نداء الفرح والخلاص

توطئة

يقدّم هذا الكتاب حصيلة المداخلات التي تمّت في الأيام البيبليّة الثانية التي انعقدت أيام الاثنين والثلاثاء والأربعاء، 27- 28 و29 كانون الأول 1999، في ثانويّة مار أنطونيوس للراهبات الأنطونيّات، الخالديّة، زغرتا، لبنان الشمالي، وكان موضوعها اليوبيل وفرح الخلاص.
بعد كلمة الاستقبال لرئيسة الثانوية التي استضافت هذه الأيام البيبليّة، كانت كلمة سيادة المطران يوحنا فؤاد الحاج، رئيس أساقفة طرابلس على الطائفة المارونية، ثم كلمة سيادة المطران الياس قربان، متروبوليت طرابلس والكورة وتوبعهما.
وتوالت المحاضرات حسب ورودها في البرنامج المحدّد. في اليوم الأول، الكنيسة الأولى تعيش اليوبيل. من السبت إلى السنة السبتيّة واليوبيل. اليوبيل وتحرير الإنسان في المسيح. وبعد الظهر كانت قراءة روحية في لو 18: 35-19: 10. وفي اليوم الثاني، عاموس والعدالة الاجتماعيّة أو عاموس نذير خلاص الربّ. العظة البرنامج في مجمع الناصرة (لو 4: 26-22). توبة الخاطئة (لو 7: 36-50). الليتورجيا عيش وتحقيق الخلاص. وبعد الظهر، كانت قراءة لنصّ لو 24: 13-35 وتلميذي عماوس. في اليوم الثالث، غابت مداخلات وحلّ محلّها صوت لم يشارك مشاركة فعليّة في الأيام البيبليّة، فأرسل مقاله بعنوان: الحقيقة في الانجيل والرسائل اليوحناويّة. وكانت محاضرتان: "اليوم" في الرسالة إلى العبرانيين. قراءة روحيّة لمفهوم اليوبيل.
مواضيع متنوّعة ترجع إلى العهد القديم وإلى العهد الجديد، ولا تنسى عالم اللاهوت والليتورجيا. فالكتاب المقدّس مجال واسع أراد المحاضرون أن يجولوا فيه سنة 2000 فيكتشفوا غنى ما نادت به المسيحيّة بعد ألفي سنة على ولادة المخلّص.
أما عنوان الكتاب فهو نداء الفرح والخلاص في إطار اليوبيل. واليوبيل هو اعلان سنة مقدّسة، وقد تحدّث عنه العهد القديم في عدد من المناسبات. وأعطاه العهد الجديد معناه الروحيّ دون أن ينسى الوجهة الدنيويّة فيه بعد أن كانت مطالبة عالميّة بتخفيض ديون البلدان الفقيرة. إنما يبقى المعنى الروحيّ هو الأهم، وهو الذي يوجّه تصرّفاتنا كأفراد وجماعات.
فاليوبيل هو دعوة إلى الفرح رغم الأزمات التي يعرفها العالم، ورغم الصعوبات التي تنتابنا. ولماذا هذا النداء؟ لأن المخلّص هو هنا. بدأ يعمل مند تجسّده في حشا مريم ومولده في بيت لحم حيث أنشدت الملائكة للرعاة، وعبرهم للبشرية: "أبشّركم بفرح عظيم: وُلد لكم مخلّص وهو المسيح الربّ". أجل، نحن نفرح بهذا الخلاص الذي أعطي للبشريّة. وجاء اليوبيل مناسبة نتذكّر فيها مشروع الله العظيم في شخص ابنه. يبقى علينا أن ندخل في هذا المشروع الذي هو حاضر "اليوم" وفي كل يوم. هذا المشروع الذي تحدّث عنه بولس في رسالته إلى أفسس، جاء في عبارة رائعة: إن الله يريد أن يجمع في المسيح كل شيء، كل ما في السماوات وما على الأرض. من أجل كل هذا، كان موضوع الأيام البيبليّة هذا النداء إلى فرح الخلاص الذي لن يمتدّ سنة وحسب، بل يقودنا إلى مجيء المسيح الثاني.

الأيام البيبلية الثانية

اليوبيل وفرح الخلاص. انه العنوان الذي أرادته الرابطة الكتابية للأيام البيبلية الثانية. نتكلم عن يوبيل الألفين لتجسّد المخلص، تجسّد استحقّ للإنسانية فرح الخلاص، وكيف يمكن أن يكون لنا فرح دون خلاص. ومن أين لنا الخلاص لولا التجسّد؟
يوبيلنا هو إذًا الرب نفسه، وفرحنا الحقيقي هو تدخّله اللامحدود لخلاصنا.
وهكذا، يقودنا اليوبيل إلى عمق إيماننا، عمق سرّ الخلاص الذي يشكّل سرّ فرحنا لأنه سرّ حياتنا الحقَّة. فبين الخلاص وفرحه تندرج كل حياتنا ويأخذ اليوبيل معناه الحقيقي. ودون مفهوم صحيح لهذا الخلاص يبقى اليوبيل عيد الإعلام والاستهلاك، وينتهي بانتهاء مدَّة العروض التجارية.
فما هو خط الخلاص الصحيح الذي أراده الله لنا منذ البدء؟ وعن أي خلاص نتكلم؟ وما معنى هذا الخلاص؟
ليس صدفة أن نربط الخلاص بتجسّد الرب، وليس صدفة أن يرتبط اليوبيل بعيد الميلاد. فالخلاص ليس فكرة مجردة أو عقيدة لاهوتية، إنه خبرة حياتية أولاً وآخرًا. لقد قضى المسيحيون عشرين قرنًا في التفكير والتعمق بسرّ يسوع المسيح، لكنهم لم يكتفوا يومًا بسرد حياته "في تلك الأيام" دون أن يشهدوا لخبرتهم الشخصية والجماعية مع يسوع المسيح. نحن لا نعرف المسيح إلاّ بالعودة إلى خبرة آنية تتجدد باستمرار، خبرة يسوع الذي "من أجلنا ومن أجل خلاصنا نزل من السماء".
صحيح إن لهذا الخلاص بيسوع المسيح تاريخًا طويلاً من التحضيرات. فخلاصنا ليس إيمانًا نتناقله، إنه تاريخ مسلسل أحداث طبعت تاريخ شعب اسرائيل. إنه تاريخ حقيقي واقعي، قصة حروب وسلام، تهجير واستقرار، جوع وشبع، قصة استعباد وتحرر. إنه تاريخ أحداث رأى فيها الشعب المؤمن يد الله الذي اختاره وقاده عبر الزمن، تاريخ مدهش طبع فيه الله خلاصه من خلال تحرير شعبه، وتجليه له، وعهده معه. مواضيع ثلاثة شهد لها الشعب ورمز إليها من خلال حدث الخروج الذي صار رمزًا لكل الأحداث الخلاصية.

الخلاص تحرير
عاش شعب اسرائيل خبرة الخلاص أولاً كتحرير من العبودية، وكغلبة على الشر وكل قوات الموت التي اختبروها فعليًا، فكان الخلاص هو التحرر من كل ما يقهر إنسانية الإنسان. لقد اختبر اسرائيل أنه مهمّ في عيون خالقه، أنه حرٌ، وأن الهه يحارب في سبيل حريته. ومقابل ذلك، اكتشف أن الهه يريده أن يكون مغايرًا للشعوب الأخرى فيحيا بحسب منطق احترام الحريات "لا تقمع النزيل... فقد كنتم نزلاء في أرض مصر" (خر 23: 9).
أن نحيا الخلاص هو أن نكتشف أننا مهمّون بنظر الرب فنصبح قادرين بدورنا أن نخلص الآخرين.

الخلاص تجلي الله 
انطلاقًا من النقطة الأولى، نفهم أن الخلاص هو أن نتعرف إلى الله الذي يتجلّى لنا. فمن خلال عمله والكلمة التي تشرح هذا العمل يكشف الله عن ذاته: "أنا الرب إلهك الذي أخرجك من مصر" (خر 20: 2). من خلال تدخّلاته، يعرّف عن ذاته، من خلال عمل "أنا إلهك الذي..."، أو من خلال علاقاته بالإنسانية "أنا اله إبراهيم..." (خر3: 6)؛ انه إله اليوم، لأنه إله الأمس والغد، "إله آبائك... أكون معك" (خر 2: 12، 14). ونحن الذين لا نعرف الله من خلال ما يعمل، نبقى عاجزين عن معرفته الحقّة لأن عمله مستمر. إنه إله المستقبل، إله التاريخ.

الخلاص عهد
ومن خلال التحرير، نصل إلى الموضوع الجوهري في خبرة الخلاص. إنه موضوع العهد. فقرار الله بالارتباط بالإنسان هو قلب الوحي، هو أساس التحرّر وثمرته بالوقت عينه. فان كان الله يحرّر اسرائيل لأنه شعبه، فإنه يحرّره أيضًا لكي يكون شعبه: "لا لأنكم أكثر من جميع الشعوب، بل لمحبة الرب لكم ومحافظته على القسم الذي أقسم به لآبائكم، أخرجكم الرب بيد قوية، وفداك من دار العبودية من يد فرعون، ملك مصر. فاعلم أن الرب إلهك هو الله الأمين، يحفظ العهد والرحمة لمحبّيه والعاملين بوصاياه إلى ألف جيل" (تث 7:7-8). وإن كان الاختيار المجاني أساسي أكثر من خبرة الاستعباد "رأيت مذلة شعبي" (خر 3: 7)، بحيث إن إسرائيل كان محبوبًا حتى قبل أن يُستعبد (هو 11: 1)، فالعهد هو الهدف، وجوهر الخلاص هو العلاقة الجديدة التي يبنيها الله: "افتداه ليجعل منه شعبًا له" (2 صم 7: 23).
إن خبرة الخلاص هي خبرة التعرّف إلى إله يبحث عن الإنسان ليجعل منه شخصًا منتصبًا أمامه، شريكًا له في العهد، وقادرًا على الانفتاح على كل عطاءاته.
لكن الدعوة لم تجد عبر العصور من يلبّيها بنجاح، فتكرّر الفشل جيلاً بعد جيل، وبقي التحرّر جزئيًا، والتجلي لم يصل إلى ملئه، والعهد لم يُحترم. فكان أن قرّر الله، وبمبادرة محبة لا محدودة، أن يرسل ابنه ليكون واحدًا منا ويستطيع الإنسان أن يحقق خلاصه بذاته، فيعود بنفسه إلى أبيه ويتم الخلاص. نزل الابن، فأخذ طبع الخاطئ دون أن يأخذ خطيئته، أخذ طبع الابن الضال والخروف الضائع وتمَّم العودة إلى الآب ناقلاً الإنسان من حالة الخاطئ إلى حالة إلهية، أو كما يقول يوحنا: "انتقل من هذا العالم إلى أبيه" (يو 13: 1).
من هذا المنطلق يشكّل التجسّد كمال الخلاص، ليس من أجل إيفاء دين، بل لأن إنسانًا هو ابن الله يستطيع وحده الوصول إلى الآب وتحقيق مشروع الخلاص لأنه "لم يصعد أحد إلى السماء إلا ابن الإنسان الذي نزل من السماء" (يو 3: 13).
واليوم نحن نبحث عن الخلاص دون ملل. لقد عاد لاهوت التحرير إلى بلورة فكرة الكتاب المقدس الأولى التي تؤكّد أن الله يخلص الإنسان بكلّيته وليس نفسه فقط، وان الخلاص يطال حياته الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، لتكون له الحياة وافرة كما أراده الله أن يكون، محرّرًا من كل ما لا ينمي إنسانيّته. نحن نبحث حتى اليوم عن كيفية خروجنا من أرض العبودية، ولكن هل لنبقى في صحراء إنسانية بحتة بعيدة عن الله، أو لندخل الأرض الموعودة بإيماننا بالله المخلص؟
طريق اليوبيل وفرح الخلاص عبر تحرير الإنسان فيّ وفي غيري، هي طريق اللقاء بالله الحيّ، عمانوئيل الباقي معنا مدى الدهور.
الأخت باسمة الخوري
الكتاب المقدَّس واليوبيل الكبير سنة الألفين

الوحي والكتاب
نبدأ فنشكركم على اللقاء والاهتمام بالكتاب المقدَّس والتبحُّر فيه وعيشه. في الواقع، كم نحن بحاجة إلى الإصغاء الورع إلى كلمة الله وإعلانها بثقة. في هذا السبيل نسمع كلام يوحنا الإنجيلي: "... نبشّركم بالحياة الأبدية التي كانت عند الآب فظهرت لنا، والذي رأيناه وسمعناه، به نبشِّركم لتكون لكم أيضًا شركة معنا، وشركتنا إنّما هي مع الآب ومع ابنه يسوع المسيح" (يو 1: 2-3). ونتذكر هدف الوحي: أن يسمع العالم بأسره بالبشرى السارّة فيؤمن، وبإيمانه يرجو، وبرجائه يحبّ (كما يقول القديس أغوسطينوس).
بادئ ذي بدء، نفهم أن الله كشف عن ذاته وأعلن سرّ إرادته (أفسس 1: 9)، وهكذا توصّلت البشرية إلى الآب في الروح القدس بالمسيح الكلمة المتجسِّد. فصرنا شركاء في الطبيعة الإلهية (الطقس الماروني: وحَّدت يا رب لاهوتك). كما نفهم أن سر التجسّد علَّمنا أنّ الله الغير المنظور أفاض محبّته للبشر وكلّمهم كأحّباء، تحدَّث إليهم، ودعاهم إلى شركته وقَبلهم فيها. فسُّر التدبير الإلهي والوحي يقوم بالأعمال والأقوال:
* الأعمال التي حقّقها الله في تاريخ الخلاص تُبرز العقيدة.
* والأقوال تُعلن الأعمال.والحقيقة الخالصة التي يُطلعنا عليها الوحي، سواء عن الله أم عن خلاص الإنسان، تسطع في المسيح الذي هو وسيط الوحي بكامله وملؤه في آن واحد.

الكمال الشخصي للوحي هو المسيح
- إنّ الله بعد أن تكلَّم تكرارًا وبطرق مختلفة، كلَّمنا في هذه الأيام الأخيرة بالابن (عبرانيين 1:1-2).
- الآب يرسل ابنه الكلمة الأزلي ليخبرنا عن خفيات الله (يوحنا 1: 1-18).
- الله يقيم بين البشر: "عمانوئيل". يُخبر عن الآب، يكشف إرادة الآب، يُظهر الآب للعالم: ابيفانيا.
- والمسيح المُرسل إلى الناس، يتكلَّم بكلام الله، يتمِّم العمل الخلاصي الذي رسمه الآب...
- إن رآه أحد (يسوع) رأى الآب (يو 14: 9). 
- إنّه يتمِّم الوحي. كيف؟ بحضوره الذاتي وبظهوره وبأعماله وبأقواله وبآياته ومعجزاته، وبخاصة بموته وقيامته وأخيرًا بإرساله روح الحق. بهذا يتمِّم الوحي ويثبّته. وهَدَف كل هذا: أنّ الله ينشلنا من ظلمات الخطيئة والموت ويدعونا للحياة الأبدية.

الكتاب المقدَّس واليوبيل
- اختبرت الكنيسة في أوّل عهدها وقْع كلمة الله: فالكلمة هي أساس تجديد الكنيسة. والكلمة تُعلَن في الكنيسة- الكرازة. والكلمة تُعلَن في الإفخارستيا. والكلمة هي حضور المسيح الحيّ والقائم وسط الجماعة في مسيرتها إلى الملكوت.

يوبيل الألفين
هو توبة وتجدُّد. وهو ولادة جديدة. وهو دعوة للالتزام الجدّي. وهو عودة إلى الكلمة. وهو التعرُّف على الكتاب المقدّس. وهو صراحة مع الكتاب المقدّس الذي متى قرأناه وفهمناه حوَّل صحراء الإنسان إلى واحة فرح وحياة وتجدُّد.
لا حاجة إلى التوسّع في أهمية الكتاب المقدّس في حياة الكاهن. فالمجمع الفاتيكاني واضح في هذا المجال. ولا في أهمية الكتاب المقدّس في رسالة العلمانيين. قال بطرس الرسول: "كونوا على استعداد للإجابة على كل من يطلب منكم دليلاً على الرجاء الذي فيكم" (1 بط 3: 5) ونحن نفرح حين نرى هذا الرجوع اللافت إلى الكتاب المقدَّس في هذا العصر.
وإذ نحن في زمن الميلاد، نتذكر قول الإنجيل: الكلمة صار جسدًا وحلَّ بيننا. فكلَّ مرة نُعلن البشرى والكرازة الإنجيلية نعيش الميلاد ونتغذّى أكثر فأكثر بالكلمة المتجسِّد الذي أعطانا جسده ودمه وقال لنا اصنعوا هذا لذكري حتى مجيئي. كلّ مرّة نحتفل بالإفخارستيا، يُولد المسيح في قلوبنا وكنائسنا وأديرتنا والعالم. وهكذا تلتقي مائدة الكلمة مع مائدة الإفخارستيا، فتجعلان منا الجماعة الكاملة التي يقيم فيها الربّ.
الكتاب المقدس

إن الكتاب المقدس بعهديه القديم والجديد هو مجموعة من 73 كتابًا. كُتب في زمن امتد إلى 1500 سنة وآخر أسفاره كتبت بعد 100 سنة من ميلاد وموت وقيامة المخلص. ولقد صمد الكتاب المقدس أمام كل تحديات الزمن، منذ ما يقارب الألفي سنة، وهو الكتاب الأكثر انتشارًا والأكثر قراءة في كل أصقاع العالم. هناك عدد كبير ممن اشتركوا في كتابته في أوقات وأمكنة مختلفة وأتوا من طبقات اجتماعية متباينة. منهم من شدَّد على كتابة التاريخ، ومنهم من اختصَّ بكتابة اللاهوت، ومنهم من كتب الشعر، ومنهم من كتب النبوءات، ومنهم من كتب في الفلسفة، وأكثرهم لم يكونوا على اتصال مع بعضهم البعض.
إن المسيحيين يؤمنون بأن الكتاب المقدس هو كلمة الله، لأن المسيح أثناء حياته على الأرض وتعليمه كان دائمًا يشير باستمرار إلى العهد القديم ويستشهد به: "لا تظنوا أني أتيت لأحل الناموس والأنبياء إني لم آت لأحلّ لكن لأتمّم". "الحق أقول لكم: إنه إلى أن تزول السماء والأرض لا تزول آية أو نقطة واحدة من الناموس حتى يتمّ الكل" (مت 5: 17-19).
"ثم أخذ يفسِّر لهما من موسى ومن جميع الأنبياء ما يختصّ به في الأسفار كلّها" (لوقا 24-27). "أنتم تبحثون في الكتب لأنكم تحسبون أن لكم الحياة الأبدية فهي التي تشهد لي" (يو 5: 39).
"وأنك منذ الطفولية تعرف الكتب المقدس القادرة أن تصيرك حكيمًا للخلاص بالإيمان، بالمسيح يسوع. فإن الكتاب قد أوحي به من الله وهو مفيد للتعليم وللحجاج وللتقويم وللتهذيب بالبر" (2 تم 3: 15-17).
إن الكتاب المقدّس هو كتاب إعلان الله عن نفسه. فهو ليس بالضرورة كتاب تاريخ، ولا بالضرورة كتاب علم. وفي نفس الوقت، فهو لا يتناقض مع أية فرضيّات علمية معترف بها. كما هو ليس بالضرورة كتاب فلسفة. فالكتاب لا يقدّم نظريات فلسفية تحقق عن وجود الله، ولكن الله هو الذي يظهر نفسه للإنسان بطريقة شخصية. والكتاب المقدس يتكلم مع كل الناس، مع البسطاء منهم ومع المثقفين والمتفلسفين، كل بحسب لغته. في الكتاب المقدس تظهر محبة الله للإنسان بعملية الفداء لكي يعتق الإنسان من الخطيئة ويعيده إلى الحظيرة الإلهية. وفي العهد الجديد، فالله يعلن عن نفسه بكل وضوح وجدية فيرسل ابنه الوحيد ليتجسَّد ويصبح إنسانًا، فتتحقق به كل النبوءات ويصالح الإنسان مع الله ويعيده إلى ما كان عليه قبل السقوط. فكل من يؤمن به لا يهلك، بل تكون له نعمة الحياة الأبدية، لأنه لهذا أتى وقبل الموت ومن ثم قام من الأموات بذات سلطانه وداس الموت بالموت وفجّر الحياة في كل قبر ومنحنا الحياة الأبدية، ثم صعد إلى السماوات وأرسل الروح القدس على تلاميذه وأرسلهم إلى العالم أجمع ليكرزوا بملكوت الله. "فمن آمن واعتمد يخلص ومن لا يؤمن يدان". وفي الكتاب المقدس قوَّة هائلة ليس فقط للإعلام، ولكن لإصلاح الإنسان وتغيّر مجرى حياته تغيّرًا جذريًا. والكتاب المقدس من مصدر ما فوق الطبيعة أزليّ مستمر ومعصوم، نبع يتدفّق باستمرار، وحيدٌ بمحتوياته.
لقد كتب القديس يوحنا كرونشتادت الكتاب 29: 1-8 ما يلي: أتعرف ما الذي ثبّت أساسَ عودتي إلى الله ومن الذي ندّى قلبي بالحب نحوه وأنا لا زلت بعد في طفولتي!
كان الإنجيل الشريف. كان والدي يملك كتاب العهد الجديد باللغة السلافية وكنت أعشق قراءة هذا الكتاب المدهش خلال أيام عطلتي المدرسية حينما أعود إلى البيت. أسلوبه وبساطته جعلاه في متناول منطقي الطفولي. قراءة الأناجيل فرحتُ بها ووجدتها عزاء لا بديل عنه.
هذا الإنجيل كان بحوزتي في الأكاديمية، وأستطيع القول إنه كان رفيق طفولتي ومعلمي ومرشدي ومعزّي، وإني أعتدته منذ سنين مبكرة.
إذًا الكتاب المقدس هو الشيء الآخر المختلف عن كافة الكتب البشرية. هو الكتاب الذي يقودنا إلى ما بعد الكلام البشري ليدخلنا مباشرة إلى كلام الله، إلى سرّ الله. إن ميزات الكتاب المقدس وصفاته ناتجة عن صفاته الرئيسية هذه.
1- "الكتاب غير سائر كتب الناس": الكتاب المقدس هو كلام الله يعلن لنا سرَّه وأعماله ومقاصده.
2- "الكتاب هو تاريخ البشرية المقدسة يعلن لنا بدءها ومصيرها ونهايتها. إنه تاريخ الخلاص.
3- الكتاب مكان لقاء واتحاد بين الخالق والمخلوق.
وهذا مهم جدًا. مغزاه أن للكتاب معنى داخليًا وأنه بالتالي يتعلَّق بي مباشرة. هو ليس تاريخ البشرية كلّها وحسب، بل هو تاريخ كل نفس شخصيًا منذ ولادتها حتى اتحادها بالله.
عندما نكرم الكتاب لا نكرم الحرف. إن تكريم الحرف نوع من الصنمية. الحرف ضد الروح. الأيقونة مثلاً خشبة والقدّيس إنسان والإنجيل أحرف، ولكنَّنا عندما نكرِّم الأيقونة والقدّيس والإنجيل، لا نكرِّم مادة الأيقونة أو شخص القدّيس أو أحرف الإنجيل، وإنَّما حضرة الله المخفية والمعلنة في آن واحد في كل من الأيقونة والقدّيس والإنجيل. في قراءتنا الكتاب المقدّس نتحوّل إلى قدّيسين وإلى أنبياء وإلى مبشَّرين وإلى معترفين، حتى نستطيع أن نقول مع بولس الرسول: "لست أنا أحيا بل المسيح يحيا فيا".
الكنيسة الأولى تعيش اليوبيل

السنة اليوبيليّة التي تكلّم عنها سفر اللاويين وأوضح تفاصيل الإعلان عنها بالنفخ بالبوق وعدّد الأعمال المطلوبة فيها، صارت في مجمع الناصرة يومًا مفتوحًا دشّنه الربّ يسوع. ومنذ ذلك الافتتاح لا نزال نعيش الكلمة التي قالها السيّد: "اليوم تمّت هذه الكلمات التي تلوتها على مسامعكم". وصار اليوبيل حالةً ونوعيّة نعيش كلَّ شيء من خلالهما. واليوم الذي أُعلِن أنه تحقَّقَ، فتح زمانًا لا ينتهي إلاّ في لقاء الوجه إلى وجه في الملكوت. وأعلن في الوقت نفسه انفتاح المكان الذي تخطّى الناصرة وأورشليم ليبلغ إلى أقاصي الأرض. وطرحَ نوعّيةً في التعاطي خرج من ذهنيّة الشريعة إلى ذهنيّة الملكوت الذي تجلّى في شخص الربّ يسوع وتعليمه.
سفر اللاويين يوضح، في الفصل 25، الأعمال المطلوبة في السنة الخمسين أو السنة اليوبيليّة، يقول: "واحسبوا لكم سبع سنين سبع مرّات، فيكون لكم تسع وأربعون سنة. وفي اليوم العاشر من الشهر السابع، في يوم الكفّارة، تنفخون في البوق في أرضكم كلّها. وتكرّسون لي سنة الخمسين وتنادون بتحرير أهل الأرض كلِّها، فتكون لكم يوبيلاً وترجعوا كلّ واحد منكم إلى ملكه وإلى عشيرته. لا تزرعوا فيها ولا تحصدوا الحصيد النابت من تلقاء ذاته، ولا تقطفوا عنب كرومكم غير المقضوبة. فهي يوبيل، مقدّسة تكون لكم، وفيها تأكلون غلّة الحقول من تلقاء ذاتها" (لاويين 25: 8-13). يضعنا النصّ في جوّ الخلق الجديد الذي يُعطي إمكانيّةَ فرج، على الأقلّ مرّة كلّ سبع سنوات: راحة للأرض وللإنسان وترك الديون والأثقال من أجل بداية جديدة.
أمّا سفر النبّي أشعيا الذي قرأ الربّ منه في مجمع الناصرة فهو يعطي برنامج هذا الآتي فرجًا وخلاصًا يُعلن أنّ الزمان قد تمّ: "روح الربّ عليَّ لأنه مسحني لأبشّر المساكين، أرسلني لأنادي للأسرى بالحريّة، وللعميان بعودة البصر إليهم، لأحرِّر المظلومين وأُعلن الوقت الذي فيه يَقبلُ الربُّ شعبَه". وأغلق يسوع الكتاب وأعاده إلى خادم المجمع وجلس. وكانت عيون الحاضرين كلِّهم شاخصةً إليه. فأخذ يقول لهم: "أليوم تمّت هذه الكلمات التي تلوتُها على مسامعكم" (لوقا 4: 16-21). أغلق يسوع الكتاب لأنّ عيون الحاضرين كلِّهم سترى أنه الكلمة المتجسّد الذي سيحقّق كلَّ ما تنبّأ عنه الأنبياء. وفتح صفحة جديدة لعهد جديد. مع الربّ يسوع بدأ زمانٌ جديد بدايتُه اللقاء به وشرعتُه في التقديس هي شخصه وتعليمُه، وطالما أنه ترك نفسَه وراء وجه كلّ إنسان فمسيرة التقديس لن تنتهي إلاّ بانتهاء كلّ الناس وفي كلّ الأمكنة. هذه هي النوعيّة الجديدة التي تعلّمتها الكنيسة في تلمذتها للمعلّم وجسّدتها في المكان والزمان شهادة محبة ورحمة. وفَهِمت أنّ الربّ يطرح منطقًا جديدًا ورؤية جديدة لمفهوم التقديس والزمن المقدّس، وصارت تقرأ الكتاب والأحداث على ضوء وجه السيّد وتعليمه، وعاشت في يوبيلٍ دائم يؤوّنُ أعمال الرحمة والغفران لا في سنة مقدّسة وحسب بل كلّ يومٍ من أيام السنة.
نقاربُ سفرَ الأعمال لنقرأ من خلاله: كيف جسّدت الكنيسة بُعدَ التقديس من خلال تجربتها وبالتالي شرعة اليوبيل المسيحيّ.

مقدمة- شخصيّة الكنيسة ونوعيّة فعلها
وجه الكنيسة الذي يفتتح به القديس لوقا كتاب أعمال الرسل هو بمثابة النَغَم الذي نُعطيه أساسًا للّحن كلّه؛ فيه شخصيّة الكنيسة ونوعيّة فعلها.
شخصيّتها يوضحها من خلال كلامه عن المجتمعين الذين يؤلّفون النواة الأولى للكنيسة، وهم اختصار لوجهها. فيها الإثنا عشر وفيها أمّ يسوع وبعض النسوة وإخوة يسوع (أع 1: 13-14). وجهها يحوي إذًا كلَّ الوجوه: الرسول والأم والمُساعد والأخ. وطالما أنّ من يعمل بكلام السيّد هو أمّه وأخته وأخوه، فكلّ ذوي الإرادة الصالحة هم جوهريًا أبناؤها وجزء من وجهها. "وكان جماعة المؤمنين قلبًا واحدًا وروحًا واحدة، لا يدّعي أحد منهم ملكَ ما يخصّه بل كانوا يتشاركون في كلّ شيء لهم" (أع 4: 32).
أما نوعيّة فعلها فهي أولاً كنيسة الصلاة والانتظار.
صلاتها هي بقلب واحد وصلاة قلب دائمة: "وكانوا يواظبون كلُّهم على الصلاة بقلب واحد، مع بعض النساء ومريم أم يسوع وإخوته" (أع 1: 14). "وكانوا يلتقون كلّ يوم في الهيكل بقلب واحد، ويكسرون الخبز في البيوت، ويتناولون الطعام بفرح وبساطة قلب، ويسبّحون الله، وينالون رضى الناس كلّهم" (أع 2: 46-47). القلب الواحد هو القضيّة الواحدة والهدف الواحد لأن العريس واحد. والصلاة الدائمة هي اتجاهٌ للقلب يجعله يرى الأشياء كلّها والناس كلَّهم والأعمال كلَّها على أنها تعبيرٌ طبيعيّ، تلقائيّ ودائم كالتنفّس، يلازم الفكر والقلب والحركة. وهي في تعبير جديد يتخطّى كونها خرجت من المجمع وصارت في كل بيت من بيوت المؤمنين، ليصير على صورة الخمر الجديدة التي تحتاج إلى أوعية جديدة كما علّم المعلّم (مر 2: 22). هذا التعبير الجديد يقول: الكلّ فيها معنيّون والكلّ يتنبّأون، كما أنبأ يوئيل (أع 2: 17؛ يوء 3: 1-5)، ويسكنها فرح عميق واتّصال مع الجميع وفهمٌ من الجميع. وإذ هي تنطلق من الكتاب لأنه شخص الله بالذات، فهي تقرأه بعين اختبارها لشخص الربّ يسوع المسيح وتؤوِّنه على نور قيامته. هي تصلّي الكتاب، وهذه النوعيّة من الصلاة تشرّع القلوب لدخول الروح وفعله وتتفطّر قلوب السامعين بالتوبة ويسألون بطرس: "ماذا يجب علينا أن نفعل؟" (أع 2: 37). هذه الصلاة النقيّة هي فعل حضور كامل وغير مشروط لحضور الربّ الدائم والفاعل فيها ومن خلالها. وهي تُخصب كلامها وبشارتها وتلد للربّ المؤمنين.
هي كنيسة الانتظار تعيش الخلاص الذي تحقّق وفي الوقت نفسه هي تنتظر تحقيقه، على ما يقول بطرس الرسول: "ننتظر ونستعجل" (2 بط 3: 12). تنتظر حلول الروح لتتذكّر ما علّمها معلّمها وتفهمه. تنتظر مبادرة الاستنارة والشجاعة والفهم تأتيها من علُ لتبدأ بكتابة صفحة جديدة في كتاب العهد الجديد، وتستعجل تحقيق رغبة المعلّم. وستفهم يومًا بعد يوم أن مسيرة الاستنارة والفهم هي عمليّة يوميّة ومؤلمة وطويلة. وأنّ تجسيد كلام السيّد في حياة كل يوم هو اليوبيل الدائم الذي يدعوها إلى عيشه.
وكلامه ومَثَله هما القدوة التي تركها لها في مسيرة تحقيق الملكوت، وبتعبير آخر في استجلاء ملامح اليوبيل المسيحيّ الذي افتتحه ودرّبها على استيعابه وتحقيقه. 

