماسكتان: دينونة واحدة (آ 4- 11- 12)، بُعد واحد لقرار الحياة الأبدية (آ 6) أو لقرار الهلاك.

2- ملك الألف سنة (20: 1- 6)
أ- مدخل
لم يبقَ من المثلّث الشيطاني (التنين، 12: 3؛ وحش البحر، 13: 1؛ وحش الأرض= النبي الكذاب، 13: 11؛ 19: 20) إلاّ التنين الذي هو الحية الجهنمية والشيطان. ولكن ها قد جاءت ساعة الدينونة لذلك الذي كان حاضراً في التاريخ منذ السقطة الأصلية (تك 3: 1 ي). قيّد الملاك الشيطان بأمر الله وقدرته (جاء من السماء) وجعل له سلسلة حول عنقه. فتحدّدت إمكانياته في الزمان والمكان حسب إرادة الله وسماحه.
ويتحدّث النصّ عن ألف سنة (آ 2، 3). هناك فكرة سابقة للمسيحية تقول إن التاريخ البشري تكوّن حسب نموذج الستة أيام. هناك "أسبوع العالم" حيث يتبع الستة آلاف سنة السبتُ العظيم الأبدي. وبين أسبوعي العالم الخامس والسادس (= الزمن المسيحاني) تدخل فسحة يقيّد فيها الشيطان بشكل موقت. وهذه الفسحة التي قدّرتها النصوص بأشكال متعدّدة (40، 4000، 1000، 2000 سنة) نجدها في الرؤى اللابيبلية (4 عزرا 7: 28- 29؛ أخنوخ 91: 12- 19؛ 93؛ رؤيا باروك 40: 3). 
كيف بدا التاريخ العام لا النظرة اليهودية خلال القرن الأول المسيحي؟ إذا عدنا إلى أسبوع الخلق كما في سفر التكوين، وإلى مز 90: 4 (رج 2 بط 3: 8)، نرى في تاريخ الكون أسبوعاً عظيماً شاملاً.
- اليومان الأول والثاني في العالم: 2600 سنة من دون شريعة (قبل إبراهيم).
- اليومان الثالث والرابع في العالم: 2000 سنة تحت الشريعة. منذ سنة إبراهيم الثانية والخمسين إلى سنة 240 بعد المسيح.
- اليومان الخامس والسادس في العالم:
اليوم الخامس: ألف سنة. في نهاية هذه الحقبة يقيّد الشيطان وتتمّ القيامة الأولى.
اليوم السادس: ألف سنة. الزمن المسيحاني. في نهاية هذه الحقبة: سقوط الشيطان، القيامة العامّة، دينونة الأمم.
- اليوم السابع الأبدي: السبت العظيم: سماء جديدة. أرض جديدة. أورشليم الجديدة.
إن الحقبة السادسة في هذا الأسبوع العظيم الكوني، هي الزمن المسيحاني الذي يمتدّ ألف سنة. إن فكرة حكم يتوسّط حكمين، حكم مسيحاني ينهي تاريخ إسرائيل ويسبق القيامة العامة ودينونة الأمم والتتمة الأخيرة، يستلهم دا 7: 9 ي؛ 12: 1؛ 14: 1 ي.
ب- الرؤية الرابعة: تقييد التنين (20: 1- 3)
كانت الرؤية الأولى: الفارس الأبيض (19: 11- 16) والثانية: الدعوة إلى القتال (19: 17- 18). والثالثة: إنتصار الفارس الأبيض. وبعد. هذه الرؤية الرابعة، سيصوّر الموت والقيامة ونهاية الأرض والسماء وموت الموت الذي "تجسّد" وصار شخصاً حياً.
"ثم رأيت ملاكاً" (آ 1). إن الدينونة تصيب أعداء الله في ترتيب معاكس لدخولهم على مسرح الأحداث. فبعد رومة (ف 17، 18) والوحشين (ف 19)، ها قد جاء دور الشيطان. لقد ظهر من جديد الإسم ذاته. أعطي له حين قدّم للقارىء في 12: 9: "الحيّة القديمة، أي إبليس والشيطان". كل هذا يبرز فكرة تقول إن ف 12- 20 تشكّل وحدة نجد هنا خاتمتها. لقد تبيّنا المواضيع الكبرى التي توحدّ هذه الفصول، ولا سيما الموازاة بين ف 12 وف 20. وها نحن نقدّم إشارة أخرى. في ف 12، كان تدخّل المسيح السبب في هزيمة الشيطان (آ 5، 10). أما ميخائيل فاكتفى بتنفيذ الحكم (آ 7، 9). وكذا نقول عن ف20. جاء المسيح يدلّ على انتصاره (19: 11- 21) واكتفى الملاك بأن يستغلّ النتائج: قيّد الشيطان، رماه في الهاوية.
"مفتاح الهاوية". نميّز الهاوية عن بحيرة النار. في نظر الكاتب، الهاوية هي الموضع الذي يعاقَب فيه الشيطان أو لا يعاقب (9: 1). إنه أشبه بسجن تقيم فيه القوات الشيطانية ومنه تنطلق في هجومها على الأرض (9: 2، 11؛ 17: 8). والله يراقب مخارج الهاوية بواسطة ملاك الشر (9: 1) أو ملاك الخير (20: 1). يسجن الشيطان في الهاوية فلا يعود حراً كل الحرّية في تحرّكاته. وتذكر ألقابه ويعلن أن نتائج الخطيئة الأصلية قد ألغيت.
"وقيّده لألف سنة (آ 2). إن موضوع سجن أعداء الله بشكل نهائي هو موضوع تقليدي في العالم اليهودي (أش 24: 21- 22: يجمعون كما لمجمع الأسرى في الجبّ ويغلق عليهم في السجن) (1 أخنوخ 10: 4- 6). ولكن في الرؤى اليهودية، يشكّل هذا المشهد جزءاً من المتتالية الأخيرة في التاريخ. أما هنا فالكاتب يتحدّث عن الحقبة الحاضرة. فهو يرى، كما يرى مت 12: 29 ولو 10: 18 أن الشيطان قيّد منذ جاء "الأقوى" وسيطر عليه خلال إنتصاره الفصحي.
"ألف سنة". هو زمن الإقامة في الفردوس، الزمن الذي فيه الغيت نتائج السقطة الأولى. هو مرحلة موقتة تنتهي بنعمة الله في ملء الأبدية. الرقم مهمّ جدًّا، ولهذا يتكرّر أربع مرات.
"ورماه في الهاوية" (آ 3) . الفعل "بلانان" يعني: أضلّ، غشّ، أغوى. وهو يميّز عمل الشيطان (12: 9؛ 20: 3، 8، 10) وتبّاعه (13: 14؛ 19: 20) ورومة (18: 23) والنبية إيزابيل (2: 20). وهو يتصل بعبادة الأوثان التي يعرضها أو يفرضها رؤساءُ مخيّم الشيطان، كما يقطع الإنسان عن الإله الحقيقي ويرسله إلى الموت. ولكن الشيطان لا يستطيع بعد الآن أن يجعل مصير الإنسان الأبدي موضوع تساؤل. فالخلاص هو أقوى من السقطة والخطيئة والموت والشيطان.
إذن، إن آ 1- 3 لا تتحدّث عن عذاب الشيطان، بل عن هزيمته. لا ننسَ أنه سقط (ألقي) كما يقول 12: 9، 10، 13.
"ولا بدّ من إطلاقه بعد ذلك لوقت قليل". هكذا يصوّر نشاط الشيطان في 12: 12. لم يبقَ له إلاّ "وقت قليل". والتقارب بين النصين مهمّ جداً: فالزمن الحاضر الذي فيه يُلقى الشيطان من السماء إلى الأرض (هكذا يقهر الإنسان، حين يسقط على الأرض)، لا يختلف عن الزمن الذي فيه يُقهر الشيطان فيدلّ مرة أخيرة على عداوته. إن ف 20 يحدّد بعبارات التعاقب (بعد هذا) وقتاً يحدّده ف 12 بعبارات التزامن. كلها مقاربات. والكاتب ليس عبداً للرموز التي يستعملها كي يقترب من الحقيقة الإلهية التي لا تُدرك. في الحالتين، هو يتكلّم عن الزمن الواحد. ذاك الذي يبدأ في الفصح.
إذن، لا نأخذ أداة "بعد" بمعنى دقيق على مستوى التعاقب الكرونولوجي. فالكاتب يريد أن يبيّن بظرف الزمان هذا، أن الخلاص الذي تدشّن على الأرض بانتصار المسيح، يبقى عرضة للظروف، يبقى مهدّداً بالظلمة والشرّ. هناك شيء يفلت منا بعد. والله أراد أن يكون الأمر هكذا (يجب، لا بدّ) ليجتب المسيحيين تجربة التهرّب والأحلام، ليفهمهم أنهم لن يحصلوا على الخلاص من دون سهر ومشاركة مع النعمة وثقة تامّة بالله. حُصرت قوة الشيطان، ولكنها ما زالت هنا.
ج- تصوّرات الدينونة (20: 4- 6)
هنا تبدأ الرؤية الخامسة مع العروش والجالسين على العروش من أجل القضاء والدينونة.
"ورأيت عروشاً". في آ 4- 6 و11- 15، تستلهم تمثّلات الدينونة دا 7: رؤية القديم (الذي هو الله) وابن الإنسان اللذين يدينان ويملكان. والتوازي بين النصين يتيح لنا أن نفسرّ بعض التفاصيل الغامضة في رؤ 20. في دا 7، نال القديسون الملك (آ 18، 22) ومارسوا القضاء (آ 22). هذا ما يفسر رؤ 20: 4: "رأيت عروشاً جلس عليها". فالقضاة يقاسمون المسيح ملكه وسلطانه.
هم أولاً في الدرجة الأولى الشهداء الذين ضحّوا بحياتهم في شهادة أدّوها ليسوع ولكلمة الله (1: 9؛ 12: 17؛ 19: 10). عاد الكاتب إلى أناس نفّذ فيهم حكم الإعدام، وتذكّروا شهداء تحدّث التقليد عن استشهادهم. ولكن هؤلاء الشهداء في الماضي ليسوا أفضل من الذين يموتون اليوم: إنهم المؤمنون الذين يعارضون إهتمام الامبراطورية بعبادة الأصنام فيلقون المصير عينه (13: 15- 17؛ 15: 2).
ها هم القضاة. ولكن لا متهمين ولا حكم في 20: 4. فالمسيحيون المنتصرون بانتصار المسيح هم في هذا العالم آية حاضرة عن دينونة الله. فهم يدلّون بحياتهم وفرحهم أن الله تدخّل من أجل الخلاص وأن العالم سيخزى. فالملك والدينونة هما شيء واحد، لهذا يحدّثنا النصّ عن قضاة وإن لم يوجد متهمون.
"عاشوا، عادوا أحياء، عادوا إلى الحياة". فالمؤمنون الذين يمارسون القضاء ليسوا كفهم شهداء، فالكاتب يشدّد على الحياة (الحياة الحقيقية، الجديدة، الأبدية) التي لا يعرفها، قبل أن يشدّد على قيامة الموتى. هذه الحياة بدأت منذ الآن. هذه الحياة هي إتحاد بحياة يسوع (يو 5: 24؛ 11: 25- 26).
"أما بقية الأموات فلا يعيشون" (لا يعودون إلى الحياة) (آ 5). من هم هؤلاء الموتى الباقون الذين ستنتظر قيامتهم نهاية الألف سنة؟ هذا يرتبط بالمعنى الذين نعطيه للقيامة الأولى. قلنا إنها القيامة (لا قيامة غيرها). إنها الدخول في الحياة الجديدة التي لا تخاف من الموت الثاني. والباقون يكونون أولئك الذين لم يسمعوا صوت ابن الله ولم يتقبّلوه خلال مسيرة الكنيسة الطويلة على الأرض.
"سعيد وقديس من كان له نصيب في القيامة الأولى" (آ 6). هذه هي التطويبة الخامسة. تتوخّى التطويبات في رؤ مساعدة القارىء على ربط ما يُعرض في الكتاب مع ما يعيشه هو. وهي تحاول أن تجعلنا ندخل التعليم في حياتنا. الشخصية. كانت التطويبات الأربع في 1: 3؛ 14: 13؛ 16: 5؛ 19: 9). وزادت هذه التطويبة القداسة على السعادة. هذا تلميح أول إلى الطابع الكهنوتي الذي يتمتّع به المختارون.
نجا المسيحيون من العبودية، شأنهم شأن الشعب العبراني، فكوّنوا شعباً مقدّساً، شعباً كهنوتياً (خر 19؛ 6؛ 1 بط 2: 9؛ روم 12: 1 ي؛ عب 13: 15). أي الشعب الذي ينشد الله كما يليق، الذي يكرّس له حياته في تقدمة تامة ونقيّة. لا نخلط بين كهنوت المؤمنين العام الذي ينتج من اتحاد بالمسيح بواسطة المعمودية، والخدمة الكهنوتية التي تسعى إلى توثيق الرباط بين الشعب المسيحي والمسيح، فيحيا هذا الشعب كل يوم بشكل أفضل دعوته كشعب كهنوتي.
أعلن الكهنوت والملك هنا في صيغة المضارع (رج 1: 6؛ 5: 10: في الماضي أو الحاضر): فالكهنوت والملك لا ينحصران في الحقبة الحاضرة. إنهما خيران سماويان، شأنهما شأن الحياة المعطاة في القيامة الأولى. لا سلطان للموت الثاني عليهما.