1- شرعة اليوبيل المسيحيّ
أ- الرحمة
الرحمة التي تشير إليها نبوءة أشعيا والتي ارتضى الربّ يسوع أن يفتتح بها تمام الأزمنة، وليس بكلام الشريعة الوارد في سفر اللاويين. الرحمة المطلوبة منها هي أن تُبشّر المساكين وتشفي منكسري القلوب وتنادي للأسرى بالحريّة وللعميان بعودة البصر إليهم وتُحرّر المظلومين (لو 4: 18). هذه الرحمة هي الموقف المبدئيّ والأساسيّ في مسيرة عيشها للزمن والأحداث من خلال رؤية معلّمها الذي رحمها وبشّرها وشفاها وحرّرها. هذا الموقف هو بمثابة مفتاح النعمة التي أفاضها عليها ربّها ولها أعطى أن تفتح باب الملكوت. وبدأت، على مثاله، تمشي وتشفي (أع 3: 1-10؛ 5: 12-16) وتقيم من الموت (أع 9: 40) وتعلن أنّ انتظار كلّ الأزمنة قد تمّ. وفهمت أنّ منطق الرحمة سيكلّفها اضطهادًا وأنّ فكّ قيود الآخرين سيضع القيود في يديها ويرسلها إلى السجن والموت (أع 5: 17-18). الروح الذي ذكّرها بكلام السيّد وجعلها تفهم، أعطاها القدرة على الاحتمال والنَفَس الطويل. فهمت أنّ الاضطهاد هو الجواب الطبيعيّ لمقاومة العالم للبشارة، وقبلته عربون تشبّهها بالمعلّم وإخصابًا للكلمة التي تبشّر بها (كنيسة أورشليم تعاني اضطهادًا شديدًا، أع 8: 1) واختبرت أنّ الاضطهاد يزيدها نعمة ونموًّا وقداسة (التبشير في السامرة نتيجة الاضطهاد، أع 8: 4؛ انتقلوا إلى فينيقية وقبرص وانطاكية، أع 11: 19).
ب – الخدمة
هذا الوجه يطبع بطابعه الكلام عن الكنيسة في سفر الأعمال. فهي أولاً خادمة الكلمة وثانيًا خادمة اللقمة وثالثًا خادمة النعمة. ولها في كلّ مجالات خدمتها طريقة جديدة في التعبير والتدبير.
أولاً: خدمة الكلمة 
انطلاقًا من طلب الربّ إليها أن تذهب إلى العالم وتعلّم وتُتلمذ، وانطلاقًا من بديهيّة الحاجة إلى إعلان فرح الخلاص الذي اختبرته معنىً عميقًا لحياتها، كان أوّل فعلٍ قامت به الكنيسة، أن تُعلنَ البشارة وتعطيها الأولويّة. ولنا في سفر الأعمال أمثلة عديدة على طريقة الكرازة التي اتّبعتها الكنيسة. وتتوضّح أصول هذه الكرازة الجديدة من خلال دراسة النصوص.
خدمة الكلمة تنطلق من الواقع، من الخبرة والمعاناة والسؤال. نذكر طبعًا خطبة بطرس الأولى التي جاءت جوابًا على تساؤل بعض الحاضرين: ما هذا؟ وقول البعض الآخر: أسكرتهم الخمرة! (أع 2: 12-13)، وفيلبّس يلاقي الحبشيّ الذي يتساءل عن المقصود في سفر أشعيا (أع 8: 26-40)، واسطفانوس يجيب أعضاء المجلس (أ 7: 2-53)، وبولس في أثينا بعد أن رأى المدينة مليئة بالأصنام (أع 17: 16-31).
وتقرأ الكتاب من خلال وجه معلّمها لتفهم سرّه وتؤوّنه مرّتين، مرّة لتجد الرباط الخفيّ بين الكتاب وبين يسوع، ومرّة لتجعل اللقاء ممكنًا بين يسوع والإنسان. وجديدها أنّها تضع كلّ اللغات في خدمة كرازتها، ولا تكتفي بالكلمة بل تستعمل لغة التعبير كلّه (لغة الجسد، ولغة القلب، ولغة الفكر) لأنها تتوجّه إلى كلّ الإنسان لا إلى جزء منه فقط. وتنتهي دائمًا بدعوة واضحة ومشوّقة إلى الإيمان والالتزام. إنها أمّ ومعلّمه، تصنع الحَدَث ولا تتكلّم عنه فقط.
خدمتها للكلمة هي وجهها النبويّ الجريء الذي يفعل في العالم ويزرع فيه بذار الملكوت الجديد. وطلَبُ سيّدها أن تكرز به إلى أن يعود، يجعل من كرازتها مطلبًا أساسيًّا ودائمًا تعيشه برهان حبٍّ وأمانة على الوديعة هنا، وفرحًا أنّها شاركت في الخلاص يوم تلتقيه وجهًا إلى وجه.
ثانيًا: خدمة اللقمة
حزرت الكنيسة الرباط الجوهريّ بين الكلمة واللقمة وأنّ اللقمة هي تجسيد للكلمة في تفاصيل الحياة، واستنبطت طرقًا جديدة لتلبي هذه الخدمة. وكان استفانوس أحد السبعة الذين اختارتهم الجماعة (أع 6: 3-5)، وكان الاهتمام بالفقراء طلب الرسل الوحيد إلى بولس وبرنابا (غلا 2: 10)، وكان أن أرسل التلاميذ معوناتهم إلى شيوخ الكنيسة مع برنابا وشاول (أع 11: 29-30).
ثالثًا: خدمة النعمة 
قد تكون خدمة النعمة أعمق خدمات الكنيسة لأنها مسؤوليّة القداسة فيها، وهي أيضًا أبعدها عن التحديد الملموس والمرئيّ، وبسبب ذلك هي من أصعب الخدمات. هذه الخدمة هي في جوهر الجوّ اليوبيليّ الجديد الذي افتتحه الربّ. إنّ مسؤولية نموّ النعمة والقداسة لكلّ أخ من إخوة يسوع الصغار هي ماء الريّ الذي تحتاجه الكرمة التي غرستها يمين الربّ. والكنيسة، حافظة الأمانة، مطلوبٌ منها أن تتعهّد النعمة وترويها وتفلح أرضها وتقوّم اعوجاجها وتشجّعها وتُقضّب ما يبس لتزيدَ العافية وتَكثُر الثمار.
لنا في بداية سفر الأعمال موقف مهيب بين بطرس وحنانيّا وسفيرة اللذَين سَخرا من الروح وكذبا عليه واحتفظا بنصف ثمن الحقل (أع 5: 1-11)، ولنا موقف آخر مع سمعان الساحر الذي يريد أن يشتري الروح القدس (أع 8: 9-24) ومواقف أخرى (الساحر اليهوديّ بريشوع أع 13: 6-12؛ في فيلبي الجارية التي بها روحٌ عرّاف أع 16:16-18)، كلّها تقول باختصار وحزم ما قاله سفر التثنية (تث 29: 17) وكرّرته الرسالة إلى العبرانيّين: "لا ينبت فيكم عرق مرارةٍ يسبّب انزعاجًا ويفسد الكثير من الناس" (عب 12: 15).
وإلى جانب هذا الموقف من التقويم الحازم تفيض في السفر مواقف أخرى كثيرة هي في خدمة النعمة والقداسة. فهي تشجّع المؤمنين من خلال رسالة ترسلها جماعة الرسل: "فانصرفوا ونزلوا إلى أنطاكية، فدعوا جماعة المؤمنين وسلّموا إليهم الرسالة. فلما قرأوها فرحوا فرحًا كثيرًا بما جاء فيها من تشجيع" (أع 15: 31-32). أو من خلال تفقّد شخصيّ ومشاركة في العيش: "فاجتاز (بولس) سورية وكيليكية يقوّي إيمان الكنائس" (أع 15: 41). "ولمّا سكن الهياج في أفسس دعا بولس التلاميذ، فودّعهم بكلمة تشجيع وسافر إلى مكدونية، وسار في تلك الأنحاء يشجّع بكلامه الكثير جماعة المؤمنين" (أع 20 :1-2). وهي تسهر على الثبات في الإيمان رغم كلّ الضيقات والإضطهاد وتساهم في التدبير: "وبشّر بولس وبرنابا في دربة وكسبا كثيرًا من التلاميذ. ثمّ رجعا إلى لسترة، ومنها إلى أيقونية وأنطاكية، يشدّدان عزائم التلاميذ ويشجّعانهم على الثبات في إيمانهم، ويقولان لهم: "لا بدّ من أن نجتاز كثيرًا من المصاعب لندخل ملكوت الله". وكانا يعيّنان لهم قسوسًا في كلّ كنيسة، ثمّ يصليان ويصومان ويستودعانهم الربّ الذي آمنوا به" (14 :21-22). "وخرج (بولس) وسار في غلاطية وفريجية يقوّي عزائم التلاميذ" (أع 18: 23). وتعيش مع كلّ الإخوة شركة عميقة تجعل الكلّ معنيًا بالكلّ وبكلّ القضيّة: "وكانوا يُبلغون المؤمنين عند مرورهم في المدن أوامر الرسل والشيوخ في أورشليم، ويوصونهم بأن يعملوا بها. وكانت الكنائس تتقوّى في الإيمان ويزداد عددها يوما بعد يوم" (أع 16: 4-5).
وأصلُ كلّ هذه المواقف هو إصغاء الكنيسة الكامل والدائم لما يقوله لها الروح. إصغاؤها للروح علّمها أن تُصغي إلى الأحداث فتراها بعينه وتميِّز رغبته من خلالها، وتصغي إلى كلّ إنسان لأن الروح يحلّ على الجميع ويتكلّم من خلال الجميع.
يوم اعتقدت أنّ مهمتها تنحصر بالشعب اليهوديّ ذكّرها الروح من خلال لقاء بطرس وكورنيليوس أنّ الأمم هم جزء من وجهها وبشارتها (أع 10). ويوم اعتقدت أنّ الختان طريق ضروريّ لإعلان الإيمان بالربّ يسوع، فاجأها الروح بحلوله على غير المختونين في عنصرة جديدة (أع 10: 44-48) كمثل التي اختبرتها يوم الخمسين (أع 2: 1-13). ويوم سمعت تذمّر اليهود اليونانيّين الزاعمين أنّ أراملهم لا يأخذن نصيبهنّ من المعيشة اليوميّة، دعت جماعة التلاميذ ليختاروا سبعة تكلّفهم بهذا العمل (أع 6: 1-6). وبولس فهم من رؤيا الرجل المكدونيّ أنّ الروح يدعوه إلى الذهاب إلى مكدونية (أع 16: 9). وفهم مرة أخرى، برفقة برنابا، أنّ الروح يمنعهما من التبشير في آسية الآن والذهاب إلى بيثينية (أع 16 :6-7).
ج- أولويّة الشهادة
والشهادة تعني أنّها موحّدة القلب والقضيّة ولا تقوى على السكوت عمّا فعله الله لها (بطرس ويوحنا). فتأتي شهادتها من فيض اختبارها، واختبارها شهادة اقناع يجعل الآخر يتمنّى أن يصير مثلها من أحبّاء السيّد (نذكر مدافعة بولس عن نفسه أمام الملك أغريبا، أع 26: 29).
والشهادة المطلوبة منها تبدأ بالاعتراف أن يسوع هو المسيح، وتمرّ بامتحان الاضطهاد لتصل إلى الاستشهاد.
ولنا في السفر أمثلة عديدة عن مسيرتها هذه. الكهنة ورئيس حرس الهيكل والصدّوقيّون يضطهدون بطرس ويوحنا، أع 4: 1-3؛ ورئيس الكهنة والصدّوقيّون يضطهدون الرسل، أع 5: 17؛ وشاول يضطهد الكنيسة، أع 8: 1-3؛ وهيرودس يضطهد بعض رجال الكنيسة ويقتل يعقوب، أع 12: 1-5؛ والمجلس يرجم إسطفانوس، أع 7: 54-60؛ وبولس وسيلا يتعرّضان للسجن والجلد في فيلبي، أع 16: 19-24)؛ واليهود يهجمون على بولس في الهيكل ويحاولون قتله، أع 22: 30-31.
والعالم يرى ويفهم، ولو ادّعى عكس ذلك أحيانًا، ويدعو الأشياء باسمها. "وفي انطاكية تسمّى التلاميذ أول مرّة بالمسيحيّين" (أع 11: 26)، ويدهش لشهادة المحبة: "أنظروا كم يحبّون بعضهم بعضًا". ولكنه يفضّل مجد الناس على مجد الله (يو 12: 43)، ومنطق السهولة على منطق القداسة، ومُلكيّة السلطة على تجرّد التطويبات الذي يصل إلى الصليب ويعارض ويشتم (ولكنهم كانوا يعارضون بولس ويشتمون، أع 18: 6) أو يؤجّل السماع، (سنسمع كلامك في هذا الشأن مرّة أخرى، أع 17: 32).
شهادتها تقول إنّ الكلّ فيها معنيٌّ والكلّ فيها مسؤول لأنه عضوٌ جسمها. 
ولنا في سفر الأعمال كثير من الوجوه المشرقة التي فتحت بيتها للجماعة (مريم أم يوحنا الملقّب بمرقس أع 12:12، ليدية بائعة الأرجوان أع 16: 14-15 و40)، أو ساعدت بأموالها أو كرّست نفسها لخدمة الإخوة القدّيسين (عائلة استفاناس 1 كور 16: 15) أو تعبت في خدمة الربّ (تريفينة وتريفوسة وبرسيس وأم روفس، روم 16: 12، وأبفراس، كو 4: 12-13) أو استقبلت الرسل (برسكلة وأكيلا اللذين أقام بولس يعمل عندهما لأنه كان من أهل صناعتهما. صناعة الخيام، أع 18 :3) أو ساندت وكمّلت الناقص في عمل البشارة (برسكلة وأكيلا مع أبلّوس، أع 18: 25-26).
د- انفتاح في النوعيّة: العلاقات والمكان والزمان 
أولاً: الشموليّة
ذكّرها الروح أنها مجال مفتوح وإمكانيّة حبّ محرَّرة ومحرِّرة: الجميع فيها وبنفس القيمة لأنّ الذي مات، مات لأجل الجميع. لا فئويّة فيها ولا مراتب. لا فرق بين وثنّي ويهوديّ، ولا بين رجل وامرأة، ولا بين عبد وحرّ. فالجميع صاروا أبناء بفضل الابن الحبيب الذي فكّ أسر الجميع وغفر للجميع.
هذه الشموليّة التي دعاها إليها معلّمها هي قيمة أساسيّة في شرعة اليوبيل المسيحيّ. وإذا كان فكّ القيود وإعتاق المظلومين وترك الديون مطلب سفر اللاويين لسنة واحدة يوبيليّة فهو مطلب العمر كلّه مع منطق العهد الجديد. وبدل أن تُريح الأرض وتعتق الإنسان فقد طُلب منها أن تتعب هي وأن تقبل الأسر والموت لأجل إحلال الزمن المقدّس. وعت الكنيسة أنها شعب مفتوح لا يحدّه لا انتماء ولا مكان ولا زمان ولا اختبار، وحملت في قلبها اختبارات عديدة وبقيت واحدة لأنها جسد الربّ ولأن قضيّتها واحدة (جماعة بطرس ويعقوب أع 15، بولس وأبلّوس، 1 كور 3: 5-6).
عاشت المكان والزمان في رؤية منبثقة من الجديد الذي تعلّمته من سيّدها. هو قال لها أن تنطلق من أورشليم إلى السامرة وإلى أقاصي الأرض، وأن تتلمذ كلّ الأمم وتعلّمهم أن يعملوا بكلّ ما أوصاها به. وهو وعدَها أن يكون معها طوال الأيام، إلى انقضاء الدهر (متى 28: 19-20).
تكشف لنا دراسة المكان والزمان في سفر الأعمال المحاور التالية:
ثانيًا: دراسة الزمان
يطرح الرسل، في بداية سفر الأعمال، سؤالاً على الربّ يسوع يقول: "أفي هذا الزمن تُعيد المُلك إلى إسرائيل؟" ويجيب الربّ "ما لكم أن تعرفوا الأوقات والأزمنة التي حدّدها الآب بسلطانه. ولكنَّ الروح القدس يحلّ عليكم ويهبكم القوّة، وتكونون لي شهودًا في أورشليم واليهوديّة كلّها والسامرة، حتى أقاصي الأرض" (أع 1: 6-8). جواب الربّ للرسل غيّر مفهومَين مهمَّين، مفهوم المُلك الذي صار شهادة؛ ومفهوم الزمن الذي صار مجالاً مفتوحًا ولا محدودًا، وارتبط جوهريًّا بمكان (هو أيضًا مفتوح) يصل إلى أقاصي الأرض. وسيوسّع القديس لوقا جواب الربّ هذا في كلّ سفر الأعمال.
وتُظهر الدراسة أنّ الزمان صار كلّ يوم، كلّ الأوقات،...: خرج الرسل من المجلس وكانوا يعلّمون في الهيكل والبيوت كلّ يوم، أع 5: 41-42؛ بولس يناقش اليهود ومَن يصادفهم في ساحة المدينة كلّ يوم، أع 17:17؛ تركهم بولس وانفرد بالتلاميذ يحادثهم كلّ يوم، أع 19: 9؛ أطال بولس الكلام حتى منتصف الليل... وعاد فحدّثهم طويلاً حتى الفجر، أع 20: 7-11؛ أخذ بولس يحدثهم من الصباح إلى المساء، أع 28: 23.
لم يعد هناك زمنٌ معّين ولا سنة معيّنة ولا يوم معّين، بل نوعيّة جديدة تملأ كلّ الأزمنة التي صارت كلّها "اليوم". وصارت نقطة الوصول هي مجيئه الثاني تتوق إليه الكنيسة، عبر كلّ الأزمنة.
ثالثًا: دراسة المكان
أما دراسة المكان فتُظهر حركتَين أساسيّتين: الحركة التوسّعيّة والحركة النوعيّة.
الحركة التوسّعيّة التي تنطلق من أورشليم ومن غرفة في أعلى البيت، إلى الهيكل، إلى رواق سليمان، إلى كلّ البيوت، إلى ضفّة النهر، إلى الشوارع، إلى السجن، إلى البحر، إلى قصر الملك، إلى روما. وتنتهي في بيت استأجره بولس يبشّر بملكوت الله بجرأة. هذه الحركة التوسّعيّة تنطلق من أورشليم لتصل إلى روما، ولئلاّ نعتقد أنّ التوسّع غيّر في القناعات وصار في السلطة أو في الكميّة، تنتهي الحركة في بيت كما بدأت في بيت.
والحركة الثانية هي الحركة النوعيّة من الهيكل إلى البيوت، ومن بيوت اليهود إلى بيوت الوثنيّين، ومن بيوت الرجال إلى بيوت النساء، ومن البيوت إلى السجون والشوارع والساحات، ومن البيوت إلى المهنة.
ويُنهي القديس لوقا كلامه عن الهيكل بهذا الكلام: "فهاجت المدينة كلُّها، وتجمّع الناس على بولس فأمسكوه وجرّوه إلى خارج الهيكل، وأغلقوا الأبواب في الحال" (أع 21: 30). حركة المكان التي خرجت من الهيكل لن تعود إليه، لأنّ أبوابه اُوصدت، والكلمة ستتابع سيرها، من خلال بولس، لتصل إلى روما. وصار المكان كلّ الأمكنة وكلّ أنواع الأمكنة، وصارت كلّ الأمكنة مكانًا للتجسّد. هذه النوعيّة في الرؤية تعطي القيمة للحبّ الذي يتجسّد في الزمان والمكان، لا العكس. ويصير أصغر مكان فعل حبّ في أصغر من العالم نورًا لكلّ الكنيسة ونَفَسًا جديدًا يُعطى من الروح.

2- بعض الإستنتاجات
هذا الوجه الذي نقرأه في كتاب الأعمال يعود بنا إلى صفاء البدايات وجرأتها. ونفرح وندهش لجمال وجه الكنيسة ونفتخر أنّنا أبناؤها. نفرح لأنها حقّقت وتحقّق ما بدأه الربّ يسوع، وتحاول أن تكون كما يريدها. ونقرأ أيضًا المرتجى المطلوب منّا اليوم، نحن امتداد الرسل والتلاميذ القديسين.
وأمام هذا المرتجى نحن نعيش اختبارين وكلاهما يكمّل الآخر، الأول أن تخلق فينا قراءة وجه الكنيسة الأولى انشدادًا صوب الأكمل والأعمق في جرأة التشبّه بالمعلّم على مثالها، والثاني قراءة عميقة لاختبارنا الكنسيّ اليوم لإعادة تقيميه وتقويمه على شرعة اليوبيل التي أعطاها السيّد. ولنا في توازن هذين الاختبارين ولادات جديدة لم نكن لنحلم بها تمامًا كما نرى صورة ثالثة جديدة من خلال انعكاس صورتين على شاشة واحدة.
ونحن معرّضون كذلك لتجربة، نقع فيها يومّيًا بسبب الألم والضعف والرؤية غير المستنيرة، وهي أننا إمّا أن نرى فقط صورتها الكاملة وإمّا أن نرى فقط صورة واقعنا الناقصة وفي كلا الحالين نحن نصل إلى قطع الرجاء إمّا من مثاليّة لا تُعاش أو من نقص لا علاج له. بينما أساس إيماننا هو في القدرة الآتية من الربّ وليس من قدرتنا. فالربّ قادر من خلالنا وينتظر كلّ لحظة ليُنعم علينا بفرح الخلاص الذي ينفي الخوف والقلق وقطع الرجاء ويُعطينا أن نبتكر تعابير جديدة في تجسيدٍ يوميّ لكلامه.
منذ أن افتتح الربّ تمام الأزمنة في مجمع الناصرة وأبواب النعمة مفتوحة في كلّ لحظة وكلّ مكان ولكلّ إنسان ولكلّ الإنسان.
من السبت إلى السنة السبتيّة واليوبيل

حين نسمع في ميلاد يسوع كلام الملائكة للرعاة، إني أبشّركم بفرح عظيم، وُلد لكم مخلّص وهو المسيح الرب، نفهم معنى اليوبيل الذي هو كل خمسين سنة، وتعيشه الكنيسة منذ سنة 1300، وهي تحتفل به بشكل خاص في سنة الألفين. هو عيد يدعونا الله إليه. وهو نداء لكي نتذكّر المسيرة التي عاشتها الكنيسة منذ ألفي سنة، ودعوة لكي نواصل هذه المسيرة حتى مجيء المسيح الثاني.
وكلامنا يتوقّف عند العهد القديم فنكتشف ثلاث محطات في معنى اليوبيل الأساسيّ: هو يوم راحة بعد التعب والقلق. هو يوم تحرير للأرض والانسان. هو يوم نعفو فيه بعضنا عن بعض، فننسى ديوننا تجاه اخوتنا وننتظر غفرانًا عامًا من الله من أجل مسيرة جديدة لا تتوقّف إلا في يوم راحة الربّ.
كلامنا يسير في ثلاث محطات: يوم السبت، السنة السبتيّة، السنة اليوبيليّة.

1- يوم السبت
عندما نقرأ أسفار موسى الخمسة، نستطيع أن نكتشف التشريع الكهنوتي الذي يبدأ في سفر الخروج (24: 15) وينتهي في سفر اللاويين (ف 27). تبدو هذه المجموعة الواسعة بشكل خطبة يوجّهها الله إلى موسى في بريّة سيناء. ولكنها في الواقع قد دوِّنت بيد الكهنة خلال المنفى (587- 538) إلى بابل وبعده، أي في القرن السادس ق م.
نميّز في هذه المجموعة قسمًا يتفرّع منها، وهو ما سُمِّي شرعة القداسة (لا 17- 26)، لأن هناك خطًا يقود مسيرته ونحن نقرأه في لا 19:2: "كونوا قدّيسين لأني أنا قدوس". ويتوقّف الكاتب بشكل خاص عند اليوم السابع والسبت.
ونبدأ بأهم العناصر في هذا الكلندار (الروزنامة) المؤسَّس على الرقم سبعة:
- اليوم السابع هو يوم السبت.
نقرأ في لا 23:3: "في ستّة أيام تعمل عملاً، واليوم السابع هو سبت، يوم راحة مع اجتماع مقدّس، يوم لا تعملون فيه عملاً: فهو سبت للربّ في جميع دياركم".
- وهناك أعياد تمتدّ سبعة أيام. عيد الفطير في الربيع (لا 23: 6-8) الذي سيرتبط بعيد الفصح، وعيد المظال في الخريف (لا 23: 33-36). "وفي اليوم السابع يكون اجتماع مقدّس. لا تعملون فيه عملاً شاقًا" (آ 6؛ رج آ 36).
- عيد البواكير (لا 23: 15-21) يُعيَّد خمسين يومًا بعد تقديم الحزمة الاولى، أي بعد سبعة أسابيع ويوم واحد، بعد سبع سبعات.
- والسنة السبتيّة (لا 25: 2-7) تختتم دورة من سبع سنين.
- والسنة اليوبيليّة تختتم دورة من سبع سنوات سبتيّة (لا 25: 8، 10، 11).
هذا الايقاع السباعيّ للزمن، قد صاغه التيّار الكهنوتي في زمن المنفى فبدا مهمًا جدًا. إنه يعكس نظامًا دينيًا متماسكًا يتوخّى مساعدة الشعب لكي يعيش وضعه في المنفى والتهجير والتشتّت، لكي يحافظ على هويّته الدينيّة وعلى تماسكه تجاه القوى السياسيّة والجاذبيّة الدينيّة للعالم الوثنيّ. في هذا الإطار الجديد، اتخذ نظام السبت الذي عرفه الشعب قبل المنفى، في عالم القرية والحيّ في المدينة، مدلولاً جديدًا. فاستعاد الكهنة قراءة تاريخ الشعب قراءة لاهوتيّة.
"أذكر يوم السبت وقدّسه لي. في ستّة أيام تعمل وتُنجز جميع أعمالك. واليوم السابع سبت للرب إلهك. لا تقُم فيه بعمل ما، أنت وابنك وابنتك وعبدك وجاريتك وبهيمتك ونزيلك الذي في داخل أبوابك. فالرب في ستّة أيام خلق السماوات والأرض والبحر وجميع ما فيها، وفي اليوم السابع استراح. ولذلك بارك الرب يوم السبت وقدّسه له" (خر 20: 8-11).
يسبت الانسان، أي يرتاح، لأن الله فعل ذلك حين خلق السماء والأرض. أما النصّ التالي، فيتخذ لهجة التهديد.
"تحافظون على سبوتي (أي أيام السبت) لأنها علامة بيني وبينكم من جيل إلى جيل، لتعلموا أني أنا الربّ الذي قدّسكم. تحافظون على (تحفظون) السبت لأنه مقدّس لكم. ومن دنّسه يُقتل قتلاً. وكل من يعمل فيه عملاً يُقطع من أهل قرابته. في ستّة أيام تعمل، واليوم السابع مقدّس (= مكرّس، مخصَّص) للرب. كل من عمل عملاً في يوم السبت يُقتل قتلاً. فعلى بني اسرائيل أن يحفظوا (يحافظ على) السبت، ليجعلوا من السبت عهدًا مؤبّدًا من جيل إلى جيل. وهو بيني وبين بني اسرائيل علامة إلى الأبد. هو علامة بأن الرب في ستّة أيام صنع السماوات والأرض، وفي اليوم السابع استراح وتنفّس الصداء" (خر 31: 12-17).
نحن هنا أمام عهد بين الله وشعبه. والسبت هو علامة عن الحفاظ على هذا العهد. فكيف يتجاسر الشعب ويزيل هذه العلامة، وكأن عهده مع الرب لا قيمة له (رج خر 35: 2-3؛ لا 23: 3)؟
ماذا نجد في هذه النصوص الكهنوتيّة حول السبت؟
إن نشاط الله الخالق هو النموذج الأساسيّ: ستة أيام من العمل ويوم للراحة. ويوم الراحة هذا يضع حدًا لهذا الاندفاع من أجل الانتاج والانتاج في عالم البشر. كما أنه يشكّل وسيلة تحرّر للأفراد. فالعمل ليس علة وجود الانسان الوحيدة.
ويوم الراحة هذا يوم مقدّس، يوم مكرّس. لم يعد مُلك الانسان، بل ملك الله. خرج من الاطار الحصريّ للعمل وارتبط بقداسة الله. وممارسة السبت هي علامة مميَّزة. هي صورة تميّز الشعب العبراني عن سائر الشعوب، كما تميّز المؤمنين عن اللامؤمنين. صار السبت شبيهًا بالختان: إحدى علامات العهد بين الله وشعبه.
وتنتهي هذه المجموعة الكبيرة من النصوص التشريعيّة الكهنوتيّة مع لا 26 الذي يتضمّن كلامًا يحضُّ فيه "الواعظ" المؤمنين على المحافظة على السبوت وإكرام المعبد (آ 2). وسلسلة من البركات ترافق من يعمل بوصايا الربّ (آ 3، 13)، وسلسلة من الويلات للذين لا يراعون هذه الفرائض (آ 14- 39) مع عقاب مسبَّع، لأن الشعب رفض تحريضات الربّ (آ 18، 21، 24). ويبقى النصّ مفتوحًا على إمكانيّة التوبة (آ 40- 45).
نلاحظ أن عدم المحافظة على السبوت هو أحد الأسباب الأساسيّة لتشتّت الشعب خارج أرضه. وهذا المنفى يعطيه مهلة لكي يتمّ عقابه، كما يتيح للأرض أن تتمّ سبوتها وأيام راحتها (آ 34، 35، 43).

2- السنة السبتيّة
ونعود إلى لا 25 مع التشريع الكهنوتيّ الذي يبدو سلسلة من الخطب يقدّمها الله لموسى، لكي يقدّمها موسى إلى الشعب، وهكذا يعرف الشعب وصايا الله. ويتبدّل موضع هذه الخطب بين فصل وآخر. أولاً، على جبل سيناء (خر 24: 15- 31: 17). ثانيًا، قرب خيمة اللقاء (خر 40: 14-15)، ثم في داخل خيمة اللقاء (لا 1: 1- 24: 23). وفي النهاية، نعود إلى جبل سيناء (لا 25: 1-26: 46). إذن، نحن مع لا 25 على جبل سيناء. "وكلّم الربّ موسى في جبل سيناء فقال: قل لبني اسراءئيل: إذا دخلتم الأرض التي أعطيها لكم..." (آ 1-2).
أما القسم الأول من ف 25، فيتحدّث عن السنة السبتيّة، أي السنة التي تعود مرّة بعد ست سنين، كما يعود السبت مرّة بعد ستة أيام. ماذا نقرأ في هذا المجال؟
"إذا دخلتم الأرض التي أعطيها لكم، فليكن لها سبت عطلة للرب. ستّ سنين تزرعون حقولكم، وست سنين تقضبون كرومكم وتجمعون غلالها. وفي السنة السابعة يكون للأرض سبت عطلة مكرّس للرب، فلا تزرعوا حقولكم ولا تقضبوا كرومكم. والحصيد النابت من تلقاء ذاته لا تحصدوه وعنب كرومكم غير المقضوبة لا تقطفوه. هي سنة سبتيّة للأرض. تأكلون ممّا تنبته الأرض خلال هذا السبت، أنت وعبدك وأمتك وأجيرك والضيف النازل عندك، وكل من يقيم عندك. وتأكل البهائم والوحوش في أرضك. تأكل من كل ما تنبته الأرض" (لا 25: 2-7).
الأرض تسبت سبوتها للرب. أي ترتاح في سبتها الذي يقع في السنة السابعة، بعد ست سنين من زرع الحقول وقضب الكروم والتقاط الحصيد. أجل، تنال الأرض راحتها. فالأرض صارت شخصًا حيًا. فكما يرتاح الانسان في اليوم السابع، ترتاح الأرض في السنة السابعة. فهي كالانسان تريد أن تعيش في توافق مع وصايا الله.
أن ترتاح الأرض، أن يمارس الفلاح عادة إراحة أرضه في أوقات محدّدة، ممارسة جرت عليها المجتمعات الزراعيّة التي لم تعرف الاسمدة كما هو الحال في أيامنا. وهذا كان يتمّ مرّة في كل ثلاث سنين بالنسبة إلى جزء من الأرض المزروعة. أمّا في لا 25، فيجب أن ترتاح الأرض كلها، في كل البلاد، دفعة واحدة. غير أن هذا النظام يطرح عددًا من المشاكل. ونحن نكتشف بعضها في 1مك 6: 48-54 الذي يروي حالة المحاصرين سنة 164- 163 ق م. الذين نقصهم الطعام بسبب حلول السنة السابعة.
"أما سكّان بيت صور فعقدوا صلحًا مع الملك لاضطرارهم إلى الخروج من المدينة لأن الطعام نفد من عندهم وما عادوا يتحمّلون حالة الحصار، بخاصة أن تلك السنة كانت سنة سبتيّة... ما كان في مخازنهم طعام لأن السنة كانت السنة السابعة التي ترتاح فيها الأرض. فلم تبقَ إلاّ جماعة قليلة في المكان المقدّس لأن الجوع أخذ يفتك بهم. فتفرّقوا كل واحد إلى بيته".
طُرح سؤال: ماذا نفعل؟ ونحن إن قرأنا النصّ الكتابيّ وأردنا أن نطبّقه على حرفيته، فلن يكون ذلك ممكنًا. فالجوع يحلّ بالبلاد كما حلّ بالمحاصرين في بيت صور. لهذا، قُدِّم جواب لاهوتيّ.
"فإن قلتم: "ماذا نأكل في السنة السابعة إذا كنا لا نزرع ولا نجمع غلالنا"؟ أجبتكم: "أبارك لكم الأرض في السنة السادسة، فتغلّ لثلاث سنين. فتزرعون في السنة الثامنة وتأكلون من الغلّة القديمة إلى مجيء غلّتها في السنة التاسعة"" (لا 25: 20-22).
إذن، بركة الله تجعل السنة السادسة تُنتج ما يكفي من الطعام من أجل الشعب حتّى السنة الثامنة. هنا نتذكّر عبور صحراء سيناء وعطيّة المن. ففي اليوم السادس، كان يلتقط الشعب ما يكفيه في اليوم السادس وفي اليوم السابع. وهكذا لا يعملون في يوم السبت، بل يخلدون إلى الراحة على مثال الربّ (خر 16: 22-30). وما قيل بالنسبة إلى اليوم السابع يُقال بالنسبة إلى السنة السابعة. فيبقى على الشعب أن يجعل كل اتّكاله على الرب.
ولكن ما قيل عن اليوم السابع، لا يُقال بسهولة عن السنة السابعة. فإذا أردنا أن لا تسيطر المجاعة في البلاد، يجب أن تكون الغلّة خارقة في السنة السادسة، أن يكون تضامن بين جميع أفراد الشعب، أن يكون المسؤولون قادرين على تدبير المواد الغذائيّة على مثال يوسف في مصر. وبسبب غياب هذه الشروط الثلاثة، نستطيع القول إن السنة السابعة ظلّت حبرًا على ورق ولم تطبّق في واقع حياة الشعب. إلاّ أن الأساس يبقى هو هو: دعوة إلى العمل في السنوات الست، دعوة إلى التضامن داخل الشعب ومع القريب والبعيد، دعوة إلى المسؤولين ليكونوا على قدر المهمّة الملقاة على عاتقهم.
هذا على المستوى العمليّ. وإذا رحنا في الأساس نفهم أن لا 25: 20-22 يحيلنا إلى بركة اليوم السادس في خبر الخلق، وهي بركة تتبع خلق الرجل والمرأة وتشمل عطيّة الطعام للخلائق (تك 1: 26-31). ففي المنظور اللاهوتيّ للكاتب الكهنوتيّ، لا نهتمّ أولاً بموارد الطعام، بل بممارسة وصايا الله. وهذا ما يجعلنا في خطّ عظة الجبل: "لا تهتمّوا فتقولوا: "ماذا نأكل؟ ماذا نشرب؟ وماذا نلبس"؟ فهذا يطلبه الوثنيّون، وأبوكم السماوي يعرف أنكم تحتاجون إلى هذا كله. فاطلبوا أولاً ملكوت الله ومشيئته، والباقي يزاد لكم. لا يهمّكم أمر الغد، فالغدّ يهتمّ بنفسه" (مت 6: 31-34).
حين نقرأ هذه النصوص نكتشف أن الأرض التي نقيم عليها ونفلحها فتعطينا طعامًا، ليست شيئًا نمتلكه ونتصرّف به على هوانا. فكان رباط بين علاقتنا بالأرض وعلاقتنا بالله. ويبقى أمر لم يُشر إليه التشريع الكهنوتي، ألا وهو تحرير العبيد الذي تحدّثت عنه شرعة العهد (خر 20: 22- 23: 19)، والشرعة الاشتراعيّة التي نجدها بشكل خاص في سفر التثنية. كل هذا نتحدّث عنه في معرض حديثنا عن اليوبيل.

3- سنة اليوبيل
يبدأ لا 25 فيقدّم الاعلان العام: "وأحسبوا لكم سبع سبوت من السنين، سبع مرات من السنين. وأيام السبوت السبعة من السنين تكون لكم تسعًا وأربعين سنة. تنفخون في البوق، في اليوم السابع من الشهر العاشر، في يوم الكفّارة، تنفخون في البوق في أرضكم كلها. وتقدّسون (= وتكرّسون) لي سنة الخمسين، وتنادون بتحرير في الأرض من أجل جميع سكّانها. هذه تكون لكم يوبيلاً. فترجعون كل واحد إلى ملكه، ويعود كل واحد إلى عشيرته. فالسنة الخمسون تكون لكم يوبيلاً. لا تزرعوا فيها، ولا تحصدوا الحصيد النابت من تلقاء ذاته، ولا تقطفوا عنب كرومكم غير المقضوبة. لأن هذا اليوبيل مقدّس لكم. تأكلون ممّا يغلّه الحقل. في سنة اليوبيل هذه ترجعون كل واحد إلى ملكه" (آ 8-12).
بعد أن حدّد الكاتب سنة اليوبيل (آ 8) وزمانه (آ 9)، أمر بتقديس، بتكريس السنة الخمسين، بإعلان تحرير عام (آ 10 أ)، قبل أن يقدّم المعطيات الملموسة للاحتفال باليوبيل (آ 10 ب- 13). هذه القطعة تُبنى على كلمة "يوبيل" التي تتكرّر أربع مرات. في البداية (آ 10 ب) وفي النهاية (آ 13) يُطلب من كل واحد أن يعود إلى ملكه. وما بين البداية والنهاية، يُمنع أي نشاط على مستوى الزراعة (آ 11) ويؤكّد أن الموارد ستكون كافية (آ 12).
تنطلق سنة اليوبيل في يوم الغفران العظيم، في يوم التكفير. هذا اليوم هو احتفال سنوي (رج لا 16؛ عد 29: 7-11؛ يُذكر في لا 23: 27-32؛ 25: 9؛ حز 45:18. كل هذه نصوص تعود إلى زمن المنفى)، ينطبع بالصوم والعطلة عن العمل، ويتوخّى التكفير عن خطايا عظيم الكهنة وبيته، عن خطايا الشعب كله، كما يتوخّى تطهير المعبد. وتتمّ هذه الكفّارة والتطهير بسلسلة من الذبائح ورشّ الدم في المعبد وحول المعبد. هكذا يلعب الدمُ دوره كما قيل في لا 17: 11: "الدم يكفّر لأنه الحياة".
في إطار التشريع الكهنوتيّ حول الطهارة الطقسيّة والخلقيّة، اهتمّ الكاتب بتوعية الضمير الخاطئ لدى الأفراد ولدى الشعب، بحيث يؤمّن الحلّ من الخطايا مرّة في كل سنة، وهكذا يبتعد العقاب المرتبط بهذه الخطايا.
إذن، يبدأ اليوبيل مع هذا الحلّ العام من الخطايا وتطهير يصيب الشعب كله والمعبد. هو يعلن سنة تحرير، وسنة عودة الانسان إلى ملك العائلة، وسنة راحة للأرض. وتُعلن بداية اليوبيل بالنفخ بالبوق الذي يُصنع بقرن الكبش. وهذا النفخ في البوق هو قبل كل شيء انذار تجاه حالة من الخطر. وتوعية للمؤمنين بأنهم خطأة، ودعوة لهم بمواقف من التوبة الباطنية تجعلهم يفهمون أنهم نالوا الغفران ونجوا من غضب الله وعقابه.
وحين يوجّهنا اليوبيل في طريق التحرّر، فهو يذهب بنا أبعد من تكفير يوم كيبور، يوم الغفران العظـيم. فقبل التلفّظ بكلمة "يوبيل" يعلن النصّ أن السنة الخمسين تكون مقدّسة (مكرّسة لله وبالتالي للبشر)، مع "تحرير في الأرض لجميع سكّانها". ويتحدّث النصّ مرّتين عن هذه العودة (لا 25: 10، 13).
ولكن عن أي تحرّر يحدّثنا هذا النصّ حول اليوبيل؟ عن أي عودة؟ وإلى أي ملك وأرض؟ ومن هم الذين يعودون؟ أيعود بعض الناس أم يعود جميع الناس بدون استثناء، الغني كالفقير، القويّ كالضعيف، الغريب كالقريب؟ وإلى أيّة قبيلة سيعود كل واحد؟
حسب سفر اللاويين، يصيب هذا التحرّر الجميع من دون استثناء: "ترجعون كل واحد إلى ملكه". لن نجد تحديدًا من هذا النوع: "إن كنتَ عبدًا، إن خسرت أرضك...". بل إن الفريضة تتوجّه إلى الجميع، وهذا يعني أن الجميع ابتعدوا عن ملكهم، عن أرض الأجداد.
تتحدّث التوراة مرارًا عن اقتسام الأرض بين قبائل اسرائيل. فأعطيت كلُّ قبيلة جزءًا من أرض كنعان لتقيم عليها وتقتات من غلّتها. غير أن هذا "العطاء" الالهيّ لا يتضمّن حقّ الامتلاك، بل حقّ الاستعمال فقط. فسفر اللاويين يقول إن الأرض تخصّ الله ولا تخصّ الشعب ولا الأفراد. فالجميع غرباء وضيوف لدى الله، والله يستطيع في كل ساعة أن يطرد الشعب من أرضه، وهذا ما فعل في زمن المنفى. قال: "والأرض لا تباع بيعًا دائمًا. فالأرض لي، يقول الرب، وأنتم غرباء مقيمون عندي" (لا 25: 23).
وما نقوله عن الأرض نقوله عن الأشخاص. لا يُمتلَك الأشخاصُ بحيث يكونون ملك شخص آخر، بل يكونون في الخدمة، يكونون في تصرّف انسان آخر. فالعبراني لا يمكن أن يكون "عبدًا"، ولا ملكًا لشخص آخر. كان العبرانيون عبيدًا في مصر، فحرّرهم الربّ. وها قد صاروا عبيدًا للرب. هم يخصّون الرب. فلا يستطيع أخوتهم أن يمتلكوهم، بل يستفيدون من خدماتهم ولوقت محدود.
في هذا المجال نقرأ لا 25: "إذا افتقر اسرائيليّ عندك وباع نفسه لك، فلا تستخدمه خدمة العبيد، بل كأجير ومقيم يكون معك ويخدمك إلى سنة اليوبيل. ثم يخرج من عندك، هو وبنوه معه، ويرجع إلى عشيرته وملك آبائه. فبنو اسرائيل الذين أخرجتهم من أرض مصر هم عبادي ولا يُباعون بيع العبيد. لا تتسلّط عليه بعنف، بل عامله بمخافة الله" (آ 39- 44؛ رج آ 46، 55).
أترك لكل واحد منا أن يطبّق اليوم هذا الكلام على نفسه، ولا سيّما بالنسبة إلى الخدم الذين يأتوننا من بعيد، فنشتريهم بثمن ونعاملهم كشيء في البيت. ولا سيّما بالنسبة إلى المديونين لنا بمال أو برزق.
إذن، هناك حدود لاستغلال الأرض، لاستغلال الأشخاص. الله يؤمّن للانسان وسائل العيش في إطار احترام العهد. ولكن لا يستطيع أحد أن يستند إلى امتياز يومّنه العهد، لكي يحرم أخاه من وسائل العيش، ليجعله عبدًا إلى نهاية حياته، أو يستعبد أيضًا ذريّته. كانت شرعة العهد قد طلبت تحرير العبيد في السنة السابعة، فقالت: "إذا اقتنيت عبدًا عبرانيًا، فليدخل في خدمتك ست سنين، وفي السابعة يخرج حرًا بلا ثمن" (خر 21: 2). وما يقال في العبيد ومعاملتهم يقال أيضًا في الأغراب: "لا تضايق الغريب، فأنتم تعرفون حقيقة ما يشعر به الغريب، لأنكم كنتم غرباء في أرض مصر" (خر 23: 9).
وتحدّثت الشرعة الاشتراعيّة عن الإعفاء من الديون وربطتها بتحرير العبيد. فالانسان يُستعبد مرارًا لأنه لا يستطيع أن يدفع دينًا تكفّل به.
"في كل سبع سنين تجرون إعفاء من الديون. وهذه طريقة الاعفاء: كل صاحب دين منكم يعفي قريبه ممّا أقرضه. لا يمارس ضغطًا على قريبه أو أخيه، لأنه أعلن إعفاءٌ للربّ...". والهدف: "لا يكون فيما بينكم محتاج" (تث 15: 1-4). ويتابع النصّ: "إذا كان عندك محتاج، أحد إخوتك، في إحدى مدنك، في الأرض التي أعطاك الربّ إلهك، فلا تقسِّ قلبك، ولا تقبض يدك (تغلقها لئلا تعطي عن بخل) عن أخيك المحتاج فلا تعطيه شيئًا. فيصرخ إلى الرب عليك، فيحسب ذلك عليك خطيئة. بل أعطه بسخاء ولا يتورّع قلبك إذا أعطيته. هكذا يباركك الرب إلهك في جميع أعمالك وفي كل ما في متناول يدك" (تث 15: 1-10). كم نحن قريبون من تعليم الانجيل. قال الرب في عظة السهل: "إن أحسنتم إلى المحسنين إليكم، فأي فضل لكم؟ لأن الخاطئين أنفسهم يعملون هذا. وإن أقرضتم من ترجون أن تستردّوا منهم قرضكم، فأي فضل لكم؟ لأن الخاطئين أنفسهم يعملون هذا. وإن أقرضتم من ترجون أن تستردّوا منهم قرضكم، فأي فضل لكم؟ لأن الخاطئين أنفسهم يُقرضون الخاطئين ليستردّوا قرضهم. ولكن أحبّوا أعداءكم. أحسنوا وأقرضوا غير راجين شيئًا، فيكون أجركم عظيمًا، وتكونوا أبناء العليّ، لأنه يُنعم على ناكري الجميل والأشرار. كونوا رحماء كما أن الله أباكم رحيم" (لو 6: 33-36).
ويتحدّث سفر التثنية أيضًا عن كيفيّة تحرير العبيد: "إذا باعك عبرانيّ (أو عبرانيّة) نفسه، فليخدمك ستّ سنين، وفي السنة السابعة أطلقه من عندك حرًا. وحين تطلقه حرًا من عندك، فلا تطلقه فارغًا لا شيء معه. بل زوّده من نتاج غنمك وبيدرك ومعصرتك ممّا باركك الربّ إلهك فيه. أذكر أنك كنت عبدًا في مصر وفداك الربّ إلهك. ولذلك أنا آمرك اليوم بهذه الوصيّة" (15: 11-15).
نجد هنا العلاقات بين الإخوة من جهة، وبين الشعب وإلهه من جهة ثانية. احتاج أخونا مالاً: نقرضه بدون فائدة. بل نترك له الدين كما فعل السيّد مع عبده في المثل الذي أورده انجيل متّى (18: 27). وإن أخذنا منه رهنًا، نردّه في السنة السابعة. ولا نتورّع، ولا نقُم بألف حساب وحساب، لأن السنة السابعة، سنة الاعفاء، صارت قريبة. بل نعفي، والله هو الذي يبارك. هناك واقع اجتماعيّ نعرفه. ونحن لا نعالجه بالنظريات العامة، بل بالتصرّف العملي. هذا يعني أهميّة التضامن، كما يعني فهمنا لكلام الرب: "كل ما فعلتموه لواحد من إخوتي هؤلاء الصغار فلي فعلتموه" (مت 25: 40).

خاتمة
تلك هي الأمور التي يدعونا إليها الكتاب المقدّس في سنة الألفين، كما دعا إليها الشعبَ العبرانيّ مع موسى وبعد موسى، كما دعا تلاميذَ يسوع. فسنة اليوبيل هي حريّة الانسان. على مستوى أسبوعه أولاً. يرتاح من العمل الشاقّ ويعيش كالعصفور المنطلق في الجوّ لا يقيّده قيد. لا سلطة بشريّة، ولا ضائقة اقتصاديّة، ولا سيطرة اجتماعيّة. بل الحيوان نفسه يرتاح في اليوم السابع. وعلى مستوى سبع سنوات، يتحرّر الناس من ديونهم، والعبيد من عبوديّتهم. في أي حال، قد صاروا عبيدًا لله وعبادًا له. فبأي حقّ نجعلهم عبيدًا لنا؟ ثم كيف أرضى أن أكون أنا عبدًا؟ كيف أرضى أن أكون مداسًا والرب هو الذي يدعوني إلى التحرّر من كل أنواع العبوديّات وليس آخرها الخوف؟ وعلى مستوى خمسين سنة، على مستوى اليوبيل، ننادي بتحرير الأرض وبالعودة إلى ملكنا، إلى ذاتنا، إلى جماعتنا، في توبة عن خطايانا ولا سيّما تلك التي قسونا فيها على الأخ والقريب، على الغريب والعدوّ. حدّد العهد القديم محطات في اطار أسبوع، في إطار العدد سبعة. في السبعة أيام، نترك يومًا للرب، نقدّسه، نكرّسه له. ولا يحقّ لنا أن نتصرّف فيه فنستعبد نفوسنا للعمل والانتاج. وفي السبع سنوات نترك سنة الرب. وفي السبع سبعات من السنين نعيش سنة اليوبيل فننادي بتحرير الأرض كلها. كم نحن بعيدون عن هذا المثال. وكم تحتاج البشريّة إلى يوبيلات قبل أن يصل الانسان إلى الراحة التي هيّأها له الربّ، وإلى الحريّة التي يريدها له. لهذا سيكون هذا اليوبيل محطّة. وستتبعه يوبيلات إلى اليوبيل العظيم والنهائي الذي فيه تصبح الرعيّة واحدة تحت امرة راع واحد هو يسوع المسيح.
اليوبيل وتحرير الإنسان في المسيح

1- التوق إلى التحرّر في عالم اليوم
يجتاز عالمنا، الذي اختبر ولا يزال، في أجزاء متعددة منه، ظروف حياة مستعبدة ولا إنسانية، توقٌ لا يقاوَم إلى السلام والعدالة والحب والحرية. إنها رغبة في التحرّر من أشكال عبودية ظالمة وقاهرة، عبودية ثقافية، سياسية، عرقية، دينية، إجتماعية واقتصادية. وتترجَم هذه الرغبةُ بطرق متعددة ومتنوعة، منها سلمي ومنها عنفوي. لكنها تبدو أحيانًا وكأنها تنطفئ في استسلام قدري أو في يأس بدون مستقبل. ليست هذه الرغبة وليدة الظرف التاريخي الحالي، بل هي التوق إلى الحرية، المكتوب في قلب الإنسان المخلوق على صورة الله ومثاله، أي المدعو ليعيش كابن لإله الحرية.
"التحرير" هو شعار عصري، لكنه أيضًا كلمة إنجيلية، وبسبب إزدواجية المعنى هذه أصبح محمول العبارة غامضًا. في ثقافة معاصرة معيّنة، تتهم الحقيقة المسيحية بكونها إيديولوجية مستعبدة، ومن جهة أخرى، يعاد تفسير هذه الحقيقة نفسها كمقولة أناسية- إجتماعية، تعبّر عن رغبة وكفاح البشرية نحو "الانعتاق" و"التحرير الذاتي": "إن الحركة التحررية الحديثة، العميقة، لا يزال يكتنفها الالتباس، نظرًا لما يعتريها من أخطاء مميتة تنال من معاني الانسان وحريته. والحركة مثقلة، في آن واحد، بالوعود المبشّرة بالحرية الصحيحة، وبالتهديدات المنذرة بالعبوديات القاتلة" (مجمع العقيدة والإيمان، مذكرة حول "الحرية المسيحية والتحرّر"، عدد 19). كما أن هناك خطرًا أن يطابق المسيحيون بين "التحرير المسيحي" و"التحرير الاجتماعي والسياسي".
أمام غموض المعنى هذا، لا بدّ لنا من التساؤل عمّن يحرّرنا، ومما نتحرّر، ولأي شيء نتحرّر؟

2- تحرير الإنسان في الكتاب المقدس
يمثل مفهوم "التحرير" أحد مواضيع الكتاب المقدس الأساسية. والفكر اللاهوتي يعالج هذا الموضوع، ليس تحت تأثير الظرف التاريخي الحاضر- الذي لا يترك المسيحي غير مبالٍ من حيث إنه أخو البشر المستغَلين والضعفاء والمقهورين- بل لأنه الوحي الإلهي، وبالتالي الإيمان، الذي يفرضه عليه: إن الكنيسة مصمّمة على مواجهة مشاعر قلق الإنسان المعاصر، الرازح تحت ضغوط قاسية في معاناته التعسف، والطامح إلى الحرية.. (لأن الرب يسوع) أودعها كلمة الحقيقة، إنارة للضمائر، والمحبة الإلهية حياتها، تحثّها على التضامن الحقيقي مع كل إنسان متألم" (حول "الحرية المسيحية والتحرّر"، عدد 61).
لا تبحث الكنيسة إذًا عن الحقيقة في الظروف التاريخية الملموسة أو في الممارسة، بل في الوحي الإلهي. فهي من الوحي تستقي الإيمان، وبالتالي الحقيقة الكاملة حول تحرير الإنسان، الذي يحققه الله. في الكتاب المقدس، هناك تطابق في المعنى بين "التحرير" و"الخلاص" و"الفداء"، التي تتحقق بفضل عمل قوي وحرّ من قبل الله. هناك قناعة أساسية وهي أنه لو "كان الله تخلى عن خليقته، لأفضى بنا التاريخ البشري، المطبوع بتجربة الخطيئة، إلى اليأس. لكن الوعود الالهية بالتحرير والوفاء بها المظفّر، في موت المسيح وقيامته، كانت أساس "الرجاء المفرح" الذي منه استمدت الجماعة المسيحية قوة العمل الجاد والفاعل في خدمة المحبة والعدل والسلام. الانجيل رسالة حرية وقوة تحرير يحقق رجاء شعب الله، بناء على كلام الأنبياء. يستند هذا الرجاء إلى عمل الله... محررًا وفاديًّا ومخلّصًا لشعبه..." (حول "الحرية المسيحية والتحرر"، عدد 43).

أ- التحرير هو من عمل الله 
التحرير هو، أولاً وأخيرًا، عمل متمّم من قبل الله. هناك قناعة أساسية في الكتاب المقدس، وهي أن الإنسان عاجز عن تخليص نفسه. إنه الله الذي يقدّم نفسه المخلص الوحيد. في سفر الخروج، يرى الله بؤس الشعب ويقرّر تحريره: "إني رأيت مذلة شعبي الذي بمصر، وسمعت صراخه بسبب مسخّريه، وعلمت بآلامه، فنزلت لأنقذه من أيدي المصريين وأصعده من هذه الأرض إلى أرض طيبة واسعة، إلى أرض تدرّ لبنًا حليبًا وعسلاً" (خر 3: 7-8).
في بؤسه، يصرخ الشعب نحو إلهه. في الكتاب المقدس، "الصراخ" هو لغة الألم، وهو أيضًا الاعتراض على الاستسلام الصامت. لا يتحمّل الله أن يترك شعبه في العبودية، فيتدخل ليحرّره. عمل الله الخلاصي هذا يدفعه فقط حبه لشعبه. إنه الله الذي يمنح الحرية للشعب كلّه، وهو الذي يعطي أيضًا المعايير ليحفظها، والتي هي الوصايا الواجب اتباعها كشرط ليسكن الرب بين شعبه.في حفظه للوصايا، يحافظ إسرائيل على الحرية المعطاة له، ما يمكّنه من تأوين وتفعيل التحرير الإلهي.
في قانون إيمان، يتلوه المؤمن في عيد الشكران (تث 26: 5-9)، يتذكر المؤمن، إنطلاقًا من الحالة الحاضرة المعاشة في الأرض التي أعطاها الرب لشعبه، عملَ الله المحرّر، ويصفه بخمس عبارات: "بيد قوية وذراع مبسوطة وخوف عظيم وآيات وخوارق" (تث 26: 8). قوة الله هي قوة محرّرة، بينما قوة الإنسان هي قوة مستعبدة. وقوة الله هي الحب: "بل لمحبة الرب لكم ومحافظته على القسم الذي أقسم به لآبائكم أخرجكم الرب بيد قوية وفداك من دار العبودية، من يد فرعون ملك مصر" (تث 7: 8).
غاية الخروج إذًا هي تشكيل شعب الله. في تحرير الشعب واجتماعه حول إلهه، ينكشف ويتحقق تصميم الله الخلاصي، المبتدىء أصلاً مع خلق العالم. الله، وليس الإنسان، هو القادر على تغيير حالات البؤس والقلق والخوف. من الله فقط يمكن انتظار التحرير الحقيقي، لأنه وحده قادر على تغيير قلب الإنسان.
في اختبار السبي إلى بابل، يواجه الشعب أزمة اليأس والشك بقدرة الله الخلاصية. يحاول النبي إقناع سامعيه بأن يهوه يقدر ويريد حقيقة أن يخلصهم. فالله الذي حرّر الشعب من عبودية مصر وخلقه كأمة، هو قادر على أن يعيد تخليصه من عبودية بابل، وأن يكرّر معه حدث الخروج في "خروج جديد" (أش 42-53).
أخيرًا تبرز قوة الله المخلِّصة والمحرِّرة في ما يسمّى بـ "مزامير التوسل"، التي فيها يصرخ المصلي إلى الرب "لينجّيه من أعدائه". لا يوصف أبدًا هؤلاء "الأعداء" كأرواح شريرة أو كشياطين أو كبشر معروفين. "الأعداء" هم تصوير للخوف والقلق اللذين يستعبدان الإنسان، وللعدو الأخير، الذي هو العدم والموت. يعرف صاحب المزامير بأن الله هو وحده القادر على تخليصه من هذا الخطر المميت، لذلك فهو يعلي قوة يهوه المخلِّصة: "أحبك يا رب، يا قوتي، يا مخلصي، من العنف خلصتني. الرب صخرتي وحصني ومنقذي، إلهي صخر به أعتصم، ترسي وقوة خلاصي وملجأي. أدعو الرب سبحانه فأنجو من أعدائي" (مز 18: 2-4).
صرخة التوسل هي استسلام مسبق بين يدي الله الذي يعترف به صاحب المزامير "أقوى من أية قوة عدوة". أحيانًا يعترف المصلّي بذنبه، وينسب بؤسه إلى خطاياه. لكن الحالة ليست هكذا دائمًا. فالذي يتألم ليس بالضرورة خاطئًا. مع ذلك فهو يعلم بأنه يعيش في عالم خطيئة وعنف وموت. وحده الله يستطيع أن يحرّر الإنسان من هذا العالم: "الرب ينقذ المسكين المستغيث والبائس الذي لا ناصر له. يرثي للكسير والمسكين ويخلص نفوس المساكين" (مز 71: 12-13). بهذا الرجاء يعيش "فقراء يهوه"، في ارتباط تام وواثق بعناية الله المحبة. يعلم "فقراء يهوه" أن الاتحاد بالله هو الخير الذي لا يقدّر بثمن وبه يجد الانسان حريته الصحيحة (مز 16؛ 62؛ 84). وان الشر الأوجع، في نظرهم، هو في فقد هذا الاتحاد. لذلك تتخذ مناهضتهم للظلم معناها الأعمق وفعاليتها، من خلال تصميمهم على التحرّر من عبودية الخطيئة.
كان حدث التحرر من مصر يتكرر كل سبع سنوات، وبخاصة كل خمسين سنة. في تلك المناسبة، كان يجب أن تعاد الأرض إلى أصحابها، وهكذا يعاد تشكيل حالة المساواة والحرية المثالية: كأن يترك العبيد أحرارًا، ويعفى المدينون. خلافًا لقوانين الشرق القديم، كان القانون الإسرائيلي، ليس فقط أكثر إنسانية، بل كان ينحو الى خلق مجتمع أناس أحرار، وإن لم يتوصل تمامًا إلى إلغاء حالة العبودية. في الحقيقة، لقد حرّر جميع الشعب من عبودية مصر، وليس لهم سيد سوى الرب الإله. فليس لأحد بالتالي الحق في التسلط على أحد، لأنهم جميعهم إخوة. والتصرف نحو العبيد يجب أن يستوحى من الحدث الأساسي في التحرر من مصر: "واذكر أنك كنت عبدًا في أرض مصر، وفداك الرب إلهك، ولذلك أنا آمرك اليوم بهذا" (تث 15: 15). في هذا المعنى، تذكّر السنة اليوبيلية مرة أخرى بأن مجتمع البشر الحر والعادل ليس من صنعهم بقدر ما هو عطية من الله (البابا يوحنا بولس الثاني، إطلالة الألف الثالث، عدد 12).

ب- أبعاد رسالة المسيح التحريرية
في بداية رسالته التبشيرية، أعلن يسوع التحرير برنامجه: "روح الرب عليّ ولهذا مسحني وأرسلني لأبشّر المساكين وأجبر منكسري القلوب وأنادي بعتق للمسبيّين وبتخلية للمأسورين وأنادي بسنة الرب المقبولة" (لو 4، 16-21). شرح يسوع لسامعيه قول النبي اشعيا، وطبّق هذه النبوءة على نفسه، ليفهمهم بأنه هو المسيح المبشّر به وأن به بدأ الزمن المنتظر وأتى يوم الخلاص، ملء الزمن: "كل يوبيل يرتبط بهذا الزمن ويتّصل برسالة المسيح الآتي كمكرّس بمسحة الروح القدس وكمرسل من الآب. هو الذي يعلن البشارة السارة للمساكين. هو الذي يأتي بالحرية للمحرومين منها، ويحرّر المظلومين، ويردّ البصر للعميان. وهكذا يُحقق سنة مقبولة للرب يعلنها لا بالأقوال فقط بل أيضًا بالاعمال. فاليوبيل، أي سنة الرب المقبولة، ليس مجرد ذكرى تستعاد في الزمن بل إنه هو ما يميّز عمل يسوع" (إطلالة الألف الثالث، عدد 11).
عدا برنامج رسالته، ذي النفحة التحريرية، لا يظهر من الأناجيل أن يسوع قد التزم في السياسة أو سعى إلى تأسيس جماعة مقاومة أو ثورة. فهو لم يشارك أبدًا في آراء "الغيورين"، الذين كانوا ينادون باستعمال القوة للتحرر من الاحتلال الروماني ولاستعادة الاستقلال اليهودي؛ ورفض أخذ موقف بشأن الضريبة الواجب دفعها للأمبراطور، مميزًا بوضوح بين "ما هو لقيصر" وبين "ما هو لله"، بين السياسة والدين (مر 12: 7 وما يقابله). لم يرد يسوع أن يدخل في خضم الصراعات السياسية السائدة آنذاك، وذلك لأن الملكوت الذي يبشر به ليس ملكوتًا سياسيًا. في التجارب، رفض يسوع إيحاء إبليس له بسلطة سياسية شاملة (متى 4: 8؛ لو 4: 5). كما أنه خيّب حتى النهاية أحلام تلاميذه المسيحانية القومية (أع 1: 6). أمام بيلاطوس، أعلن يسوع أن مملكته ليست من هذا العالم، وعبّر عن ذلك بتخلّيه عن كل صراع أو مقاومة (يو 18: 36). الكتابة التي وضعها الحاكم الروماني على صليب يسوع لم تكن سوى طريقة لإذلال رؤساء اليهود. أما الدافع الحقيقي لموت يسوع فهو دافع ديني: جوابه أمام رئيس الأحبار بأنه المسيح ابن الله العلي (متى 26: 63-65؛ يو 19: 7). لقد وضع يسوع رسالته في خط صورة عبد يهوه المتألم، الذي يعطي حياته فداء عن الكثيرين (مر 10: 45؛ متى 20: 18). في تطبيقه على نفسه هذه الصورة النبوية، يعلن يسوع هدف ونوعية التحرير الذي تحمله رسالته: إنه تحرير من الخطيئة التي تستعبد الإنسان: "الحق الحق أقول لكم: كل من يرتكب الخطيئة يكون عبدًا للخطيئة" (يو 8: 34). حالة الخطيئة هي حالة العبودية المطلقة، التي تطال الإنسان في حميمية ذاته. وحده الابن، بفضل الحرية السامية التي يمتلك، يضع حدًا لهذه العبودية: "فإذا حرّركم الابن كنتم أحرارًا حقًا" (يو 8: 36). أبعد من ذلك، بتحريره الإنسان من الخطيئة، يصيب يسوع جذور النظام غير العادل. لأن البؤس والظلم الإجتماعي يكشفان "حالة خطيئة"، حالة قطيعة عن الأخوة والشراكة. لا يدعو يسوع إلى تغيير التركيبات الإجتماعية، بل يوحي بأن أصل الشر، وأيضًا في التركيبات الشريرة والفاسدة، هو في الخطيئة. 
هذا التحرير الذي يحمله يسوع يتمّ بطريقة الحب، المعارضة لكل عنف. فيسوع لام يعقوب ويوحنا اللذين أرادا استدعاء النار من السماء على قرية في السامرة (لو 9: 55-54)؛ ودعا بطرس إلى ردّ سيفه إلى غمده (متّى 26: 52). وحادثة طرد الباعة من الهيكل ليست سوى عمل رمزي، أراد يسوع من خلالها إظهار استيائه من استغلال الهيكل لغايات شخصية (متى 21: 12-13). أما عن قول يسوع: "ملكوت السماوات يؤخذ بالجهاد، والمجاهدون يختطفونه" (متى 11: 12)، فيجب فهمه في إطار النص العام الذي يتحدث عن العنف وعن قوى الشر التي تواجه الأنبياء في رسالتهم، وعن الذين يقاومون مجيء الملكوت بحسب تصور يسوع له. في سبيل مجيء الملكوت، يستعمل يسوع الوسيلة التي تتلاءم مع هويته ورسالته: تقديم ذاته ذبيحة. وفي طلبه المغفرة للمسؤولين عن موته، يُظهر يسوع أنه لا يعتمد ابدًا على تدخل من القوة الإلهية في سبيل انتصار عمله.
طريق اللاعنف هذه تتناغم مع غاية التحرير: ما يريد الله تحريره في الإنسان هو قوى الحب. هدف يسوع هو المصالحة الشاملة. في اكتسابه مصالحة البشرية مع الله في ذبيحته، أنشأ يسوع مبدأ مصالحة البشر بين بعضهم. هذا ما عبّر عنه بولس الرسول حين أكّد بأن المسيح قد "هدم بجسده الحاجز... أي العداوة"؛ وفي ذبيحته صالح الأعداء خالقًا "إنسانًا جديدًا واحدًا، صائرًا بذلك "سلامنا" (أف 2: 14-16). خلال رسالته العلنية، توجه يسوع الى الجميع معلنًا نيته بإزالة كل الحواجز التي تقسم البشر في ما بينهم. وهو لم يتردّد في إعلان قربه من الخطأة والعشارين والزناة. كما أنه في لقائه مع السامرية أظهر صراحة أنه يريد تخطي كل الاختلافات على مستوى العبادة والهيكل؛ وأعلن، من جهة أخرى، دخول الوثنيين في الملكوت (متى 8: 11-12؛ لو 13: 28-30). ليس هناك من حدود موضوعة أمام المصالحة التي ستكون شاملة.
لامحدودية الحب هذه تعبّر عنها الوصية الجديدة، التي يهدف المسيح من خلالها إلى بناء مجتمع أخوي. عارض يسوع التقليد السابق بتوصيته بحب الأعداء، وبرّر هذه الشريعة الجديدة معطيًا مثالاً حب الآب (متى 5: 45). يجب أن يكون حب الآب اللامحدود، في قلب الإنسان، مصدر محبة بلا حدود. هذا ما يعنيه يسوع ايضًا عندما يقدّم حبّه مثالاً ومقياسًا للحب المتبادل الذي يجب أن يميّز حياة التلاميذ (يو 13: 34؛ 15: 12).
للتحرير بالحب هذا نتائجه على التصرف الإجتماعي: في توبة زكا نجد يسوع يقوده الى تغيير مسلكه، إلى مقاسمة أمواله مع الفقراء، وإلى تعويضه عن الأضرار التي سببها للأخرين (لو 19: 8)؛ في مثل الغني ولعازر، يشدد يسوع على ضرورة المشاركة مع الفقراء، وعلى عثار تواجد البؤس مع الغنى الفاحش (لو 16: 19-31)؛ وفي مشهد الدينونة العامة، يكشف المسيح عن قيمة كل عمل محبة تجاه بائس، مؤكدًا أن هذا العمل يمسّه شخصيًا (متى 25: 40). من جهة أخرى، نرى، خلف تعداد هؤلاء البؤساء، مشاكل اجتماعية ملحة: الجوع في العالم، مصير الغرباء وقبول المهاجرين، كل اشكال الفقر، العناية بالمرضى والموقف تجاه المجرمين والمسجونين.
أخيرًا، نلاحظ أن الحب الذي يوصي به يسوع يتخطى متطلبات العدالة. لا يتركز التبشير الإنجيلي على فضح الظلم. هذا ما تظهره بوضوح المقابلة بين تبشير المعمدان، المرتكز على العدالة (لو 3: 11-14)، وبين تبشير يسوع الذي يطلب إعطاء الرداء والثوب معًا (متى 5: 40). جـُعل هذا التخطي ممكنًا بالمسيح الذي يحرّر البشرية ليس بدافع عدالة إلهية فقط، بل وخاصة بدافع الحب الإلهي الذي، بمغفرته للخطايا، ينتصر على الظلم. على هذا الحب المحرّر أن يتجلى في حياة التلاميذ، التي يجب أن تكون استعادة وتجسيدًا لتصرفات ولخيارات يسوع. فإله يسوع هو الإله الذي لا يحتمل الظلم الذي عليه تؤسس المجتمعات البشرية، حيث تسود شريعة الأقوى. تفضيلات الله، في يسوع، هي للفقراء والمهمّشين والضعفاء والمعدومين. 
إننا نجد هذا التفضيل في نشيد التعظيم (لو 1: 46-55)، حيث يُنشد الإيمان بإله لا يعبر غير مكترث بالواقع الإجتماعي والسياسي، بل بإله يرفض تركيبات الشر في مختلف أشكاله، ويعلنها متعارضة مع تصميمه الخلاصي. لقد اختبرت مريم، في حياتها، وجه الله الحقيقي القوي، القدوس، الرحيم والأمين (لو 1: 49-50، 54-55)، الذي يبرز صفاته عندما ينظر بحب إلى أمته، ويخلصها، ويجعل منها أمًا لابنه. لذا تقدم مريم الشكر لله المخلص، الذي يلتفت بحب نحو كل ما هو صغير، مسحوق ومهمّش في هذا العالم. في مريم نتأمل، من بعد المسيح، الأيقونة الأكثر كمالاً ونقاء للحرية ولتحرير البشرية والكون.
في مقارنتها بين عمل الله فيها وبين عمله في التاريخ، تكتشف مريم الناحية الأخرى في وجه الله: رفضه لأولئك الذين، في اتباعهم لآلهة غريبة وخاطئة، يقهرون الشعب. لغة نشيد التعظيم لا تقبل أي تلطيف او تنازلات: فالله، الذي تنشده مريم، هو الذي "حطّ الأقوياء عن العروش ورفع الوضعاء. أشبع الجياع من الخيرات والأغنياء صرفهم فارغين" (لو 1: 52-53). ليس الله لامباليًا امام الخير والشر، بل، على العكس، إنه يعمل على إبادة قوى الشر، التي تعارض تصميمه الخلاصي. الإيمان بالمسيح يوجب تغيير العلاقات بين البشر: لا استغلال، لا ظلم، لا ثراء فاحشًا، بل خدمة وتواضعًا ورحمة وفقرًا يعاش كانفتاح جذري على إرادة الله.