3- يوم الدينونة (20: 7- 15)
بعد أن قيّد الشيطان ألف سنة توافق حكم المسيح الألفي، أعطي (في صيغة المجهول. الله سمع له) الشيطان مأذونية أخيرة. أعطي الدقائق الأخيرة قبل الدينونة الأخيرة. وتوصّل إلى محاصرة "معسكر القديسين والمدينة المحبوبة" (آ 9، أورشليم عاصمة الملك المسيحاني تقع في قلب العالم)، وإلى تهديد الكنيسة بخطر الموت. ولكن الله تدخل. بعد القتال الأخير (آ 7- 10) نتوقّف عند الدينونة الأخيرة (آ 11- 15).
أ- القتال الأخير (20: 7- 10)
"ومتى تمّت الألف سنة، يطلق الشيطان من سجنه". هذا يعني أن الزمن الحالي (الألف سنة) لا يمكن أن يكون نهاية كل شيء، كما أنها لا تحمل تفسيرها في ذاتها، بل تجسّد معناها في الله. وإعلان إزالة الشيطان إزالة نهائية يعطي الحقبة الحالية معناها. ليست زمناً متواصلاً تتوزّعه التهديدات والحروب، بل العلامة الحاضرة لواقع تام يعلن عن نفسه فيها: السماء على الأرض. ما نعيشه اليوم بشكل مهدّد يؤول إلى إنتصار نهائي على الشيطان. غير أن المبادرة وتحقيق هذا النصر يعودان إلى نعمة الله وحدها. "بعد ذلك".
"يخرج ليضلّ الأمم التي في زوايا الأرض الأربع" (آ 8). هذا ما فعل في زمن آدم وحواء. ولكن حقل عمله ضاق، ولا يستطيع بعد اليوم أن يصيب الغالبين ورفاق الحمل.
"يجمع جوج وماجوج للقتال". في رنّة الإسمين سّر رهيب. لقد أنبأ حز 38- 39 باجتياح أمير آتٍ من الشمال هو جوج ملك ماجوج (في القديم كان ماجوج إسم رجل أو إسم شعب، تك 10: 2). سيهاجم إسرائيل في نهاية الأزمنة، ولكن إسرائيل سيدافع عن نفسه ويردّ المهاجمين بشكل عجائبي. وهكذا يكون "جوج" شخصاً نموذجياً يدلّ على ملوك الأرض وجيوشهم. فلا نبحث عنه في هذا الشخص أو في هذا الشعب خلال التاريخ. ما يريد رؤ أن يلاحظ هو أن تمرّد الإنسان هو عمل الشيطان، وأنه لا يمكن أن يكون واقعاً أبدياً، أساسياً، سماوياً. بل ظاهرة أرضية وعابرة.
"فصعدوا على وجه الأرض" (آ 9). توجّه القتال على شعب الله الذي عسكر في البرية، شأنه شأن العبرانيين (عد 2: 2 ي)، وأقام مع الله في مدينته المحبوبة (مز 78: 68؛ 87: 2). إن الصورتين تحيلاننا إلى الواقع الواحد. فصاحب رؤ لا يصوّر لنا متتالية تاريخية، بل يفهمنا حقائق دينية. فكما في نبوءة حز 38: 22؛ 39: 6، جاءت نار من السماء ودمّرت المهاجمين. نحن هنا أمام كليشاهات تصوّر تدخل الله (لا ننسَ أن النار تدلّ على الله) (رؤ 11: 6؛ 2 مل 1: 10- 12).
"وألقى إبليس" (آ 10). يجب على إبليس أن يلاقي "قواده" (الوحش، النبي الكذّاب) في بحيرة النار. وهذا ما يدلّ على النصر الكامل الذي أحرزه المسيح عليه. لقد أبعد الشيطان نهائياً من العالم. خرج من التاريخ. صار على هامش الأبدية. هو لا يموت كما مات المسيح. لهذا فهو لا يعرف القيامة. ستكون أبديته بدون قيامة.
ب- الدينونة الأخيرة (20: 11- 15)
سبق وصوّرت الدينونة الأخيرة في أوجه مختلفة. في 14: 10؛ 14: 19- 20؛ 20: 4. ولكننا نشدّد هنا على طابعها النهائي. ولهذا السبب، فالله نفسه هو الديان الوحيد (الجالس، 4: 2، 3، 9؛ 5: 1، 7، 13؛ 7: 10، 15؛ 19: 4؛ 21: 5). كلمته هي الكلمة الأخيرة والنهائية. لسنا هنا في تناقض مع ف 19 الذي تحدّث عن المسيح الديّان. فنحن نجد عند القديس بولس هذين التأكيدين مجتمعين في عبارة واحدة: "الله يدين في يسوع المسيح" (روم 2: 16).
"هربت من أمام وجهه الأرض والسماء". كل شيء يتحرّك، كل شيء يرتجف أمام الديّان. إن صورة عالم يزول هي صورة تقليدية نقرأها في مز 102: 26- 27: "في البدء أسّست الأرض، والسماوات هي صنع يديك. هي تزول وأنت تبقى، ولكنها تبلى كالثوب وتطويها كالرداء فتتغيّر". (رج مز 104: 29-30). ونقرأ في أش 51: 6: "إن السماوات كالدخان تضمحلّ، والأرض كالثوب تبلى، وسكانها يموتون كذلك" (رج مر 13: 31؛ 2 بط 3: 10).
ولكن مع هذا، فليس كل شيء بواضح: كل شيء يزول، ومع ذلك فالبحر يبقى (كما في آ 13) لأنه يُطلب منه أن يقذف بأمواته. نحن من جديد أمام عجز اللسان البشري عن إعطاء فكرة واضحة عن الأمور الجديدة. يزول العالم حين يدين الله، لأنه لا يستطيع أن يكون موضوع الحياة الجديدة. يجب أن يتجدّد تجددّاً كلّياً (21: 1). ولكن هذا العالم موجود منذ القدم. فكيف يستطيع المنطق البشري أن يوفّق بين تقليدين تسلّمهما من الوحي؟ الأول: العالم يزولا، يختفي. ومع ذلك فالإطار العادي ما زال هنا. الثاني: عالم جديد هو منذ الآن هنا، ومع ذلك لا نراه بعيوننا.
حين قال الكاتب إن زوال السماء والأرض يترك وراءه مادية عناصرهما (البحر!)، دعانا لكي نفهم أن التبدّل هو من نوع آخر. فما هو في العالم علامة على الثورة الخاطئة يزول. ولكن ما هو دلالة على تجديد محيي وخلاصي، يحتلّ المكان كله. إن تبدل المبدأين الملهمين يجعلنا نحسّ أننا أمام عالمين لا شيء يجمع بينهما.
"ورأيت الأموات كباراً وصغاراً". إن القيامة العامة تعني أيضاً المؤمنين (في آ 15: بعض هؤلاء كتب اسمهم في سفر الحياة): إذن، أشخاص عرفوا القيامة الأولى ويعيشون منذ الآن الحياة الأبدية. إذن نستنتج. إما أن يكون كاتب رؤ تأثّر بالكتّاب اليهود الذين يتحدّثون عن القيامة العامة. وإما أن يكون تجنّب الحديث عن القيامة: قدّم الأموات أمام منبر الديّان، ولكن هذا التقديم لا يُمكن أن يُقابل في حياده مع الحياة الأبدية التي تمنحها القيامة.
"وفُتحت كتب". إن سجلاّت الدينونة هي جزء من الأثاث العادي المستعمل في أسفار الرؤى اليهودية. فيها تسجّل كل أعمال البشر. وفي الدينونة يحدّد مضمونها الحكم. وقد يكون سجلّ للأعمال الحسنة وآخر للأعمال الرديئة. ورث رؤ هذا الاعتقاد ولكنه حوّله تحويلاً جذرياً فميّز من هذه الكتب "كتاب الحياة" الذي يتضمّن أسماء المختارين (خر 32: 32؛ مز 69: 29؛ دا 12: 1؛ لو 10: 20؛ فل 4: 3؛ عب 12: 23).
كتاب الحياة هو كتاب الحمل المذبوح (3: 5؛ 13: 8؛ 17: 8؛ 20: 15؛ 21: 27). وليس سجلّ "قضاء" الله الأعمى. فهو يحوي أسماء الذين قبلوا أن يسلّموا مصيرهم إلى المسيح.
إذن، يبدو أن هناك معيارين للدينونة: الأعمال والإيمان بالمسيح. لا يختار الكاتب بين الاثنين وكأن الواحد يلغي الآخر. بل يستعيد سمات ثابتة في العهد الجديد: فدينونة النعمة لا تعارض الدينونة حسب الأعمال، لأن الذي كُتب في سفر الحياة يُفرض عليه سلوك يتوافق وهذا الاسم الجديد الذي نلناه في العماد. وإن لم يكن له مثل هذا السلوك، يمحى اسمه من سفر الحياة (3: 5). ولكن الطابع الأخير ليس الأخلاقية (هي نتيجة) بل علاقة الإيمان بيسوع الذي بسببه وحده تكون أعمالنا صالحة.
"وقذف البحر الأموات" (آ 13). إن العالم المعاصر لسفر الرؤيا يهتمّ إهتماماً عظيماً بدفن الموتى، وهو يتساءل عن مصير الموتى الذين لم يُدفنوا (كالغرقى). فالله سيهتمّ حتى بهؤلاء. فالله يعرفهم وسوف يطلب جثثهم من البحر.
"ودين كل واحد". الدينونة تصل إلى كل فرد. لا شك في أن هنا تضامناً في الشرّ، كما أن هناك تضامناً جمع المسيح بعد أن صرنا جسد المسيح. ولكن لا عذر لأحد: كل يدان حسب أعماله، حسب الخيارات التي اتخذها.
والموت (ومرادفه: الشيول أو مثوى الأموات) ليس فقط موضعاً يستقبل الموتى بعد حياتهم على الأرض. إنه قوة شّريرة وناشطة في خدمة عالم الظلمة. إنه نفي للحياة الحقيقية الذي يريد الله أن يعطيها منذ الآن وإلى الأبد. وهكذا نفهم أن انتصار الله يتضمّن إزالة الموت الذي سيكون مصيره مصير الشيطان (رج أش 25: 8؛ هو 13: 14؛ 1 كور 15: 26، 54): "آخر عدوّ يدمّر هو الموت". وهكذا تزول الوجهة المظلمة للخليقة (21: 4). هذه هي نتيجة تجلّي ملك الله في يسوع المسيح. "فهو الذي أباد الموت، وأبان الحياة والخلود بواسطة الإنجيل" (2 تم 1: 10). إن الدينونة الأخيرة ليست هنا إلاّ تفتح حقيقة يستطيع المؤمنون أن يعيشوا منها في واقعهم الحالي.
"وألقي الموت والجحيم" (هاديس أو مثوى الأموات) في بحيرة النار حيث سبقهم إلى العذاب الوحش، النبي الكذاب، والشيطان. الموت هو آخر عدّو يدمّره الله. جمعَ الموت مع الجحيم فرمز إلى نتائج الخطيئة والشرّ الذي دخل إلى العالم مع خطيئة الإنسان الأول (روم 5: 12).
"وكل من كان اسمه" (آ 15). معيار الدينونة هو سفر الحياة. والمهم هو أن الإرسال إلى الهلاك قد عبّر عنه بصيغة النفي (لم يكن مكتوباً) كما في مت 25: 31 ي. الحياة الأبدية هي الطريق العادي الذي يقدّم إلى الجميع، الذي هو في متناول الجميع. يكفي أن نقبل يسوع المسيح. والموت الأبدي هو نفي للحياة الأبدية، هو شواذ، هو ثمرة رفض الإنسان لله. 
هنيئاً لمن سجّل اسمه منذ اليوم في كتاب الحياة، كتاب الحمل. سعيد وقديس من شارك في القيامة الأولى. فلا سلطة للموت الثاني عليه.

خاتمة
هنا نقدم ثلاث ملاحظات
الأولى: مع "نار السماء" (آ 9) نجد خبراً غريباً ذات طابع ميتولوجي، خبر جوج ملك ماجوج الذي نجده في حزقيال. جوج هو اسم شخص. أما ماجوج فهو تارة إسم شخص (1 أخ 5: 4) وطوراً اسم بلد أو اسم شعب (تك 10: 2؛ 1 أخ 1: 5؛ 38: 1؛ 39: 6). إن موضوع جوج وماجوج ينتمي إلى أساس مشترك في العالم اليهودي المتأخّر. يقرّب "جوج" من ملك ليدية (في آسية الصغرى) (جوجو، أو جوجاس) حوالي 607 ق. م. أو من كلمة سومرية (جوج) تعني العتمة والظلام اللذين يحكمهما جوج أمير الظلام. أما "ماجوج" فيعود إلى "مات جوج": بلاد جوج، أو بلاد الظلمة. هكذا نجد الصراع بين النور والظلمة كما تحدّث عنه الإنجيل الرابع مراراً.
الثانية: إن تقييد الشيطان "لألف سنة" (آ 1- 3)، وملك المسيح ألف سنة قبل القيامة ودينونة الأمم (آ 4- 6)، وحملة جوج وماجوج، وسقوط الشيطان النهائي (آ 7- 10)، هي مواضيع معروفة في عالم الجليان اليهودي المتأخّر. فماذا تعني؟ إن نهاية الأزمنة تعرف فترات هدوء وطمأنينة كما تعرف فترات قلق عميق وإضطراب. وفي النهاية، يبدو أن الكنيسة تدافع عن مواقع خسرتها، وأنها سلّمت إلى قدرة العدو الذي يحاصر "معسكر القديسين والمدينة المقدسة" (آ 9). ولكن تدخّل الله وحده (نار من السماء) يخلّص جماعة المختارين.
الثالثة: إن الحكم الذي يصيب أعداء الله في نهاية الأزمنة، لا يصل بهم إلى العدم، بل إلى الهلاك الأبدي (آ 10: أبد الدهور). فالله يقود إبليس وتباعه "بعصا من حديد" (19: 15). وجهنم التي تصوّرها عبارة "بحيرة النار" (كما في تفسير حبقوق)، هي حال الهلاك الأبدي المرعبة التي سيعرفها الإنسان نفساً وجسداً (كل حي، 19: 20).

 

 

الفصل الثاني والثلاثون
السماء الجديدة والأرض الجديدة
21: 1-22: 5

وظهرت في نهاية الكتاب السماء الجديدة والأرض الجديدة. ظهرت أورشليم الجديدة التي تقابل بابل الزانية التي دمّرت. كلتاهما وجهتان لعمل الفارس المسيح الذي جاء يزيل الشّر والموت، ويحوّل وجه العالم فينقّيه من كل جرثومة تمرّد ضدّ الله.
نحن معاصرون لهذا العمل، عمل الحمل المنتصر. ونحن ندركه بقدر ما تنفتح عيوننا على الإيمان. أجل، منذ الآن تداعت مدينة هذا العالم على أساساتها، وجاءت المدينة النهائية من العلاء.
إذ جعلنا يوحنا نشاهد هاتين المسيرتين وقد وصلتا إلى النهاية، أراد أن يشجّعنا، أن يثبتنا في الإعتقاد بأن لا شيء يوقف دينامية الملكوت وانتصار الحمل. لا تتوخّى رؤية أورشليم الجديدة أن تعطينا معلومات نظرية عن الآخرة، بل أن تكشف لنا الدينامية التي دخلت فيها البشرية والتي لن تتوقف حتى نصل إلى السماء الجديدة والأرض الجديدة.

1- نظرة إجمالية
تتألّف هذه المجموعة (21: 1- 22: 5) من ثلاث رؤى: العالم الجديد (21: 1- 8). مجد أورشليم (آ 9- 27). الفردوس (22: 1- 5).
إن ف 21 يتألّف من رؤيتين (آ 1-8؛ آ 9-27) تتشابهان وتختلفان. في المقطعين نجد حديثاً عن "أورشليم المدينة المقدسة التي تنزل من السماء، من عند الله" (آ 2، آ 9-10). وينتهي التصويران بجملة تحذيرية تحكم على الخطأة (آ 8، آ 27). وما تختلفان في أمور كثيرة.
وهناك مقطع آخر (22: 1- 5) يتميّز عن الأولين وإن توازى معهما (ولا سيما مع الثاني). نجد الماء الحيّ في 21: 6 و 22: 1. تذكر ساحة المدينة في 21: 21 و 22: 1. النور في 21: 23 و 22: 5 يشعّ على هذه المدينة ولا يجيء من الشمس ولا من القمر.
وهكذا نكون أعام ثلاث رؤى مختلفة تتركّز على موضوع واحد وتتضمّن نقاطاً مشتركة. كل مقطع يبدأ بعبارة جليانية: ثم رأيت" (21: 1). "وأراني الملاك" (21: 9-10). "ثم أراني" (22: 1).
أ- الرؤية الأولى: العالم الجديد (21: 1- 8)
يُقسم هذا المقطع إلى شقّين. في الشقّ الأول (آ 1-16): كشف وإعلان للعالم الجديد مع آ 5 ب-6 أ كشهادة تصديق وتوقيع على البلاغ: "اكتب: هذا الكلام صدق وحق". في الشقّ الثاني (آ 6 ب-8): نداء وتحذير. الشقّ الأول (آ 1- 6 أ) هو الذي يحدّد الموضوع.
أولاً: الموضوع المسيطر هو العالم الجديد
* التوازي:
- سماء جديدة وأرض جديدة (آ 1 أ)= كل شيء جديد (آ 5 أ).
- السماء الأولى والأرض الأولى زالتا (آ 1 ب)= الأشياء القديمة زالت (آ 4 ج).
- ما بقي للبحر وجود (كل يهدّد: البحر) (آ 1 ج)= الموت وما يرافقه (آ 14 ب).
* ودلّت الكلمات والعبارات على أن الرؤية تستلهم نبوءات العهد القديم:
- أش 65: 17: سماوات جديدة وأرض جديدة. لا يعودون يتذكّرون الأولى.
- أش 65: 18: أخلق أورشليم فتكون إبتهاجاً وشعبها سروراً.
- أش 25: 8: يزيل الموت ويمسح كل دمعة عن الوجوه.
- أش 65: 19: لا يسمع صوت بكاء ولا صوت صراخ.
- أش 65: 16: المضايق الأولى قد نُسيت (جعلنا الرب ننساها).
ثانياً: جديد هذا العالم
إن القسم المتوسط يبيّن بما يقوم جديدُ هذا العالم: الله يسكن (يجعل خيمته) بينهم (بين البشر). هو العالم الذي تجدّد بالميثاق الجديد. وهذا التعبير عن الميثاق الجديد يعود أيضاً إلى النبوءات القديمة، خصوصاً لا 26: 11- 12: "أجعل مسكني فيما بينكم... كون لكم إلهاً وأنتم تكونون لي شعباً".
نجد في رؤ تشديداً على الشمولية. الله هو "مع البشر" وليس فقط "مع شعبه". لا يكونون فقط شعبه (في صيغة المفرد)، بل شعوبه (في صيغة الجمع).
إن موضوع مسكن الله وسط البشر مع النتائج التابعة، قد ذُكر في ْ7: 5- 17 مع تعابير مماثلة: صورة المياه الحيّة والدموع الممسوحة (7: 17؛ 21: 4، 6). ولكن ما كان في ف 7 إمتيازاً للمختارين اللابسين الثياب البيض، صار الآن وعداً لجميع البشر. وهكذا يكون كاتب رؤ يستلهم على دفعتين تقليداً يستند إلى نبوءات تتحدّث عن حضور الله. وسيبقى هذا التقليد أمام عينيه حين يدوّن الرؤية الثالثة (22: 1- 5) في الفصل الذي ندرس الآن: العبادة، الطعام، الشمس (7: 15- 16؛ 22: 2، 3، 5). ونلاحظ أن هذه الرؤية الأولى تتحدث فقط عن الله الذي هو في أصل هذا العالم الجديد. وسيظهر فيما بعد دور الحمل بشكل واضح.
ثالثاً: مكانة أورشليم
ونلاحظ في هذا النصّ (21: 1-8) كما في ينبوعه الرئيسي (أش 65: 16- 19) أن أورشليم تحتلّ فقط مكانة ثانوية وهامشية. أما تقليد ف 7 فلا يتكلّم عنها البتّة. وإن 21: 2 يبلبل بعض الشيء الترتيب الإجمالي. ثم إن صورة المدينة المقدّسة لا تتكيّف تكيّفاً كاملاً مع المخطّط الكوني للمجموعة التي تحدّثنا عن العالم الجديد الذي يسكن فيه الله مع البشر. ويلعب الكاتب بالصورة فيماثل بين هذا العالم الجديد وأورشليم الجديدة التي هي بحصر المعنى موضعاً محدّداً في العالم. سنرى فيما بعد أدن ذكر أورشليم يتوخّى تقوية الوحدة بين الصور الثلاث (العالم الجديد، مجد أورشليم، الفردوس).
وإذا أردنا أن نختصر كلامنا حول هذه الرؤية الأولى نقول إن الكاتب يعلن في كلمات تقليدية العالم الجديد الذي يماثله مع أورشليم السماوية. 
ب- الرؤية الثانية: مجد أورشليم (21: 9- 27)
نجد قسمين في هذه الرؤية: تصوير مجد أورشليم (آ 11-23)، شروط الدخول إليها (آ 24- 27). ونبدأ بنظرة إجمالية إلى القسم الأول. 
أولاً: مجد أورشليم
* الموضوع:
- إن الموضوع المسيطر هو موضوع المجد والنور (آ 11، 23 ب)، موضوع النور الذي يقود الأمم (آ 24). كل مجد الأمم يُزاد على ذاك الذي تملكه المدينة من قبل (آ 24-25). وهذا المجد المنير تبرزه أيضاً صور الحجارة الكريمة المتميّزة بتنوّعها وشفافيّتها.
- نحن نعلم أن مجد الله هو تجلّي قداسته الخفية، ولا سيما في الهيكل. أما النصّ الذي ندرس فيحدّد أن هذا المجد المضيء والثمين مرجعه حضور الله المباشر وحضور الحمل. وهذان الحضوران يحلاّن محل الهيكل (آ 22-23). نلاحظ هنا أهمية الحمل المسيحاني (آ 9، 14، 22، 23، 27) الذي اختفى بعض الشيء في 21: 1-8.
- والموضوع الرئيسي في هذا المقطع هو موضوع حضور الله في مدينته المقدسة في نهاية الأزمنة. نحن قريبون جداً من موضوع الميثاق: الله معهم (كما في المقطع السابق). نلاحظ تكديس الأعداد 12 وضربها، وهذا ما يدلّ على شعب الله.
* نصوص الأنبياء:
- أش 54: 11- 12: يعلن أورشليم مقبلة حيث الشُرَف والأبواب والجدران هي حجارة ثمينة: "أجعل شرفك ياقوتاً، وأبوابك حجارة بهرمان، وجميع جدرانك حجاراً أنيقة".
- حز 48: 30- 35: قياسات المدينة المربّعة (علامة الكمال). جعلت فيها ثلاثة أبواب في كل جهة. "ثلاثة أبواب نحو الشمال...". أما محيطه فهو 18.000 ذراع (4500 في كل جهة).
- أش 60: 19: "لا تكون الشمس من بعدُ نوراً لكِ نهاراً، ولا ينيرك القمر بضيائه ليلاً، بل الرب يكون لك نوراً أبدياً، وإلهك يكون بهاءك" (أو: مجدك) (= رؤ 21: 23).
- أش 60: 11- 13: الملوك يأتونك. "مجد لبنان يأتي إليك" (= رؤ 21: 24).
- أش 60: 3: "تسير الأمم في نورك، والملوك في ضياء إشراقك" (= رؤ 21: 24).
- أش 60: 11: "تنفتح أبوابك دائماً. لا تغلق نهاراً ولا ليلاً" (= رؤ 21: 25).
- أش 60: 5، 13: "يأتيك غنى الأمم" (= رؤ 21: 26). إن أش 60 يعلن الدور العجيب الذي ستلعبه أورشليم. فالمدينة المقدّسة في فلسطين ستصبح المدينة المقدّسة في العالم، ونقطة التلاقي بين الشعوب.
ثانياً: شروط الدخول إلى أورشليم
* إرتباط النصّ بالسياق:
- إرتباط مع 21: 1-8. تستعيد آ 10 ألفاظ 21: 2: "المدينة المقدسة، أورشليم النازلة من السماء من عند الله . ثم إن الإستبعادات في آ 27 قريبة مما في 21: 8: يعملون القبائح، يفترون الكذب. وهكذا يُبرز الكاتب هوية هذه المدينة العالمية، مدينة النور التي أعلنها أش 54- 60: إنها أورشليم تتمة العالم الجديد الذي تحدّث عنه فيما قبل.
- في المقطع التالي (22: 1- 5) لن يعود هناك من ليل 211: 25 ب = 22: 5). ولا من حاجه إلى الشمس (21: 23= 22: 5). وتُذكر ساحة المدينة (21: 21= 22: 2).
- وارتباط مع صورة الزانية العظيمة. إن مقدمة الرؤية في آ 9- 10 تستعيد بشكل شبه حرفي مقدمة رؤية الزانية العظيمة. "جاءني أحد الملائكة السبعة الذين بيدهم الكؤوس السبع" (17: 1 ي:= 22: 9- 10). "تعال فأريك دينونة الزانية العظيمة"= "عروس الحمل". "حملني بالروح إلى الصحراء"= "حملني بالروح إلى جبل عظيم". تُدان الزانية التي هي رمز عن عاصمة الشرك في العالم. وتجاه ذلك، نرى مجد العروس التي هي رمز عن عاصمة العالم الجديد الذي يريده الله.
- ونلاحظ أخيراً أنه إن جاءت الصور من النبوءات التوراتية، فالكاتب يزيد غليها تفصيلاً هاماً: إن أُسس المدينة تحمل إسم إثني عشر رسولاً هم رسل الحمل (21: 14). فعاصمة العالم الجديد، وارثة النبوءات المتعلّقة بأورشليم، تتأصّل في الكنيسة شأنها شأن الشعب المسيحي. وهي تمتدّ لتضمّ البشر من العالم كله شرط أن يرتدّوا إلى الله ويتنقّوا: فلا شيء نجس يدخل إلى هذا المكان.
ج- الرؤية الثالثة: الفردوس (22: 1- 5)
أولاً: بنية النصّ
ليست البنية واضحة. ولكننا نستطيع أن نميّز قسمين:
- آ 1- 2: ما يتعلّق بالنهر وبشجرة الحياة: الله يُحيي ويشفي.
- آ 3- 5: ما يتعلّق بالعبادة ووجه الله المضيء: الله ينير ويدفع المؤمن إلى العمل. فالحياة ترتبط، شأنها شأن العبادة، بحضور عرش الله والحمل في قلب المدينة (آ 321).
والعبارة "لا لعنَ بعد اليوم" هي في قلب المقطع. إنها في الوقت عينه ثمرة الشفاء وطريق الدخول إلى العبادة. وهي تفسّر غياب التحذير من الكذّابين كما في 21: 8 و 21: 27.
ثانياً: إرتباط الرؤية مع حز 47 وزك 14: 6 ي
* حز 47: 1 ي:
- آ 1: نبوءة الهيكل الجديد الذي يخرج منه نهر: "مياه تخرج من تحت عتبة البيت" (الهيكل). رج رؤ 22: 1: "أراني نهر الحياة صافياً".
- آ 7، 12: على شاطىء النهر أشجار كثيرة... فيكون ثمره للطعام وورقه للشفاء. رج رؤ 22: 2: "على ضفّتيه شجرة الحياة".
- آ 12: "لا ينقطع ثمره، بل كل شهر يؤتي بواكير". رج رؤ 22: 2: "تثمر إثنتي عشرة مرة، كل شهر مرة، وتشفي بورقها الأمم". يرى الشّراح أن نبوءة حزقيال هي إسهاب في تك 2: فالفردوس هو جنّة مرويّة تنبت فيها شجرة الحياة وسط نبات وافر النموّ. عاد رؤ إلى هذا المرجع ذاكراً شجرة الحياة، مشدّداً على أنه لن يكون لعن بعد اليوم (هذا ما لا نشاهده في عدن).
* مع زك 14: 6 ي:
شدّد حزقيال على نهر المياه. وزكريا على ملك الله النهائي.
- آ 8: تخرج مياه حيّة من أورشليم. رج رؤ 22: 1.
- آ 11: ليس من لعن هناك. رج رؤ 22: 3.
- آ 6-7: لم يعد من تعاقب بين الليل والنهار، بل سيكون يوم واحد. رج رؤ 23: 5.
ولكن يبقى شك. فالمياه الحيّة قد تعود إلى رؤ 21: 6 أكثر منه إلى زك 14: 8. ورؤ 22: 5 ب هي أقرب إلى 21: 23 منة إلى حز 14: 6-7. ونلاحظ إهتمام الكاتب بأن يبرز الوحدة الداخلية بين المقاطع الثلاثة (21: 1- 8؛ 21: 9- 27؛ 22: 1- 5). ونحن نجد إشارة إضافية إلى ذلك في آ 2: يرى رؤ أن الفردوس يروي شجرة الحياة الوحيدة. إنه يختلف عن حزقيال فيدلّ على نهر يجري قرب شجرة الحياة من هنا وهناك. ولكن بما أن الفردوس لا يتميّز عن أورشليم السماوية، يزيد الكاتب أن النهر يجري في وسط ساحة المدينة. لن نتوقّف عند غرابة هذه الصورة (المياه تدلّ على البركة). فسفر الرؤيا لا يتوقف عند الصورة الواقعية بل عند مدلولها الرمزي. فالمهم هو أن يفهمنا أن لا فرق بين العالم الجديد، وأورشليم السماوية، وفردوس نهاية الأزمنة.
د- خاتمة: ثلاث رؤى وتعليم واحد
مهما كانت النبوءات التي نستند إليها والتقاليد التي توضحها، فالتعاليم التي تبدو في الظاهر مختلفة، تحيلنا إلى وعد واحد يدلّ دوماً على هذه المدينة. إنها كعروس المسيح يسكنها مؤمنوه الذين يزداد عددهم ويتّسع إتساع البشرية. إذن نحفظ نفوسنا من فهم خاطىء نبّهنا إليه الكاتب: فالرؤى الثلاث لا تصوّر ثلاث مراحل متعاقبة، ولا ثلاثة أمور مميّزة، بل ثلاث وجهات للنهاية، ثلاث نبوءات تلقي ضوءاً على النهاية. هذا ما يدلّ عليه مجهود الكاتب لكي ينسّق بين الرؤى الثلاث فيجعلها تدلّ على واقع واحد هو أورشليم الجديدة أو العالم الجديد.