ج- تحرير الإنسان الكامل بالمسيح
يُختصر تفكير بولس حول الخلاص في تأكيده في غل 5: 1: "إن المسيح قد حرّرنا تحريرًا". يبرز هنا، في المكان الأول، البُعد الكرستولوجي للتحرير: الله خلّصنا بواسطة موت وقيامة يسوع (روم 5: 10). والتحرير في المسيح يتأون بواسطة عطية روحه الذي هو روح المسيح: "فليس بعد من حكم على الذين هم في يسوع المسيح، لأن شريعة الروح الذي يهب الحياة في يسوع المسيح قد حرّرتني من شريعة الخطيئة والموت" (روم 8: 1-2). إذًا "حيث يكون روح الرب، تكون الحرية" (2 كور 3: 17). الحرية هي حالة تتبع عمل تحرير إلهي: "لأن (الخليقة) هي أيضًا ستتحرر من عبودية الفساد" (روم 5: 13). "فإنكم، ايها الإخوة، قد دعيتم إلى الحرية" (غل 5: 13). الحرية هي عطية من الله الذي يحررنا من الخطيئة، من الموت ومن الشريعة (روم 6: 18-23). كما أن للحرية هذه بعدًا كونيًا (روم 8: 21).
للتحرير المحقق في المسيح أبعاد مثلثة: تحرير من الخطيئة، من الموت ومن الشريعة، أبعاد تختصر الإنسان في كليته، في كماله وفي انتمائه إلى جماعة.
التحرير من الخطيئة هو تحرر من الخطيئة الأصلية والخطيئة الشخصية والخطيئة التاريخية أو الاجتماعية. كل واحدة من هذه الخطايا تنبع من الشخص كله وتخصّه في شموليته. يبدأ التحرر من الخطيئة الأصلية مع التجذر بالمسيح بواسطة العماد، لكنه يبلغ ذروته عندما يعيش الإنسان حياة المسيح نفسها ومعها الموت والدفن والقيامة (روم 6: 1-23). أما التحرر من الخطيئة الشخصية ومن نتائجها على الشخص وعلى التاريخ، فهو، قبل كل شيء من عمل الله المخلص، لكنه يلزم، في الوقت نفسه، الإنسان الخاطئ على أنه كائن فاعل في التاريخ. أما الخطيئة الإجتماعية فهي ما يسمّيه بولس "دنيا الشر" (غل 1: 4)، مجموعة الأفراد الذين يصنعون الشر، والتركيبات التي تحمل خطايا البشر الأفراد.
في العماد يُحرَّر المسيحي من هذا العالم الشرير ويوضع في محيط حياة جديد. لذا يحرّض بولس مؤمنيه: "لا تتشبهوا بهذه الدنيا، بل تحولوا بتجدد عقولكم" (روم 12: 2). لقد حررنا المسيح من كل "سلطان" ومن كل "تركيبة تسلط"، وادخلنا في ملكوت الحرية، الذي يأتي من روحه. هكذا يصف الرسول عبودية الإنسان الخاطئ: "وانتم، وقد كنتم أمواتًا بزلاتكم وخطاياكم التي كنتم تسيرون فيها بالأمس، متبعين سيرة هذا العالم، سيرة سيد مملكة الجو، ذلك الروح الذي يعمل في أبناء المعصية، وكنا نحن أيضًا جميعًا في جملة هؤلاء نحيا بالأمس..." (أف 2: 1-3). لقد حرّرنا المسيح من عبودية عالم الشر هذا، وفتح لنا، في الكنيسة، مساحة حرية ومصالحة اجتماعية وأخوية. الكنيسة هي المكان الذي يريد الله أن يخلق فيه مجتمعًا مصالحًا (2 قور 5: 17-21)، علامة فعالة على مصالحة وتحرير العالم بأسره. 
هناك أيضًا التحرير من الشريعة، مسبّب الخطيئة الأكبر (روم 7:7؛ 1 كور 16؛ 56). والشريعة هنا ليست فقط الشريعة اليهودية، بل كل شريعة موضوعة من البشر. لا يقصد بولس التبشير بالفوضى أو التقليل من ضرورة الشريعة، بل التحرر من الشريعة عندما تصبح عائقًا أمام الإنسان فتمنعه أن يعيش ملء حياته. أي عندما تستعمل القوانين سبيلاً للظلم والقهر والاستعباد، عندئذ تضحي القوانين مرادفًا للخطيئة الاجتماعية والمؤسساتية، والتي تحمل في طياتها قوة الموت.
أخيرًا، يرتبط التحرير من الخطيئة ومن الشريعة ارتباطًا جذريًا بالتحرير من الموت. بطريقة ما، الموت هو نتيجة الخطيئة (روم 5: 12؛ 6: 23) والشريعة مسببها. الموت الذي يتحدّث عنه بولس هو، في الوقت نفسه، الموت الروحي والموت الجسدي. يدعو الله الانسان إلى الحياة، وقبل كل شيء إلى الحياة الإلهية، التي تبقى غير ممكنة بدون كمال الحياة الشخصية لكل واحد. لذا ينبغي أن تكون القيامة تحريرًا كاملاً من الخطيئة، من الشريعة ومن الموت، بقوة الروح المحيي. لقد حمل تكاثر الخطيئة في العالم، وتحت أشكال مختلفة، إلى تكاثر الموت، في تاريخ يشهد صراعًا دائمًا بين الموت والحياة في كامل أبعادهما. لذا أفضل الطرق لمقاومة الخطيئة هي مقاومة الموت بأشكاله المتعددة. بسبب البؤس والجوع والحاجة إلى ضروريات الحياة، بسبب المرض والظلم والاستعباد، يموت معظم الناس قبل أوانهم. هذا يعني أن الحياة انتُزعت منهم، ومعها إمكانية أن يعيشوا حياتهم بكامل معناها، وأن يكونوا بالتالي مجد الله ("مجد الله هو الإنسان الحي"). أولئك الذين يحدث لهم ذلك بسبب الخطيئة الإجتماعية، يسمَّون "فُقراء بإمتياز"، ونحوهم يتوجه حبّ الله التفضيلي. ينتج عن هذا أن التحرير من الموت في كل أشكاله هو جزء أساسي من الإيمان المسيحي، الذي يعلن إللّه إله الحياة والأحياء (مر 12: 27).
لكن يجب ألاّ يغيب عن بالنا أن التحرير الكامل والنهائي من الموت سيتم فقط بواسطة العبور بالموت إلى الحياة الأبدية، أي في القيامة (1 كور 15: 54-57)، حيث تبرز من جديد الحياة، حيث لن يكون هناك ظلم وبكاء وألم وانقسام (رؤ 7: 16-17)، بل كمال شركة مع الله الذي هو حياة ومحبة. مع هذا، يجب إستباق هذا التحرير النهائي، وذلك من خلال التغلّب على خطيئة العالم وعلى أسبابها. في هذا المعنى، يقول المجمع الفاتيكاني الثاني: "إن تنظّر الأرض الجديدة يجب ألا يضعف فينا الاهتمام بمعالجة شؤون هذه الأرض، بل يجب بالأحرى أن يوقظه لأن جسم البشرية ينمو فيها، وهو يستطيع أن يقدّم منذ الآن تصورًا أوليًا للدهر الآتي" (دستور راعوي "الكنيسة في عالم اليوم"، عدد 39، 2). في مواجهة أي قصر نظر أو حصر للرجاء المسيحي في هذه الأرض، وفي مواجهة أي هروب من الالتزام باستباق ملكوت الله على هذه الأرض، لا يلغي الرجاء النهيوي القيمَ الانسانية، ومنها قيم العدالة والحرية، بل ينقّيها، يكمّلها ويفتحها على اكتمال نهيوي: "فهذه القيم من كرامة إنسانية، وشركة أخوية وحرية... التي نكون قد نشرناها على وجه الأرض في روح الرب وبحسب وصيّته، سنجدها فيما بعد مطهّرة من كل دنس، ناصعة، مشرقة، عندما يعيد المسيح إلى الآب ملكوتًا أبديًا وشاملاً: ملكوت حقيقة وحياة، وملكوت قداسة ونعمة، ملكوت برّ ومحبة وسلام" (المرجع نفسه، عدد 39، 3). إنتظار مجيء الملكوت هو انتظار ساهر وفاعل، إنتظار عدالة كاملة وشاملة للأحياء وللأموات ولكل الأزمنة والأمكنة، عدالة تحمل الجواب على مجموعة الآلام التي عانتها الأجيال، عدالة يقيمها الديان العادل. مع ذلك، تدعو الكنيسة، المستنيرة بالروح القدس، الإنسان والمجتمع إلى التغلب، منذ الآن، على الأوضاع القائمة على الإثم والظلم، وإلى العمل على إيجاد الظروف الملائمة للحرية الصحيحة (حول "الحرية المسيحية والتحرّر"، عدد 60). 
التحرير من الخطيئة ومن الموت ومن الشريعة هو إذًا جزء أساسي من التحرير الكامل، كذلك كما يراه الإيمان المسيحي. ليس الإيمان المسيحي في كماله تكريسًا لله وقبولاً لإعطائه لذاته فقط. بل وايضًا طريقة حياة جديدة، تتضمّن بالضرورة عملاً في سبيل العدالة. هذا العمل هو بدوره طريقة لمعرفة الله والثقة به. هناك ترابط وتكامل كلي بين الإيمان والسعي إلى العدالة والمحبة. يخلق روح الله أناسًا جددًا وأحرارًا، سيعرفون بدورهم كيف يختلقون مجتمعًا حرًا ومحررًا.

3- لاهوت التحرير في أميركا اللاتينية: مثال لتحرير الإنسان الكامل في المسيح

أ- مكان وموضوع لاهوت التحرير في أميركا اللاتينية.
نقطة إنطلاق هذا التيار اللاهوتي كان اجتماع سينودس أساقفة اميركا اللاتينية الثاني في ميديلين (كولومبيا) سنة 1968، تحت عنوان: "الكنيسة في التحول الحالي في أميركا اللاتينية على ضوء المجمع". كان الهدف من وراء هذا الاجتماع توضيح موقف الكنيسة في حالة ملموسة تعاني منها الأكثرية الساحقة من سكان هذه البقعة من العالم: إستعمار سياسي واقتصادي، تخلّف وعدم مساواة اجتماعية عميقة، فقر وظروف حياة لا إنسانية للشعب، أنظمة سياسية مستعبدة، الخ... أمام هذه الأوضاع، لا يمكن للكنيسة أن تقف صامتة أو لامبالية أو محايدة، بل عليها أن تطبق على نفسها دعوة المجمع الفاتيكاني الثاني الكنيسة الى الانفتاح على العالم وعلى مشاكل البشرية. على ضوء ذلك، دعا هذا السينودوس إلى التغيير الاجتماعي والإصلاح السياسي، أدان الإستعمار الجديد، والتزم، بخيار تفضيلي، جانب الفقراء، محددًا أسس التوجه الرعوي الجديد.
في هذا الإطار العام، حدّد لاهوت التحرير ذاته كطريقة جديدة في التفكير اللاهوتي، لا تبعًا لعملية أكاديمية علمية، بل إنطلاقًا من معاناة الجماهير المسحوقة والمستعبدة، كتفكير نقدي إنطلاقًا من ممارسة تحريرية، على ضوء الإيمان. بحسب هذا اللاهوت لا يقوم هذا الالتزام بالفقراء على مساعدتهم "ماديًا" فقط، بل وخاصة على مساعدتهم على تحرير أنفسهم، من خلال عملية تحرير كاملة. وحده هذا النهج التحريري قادر على تغيير الأوضاع الاجتماعية، للوصول إلى تغييرات جذرية في التركيبات، تساعد الفقراء على الخروج من أوضاعهم الصعبة.
لاهوت التحرير هو إذًا "لاهوت موضوع في إطار"، أي إنه ينطلق من واقع تاريخي معيّن، ويحاول إنارته على ضوء الوحي. هذا الإطار هو الإطار الملموس الذي تعيش فيه كنيسة الفقراء إيمانها، والذي يحاول تفسيره على ضوء الإنجيل. إنها قراءة جديدة لحدث يسوع المسيح وربط له بالوجود المسيحي الحالي في أميركا اللاتينية. تتمحور هذه القراءة على أوقات ثلاثة: يبحث اللاهوتي عن أسباب حالة القهر والظلم التي يعيشها الفقراء، ويحللها على ضوء العلوم الإنسانية والاجتماعية؛ ثمّ، يقرأ كلمة الله ليكتشف تصميم الله على الفقراء؛ وأخيرًا، يقدّم ما يجب عمله للتغلّب على القهر والظلم، بالتوافق مع التصميم الإلهي. هذا اللاهوت هو ترجمة لخيار الكنيسة التفضيلي للفقراء ولممارستها التحريرية.

ب- قراءة جديدة لمضامين الإيمان المسيحي
لقد أدّت هذه الطريقة الجديدة في التفكير اللاهوتي إلى قراءة جديدة لمضامين الإيمان ولممارسة المسيحيين.
في ما يخص الإيمان بالله، ليس الخيار المطروح أمام المؤمن في أميركا اللاتينية خيارًا أمام الإيمان أو الإلحاد، بل خيارًا بين إله يحرر الفقراء وإله يعكس مجتمعًا تسيطر عليه قوى مستعبدة. بحسب لاهوت التحرير، الإله المسيحي الحقيقي هو إله سفر الخروج والأنبياء، الإله الذي يسمع صراخ المسحوقين والمظلومين، ويقرّر تحريرهم. إنه الإله الذي يختار جانب الفقراء، الإله المحرّر، الذي يقود شعبه نحو اختبار تحرير كامل. إنه إله التاريخ، وليس إله المقولات الميتافيزيقية، إله يكشف عن نفسه ويؤسس ملكوته النهيوي في التاريخ، وفي التاريخ نلتقي به ونشترك في عمله التحريري.
بحسب هذا التوجه، يرى لاهوت التحرير في ثالوثية الإله المسيحي رمز ومثال مجتمع بشري وجماعة كنسية مبنيين على الشراكة والمشاركة والمساواة. ليس الإله المسيحي الإله الوحيد، الذي يمكن أن يُستعمل كتبرير لأنظمة إستبدادية "توحيدية" و"لكنيسة هرمية"، بل هو إله شراكة أشخاص، وهو الذي يضمن مجتمعًا متساويًا وكنيسة أخوية.
في ما يتعلق بالإيمان بيسوع المسيح، يتميّز لاهوت التحرير بتوجّه لا يشدّد كثيرًا على المسائل الكرستولوجية العقائدية التقليدية، بقدر ما يحاول إتباع يسوع الناصري في تبشيره، في أعماله، في مواقفه وفي خياراته، وأخيرًا في "البعد الإجتماعي والسياسي" التحريري لموته ولقيامته. في هذا الإطار، يركز هذا اللاهوت على الموضوع الأبرز في تبشير يسوع: "ملكوت الله". إنه الإله الذي يؤسّس هذا الملكوت في التاريخ، بواسطة حياة يسوع وعمله التحريري، وبواسطة موته وقيامته. يتوجه هذا الملكوت أولاً إلى فقراء؛ وهو يعمل في معجزات وشفاءات يسوع، في خياراته وفي مواقفه تجاه السلطة القائمة، سواء أكانت سياسية أم دينية.
في هذا التوجه، بعيدًا من أن تكون كرستولوجيا عقائدية جافة، تبرز كرستولوجيةُ لاهوت التحرير كرستولوجيا "من أسفل"، أي إنها تحاول أن تكتشف، في حياة إبن الله البشرية، التصميمَ الذي يحقق فيه الله تحريرًا كاملاً للبشرية. ليس هناك من فصل بين يسوع التاريخ ومسيح الإيمان، وإن كانت "إستقامة الممارسة" (Orthopraxie) تسبق "إستقامة الإيمان" (Orthodoxie). إنه قراءة عملانية لمضمون الإيمان المسيحي حول يسوع المسيح.
إن يسوع، خاصة في الموت على الصليب وفي القيامة، يكشف عن هويته الحقيقية. يجب إعطاء سر الصليب كل ثقله، في حقيقته التاريخية، من خلال تفسيره على ضوء حياة يسوع. يظهر يسوع في حالة صراع، بالنسبة إلى صورة الله. فالصورة التي ينقلها عن الله هي صورة إله يحرر وينبذ كل قوة مستعبدة. لذلك حكم عليه بالموت كمجدّف وكمهدد للنظام الديني والاجتماعي والسياسي القائم. في القيامة، ظهرت قوة حب الله التي كانت تسكن يسوع، ووضعت ختمًا على عمله التحريري.

ج- الكنيسة، علامة وأداة تحرير إنساني كامل
في ما يتعلّق بالكنيسة، يشدّد لاهوت التحرير على صورة الكنيسة كـ "شعب الله" (صورة يأخذها من الفصل الثاني من دستور "في الكنيسة" في المجمع الفاتيكاني الثاني). تشير هذه الفكرة أساسًا إلى مبدأ الشراكة، الذي يجب أن يجمع الكنيسة، ويعطي معنى جديدًا لممارسة الخدم والأدوار فيها. في المقابل، يجب النظر إلى رسالة الكنيسة الأساسية في شموليتها: يتضمن التبشير العمل في سبيل العدالة والتحرير الكامل للإنسان، كجزء أساسي منه. إنه "تبشير محرّر". هذا يعني أن الفقراء هم أنفسهم الكنيسة؛ على الكنيسة أن تصبح بكليتها فقيرة، أن تصبح "كنيسة الفقراء".
هكذا تضحي الكنيسة شعب الله السائر، جماعة تعمل في سبيل التحرير الكامل. لكي تكون الكنيسة أمينة ليسوع المسيح أساسها، عليها أن تعي ذاتها إنطلاقًا من الفقراء والمقهورين، وأن تصبح فقيرة معهم ومثلهم، لتشارك في تحريرهم. إنها طريقة جديدة في تصور الكنيسة، لكي تكون هذه الأخيرة في الحقيقة واليوم "سر تحرير تاريخي"، غير متمحورة حول ذاتها، لكي تتمحور حول ربها وحول ملكوت الله الذي يؤسَّس بين البشر.

د- لاهوت التحرير وتعليم الكنيسة الرسمي
لقد خصّص مجمع تعليم الإيمان مذكرتين حديثتين حول لاهوت التحرير. كان عنوان المذكرة الأولى: "حول بعض نواحي لاهوت التحرير" (1984)؛ أما الثانية فحملت عنوان "الحرية المسيحية والتحرر" (1986). هدفت المذكرة الأولى إلى التنبيه من بعض الأخطار والمواقف غير المقبولة في لاهوت التحرير؛ وأرادت المذكرة الثانية تقديم التصور المسيحي للحرية وللاهوت الخلاص والتحرير. تتركز مخاوف تعليم الكنيسة الرسمي حول ارتباط مفاهيم لاهوت التحرير بالتحليل الماركسي، مع ما يحمله من إيديولوجية خطرة؛ حول الفصل بين "استقامة الممارسة" و"استقامة الإيمان"؛ وحول ضرورة الحفاظ على البعد المتسامي للسر المسيحي، في مواجهة أي إنقاص وحصر للخلاص في بعده الأفقي، كتحرير إنساني، وبالتالي جعل رسالة الكنيسة مجرد مشروع تاريخي واجتماعي وسياسي. في هذا المعنى، تقول مذكرة "الحرية المسيحية والتحرير": "إن حقيقة سرّ الخلاص الذي يعمل في التاريخ اليومي، حاملاً معه البشرية المفتداة نحو كمال الملكوت، هي التي تستمدّ منها الجهود التحرّرية دلالتها الحقيقية اللازمة على الصعيد الاقتصادي والاجتماعي والسياسي، وتحول دون إنزلاقها إلى عبوديات جديدة" (عدد 99).

خلاصة: اليوبيل زمن تحرير وحرية
التحرير الحقيقي هو من عمل الله وحده، وليس من هذا العالم. مع ذلك، فهو يتحقق في هذا العالم ولأجل هذا العالم. إنه تحرير كامل، يهدف إلى خلق الإنسان الحر. يعني التحرير الكامل تحرير الإنسان في جميع أبعاد وجوده. في علاقته مع الله، إنه تحرير من الخطيئة، من خلال جواب الإيمان الكامل، كاعتراف بعجز الإنسان عن تخليص نفسه، وكاستسلام واثق لغفران الله في المسيح. في علاقته مع الآخرين، إنه تخطٍّ للأنانية، من خلال حب القريب الحقيقي، المتمّم في الاحترام الكامل لكرامة كل إنسان، كابن لله وأخ للمسيح، وفي الالتزام بتحريره من كل ظلم وقهر، ومن كيانه، لأنها تحرّره في البعد الأساسي للحرية، الذي هو الحب: حب الله وحب القريب، اللذين يرتبط أحدهما بالآخر بدون انفصال. والأهمية التي تعطيها المسيحية لحب القريب، كإتمام حقيقي وحيد لحب الله، تجعل من الأنانية خطيئة الإنسان الكبرى، تلك الخطيئة التي تجعل القاهرين والمقهورين عبيدًا على السواء، وإن بطريقة مختلفة.
على مثال يسوع المسيح، تختار الكنيسة تفضيل الفقراء والضعفاء والمقهورين، وتلتزم بمساعدتهم على أن يجدوا، في كلمة الله، معنى لحياتهم، فيساهموا هم بدورهم في خلاصهم وتحريرهم. لا يمكن للمسيحيين أن يعيشوا في رخاء، وأن يكونوا لامبالين أمام مشاكل البؤس والظلم في العالم. على الكنيسة، التي تهتدي بإنجيل محبة ورحمة الانسان، أن تسمع صراخ الذين يطلبون عدالة، وأن تريد الجواب عليه بكل قواها، من خلال التزامها بخدمتهم. هذا لا يعني أن تصبح الكنيسة "حزب فقراء"، ضد الآخرين، بل أن تذكر دائمًا تفضيل أولئك الذين يرفضهم مجتمع البشر، ويضعهم على الهامش. في يسوع المسيح، اختار الله بقوة جانب الفقراء والمستضعفين، ورسم بالتالي الطريق لكنيسته. ليس الهدف انتصار الفقراء على الأقوياء، بل إقامة مجتمع أخوي ومتساو، مجتمع أبناء الله، وتكوين "عائلة الله" على الأرض. بدون أن تأخذ مكان الدولة، وبدون أن تعتمد شريعة القوة والسلطة، تقدّم الكنيسة على أنها "المجتمع الصالح"، نور العالم وملح الأرض، مجتمع مثال للعالم بأسره.
هذه هو معنى إحتفالنا باليوبيل المقدس. فإذا كانت كلمة يوبيل تعني، كما يقول قداسة البابا، "الفرح لا الفرح الداخلي فقط، بل الفرح الذي يظهر في الخارج أيضًا، لأن مجيء ابن الله تمّ أيضًا في الظاهر... فيجدر إذن أن تظهر في الخارج كل علامة فرح ينشئها هذا المجيء" (إطلالة الألف الثالث، عدد 16). فلكي تفرح الكنيسة بالخلاص وتدعو الجميع إلى الفرح، عليها أن تسعى جهدها لاستنباط الظروف المؤاتية لكي يتمكن كل أحد من المشاركة في قوة الخلاص (المرجع نفسه). لذا يبدو الالتزام بالعدالة والسلام، في عالم موصوم بنزاعات وبفوارق اجتماعية واقتصادية لا تطاق، مظهرًا مميزًا لتهيئة اليوبيل والاحتفال به، بالتالي، على المسيحيين أن يكونوا "صوت جميع فقراء العالم" (المرجع نفسه، عدد 51).
في ذلك كله، تنظر الكنيسة بثقة إلى مريم "أيقونة التحرير" وتسعى لتتطابق معها، إذا رغبت في العمل على تحويل المجتمع، ليصير انعكاسًا وتهيئة لملكوت الله. لأن "عذراء نشيد التعظيم، التي، بسموّ روحها، تشمل بصلاتها الكنيسة والإنسانية، وهي دعامة الأمل الراسخة. من خلالها نرجو انتصار المحبة الإلهية التي لا تحول دونها عقبة، ونكتشف إلى أية درجة من الحرية يحبّ الله الودعاء. وعلى الطريق التي رسمتها يحق للإيمان العامل بالمحبة أن يتقدّم باندفاع كبير" (حول "الحرية المسيحية والتحرر"، عدد 100).

المراجع
(1)- Bonora A., "Liberazione/Libertà" dans Nuovo Dizionario di teologia biblica, San Paolo, Milano 1988, p. 823-835.
(2)- Congrégation pour la doctrine de la Foi, "Instruction sur quelques aspects de la théologie de la liberation", (1984).
(3)- Dupuis J., "Théologie de la liberation", dans Dictionnaire de théologie fondamentale, Cerf, Paris 1992, p. 1386-1393.
(4)- Ellecuria I., "Liberazione" dans Collectif, Concetti fondamentali del cristianesimo, Borla, Roma 1998, p. 618-621.
(5)- Galot J., Le problème christologique actuel, C.L.D., 1979 
(6)- البابا يوحنا بولس الثاني، إطلالة الألف الثالث، 1994.
(7)- مجمع العقيدة والإيمان، مذكرة حول "الحرية المسيحية والتحرر"، 1986.
(8)- معجم اللاهوت الكتابي، "تحرير/حرية"، دار المشرق، بيروت 1986، ص. 188-192.
(9)- سيدهم وليم، لاهوت التحرير في أميركا اللاتينية، دار المشرق، بيروت 1993.
شفاء الأعمى ولقاء يسوع بزكّا لو 18: 35-19: 10

قراءة روحيّة
الرابط بين شفاء الأعمى ولقاء يسوع بزكّا هو أنّهما جريا في أريحا. الأوّل فقير يستعطي والثاني غنيّ رئيس للعشّارين. الاثنان يسعيان للوصول إلى يسوع. الاثنان عندهما عائق يمنعهما من ذلك (الأوّل أعمى والثاني قصير القامة). لكنّهما في النهاية سيصلان إلى مبتغاهما. كيف تمّ ذلك بحسب رواية إنجيل لوقا؟ ما هي العبر الروحيّة التي نتغذّى منها؟

شفاء الأعمى 
- نراه في البدء جالسًا على جانب الطريق وفي النهاية يتبع يسوع. كيف جرى هذا التحوّل؟
- أعمى يستعطي (شحّاذ)، حُرم النظر فلم ييأس؛ استعمل السمع. تقبّل ما عنده من نقص (إعاقة) ولكنّه استغلّ ما عنده. لم يجلس "يندب حظّه" على فقدان النظر. استغلّ حواسه الأخرى للوصول إلى مبتغاه... لم يطمر الوزنة التي حصل عليها.
- عندما سمع صوت الجمع استخبر: ما عسى أن يكون. فاخبروه أنّ يسوع الناصريّ مارّ من هناك. بمعنى آخر لو لم يستخبر لما أخبروه. عرف كيف يقرأ العلامات المحيطة به وعدم اعتبارها شيئًا طبيعيًّا. فالأشياء الطبيعيّة قد تحمل أشياء غير عاديّة: يسوع الناصري. أساسيّ جدًّا أن ننبهر أمام الأشياء الطبيعيّة العاديّة لعلّها تقودنا إلى الذي هو في أساسها.
- أخبروه أنّ يسوع الناصريّ مارّ من هناك. فأخذ يصيح: "رحماك يا يسوع ابن داود". الجمع يُخبر الأعمى بما رأوه: يسوع بنسبه البشريّ، بأصله الزمنيّ؛ أخبروه بما تراه أعينهم الأرضيّة. أمّا هو فرأى أبعد مما رأوه: "يسوع ابن داود"؛ إنّه يراه بعين الإيمان، يرى نسبَه المسيحانيّ، أصله الإلهيّ. فالأعمى يظهر كمثال المؤمن الذي يرى أبعد مما يراه الآخرون؛ بل أكثر من ذلك، يُعلن ما يراه بعين الإيمان مرّة ومرّتين، ويزداد صياحًا عندما يجد معارضين لهذا الإيمان ولا يهابهم. فلو سكت نزولاً عند طلب الجمع لما حدث أيّ تغيير في حياته.
- "فوقف يسوع وأمر بأن يؤتى به". توقّف يسوع لأنّه سمع شخصًا يناديه مُباشرة باسمه، أي بهويّته الحقيقيّة. إنّها حقيقة إيمانيّة تتمحور حولها تصرّفات المؤمن وصلاته وكلّ حياته: يسوع يتوقّف عند طلبتنا، يتوقّف ليستمع إلينا، يتوقّف ليدعونا لنقوم أمامه.
- أمام صرخة الأعمى: "يا ابن داود ارحمني"، يسوع يسأله: "ماذا تريد أن أصنع لك؟" يدخل يسوع في حوار مع الأعمى. يسوع ينزل عند رغبته ولا يتجاوز إرادة الإنسان (رغبة الإنسان ضروريّة لكّنها غير ملزمة بحسب خير الإنسان الذي يعرفه يسوع). فيسوع لا يعمل الأشياء التي ليست لخيرنا؛ ولا يستطيع أن يعمل أشياء لا تتناسب مع طبيعته (مساعدتنا على السرقة مثلاً).
- يسوع يسأل الأعمى ضمن "وظيفته". إنّه شحّاذ متسوّل؛ يسوع يسأله بكلّ بساطة: ماذا تريد؟ بمعنى آخر، يسوع يطال الإنسان حيثما كان، يطاله في حياته العاديّة وضمن منطقه، ولكن لا ليبقيه في مكانه بل ليدفعه إلى الأمام.
- "يا ربّ أن أبصر". طلبُ الأعمى يبدأ بإعلان هويّة يسوع الأساسيّة: يا ربّ. وعلى هذا الأساس (ألوهيّة يسوع) يسأله ما يستطيع أن يعمله: أن أبصر.
- "أبصر إيمانك خلّصك". ما هو إيمان الأعمى؟ لا يقتصر إيمان الأعمى على الإعلان: ابن داود، يا ربّ، بل يشمل كلّ المسيرة التي قام بها.
- أبصر الأعمى، لكنّ القصّة لم تنتهِ. نتيجة إيمانه لم تكن عودة الرؤية إليه فقط. هناك نتيجة مزدوجة: شخصيّة وجماعيّة. على الصعيد الشخصيّ، رأى، تبع يسوع، مجّد الله؛ على الصعيد الجماعيّ، الشعب بأجمعه رأى، سبّحوا الله. فالذين كان لهم دور سلبيّ مع الأعمى، كان للأعمى دور إيجابيّ معهم.
- خاتمة: توقّفنا على كلّ الكلمات التي وردت في رواية شفاء الأعمى، وأخذت كلّها معناها الروحيّ. ولكن تبقى كلمة واحدة وردت مرّتين في النصّ لم نتطرّق إليها، وهي في أساس علاقة الأعمى بيسوع: إنّها الرحمة. "رحماك"، ارحمني". إنّها المحور الذي تدور حوله أحداث النصّ كلّها: رحمة يسوع التي تُظهر رحمة الله؛ لذلك نرى في نهاية الرواية: اتّباع يسوع وتمجيد الله.