2- نظرة تفصيلية
أ- العالم الجديد (21: 1- 8)
إن 21: 1-8 يؤمّن الرباط بين درفتَي السباعية الخامسة. فالدرفة الأولى صوّرت بشكل خاص النتائج المدمّرة لذبيحة الصليب (إزالة التنين وتباعه المتشيّعين له، الشيول والموت). أما الدرفة الثانية فتبرز الوجهات الإيجابية التي تشير إلى الميثاق الجديد. فالآيات الثماني التي نقرأها هنا (21: 1-8) هي خاتمة ف 19- 20 ومقدمة منيرة لما في 21: 9-22: 5. وهي تتألّف من بيتين (آ 1-4، آ 5-8). يبدأ البيت الأول وينتهي بعبارة "زال" يقوّيها: "لا يكون من بعد". ويشدّد البيت الثاني على التقابل بين الأشياء الجديدة. التي صنعها الله (آ 5) واقتلاع كل شّر من هذه الخليقة الجديدة (آ 8). أما الرباط بين البيتين فيتمّ عبر لفظة "جديد" التي ترد أربع مرات هنا، ولا تعود ترد أبداً في السباعية. وهناك أداة "ها أنا" (ترد 26 مرة في رؤ) الحاضرة في البيتين. وهناك تجاوب بين آ 3 و آ 7 مع جمل مماثلة تقريباً: "يكونون له شعوباً ويكون لهم إلهاً" (آ 3). "أكون له إلهاً ويكون لي إبناً" (آ 7).
أولاً: وصول العالم الجديد (آ 1- 16)
"رأيت سماء جديدة وأرضاً جديدة" (آ 1). يعود الموضوع إلى أش 56: 17؛ 66: 22. وهو معروف في العالم اليهودي المعاصر لسفر الرؤيا. ما يلفت النظر هو إيجاز النصّ (بالمقابلة مع الرؤى اليهودية). لا يقول الكاتب كلمة عن كوارث وأوضاع تنقلب. هو لا يهتمّ بالتصوير، بل بالمعنى الذي تشير إليه الصور. والإنقلاب هو روحي وخفيّ أكثر منه طبيعي ومنظور. قد تزول العناصر من العالم (20: 11) ويوجد بحر من دون أرض ولا سماء (20: 13). المهمّ أن يقول إن تدخّل الله في العالم لا يمكن إلا أن يقلب كل المعطيات قلباً جذرياً. كل ما طُبع بطابع الخطيئة يُزال. فالله سيخلق من جديد. هذا هو إعلان طريقة حياة جديدة وعالم جديد وإطار مجدّد لأناس يعيشون حياة جديدة، يحملون إسماً جديدا (2: 17؛ 3: 12)، يمارسون عبادة جديدة (5: 9؛ 14: 3)، يتمتّعون بمواطنية جديدة (3: 12؛ 21: 2؛ رج 2 كور 5: 17: إن كان أحد في المسيح فهو خليقة جديدة. فالقديم قد اضمحلّ، وكل شيء قد تجدّد). "
"والبحر لا يكون من بعده. نحن أمام رمز هام. البحر هو العنصر الرهيب في الخليفة، وهو الذي ارتبط مع الغمر الأولاني، الذي فيه ترى كل السطر العدوّ الأكبر للإله الخالق، الذي يرمز إلى الشّر وفيه يقيم الشّر. إن البحر قد زال من الوجود وزال الشّر الذي يمثّله.
"رأيت المدينة المقدسة، أورشليم الجديدة" (آ 2). بعد تجديد العالم، ها هي عاصمة العالم الجديد. كان الموضوع قد ظهر بخفر في النبوءة التي كانت نموذجاً لسفر الرؤيا (أش 65: 17).
هي رؤية ديناميكية: فالمدينة تخرج الآن من قلب الله. وهي مدينة لا صحراء. لا عودة إلى فردوس أرضي قد خسرناه. المدينة هي صنع الإنسان ومجموعة حضارته واختراعاته وتاريخه. فالله يتابع مخطّطه في تاريخ البشر ومع البشر. فتاريخ البشرية ليس أمراً باطلاً وكأنه لم يكن، وكأن مجهوداتنا وآمالنا هي لا شيء: كلا. فالله يجمع كل شيء ويحوّله إلى العالم الجديد. 
كانت المدينة أداة الثورة على الله وتجسيداً متكبرّاً لقدرة الإنسان. ولكن الله سيجعل منها موضع الإتصال بين البشر وتجمّعهم في المحبّة. فبين مجهود البشر ليبنوا المدينة والتتمة، هناك انقطاع وتوقّف. فمبادرة الله (ونعمته) وحدها تصل بالبشرية إلى كمالها الحقيقي. ومع ذلك، هذه الخليقة الجديدة هي تتمة واسم المدينة الجديدة هو أورشليم.
ما علاقة أورشليم هذه مع كنيسة اليوم؟ أولاً، إن الأبدية حاضرة منذ الآن في زمن البشر، والمسيحي يعيش منذ الآن في السماء. المسيحي هو منذ الآن مواطن أورشليم السماوية (3: 12). وهذا ما يقوله بولس أيضاً في غل 4: 26-27: "أما أورشليم العليا فهي حرّة، وهي أمنا". وفي فل 3: 20: "أما نحن فموطننا في السماوات التي منها ننتظر مخلّصنا، الرب يسوع المسيح". ونقرأ في عب 12: 22: "دنوتم إلى صهيون، إلى جبل الله الحيّ، إلى أورشليم السماوية".
ولكن أورشليم لا تتماهى بكل بساطة مع الكنيسة الحالية. إنها تكشف فقط طبيعتها الحالية وإن ظلّت مخفية. فالكنيسة لا تعتبر نفسها الآن الملكوت، كما أنها لا ترضى بالنقص الذي فيها. عليها أن تبحث دوماً في أن تكون علامة هذا الواقع النهائي.
"كعروس تزيّنت واستعدّت للقاء عريسها". وننتقل من صورة المدينة إلى صورة المرأة، وهي معروفة في التقليد النبوي (المرأة تدلّ على الشعب وسكان المدينة. بنت أورشليم أي شعب أورشليم). إستعمل حز 16: 11-13 صورة المرأة المزيّنة بالحلى ليدلّ على المجد الذي يلبس به الله أورشليم. وهذه الزينة، وهذا الثوب المتألّق هما، بحسب 19: 8، أعمال القديسين التي أعطاهم الله أن يعملوها. فكل تاريخ البشرية على الأرض، وكل تاريخ الكنيسة، هما تهيئة للباس العرس. نحن هنا على تعارض تام مع الزانية التي تحاول أن تعلن مجدها الخاص بحلاها (17: 4؛ 17: 7 ي).
وتشير صورة الأعراس إلى عهد الحبّ. إذن أورشليم هي علامة تجديد العهد في حبّ تام وكامل. نقرأ في أش 54: 4-5: "الذي صنعك هو زوجك الذي ربّ الأكوان إسمه، وفاديك هو قدّوس إسرائيل الذي يُدعى إله الأرض كلها". "في غضبي ضربتك (يا أورشليم) وفي رضاي رحمتك" (أش 60: 10): "لا يُقال لك من بعد: "مهجورة". ولأرضك لا يُقال من بعد: "خربة"، بل تدعين تلك التي أسّر بها. وأرضك تُدعى: "العروس" لأن الرب يسّر بك ويتزوّج أرضك (يتّحد بها. يكون قريباً منها). فكما أن شاباً يتزوّج بكراً، كذلك بانيك يتزوّجك، وكسرور العريس بالعروس يسرّ بك إلهك" (أ 62: 4- 5).
"ها هو مسكن الله مع البشر... يكونون شعوبه وهو يكون الله معهم " (آ 3). الصوت الذي يتكلّم ليس صوت الله، لأنه يتكلّم في صيغة الغائب. أما الله فسوف يتكلّم في آ 5 (قال الجالس على العرش). هذا الصوت هو صدى النبوءات (حز 37: 27: "يكون مسكني معهم وأكون لهم إلهاً ويكونون لي شعباً"؛ رج زك 8: 8؛ لا 26: 11- 12) التي يجمع، موضوعَي السكن والإنتماء المتبادل بين الله والشعب (يكونون لي شعباً، وأكون لهم إلهاً، زك 8: 8).
يكونون "شعوبه" لا "شعبه . إن الميثاق ينفتح على الشمولية. فالأمم (الوثنية) نفسها ستصبح شعوب الله. كل واحد يستطيع أن يحافظ على هويته ويكون جزءاً من الميثاق الوحيد.
"وهو يكون الله معهم". أو: "وهو الله معهم، يكون إلههم". إن العلاقة الجديدة بين الله والبشر تُتمّ نبوءة عمانوئيل في أش 7: 14 (تدعو إسمه عمانوئيل أي إلهنا معنا).
"ها هو مسكن الله". حرفياً: خيمة الله. ولكننا لم نعد أمام مخيّم موقت بل أمام مقام ثابت ومستمرّ (7: 15؛ 12: 12؛ 13: 6؛ 15: 5). ولكن كلمة خيمة "سكاني" تجعلنا نفكر بلفظة "شكينة" التي تدلّ على الله محافِظةً على تساميه المطلق. نقول "شكينة" (إقامة) فنعني الله. هنا نتذكّر يو 1: 14: الكلمة حلّ بيننا. أقام بيننا. نصب خيمته. صار "شكينة" أي حضور الله بيننا. وهكذا نكون في رؤ أمام حضور مباشر لله وسط البشر.
"لا دموع، لا موت، لا ألم" (آ 4؛ رج 7: 17). هذا الموضوع مأخوذ من الأنبياء (أش 25: 8؛ 35: 10؛ 65: 16- 19). لقد تجاوزنا الحكم الذي أعلن بعد الخطيئة الأصلية (موتاً تموت، تك 3).
"الأشياء القديمة زالت": أش 43: 18؛ 65: 17؛ 2 كور 5: 17 (إن كان أحد في المسيح فهو خليقة جديدة)؛ رج رؤ 21: 5 أ (ها كل شيء جديد). ما يقوله بولس عن الإنسان الفرد، يقوله رؤ عن العالم. فالخليقة الجديدة تضمّ الكون كله (روم 8: 23 ي).
"ها أنا أجعل كل شيء جديداً" (آ 5 أ). تستلهم العبارة أش 43: 18-19، الذي يتحدّث عن عمل التجديد الذي بدأ. "لا تتذكّروا من بعدُ الأحداث الأولى ولا تتأمّلوا في الأمور القديمة. فها أنا آتي بالجديد وهو يبرعم الآن. أفلا تعرفونه"؟
وفي آ 5 ب-6 أ نجد التوقيع والشهادة التي تدلّ على صدق الوثيقة.
"ثم قال: أكتب". حتى الآن أعطي الأمر بالكتابة بواسطة المسيح، بواسطة الملائكة أو أصوات سماوية لا نعرف إسمها (1: 11، 9؛ 14: 13؛ 19: 9). أما الآن وقد وصلنا إلى الخاتمة، فالله نفسه يتدخّل ليأمر الرائي بأن يكتب الإيحاءات التي تسلّمها. نلاحظ أن اللفظتين اللتين استُعملتا لتضعا كلمات الله في رؤ، قد قيلت في كلمة الله الذي هو المسيح (14:3؛ 11:19).
"تمّ كل شيء" (أو: قضي الأمر). فالأحداث التي بدأت مع الكأس السابعة قد وصلت إلى نهايتها. في 16: 17 دلّت العبارة (قضي الأمر) على هجمة العقارب. وفي ظرف آخر (في 21: 6) دلّت على أن الخليقة الجديدة قد تحقّقت الآن. وفي الواقع، إن وجود أناس هم منذ الآن كائنات جدد ومواطنو أورشليم السماوية وسكان الفردوس، يدلّ على هذا الواقع الجديد. فإن كان الإيمان وحده يدرك هذه الشهادة، فمضمونها يبقى صادقاً.
"أنا الألف والياء، البداية والنهاية". هذا هو توقيع الله وقد وُضع قرب وعوده. إذا كان كل شيء قد وصل إلى تمامه، فلأن الله هو سبب وأصل وهدف كل شيء. إنه يقود بحسب هدفه العالم الذي خلقه. وفكرة الله الأولى والأخيرة موجودة مثلاً في أش 44: 6 (أنا الأول والآخر، ولا إله غيري). الألف والياء. هذا اللقب ينطبق على الله (1: 8) كما ينطبق على المسيح (22: 3). هذا ما يدلّ مرة أخرى على وحدة الآب والإبن. 
ثانياً: نداء وتحذير (آ 6 ب-8)
وتنتهي الرؤية بنداء إلى المشاركة في هذا العالم الجديد. وهذا النداء هو أيضاً تنبيه يدعو القارىء إلى أن يختار. يتوجّه النداء إلى الجميع، ولكن الجميع لا يدخلون (مت 22: 14: المدعوّون كثيرون والمختارون قليلون). في هذا الوقت الحاضر تتقرّر الدينونة ومصير البشر.
ونرى في آ 6 ب-7 كيف يقدّم الله عطاياه بسخاء.
"أعطي من ينبوع الماء الحيّ". الماء الذي يعطي الحياة. هو هبة مجانية. هنا نتذكّر أش 55: 1: "أيها العطاش، هلمّوا جميعاً إلى المياه. وحتى الذين لا فضة لهم هلمّوا". إن المياه النادرة والثمينة في هذه البرّية القاحلة هي صورة عن عطية الله الكاملة (يو 4: 10، 14؛ 7: 37-39؛ 19: 34؛ رج رؤ 7: 16؛ 22: 17).
"من غلب يرث". لسنا أمام حق تكفله الشريعة للوارثين. فالعهد القديم يتكلّم عن الميراث مشدّداً على الطابع المجاني للعطاء. والنموذج الكامل للميراث الذي هو نعمة، هو أرض الميعاد. عند المسيحيين، توجّهنا الصورة إلى الخلاص، إلى الحياة الأبدية، إلى الملكوت. وهنا يُجمل الميراثُ كل المواعيد المذكورة منذ 21: 1 والمتعلّقة بالعالم الجديد.
وعبر الصور الخاصة، ما يقدّمه الله هو الميثاق الجديد، لا بشكل عام كما في آ 3، بل كما يتوجّه إلى كل شخص بمفرده: "أكون إلهه ويكون إبني". نجد جذور هذا الوعد في العهد القديم. ولكن الشعب المختار وحده كشخص جماعي يعتبر إبن إله هو أبوه (خر 4: 22-23). وقد يكون للملك (أو بالأحرى لبعض الملوك) وحده وعد بأن يرتبط مع الله رباط الإبن بأبيه (2 صم 7: 14؛ مز 89: 27 ي). وظهر إتجاه في العالم اليهودي المتأخر بأن يسمّى البارّ إبن الله (حك 2: 6-18: إعتبر أن الله أبوه؛ سي 23: 1: أيها الرب، أب حياتي وسيّدها). شدّد المسيحيون الأولون على هذا اليقين فقالوا: الروح يجعلنا نقول: أبّا، أيها الآب (غل 4: 6؛ روم 8: 15؛ 2 كور 6: 16-18). نحن هنا قريبون جداً من نصّ رؤ.
غير أن رؤ يتميّز في نقطة جوهرية. فبدل أن يتكلّم عن علاقة الإبن بالآب (كما عند بولس)، فهو يتكلّم عن علاقة الإبن بالله. هذا ما يجعلنا نلتقي بالإنجيل الرابع حيث الله يسمّى فقط "أب يسوع". وسوف ننتظر يو 20: 17 لنسمع "أبي وأبيكم".
والوعد يُعطى في المستقبل: "أكون إلهه". و. لكن العالم الجديد هو منذ الآن حقيقة وواقع. وقد أعلن الله: قد تمّ. قُضي الأمر. إنتهى كل شيء. ولكن لا ننسَ وضعنا البشري. نحن أبناء الله (روم 8: 15-17) ونحن ننتظر التبنّي (روم 8: 23). نحن نعيش منذ الآن واقعاً لا نسيطر عليه، بل نتقبّله يوماً بعد يوم. هذا ما نقوله عن عروس رؤ: جاءت الأعراس (19: 7). الله والحمل هما في المدينة (21: 23؛ 22: 1). ومع ذلك فهي تصليّ: "تعال، أيها الربّ يسوع" (22: 17، 20).
إلى من يتوجّه هذا الوعد؟ إلى العطشان، إلى الغالب. وكلاهما واحد. إلى المسيحيين الذين شهدوا للمسيح الذي مات وقام، فدعوا إلى أمانة قد تكلّفهم حياتهم.
في هذه الآيات تحيلنا الصور والعبارات إلى حالة العماد: الماء، النعمة، الغلبة، الميراث، البنوّة، لائحة الرذائل.
"أما الجبناء والأوغاد..." (آ 8). هذا الميثاق الجديد هو المعمودية. وسيقدّم بولس الرسول لائحة بالرذائل (1 كور 6: 9- 11؛ غل 5: 19-23) في قرائن تتحدّث عن العماد: إنها ترسم الحدّ الذي بعده لا نعيش حياة يُلهمها الإيمان المسيحي. هنا نتذكّر عب 6: 4-8 و10: 26-27. نحن أمام الخطيئة التي تقود إلى الموت كما قال 1 يو 16:5-17.
لا يكتفي رؤ بأن يجعلنا نعيش في "حلم" العالم الجديد. بل يذكّرنا أن الدخول إليه يفرض أمانة وطاعة هما قبل كل شيء رفضاً للشرك الذي يهدّد وينتقل مثل العدوى. هذا ما تعبّر عنه لائحة الرذائل هذه. إنها تتألف من سبع مفردات. والثامنة تجمل الرذائل السبع.
"الجبناء". حسب سي 2: 2، الجبان هو الذي يمشي في طريقين. ذاك الذي لا يقدر أن يقرّر ما يختار بوضوح: الأمانة دله أو التشبّه بالعالم الخاطىء.. ذاك الذي لا يتجرّأ على الإلتزام حتى العذاب والموت. قال القديس بولس: "لم يعطنا الله روح جبانة، بل روح قوة ومحبة وامتلاك نفس" (2 تم 1: 7). الجبان هو المتردّد. هو الفاتر (3: 15-16). لا حارّ هو ولا بارد. إنه عكس الغالب.
"الكفّار". هم الذين لا يحفظون إيمانهم.
"الأوغاد". هناك معنى أخلاقي. ولكن المعنى الأساسي: عبّاد الأوثان. فالوثن هو الرجس عينه (17: 4- 5).
- "القتلة، الفجّار، السحرة". رج 9: 21؛ 22: 5 حيث نجد هذه الصفات في ترتيب مختلف. والقاتل قد يكون ذاك الذي يجرح المحبة الأخوية. "كل من يبغض أخاه فهو قاتل. وتعلمون أن كل قاتل ليست له الحياة الأبدية ثابتة فيه" (يو 3: 15). والفجور أو الزنى يعيدنا إلى عبادة الأوثان (2: 20- 22؛ 17: 1- 5). والسحر يدلّ على ما في العالم الوثني من غواية وضلال (9: 21؛ 18: 23؛ رج 13: 13- 14؛ 19: 20). 
"عابدو الأوثان". هذه الصفة تقول بوضوح ما قالته الصفات السابقة ضمناً.
"الكذّابون جميعاً". إنهم أعداء الحقّ. رج 22: 15: "كل محبّ للكذب وصانع له". نحن هنا أمام إشارة خاصة بيوحنا: فإبليس هو كذّاب وأبو الكذب (يو 8: 44 ي). وزاد يسوع: لأني أقول الحق لا تصدّقون. هنا نتذكّر صفة "الحق" التي تنسب إلى المسيح (3: 7؛ 19: 11). كما نتذكر مديح المؤمنين السائرين وراء الحمل: "لم يُوجد كذب في فمهم".
ب- مجد أورشليم (21: 9- 27)
نبدأ فنرى المدينة والمرأة (آ 9- 13)، أورشليم والعروس إمرأة الحمل. بعد هذا تظهر الأسوار والأبواب الإثنا عشر (آ 14- 21). غاب المعبد بعد أن صار الله والحمل المعبد (آ 22). وبدت المدينة كمنارة تحجّ إليها الأمم (آ 23- 26) ولا يدخلها إلا الذين كُتبت أسماؤهم في سفر الحياة (آ 27). 
أولاً: المدينة والمرأة (آ 9- 11)
نزلت أورشليم من السماء فدلّت على نزول الله الثالث والإحتفالي في العالم المخلوق. النزول الأول كان مع الخلق. "كان الله يتمشّى في الجنّة" (تك 3: 8). النزول الثاني في تجسّد الإبن: "والكلمة صار بشراً وسكن بيننا" (يو 1: 14). والنزول الثالث هو أعراس السماء الجديدة والأرض الجديدة مع الله. "رأيت أورشليم الجديدة نازلة مت السماء، من عند الله" (رؤ 21: 2). ولكن جاءت الخطيئة ففصلت السماء عن الأرض والله عن الخليفة. ولهذا لن تبدأ أعراس الحمل قبل أن يطهّر الكون تطهيراً كاملاً. حينئذ يعلن الله: "أكون إلهه ويكون إبني" (آ 7).
"وجاءني أحد الملائكة السبعة" (آ 9). أخذت هذه العبارة من 17: 1 لتدلّ على التقابل بين الزانية والعروس. لا نجد ملائكة مخصّصين بالعقاب. فالإنجيل الذي يخدمونه هو دينونة أو نعمة حسب الشخص الذي يرفضه أو يتقبّله.
"أريك العروس، إمرأة الحمل". يستعيد النصّ هنا موضوعاً عالجه في 19: 7 و21: 2. ولكنه لا يعود يتكلّم عنه في آ 9-27 المكرّسة للحديث عن أورشليم السماوية. إنه يدلّ على التعارض مع بابل الزانية، ويشدّد على الوحدة مع 21: 1- 8. فالعالم الجديد يشبه أورشليم السماوية، لأن ذات صورة العروس تمثّلهما. ويعتبر الزواج وكأنه قد تمّ. فأورشليم ليست فقط العروس. إنها زوجة الحمل. صار الإتحاد كاملاً. نجد هنا الرنّة الإسكاتولوجية التي وجدناها في 19: 7 (رج 2 كور 11: 2؛ أف 5: 25).
"حملني بالروح إلى جبل عظيم شاهق" (آ 10). في 17: 3، بدت بابل كصحراء. أما أورشليم فبدت جبلاً عالياً. هذا ما يعود إلى حز 40: 2 في بداية تصويره لأورشليم في نهاية الأزمنة. فالجبل هو الموضع التقليدي للتيوفانيات. واللغة تكون عمداً رمزية. إن رؤية ف 17 في البرية كشفت طابع الشرك والعقم في الإمبراطورية الرومانية. أما هذه الرؤية على الجبل فتدلّ على الطابع الحقيقي للكنيسة: إنها مدينة الله المقدّسة والسماوية مع العلم أن السماء تبدأ هنا.
"لها مجد الله. وألقُها أشبه بحجر كريم نادر" (آ 11). الشعور الأول هو شعور بالإنبهار. هنا نتذكّر المرأة الملتحفة بالشمس (12: 1). إن قلب هذا النور هو مجد الله (آ 11، 23)، والتجلّي المنظور لحضوره وقداسته: المدينة المقدّسة. في أش 60: 1 نقرأ: "مجد الرب أشرق عليك" (رج أش 19:60). ويشبّه بهاء هذا المجد بحجر كريم، بحجر يشب. هذا ما قرأناه في 4: 3 في تصوير الله على عرشه. وسنجد الحجر عينه في السور (آ 18) والأُسس (آ 19). إن بهاء المدينة يذكرنا بالهالة الإلهية نفسها. قال بولس عن المسيحيين إنهم يعكسون مجد الله (2 كور 3: 18).
وقف الكاتب أولاً خارج المدينة. وهو سيدخل إليها بنظره في آ 21 ب. فيصوّر على التوالي: عناصر البناء (الأسوار، الأبواب، أُسس السور، آ 12- 14). ثم قياسات المدينة (آ 15- 17). المواد التي تؤلّف العناصر (آ 18- 21). وفي النهاية يتوقّف عند الهيكل الذي هو ينبوع كل نور (آ 22- 23). وينتهي كل هذا مع آ 24- 27 بتصوير الذين يدخلون والذين لا يستطيعون الدخول (رج 21: 6 ب- 8).
ثانيا: البنية والقياسات والمواد (آ 12- 21)
* البناء (آ 12-14):
بني المقطع كله في إطار الرقم 12 ومركبّيه (3 و 4) اللذين هما رقما شعب الله والعالم.
"سور عظيم عالٍ" (آ 12). لا يتوقّف الكاتب عند هذه الصورة، إذ لا يُعقل وجود مدينة من دون سور. قد يشير النصّ إلى حماية الله للمدينة من كل شّر (أش 26: 1- 2).
"لها إثنا عشر باباً". ثلاثة أبواب لكل جهة من جهات الكون الأربع. هذا ما يدلّ على الشمولية: تستطيع المدينة أن تستقبل الناس الآتين من كل جهة وفي أية ساعة. وأسماء الأسباط الإثني عشر تذكّرنا أن هذه المدينة هي عاصمة المملكة. كان إسرائيل النموذج النبوي. والشعب الذي يدخل إليها هو شعب الله. على كل باب ملاك (كما اللاوي في الهيكل) ليمنع "الأرجاس" من الدخول (كما في جنة عدن، تك 3: 24).
"وكان سور المدينة قائماً على اثني عشر أساساً" (آ 14). بين الأبواب الإثني عشر، هناك أجزاء من السور يستند كل منها إلى أساس مكوّن من حجر واحد كريم. هناك 12 أساساً. وتحمل الأُسس أسماء الرسل الأثني عشر، رسل الحمل. هكذا يبرز الطابع الجديد للشعب الذي عاصمته أورشليم. هذا الشعب هو إسرائيل الإثني عشر سبطاً أو رسولاً. هو إسرائيل الجديد، إسرائيل نهاية الأزمنة. ذاك الذي يدعوه الحمل فيكوّنه الإثنا عشر رسولاً. هكذا ضمّ مت 19: 28 الإثني عشر رسولاً مع الإثني عشر سبطاً. والصورة تشير إلى مت 16: 18: "أنت صخر (حجر) وعلى هذا الصخر أبني كنيستي". وهناك أف 2: 20 حيث تبدو الكنيسة بناء أساسه الرسل والأنبياء والمسيح حجر الغلقة (عب 11: 10، 16). والإثنا عثر يحملون معاً المدينة المقدّسة.
* القياسات (آ 15- 17):
"وكان الملاك يمسك قصبة" (آ 15). كما في حز 40: 3 ي، إهتم ملاك بالقياسات. في رؤ 11: أ-2، دلّ قياس جزء من الهيكل أن الله يحميه لأنه يخصّه. أما هنا، فيدلّ على المخطّط الذي حدّد اللأ قياساته: تناسق، عظمة، قداسة.
"والمدينة مربّعة" (آ 16). هذا هو الوضع في حز 48: 30 ي الذي هو نموذج لهذه الصورة. ولكن المحيط كان في حزقيال 18.000 ذراع أي 8 كلم تقريباً. أما في رؤ، فهو 2400 ذراع تقريباً (12.000 غلوة). هنا نتذكر أف 4: 18 وطول وعرض وعمق... ويحدّثنا النصّ عن الإرتفاع، فيصبح الهيكل لا مربّعاً وحسب، بل مكعّباً.
هذا ما يذكّرنا بقدس الأقداس (أش 6: 20). لا فصل بين موضع دنيوي (للوثنيين) ومكان مقدّس للذبائح، ومكان مقدّس كل التقديس لحضور الله. فالمدينة صارت كلها هيكلاً، بل أقدس ما في الهيكل.
"ثم قاس سورها" (آ 17). إرتفاع السور لا يناسب الأبعاد الهائلة للمدينة. لا شك في أن 144 (12×12) يدلّ على كمال لا يضاهيه كمال. "بطول ذراع الإنسان كما استعمله الملاك". المدينة هي في الوقت عينه بشريّة وإلهية. ثم إن القياس البشري يُفهم في معنى روحي.
* مواد البناء (آ 18- 21):
"وكان السور مبنيّاً باليشب" (آ 18). نحن في تضمين مع آ 11.
"والمدينة بالذهب الخالص كأنه الزجاج النقي". نحن أمام صورة تدلّ على الغنى وعلى الجمال، وهي تبدو بشكل تضمين مع آ 21 ج.
"وكانت أساسات سور المدينة" (آ 19). نجد هنا لائحة بالحجارة الكريمة. يستلهم التعداد ببعض حرية لائحة من الحجارة الكريمة نجدها على ثلاث دفعات في الجهد القديم: مرتين في تصوير صدرية الكاهن الأعظم (28: 17- 20؛ 39: 10- 12). ومرة في الترجمة اليونانية لنصّ حز 28: 13 ضدّ ملك صور. إن الكاتب يتوسّع في النبوءات (أش 54: 11- 12؛ طو 13: 17) التي تعلن أن أورشليم المقبلة ستتلألأ بالحجارة الثمينة. ويُغني تصويره عائداً إلى لائحة تقليدية واضحة مؤلّفة من 12 حجراً. وقد توخّى من ذلك أن يشدّد على عظمة ومجد المدينة المقدّسة التي تشعّ بأنوار تعليم الرسل الذين هم أساساتها.
"وكانت الأبواب إثنتي عشرة لؤلؤة. كل باب منها لؤلؤة" (آ 21). إن العهد القديم لم يعرف اللؤلؤة التي ظهرت في زمن الإسكندر الكبير ثم اشتهرت فاعتبرت الحلية العظمى (مت 13: 45-46؛ 1 تم 2: 9؛ رؤ 17: 4؛ 18: 6، 12، 15؛ رج مت 7: 6). يورد مقال من التلمود شرحاً لما في أش 54: 12: كل باب في أورشليم المقبلة يتألّف من لؤلؤة عظيمة جداً حفر فيها ممرّ.
"كانت ساحة المدينةُ من ذهب". في آ 18، عرفنا أن المدينة بنيت بالذهب الخالص. والساحة تشبه المدينة. هنا نتذكّر الهيكل الذي بناه سليمان والذهب الذي كان فيه. هذا يعني أن المدينة كلها، بل العالم كله، صارت هيكلاً لله.
ثالثاً: الهيكل والدخلون إليه (آ 22- 27)
* الهيكل (آ 22-23):
"وما رأيت هيكلاً فيها" (في المدينة) (آ 22). يختلف الكاتب هنا عن كل الذين تحدّثوا عن آمال العالم اليهودي. فالله (حضوره، شكينه) يكون حاضراً بشكل مباشر، فلا يحتاج إلى معبد يرمز إلى نيته بأن يلتقي بالبشر. "أتت الساعة، وهي الآن، حيث العابدون الحقيقيون يعبدون الآب بالروح" (يو 4: 23).
"فالرب هيكلها". يُذكر الحمل على قدم المساواة مع الله. هذا ما يجعلنا في مناخ يوحنّاوي. "أنا والآب واحد" (يو 10: 31). فالحمل هو الوجه المنظور للآب. "من رآني رأى الآب" (يو 14: 9). جسد المسيح هو الهيكل الجديد. "كان يتكلّم عن هيكل جسده" (يو 2: 19- 21). أجل، لا حاجة بعد إلى وساطة "معبد" يدلّ على حضور الله. هنا لا نعارض هذا النصّ مع مقاطع سابقة تفترض وجود الهيكل السماوي (3: 12؛ 7: 15؛ 11: 1- 2، 19؛ 14: 15، 17؛ 15: 5، 8؛ 16: 1، 17). إن صور رؤ ليست عناصر من مجموعة متماسكة، بل مقاربات نحاول فيها أن نعبّر بلسان البشر عن أمور الله. فحضور الله الأزلي وحضور الحمل يتمّان نبوءة تتضمّن فكرة الهيكل. وهو الموضع الذي فيه نلتقي الله، الموضع الذي منه تشعّ قداسته.
"المدينة لا تحتاج إلى نور" (أش 60: 19). شمسها هي مجد الله. سراجها، مصباحها هو المسيح. بدلّ الكاتب اللفظة لأنه لا يريد أن يستعمل رمز القمر لكي يدلّ على المسيح. وإن آ 23 تحمل تضميناً مع آ 11: المجد المنير الذي يُرى من الخارج فينعكس في الحجارة الكريمة ويكشف عن ينبوعه هو حضور الله والحمل في قلب المدينة.
* من يدخل إلى الهيكل (آ 24-27):
"ستمشي الأمم" (آ 24). هنا يبدأ حجّ الأمم الوثنية إلى أورشليم. أما عبارة آ 24 فتعود إلى أش 60: 3، 5، 7 حيث يصعد الوثنيون إلى المدينة المقدسة. الآية هي في صيغة المضارع، ولكن ما يُعلن يبدأ في الوقت الحاضر ويمتدّ إلى المستقبل. ما هو منذ الآن واقع حاضر لا بدّ أن يتمّ يوم يعود الرب.
نجد في الصفحة الأخيرة من العهد الجديد كما في الصفحة الأولى، صعود الوثنيين إلى أورشليم (أو بيت لحم) لعبادة الرب. هذا ما فعله المجوس (مت 2: 1- 12) فكانوا الباكورة. وها نحن نرى علامات تتمّة هذا الصعود إلى جبل الرب.
"لا تُغلق أبوابها" (آ 25). هنا نعود أيضاً إلى أش 60: 11: لا تغلق نهاراً ولا ليلاً. كانت تغلق أبواب المدينة في الليل (وإذا دهم العدو). أما هنا، فليس من ليل. إذن، لماذا الخوف والرب يحمي مدينته.
إن آ 26 تستعيد آ 24 فتجعل الفكرة المركزية في آ 25: "لا تُغلق أبوابها". كان غنى الأمم يأتي إلى رومة، فما الذي يمنع وصول الغنى إلى أورشليم مركز عبادة الله الواحد.
"لا يدخلها شيء نجس" (آ 27). تستلهم هذه الآية أش 52: 1. فتحذّر المسيحيين اليوم من المخاطر التي تهدّدهم (رج 21: 8). وهكذا تشدّد على البعد الحاضر لتصوير أورشليم السماوية. نحن لا نحلم. بل ننتظر النهاية ونحن متأكّدون أنها تؤثر على الحياة اليومية. نحن لا ننتظر النهاية بشكل سلبي، وهذا ما ذكّرتنا به المجدلات والتحريضات التي نجدها على مدّ الكتاب (13: 10، 18؛ 14: 12-13؛ 15: 15؛ 18: 20؛ 19: 9؛ 20: 6؛ 21: 6-8). نحن لسنا متفرّجين بل عاملون.
وتتحدّد النجاسة التي لا تدخل إلى المدينة بكلمتين: الرجاسة والكذب اللذين تحدّثنا عنهما في 21: 8. نحن أمام سلوك يتشوّه حين نساوم مع عبادة الأوثان. هذا ما نحسّ به حين نقرأ الرسائل الموجّهة إلى الكنائس السبع.
"الذين أسماؤهم مكتوبة في كتاب الحياة، كتاب الحمل" (13: 8؛ رج 3: 5؛ 20: 15). ترتبط لائحة المخلّصين بالحمل أي بنعمة الله قبل أن ترتبط بالأعمال الصالحة. ولكن العبارة تبدو أيضاً كتحذير: إنها تذكّر المسيحيين أن عليهم أن يكونوا متّحدين بالحمل لكي تسجّل أسماؤهم في سفر الحياة. فإنجيل نعمة الله لا نعرفه فقط، بل نعيشه.