اللقاء مع زكّا
- بعد اقترابه من أريحا، يسوع يدخل أريحا. زكّا رئيس العشّارين له هدف واضح: "يُحاول أن يرى من هو يسوع". ويبدأ سعيه للوصول إلى غايته.
- يصطدم زكّا بعائق مزدوج: كثرة الزحام وقصر القامة. وكما هي الحال مع الأعمى، لم يتوقّف زكّا عند أوّل صعوبة. فالذي يسعى للوصول إلى يسوع يعمل المستحيل (حاملو المخلّع، مثلاً، ثقبوا السقف؛ زكّا صعد جميّزة؛ النازفة اخترقت الجموع...)
- قام زكّا بمجهود شخصيّ. صعد ليرى يسوع، وإذا بيسوع يرفع نظره ويرى زكّا. يسوع يطال الإنسان حيث هو: على قارعة الطريق أو على جميّزة، فقيرًا كان أم غنيًّا، شحّاذًا أو رئيس عشّارين...
- لم يتخطّ يسوع مجهود زكّا بل تمّمه: كمّله وأعطاه معناه وأوصله إلى الغاية المنشودة الحسنة. لذلك دعاه للنزول على عجل لأنّ يسوع سيُظهر نفسه لزكّا من خلال دخوله بيته.
- هدف زكّا ليس رؤية يسوع بعين الجسد (طوله، لون شعره، ماذا يرتدي...) وإلاّ لكان قد وصل إلى غايته عند صعوده إلى الجمّيزة وانتهت الرواية. ولكّننا نراه ينزل سريعًا عندما دعاه يسوع لأنّ زكّا يفتّش عن شيء أعمق.
- ينزل زكّا ويستقبل يسوع فرحًا مسرورًا لأنّ هدفه بدأ يتحقّق. رأى يسوع بعينيه وسيراه بقلبه. 
- الجمع الذي كان يشكّل حاجزًا بين زكّا ويسوع سيستاء ويتذمّر: "دخل بيت رجل خاطئ ليبيت عنده". هذا صحيح! لكنّ يسوع دخل بيت الخاطئ لا ليُبقيه خاطئًا بل ليحوّله إلى تائب مكفّر عن خطيئته. 
- خطيئة زكّا رئيس العشّارين معروفة؛ أمّا خطيئة الشعب فهي أنّه عندما يكوّن فكرة عن إنسان معيّن يرفض أن يغيّرها وكأنه يحكم على ذلك الإنسان بأنّه لن يتغيّر ويحكم على قدرة الله التي باستطاعتها أن تجعل الإنسان يتجدّد وأن تخلقه إنسانًا جديدًا.
- لم يقل يسوع لزكّا أيّ شيء عن خطيئته. لكنّ زكّا، بمجرّد وجوده أمام يسوع يرى خطيئته ويعرف أنّها العائق الوحيد الذي يمنعه عن رؤية َمن هو يسوع. لذلك كان على زكّا أن يُكفّر عن خطيئته أوّلاً ويتوب عنها. توبة زكّا توبة عمليّة.
- كيف كانت توبة زكّا؟ قبل أن يتحدّث عن ماضيه، يتكلّم زكّا عن الحاضر والمستقبل: ها إنّي أعطي الفقراء نصف أموالي، وإذا ظلمت أحدًا أردّه عليه أربعة أضعاف. فالندامة الحقيقيّة تبدأ بالحديث عن المقاصد المستقبليّة ثم تنتقل للندامة عن الماضي وللتكفير عنه.
- بعد ذلك يُعلن يسوع أنّ الخلاص قد حصل لهذا البيت. فما هو الخلاص؟ مع الأعمى، "إيمانك خلّصك": فالأعمى موجود في حضرة يسوع ويطلب رؤيته بعد أن أعلن إيمانه وأزال الحواجز الخارجيّة والداخليّة. مع زكّا، "اليوم،حصل الخلاص لهذا البيت": زكّا في حضرة يسوع وقد أزال كلّ الحواجز الداخليّة والخارجيّة. فلماذا لا يحصل الخلاص لزكّا الذي آمن (إذ هو ابن إبراهيم أبي المؤمنين)؟
- زكّا يسعى ليرى من هو يسوع، فإذا بيسوع يرى زكّا. زكّا يبحث عن يسوع، فإذا بيسوع ابن الإنسان يبحث عن زكّا الهالك ليمنحه الخلاص. زكّا يبحث ليرى مَن هو يسوع، وإذا بيسوع يكشف عن نفسه لزكّا. من هو يسوع؟ هو ابن الإنسان الذي جاء ليبحث عن الهالك ويُخلّصه؛ إنّه الخلاص.
- خاتمة: هناك كلمة تتكرّر مرّتين في نصّ زكّا وهي كلمة "اليوم" (يجب عليّ أن أقيم اليوم في بيتك؛ اليوم حصل الخلاص لهذا البيت). والاثنتان تردان على لسان يسوع. خلاص الله لا يتأخّر؛ إنّه معطى "اليوم" لكلّ من يطلبه. على الصليب مثلاً، عندما طلب اللص من يسوع أن يذكره في ملكوته، أجابه يسوع: "اليوم تكون معي في الفردوس". في مجمع الناصرة يُعلن يسوع: "اليوم تمّت هذه الكتابة". كلام الله وخلاصه بيسوع موجّهان لنا دائمًا في صيغة الحاضر: "اليوم".
- ملاحظة: ما هو الرابط بين الروايتين وبين مدينة أريحا؟ أريحا هي أوّل مدينة دخلها العائدون من مصر والداخلون إلى أرض الميعاد. أريحا مدينة مدمّرة ولا خلاص لها (يشوع 1-6 خاصّة 6: 26). مع يسوع ستحصل على الخلاص (اسم زكّا يعني "المنتصر"). المدينة المدمّرة سيُعطيها الربّ الحياة بعد أن فقدت كلّ أمل ورجاء بالحياة.

خلاصة وأفكار للتأمّل 
- الفقير والغنّي على السواء هما بحاجة إلى يسوع. يسوع يُلبّى الحاجة النفسيّة والجسديّة. 
- في السعي نحو يسوع يكفي على الإنسان أن يخطو خطوة نحو يسوع حتى يجد يسوع يتمّمها له ويقوده خطوة بعد الأخرى في السير وراءه. إرادة الإنسان أساسيّة. (الله الذي خلقك بدونك لا يستطيع أن يُخلّصك بدون إرادتك).
- لكي ترى يسوع بقلبك عليك مثل زكّا أن تمرّ بتنقية ذاتك تنقية عمليّة.
- أنا أبحث عن يسوع، أنتظره؛ ولكن هو الذي يكشف لي عن نفسه وعن هويتّه: هو الخلاص، هو الذي يبحث عنّى ويُخلّصني.
- مع يسوع لا شيء يبقى مدمّرًا، لا شيء يبقى دون أمل ورجاء. حتّى المدينة التي وقفت في وجه شعب الله ستنال الخلاص لأنّها بحثت عن يسوع وتابت توبة حقيقيّة وسألته الرحمة.
- يسوع يزرع الرجاء والخلاص حيث نعتبر أنّ كلّ أمل بالحياة قد فُقد. 
عاموس والعدالة الاجتماعيّة
أو عاموس نذير خلاص الرب

مقدّمة
منذ ألفين وثمان مئة سنة وقف نبّيٌ راعٍ (نقد= راع وصاحب ماشية أو مربّيها): عبارة لم يطلقها الكتاب المقدس إلاّ على شخصيتين كتابيتين: النبي عاموس (عا 1: 1) وميشاع ملك موآب (2 مل 3: 4). لكنّ النبيّ يلقّب ذاته أيضًا بعبارة أخرى فريدة من نوعها في كل الكتاب المقدّس وهي بوقر- أصل الكلمة ب ق ر = بقر- وتعني: راعي بقر، مربّي ماشية، راعي... "إني لست نبيًا ولا إبن نبيّ، إنّما أنا راعي بقر (ب ق ر) وجاني جميّز..." (7: 14). كل هذه العبارات تدلّ على أن عاموس كان ينتمي إلى بيئة زراعيّة ريفيّة وكان صاحب ماشية أو كان أجيرا يرعى قطيع أحد الأغنياء أو ربما مواشي الملك. كان من قرية تقُوَّعْ (عا 1:1)، وهي قرية في اليهوديّة تقع في جنوب أورشليم على مسافة 18 كلم وتبعد 9 كلم إلى الجنوب الشرقي من بيت لحم، تدعى الآن "تقوعة". كانت معروفة في أيام داود الملك (2 صم 14: 2) وفيما بعد جدّد رحبعام بناءها وحصّنها (2 أخ 11: 6). في جوارها تقع بريّة تسمّى "بريّة تقوّع" (2 أخ 20:20) لا تصلح إلاّ لرعي الغنم، وغنمها صغير ونحيف ولكنّ صوفه جيّد ومرغوب. والجميّز (7: 14) لا يوجد إلاّ في بعض الوديان المجاورة لها إلى جهة الشرق. وكان عاموس، فضلاً عن اهتماماته برعاية المواشي في بريّة تقوّع، واخز جميّز. كان ينخز الثمار ليجعلها حلوة وليعجّل في نضجها. في تلك البلاد المقفرة، تربّى عاموس واستعّد لرسالته كما استعّد موسى في أرض مديان، ويوحنا المعمدان في برية يهوذا، بجرأة عظيمة في وجه "الفوضى الأشوريّة" التي سحقت بهمجّيتها البائس والمسكين من أبناء المشرق القديم واسرائيل (1: 3-2: 16).
منذ أكثر من ثمان وعشرين قرنًا، لمع شهاب عاموس النبي "ع م وس، الرب يحمل". هو من أصل قروي كما رأينا، ولكنّه ليس بذلك الأمّي وغير المثقَّف، فلا نرى في نبوءته لغة رجل بسيط بل فصاحة الكلام وإتقان الترتيب. ونستنتج أن عاموس كان يتردّد إلى مدن اسرائيل لأجل بيع منتجاته الزراعية، فكان يخالط كل طبقات المجتمع وخاصة المثقفين، فيسمع الأحاديث ويتأملها ويلاحظ الامور السياسية والدينية، فيتأثرّ مما يرى. تنبأ في الربع الثاني من القرن الثامن ق.م. يوم كان يملك في اسرائيل يربعام الثاني (787-747) وفي يهوذا عزيّا (781-740). في ذلك الوقت، كانت مملكة اسرائيل، مملكة القبائل العشر، تعرف ازدهارًا سياسيًّا وماديًّا كبيرًا، وذلك لأن يربعام الثاني ردّ تخم اسرائيل من مدخل حماة إلى بحر العربة أو بحر الميت (2 مل 14: 25)، في زمن ضعفت آدام (وعاصمتها دمشق) بسبب هجمات أشور على حدودها. فبعد سنوات من القلاقل، حلّ في مملكة اسرائيل السلام والازدهار، وكثر الغنى عند بعض الفئات، وأخذت الطبقة الميسورة من المجتمع تعيش حياة الرفاهيّة والبذخ والترف. ولكن كان زمان ظلم وفساد ورياء وتمسك بطقوس دينيّة فارغة من جوهرها (عا 5: 21-24؛ رج أش 5: 8-23). لمع شهاب عاموس في سماء الشرق، فكان كالبرق قصير المدى وكالرعد قويّ الصدى يُنذر بقدوم العاصفة. وهبّت "العاصفة العاموسيّة" من الجنوب، فضربت مجتمعًا باليًا سكرانًا بالفسق، مترنّحًّا بين ذراعي دليلة الفاجرة، فعرّته من أوهامه الكاذبة كما تعرّي الرياح الخريفيّة شجر الغاب، فأيقظته من نومه العميق على صوت نبيّ يقول: "إستعدّ للقاء إلهك يا إسرائيل!" (4: 12).
لقد فقد عاموس الصبر أمام مجتمع فاسد، ظالم، يدّعي الايمان بالله ويُكثر من تقدمة الذبائح وإقامة الشعائر الدينيّة المنافقة. لم يجامل الظلم، فهو نذير لإله يرفض الصنميّة على أنواعها كما يرفض أن يُباع الله باحتفالات طقسية مزيفّة. لقد دوّى صوته في مدن مملكة الشمال ومعابدها، خاصة في معبد بيت إيل (وهو المعبد الرئيسيّ الذي حاول أن يزاحم هيكل أورشليم، 4: 4-5)، فأطلق الحريّة لله ودعا الأوهام لكي تتبخرّ وتتوارى من أمام وجهه القدّوس. فغاب الأمل الهشّ والخدّاع تاركًا المكان للرجاء الصالح الآتي من السماء.

1- عاموس نذير الحق في مجتمع اللاعدالة
تتّسم رسالة عاموس بطابع "مسكونيّ" شامل. فهذا النبي الذي هو من مملكة يهوذا (مملكة الجنوب) يُؤمر بالتنبؤ في مملكة إفرائيم (مملكة الشمال). فقدومه إلى تلك الديار علامة وحدة. فإسرائيل، وإن كان منقسمًا على الصعيدين السياسي والديني (تمّ الأنقسام بعد موت سليمان الملك سنة 933 ق.م.)، لا يزال يشكّل شعبًا واحدًا لإله واحد. هذا النبي المزعج رفض المساومات السياسية والدينيّة، رفض كل جور وظلم يصيب المساكين في مملكة عرفت الازدهار واللاعدالة معًا أيام يربعام الثاني (787-747 ق.م.)، كما رفض أن ينغلق على نفسه في شعب اسرائيل، فتطلّع إلى الشعوب الوثنيّة المجاورة، فندّد بظلمها وجوْرِها مهددًا إيّاها بالعقاب الآتي من السماء. هذا الإله الذي ملأ حياة عاموس، ليس إلهًا فئوّيًا لشعب معيّن، بل هو إله جميع الشعوب. فلا امتياز ولا اختيار. لذا لا يذكر عاموس في سفره عبارة "إله اسرائيل"، بل "رب الجنود" أو "السيد الرب" أي رب الجميع دون تفرقة، هو الذي يرعى العدالة والحق ويدافع عن حق الفقراء، بمعزل عن هوّيتهم الشخصيّة، أمام جشع الاغنياء. إّنه إله الحق يهدّد ويوّبخ الوثني كما الاسرائيلي، لكنه يمنح الخلاص لكليهما بالتوبة.

أ- عاموس نذير الرب عند الامم المجاورة
لمّا بدأ عاموس رسالته في مملكة إفرائيم، كانت الضمائر سكرى بالعنف والظلم. وكان البشر، في الأمم المجاورة واسرائيل، يعيشون وكأن الله ليس في الوجود. فأتى عاموس ليُخرج الله من صمته ويؤكّد أن الله في يقظة دائمة وحضوره يملأ كل الأحداث والأزمان: "الله يزأر من صهيون ويجهر بصوته من أورشليم فتنتحب مراعي الرعاة وييبس رأس الكرمل" (1 :2). من خلال صورة الأسد الزائر والجفاف القاتل، نجد عبارة "مراعي الرعاة" أي بريّة تقوّع وهي بلاد عاموس في مملكة الجنوب، وعبارة "رأس الكرمل" المشهور ينباته وأشجاره وهو في مملكة الشمال: عبارتان ترمزان إلى مملكتي الشمال والجنوب أي إلى كل أرض اسرائيل. يُعلن عاموس مجيء الرب القريب والمهيب ليدين الأمم واسرائيل نفسه (1: 3-2: 16). إذا جمعنا يهوذا واسرائيل في شعب واحد، نكون أمام سبعة شعوب مجاورة لإسرائيل. هذا يعني أن شعوب العالم هي كلّها تحت نظر الله وهو يدينها. يدين الشعوب الوثنيّة كما يدين شعبه، فلا فرق بين الإثنين. وأوّل الماثلين أمام المحكمة الإلهيّة هي دمشق (1: 3-5). ولماذا تُحاكم العاصمةُ الآراميّة؟ لأنها داست جلعاد، وهي منطقة في شرقي الاردن حيث تقيم قبيلة جاد وبعض قبيلة منسّى. إحتلها الملوك الآراميون عدّة مرات: الأوّل هو رزون بن ألياداع الذي هرب من سيّده هدد عازر ملك صوبة (1مل 11: 23-24)، وفي أيام بعشا ملك اسرائيل ضرب بنهدد عيّون ودان ونفتالي وغيرها من نواحي اسرائيل الشماليّة (1مل 15: 20). وبنهدد الثاني حارب آحاب ملك إسرائيل (1مل 20) وفي أيام ياهو ضرب حزائيل اسرائيل بقساوة (2 مل 10: 22-23)، وكذلك في أيام يوآحاز ملك اسرائيل ويوآش ملك يهوذا (1 مل 12: 18 و13: 3). بقيت هذه المنطقة مدّة طويلة بيد دمشق إلى أن استعادها يربعام الثاني (2 مل 14: 25). داسوا الناس بنوارج من جديد كما يُداس القمح على البيادر. هذه الهمجيّة التي لا تمتّ بصلة إلى العاطفة البشرية، لا يرضى الله عنها إطلاقًا، بل سيعاقب أسيادها. ويأتي حكم الله: سيكون مصير دمشق، مصير كل مدينة يدخلها الغزاة: خلع مغلاق المدينة (1: 5) (قوّة الباب من المغلاق وقوة المدينة هي بابها فإذا انكسر المغلاق انكسرت المدينة)، واحتلالها، وإحراق القصر الملكي (يذكر النبي بيت حزائيل فيدلّ على السلالة الملكية في دمشق، ويذكر قصور بن هدد فيعني نهاية مملكة الآراميين في دمشق)، وإجلاء السكان مع الملك والرؤساء. لماذا؟ لأنّ المدينة الظالمة أصبحت "ب ق ع ت. أون، بقعة الإثم" و"ب ي ت ع د ن، أي بيت الملذات" (1: 5)، فاستحقّت بعدل القصاص المهيّأ لها على يد تغلت فلاسر الأشوري (733-732 ق.م.). هذا جاء في أيام آحاز ملك يهوذا (2 مل 16: 9) فاحتلها وقتل ملكها رصين وجلا أهلها إلى قير (2 مل 16: 9)، أي إلى مسقط رأس آرام بحسب عا 9: 7.
وماذا فعل الفلسطيون في غزة (1: 6-8)؟ لقد سبوا الجميع دون تمييز. جاء الفلسطيون من بحر إيجه، وأقاموا على الشاطئ الجنوبي الغربي لكنعان حيث كوّنوا تحالفًا من خمس مدن: غزة، أشدود، أشقلون، عقرون وجتّ. (ليست جت مذكورة هنا ولعلها كانت قد دمّرت، رج 2 أخ 26: 6؛ 2 مل 12: 18). أمّا غزة فكانت على حدود مصر وكانت مركزًا تجاريًّا هامًّا. سبوا الرجال والنساء والأطفال (2 أخ 21: 16-17)، وباعوهم كالعبيد إلى آدوم التي كانت مركزٌ هامًّا لتجارة العبيد. وفي عقرون كان يوجد معبد لبعلزبوب (2 مل 1: 2). مثل هذا العمل يستحق عقابًا من الرب على غرار دمشق. فتمّت النبؤة بدمار أرض الفلسطيين على يد عزيّا (2 أخ 26: 6ي) وحزقّيا (2 مل 18: 8) وتغلت فلاسر وسرجون الملكين الأشوريين (أش 20: 1)، ولم يبق من الفلسطيين حتى البقية الباقية (1: 8).
وخطيئة صور (1: 9-10) هي في نقض "عهد الأخوّة"، والمقصود هو العلاقات الطيبة والعريقة القائمة بين صور واسرائيل منذ زمن سليمان (1 مل 5: 26 و9: 13)، حيث يسمّي الملك حيرام سليمان "أخاه". ثمّ توثّقت علاقة الفينيقيين بمملكة اسرائيل يوم تزوّج آحاب بإيزابيل بنت ملك صيدون (1 مل 16: 31). لكنّ عاموس يعلن أن الفينيقيين نقضوا عهد الأخوّة، وسبوا بني اسرائيل وباعوهم عبيدًا لآدوم (1: 9)، ثمّ سبوهم ثانية وباعوهم لليونانيين (يوء 4: 6). لأجل ذلك ستُحرق صور وتُدكّ أسوارها وقصورها (1: 10).
والحكم على أدوم (1: 11-12). سكن الآدوميون جنوبي البحر الميت وهم يُعتَبرون إخوة بني اسرائيل عبر عيسو (= أحمر) شقيق يعقوب (اسرائيل) (تك 25: 21ي). حُكم عليه بالنار بسبب عدائه المستمّر لإسرائيل. فخطيئته الكبرى أنّه تبع بالسيف أخاه يعقوب (عو 8).
والحكم على العمونيين (1: 13-15). كانت بلاد عمون إلى الجهة الشمالية من موآب وإلى الجهة الشرقية من جلعاد حيث يقيم سبط رأوبين وبعض أسباط منسىّ. اتّهموا بجرائمهم الوحشيّة إذ قد شقوّا بطون الحبالى في جلعاد واستهانوا بالحياة البشريّة وكرامتها واتحدوا مع نبوخذ نصّر ضدّ اسرائيل (2 مل 24: 2؛ حز 21: 28؛ 25: 2-6). أمّا عقابهم، فنار آكلة تزيل عاصمتهم ربّة (عمّان الحاليّة) من الوجود، ويذهب ملكهم وعظماؤه إلى السبي.
والحكم على الموآبيين. تقع بلاد موآب شرقيّ عبر الميت. أمّا "قريت" حيث عاش ملك موآب في القرن التاسع ق.م، فهي "الكرك" الحالية. حُكم عليهم بسبب عملهم البربري (2: 1-3) إذ أخذوا عظام الملك الآدومي من قبره وأحرقوها حتى صارت كلسًا (2: 1) (كانت العداوة قديمة بين الشعبين الموآبي والأدومي رج قض 3: 22-24). في الأقوال السابقة، حكم الرب على الأمم التي تعدّت على شعبه اسرائيل، أمّا الآن فيدافع عن شعب عدّو ووثني هو شعب آدوم. إنّ التعديّ على قبر الميت هو من المحرَّمات، وهذا ما يثير غضب الرب، وإن كان التعدّي من أمّة وثنية على أمّة وثنيّة أخرى، فحق الميت في الدفن هو حقٌّ مقدّس. وكان دمار موآب الكامل قبل السبي، والأرجح أنّه كان عن يد نبوخذ نصّر بعد خراب أورشليم.
والحكم على يهوذا المتهّم بخيانة الرب (2: 4-5) وعبادة الاصنام. فدينونته أعظم من دينونة الأمم الذين ليس عندهم شريعة الرب وكهنتُه وأنبياؤه. أما العقاب فهو أن الرب سيحكم على يهوذا كما على الأمم المجاورة، فتحرَق قصورُ أورشليم. وقد تمتّ النبوءة عن يد نبوخذ نصر الكلداني (2 مل 25: 9).
وأخيرًا يأتي الحكم على مملكة اسرائيل، ولأجل أي علّة ستُحاكم؟ لقد ندّد الله بمعاصي الشعوب الوثنية المجاورة التي خالفت بجرائمها مبادئ الإنسانية وشريعتها، وأظهر بذلك مدى أهميّة الإنسان بالنسبة إليه، فتغاضى عن عباداته وانتماءاته وأعلن عن محبته له والوقوف معه في وجه الظلم والاستعباد (عا 1: 3-7، 9، 11، 13؛ 2: 1). إن عدالة الله تنال الوثني والاسرائيليّ معًا، لأن الربّ هو الحق الذي لا يحابي الوجوه.

ب- عاموس نذير الرب في اسرائيل
والآن ينتقل عاموس من التنبوء على الأمم إلى التنبوء على اسرائيل. يتوّجه النبي بكلامه إلى مملكة اسرائيل الشماليّة، ولكنّه لا ينسى مملكة يهوذا الجنوبيّة. فالمملكتان تشكّلان بنظر عاموس شعبًا واحدًا. تكلّم النبيّ فأكّد بذلك عدم التمييز بين شعب الله والوثنيين. فبدأ بالحكم على القضاء المتهّم بظلم البائس وهضم حقوقه من أجل حفنة من الفضّة (2: 6). فاستسلم حماة العدل والحق للرشوة العلانية، فباعوا البار بنعال المقتدرين (2: 6) وأصبح القاضي يُباع ويُشرى ويحرّف حق المظلوم بشيء زهيد (فضة، نعلين... لقد حارب الأنبياء كثيرًا الرشوة والمرتشين، وخاصة رجال القضاء- راجع عا 5: 7؛ 6: 12؛ أش 1: 23؛ مي 3: 1-3، 9-11؛ 7: 1-3). وتجاهل أصحاب النفوذ حقوق الضعفاء، فاستثمروا عامة الشعب واشتروا القضاة وأفلتوا العنان لشهواتهم التي طالت أملاك الفقراء كما فعلت الملكة إيزابيل بكرم نابوت اليزرعيلي (1 مل 21: 1-16). وهذا الظلم في معاملة المساكين رافقه فجور، إذ دخل الرجل وابنه على صبيّة واحدة (2: 7؛ 1 كور5: 1)، على الجارية التي في البيت (أو على المكرّسة للزنى المقدّس في معابد العشتروت)، فدّنسوا اسم الرب وكسروا شريعة الزواج الإلهيّة التي رسمها الخالق في بداية سفر التكوين (تك 2: 24؛ مت 19: 5؛ 1كور 6: 16؛ أف 5: 31). إن تجاّر النساء هم هم في كل عصر، ولم يتغيّروا من زمن عاموس إلى يومنا! لا بل أصبحت أساليبهم حديثة وأكثر تطورًا، فتقدّمت تجارتهم واصبحت قانونيّة لها مكاتب رسميّة معروفة لتسويق بضاعة العهر والنجاسة. يجبرون الصبيّة على بيع جسدها سلعة رخيصة لمرضى النفوس، فيكدّسون الثروات على حساب التي خلقها الرب لتكون أمًّا ومربية الأجيال.
وهناك شرّ أعظم من هذا: استغلال الأغراض المرهونة (2: 8). فقد ارتكب بنو اسرائيل أعظم الخطايا، لأن الثياب التي تمدّدوا عليها بجانب كل مذبح، هي ثياب الفقراء المأخوذة ظلمًا. وكأنيّ بهم يتحدّون الله بأعمالهم الجائرة في عقر داره المقدّس.

2- من التنديد إلى التذكير
بعد التنديد بأعمال الظلم، ينتقل عاموس الى التذكير بأعمال الله الخلاصيّة تجاه شعبه.
يذكّرهم كيف أن الرب مهّد الطريق لهم، فاستأصل من أمامهم الأموريين (هم سكّان أرض كنعان قبل مجيء العبرانيين إليها وقد سكنوا أورشليم وحبرون وجبعون وباشان) وكانوا طوال القامة (عد 13: 32ي؛ تث 1: 28) كالارز بين الاشجار وكالسنديان بالقوّة، لكن الرب أبادهم: "قرضت ثمارهم من فوق وجذورهم من تحت" (2: 9) فما عادوا يفرخون. ومن نعم الرب عليهم، أنّه أخرجهم من مصر واعتنى بهم أربعين سنة في البريّة. وأقام من بينهم أنبياء كصموئيل وأخيا وميخا إبن يملة وإيليا وأليشاع وهوشع الذين كانوا من مملكة الشمال. كما أقام النذراء من بينهم أيضًا، فأظهروا فضل الحياة الروحية، فنذروا نفوسهم للرب وصاروا نساكًا يرسلون شعرهم ويمتنعون عن الخمر والنجاسة (عد 6: 1-21). لكنّ أبناء السامرة الفاسقين أرادوا أن يصيّروهم مثلهم، فسقوهم الخمر وكسروا لهم نذرهم: أراد بنو اسرائيل بعملهم هذا استئصال الأطهار والمكرسين من مملكة الشمال فتصبح كل المملكة نجاسة بنجاسة. وأرسل الرب لهم أنبياء نذروههم بالخلاص، فمنعوهم من التنبوء. وهكذا رفض أهل السامرة بشرى الخلاص. وهذا ما حدث لعاموس نفسه في معبد بيت إيل. والآن يأتي العقاب: سيُسحق اسرائيل كما تسحق العجلة المملؤة حزمًا الأرض وكل ما في طريقها. فلا ينجو القوي ولا خفيف القدم ولا شديد القلب (2: 13-16). يشير عاموس بذلك إلى السبي العتيد الذي سيتّم على يد الأشوريين. تمّت النبوءة سنة 721 ق.م. حين سقطت السامرة في أيدي الأشوريين (رج 2 مل 17).

3- إنذارات وتهديدات لإسرائيل
يتوّجه عاموس بكلامه إلى الأسباط الإثني عشر: "إلى جميع العشيرة التي أصعدتها من أرض مصر" (3: 1)، ويخاطبهم قائلاً:"إياكم وحدكم عرفت من بين جميع عشائر الأرض، فلذلك سأعاقبكم على جميع ذنوبكم" (3: 2). أجل، عرف الرب شعبه فاختاره لمهمّة خلاصيّة، فحسب بنو اسرائيل أن هذا الاختيار يعطيهم حقوقًا ولا يفرض عليهم واجبات، فأكثروا من الذنوب وداسوا المحرّمات، فسيأتي الرب عاجلاً ليطالبهم بالحساب ويعاقبهم. ويصوّر النبيّ مجيء الرب بستة تشابيه مأخوذة من الحياة اليوميّة: أيسير إثنان معًا إن لم يتفقا؟ أيزأر الأسد في الغابة وليس له فريسة؟ أيجهر الشبل بصوته إن لم يأخذ شيئًا؟ أيسقط العصفور في الفخّ وليس هناك فخّ؟ أيرتفع الفخّ عن الأرض ولم يمسك شيئًا؟ إُيُنفخ في البوق ولا يرتاع الشعب؟ (3: 3-6). كلّها تشابيه تطابق كلام النبيّ: أيسير الله مع شعب إن لم يكن معه عهد موّدة؟ نحن أمام رمز إلى العهد القائم بين الله واسرائيل ومسيرة الله الطويلة مع شعبه. وزمجرة الأسد ترمز إلى الأشوريين الآتين لاحتلال السامرة. وسقوط العصفور في الفخّ رمز لسقوط اسرائيل في فخ الأعداء. والنفخ في البوق يرمز إلى الدينونة الأخيرة: "زأر الأسد فمن لا يخاف؟ تكلّم الرب فمن لا يتنبأ؟" (3: 8).
لقد بدأت محاكمة اسرائيل! والرب يدعو إلى المحكمة شاهدين: أشدود (أحدى مدن الفلسطيين) ومصر (أشدود ومصر همّا عدّوان لدودان لإسرائيل ويمثلاّن كل الامم الوثينيّة). يُتخذان كشاهدين على فساد اسرائيل، ولأن بشهادة شاهدين تقوم كلّ شهادة (تث 17: 6؛ يو 8: 17)، ليشهدا على نجاسة السامرة، المدينة الكبيرة التي بناها الملك الاسرائيلي عمري على جبل السامرة (1 مل 16: 34؛ إش 28: 1) والتي كانت عاصمة مملكة الشمال- اسرائيل: فالفوضى والظلم والاغتصاب في كل مكان (3: 9-10؛ رج يع 5: 4). فالعقاب آت لا محال، والعدوّ الأشوري سينقضّ على المترفّهين والمتنعّمين في زاوية السرير (أي مكان الشرف والراحة)، والمتكّئين على الأرائك الدمشقيّة (أسرّة فاخرة مزيّنة بقماش دمشقي غالي الثمن، 3: 12) كما ينقضّ الأسد على فريسته فلا يستطيع الراعي أن يخلّص من فمه إلاّ "قائمتين أو طرفًا من الأذن" (3: 12): الله الراعي يسعى إلى تخليص شعبه من ضربة الأعداء. لكنّ خطيئة السامرة تمنع ذلك، لهذا لا يفلت من فم الأسد إلاّ الشيء الزهيد. والبيوت الصيفيّة والشتوّية المرصَّعة بالعاج (علامة الترفّه) (3: 15)، ستُهدم لأنها بُنيت بمال الظلم، فهي تشهد على شعب نسي الله ومبادئ العدالة والمساواة. و"بقرات باشان"، نساء السامرة المترفهات السمينات (4: 1-3) (باشان منطقة تقع شرقي الاردن بين جبلي حرمون وجلعاد وتشمل حوران والجولان. أرضها مؤلفّة من صخور وأتربة بركانيّة وتربتها مخصبة جدًا واشتهرت بمراعيها ومواشيها، مز 22: 13؛ حز 39: 18)، فهنّ شهوانيات متنعّمات لا يشبعن، بل يطلبن من رجالهّن مالاً، ولو بالظلم، ليصرفن على المآكل والملابس والتنعّم، وهن نساء طمّاعات فاسقات يتسلطنّ ويظلمن بواسطة ساداتهّن. فمصيرهّن السبي والعار: فالسمينات يُرفعن بالكلاليب (2 أخ 33: 11) والنحيفات بشصوص السمك (4: 2). عاشت نساء السامرة كالحيوانات، فكالحيوانات يُسقن إلى السبي الأشوري. والعقاب سينال أيضًا كلّ المترفين الذين يعيشون دومًا في الملذات- فيضطجعون على أسرّة من العاج في وقت الطعام (كما كانت العادة عند الرومانيين- متى 26: 7 و20) (6: 3) ويأكلون أفضل الحملان وأطرى العجول، ويشربون الخمر بكؤوس مثل كؤوس الهيكل الأورشليمي (خر 27 :3؛ 2 مل 25: 15)، ويدّهنون بالطيوب النفيسة مثل الإدّهانات المقدّسة لأبناء هارون الكاهن، وينشدون الأناشيد على صوت آلات الطرب مثل داود. أترى السكر والخلاعة أخذا منهم كل مأخذ فشرعوا يهزأون من الطقوس الدينيّة وأوانيها المكرّسة؟
بعد الحكم على السامرة، العاصمة السياسية، يأتي الحكم على بيت إيل: في هذا المكان ظهر الربّ ليعقوب (تك 28: 1-22)؛ وفي أيام الملك شاول كانت بيت إيل مكانًا مقدّسًا (1 صم 1: 3). وكانت في جنوب المملكة الشماليّة. تقع بين أورشليم والسامرة، وأختارها يربعام الأول مركزًا رسميًّا للعبادة (1 مل 12: 25-33)، ووضع فيها عجل الذهب الذي يمثلّ يهوه الرب فصارت العاصمة الدينيّة. وقف عاموس واعظًا في معبدها الرسميّ بمناسبة الأعياد وتطلّع إلى المؤمنين الآتين للعبادة. فانتقد إحتفالاتهم الطقسيّة العقيمة الملتحفة برداء الوثنيّة بسبب العجل الذهبي. لقد ظنّ بنو اسرائيل أن اجتهادهم الطقسي يرضي الرب فيرشونه ببعض الممارسات الدينيّة المزيّفة، كما يرشون القضاة والحكام فيغضّ النظر عن ظلمهم وخطاياهم الجسيمة. لذا أكثروا من الذبائح في الصباح وأدّوا العشور في اليوم الثالث على مثال يعقوب (تك 28: 22) وأحرقوا من الخمير ذبيحة شكر على ما جاء في لا 2: 11: "كل خمير وعسل لا توقدوا منهما للرب". وهنا يقول عاموس تهكمًا: "أحرقوا من الخمير ذبيحة شكر". فكأنهم أحبّوا أن يقدّموا للرب تقدمة أفضل من المرسوم في الشريعة (4: 4-5). ونادوا بتقادم طوعيّة وأعلنوها فضربوا أمامهم بالبوق لمّا صنعوا صدقاتهم كما فعل الفريسيون أيام يسوع (مت 6: 2؛ 23: 5). لكنّ الرب يرفض هذه الغيرة الدينيّة الجامحة التي يبديها الظالمون والأغنياء في المعابد المقدّسة. فهم يطلبون مجدهم الخاص لا مجد الرب، ولا يفعلون ذلك إلاّ إرضاءً لأنفسهم لأنهم يحبون المظاهر الخارجيّة. فالذبائح والعشور والتقدمات لا يقبلها الله، والدليل على ذلك أنّه يرسل عليهم الضربات السبع لينبّههم ويّردهم إليه: الجوع، الجفاف، اليرقان، الجراد، الوباء، الحرب، الزلزال (4: 6-11).
لقد صارت العبادة خطيئة تُزاد على خطايا السامرة، لأنها ارتبطت بالفسق والظلم والأنانية واللاعدالة. وما يزيد خطيئة اسرائيل خطورة، هو أنه راضٍ بأعماله، فخور بمظالمه، ومتأكّد أن الله معه: "فاطلبوا الخير لا الشرّ لتحيوا فيكون الرب إله الجنود معكم كما قلتم" (5: 14). فوقف عاموس في وجه هذه الأوهام ونبّه بأن إختيار الله لإسرائيل لا يؤمّن له الحماية. إذا أخطأ فسيُعاقب بقساوة، لأن حقوق العدالة تتغلّب على امتياز الاختيار، والرب يعاقب الشرّ أينما وجد، أكان في أرض اسرائيل أم خارجها. فهو يحبّ الحق والبرّ ولا يرضى بحفظ الأعياد والتقدمات والمحرقات إن لم تعبّر عن عواطف القلب الصالحة والسليمة. والذين يعبدونه عبادة مزيّفة يهينونه، لأنهم يحسبونه إنسانًا أقل منهم إدراكًا فيمكنهم أن يغشّوه (أش 1: 1-15). فيدّوي صوت الله بلسان النبي ليرفض العبادات المقنّعة: "لقد أبغضت أعيادكم ورذلتها... لبجرِ الحق كالمياه والبرّ كنهر لا ينقطع" (5: 21-27).