ج- الفردوس (22: 1- 5)
إن 22: 1- 5 هي الرؤية الثالثة قي الختام. فبعد موضوع العالم الجديد وأورشليم السماوية، ها هو موضوع الفردوس. يقدّم هذه الرؤية الملاكُ عينه الذي قدم السابقة (21: 9). وهذه الرؤية تستلهم نصّين من التوراة. الأول: حز 47: 1- 2. من هيكل نهاية الأزمنة تخرج مياه حيّة تروي الصحراء، وتصلح البحر الميت (تصبح مياهه عذبة)، وتجعل الأشجار العجيبة تنبت. رج يوء3: 18؛ زك 14: 8- 9؛ مز 46. والنصّ الثاني هو تك 2: 8- 10: يروي جنّةَ عدن نهر له أربعة فروع. وهناك أيضاً شجرة الحياة. لا يعلن الكاتب فقط عودة الفردوس الأصلي. وإن هو تحدّث عن الفردوس، فهذا الفردوس غني بتتمّة كل النبوءات التي قيلت على مدّ تاريخ الخلاص. 
"ثم أراني نهر الماء الحيّ" (آ 1). ترد صورة الماء الحيّ مراراً العهد القديم. أما صورة "نهر الماء الحي" فلا نجدها إلاّ في يو 7: 37-39: "تجري من صدره أنهار مياه حيّة... أن يدلّ هكذا على الروح الذي يقبله المؤمنون به". إن مرمى الرمز ليس في المعادلة بين الماء والروح، بل في لفظة "النهر": الذين يؤمنون به وينالون الروح يصيرون قنوات فيها تمرّ كل قوى الحياة التي يقدّمها للبشر، وهي تتوزّع في العالم. وهذا ما يعنيه نصّ رؤ أيضاً: فحضور الله والحمل يجعل الحياة تفيض أمواجاً. إنه نهر ينبوعه قريب وهو لا ينضب أبداً. إنه يدلّ على المعمودية ويدلّ على أكثر من المعمودية. يدلّ على مجمل الحياة الروحية.
"ويجري في وسط ساحة المدينة" (آ 2). نحن أمام مزيج بين تقليد تك 2 وحز 47، وهو يقدّم لنا صورة غريبة. قال تك 2: 9: "وكانت شجرة الحياة في وسط الفردوس". أما هنا فنقرأ: "في وسط ساحة المدينة... شجرة حياة". ولكن تأثرت آ 2 بما في حز 47: 12 حيث الأشجار تقع على جانبَي النهر، فقالت: "في وسط ساحة المدينة وعلى النهر من هنا وهناك شجرة حياة". حينئذ نتساءل: ما الذي هو من هنا وهناك؟ النهر أو شجرة الحياة؟ ونحاول أن نتصوّر الأمور. إذا أخذنا "شجرة الحياة" بمعنى الجمع (شجر حياة)، نكون أمام جادة تحيط بها الأشجار ويمرّ في وسطها النهر. وإلاّ، صارت الساحة بالأحرى جزيرة يحيط بها فرعا النهر مع شجرة حياة وحيدة في الوسط. المهمّ أن نفهم مرمى النص: أن يبيّن أن هذا الفردوس ليس عودة إلى البدايات، بل تتمة تاريخ الخلاص.
"تثمر كل شهر وتشفي بورقها الأمم". الشفاء هو الإرتداد (أش 6: 10) أو الخلاص (أش 53: 5). ولكن الشفاء يفترض المرض. فهل بقي شّر في العالم؟ لنحذر منطقنا الزمني: فرؤى النهاية ليست فقط من أجل مستقبل بعيد. إن الكاتب يرى أن كل هذا قد بدأ في وضع الكنيسة الحاضر وفي وضع المسيحيين اليوم.
منذ الآن وصل المسيحيون إلى شجرة الحياة (2: 7؛ 22: 14). إنهم يعلنون مسبقاً ويصوّرون قرب الإنسان من الله كما في جنّة عدن. إنهم صورة حيّة عن شفاء يقدّم الآن إلى جميع الأمم.
ونستطيع أن نقول أيضاً: الإنسان يبقى خليقة حتى الفردوس. ولن يكون يوماً ينبوع حياته الخاصة (الله هو الينبوع). فلو توقّفت عطية الحياة، لا سمح الله، يكون الإنسان قد انتهى، ولكن عطية الحياة لن تنتهي: هناك 12 غلة في السنة. والشفاء المعطى للبشر هو الذي يفهمهم محدوديّتهم. إن الإنسان يحسّ دوماً أنه مهدّد في محدوديّته، فيُشفى دوماً من أجل الأبدية. 
"لا لعن بعد اليوم" (آ 3) (كاتاثيما). هذه الآية هي صدى زك 14: 11: لا يكون حرم أو استبعاد. نحن هنا على نقيض من تك 3: 16-22 الذي يتحدّث عن الحكم ضدّ آدم وحوّاء واستبعادهما من الفردوس. فالفردوس الذي نتحدّث عنه الآن لا يكون إطار سقطة أخرى. ولا وجود للمجرّب. وسيُقبل البشر بشكل نهائي في هذا المكان. رج روم 8: 1: "لا قضاء بعد اليوم على الذين في المسيح يسوع".
"عرش الله والحمل يكون في المدينة". في 22: 1 إفترض النصّ حضور هذا العرش. وقبل هذا، كانت رؤية الله على عرشه موضوع إيحاءات خارقة (4: 1 ي). أما الآن، فالله يملك في قلب المدينة، وسط البشر. وهو يقاسم عرشه مع الحمل: فالإله القريب من البشر لا يُعرف إلاّ بواسطة يسوع المسيح.
"فيسجد له عبّاده". هذه هي التتمة الأخيرة لما أعلن في 7: 15 (هم أمام عرشه يعبدونه في هيكله ليلاً ونهاراً). وهذا يعيدنا أيضاً إلى 1: 6: "جعل منا كهنة لله أبيه" وإلى 5: 10: "جعلت منا كهنة لإلهنا".
"يرون وجهه" (آ 4). هي طريقة إخرى بها نعبّر عما قاله القديس بولس (1 كور 13: 12): "الآن ننظر في مرآة، في إبهام. أما حينئذ فوجهاً إلى وجه". أو ما قاله 1 يو 3: 2: "سنكون أمثاله لأنّا سنعاينه كما هو". ما رُفض لموسى كما رُفض لكل خليقة (خر 33: 20-23) صار بعد الآن ممكناً كما قيل في الأناجيل: "طوبى لأنقياء القلوب فإنهم يعاينون الله" (مت 8:5).
"ويكون إسمه على جباههم": إن المسيحيين يحملون هذه العلامة، علامة الإنتماء والتكريس (3: 12؛ 7: 3؛ 14: 1). وهي تتعارض مع علامة الوحش (13: 16).
"لا ليل هناك" (آ 5). تنبّأ زك 14: 7 عن نور مستمرّ لا يخضع لتعاقب الليل والنهار. أما نصّ رؤ فيشدّد فقط على انتصار حازه المسيح على الظلمة.
"سيملكون إلى أبد الدهور". لقد أعلن هذا الملك مراراً (20: 4، 16. وها هو يتمّ الآن بشكل أبدي. غير أنّ المؤمنين هم منذ اليوم مشاركون في ملك الله وانتصاره (1: 6؛ 5: 10). والوضع الذي تدشّن اليوم سيدوم إلى الأبد.
إن المسيحيين يستطيعون حقاً أن ينتظروا النهاية بثقة وفرح، لأنهم يتذوّقون منذ الآن الخيرات الموعود بها. وإذ يعيشون تابعين الحمل، يحسّون بهجمة الأبدية في زمن البشر. يدركون على الأرض حضور السماء.
هذا الإعلان الفائق الذي يبدّل نظام الخليقة القديمة والمدلول المعروف للزمن، هو قلب تعليم رؤ، هو وحي يسوع المسيح، هو الإنجيل. أجل، نهاية الأزمنة ليست ظهوراً رهيباً لابن الإنسان كما في بعض الصور المرعبة، بل ظهور العروس، ظهور الكنيسة التي اقتناها الحمل بدمه وأعاد خلقها كلها على صورته.