4- عقاب اسرائيل
أمام هذا الواقع، لا بدَّ من نبيّ منذر يعلن مجيء "يوم الربّ" (5: 18-20). هذا ما فعله عاموس! لكن كيف كانت ردّات الفعل على أقواله النبويّة؟ ردّة الفعل نقرأها في الفصل السابع: "فأرسل أمصيا إلى يربعام ملك اسرائيل قائلاً: إن عاموس يتآمر عليك في وسط بيت إسرائيل، لا تطيق الأرض احتمال جميع كلامه" (7: 1). إنّ أمصيا الكاهن المكرَّس لعبادة الإله الواحد، أصبح خادمًا لأوثان يربعام الثاني، فيكهن بالأجرة ويُقيم طقوسًا مزيّفة. لقد تحوّل إلى عدّو لله ولكلمته. يتهّم النبي بالتحريض على الثورة ليربح رضى أسياد السامرة، كما لا يتوانى عن لبس ثياب الحريص على حياة النبي فينصحه قائلاً: "أيها الرائي، إنطلق واهرب إلى أرض يهوذا، وُكلْ هناك خبزك وتنبّأ هناك" (7: 12). ينصحه أمصيا بالصمت والهروب من وجه الملك والقبول بالأمر الواقع! لكن عاموس لم يخف ولم يتراجع (7: 14-16)، بل أجاب الكاهن أمصيا بجرأة وشجاعة: "إني لست نبيًّا ولا ابن نبيّ، إنما أنا راعي بقر وواخز جميّز. فأخذني الرب من وراء الغنم وقال لي الرب: إنطلق وتنبأ لشعبي اسرائيل" (7: 15). أمر الرب فمن يَعصي أوامره؟ "زأر الأسد فمن لا يخاف؟ تكلّم الرب فمن لا يتنبأ؟" (3: 8). أجل، لم يتنبأ عاموس بملء إرادته، بل دُفع إلى ذلك دفعًا: "تكلّم الرب فمن لا يتنبأ؟". إن كلمة الرب تفرض على المرسل أن يتنبأ. وهذا ما فعله عاموس في اسرائيل.
لن تستطيع تهديدات كاهن مأجور مزيّف أن تُسكت نبيًّا دعاه الرب ليحمل رسالته، بل بالعكس، فقد انتقل عاموس من الدفاع عن نفسه إلى الهجوم والتهديد والعقاب. فتنبّأ على أمصيا بالشرّ الذي ينتظره هو وأهل بيته وكل ما يملك: إمرأته تصبح زانية، أولاده يُقتلون. أرضه يتقاسمها المحتلّون، وأمصيا يموت في أرض غربة ويُدفن في أرض نجسة واسرائيل يُجلى عن أرضه جلاءً (7: 17).
ولقد عبّر النبي عن السقوط العتيد لمملكة الشمال بخمس رؤى تتضمن تهديدًا بحصول كوارث، يضعها النبي بأسلوب رؤيوي. يتكلم عاموس عن غزو الجراد (7: 1-3؛ الرؤية الأولى) وعن الأرض المحروقة بالجفاف (7: 4-6؛ الرؤية الثانية)، ليصف لنا كارثه المجاعة. كما يتكلّم عن "المطمار" (خيط البنّاء- الشاقول) (7: 7-9؛ الرؤية الثالثة ) الذي يستعمله البنّاء ليزن استقامة الحائط. فالرب سيزن بالمطمار مجتمع السامرة. فكلّ حائط اجتماعي أو ديني مائل وملتوٍ، منتفخ ومتصدّع، سيُسقطه ولن يُبْقيَ إلا حائط الاستقامة والعدالة والمساواة. وتأتي الرسالة نفسها في رؤية سلة الفواكه الصيفية (8: 1-3؛ الرؤية الرابعة). فكما أنّ الثمار التي أصابها القيظ تسقط، كذلك ستسقط المملكة وتزول من الوجود، فتتحوّل أغاني الأغنياء الظالمين المترفهين إلى ولاولْ حين يأتي العدو الأشوري فيقتل البعض ويسبي البعض ويميت البعض الآخر، ويطرح الجثث في كل موضع ويسيطر صمت الموت فلا يتجاسر أحدٌ أن يتكلّم من بعد. وتحصل الرؤية الخامسة (9: 1-4): سقوط معبد بيت إيل. يتحدّث النبي عن زلزال يضرب البناء بكامله، فيُنبئ بقدوم دينونة الرب التي لا ينجو منها أحد. يا لسخرية القدر! هذه المملكة التي عرفت الإزدهار والترف، والتي وسّعت حدودها من مدخل حماة إلى بحر العربة (بحر الميت)، ستزول. كان من واجب الكهنة والملك والقضاة أن يناصروا الحق والعدل، فإذا هم يشجّعون الظلم والرياء. لقد مجّ الرب هذه المملكة فسوف يعاقبها: "فإني... أهزّ بيت اسرائيل... هّز الحنطة في الغربال..." (9: 9). تسقط الحنطة على الأرض ويبقى الحصى في الغربال، ولكن ستبقى بقيّة من بيت يعقوب، لأن الرب سيميّز بين الأبرار والخطأة (9: 8).

5- رسالة عاموس يوبيل دائم
إن كان اليوبيل (= قرن الكبش الذي كانت الشريعة الموسويّة تأمر بالنفخ فيه كما في البوق، كل خمسين السنة، إيذانًا بحلول السنة المقدّسة المكرّسة بكاملها للرب، لا 25: 9-11)، "سنة الرب المقبولة"، زمنًا مكرّسًا تكريسًا خاصًا للرب، ويقع مرّة كل سبع سنوات، حسب الشريعة الموسويّه، ويسمّى "السنة السبتيّة، وفيه يُعتق الشر والحجر (خر 23: 10-11؛ لا 25: 1-28؛ تث 15: 1-6)، فإن رسالة عاموس هي يوبيل دائم، إذ هي صوت الحرية والعدالة والعتق الشامل لجميع المأسورين في كل زمان ومكان.
لقد جاء نبيّ تقّوع ليحارب على جبهتين: الأولى دينيّة والثانية إجتماعيّة. ففي الأولى، بشّر عاموس بعظمة الله وسلطانه وعدالته التي تصل إلى كل الشعوب، إسرائيلين ووثنين. لقد جاء السامرة ليُخرج الله من صمته: "الرب يزأر من صهيون ويجهر بصوته من أورشليم" (1: 2)، ويحرّر المؤمنين من عبارات وطقوس وثنيّة ملفّقة: "لقد أبغضت أعيادكم ونبذتها ولم تطب لي احتفالاتكم" (5: 21)، ومن الأصنام اليربعاميّة في معبدي بيت إيل ودان (5: 26). فإله عاموس لا يُغشّ ولا يحابي الوجوه، ولا يُشترى ببعض الحفلات الدينيّة؛ إنه إله الحق وسيّد البشر وكل الخلائق، ولا حدود لسلطانه (5: 8-9؛ 9: 5-6). فما يريده الرب من أجل الشعوب هو: "أن يجري الحق كالمياه، والبرّ كنهر لا ينقطع" (5: 24). في هذا المجال نفهم كيف يعامل الله البشر بالمساواة (9: 7). فما يطلبه من شعبه اسرائيل يطلبه من باقي الشعوب أيضًا، وهو أن يعيش الجميع في يوبيل عتقٍ وخلاص دائم.
وعلى الجبهة الأخرى، فقد حارب عاموس خطيئة الانسان، في اسرائيل والأمم. لقد رفض الواقع وانتقد المجتمعين الاسرائيلي والوثني اللذين يسيران ضد المشيئة الإلهية، فَقَلَبَ العادات السائدة والمتعّفنة بعد أن اصطدم بأربابها ومروّجيها. فلم يرسله الله إلى السامرة للسياحة، بل ليكون بوق إنذار وصرخة خطر تطنّ في آذان الظالمين والمستكبرين. لقد جاء عاموس إلى مملكة الشمال لهدف رئيسيّ سام: الخلاص والتحرر! جاء يحرّر الأمم من العنف والغضب الجامح ويوقظ الضمائر الصامتة. جاء يحرّر أرباب السامرة من الظلم، والمترفهين من الجشع، والملاّكين من الطمع، والقضاة من الرشوة، والكهنوت من كهنة مأجورين مزيّفين، والمعابد من الأصنام اليربعاميّة (3: 13-14)، والعبادة من الطقوس الوثنيّة العقيمة (5: 21-27)، و"بقرات باشان" من الشهوة والسمانة (4: 1-3)، والصبايا من تجّار النساء والفجور (2: 7)، وأرائك العاج الدمشقيّة من الخمولين (6: 4)، والحملان والعجول المختارة من شراهة المترفين (6: 4). جاء يرفع خيمة داود التي سقطت (كان صدقيّا آخر ملك في أورشليم من نسل داود. أسر إلى بابل بعدما قاسى آلامًا شديدة وإهانة عظيمة ومات هناك فسقطت مظلّة داود، 9: 11) ويقيم بقيّة باقية تتحقق فيها المواعيد المسيحانية (9: 11-15). باختصار، جاء عاموس يعلن السنة اليوبيلية لكل جيل وعلى كلّ الدهور.
إنّ الكنيسة، الأمّ والمعلّمة، تتابع رسالة عاموس، رسالة الحق والعدالة. هكذا فهمت الجماعة الأولى الرسولية رسالة يسوع كما يوضح لنا سفر الأعمال: "لا يقول أحدٌ منهم إنهّ يملك شيئًا من أمواله، بل كان كلّ شيء مشتركًا بينهم... فلم يكن فيهم محتاج، لأن كل من يملك الحقول أو البيوت، كان يبيعها ويأتي بثمن المبيع، فيلقيه عند أقدام الرسل، فيُعطى كلّ منهم على قدر احتياجه" (أع 4: 32-35).
لا تستطيع الكنيسة إهمال العدالة الإجتماعية لأنها ضرورة حيوية ومحقّة في عالم تخلّفت فيه شعوب لتستفيد شعوب أخرى، وظُلمت مجتمعات لتحيا أخرى. الكنيسة هي صوت الحق في مجتمع مبنيّ على التفاوت الطبقيّ حيث يتنعّم الأغنياء على حساب الفقراء، وفي مؤسسات استفحل فيها الربح الحرام والاحتكار والظلم والرشوة والاستغلال والقهر والحرمان واللاعدالة.
واليوم في مجتمعنا المعاصر حيث تخدّرت الضمائر وفسدت الأخلاق ونُودي بموت الله، يأتينا صوت عاموس من عمق أعماق التاريخ يقول لنا:"أطلبوا الرب فتحيوا..." (5: 6). إنّ زمن الأنبياء لم ينته بعد، ورسالة عاموس لم يطوها الزمان، فهي لا تزال حيّة تدعونا بلسان الكنيسة أن ننظر إلى كل شيء في الوجود بعينيّ الله، لأن الزمان يشيخ والتاريخ يشيخ والأرض تزول، أما كلمة الرب فحيّة إلى الأبد. وكما قال الحكيم إبن سيراخ: "لتُزهر عظام الأنبياء من قبورها فإنهّم عزّوا شعب يعقوب وخلّصوه في الايمان والرجاء" (49: 10).

العظة البرنامج في مجمع الناصرة لو 4: 16-22

ترد زيارة يسوع للناصرة في لوقا (4: 16-30)، ومرقس (6: 1-6) ومتى (13: 54-58). ولكن لوقا يتفرّد بذكر الزيارة في بدء رسالة يسوع العلنية، حيث جمع في خطبة ثلاث خطب قد يكون يسوع ألقاها في مناسبات ثلاث. في الأولى (4: 16-22)، استقبله أهل الناصرة بحفاوة بالغة، وفي الثانية (4: 23-24)، أدهش أهل بلدته. وفي الثالثة (4: 25-30)، هدّده أبناء الناصرة بالقتل.
ويتفرّد لوقا بذكره كل شيء عن صلات يسوع بالناصرة، وكأنّ صلتُه ببلدته تبيّن صلتَه بشعبه: تبدأ بالحماس، ثم تهمُد، ثم تنتهي بالرذل والصلب.
دراستنا اليوم تتناول الخطبة الاولى (4: 16-22) أو ما سُمِّيَ بالعظة البرنامج، إذ إنها تحدّد برنامج رسالة يسوع العلنية. وهي تحوي، إلى جانب المقدّمة، قراءة نص أش 61:1-2أ وشرح النص وتعجّب أبناء الناصرة.

1- المقدمة: مجيء يسوع إلى الناصرة (آ 16 أب)
لم يكتف لوقا بجمع المعلومات وتدوينها بل رتّب وبوّب حسب ما جاء في مقدّمة إنجيله (1: 1-4)، فتفرّد وتميّز. وإذا ما قارنّا مقدّمة لوقا (4: 16 أب) بمقدّمة مرقس (6: 1-2 أ) ومتى (13: 54) لتبيّنّا فرادته وغايته.
* لا يذكر لوقا التلاميذ الذين، حسب مرقس، يَصحَبون يسوع، لأنه حتى الآن، وخلافًا لمرقس ومتى، لم يتكلّم عن دعوة التلاميذ، واختيارهم من قِبَل يسوع. ينتظر حتى يشاهد التلاميذُ يسوع في العمل: يعلّم ويشفي في كفرناحوم (4: 31-44). بعدها يروي قصّة اختيارهم والصيد العجيب (5: 1-11).
* يذكر لوق "وجاء إلى الناصرة" مستعملاً الإسم الآرامي للمدينة كما في متى (4: 13)، ولكن يمتنع أن يسميها "وطن يسوع" كما في متى (13: 54) ومرقس (6: 1). ربما لأن يسوع لم يولد فيها (لو 2: 4-7) أو لأن إسرائيل كلّها هي وطن يسوع (4: 24-27). 
* يلمح بكلمة واحدة "حيث كان ترعرع" إلى ما ذكره عن طفولة يسوع في الناصرة (2: 39-40 و51-52).
يُظهر إنجيل لوقا غيرة والدي يسوع في تطبيق الشريعة (2: 21 و22- 24 و39 و41-42)، ويُظهر يسوع في المجمع عدّة مرّات يوم السبت (كفرناحوم 4: 31 و33؛ شفاء أشلّ 6: 6؛ شفاء حدباء 13: 10). ولكن هذا السبت هو الأول حيث يتكلّم يسوع علانيةً في المجمع خلال الصلاة.
قصّة طفولة يسوع ابتدأت في الناصرة (1: 26) واكتملت في هيكل أورشليم (2: 41). وقصّة رسالته تبدأ أيضًا في الناصرة، في المجمع (4: 16) وتتم، بعد صعود طويل، في قلب المدينة المقدّسة (19: 45...).
مجيء يسوع إلى مجمع الناصرة تدشين لرسالته وتحديد لبداية عمله العلني. حتى يحدّدا غاية الزيارة اكتفى مرقس ومتى بعبارة عامة: "ابتدأ يعلّم" (مر 6: 2 ب). "وكان يعلّمهم" (متى 13: 53). أما لوقا فقد استشهد باشعيا (61: 1-2) محدّدًا رسالة يسوع. ولم يأت على ذكر التعليم إلا في الملخّص السابق لهذا النص: "وكان يعلّم في مجامعهم" (4: 15)

2- ليتورجية المجمع (آ 16ج- 17 و20أ)
جرى ظهور يسوع العلني خلال احتفال ليتورجي في المجمع، وهو علامة مميّزة لليهودي المؤمن المحافظ على التوراة. ويسوع مثل أترابه وكعادته يتردّد إلى المجمع المحلّي ويشارك في احتفالات السبت. وهو غالبًا ما يختار المجمع وهيكل أورشليم ليعلّم ويعلن البشارة الجديدة (4: 15- 16 و44؛ 6: 6؛ 13: 10؛ 19: 45-49؛ 20: 1؛ 21: 37-38؛ 22: 53)، وهذا ما اعتمده من بعده الرسل إذ بشّروا أوّلاً في المجامع ثم انتقلوا إلى الوثنيين (لو 24: 53؛ اعمال 2: 46؛ 3: 1 و3 و8؛ 5: 20- 21 و25 و42...). إذًا إعلان الملكوت لم يتمّ على هامش الجماعة اليهودية، بل في المجمع وفي قلب الجماعة الليتورجية.
كان الاحتفال الليتورجي في مجمع فلسطيني أيام المسيح يتبع السياق التالي:
* يبدأ بتلاوة "إسمع اسرائيل" (تث 6: 4-9؛ 11: 13-21؛ عد 15: 36-41)
* يتبعها قراءة من التوراة: ف ر ش ه.
* ثم قراءة من الأنبياء:هـ ف ت ر ه.
* وينتهي ببركة الكاهن.
يحقّ لكل شخص راشد، كونه عضوًا في شعب الله المقدّس، أن يشارك في الصلاة التي يترأسها رئيس المجمع (لو 8: 41) وهو الذي يسهر على سير الاحتفال والتنظيم (لو 13: 14) ويختار القرّاء والمفسّرين (اع 13: 15).
القراءات هي جزء أساسي في ليتورجية المجمع. فعلى القارئ أن يقف ويقرأ، في اللغة العبرية المقدّسة، المقطع الذي تفرضه الروزنامة الليتورجية والتي تعتمد قراءات مختارة من التوراة. أمّا القراءات المتتابعة على مدار ثلاث سنوات فقد اعتُمدت بعد سنة 135م. بينما قراءة الأنبياء فهي ثانوية وعليها أن تمتّ بصلة بشكل أو بآخر، إلى القراءة الأولى.
وبما أن اللغة العبرية أيام المسيح لم تكن مفهومة إلا من البعض، فكان يساعد القارئ مُترجم يترجم النصّ العبريّ إلى اللغة الآرامية المحكية والمعروفة من الجميع. رواية لوقا لم تتكلّم لا عن قراءة التوراة ولا عن المترجم الآرامي، بل عن نبوءة اشعيا فقط.
بعد القراءة، يسترجع المسؤولُ عن الكتب المقدّسة، "الخزّان" (لو 4: 20)، وهو في الوقت عينه البواب والمنادي ومعلّم المدرسة، الدرْج (أو: اللفيفة) الذي كان قد قدّمه إلى القارئ. بعدها يجلس الجميع لسماع العظة. فاذا ما وُجد بين الحضور شخص يرغب في تشجيع إخوته انطلاقًا من الكتب، يدعوه رئيس المجمع إلى الكلام، وهذا ما يفسّر تدخّل يسوع.
يعرف لوقا جيدًا العادات الليتورجية. فلقد اتبّع في وصف الاحتفال بالقراءة أسلوبا متوازيا، جاعلاً من نبوءة أش 61: 1-2أ قلب هذا التوازي ليشدّد على أهمّيّتها.
16ج وقام ليقرأ أ أأ 20ج وجلس 
17أ فدفع إليه السفر ب ب ب 20 ب وسلمه إلى الخادم 
17ب ولمّا نشر السفر ج ج ج 20أ ثم طوى السفر.
د: 18- 19، نبوءة اشعيا.

3- قراءة أش 61: 1-2أ= لو 4: 18-19
يستشهد لوقا، بتصرّف، بنص اشعيا، حسب الترجمة اليونانية السبعينية، وهو يحمل في طيّاته صعوبات عدّة:
* لوقا يحذف من الآية الأولى في اشعيا "لأشفي منكسري القلوب". ربما لأنها لا تنسجم مع رفض يسوع بإجراء شفاءات في وطنه (آ 23).
* يَزيد "اُرسِلُ المنسحقين في الحرّيّة"، مستوحاة من أش 58: 6.
* يستبدل الفعل "أدعو" بسنة الرب المقبولة (اش 61: 2) بفعل "انادي" (لو 4: 18ج) المستعمل في الآية السابقة مركزًا على المناداة.
* يُنهي الإستشهاد بإعلان السنة "المقبولة" δεκτοS. والكلمة لعبت دور الصلة بين الخطبة الأولى والثانية في تصريحات يسوع الجدلية: لا "يُقبل" نبي في وطنه (4: 24).
* يقطع اش 61: 2 بعد "وأنادي بسنة الرب المقبولة" وقبل ذكر "يوم الانتقام". يعلن اشعيا "سنة نعمة" و"يوم انتقام" فيقدّم بذلك الموضوع النبوي التقليدي "ليوم يهوه" الذي هو "قضاء وخلاص". فيسوع لا يتكلّم عن القضاء، ليس لأنه يرفض هذا الموضوع الذي يحتل مكانه في إنجيله (لو 6: 20-26؛ 9: 29؛ 10: 12-15؛ 11: 30-32...)، ولكن الموضوع في هذه العظة يتعلّق فقط برسالته على الأرض وهي شمولية موجهة لكل الناس.
فيوم القضاء هو يوم انتقام وحكم على الوثنيين، لذلك حذفه مشدّدًا على شمولية الخلاص (راجع لو 7: 22؛ متى 11: 5 حيث تظهر جليًا الشمولية في جواب يسوع لتلاميذ المعمدان في استشهاده باشعيا 35: 5-6؛ 28: 18-19، 61: 1). كما حذف في استشهاده بيوئيل (3: 1-5أ) في أع 2: 17- 21، نهاية النص النبوي، مشدّدًا أيضًا على شمولية الخلاص الذي ورد في بداية الاستشهاد "أفيض روحي على كل بشر" (3: 1د). وفي نهاية نص الناصرة يُذكّر بتصرّف ايليا واليشع اللذين توجها إلى وثنيين (آ 25-27) مشدّدًا من جملة الأمور على شمولية الخلاص في يسوع المسيح. 
* يختلف الشرّاح وينقسمون إلى فئتين حول بناء الجملة في بداية الاستشهاد:
- الفئة الأولى تعتبر أن رسالة إعلان البشرى للمساكين ترتبط مباشرة بفعل التكرّس (مسح) وفعل "أرسل" يتحكّم بسائر الجملة. باعتبار أن تبشير المساكين يتعلّق بالتكرّس المسيحاني، وهذا جليٌ في ارتباط حدث العماد في الأردن (3: 21) بحدث الناصرة (4: 1، 14) فيصبح حلول الروح على يسوع هو سبب إرساله وتحديد رسالته في إعلان البشرى السارة للمساكين. وتصبح الجملة: "روح الربّ عليّ لانه مسحني لأبشّر المساكين، أرسلني لأنادي...".
- والفئة الثانية تعتبر أن إعلان البشرى للمساكين يتعلّق ليس بفعل التكرّس بل بفعل الإرسال، باعتبار أن التذكير بنص اشعيا في لوقا 4: 43 يصبّ في هذا المعنى: "عليّ أن أبشّر بملكوت الله سائر المدن أيضًا، فأنا لهذا أرسلت". يسوع يعرف أنه أرسل ليعلن البشرى. وفي أع 10: 38 حيث يشير لوقا لنبوءة اشعيا "بروح قدس وقدرة مسَح الله يسوع الناصري الذي ساح يعمل الخير..." فتصبح الجملة: "روح الربّ عليّ لأنه مسحني وأرسلني لأبشّر المساكين وأنادي...". 
* الاستشهاد قصير جدًا حتى يشكّل قراءة حقيقية. وحسب المعلومات المتوفّرة، فالقراءة الليتورجية هي اش 61: 2-9 و62: 1-5، بينما نص لوقا يبدأ في 61: 1. كما أن القارئ في المجمع لا يحق له أن يغيّر النص الكتابي.
هذه الحرية في استعمال النص وتحويره سخّرها لوقا لأغراضه اللاهوتية.
نص اش 61: 1-2 الذي يطبّقه الرب عليه يخصّ مجموعة من قصيدتين (اش 60 و62) تعلن لإسرائيل حياة جديدة بعلاقة مع الإصلاح والبناء في أورشليم. ولمعرفة أهميّة الرّجاء في القصيدتين، وجب العودة إلى جذورهما التاريخية.
عاد المسبيون إلى بلادهم وابتدأ البناء والاصلاح، لكنّه اصطدم بعقبات كبرى ومظالم عدّة. فكان لا بدّ من بعث الثقة والرجاء بتدخّل الله الحي في جماعة يتأكلها البؤس والإحباط. أعلن النبي للأسرى والعميان والمساكين... أن الله سيضع حدًا لهذه المأساة التي يعيشون. هذا الرجاء يتحقّق بمجيء نبي حدّد اش 61 مهمّته. بالنسبة لسامعي يسوع، صفات وميزات هذا النبي هي صورة عبد يهوه كما جاءت في اش 42: 1 و7. قبل كل شيء هو ممسوح من الله بروح الأنبياء. هذا المسيح النبيّ سيكون المرسل من الله، ممتلئًا نعمًا خاصة حتى يُتمَّ رسالته الإلهية. مهمّته في أساسها إعلان البشرى السارة المرتبطة بتحرير التعساء وخلاصهم. تفتتح البشرى السارة الأيام الجديدة التي تصادف مجيء ملكوت الله على الأرض ويختصرها اشعيا "بسنة الرب المقبولة" أي سنة اليوبيل الكبير.
أخذ لوقا كل هذه الصفات الأساسية في نبوءة اشعيا وطبّقها على المسيح. وإن شدّد في مجيء المسيح على فعل الكرازة أي المناداة: أنادي للمأسورين بالإطلاق... وأنادي بسنة الرب المقبولة، فذلك تلميح إلى رسالة الكنيسة الرسولية الآنية. رسالتها ومهمّتها ليستا الوعظ والكلام عن الله، ولكن إتّباع يسوع وإعلان حقيقة العمل الإلهي في العيش بين الناس. هذا العمل الخلاصي المحرّر الذي يشدّد عليه لوقا بلفظة الحرّيّة αφεσιЅ "أنادي للمأسورين بالحرّيّة" (آ 18) و"أرسل المنسحقين في الحرّيّة" (آ 19) يتوجّه إلى الفقراء والبؤساء على أشكالهم.
واستنادًا إلى الطوبيات (المساكين والجياع والحزانى لو 6: 20-21)، فإنّ العمل يعبّر عن إرادة الله التي تريد أن تضع حدًّا للأوضاع اللاإنسانية، لكل شر لا يُحتمل كونه عقَبةً وتحدٍّ لعدالته الإلهية حيث صغار الشعب هم الضحية. بالنسبة لهم مجيء المسيح هو بشرى سارة، هو بشرى لتحريرهم.
هذا التحرير الذي هو علامة مجيء الملكوت، يجب أن يُفهم أيضًا كونه للخلاص والغفران، أعطي لجميع الناس في المسيح يسوع كما فهمته تقاليد العهد الجديد التي تربط دائمًا التحرير αφεσιЅ بمفهوم الخطيئة. غفران الخطايا الذي هيّأت له رسالة المعمدان (مر 1: 4؛ لو 1: 77) هو محور عمل يسوع الأرضي (متى 26: 28) كقلب البشارة والشهادة الرسولية (لو 24: 47؛ اع 2: 38؛ 5: 31؛ 13: 38). الغفران يتطلّب من الإنسان التوبة والإيمان بالمعمودية. فهو ينتزعه من مملكة الظلمات ويفتح له أبواب الملكوت والشركة مع المسيح القائم (اع 10: 43؛ 26: 18؛ قول 1: 13-14). فعلى قدر ما الخطيئة ليست عَرَضًا ولكن قوة تطال الكيان كلّه، نفهم أن الخلاص والتحرير الداخلي يتعلّقان بالفعل بتجديد كيان الإنسان الوجودي. هذا النوع من التحرير لا يُفهم الاّ كبشرى جديدة. 
كتب مرتيني حول البشرى السّارة للمساكين في لو 4: 18 أنه بين الميل لفهمها كونها تحريرًا حاليًا آنيًا من العذاب والمرض... أو الميل لفهمها كإعلان عن مستقبل اسكاتولوجي، ويرى أنه يجب على جمع المعنيين أن يكونوا في حالة من يقبل البشرى السارة. المسيح يعطي إنجيل الخلاص الاسكاتولوجي لمن هو فقير روحيًا ويعلن لفقراء هذا العالم تغيّرًا في الأوضاع يبدأ منذ الآن ويعالج إنهاء وضع العوز والحاجة الإقتصادية والإجتماعية.
هنا نتوقّف عند بروز لاهوت التحرير. لفت الانتباه "إعلانُ يسوع النبوي" مع مواضيعه، وفهمه البعض، فقط بمعناه الحرفي، إعلان حلول إجتماعية للصحة والفقر. ورفضوا كل معنى روحي ومجازي. كما أن التبشير السائد سابقًا كان يعتبر أن المعنى فقط روحي مدّعّين أن يسوع لم تكن غايته من الاستشهاد باشعيا أن يحقق إصلاحًا إجتماعيًا ثوريًا فيعطي العبيد الحرّيّة ويعفي المديونين. فيسوع استعمل نص اشعيا بمعنى مختلف بعيد عن المعنى الحرفي، استعمله بمعنى روحي عندما وضعه في منظار الخلاص الروحي في خط ملكوت الله. بمعنى آخر فعل بشّر وجب فهمه بمعنى بشّر بالملكوت. هذا لا يعني أن يسوع أعلن عن خيرات مادية محضة وأرضية، ولكن أعلن عن خيرات رأتها التفسيرات النبوية في العصر المسيحاني مروحنة أكثر فأكثر مجيء ملكوت الله. ولكن التحرير يجب فهمه أيضًا بأنه يفرض تحريرًا كاملاً للإنسان بكليته.

4- تأوين الكلام النبوي (آ 21)
تبنّى يسوع نص النبيّ اشعيا، وأعلن صراحة أنه النبي المسيحاني المعلن في اشعيا، وفي الوقت ذاته حدّد برنامج رسالته على الأرض.
أن يكون يسوع هو المسيح، لوقا أشار بذلك جليًا في إطار الرؤية في حدث العماد. فالصوت السماوي أعلن مع المزمور 2: 7 "أنت ابني وأنا اليوم ولدتك" (لو 3: 22). وفي حدث الناصرة هويّة هذا المسيح تتحدّد: إنه المسيح النبي. فكما شدّد لوقا على أن "اليوم" تحقّق المزمور المسيحاني (3: 22) مع مجيء المسيح، كذلك يشدّد لوقا هنا على أن "اليوم" (4: 21) يتحقّق الكلام النبوي ويتمّ في شخص يسوع الذي يبدأ رسالته العلنية.
"اليوم" كلمة مميّزة في الخلاص اللوقاني، تعني أن نبوءة اشعيا أصبحت حقيقة. فالذي تكلّم عنه فيما مضى الأنبياء أصبح الآن هنا. هذه الكلمة تفرّد بها لوقا واستعملها عدة مرات: في مولد يسوع (2: 11)، وعماده (3: 22)، في شفاء المخلّع (5: 26)؛ والأعاجيب والسير نحو أورشليم (13: 32-33)، وتوبة زكا (19: 5 و9)، والوعد للص اليمين (23: 43)؛ وهي تدلّ على أنّ حضور يسوع يؤلّف في الزمن مرحلة فريدة. لا يرى لوقا في ذلك نهاية الزمن لأنه يعرف الكنيسة، والكلمة تشير أيضًا إلى زمن الكنيسة، زمن النعمة الإلهية في الكنيسة التي اتبعت حياة المسيح وتنتظر مجيء الرب (12: 40؛ 17: 22- 37؛ 18: 8؛ 21: 27). ولكنّه يرى في رسالة يسوع زمنًا خيّرًا في التاريخ، زمن نعمة بين نهاية العهد القديم وانتشار الكنيسة. يسوع يطبّق على نفسه نبوءة اش 61. فقد نال الروح في العماد كدهن ألبسه رسالة مقدّسة يصفها لوقا برسالة المسيح.
لكن يسوع هو مسيح مختلف عن الملك الزمني الذي كان ينتظره معاصروه. رفض يسوع علنًا لقب المسيح (4: 41) واحتفظ بكشف السر لجماعة التلاميذ عندما أصبحوا مهيّئين لقبول ذلك (9: 18-21). في بداية رسالته حدّد نفسه نبيًا يحمل بشرى الخلاص. فقدّم له نص اشعيا صورة عبد يهوه ومواضيع إنجيله الأساسية.
الأزمنة الأخيرة بدأت، ويسوع دشّنها بمجيئه إلى الناصرة. ظهوره في الناصرة بالنسبة للوقا ليس إعلان نعمة خاصة وحسب، بل وعد بالتحرير والحياة لكل الذين يؤمنون به. وهذا هو مختصر كل الإنجيل وُضع في بداية حياة يسوع العلنية كبرنامج لرسالته وكدعوة ملحّة "اليوم" لحمل البشرى السّارة لكل الخليقة.