خاتمة
العالم المادي هو مخلوق. لذلك فهو لا ينتهي في العدم. فإن لم تعطنا الكتب المقدسة أية معلومة عن مسيرة التحوّل التي تمرّ من الخلق الأولى إلى الخلق الثاني، فالواقع يبقى وهو أنه ستكون أرض جديدة وسماء جديدة (أش 65: 17؛ 66: 22: 24؛ 2 بط 3: 13؛ رؤ 21: 1). وهذا لعمري أكيد لأنه حقيقة إيمانية. لهذا نخطىء ونعارض اللغة البيبلية حين نجعل من هرب العالم أمام منبر الله (20: 11) وكأنه "نهاية عالم"، دمار عالم. فعلينا أن نحلّ محلّ "نهاية العالم" عبارة "تحوّل العالم" أو "مستقبل العالم" لأن "هيئة هذا العالم تزول" (1 كور 7: 31).
إن الألفاظ والتشابيه البشرية لا تقدر أن تصوّر "السماء"، "أورشليم السماوية". فبهاء الذهب والحجارة الكريمة يبقى أضعف من أن يعطينا فكرة عنها. هنا نتذكّر 1 كور 2: 9: "ما لم تره عين ولم تسمع به أذن ولا خطر على قلب بشر ما أعدّه الله للذين يحبّونه" (رج أش 64: 3).
السماء لفظة لاهوتية مصوّرة تحاول أن تعبّر، بواسطة تكديس الكلمات والرموز، عن واقع إلهي يتعدّى الإدراك البشري. وعدد التشابيه المستعملة يكفي ليبيّن أن سّر السماء وسعادتها لا ينحصران في لفظة واحدة. قال بولس الرسول: "إن معرفتنا هي ناقصة... فمتى جاء الكامل زال ما هو ناقص" (1 كور 13: 9-10). وفيما يخصّ السماء، يبقى كلامنا عنها تمتمات أطفال لم يصلوا بعد إلى ملء النطق.
وصورة أعراس الحمل (21: 9) تعطينا إنعكاساً باهتاً لهذه الأعراس الحميمة والسعادة الأبدية اللتين تفرضهما عطية السماء من قِبَل الله. ونقول الشيء عينه عن صورة المدينة المقدسة التي بُنيت على مثال قدس الأقداس، فدلّت على موطننا السماوي والحياة الحميمة مع الله. ولكن الويل لمن ليس له موطن، لمن انغلق على الحكم الإلهي فسمع هذا الكلام القاسي: "إذهبوا عني يا ملاعين إلى النار المؤبّدة"!

 

 

الفصل الثالث والثلاثون
النهاية: ها أنا آتي
22: 6- 21

ها قد وصلنا إلى نهاية قراءتنا لسفر الرؤيا. لقد انتهت الرؤى وأفهمنا إياها الكاتب. فيبقى عليه أن ينهي كلامه فيعود مرّة أخرى إلى ما يعتبره جوهرياً، ويعطي تعليماته الأخيرة للقارىء قبل أن يسلّمه كلمات هذا الكتاب النبوي. وسيقول لنا كيف يريد أن يُقرأ كتابُه ويُفهم.
ولكن، إن كان الهدف واضحاً، فالتحقيق يبقى صعباً. ولهذا تبدو هذه النهاية متشعّبة إن لم نقل معقّدة. لهذا سنبدأ بدراسة بنية هذه الآيات (آ 6- 21) قبل أن نعود إلى التفاصيل.

1- ملاحظات عامة
أ- خاتمة الكتاب
لسنا هنا فقط أمام خاتمة للقسم الأخير، بل خاتمة الكتاب كلّه. وهذا ما نلاحظه في التوازي بين مقدّمة الكتاب (1: 1- 3) و 22: 6- 10. فهناك تجاوب بين عناصر المقطعين.
* فالهدف المعلن في بداية الكتاب قد أدرك، والبرنامج تحقّق. نقرأ في 1: 1: "وحي يسوع المسيح... لكي يكشف لعباده ما لا بدّ أن يأتي عاجلاً، وقد أرسل فبيّنه بملاكه لعبده يوحنا". يسوع هو الموحي، مصدر الوحي. وهو أيضاً الموحَى به وموضوع الوحي. وفي 22: 6: "وقال لي: إن هذه الكلمات لحقّ وعدل، والرب إله أرواح الأنبياء أرسل ملاكه لكي يكشف لعباده ما لا بدّ أن يأتي عاجلاً". أجل، لا ننتظر نهاية العالم في زمن بعيد أو قريب. فمجيء الرب هو في التاريخ منذ الآن. يكفي أن نكون ساهرين. فالنهاية بدأت بقيامة الرب يسوع، وأحداث التاريخ خاضعة لتصميم الله وقصده الخلاصي. أجل، لا شيء يوقف تتمة مخطط الله. وعلى المسيحيين أن يتشجّعوا بعد أن تدشّن تاريخ الخلاص في الحدث الفصحي. إنهم يعيشون في زمن النهاية. إنهم منذ الآن أبناء الله.
* ذُكر يوحنا في بداية رؤ وفي نهايته. نقرأ في 1: 1 أن الرب يسوع أعطى وحياً لعبده يوحنا. لا شك بواسطة الملاك. ولكن الملاك لا يمكن أن يكون حاجزاً بين المسيح ويوحنا. إنه يدلّ على حضور الله وعمله. ونقرأ في 1: 4: "من يوحنا إلى الكنائس السبع". لا يذكر الكاتب أي لقب لكاتب رؤ. لا يقول هل هو رسول أم شيخ من شيوخ كنيسة أفسس. هذا يدلّ على تواضعه وشهرته في آن واحد. فالكنائس التي يكتب إليها تعرفه. ولهذا فهو يستطيع أن يؤنّبها باسم المسيح. ونقرأ في 22: 8: "أنا يوحنا سامع هذه الأمور ورائيها". السماع يعطي المعنى الأخير للرؤية. فنحن أمام نبوءة يسمعها الرائي ويحملها إلى إخوته.
* والتطويبة التي نقرأها في البداية تشبه تلك التي نقرأها في النهاية. نقرأ في 1: 13: "طوبى لقارىء كلمات النبوءة ولسامعيها ولحافظي ما كُتب فيها، فإن الوقت قريباً. يعتبر الكاتب نفسه نبياً من أنبياء العهد الجديد الذين كان لهم دور كبير في الكنيسة الأولى (1 كور 12: 28). وهو يتحدّث عق الوقت الذي هو وقت مجيء المسيح (3: 11). ونقرأ في 22: 7: "طوبى لمن يحفظ كلمات نبوءة هذا الكتاب". لسنا في الحفظ أمام الخضوع لتعليمات، بل أمام الاهتمام بالتعليم فندخله في قلوبنا ونحيا منه. وفي 22: 10 نعرف كما في البداية أن "الوقت قريب". هذا هو الأسلوب الجلياني الذي يعلن أن الله يأتي ولا يتأخّر.
ب- خاتمة خاصة
ولكن الخاتمة لا تستعيد حرفياً ما في المقدمة. هناك تطوّر، تقدّم، توضيح.
* أعلن البرنامج في 1: 1: "ما لا بدّ أن يأتي عاجلاً". لم يعد لنا وقت للإنتظار. فالرب يأتي كالسارق. هذا الكلام يتوضح في 22: 7: "ها أنا آتٍ عاجلاً". نحن في صيغة الحاضر. الآن ها أنا آتٍ. ولسنا في مستقبل بعيد أو قريب ننتظره في الخوف ولا نعرف ما يصيبنا فيه. مجيء الرب هو مجيء الخلاص ونحن نعيشه في حياتنا اليومية الحاضرة. ثم إن رؤ لا يخبرنا بأشياء أو بأحداث. إنه يحدّثنا عن شخص هو يسوع المسيح الذي يأتي لكي يجعلنا ننعم بثمار إنتصاره. لكي يجعل إنتصاره يعمّ الكون فتهرب قوى الشرّ من مدينة الله المقدّسة.
* إن العناصر التي أخذت من المقدّمة قد أقحمت في لحمة إخبارية (22: 6 أ، 8 ب- 10) تتوازى توازياً دقيقاً مع 19: 9- 10.
نجد ثلاثة عناصر في هذه الجهة وتلك: الأصل الإلهي للخطبة. سجود يمنعه الملاك. طابع نبوي للإيحاءات. يستعيد الكاتب تحذيراً عبّر عنه بمناسبة الحديث عن الرؤى المتعلّقة بخراب بابل وأعراس الحمل (ف 17- 19)، ليطبّقه على مجمل الكتاب.
يبدو مجمل الكتاب وكأنه يورد كلمات الله بالذات: "هذه الكلمات حقّ وعدل" (2: 6). فهو لا يُقرأ كمجموعة إيحاءات خارقة بادرَ الملاك إلى إيصالها إلى يوحنا. ولا ككشف عن أسرار جليانية باهرة أعطيت لإشباع فضولنا دون أن تلزمنا في شيء. إنه يُقرأ كخطبة نبوية تدعو إلى التوبة، كإعلان ملحّ يطلقه الله الذي يخدمه الملاك. هذا هو سفر الرؤيا: شهادة نبوية حول غلبة يسوع على الشيطان، وهي غلبة بدأت بموته. وهو دعوة للإلتزام في الخطّ الذي سار فيه يسوع حتى الشهادة والاستشهاد. هذا هو سفر الرؤيا وما تبقى هو صور تسند المخيّلة. فطوبى لمن يسمع هذه الكلمات النبوية ويحيا منها.
ج- خاتمة مزدوجة
هناك تواز لافت بين 22: 6 و 22: 16. نقرأ في آ 6: "الرب إله أرواح الأنبياء أَرسل ملاكه لكي يكشف لعباده". وفي آ 16: "أنا يسوع أرسلت ملاكي ليشهد لكم بهذه الأمور في شأن الكنائس". نجد هنا تركيزاً على الشهادة. وفي آ 6 على الكشف والوحي. أن ننسب هذا الوحي إلى يسوع أو إلى الله، فلا غرابة في ذلك. فبين الله ويسوع، هناك تبادل الأدوار: ما يعمله الآب يعمله الابن مثله (يو 5: 19). ولكن هناك إنتقالاً من إعلان لما يحدث عاجلاً إلى شهادة تقوم بها الكنائس. ونحن أيضاً. 
ونقدّم ملاحظة ثانية. تتكرّر التلميحات إلى الكتاب الذي ينتهي في آ 6 - 10. ولكن الحديث عن هذه النهاية يحتفي في آ 11- 15 ليظهر من جديد في آ 18- 19 بشكل خاصّ. هذا يعني أننا أمام خاتمة أولى (آ 6- 10) تعلن أن هذه الكلمات حقّ وعدل وتدعو القارىء إلى حفظ نبوءة كلمات هذا الكتاب. وقد استعيدت هذه الخاتمة وزيدت عليها تحديدات جديدة اعتبرت مهمّة: "أنا يسوع أرسلت ملاكي... أنا أشهد لكل من يسمع كلمات نبوءة هذا الكتاب". هنا ننتقل من الشاهد كاتب الرؤيا إلى الشاهد الأوّل الذي هو يسوع المسيح.
نجد في رؤ قسماً يتجاوب مع موضوع الشهادة هو الرسائل إلى الكنائس. إنها تشكّل القسم الوحيد في الكتاب حيث المسيح يتحدّث في صيغة المتكلّم المفرد (أنا أعرف أعمالك). وقد دخلت هذه الرسائل في كتاب جلياني ليدلّ على أن تعليم الرؤى الكبيرة يتسجّل في حياة الكنائس اليومية. وها نحن نجد في الخاتمة الثانية (22: 16 ي) الطابع الرئيسي الذي وجدناه في الرسائل: هي كلمات يسوع نفسه تتوجّه بشكل واضح إلى الكنائس.
وهنا نكتشف معنى الخاتمة الثانية بالنسبة إلى الخاتمة الأولى. في الخاتمة الأولى (22: 6) توخّى رؤ أن يبيّن ما سيحصل قريباً. وزاد: "ها أنا آتٍ عاجلاً". إن آ 7 تشدّد على أن يسوع هو في قلب ما سوف يحصل. ولكن مناخ الخطبة ظلّ جليانياً، فبيّن وقائع سماوية قد يبقى الإنسان أمامها متفرّجاً أو فضولياً. لهذا شدّدت هذه الخاتمة (الأولى) على الطابع النبوي والملزم للكتاب، فاستعملت أربع مرات لفظة "نبي" أو نبوءة" (آ 6، 7، 9، 10) بينما لم تستعمل إلاّ مرة واحدة في 1: 1-3.
وجاءت الخاتمة الثانية (22: 16 ي) وشدّدت على الطابع النبوي للكتاب مع ما يفترض هذا الطابع من التزام على مستوى حياة الكنائس الملموسة.
يسوع هو الذي يتكلّم. "أنا يسوع". وما يحمله الملاك هو شهادته. هذا يعني أن مضمون رؤ يجب أن يعود إلى "شهادة يسوع" الذي هو الوحي الكامل لكلمة الله ووصاياه (1: 2، 9؛ 6: 9؛ 19: 10؛ 20: 4). وهذه الشهادة، شهادة يسوع "الشاهد الأمين" (1: 5؛ 3: 14) هي ذبحه وإنتصاره كحمل مسيحاني (5: 5، 9). هي موته وقيامته (1: 18). هي شهادته التي يطلب من الكنائس أن تواصلها (2: 13؛ 11: 3- 12؛ 12: 11، 19: 10) غاسلة ثوبها في دم الحمل (3: 4؛ 7: 13- 14؛ 22: 14).
ليس رؤ مجمل تنبوءات كتلك التي تُطلق في بداية كل سنة، بل كلمة يسوع القائم من الموت والذي يدعو المسيحيين لكي يتجرأوا فيحيوا منذ الآن مثله. لقد غلبوا، فيجب أن لا يخافوا من المخاطرة بحياتهم في سبيل الشهادة المطلوبة من الكنائس ومن المؤمنين.
سنعود إلى 22: 12- 15 فيما بعد. ولكننا نلاحظ أن هذا المقطع لا يشير إلى الكتاب الذي ينتهي الآن. هذا المقطع يلعب دوراً في نهاية الكتاب (22: 6- 21) فيوسّع التأكيد الرئيسي: ها أنا آتٍ عاجلاً. وهي عبارة ترد في البداية (آ 6) وفي الوسط (آ 12) وفي الخاتمة (آ 20). أما آ 12- 15 فتقسم قسمين: مجيء المسيح مع مجازاته (آ 12- 13). ثم النتيجتان المتقابلتان اللتان تتبعان هذا المجيء: خلاص للبعض (آ 14) ودينونة للآخرين (آ 15).
أمّا 22: 16- 21 فيستلهم استلهاماً وثيقاً النموذج الذي تقدّمه آ 12 - 15: تقديم المسيح الآتي (آ 16). ثم نتيجتان: دعوة للمجيء والمشاركة في خيرات الخلاص (آ 7) وتحذير (آ 18- 19).

2- قراءة تفصيلية
نقرأ أولاً ملاحظة حول أفضل الطرق لاستعمال كلمات هذا الكتاب (آ 6- 11). ثم موجزاً أخيراً للتعليم النبوي (آ 12- 15). وأخيراً، الليتورجيا الأخيرة (آ 16- 21).
أ- كيف نستفيد من الكتاب (22: 6- 11)
"إن هذه الكلمات حقّ وعدل" (آ 6). كلمات صادقة وينبوع سعادة لمن يحفظها. أجل، إن رؤ كتاب متين ويدْعونا إلى الثقة بما يقول.
"ثم قال لي". المتكلٍّم هو أحد الملائكة الذي يحمل إحدى الكؤوس السبع والذي تدخل في 21: 5، 19؛ 22: 1. قرأ بعضهم آ 7 (ها أنا آتٍ عاجلاً) فظنّ أن المسيح هو الذي يتكلّم. ولكن يبدو أن تصميم آ 6- 14 هو غريب. أولاً: كلام الملاك (آ 16). ثم كلام يسوع (آ 7) ثم يوحنا (آ 8). ثم كلام الملاك (آ 9- 11). وكلام يسوع (آ 12- 14) وكلام يوحنا (آ 15). ثم لا نعجب إن وجدنا الملاك يتكلّم باسم الله. ففي تقليد الأنبياء، يتكلّم النبي باسم الربّ في صيغة المتكلّم المفرد، والقارىء يفهم. فقد يكون الملاك يتكلّم باسم يسوع.
"هذه الكلمات حق". هذه العبارة قد وردت في 21: 5 (رج 19: 9). وهي تعني هنا الكتاب كله الذي يسمّى كلمة الله. ويأتي حالاً ما يبرّر هذا التأكيد: "الرب، إله أرواح الأنبياء، أرسل ملاكه". روح الأنبياء هو الروح النبوي، وإمكانية التنبؤ التي يمنحها الروح القدس باسم الله. غير أن هذا الروح يسلّم إلى مسؤولية كل نبي. لهذا تحدث النصّ عن "روح" النبي، لا الروح القدس. لقد صار هذا الروح جزءاً من النبي (رج 1 كور 12: 10؛ 14: 32؛ روم 8: 16؛ فل 4: 23؛ غل 6: 18). هذه اللفظة قد احتفظنا بها في الليتورجيا. يقول المحتفل: الرب معكم. نجيب: مع روحك.
للكتاب سلطته لأنه عمل الأنبياء الملهمين والمسيحيين الحقيقيين (آ 29) الذين دلّوا في حياتهم وفي موتهم على المتطلّبات الملموسة التي تفرضها المشاركة مع المسيح المنتصر. ليس رؤ كتاب أسرار بعض المتدرّجين، كما في عالم الشيع، بل كتاباً للحياة اليومية. هذا ما تدلّ عليه المجدلات ثم التطويبات السبع: طوبى لمن يقرأ وللذين يسمعون (1: 3). طوبى للذين يموتون في الرب (14: 13). طوبى للساهر الحافظ ثيابه، ثياب المعمودية وما ترمز إليه من جهاد في سبيل الإنجيل (16: 15). طوبى للمدعوين إلى وليمة عرس الحمل (19: 9)، في الافخارستيا التي تدل على وليمة نهاية الأزمنة. ولا ننسَ أخيراً النداءات المتعدّدة التي توجّه إلى القارىء لكي يتصرف في الوقت الحاضر. "من له أذنان فليسمع" (13: 9). قد يذهب إلى المنفى بسبب إيمانه. وقد يُقتل بالسيف. يبقى عليه أن يتحلّى بثبات القديسين وإيمانهم. يفوّض أمره إلى الله ولا يلجأ إلى العنف عارفاً أين يوصله منطق إيمانه. ويُطلب إلى المؤمن أن يتحلّى بالحكمة ويُعمل الفكر (13: 18). هذا الوحش، أي السلطة السياسية الفاتحة، ليس بإله. إنه إنسان ناقص (العدد 6 مكرّر). كما يقال للمؤمن بأن لا يقبل أن يكون بين قطيع الساجدين للوحش. فعلى جبينه سمة يسوع المسيح، ولذلك عليه أن يتحلى بالثبات، ويحفظ الوصايا ويتعلّق بيسوع بالإيمان. قد يخسر إن لم تكن عليه سمة الوحش، ولكن الخسارة الكبرى هي أن يضيّع سمة المسيح التي نالها في المعمودية فكانت له عربون الظفر في النهاية (رج 14: 12- 13). في 16: 15 يُطلب من المؤمن السهر. وفي 18: 20، يُطلب منه الفرح. أجل، لسنا أمام أحلام عن المستقبل نلجأ إليها في ساعة الضعف واليأس. ولسنا أماهم تنبؤات فيها ما فيها من تخويف، بل أمام تعليم نبوي يجب أن نؤوّنه.
وتستعيد آ 6 ب بداية ف 1 فتقول لنا إن برنامج الكتاب قد نفّذ، وما قيل بيّن ما سيحصل عاجلاً.
"ها أنا آتٍ". هذا التأكيد هو في قلب آ 6- 8 أ. وهو يشرف على كل الكتاب. إنه السبب الذي لأجله أرسلت الرسائل. في 2: 5 يقول يسوع لملاك كنيسة أفسس: "إن لم تتب فإني آتيك وأزيح منارتك من موضعها" (رج 2: 16). وفي 3: 3 يقول يسوع: "إني آتٍ كلصٍّ ، ولا تعلم في أي ساعة آتيك". وفي 3: 11: "إني آتي عاجلاً. تمسّك بما لديك لئلا يأخذ أحد إكليلك".
ويعود موضوع" المجيء في 16: 15 ليتفتّح في النهاية (22: 7، 12، 20). وهذا ما يقوله الإنجيل أيضاً. "لقد اقترب ملكوت الله" (مت 3: 3). إقترب في شخص يسوع. فالمسيح هو في قلب النبوءة، في قلب رؤ الذي هو إنجيل القيامة. والقيامة لا نفهمها معجزة من الماضي بل حدثاً حالياً وديناميكياً ودائماً. من وجد في رؤ هذا التعليم وعاش منه عدَّ سعيداً.
"طوبى لمن يحفظ كلمات". هذا ما يحيلنا إلى ف 1: القراءة، السماع، حفظ كلمات النبوءة المسموعة. وهكذا ينتهي الكتاب كما بدأ.
وأنا يوحنا سمعت هذه الأمور ورأيتها" (آ 8). كما دلّ دانيال على نفسه في نهاية الرؤى (دا 12؛ 5). هكذا فعل صاحب رؤ في بداية الكتاب (1: 1، 4، 9) وفي نهايته. لقد لمس روح الله بتعليمه "نبياً" محدّداً فرأى وسمع ما أراد الله أن يريه إياه ويسمعه: المسيح سيأتي عاجلاً. أرسل البلاغ فتلقاه يوحنا. لم يكن ما رآه حلماً، بل حقيقة وواقعاً. هنا نتذكر يو 19: 35: "والذي عاين شهد وشهادته حق، وذاك (أي يسوع) يعلم أنه (شاهده) يقول الحق لكي تؤمنوا أنتم أيضاً". الشاهد هو الذي يعلم بالحدث من دون وسيط ويستخلص منه معناه العميق. ونقرأ في يو 21: 24: "فهذا هو التلميذ الشاهد بهذه الأمور، وهو الذي كتبها ونحن نعلم أن شهادته حق". في النصّ السابق أكّد المسيح أنه هو أرسل شهادته وثبّتها وأيّدها. وهنا، تعلن الكنيسة صدق أقوال الرسول (رج يو 1: 1-3).
"سقطت لأسجد". لا تسجد لهذه الكلمات وكأنها صنم. فالمؤمن لا يسجد إلاّ لله. إذن، لن نتوقّف على الحرف والمبنى، بل نصل إلى الروح والمعنى. لقد أرسل الله ملاكه "ليكشف" (آ 16). وها هو يوحنا يريد أن يسجد للملاك الذي "أراه" هذا (آ 8 ب). نحن في مشهد يوازي 19: 9- 10. في ف 19، دعانا الكاتب لكي لا نخطىء في معنى رؤى ف 17- 19. وهنا يوسّع الدعوة بالنسبة إلى الكتاب كله.
فالإيحاءات المدوّنة هنا والتي كان الملاك وسيطها، كان لها هدف واحد: أن تقودنا إلى السجود لله، إلى هذه الليتورجيا الشاملة، ليتورجية المديح التي صوّرها رؤ في 4: 8- 11؛ 5: 8- 14؛ 7: 9- 12. فالكلمات هي في خدمة العبادة. هذا ما أعلنه الملاك ويوحنا والأنبياء ومارسوه مع جميع البشر الذين يجعلون أمانتهم لله فوق كل شيء.
هنا نحذر من نظرة إلى رؤ تعتبر فيها الكتاب سلسلة من الإيحاءات الخارقة على العالم السماوي أو المستقبل. إنه لخطأ كبير أن نتوقف عند المبنى (كما يوحيه الملاك) ونترك المعنى الذي هو التعليم النبوي الذي يلهمه الله. إن توقفنا عند المبنى عبدنا السند البشري الذي هو ثانوي، وتوقّفنا عند الظاهر دون الحقيقة، واكتفينا باللغة والأسلوب وتركنا البلاغ الذي يحمله الكتاب إلينا.
"وقالت لي: لا تختم على كلمات" (آ 10). يجب أن تُعلن هذه الكلمات لأن الزمان قريب. هنا يختلف رؤ عين الرؤى اليهودية. فالإيحاءات المستقبلية يجب أن تبقى سرية إلى أن تتحقّق (دا 8: 26؛ 12: 4، 9: رج رؤ 10: 4). ولكن صاحب رؤ تسلّم أمراً معاكساً. لماذا؟ لأن الزمان قريب. فاليوم تتحقق نبوءات رؤ. فمنذ الفصح دخل العالم في الحقبة الأخيرة. ومنذ موت المسيح وقيامته أعطي للبشر أن يلامسوا الملكوت. هذا هو زمن النصر والدينونة الأخيرة. ولم يعد الفردوس ممنوعاً عليهم. وأورشليم السماوية فتحت أبوابها واختبر المؤمنون العالم الجديد.
"الظالم فليظلم بعد" (آ 11). هنا نقرأ آية صعبة ولا نفهمها إلاّ في إطار إقتراب النهاية. فشقّا الآية يتألفان من عناصر مترادفة وهما يتعارضان تعارضاً تاماً. "الظالم فليظلم (فليعمل الظلم) بعد. والبار فليعمل البرّ بعد. والنجس فليتنجّس بعد. والقديس فليتقدّس بعد". أما المعنى فهو كما يلي: إن أزمات آخر الأزمنة تدلّ بوضوح وبشكل حاسم على الطبيعة الحقيقية لكل إنسان. مع العلم أن زمن التوبة الذي أعطي للبشرية في زمن الضربات (16: 9، 11) قد انتهى الآن. إذن، لم يعد من وقت للتوبة، والنهاية تسقط كالستار على المسرح فتجمّد كل واحد في موقفه الأخير. في هذا الإطار نفهم مثل العذارى في مت 25: 1 ي. لم يعد من الممكن أن نأتي بالزيت عند صيحة العريس الآتي. فالحكيمات لا يستطعن أن يعطين زيتاً للجاهلات. أما مرمى الكلام هنا، فهو أن على البار أن يثبت حتى النهاية مهما كلّفه ثباته من تضحيات.
ب- البلاغ النبوي (آ 22: 12- 15).
أشار المقطع السابق إلى الكتاب الذي ينتهي. أما آ 12- 15 فلا تعود تلفح إليه. إنها بالأحرى تفسيراً للوعد الذي استعيد في آ 7: "ها أنا آتي عاجلاً".
"ها أنا آتي عاجلاً" (آ 12). لقد تضمّنت الليتورجيا التدشينية (1: 4- 8) في وسطها إعلان مجيء المسيح وسط السحاب حسب دا 7: 13. هذا هو الموضوع المركزي في الكتاب، وقد استعيد هنا مرة أخيرة مع عودة إلى أم 24: 12: "فإن قلتَ: لا علمَ لي بهذا، فالرب الذي يزن ما في القلوب ويتبيّنه ويراك ألا يعرف فيجازيك بحسب عملك"؟
في رؤ، الله هو الذي يدين عادة (1: 17؛ 19: 2؛ 20: 11- 12). أما هنا كما في 2: 23، فالمسيح هو الدّيان. فألقاب الآب ووظائفه قد نُسبت مراراً في رؤ إلى الابن.
نجد هنا ثلاثة ألقاب كرستولوجية (تتحدّث عن يسوع المسيح): الألف والياء: أول وآخر حرف في الأبجدية (في اليونانية: ألفا، أوميغا). هذا يعني أنه يضمّ كل الحروف وكل الكلمات. البداية والنهاية. رج 1: 8؛ 21: 6 (تطبّق على الله). الأول والآخر رج 1: 17؛ 2: 8 (عن المسيح)؛ أش 44: 6؛ 48: 12 (أنا هو. أنا الأول والآخر). هذا يعني مرَّة أخرى أن المسيح هو الله.
إن الكاتب يشدّد على صفة المسيحي ودوره الإلهي. والدينونة بحسب الأعمال قد سلّمت إلى الذي يقدم بمجيئه الخلاص نعمة. هذا يعني أنه الديّان والمخلّص: إنه يقدّم الخلاص، ولكن يفرض علينا أمامه أن نختار أن نكون معه. "من ليس معي فهو ضدي"، قال يسوع في إنجيله.
ويتوسّع النص فيما بعد في مضمون هذه الدينونة. فطوبى للذي يكون له الديان مخلّصاً.
"طوبى للغاسلين حللهم" (آ 14). أي عاشوا من المعمودية: لقد انتقلوا مع المسيح عبر المحنة الكبرى وتنقّوا بدمه، تنقّوا بحياته التي بذلها من أجل العالم (7؛ 14). إن صورة اللباس تدلّ على واقع الإنسان العميق. فمن نجّس ثوبه لم يعد أهلاً لأن يتسلّم ثوباً أبيض. من تسلّم الثوب الأبيض (يدلّ على الغلبة والانتصار) تنقّى وشارك في حياة المسيح الذي قام. من بين الأموات (3: 4، 5، 18؛ 4: 4؛ 6: 11؛ 7: 9، 13-14).
أن الذين غسلوا ثيابهم هم الغالبون (3: 5). والاحكام التي كانت تطردهم من الفردوس قد رُفعت، فحقّ لهم أن يصلوا إلى شجرة الحياة (2: 7) أي الحياة الأبدية. لقد ختموا باسم أورشليم الجديدة (3: 12) المدينة التي ماثل رؤ 22 بينها وبين الفردوس. لهذا شدّد النصّ على الدخول بأبواب المدينة. فأبواب المدينة ختمت باسم القبائل الاثنتي عشرة. ولا نستطيع أن ندخل إلى المدينة السماوية إن لم نكن من الشعب المختار، من شعب الأسباط الاثني عشر في إسرائيل الجديد (7: 1- 8). الرب يدعو جميع البشر، والمختارون هم الذين يختارون المسيح، يختارون أن يتبعوا المسيح أينما ذهب على مثال رفاق الحمل.
تلك كانت الوجهة الأولى في هذه الدينونة، وجهة الخلاص. أما الوجهة الثانية فتكون الحكم بالهلاك على "الكلاب والسحرة والفجار..." (آ 15).
إن لائحة المبعدين شبيهة جداً بما نقرأ في 21: 8. إذا اعتبرنا أن كل من يحب أو يمارس الكذب يقابل "جميع الكذّابين" في 21: 8، تكون لفظة الكلاب وحدها غريبة عن اللائحة الأولى. كان اليهود يعدّون الوثنيين كلاباً (مت 15: 26). ويسوع دعا بهذا الاسم من ينبذون تعليمه ولا يقدّرونه حق قدرة (مت 7: 6). وبه دعا بولس المسيحيين المتهودين الداعين إلى حفظ الختانة في فيلبي (فل 1: 2).
هذه اللائحة (الكلاب، السحرة...) وسابقتها في 21: 8 (الجبناء، الكفار...) وغيرهما كانت تقليدية في المسيحية الأولى. وقد استعلمت لتعلّم المعمدين الجدد حدود تصرف مسيحي، ولتفهمهم أن لا توافق إطلاقاً بين بعض التصرفات والتعلّق بالمسيح. إنها قريبة من تعليم الفقاهة العمادية التي تضمّنت بشكل "كفر" (أنا أكفر بالشيطان) لائحة بتصرفات ممنوعة. 
ولكن كيف نفهم أن تكون مثل هذه التهديدات ضرورية في هذا الوقت الذي يلي الدينونة الأخيرة والذي فيه لا يبقى شيء نجس؟ نذكّر مرة أخرى أن صاحب رؤ لا يهتمْ بأن يروي نهاية الأزمنة حسب مسيرة كرونولوجية متنامية. بل يعلن أننا في الأزمنة الأخيرة، وأن إنجيل النهاية يعاش منذ الآن، كاستباق لما حصلنا عليه ولآخرة مقبلة هي مجيء المسيح.
"كل محبّ للكذب وصانع له". تستعيد هذه العبارة مضمون اللائحة كلها، كل مواقف الشرك التي تحلّ شيئاً آخر محلّ الله. يقابلها: "صانع الحق". فصانع الحق يترك كلمة الله التي تلفّظ بها يسوع المسيح (أو كنيسته فيه) تحوّل حياته المتجدّدة بشكل منظور وملموس.
قد تدلّ لفظة "الكلاب" على الذين يمارسون البغاء المكرّس في ظل الهياكل الوثنية فيدلّون على إتحاد الأرض بالسماء عبر عمل الزنى. حينئذ نعود إلى تث 23: 18 الذي فيه ترفض الشريعة مثل هذه الممارسة التي تعتبر تشويهاً للعمل الجنسي ومحاولة بها يفرض الإنسان نفسه على قدرة الله. حينئذٍ تعني العبارة "الفجّار" كما في 21: 8. ولكن، بما أننا في إطار عبادة الأوثان، نكون أمام اللامؤمنين الذين يجب أن لا يشتركوا في الإحتفال بالأسرار. نقرأ في الديداكيه: "لا يأكل أحد من إفخارستيتكم ولا يشرب إلاّ إذا كان معمداً باسم الرب. فقد قال الرب في هذا الموضوع: "لا تعطوا ما هو مقدّس للكلاب" (9؛ 5). أما ترتليانس فسمّى "كلاباً" أولئك الذين يعتبرون نفوسهم مسيحيين ولكنهم يعيشون في طريق لا تتوافق مع الإيمان. يعيشون كالوثنيين. مثل هؤلاء نحذرهم.
ج- الليتورجيا الأخيرة (22: 16- 21)
"أنا يسوع أرسلت ملاكي ليشهد لكم في شأن الكنائس" (آ 16). هذه هي الخاتمة الثانية التي دوّنت مثل الأولى لترافق نسخة رؤ التي زيدت عليها الرسائل إلى الكنائس.
يوضح الكاتب أن رؤ كله يجب أن يُقرأ مثل الرسائل، كأنه نداء يوجّهه المسيح نفسه. فهو الذي أرسل جميع الرؤى لأنه والآب واحد.
وهذا النداء هو شهادة تُوجّه إلى القرّاء (لكم) في شأن الكنائس. فالشهادة قريبة من النبوءة. وهي تدعونا إلى الحياة مع المسيح المنتصر. إذن، نسأل السامعين حول طريقة عيشهم في الكنيسة: هل يعيشون كالظافرين أم هم كالجبناء؟
لقد تحوّلت الخاتمة الأولى في خط عملي ويومي. وحملت الخاتمة الثانية إلى الخاتمة الأولى التصحيح الذي حملته الرسائل إلى الكتاب كله. جُعلت الرسائل في بداية الكتاب لتحدّد معناه والأبعاد التي نعطيها لرؤى ف 4- 22 التي لا تصوّر مستقبلاً بعيداً، بل الحاضر كما يعيشه المسيحي اليوم.
"أنا أصل داود وذريته". يسوع هو نسل داود (5: 5؛ أش 11: 1- 10) وهو يتمّ مصير الملك الذي اختاره الله ليقود شعبه. إنه إبن الله الحقيقي والمسيح المنتظر.
"كوكب الصباح المتألق". نحن أمام" صورة مسيحانية تعود إلى عد 24: 17 (يخرج كوكب من يعقوب). وإلى رؤ 2: 28 (أعطيه كوكب الصبح). كوكب (أو: نجمة) الصبح يعلن مجيء ذلك النور. إنه يدلّ على المسيح الذي يعلن بمجيئه طلوع نهار الله. وهو بالإضافة إلى ذلك يقود الشعب من الظلام إلى النور، نور اليوم الجديد (2 بط 1: 19).
في آ 17، نسمع الدعوة. "فالروح والعروس يقولان". هناك أحداث عديدة تردّ على كلام يسوع حين يقدّم نفسه. من هي هذه الأصوات؟
يرى البعض أننا أمام فئات مختلفة من الناس. الروح هو الأنبياء. العروس هي مجموعة المؤمنين. السامع هو المسيحي الفردي. العطشان هو الموعوظ الذي يستعدّ للمعمودية ولا يقدر بعد أن يصلّي مع المعمدين. ومن يشاء هو الوثني الذي يتعاطف مع المسيحيين. ولكن يبدو أننا أمام شخص واحد فردي أو جماعي يسمّيه الكاتب بأشكال مختلفة ليبرز كل جهات الواقع.
لا شك في أن هناك تماثلاً بين العطشان وبين من يشاء، بين ذاك الذي ندعوه إلى المجيء وذاك الذي وُعد بمياه الحياة (رج يو 6: 35؛ 7: 37- 38): "إن عطش أحد فليأتِ إليّ ويشرب... تخرج من صدره أنهار ماء حيّ". فالمسيحيون هم الذين يقتربون من يسوع ليتقبّلوا الماء الحي (6:21).
والسامع هو الذي أصغى إلى كلمات رؤ التي تعلن له مجيء يسوع. هو المؤمن المدعو لكي يدخل في هذا الانتظار، ليجعل هذا الانتظار جزءاً من حياته.
والعروس (رج 19: 7؛ 21: 2، 19) تدلّ على الشعب المسيحي المتّحد إتحاداً حميماً بربّه ومعلّمه.
يبقى "الروح". إذا وضعنا جانباً النصوص حول أرواح الله السبعة أو حول الأرواح النجسة، الروح في رؤ هو ذاك الذي يجعل الرائي أو المؤمن على مستوى الأمور السماوية (1: 10؛ 4: 2؛ 17: 3؛ 21: 10). هو روح الأنبياء، روح النبوءة الذي هو شهادة يسوع (19: 10). إن الروح الذي يلهم الأنبياء يرتبط دوماً بشخص المسيح، بصليبه، بالنداء الذي يوجّه إلى المؤمن ليحيا بدوره شهادة مماثلة. إنه الروح الذي ينقل كلام يسوع إلى الكنائس (2: 7، 11، 17، 29؛ 3: 6، 13، 22). وكل مرّة ينتظر أناسٌ المسيح حقاً على أنه قطب وجودهم، نكتشف وراء هذه الرغبة عمل الروح الذي يقول فيهم: تعال.
وبين الصلاة "تعال" والتحريض على المجيء إلى يسوع، ليس من اختلاف. فنحن لا نستطيع أن ننتظر يسوع دون أن نفعل شيئاً. وإلاّ كنّا من المرائين. حين نقول له "تعال"، نتحرّك لإستقباله على مثال العذارى الحكيمات (مت 25: 1- 13).
"إن زاد أحد... إن حذف أحد" (آ 17- 18). تستعيذ هاتان الآيتان تقريباً عبارة انتشرت في العالم المعاصر لسفر الرؤيا، فطلبت من الكتبة أن يوقروا الكتاب الذي ينسخوه أو يقرأواه. في العالم اليهودي (ثم المسيحي) طبّقت هذه الكلمات على وصايا الله في ديداكيه 4: 13: "لا تتخلَّ أبداً عن وصايا الربّ، بل احفظ ما تقبّلت دون زيادة ولا حذف". إذن، نحن هنا أمام احترام للحرف، بل أكثر من ذلك. فإن رؤ هو كلمة نبوية نضعها موضع العمل. فمن ظل خارجاً عنها أو ابتعد عنها في سلوكه نال العقوبات المعلنة وخسر البركات المقدّمة. وبعبارة أخرى، إن استنتجنا من رؤ نتائج لا تتوافق مع تعليمه نزيد فنستحق "الضربات المكتوبة في هذا الكتاب". وإن رفضنا أن نؤمن أننا نستطيع اليوم أن ندخل إلى المدينة المقدسة ونبلغ إلى الفرودس، نكون كمن يحذف، "فيحذف الله نصيبه من شجرة الحياة". وهكذا لا نعرف من الله إلاّ عقابه ونُستبعد عن الخيرات الموعود بها. من رفض أن يقرأ التاريخ كما يدعونا رؤ، فهذا يعني أنه لا يرى في ما يحصل تحقيق مخطّط الله، وأنه يجد نفسه متروكاً في تسلسل أحداث لا يشاهد منها إلاّ وجهة الكارثة والتهديد. هذا يعني أنه ينال الضربات المكتوبة في هذا الكتاب.
أذن، يُطلب منا أن نفهم فهماً صحيحاً البُعد النبوي لهذا الكتاب. أن نأخذ بما نجده فيه (ولا نخترع شيئاً آخر) ونجعل حياتنا موافقة له. 
"الشاهد بهذه الأمور يقول" (آ 20). نحن هنا أمام حوار بين المسيح الذي يثبت التعليم المركزي والإنسان الذي يجيب بالصلاة. وبعد هذا نسمع "نعمة الرب يسوع مع الجميع" (آ 21). إن الصلاة "تعال أيها الرب يسوع" تذكّرنا بأقدم العبارات الليتورجية في المسيحية. مارناتا: تعال أيها الرب. رج 1 كور 16: 22؛ ديداكيه 10: 6.
إن الديداكيه (را 1 كور 16: 22) تبدو توسعاً في ليتورجيا إفخارستية نستطيع أن نكوّنها تقريباً كما يلي: التمني: "لتأتِ النعمة وليُزل هذا العالم". هتاف: "هوشعنا لابن داود". دعوة: "إن كان أحد قديساً فليقترب". تحذير: "إن لم يكن قديساً فليتب". صلاة: "مارناتا! آمين".
إن الآيات الأخيرة في رؤ (آ 16- 21) تعود بنا إلى نص ليتورجي قريب مما نجد في ديداكيه و 1 كور 16: 22. ثم هناك توازٍ بين آ 16- 21 وآ 12- 15: الصورة عينها (شجرة الحياة، المدينة)، والحركة الليتورجية عينها من تأكيد على مجيء المسيح (آ 12- 13- آ 16)، من تطويبة (آ 14= آ 17) ودعوة، من استبعاد (آ 15= آ 18- 19) وتحذير. ونجد الظاهرة عينها في آ 6- 8 (رج 1 كور 11: 23- 29). ويبدو أن التأكيد على مجيء المسيح يتبعه حالاً توسّع تلهمه الليتورجيا الافخارستية. 
كيف لا يلفت نظرنا هذا التلاقي بين الحركتين: حركة الليتورجيا وحركة سفر الرؤيا كله. فالليتورجيا تعلن، شأنها شأن رؤ، أن مجيء المسيح كيد (إصنعوا هذا لذكري حتى مجيئي) وأننا نستطيع الآن أن نتقبّل علاماته الحاضرة.
إن مجيء المسيح في الافخارستيا هو استباق لمجيئه في نهاية الأزمنة. نجد فيه مخلّصنا يفتح أبواب المدينة المقدّسة ويعطي ثمار شجرة الحياة. ولكنه مخلّص له متطلباته: يطلب من أخصائه طاعة مهما كلّفتهم هذه الطاعة. ولا بدّ من الدخول حقاً في طريق عبادة الله دون سواه. فنحن لا نستطيع أن نكتفي بالكلام والتعابير التقويّة. فمن لا يتبعه يواجه دينونة تضرب الخاطىء القاسي القلب، نبقى في الخارج كالعذارى الجاهلات، نقبل بعالم يرفض الله ولا نعرف إلاّ آيات غضب الله الخارجية دون أن نعي نداءاته المتكرّرة.
إن طريقة مجيء المسيح تحدّد شكل الرسائل إلى الكنائس. فالمسيح الذي يعرف كل شيء، يأتي نحو الكنائس ويعلن ألقابه. يهدّد بعضها بالدينونة. أما الغالبات (وهو يرغب أن تكون كلها غالبة) فيقدّم لها البركات السماوية التي تصوّرها رموز المعمودية والافخارستيا في شعائر العبادة.