5- تفسير اش 61: 1-2
شرح النبوءة يفترض الكلام عن تحقيقها وتتميمها، وهذا التتميم مرتبط بشخص يسوع الذي تتكلّم عنه النبوءة. كما أن إعلان البشرى للمساكين مرتبط بعلامات خلاص أخرى من الضروري تحديد معناها. لذلك سنتوقف عند ثلاث نقاط:

أ- تتميم الكلام النبوي
في مرقس 1: 15 يقول يسوع: "تمّ الزمان، وأقبل ملكوت الله". يبدو أن لوقا استبدل هذا القول لمرقس بـ "اليوم قد تمّ هذا الكتاب على مسامعكم" مستعملاً الفعل "تمّ" ذاته πεπληρωται؛ ولكن المعنى يختلف إذا ما استُعمل لمقطع من الكتاب أو لفترة زمنية وصلت إلى نهايتها. الكتاب المقدّس يتنبّأ ويعلن عن حدث مستقبلي، وهذا الحدث قد صار الآن حقيقة راهنة. القول النبوي وجد تتميمه اليوم في آذان الذين يسمعون: ونستطيع أن نزيد: على مرأى من عيون الذين يرون (لو 10: 23). موضوع الكتب وتتميمها في يسوع هو عزيز على قلب لوقا، ولكنّه يطبّقه على أحداث أورشليم، على آلام وقيامة يسوع. في أورشليم "سيتمّ كل ما كتب الأنبياء في ابن الإنسان" (لو 18: 31). بموته يتمّ ما كُتب في توراة موسى والأنبياء والمزامير (24: 44) (راجع أيضًا اع 3: 8؛ 13: 29 و33). تطبيق نص أشعيا على رسالة يسوع العلنية لا يتوافق مع طريقة لوقا في استعمال موضوع تتميم الكتاب المقدس الذي يطبّقه فقط على الآلام والقيامة. التقليد السابق للوقا يطبّق نصوصًا نبوية على يوحنا المعمدان.
{اش 40: 3= مر 1: 3 (لو 3: 4)؛ ملاخي 3: 1= متى 11: 10 (لو 22:7)}. فإذا كانت رسالة يوحنا سبق وأعلنها الأنبياء، فبالأولى رسالة يسوع. زد على ذلك أن لوقا عرف التلميح إلى أش 61: 1 في جواب يسوع لرسل المعمدان (لو 7: 22). وقد ألمح يسوع إلى هذا القول النبوي كتحديد لرسالته الإلهية.
فاللجوء إلى موضوع تتميم الكتاب في رسالة يسوع العلنية ليس من خصائص لوقا. ولكن التقليد الإنجيلي استدعى لوقا أن يعبّر بهذه الطريقة (راجع أع 10: 38)

ب- رسول البشرى السارة
بإعلانه أن النبوءة تمّت "اليوم"، يلفت يسوع انتباه أبناء الناصرة إلى الوقت الحاضر، أي زمن تحقيق الوعد. وهذا الانتباه للزمن يقابله الانتباه إلى شخص يسوع. وعندما يتكلّم عن تتميم الكتب، فالامر يتعلّق بما كتب حول "ابن الإنسان"، حول آلامه وموته وقيامته (لو 18: 31): "ينبغي ان يتمّ فيّ ما جاء في الكتاب" (22: 37). "ينبغي أن يتمّ كل ما كتبت فيّ توراة موسى والأنبياء والمزامير" (24: 24). والخطبة الرسولية في انطاكية بيسيدية ما هي إلا ترداد وصدى لقوله هذا: "وبعدما أتموا كل ما كتب فيه" (اع 13: 29).
الإطار المباشر للاستشهاد يوضح أن لوقا يفسّر أش 61: 1-2 في معنى مسيحاني، كرستولوجي. فهو يركّز على شخص يسوع في الآيات التي تسبق النص. فنص مرقس الموازي (1: 14-15) يقدّم الرسالة بأنه "بعدما أسلم يوحنا مضى يسوع إلى الجليل ينادي ببشرى الله قال: تمّ الزمان وأقبل ملكوت الله، فتوبوا وبالبشرى آمنوا". هذا يصبح في لو 4: 14-15: "وعاد يسوع إلى الجليل بقوة الروح وذاع خبره في كل الناحية وكان يعلّم في المجامع فيمجّده كل سامع". ما يهمّ لوقا ليس رسالة قرب ملكوت اللّه، ولكن فقط شخص يسوع وتأثيره على الناس.
رتّب لوقا على أن يقرأ يسوع في المجمع نص أشعيا ويحدّد رسالته، كما نص آخر لاشعيا حدّد رسالة المعمدان في 3: 4-6. مقابلة الاستشهادين تكفي لتدلّ على أن الثاني يطبّق على المسيح كما أن الأول على المعمدان.
تفسير أشعيا في 4: 21 محاط بتضمين يساعد على فهم النص. فقبله يلحظ لوقا "عيون الجميع في المجمع شاخصة إليه" (20 ب). وبعده "وكان الجميع يشهدون له ويتعجبون من كلمات النعمة الخارجة من فيه" (22 أ)؛ هذا التعجب حول شخص يسوع ترجموه بتساؤل "أليس هذا ابن يوسف؟" (22 ب). وفي الآيات 23-24 شخص يسوع هو محور التصريحات.
إذًا في الآية 21، الأمر يتعلّق بالشخص الذي يتكلم، أكثر منه بالكلام الذي به يتفوّه. الأسلوب لا يختلف عن جواب يسوع لرسل يوحنا: يسوع يجاوب ويكشف عن هويته بما يقوم من اعمال خلال رسالته (لو 7: 22). وإجراء آيات الخلاص تدلّ في الحقيقة على هويته الحقيقية. فبقوله لابناء الناصرة أن زمن الخلاص صار "اليوم" لهم، فهذا يعني أن يسوع يقدّم ذاته كونه مرسل الله الذي يحقق هذا الخلاص.

ج- آيات الخلاص
يسوع يقدم ذاته ويندمج بالشخص الذي يتكلم بصيغة المتكلم المفرد في نبوءة اش 61: 1 "روح الرب عليّ لأنه مسحني، أرسلني...". زمن الخلاص هو "اليوم" لأن يسوع هو هنا. زمن الخلاص هذا الذي اعتبره أش 61: 2 "سنة الرب المقبولة" فأعطاه هكذا صفة السنة اليوبيلية الكبيرة، تحدّده آيات تميز عمل مرسل الله.
لوقا يعدّد اربع آيات: إعلان البشرى السّارة للمساكين، مناداة بالحرّيّة للمأسورين، عودة البصر للعميان، إرسال المنسحقين في الحرّيّة. البعض يعتبر أن الآية الأولى تختزل رسالة المرسل والثلاث الباقية ما هي إلا أمثال عليها. والبعض الآخر يعتبر أن الآية الأولى تؤلّف الميزة الأولى بين الميزات المختلفة لرسالة يسوع. فما هي العلاقة بين البرنامج النبوي وعمل يسوع خلال رسالته؟
ليس من الصعب أن نقدّم أمثالاً واقعية عن إعلان البشرى للمساكين وإعادة البصر للعميان. ولكن لمن الصعب أن نرى على ما تدلّ رسالة يسوع في "تحرير المأسورين والمنسحقين". هل في هاتين الحالتين كلمة "حرّيّة" αφεσιЅ لها معنى مجازي، وتعني الغفران الذي يمنحه يسوع للخطأة (راجع لو 7: 36-50)؟ وإذا كانت الحالة كذلك، أفليست الآيات الباقية لها أيضًا معنى مجازي ومدلول روحي؟ لنتبين مقصد لوقا، علينا الاستعانة بثلاثة نصوص لنرى كيف هو فسّرها وفهمها:
أولاً: جواب يسوع ليوحنا المعمدان (7: 18-23)
لائحة آيات زمن الخلاص في لو 7: 22 "العميان يبصرون والعرج يمشون والبرص يطهرون والصمّ يسمعون والموتى يقومون، والمساكين يبشّرون" هي ذاتها في متى 11: 5، وتعود بالتأكيد إلى مصدر مشترك. فالتفسير الذي أعطاه لوقا هذه اللائحة لا يترك أي مجال للشك وذلك بفضل الآية 21 السابقة حيث يقول أنه: "في تلك الساعة، شفى يسوع كثيرين من أمراض وعاهات وأرواح شريرة ومنح عميانا كثيرين البصر"، ففي نص متى لا نجد شيئا من هذا القبيل. تلميذا يوحنا اللذان كانا شاهدين لكل هذه الآيات هما مدعوّان لأن يخبرا معلمهما بما "رأيا وسمعا (22أ). أولاً بما رأيا لأنهما شهدا بعض الآيات، ثم بما سمعا لأنهما سمعا عن قيامة الموتى كإحياء ابن الأرملة (7: 11-17) التي كان لوقا قد ذكرها فورا قبل وصولهما.
يبدو جليًا من الإطار المباشر أن لوقا فهم بالمعنى الحرفي لائحة الآيات في الآية 22. فالعميان الذين أعاد لهم البصر لم يكونوا مصابين بالعمى الروحي بل العمى الجسدي. فالشفاء هو شفاء جسدي حسي.
ثانيًا: تفسير نبوءة أش 61: 1-2 في أع 10: 38
الآية 10: 38 تقول إن الله "مسح يسوع الناصري بروح قدس وقدرة، وهو الذي ساح يعمل الخير، ويشفي كل من وقعوا في حيازة الشيطان، لان الله كان معه". هذه الآية تشبه أع 2: 22 حيث الأمر يتعلّق بآيات منظورة حسية، بشفاءات بها أيّد الله يسوع. هذا يعني أن يسوع يحرّر المرضى من النتائج الجسدية لحيازة الشيطان وسيطرته. ففعل καταδυναστεω الذي يعني الوقوع في حيازة الشيطان الظالمة يختلف عن الفعل αποστελλω في أش 58: 6 "أرسل المنسحقين في الحرّيّة" الذي استعمله لوقا في 4: 18. ومع هذا، يسوع حرّر المرضى، في شفائه لهم، من حيازة الشيطان: حيازة جسدية وليس فقط روحية. لا يستطيع أحد أن يبرهن غفران الخطايا وبالتالي فهو لا يشكّل علامة كافية لتأييد رسالة يسوع وبرهانًا قاطعًا على أن الله معه (راجع يو 3: 2؛ اع 7: 9).
ذكرُ الشيطان كونه سبب العلل التي منها شفى يسوع الناس خلال رسالته العلنية، لا يدعو إلى إعطاء هذه العلل المعنى الروحي والمجازي. وإذا كان لو 4: 18 يجمع إلى المرضى المساكين، هذا يعني أن حالة الحرمان التي يعيشها الفقراء، والتي يعتبر أن سببها المجتمع وليس الشيطان، مع أن الواحد لا ينفي الآخر، هي أيضًا لها معنى حرفي واقعي وبالتالي ينتظر المساكين بشرى سارة لا تكون ولا يمكن أن تكون فقط روحية.
ثالثًا: مقابلة سبت الناصرة بسبت كفرناحوم (4: 16-30 و31-43)
كان من الطبيعي أن يحرّك إعلان يسوع في مجمع الناصرة شعور السامعين فيدعونه إلى التطبيق، لذلك ينبّه لوقا القارئ في 4: 23 أنه يجد التطبيق في رواية كفرناحوم لأن يسوع لم يرَ ضرورة لاجتراح الآيات في وطنه. فهذه الآية تشير إلى 4:31-43 حيث نجد شفاء ممسوس في المجمع (31-37) وشفاء حماة سمعان (38-39) وعند الغروب شفاءات كثيرة من أمراض مختلفة (4-41). تشكّل شفاءات كفرناحوم إطارًا لنبوءة أش 61: 1-2 التي استشهد بها يسوع في مجمع الناصرة وعاد فأشار إليها في 4: 43 حيث يسوع يترك كفرناحوم ليبشر بملكوت الله سائر المدن، فهو لذلك أرسل. كل هذه الشفاءات هي آيات أولى تدلّ على الخلاص المذكور في النبوءة. وهذا المدلول نجده في جواب المسيح لرسل المعمدان (7: 18-23) وفي خطبة بطرس في قيصرية (اع 10: 38).
يبقى السؤال الأخير: ما هي علاقة بشرى المساكين بشفاء المرضى؟
النصوص الثلاثة التي فسرت اش 61: 1-2 حسب لو 4: 18-19 لم تعط أي شرح حول إعلان البشرى للمساكين وربطها بشفاء المرضى. ربطُ المساكين بالمرضى نجده في نصين خاصين بلوقا: الأول وصية يسوع لمن يقيم وليمة: "إذا أولمت فأدعُ مساكين وزمنى وعرجانا وعميانا" (لو 14: 13)؛ والثاني هو مثل المدعوين إلى الوليمة حيث يصدر السيد الامر إلى عبده بأن "سارع إلى ساحات المدينة وشوارعها، وجئني بالمساكين والزمنى، بالعميان والعرجان" (لو 14: 21). أما في سائر الحالات، فالمساكين لم يُذكروا مع المرضى الذين شفاهم يسوع. يبدو أن ارتباط المرضى بالمساكين في هذين النصين ليس إلا بسبب فقرهم المفترض. هذا الفقر كان لهم بمثابة الحظ الجيد إذ أهّلهم للدعوة إلى الوليمة. بالفعل لا يجهل لوقا الطوبيات للمساكين والجياع (6: 20-21)، والبشرى السّارة التي تعلنها لهم تلعب دورًا أساسيًا لدرجة أنها تشكل طالع سوء للأغنياء والشباع (6: 24-25) (راجع مثل لعازر والغني 16: 19-31).
نبوءة أش 61: 1-2 تمّت في رسالة يسوع بمعجزات الشفاء التي بها حرّر الناس من حيازة الشيطان. ولكن نستطيع أن نرى أيضًا في حاجة المساكين وجهًا آخر لحيازة الشيطان، وان الفقر هو نتيجة الخطيئة وأنانية الإنسان، وأن رسالة المرسل الالهي المعلن عنها في أشعيا تهم أيضًا وقبل كل شيء ضحايا الظلم الاجتماعي. حاول لوقا أن يروحن ويعطي بعدًا داخليًا لمأساة المساكين الذين ساعدهم يسوع كعلامة لمجيء زمن الخلاص. الأعمال العظيمة هي التي تحرّر الإنسان برفعه من حقيقة مأساته الواقعية الحسية.
نستطيع التساؤل حول مثلي لوقا في 4:25-27 إذا ما كان لهما علاقة باستشهاد أشعيا: فأرملة صرفت صيدون لم تُدعَ فقيرة، ولكن الرواية التي يشير إليها المثل تذكر صراحة فقر هذه المرأة المدقع التي كانت تصنع كعكة لها ولابنها وتنتظر بعد ذلك الموت بسبب الجوع. هذا مثل إنسانة فقيرة أرسل الله نبيّه ليقدم لها الضروري للعيش (1مل 17: 1-16)؛ أما نعمان السوري فليس أسيرًا ولا أعمى ولا مظلومًا، ومع هذا فتطهيره من برصه هو تحرير حقيقي. إذًا فتدخّل إيليا لصالح الأرملة واليشاع لصالح نعمان الأبرص يمكن اعتباره إشارة لرسالة يسوع في تتميم نبوءة أش 61. وهذا يعني أن رسالة يسوع هي رسالة خلاص تفوق الحاجات الجسدية، ولكنّها تجد في هذا الحقل تعبيرها الأول وعلامتها الحسية.
وضعُ المساكين يعتبر وضعًا مأساويًا. فالفقر شرّ، ومجيء ملكوت الله ينبغي أن يضع حدًّا لهذا الوضع المأساوي؛ كذلك عليه أن يضع نهاية لوضع المرضى البائس. في ملكوت الله لن يكون فقراء. يخبرنا لوقا أن المسيحيين الأولين كانوا يضعون كل شيء بينهم مشتركًا ولم يكن بينهم معوز (أع 4: 34)، محقّقين بذلك ملكوت الله على الأرض، محقّقين بذلك اليوبيل الكبير وفرح الخلاص.
العفو عن الخاطئة لو 7: 36-50

يروي لنا القديس لوقا خبر العفو عن الخاطئة في لوحة مليئة بالحيوية: يسوع كان مدعوًا إلى وليمة في بيت سمعان الفريسي حين دنت منه امرأة خاطئة وبلّت قدمية بدموعها ومسحتهما بشعرها. تَشكّك الفريسي، فشرح يسوع تصرّفه مع الخاطئة مستعينًا بمثل المديونين ثمّ غفر خطايا المرأة فخرجت مبرّرة بعد أن نالت الخلاص.
تتداخل في هذا الخبر الخاص بلوقا عدة مواضيع: الخطيئة، التوبة، رحمة يسوع للخاطئين، تذمّر الفريسيّين من مواقف يسوع المتسامحة مع الخطأة؛ كما تظهر في خاتمة الخبر مواضيع لاهوتية تتعلّق بالإيمان والخلاص.
هذا الخبر يطرح امامنا عدّة تساؤلات :
هل الغفران الذي منحه يسوع هو نتيجة توبة المرأة أم سبب هذه التوبة؟
كيف تبدو علاقة يسوع بسمعان الفريسي الذي استقبله في بيته؟
إذا قارنّا خبر لوقا مع خبر الإنجيليّين الآخرين، هل نستطيع ان نتعرّف الى اهتمامات الإنجيلي الثالث اللاهوتية؟
سنحاول توضيح هذه الأمور لنتوصّل إلى المعنى الكرستولوجي الذي يريد القديس لوقا أن يوصله الى قرّائه من خلال هذا النص.

أولاً: الحب سبب الغفران أم نتيجته؟
يتضمّن نصّ العفو عن الخاطئة مجموعتين أدبيتين متميّزتين: يبدأ لوقا فيعرض لنا الخبر الذي يروي قصة مغفرة يسوع لامرأة خاطئة أثناء مأدبة عشاء في بيت أحد الفريسيين. ثمّ يقحم الإنجيليّ الثالث في هذا الخبر مثل المديونين الذي استشهد به يسوع ليشرح تصرّف الخاطئة (7: 40-43).
إنّ الاستعانة بمثل المديونين يجب أن تساعد الفريسي على فهم تصرّف الخاطئة؛ وبعبارة أخرى، من المفروض وجود تطابق بين مغزى المثل من ناحية وبين تعليم الخبر من ناحية أخرى. غير أنّ قراءة دقيقة للنص تكشف أنّ الرباط بين المثل والخبر ليس متماسكًا؛ سنحاول أن نستعرض البراهين التي تثبت عدم التماسك بين الخبر والمثل.
1- يؤكّد الخبر أنّ الخاطئة جاءت إلى يسوع وبلّت قدميه بدموعها علامة على توبتها، وحين رأى يسوع تصرّفها غفر لها خطاياها؛ هذا يعني أنّ المغفرة هي نتيجة ندامة المرأة. غير انّ المثل يعرض العلاقة بين الدائن والمديونين بطريقة مختلفة عن الخبر. فنحن نلاحظ أنّ الدائن بادر فغفر للمديونين وبعد ذلك أظهر له كلّ من المديونين مقدارًا محدّدًا من الحب؛ من الواضح أنّ الغفران في المثل قد سبق الحب الذي أظهره المديونان، وهذا يناقض طبعًا تعليم الخبر الذي يؤكّد أنّ المرأة أظهرت أولاً حبّها وتوبتها، وبعد ذلك غفر لها يسوع خطاياها.
2- هناك صعوبة أخرى يواجهها النقد الأدبي. وهي تكمن في كيفية فهم معنى آ 47 التي تقول: "فإذا قلتُ لك إنّ خطاياها الكثيرة غُفرت لها، فلأنها أظهرت حُبًا كثيرًا. وأمّا الذي يُغفر له القليل، فإنه يُظهر حبًّا قليلاً".
في القسم الأول من هذه الآية، نلاحظ أنّ الحب هو سبب الغفران وهذا يتطابق مع تعليم الخبر؛ أمّا في القسم الثاني من الآية عينها، فإننا نلاحظ أنّ الحب هو نتيجة المغفرة وهذا يتطابق مع تعليم المثل.
حاول الشراح ترجمة آ 47 بطريقة آخرى، وذلك بهدف التوفيق بين شقَّي هذه الآية اللذين يتضمّنان معنيين متباينين؛ إنّ محاولة التوفيق هذه تنطلق من ترجمة الكلمة اليونانية (أوتي) التي يُمكن فهمها بطريقتين مختلفتين؛ وبالفعل إنّ العودة الى المعاجم تؤكّد أنّ كلمة اوتي تتضمّن المعنى السببي (أوتي = لأنّ) ولكنّ الكلمة ذاتها يُمكن أن تتضمّن المعنى الناجم (أوتي = ف). 
إذا أخذنا بالمعنى السببي، نقرأ الآية 47 كما يلي: إنّ خطاياها الكثيرة غُفرت لها لأنّها أظهرت حبًّا كثيرًا.
أمّا إذا أخذنا بالمعنى الناجم فيُصبح معنى الآية كما يلي: إنّ خطاياها الكثيرة غُفرت لها فأحبّت كثيرًا.
بما أنّ المعنى السببي الذي تتبنّاه معظم الترجمات قد أوجد تناقضًا بين شقي آ 47 كما رأينا اعلاه، لذلك يفضّل بعض الشرّاح تبنّي المعنى الناجم الذي يُزيل التباين بين شقي آ 47 وبالتالي يُصبح الخبر متماسكًا مع تعليم المثل. بعبارة أخرى، يقول المثل إنّ الدائن غفر للمديونين وبعد ذلك أظهر له المديونان الحب؛ ويقول الخبر (بحسب المعنى الناجم) إنّ يسوع قد غفر أولاً للخاطئة. ونتيجة لهذه المغفرة أظهرت المرأة حبًا كبيرًا من خلال تصرّفاتها المتواضعة. 
إنّ المعنى الناجم يجعلنا نفهم أنّ تصرّف المرأة هو برهان على الغفران الذي نالته، فهي قد قرأت الغفران في عينيه وفي تسامحه الإلهي؛ لقد حصلت الخاطئة على مغفرة خطاياها منذ اللحظة الأولى للقائها مع الرب وذلك قبل أن يقول لها يسوع في نهاية الخبر: "غُفرت لك خطاياك" (آ 48).
غير أنّ هذه المحاولة التوفيقية التي تتبنّى المعنى الناجم لكلمة أوتي تصطدم ببعض الصعوبات، لأنها تفترض أنّ يسوع بدأ فغفر للخاطئة وبعد ذلك أظهرت له المرأة العرفان بالجميل؛ ولكنّ خبر لوقا لا يوحي لنا بأنّ يسوع غفر فورًا للخاطئة التي دنت منه، بل بالعكس نحن نعلم أنّ المعلّم الإلهي منح الغفران للمرأة في نهاية الحوار بينه وبين سمعان.
بعد أن عرضنا البراهين التي تُشير إلى عدم التماسك بين الخبر والمثل، يبقى السؤال مطروحًا: هل أراد لوقا أن يُعلّمنا، من خلال خبر العفو عن الخاطئة، أنّ الحب يسبق الغفران أم أنّ الغفران يسبق الحب؟
يبدو أنّ لوقا لا يريد التشديد على العلاقة المتبادلة بين الغفران والحب، بل بالأحرى هو يركّز اهتمامنا على تعليم يسوع الذي يُوجّهه الى سمعان الفريسي الذي تذمّر من تصرّف يسوع غير اللائق مع امرأة خاطئة. فلنحاول ان نعالج علاقة يسوع بالفريسيّين كما يعرضها القديس لوقا في إنجيله.

ثانيًا: يسوع على مائدة الفريسيّين في إنجيل لوقا
ينفرد لوقا عن الإزائيّين فيعرض لنا يسوع يناقش الفريسيين أثناء تناوله الطعام على موائدهم؛ فحين دعاه أحد الفريسيين الى الغداء عنده، وقد تعجّب الفريسي أنه لم يغتسل قبل الغداء، أجاب يسوع متهجّمًا على المُضيف وعلى الفريسيين (11: 37-52)؛ كذلك حين كان يسوع يتناول الطعام في بيت أحد كبار الفريسيين يوم السبت، حصل جدل بينه وبين الفريسيين حول امكانية شفاء رجل مصاب بداء الاستسقاء يوم السبت، وقد استعان يسوع في حواره بمثل رجل ينشل ابنه او حماره يوم السبت إذا وقع في بئر (14: 1-6)؛ ويُخبرنا القديس لوقا أن الفريسيين يتذمّرون من جلوس يسوع إلى مائدة جباة الضرائب والخاطئين، فيجيب يسوع على المعترضين بإيراده أمثال الرحمة مثل الخروف الضال، مثل الدرهم المفقود، مثل الأب الحنون" (لو 15).
نجد إذًا عند لوقا عدة أخبار تعرض لنا يسوع يناقش الفريسيين في إطار مأدبة طعام؛ إنّ الوليمة هي مذكورة بشكل عابر. غير أنّ دورها الأساسي يبدو وكأنه إعطاء الإطار الذي يسمح ليسوع ان يُلقي تعليمه، وعادة يكون تدخّله بواسطة الأمثال ليبرهن لمحاوريه أنه ما جاء ليدعو الأبرار الى التوية بل الخطأة (5: 27-32).
إننا نجد تقاربًا واضحًا بين خبر العفو عن الخاطئة وبين المقاطع الخاصة بلوقا التي عرضناها. فالرسمة هي عينها: يسوع كان مدعوًا إلى وليمة عند سمعان الفريسي حين دنت منه خاطئة وبلّت قدميه بدموعها؛ تذمّر الفريسي متشكّكًا من موقف يسوع المتسامح، فأجاب يسوع بايراده مثل المديونين ليُشدّد على رحمته الإلهية تجاه الخطأة.
نلاحظ إذًا إنّ تعليم خبر العفو عن الخاطئة لا يتركّز على الغفران الذي يسبق الحب او بالعكس على الحب الذي يسبق الغفران، بل بالأحرى يريد لوقا ان يوجّه انتباهنا في هذا الخبر إلى التعليم القاسي الذي يوجّهه يسوع إلى سمعان الفريسي الذي يعترض على موقفه المتسامح تجاه امرأة خاطئة جاءت تطلب الغفران.

ثالثًا : العفو عن الخاطئة وخبر الازائيين عن الدهن بالطيب
روى الإنجيليون الآخرون خبرًا مشابهًا لخبر لوقا ولكن في إطار مختلف؛ يقول متى ومرقس ان يسوع كان في بيت عنيا عند سمعان الأبرص وقد دنت منه امرأة وأفاضت الطيب على رأسه فشرح يسوع موقفها معتبرًا انّ فعلتها هي إكرام لدفنه (مت 26: 6- 13؛ مر 14: 3- 9).
يُعطي يوحنا تفاصيل خاصة به تختلف عن خبر متى ومرقس؛ يقول الإنجيلي الرابع إن يسوع كان في بيت عنيا كما ذكر متى ومرقس ولكن في بيت لعازر الذي كان يسوع قد أقامه من بين الأموات؛ هناك دهنت مريم، أخت لعازر، قدمي يسوع بطيب من الناردين الخالص الغالي الثمن ثمّ مسحتهما بشعرها؛ إعترض الإسخريوطي فشرح يسوع موقفها: إنه إكرام مُسبق للدفن (يو 12: 1-8).
إنّ مقارنة خبر لوقا مع خبر الإنجيليين الآخرين تكشف عدة اختلافات في التفاصيل كما في العمق؛ ينفرد لوقا بقوله انّ يسوع كان في بيت سمعان الفريسي، والخاطئة بلّت قدميه بدموعها؛ إن خبر لوقا يوجّهنا إلى توبة المرأة في حين انّ الإنجيليّين الآخرين وجّهوا خبر الدهن بالطيب نحو دفن يسوع (مت 26: 12 وز).
من الملاحظ أن لوقا لا يروي خبر الدهن بالطيب في بيت عنيا، وهذا يدفعنا إلى الاعتقاد انّ الإنجيلي الثالث استقى خبر العفو عن الخاطئة من مصادره واستشهد بمثل المديونين ودمجهما في خبر واحد ليُعطي لقرّائه تعليمًا عن رحمة يسوع اللامتناهية نحو الخاطئين الذين يدنون منه؛ لقد امتنع لوقا عن ايراد خبر الدهن بالطيب في بيت عنيا لأنه يعتبر أنه سبق له أن ذكر خبرًا مشابهًا في ظروف أخرى طبعًا بحسب اهتماماته اللاهوتية التي تختلف عن اهتمامات سائر الإنجيليّين. من الواضح أن الإنجيلي الثالث يريد التشديد على إيمان الخطأة بيسوع في حين أن الذين يظنّون أنهم أبرار ظلّوا بعيدين عنه. لذلك أنهى لوقا خبره بقول يسوع للمرأة: "إيمانك خلّصك، إذهبي بسلام" (7: 50)؛ هكذا أصبحنا في خبر لوقا أمام إيمان الخطأة الذين يمنحهم يسوع الغفران.

رابعًا: غفران الخطايا في إطار الكرستولوجيا العليا 
نجد في النص الذي نعالجه كشفًا عن شخصية يسوع وذلك كما اختبره الفريسي سمعان من جهة، وكما اختبرته الخاطئة من جهة أخرى.
فالفريسي يعتبر أن يسوع هو إنسان عادي، لذلك استقبله في بيته مثله مثل سائر المدعويّن: لم يغسل له قدميه ولم يقبّله ولم يسكب الطيب على رأسه؛ بعبارة أخرى، لم يعترف الفريسي بوجود شخص مهمّ في بيته، ولكنّه يعرف انّ يسوع هو نبي، غير أنّ هذا النبي لا يملك المعرفة الواسعة لأنه لم يكتشف انّ هذه المرأة هي خاطئة ويجب إبعادها.
أمّا الخاطئة، فقد اختبرت يسوع بطريقة مغايرة تمامًا: رأت فيه إنسانا يستطيع ان يمنح الغفران للتائبين وهذا ما دفعها لكي تأتي إليه ساجدة ونادمة على خطاياها السابقة؛ انّ تصرّفها يعبّر عن إيمان عميق واعتراف بكرستولوجيا عليا: فمن يمكنه أن يغفر الخطايا إلا الله وحده (لو 5: 21)؟ هذا الإيمان الذي عبّرت عنه المرأة من خلال تصرّفاتها هو الذي منحها الخلاص وبالتالي إنّ فعلة المرأة هي نتيجة إيمان بألوهية يسوع الذي يمنح الغفران للتائبين.
نلاحظ إذًا أنّ الإنجيليّ الثالث يعرض لنا اختبارين متمايزين لشخصية يسوع عبّر عنهما الفريسي والخاطئة أثناء مأدبة العشاء. يريد يسوع ان يُعلّم الفريسي سمعان الذي استضافه انّه لا يجب التفتيش عن الخلاص من خلال تطبيق حرفي للشريعة، بل بالإيمان بيسوع المسيح؛ وبعبارة أخرى، لا يلوم المعلّم الإلهي سمعان الفريسي على كيفية إستقباله المتحفّظة له، بل على عدم اعترافه بشخصيته الإلهية. 

خامسًا: العفو عن الخاطئة والندوات اليونانية 
تعوّد اليونانيون على تنظيم الندوات في إطار الولائم، والندوة هي اجتماع يتحدّث فيه عدّة متكلّمين في موضوع معيّن؛ طوّرت مؤلّفات افلاطون النوع الأدبي للندوات التي يُعطى فيها دورٌ مهم لبعض الشخصيّات المعروفة (مثلاً: سقراط)؛ إنّ وصف الوليمة هو عابر ومُقتضب، حتى انّ نوع الطعام المُقدّم ليس مذكورًا لأنّ الهدف الاساسي هو النقاش الذي يبدأ عادة في نهاية الوليمة.
يعرض الشخص المعروف تفكيره الحكمي والفلسفي أمام المستمعين، ويتدخّل المضيف عادة في النقاش مع المدعوّ الأساسي وغالبًا ما يكون المُضيف إنسانًا مُثقفًا وغنيّاً وكان المدعوّون أحيانًا يتنازعون على اختيار المقاعد الأولى. 

1- الندوات في إنجيل لوقا
كتب لوقا بعض فصول إنجيله على نمط الندوات اليونانية، فالفصل 14 مثلاً له ميزات مشتركة مع ميزات الندوة اليونانية: يسوع هو مدعوّ عند فريسي مميّز (أحد رؤساء الفريسييّن آ 1). والمدعوّون هم علماء الشريعة والفريسيون (آ 3)؛ يجري نقاش بين صاحب الدعوة وبين يسوع حول كيفية دعوة الأصدقاء (آ 12)، ويتدخّل أحد المدعوين في النقاش (آ 15). إنّ الحدث الأساسي الذي سبّب هذا النقاش هو شفاء رجل مصاب بداء الاستسقاء يوم السبت؛ يردّ يسوع على المحاورين بإيراده مثل المقاعد الأولى (آ 7-11)، مثل اختيار المدعوّين (آ 12-14) ومثل المدعوّين المتخلّفين عن الدعوة (آ 15- 24).
يبدو أنّ هذه الندوة حول مأدبة الطعام تُشكّل الإطار الذي سمح للإنجيليّ الثالث أن يعرض الأمثال المذكورة؛ ليس من الضروري أن يكون يسوع قد طرحها لمحاوريه في هذا الإطار، غير أن اهتمامات الإنجيلي الثالث دفعته لعرض هذه الأمثال في إطار الندوات اليونانية.
وهناك مقاطع أخرى يعرض فيها لوقا تعليم يسوع في إطار الولائم الشبيهة بولائم الندوات (لو 11: 37-54؛ 15: 1 ي؛ 19: 5 ي)؛ إنّ هذه المقاطع هي متشابهة في بنيتها وتكشف عن أسلوب الإنجيلي الثالث في عرض الأخبار والأمثال التي استقاها من مصادره ورتّبها بحسب حاجات قرّائه واهتماماتهم.
نقارن مثلاً بين متى ولوقا اللذين عرضا تهجّم يسوع على الفريسيين: إنّ التويّلات على الفريسيين في إنجيل متى (مت 23) هي معروضة في إطار الآلام بعد أن طرد يسوع الباعة من الهيكل وهو يستعدّ للإعلان عن دمار الهيكل. أمّا لوقا فإنه يعرض التويّلات على الفريسيين في إطار مأدبة الطعام الشبيهة بالندوات في الفصل 11 من إنجيله (11: 37-54).