خاتمة
وهكذا نصل إلى نقطة رئيسية في رؤ. فهو يبدأ في يوم أحد فع حوار ليتورجي (1: 4- 8). وموضوع الرؤية الأولى هو العبادة في السماء. وكل صفحات رؤ تتضمن تلميحات عديدة إلى احتفالات بالصلاة وأناشيد الشكر. وكل هذا ينتهي في ليتورجيا إفخارستية. فبين مجيء المسيح والعبادة في الكنيسة نجد رباطاً وثيقاً. فالاحتفالات البشرية هي أوقات سّرية فيها يُعلن عمل الخلاص الكامل ويتوضّح ويتحقّق بانتظار تجلّيه الشامل في الساعة التي يريدها الله.
وتذكّرنا الليتورجيا أيضاً بالمتطلّبات الجدية للقاء مع المسيح. كما تفهمنا أن بركات الخلاص هي بركات مجانية وهي ترتبط بنظام النعمة. أما إستحقاق الإنسان، ولو كان شهيداً، فيدعوه إلى أن يمرّ في المياه الحية التي يقدّمها الله مجاناً.
لو كنا نعرف عطية الله! نعمة الرب يسوع مع الجميع!

 

 

الخاتمة
نظرة أخيرة إلى سفر الرؤيا

في نهاية قراءتنا نفهم بشكل أفضل آنيّة التعليم الذي يقدّمه رؤ للمسيحيين في نهاية الألف الثاني وعلى عتبة الألف الثالث، بل في كل عصر من العصور.
وعى الكاتب أنه يعيش في عالم يخضع لسيد بغيض ومخيف هو إبليس. ومن خلال التعايش. الصعب مع الإمبراطورية الرومانية، يكتشف بذار معارضة تامة بين عالمين يجب أن يخضع الواحد للآخر لأنهما لا يستطيعان أن يتواجدا معاً. غير أنه لا يكتفي بأن ينزع القناع عن هذا العالم "الشرير" ويشجبه، بل يعلن أن وراء عالم الظواهر هناك عالم آخر لا يدركه إلاّ الإيمان، عالم هو في الواقع الحقيقة الوحيدة. هذا العالم الجديد قد تدشنَ بشكل نهائي ولا رجوع عنه في انتصار يسوع الفصحي، في ظفر المسيح الذي هو الحمل المذبوح.
وحين يشهد المسيحيون ويموتون على مثال معلّمهم، فهم منذ الآن يدلّون على واقع انتصار المسيح، فيجسدونه فيهم ويظهرون حقيقته. إنهم يكشفون مجد الإله القدير وحده ويدعون سائر البشر لكي يتّخذوا موقفاً وإلاّ واجهوا الدينونة. فحرب المسيحيين دوماً صعبة لأن تجربة المساومة مع عبّاد الوحش دوماً حاضرة، مع أنهم منذ الآن لبسوا الثوب الأييض، وذاقوا أفراح المدينة المقدّسة وثمرة شجرة الحياة. لهذا تتوجّه إليهم حتى نهاية الكتاب التهديدات والتحذيرات.
وهكذا تبرز المفارقة في رؤ عن رؤية الأمور هذه. هناك وضع المسيحيين. هناك دمج بين الأزمنة والأماكن. هناك لغة تحاول أن تعبّر بلسان البشر خبرة ترتبط بحياة الله. الكنيسة هي جماعة صغيرة وضعيفة ومهدّدة بالزوال بسبب الإضطهادات. ولكنها مختومة بخاتم الله الحيّ فتعيش منذ الآن البركات الأبدية التي يمنحها الله للذين يحبّونه. في الكنيسة المستقبل حاضر منذ الآن. والماضي هو في الحاضر والحاضر لا بدّ أن يأتي. والكنيسة هي في الوقت عينه في السماء وعلى الأرض. وقد اتخذ "الموت" و"الحياة" معنى آخر. فمَن يحيا مع الحمل لا يخاف الموت. والذين يعتبرون نفوسهم أحياء (لأنهم أقوياء في العالم) هم معدّون منذ الآن للموت الثاني. 
كيف نعبّر عن هذه الأمور بلغة كوّنها البشر؟ هناك تقاربات ورموز وصور تحاول أن تصوّر ما لم تره عين ولم تسمع به أذن. ومع ذلك، فهذه اللغة تحيلنا إلى الله الذي هو الآخر الذي لا بدّ من أن نستقبله. ولا يفهم رؤ إلاّ ذاك الذي قبل أن "يتواطأ" مع هذا الكتاب لأنه آمن بكلمة الله وشهادة يسوع. الذي فتح قلبه لحبّ المسيح وجنون الصليب وخبرة الفرح الجديد في الملكوت التي لا يعبّر عنها. وحده يفهم رؤ ذاك الذي ذاق الماء الحيّ وسكر بخمرة الروح الذي يكلّمه في قلبه. فالروح والعروس يقولان: تعال! والسامع فليقل: تعال! والعطشان فليأتِ. ومَن يشاء فليأخذ ماء الحياة مجّاناً! آمين. تعال أيها الربّ يسوع!