2- العفو عن الخاطئة في إطار الندوات
يمكننا أن نعتبر أن خبر العفو عن الخاطئة ينتمي الى النوع الأدبي للندوات الذي نجده في إنجيل لوقا، لأن العناصر الأساسية التي تميّز الندوات هي متوافرة في هذا النص:
أ- آ 36: يسوع هو مدعو الى مائدة الطعام في بيت فريسي، ويغيب وصف الطعام.
ب- آ 37-38: تدخل امرأة خاطئة وتدنو من يسوع، وهذا الأمر سوف يسبّب ردّة فعل عند الحضور. 
ج- آ 39: ردّة فعل الفرّيسي غير المُعلنة هي بداية النقاش بين المُضيف وبين يسوع المدعو الأساسي.
د- آ 40: يظهر لأول مرّة إسم الفرّّيسي: سمعان، وهذا الكشف التدريجي عن عناصر النص هو خاص بالنوع الأدبي للندوات.
هـ- آ 40-42: تدخّل يسوع يستند إلى مثل المديونين.
و- آ 43: الحوار بين يسوع والمُضيف ينتهي بطريقة مُقنعة؛ قال يسوع للمُضيف: بالصواب أجبت، وهذا يدلّ أن يسوع استطاع أن ينتزع شهادة من محاوره عن مغزى التعليم الذي يريد المعلّم الإلهي أن يوجّهه له.
هذه المعطيات التي عرضناها تثبت انتماء نص العفو عن الخاطئة إلى النوع الأدبي للندوات؛ استطاع يسوع بواسطة البراهين الدامغة أن يُقنع محاوره سمعان الذي وافق على مضمونها؛ إن التعليم الذي يريد يسوع أن يوجّهه إلى الفرّيسيين حول رحمته اللامتناهية نحو الخطأة يُشكّل ثقل النص. لم يستقبل المُضيف يسوع بحفاوة وإكرام يليق بالضيف الإلهي في حين أنّ الخاطئة بإيمانها وحبّها أظهرت له مقدارًا كبيرًا من العرفان بالجميل لذلك نالت مغفرة خطاياها السابقة.
في الختام نقول إنّ لوقا، في هذا الخبر الخاص به وفي كل المقاطع التي تعرض علاقة يسوع بالفرّيسيين، يريد أن يعلّمنا أنّ الرب يدعوهم إلى التواضع وهو يحاول أن يُفهمهم أنّ البر الذي يستمدّونه من الشريعة هو سطحي وخارجي وهو ليس البرّ الحقيقي. يتّكل الفريسيون على أعمالهم الشخصية وعلى تطبيق حرفيّ للشريعة وهم لا يبحثون عن الخلاص بالمسيح. بالمقابل، أظهرت الخاطئة ليسوع ليس إيمانًا عابرًا وحسب بل اعترافًا بألوهيته وقدرته على مغفرة الخطايا.
يطلب يسوع من محاوريه أن يكون لديهم القلب المتواضع؛ إذا كان الفرّيسي يتباهى أنه بار وأنّه يطبّق الشريعة، فهذا لا يكفيه، بل عليه أن يعبّر عن إيمان عميق بيسوع كما فعلت تلك المرأة. يلتقي لوقا في هذا الأمر مع القدّيس بولس الذي يشدّد في رسالته إلى أهل روما على التبرير بالإيمان لنيل الخلاص. لقد تحفّظ الفرّيسي في استقباله ليسوع، في حين أنّ الخاطئة التي ترزح تحت وزن ماضيها المثقل بالخطايا طلبت من يسوع كما تطلب من الله مغفرة الخطايا؛ لقد تجاوزت الخاطئة بتصرّفها وإيمانها تصرّف سمعان إلى حدّ بعيد، فخرجت وقد ألقت عنها خطاياها السابقة لتبدأ حياة جديدة منحها إياها الرب يسوع الذي يتحنّن على الخطأة التائبين إليه.
الليتورجيا عيش وتحقيق الخلاص

عنوان يحتلّ المكانة الأولى في دراسات "اللاهوت الليتورجي". فهل من ليتورجيا بدون لاهوت؟ وهل من لاهوت بدون ليتورجيا؟ هنا يستحضرنا القول المأثور في اللاتينية
Lex orandi lex credendi= قاعدة الصلاة هي قاعدة الإيمان؛ أيّ إنّ اختبار الكنيسة المصلّي يحتوي على لاهوتها الذي يتمحور حول التدبير الإلهي الخلاصي. وانطلاقًا من هذه القاعدة ندخل في صلب موضوعنا ونرى أنّ الاحتفال الليتورجي يُدخل الكنيسة مباشرة في سرّ الخلاص إذ هو أجلى تعبير وأعظم تحقيق لهذا الخلاص في قلب الجماعة المحتفلة، الآن أيّ في هذا الزمان وفي هذا المكان الحاضرين.
سوف نتوقف على النقاط التالية:
أولاً: الاحتفال الليتورجي هو تحقيق للتدبير الخلاصي.
ثانيًا: الاحتفال الليتورجي يصنع الكنيسة وهي تصنعه.
ثالثًا: احتفال المعمودية اعتلان لحقيقة الخلاص.

1- الاحتفال الليتورجي هو تحقيق للتدبير الخلاصي
"مدبرنوتا" أي "التدبير" هو من المصطلحات الأكثر أهميّة في اللاهوت المسيحي عامّة واللاهوت الليتورجي بنوع خاصّ، إنّ على صعيد معنى الاحتفال وإن على مستوى استعمال اللفظ في سياق الرتب الليتورجيّة. فلفظ "التدبير"، يدخلنا مباشرةً في تاريخ العلاقة بين الله والإنسان؛ إنّه يعود بنا إلى مرحلة الخلق الأول؛ والتدبير الخلاصي هو تواصل تاريخ هذه العلاقة بعد سقطة آدم التي جعلت الله الخالق يتدخّل وبطريقة مستمرة، ومن عهد إلى آخر إلى أنّ تُوِّج تدخّله في "ملء الزمن" بإرسال ابنه الوحيد يسوع المسيح كلمته المتجسّد، ليحقّق مشروع الخلاص من أجل حياة الإنسان. فالتدبير الإلهي يلخّص كلّ مراحل التاريخ؛ هذا التاريخ أصبح خلاصيًا، فتوجّه من خلال الأحداث والأشخاص والظروف حتّى وصل إلى غايته الأساسيّة وهي خلاص الإنسان أيّ إدخاله في الحياة الأبديّة.
فالليتورجيا ترتكز على التدبير الإلهي وهي احتفال بهذا التدبير بمعنى أنّها تلخيص واستحضار آنيّ لكلّ مراحل التاريخ استنادًا إلى شخص يسوع المسيح وإلى عمله الفصحيّ: موته وقيامته وصعوده، وإرساله الروح الذي ما يزال يحلّ على الجماعة وعلى الأسرار ويكمّل في العالم الخلاص الذي تحقّق منذ ألفي سنة مرة واحدة ودائمة. 
من هنا يحتوي الاحتفال الليتورجي على تدبير مثلّث الأبعاد: ثالوثي، كرستولوجي وبنفماتولوجي.

أ- التدبير الثالوثي
العمل الليتورجي في الكنيسة له بُعد ثالوثي بجوهره. إنّه احتفال الثالوث. فعلى الصعيد اللاهوتي، إنّ ليتورجيا الكنيسة التي تتمّ على الأرض ليست إلاّ تشبّهًا وانعكاسًا لليتورجيا السماء، أي لأورشليم السماويّة حيث يجلس الابن الممجّد عن يمين الآب ويقدّم له الشكر والتسبيح من أجل الخلاص الذي حقّقه باسم البشرية التي يمثّلها. "فإن بشريته في وحدة شخص الكلمة، هي التي غدت أداة خلاصنا؛ ولهذا ظهر في المسيح فداء مصالحتنا كاملاً، وحلّ فيما بيننا ملء العبادة الإلهية" (الوثائق المجمعية: في الليتورجيا، 5).
أولاً: من الناحية التصاعدية 
فالكنيسة ترفع مع الابن الشكر= إفخارستيا، إلى الآب، وهذا الشكر يتحقّق فيها بالروح الذي يجمعها "ويصلّي فيها بأنّاة لا توصف". من هنا كلّ عمل ليتورجي هو اشتراك حيّ وفعليّ بحياة الثالوث الأقدس؛ أي أنتَ- أنتِ- الكنيسة مع الابن وهو الليتورجي الأول والكاهن الأوحد، تقدّم أيّ ترفع ذاتك للآب بقوّة الروح الذي يهبك دينامية التسبيح والتقدمة.
هذا البُعد الثالوثي للاحتفال ينطلق من ليتورجيا القربان= الافخارستيا، ويمتدّ في كلّ احتفالات الكنيسة؛ لذلك كلّ الأسرار تتحقّق باسم الثالوث الأقدس "الآب والإبن والروح القدس" للحياة الأبدية.
ثانيًا: من الناحية الإنحدارية
العمل الليتورجي في اختبار الكنيسة يعكس تدبير الله الآب التاريخي- الخلاصي؛ من هنا تعكس النّصوصُ الليتورجية، ولا سيّما الإفخارستية منها، "تدبير الآب" أيّ ما نسمّيه "زمن الآب" وهي المرحلة التي تبدأ مع الخلق الأول وترسم كلّ تاريخ العهد القديم الذي يعبّر عن رحمة الآب ومحبته اللامتناهية للبشر وتصل ذروة هذه المرحلة إلى "ملء الزمن" أيّ إلى ما نسمّيه تدبير الابن أو "زمن الابن" وهو دخول كلمة الله في التاريخ. وهنا تُرسم كلّ حياة يسوع التاريخية أيّ تدبيره الحياتي منذ ولادته وعماده وصومه وحياته، بكلّ أبعادها، وآلامه وموته وقيامته وصعوده إلى السماء؛ فإنّ كلّ هذه المرحلة خلاصية وتأتي لتتوّج تدبير الآب؛ وتكتمل هذه المرحلة بما نسميّه "تدبير الروح" أو "زمن الروح" وهو حلول الروح على الرسل والتلاميذ في العليّة: هذا الروح الذي يختم ويكمّل في الجماعة وفي العالم الخلاصَ الذي حقّقه الابن؛ هذا الروح المنبثق من الآب وهو روح الابن القائم، وهبَه الابن لرسله وحقّق فيهم مشروع التحوّل: وما زالت الكنيسة تستدعي الروح فيأتي ويحلّ ويحوّل.
في هذه الأزمنة الثلاثة يكتمل كلّ عمل ليتورجي إذ هو ذكر=mémorial أي استحضار لكلّ التاريخ الخلاصي انطلاقًا من الحاضر الاحتفالي؛ ومن هذا الحاضر الاحتفالي تعود الكنيسة وتعيش مسيرة التاريخ الخلاصية بكلّ مراحلها، أيّ تعود إلى الماضي الذي يرتكز على الحدث الأقوى وهو الفصح: موت المسيح وقيامته، ومنه إلى الحاضر الذي هو اشتراك آنيّ بحدث الموت والقيامة ومنه تنفتح نحو اكتمال هذا الخلاص في المستقبل؛ وهنا يأتي البعد الإسكاتولوجي الذي هو اكتمال ما سبق وتحقّق، مرورًا باحتفال الكنيسة الحالي لهذا الخلاص. هناك إذًا: حاضر احتفالي- ماضٍ خلاصيّ- حاضر خلاصيّ- مستقبل اسكاتولوجي.
كلّ هذه الأبعاد التي تدور حول تدبير الثالوث الأقدس تتحقّق في الليتورجيا فتصبح الاحتفالَ الآتي بالخلاص الذي ما زال يتواصل في حياة العالم انطلاقًا من ليتورجيا الكنيسة ومرورًا بكلّ أنواع رسالتها في قلب هذا العالم، ومن خلاله تظهر له شخص المسيح القائم وتشهد لمحبّته.

ب- التدبير الكرستولوجي 
نعني هنا تجلّي وإظهار شخص المسيح وهو الحيّ القائم والحاضر في كلّ احتفال ليتورجي. فالجماعة المؤمنة في لقائها تتمحور حول شخص يسوع المسيح إذ تشترك من خلال الإفخارستيا بمائدة الفصح وتعلن موته وقيامته. ومن هذا السرّ العظيم، تنبعث الحياة الليتورجية في الكنيسة، ويصبح كلّ سرّ من الأسرار إعلانًا للموت والقيامة واشتراكًا بهذا الحدث الفصحي- الخلاصي. وما إعلان هذا الحدث في كلّ احتفال إلاّ تتويجًا لمراحل التدبير الخلاصية التي عاشها يسوع في كلّ حياته؛ من هنا تشدّد ليتورجياتنا الشرقية والأنطاكية بنوع خاصّ على البعد الحياتي والعملي لرسالة يسوع وحضوره في قلب العالم إذ إنّ كلّ عمل قام به كان اشتراكًا ومساهمةً في العمل الفصحي الذي تَوَّج وكمَّل رسالته الخلاصيّة. 
في هذا السياق نستطيع أن نرى حضور المسيح المتنوّع في الاحتفالات الليتورجية: المسيح حاضر في كلمته؛ فعندما يُعلَن الكتاب المقدّس في الجماعة إنما هو المسيح الذي يعلن إرادة الآب السماوي ويتابع مهمّة الكرازة والتبشير في الكنيسة ومن خلالها في العالم. المسيح حاضر في الافخارستيا من خلال شخص خادم السرّ وبنوع خاصّ من خلال الأعراض الافخارستية: الخبز والخمر. وما الاشتراك بالمائدة المقدّسة إلاّ دخولاً مباشرًا بسرّ الفداء الذي حقّقه بآلامه المحيية عندما جمع رسله وناولهم قائلاً: خذوا كلوا منه جميعكم هذا هو جسدي. وخذوا اشربوا منها جميعكم هذا هو دمي دم العهد الجديد... اصنعوا هذا لذكري. ففي كلّ وليمة إفخارستية، يقدّم المسيح ذاته مأكلاً ومشربًا لأجل حياة العالم، ويظهر مجدَ الآب ومحبته اللامتناهية للبشر.
المسيح حاضر في المعمودية. فعندما يعمّد أحد إنّما المسيح ذاته هو الذي يعمّد؛ وهو حاضر في كلّ أسرار الكنيسة وفي صلاتها. "فحيثما اجتمع اثنان أو ثلاثة باسمي أكون في وسطهم". إنّ حضور المسيح يسبّب فرحًا كبيرًا في حياة الجماعة المصليّة التي تدخل في سرّ خلاصه بفعل الروح الذي يجمعها ويعمل فيها.

ج- التدبير البنفماتولوجي
الروح القدس هو الذي يحقّق ليتورجيا الكنيسة. إنها تدبير الروح الذي حلّ وختم وكمّل الخلاص في حياة جماعة الرسل وقدّسهم وجدّدهم وأطلقهم ليكونوا شهودًا لهذا الخلاص في العالم. وتدبير الروح يستمرّ في كلّ عمل ليتورجي، إذ هو العنصر المكمّل والمحقّق للخلاص في حياة الجماعة الحاضرة، وهو الذي يحيي ويقدّس هذه الجماعة وهذه الأسرار التي تتمحور حولها ليتورجيا الكنيسة. وعندما نقول هنا "المقدِّس" لا ننفي عمل الروح خارجًا عن إطاره الثالوثي؛ وعلينا هنا أن نقرأ القراءة اللاهوتية للعمل الليتورجيّ خارجًا عن "دقّات الساعة"، والتوقيت المبالغ فيه في موضوع الحلول والتحوّل، وندخل في ذهنيّة احتفاليّة ثالوثية من خلالها نرى أنّ ارتباط الأوقات الثلاثة هي مسألة حتمية بدونها لا نستطيع أن نفهم معنى الاحتفال بالخلاص الذي يطال الجماعة المصلّية الآن. وفي هذا الإطار الثالوثي، يأخذ "كلام التقديس" مثلاً معناه وقوّته الفاعلة والمقدِّسة بكونه كلام السيّد الذي يتضمن قوّة مقدّسة ومحوّلة تحقّق التحوّل الجوهري في الخبز والخمر بفعل الروح المحيي والمقدّس... ومن هنا علينا ألاّ نفصل بين أدوار الثالوث، بالرغم من "تدابيره" الموزّعة في الترتيب الليتورجي وفق مراحل التاريخ الخلاصية.
يحتلّ إذًا البُعد الثالوثي أهمية محورية في الاحتفال الليتورجي، إذ إنّ كلّ احتفال هو اشتراك حيّ بحياة الثالوث الأقدس الذي يعطي الحياة ويجدّد الخلاص في الجماعة المحتفلة التي تصير وبطريقة دائمة وتصاعدية كنيسة، كلّ مرّة تحتفل بفرح الخلاص.

2- الاحتفال الليتورجي يصنع الكنيسة وهي تصنعه
ننطلق هنا من المقولة اللاهوتية الآبائية المعروفة: "الإفخارستيا تصنع الكنيسة والكنيسة تصنع الإفخارستيا". الليتورجيا ولا سيّما الاحتفال الإفخارستي هو ذكر الفصح المجيد، وبهذا الفصح دخل المسيح في سرّ الموت والقيامة وعبر إلى الآب وأدخل معه البشرية الجديدة؛ "ومن جنب المسيح المطعون بالحربة الذي جرى منه دم وماء"، خرجت الكنيسة إلى العالم ووُلد شعب الله الجديد؛ هذا الفصح يتجدّد في الافخارستيا، وهو الذي يسبّب بطريقة دائمة ومستمرة ولادة الكنيسة الدائمة في العالم، ويضمن نموّها وهي في مسيرها نحو اكتمال ملكوت الآب. لذلك لا وجود للكنيسة ولا حياة لها خارجًا عن الإفخارستيا. فاللقاء الإفخارستّي يحقّق الوحدة، وهذه الجماعة الواحدة بالقلب والفكر والروح تشترك بالخبز الواحد، وهذه الأعضاء المتنوّعة التي تعبّر عنها "حبّات القمح المبعثرة"، تجتمع فتصير قربانًا واحدًا يصبح تقدمة المسيح الواحدة إذ هو المقدِّم والتقدمة، من أجل رجاء الكنيسة وتجدّدها: فالافخارستيا تجعل الكنيسة واحدة جامعة مقدّسة رسولية، وهي تساعد الكنيسة على أن تجيب باستمرار "نعم" لدعوة عروسها من خلال الفضائل التي تجسّدها وهي: الإيمان والرجاء والمحبة. فالكنيسة تطلب دومًا أن تزداد إيمانًا وثباتًا في هذا الإيمان؛ وهي التي تتجدّد بالرجاء، فتكون شاهدة لفرح القيامة في احتفالها وفي رسالتها؛ وتنمو بالمحبّة، وهي المدعوَّة لأن تشهد للمحبّة داخل الجماعة القربانية وخارجها بحيث إنّ رسالتها تغدو تواصلاً للاحتفال القرباني من خلال محبّة الأخوة. 
الإفخارستيا تصنع الكنيسة فتحوّلها إلى جماعة عنصرة دائمة بقوّة الروح الذي يحلّ فيها ويجدّدها ويجعلها تنمو ومعها تزدهر البشرية بفضل القوت الإفخارستي الذي ينميها بالحب والمصالحة والسلام.
وهذه الكنيسة هي التي تصنع الإفخارستيا استنادًا إلى حقيقة المسيح، كاهن العهد الجديد الذي أدّى الخدمة الجديدة، الخلاصية، عندما لم يقدّم أشياء خارجًا عنه، بل عندما قدّم ذاته بكلّيتها للآب من أجل خلاص العالم؛ والرسل الذين أقامهم الرّب وعلى إيمانهم بُنيت الكنيسة، هم الذين يواصلون فعل التقدمة هذا فيقدّمون المسيح- القربان باسم الجماعة إلى الآب؛ والأساقفة في الكنيسة المحليّة والكهنة باسمهم في الجماعة الرعوية ليسوا إلاّ امتدادًا لمهمّة الرسل أساس الكنيسة الأولى، هؤلاء أرسلهم المسيح كما أرسله الآب ليتمّم مشروع الخلاص.
لذلك لا افخارستيا خارجًا عن الكنيسة- الرسل، رؤساء جماعات المؤمنين؛ ولا إفخارستيا خارجًا عن شركة الإيمان مع الأساقفة ومن خلالهم مع الرسل والمسيح فالآب؛ وما رسالة الكنيسة إلاّ السهر لضمان هذه الشركة والعمل على نموّها بروح إيمان ومحبة بين شعب الله.
هذا البُعد الكنسيّ يجعلنا نطرح مسألة الروحانيات الفردية التي تسيطر اليوم عامّة على مفهوم الإيمان المسيحي؛ ويجعلنا من جهة أخرى نطرح مشاكل القدّاس الخاصّ الذي يعبّر عن مشاعر الفرد خارجًا عن هذه الشراكة الكنسيّة التي كلّما تجسّدت في الليتورجيا بطريقة عميقة وصادقة كلّما أثمرت في الممارسة الراعوية التي هي تواصل وترجمة حياتية لشراكة الإفخارستيا.
إنّ الواقع الراعوي اليوم يبيّن لنا الحاجة الماسّة إلى هذه الذهنية الكنسيّة التي ويا للأسف تبدو غائبة من الممارسة الراعوية. وما الإشارة اليها إلاّ لتأكيد أهميتها ليس فقط ببعدها التطبيقي بل أيضًا اللاهوتي وذلك بارتباطها العضويّ بالسرّ الفصحي.


3- احتفال المعمودية اعتلان لحقيقة الخلاص 
من خلال سرّ المعمودية، تبدأ المسيرة الإيمانية الخلاصية مع يسوع المسيح، وينمو الإنسان في الملكوت بفعل الروح وبهدف الوصول إلى الآب.
لا بدّ من أن نلفت الانتباه إلى أن "الحساية" أو صلاة الغفران في الطقس الماروني هي من الصلوات الأكثر أهمية لما تتضمّنه من غنى على صعيد البنية اللاهوتية التي تحمل من جهة بعدًا ثالوثيًّا ومن جهة أخرى بعدًا كرستولوجيًّا، متوقفة على المعاني اللاهوتية للمناسبة أو للعيد أو للحدث الذي تحتفل به الكنيسة.
إنّ حساية رتبة المعمودية التي هي مرجعنا في هذه الفقرة، هي بالواقع "تحفة لاهوتية"، تتمحور حول حدث الأردنّ أي معمودية السيّد المسيح من يوحنا المعمدان. فلنحاول شرح وتحليل هذا النص تباعًا.

أ- المعمودية والصليب
يرفع النص آيات التسبيح والشكر إلى "رئيس الكهنة الي بدأ فعلّمنا التنقية بنفسه على مياه الأردنّ". هذه الصفة "رئيس الكهنة" هي الأولى التي يبدأ فيها النص وصفه للسيّد المسيح. الصورة الأولى التي تُرسم أمامنا من خلال هذا التعبير هي صورة الصليب. فالمسيح، رئيس كهنة العهد الجديد، قدّم ذاته للآب السماوي على الصليب، وهذا ما يميّز المسيح- الكاهن عن كهنة العهد القديم وعن كلّ أنواع الكهنوت الماضية. قبله كانت تقدمة، ولكنها تقدمة خارجة عن ذات الإنسان؛ كانت تقدمة الحيوانات والقرابين والبواكير والعشور، وغيرها؛ أما تقدمة المسيح فكانت "الذات" بكليّتها لأبيه من أجل الإنسان. وحياة يسوع كلّها كانت حياة كهنوتية؛ وحدث الصليب هو التتويج الكبير لرسالة يسوع التي كانت قد استُهلّت في معموديته على مياه الأردنّ؛ يقول النص في هذا السياق: "رئيس الكهنة الذي بدأ فعلّمنا التنقية بنفسه على مياه الأردنّ، ونهج سبل الحياة أمامنا، لأجل تنقيتنا من خطايانا".
نشدّد هنا على اللّحمة اللاهوتية والحياتية بين حدث الاردن وحدث الصليب. على الأردنّ أُعلنَ أنّ المسيح هو الابن الحبيب والمسيح والكاهن. وعلى الصليب توّجت رسالة الابن والمسيح والكاهن. فحياة يسوع كلّها كانت تسليمًا مُطلقًا لإرادة الآب وتتميمًا لمشيئته القدوسة. هذا التسليم توِّج عندما أَسلم الابن ذاته كليًّا للآب؛ لقد ارتفع المسيح ورفع معه العالم. فحياة يسوع هي مثال لحياة كلّ معمّد.

ب- المعمودية وحياة يسوع التبشيرية
نقرأ في النص: "ونهَجَ سبل الحياة أمامنا".
هذه الصورة التي نراها في النص، تشير إلى أن معمودية يسوع هي النموذج والمثال لمعمودية كلّ مسيحي. كيف؟ كما أن المسيح تعمّد ومُسح بالروح وأُعلن عنه أنه الابن الحبيب وانطلق بعد المعمودية ليبدأ بمشروع الكرازة في ملكوت الآب، هكذا كلّ معمّد يُمسَح بالروح ويعلَن عنه أنّه ابن الآب الحبيب مع الابن يسوع، ويُدعى لكي ينطلق بعد المعمودية ويبدأ رسالته التبشيرية إذ يعلن من خلال حياته وكرازته عن ملكوت الآب وعن الإنجيل ويكون شاهدًا له في قلب العالم.
بهذا المعنى يكون قد نَهج السيّد المسيح سبل الحياة أمامنا، إذ كان مثالنا بمعموديته وبحياته. والمقياس الجوهري لكلّ معمّد هو: حياة يسوع، رسالته، تبشيره، صلاته، تردّده بين الناس، آلامه، موته وقيامته.
وهكذا يُدعى كلّ مسيحي لكي يواصل بعد المعمودية رسالة المسيح فيكون: نبيًّا مثل المسيح يشهد للحقّ؛ راعيًا مثل المسيح يقود بمثله وحياته الناس إلى مراعي الحياة والسلام والمحبة؛ وكاهنًا مثل المسيح يقدّم ذاته مع المسيح القربان تقدمة روحية وعقليّة إلى الله الآب من أجل سلام العالم وخلاصه. 

ج- المعمودية والتجسّد 
نقرأ في النص: "أيّها الإله الذي صار إنسانًا بمحبته، واتّلد في الجسد، بدون زواج، اتلادًا لا يُدرك، من البتول القديسة، لكي يقرّب البشر من التبني لوالده فجعلهم أبناء لأبيه بالماء والروح". 
أول ما يسترعي انتباهنا في هذه الفقرة هو حدث ميلاد الرّب بالجسد؛ وهنا نجد الرباط أيضًا بين حدث المعمودية وحدث التجسّد. إن مشروع التجسّد هو في بادئ الأمر التعبير الأكبر عن محبة الله الإنسان "إذ صار إنسانًا، واتّلد في الجسد... من البتول القديسة". وهدف هذا التجسّد هو التبنّي. فمن خلال المسيح الابن المتجسّد، تحقَّقَ مشروعُ تبنّي الإنسان، أي رَجَعْنا إلى حالة الأبناء بعد أن كنّا في حالة العبيد والعبودية.
أين تحقّق فعليًّا هذا المشروع؟ طبعًا بمعمودية الماء والروح التي نشترك فيها والتي حقّقها المسيح بمعموديته الأولى على الأردنّ والتي قادته إلى المعمودية الثانية على الصليب. فبموته وقيامته اكتمل مشروع التبني، وبمعمودية الكنيسة يدخل الإنسان مباشرةً في هذا المشروع ويصبح ابن الله.

د- المعمودية والخلق
نقرأ في النص: "يا مصوّر الأجنّة في الأحشاء، الذي صار جنينًا ليجدّد صورة آدم التي شاخت وبَليَتْ بفساد الخطيئة تجديدًا بنار الكور السليم الروحاني الذي هو المعمودية".
في سياق العلاقة بين المعمودية ومحطات التدبير الإلهي الخلاصيّ، وبعد أن ذكر النصُّ العلاقةَ مع الصليب وحياة يسوع والتجسّد، نصل الآن إلى اللحمة بين المعمودية والخلق. هنا تتوجّه الصلاة إلى الخالق من خلال هذا التعبير: "يا مصوّر الأجنّة في الأحشاء".
هذا الخالق ومعطي الحياة، صار جنينًا- إنسانًا بهدف أن "يجدّد صورة آدم التي شاخت وبليَتْ بفساد الخطيئة". هذا التجديد تمّ ويتمّ بالمعمودية.
في الواقع، نحن أمام نص هو من أجمل وأعرق وأقدم الصلوات المسيحية على الإطلاق: هذا التعبير "تجديد صورة آدم" يشير بطريقة صريحة إلى الخلاص الذي حقّقه آدم الجديد يسوع المسيح. فصورة الله المطبوعة في الإنسان وهي ميزة الخلق الأول، هذه الصورة قد "شاخت وبليت" بسبب معصية آدم. أتى المسيح، آدم الثاني، وأعاد إلى هذه الصورة جمالها ورونقها؛ المسيح الذي يمثّل البشرية الكاملة والألوهة الكاملة، قد رمّم هذه الصورة بتجسّده ومعموديّته وحياته وموته وقيامته؛ ومع المسيح وفي معموديته يشترك الإنسان في حالة آدم الجديد، آدم النعمة، آدم القيامة والحياة الجديدة وعدم الموت.

هـ- المعمودية وحدث الأردن
نقرأ في النص: "أيها الغير المحتاج الذي أتى وتعمّد ليقدّس مياه الأردن بحنانه، يا ابن العظمة الذي حنى رأسه أمام يوحنا المعمدان، والآب يصرخ من العلاء كالرّعد: "هذا هو ابني الحبيب الذي به ارتضيت"، والروح القدس قد نزل وحلّ على رأسه بشبه جسد حمامة، والقوّات الروحانية قائمة بالخوف والرعدة".
نصل هنا إلى حدث معمودية يسوع على مجاري الأردنّ، وهو المحور الرئيسي في هذه "الحساية"، وعليه ترتكز كلّ الأبعاد اللاهوتية التي أوردناها والتي تتعلّق من جهة بالمسيح وبعمله الخلاصي: صليب- حياة يسوع- تجسّد- خلق، وتتعلّق من جهة ثانية بالإنسان الذي يتهيّأ للمعمودية كما سنرى في المقطع التالي.
في هذه الفقرة، نجد وصفًا لما جرى على الأردنّ مع التركيز على تواضع المسيح. "الغير المحتاج، أتى وتعمّد". والهدف أن يُقدِّس المياه بحنانه. تلتقي هذه الصورة مع عمل ليتورجي رمزيّ نجده في رتبة تبريك المياه في عيد الغطاس وهو رمي ثلاثة جمرات نار في حوض المياه للإشارة إلى حلول السيّد المسيح في مياه الأردن ليقدّس مياه الكون بأسره ويقدّس الطبيعة بشخصه. وفعلُ الإتحاد هذا يعبّر عن رحمة الرّب وحنانه، الذي بتجسّده وعماده وحلوله المثلث في الزمن قد قدّس الزمن والكون وأعاده إلى جماله الأول. إنّه مشروع الخلق الجديد الذي تقدّس بالمسيح وعلى رأس هذه الخليقة الإنسان الذي أفتُديَ وخُلِّص وعاد إلى الفردوس مع يسوع المسيح بقوّة الماء والروح.

و- المعمودية وطالب العماد
نقرأ في النص: "أنت أيّها الرّب الإله، أحلّ يمن رحمتك على عبدك هذا الذي تأهّب للمعمودية المقدّسة. قدّسه وطهره ونقّه بزوفاك الغافرة، وبارك واحفظ شعبك وميراثك. وكما ألبستنا بمعموديتك الإلهية حلّة المجد ووسم الروح القدس المحيي، ودعوتنا لنكون بنين روحانيين بالمولد الثاني من المعمودية المقدّسة المبرّرة الخطأة، هكذا أهلّنا بقوّتك العزيزة الغير المغلوبة لأنّ نمجدك بوجوه طلقة وبدالّة الأبناء الأحبّاء، ونمجّد أباك الذي أرسلك لخلاصنا وروحك الحيّ القدوس الآن وكلّ آن إلى الأبد. آمين".
هنا يبدأ القسم الثاني من الحسّاية، أي ما نسمّيه قسم الطلب. وهذه الجملة "أنت أيّها الرّب الإله" أو ما يشابهها مثل: "أنت الآن" أو "الآن"، هي التي تنقل توجّه الصلاة من تمجيد وتسبيح وذكر الأعمال الخلاصية عبر التاريخ، إلى الحاضر الاحتفاليّ أي واقع الكنيسة التي تحتفل الآن، أي في مكان وزمان محدّدين ومع أشخاص مدعوين للاشتراك بروح الاحتفال أي بالخلاص الذي يبغيه كلّ احتفال ليتورجي.
في هذا المناخ، تأتي الصلاة على الإنسان الذي يتهيّأ للمعمودية، وتطلب أن يتقدّس ويتطهّر ويتنقى. وهذه الأفعال لا تحمل فقط بُعدًا أدبيًّا وأخلاقيًا، بل هي أفعال خلاصيّة تُدخل الإنسان في دينامية الخلاص.
وتشير الصلاة إلى الجماعة المحتفلة. فمفاعيل المعمودية هي الانتماء إلى شعب الله المفتدى. وهذا الأمر هو مهمّ جدًا، وهو يشكِّل ربما مُعضلةً هي من أهم المعضلات في الإيمان المسيحي اليوم وهي عدم حسّ الانتماء إلى الجسم المسيحي وإلى كنيسة المسيح؛ هذا الانتماء يتحقّق بالمعمودية، وتكمن ثماره في كلّ أبعاد الشركة مع الله ومع البشر.
ومن مفاعيل المعمودية أيضًا هي: أن يَلْبس الإنسان حلّة المجد ووسم الروح، ويصبح ابنًا، ويمجّد بدالّة الأبناء الآب والابن والروح القدس.

خلاصة
نستنتج ممّا ورد النقاط التالية:
1. التدبير الإلهي الخلاصيّ بكلّ مراحله، أيّ من الخلق الأول مرورًا بالخلق الثاني (الموت والقيامة) وانفتاحًا على الأسكاتولوجيا، يتحقّق في كلّ احتفال ليتورجي إنطلاقًا من الحدث الإفخارستي.
2. الاحتفال الليتورجي هو اشتراك في حياة الثالوث الأقدس من جهة، وانعكاس للتدبير التاريخي- الثالوثي من جهة ثانية من خلال: زمن الآب، زمن الابن، وزمن الروح، الذين يصبحون الزمن الخلاصيّ الحاضر في زمن الكنيسة المحتفلة.
3. الكنيسة تصير كنيسة بالإفخارستيا؛ والكنيسة- شهادة الرسل والقدّيسين، هي التي تحتفل بالسرّ الفصحيّ. والحقيقتان مرتبطتان ببعضهما البعض ارتباطًا عضويًّا يساعد على خلق ذهنية احتفالية شاملة جامعة.
4. إن الاحتفال بالمعمودية قد تمحور حول الأردن ومنه بأهمّ المحطات الخلاصية: انطلق من الصليب، وطال حياة يسوع التبشيرية، ووصل إلى ميلاد الرّب بالجسد وإلى الخلق الأول حتّى وصل إلى الإنسان الذي يتهيّأ اليوم للمعمودية ويصبح ابنًا لله باشتراكه بالخلاص؛ فالمعمّد الموسوم يستطيع بدالّة الأبناء أن ينادي الآب: أبّا.
تلميذا عماوس لو 24: 13-35

مقدمة
يندرج نص تلميذي عماوس في إطار نصوص ظهورات يسوع القائم من الموت. إن هذه النصوص عديدة في الأناجيل؛ فالقديس متّى يقدّم ظهورين من هذا النوع: الاول للنسوة قرب القبر الفارغ، والثاني للرسل الاحد عشر على الجبل في الجليل (متى 28: 9-10، 16-20). ويذكر القديس لوقا ظهورين: الاول لتلميذين على طريق عماوس، والثاني للأحد عشر ورفاقهم في أورشليم (لو 24:13-35، 36-53). أما القديس يوحنا فيذكر ظهورات أربعة: الاول لمريم المجدلية على القبر الفارغ، والثاني للتلاميذ بغياب توما، والثالث لتوما أمام التلاميذ (وكل هذه الظهورات في أورشليم، يو 20: 14-18، 19-23، 24-29)، والرابع أمام سبعة من التلاميذ في الجليل، وقد بدأ بصيد عجائبي (يو 21). أما نهاية إنجيل القديس مرقس (مر 16: 9-16) (يتفق العلماء على كونها زيادة متأخرة)، فانها تقدم ثلاثة ظهورات يعتقد المفسّرون بأنها مستوحاة من الأناجيل الثلاثة الاخرى: الظهور الأول لمريم المجدلية (راجع يوحنا)، والثاني لتلميذين في الطريق (راجع لوقا)، والثالث للأحد عشر (راجع متى ولوقا).
وتتميّز الظهورات الخاصة بأفراد معيّنين، بأدبها القصصي، وهي نصوص تحافظ على تعبير حسّي للخبرات الشخصية التي عاشها الأشخاص المعنيّون. إنها نصوص عقائدية تتمحور حول إعلان بشرى عيد الفصح، ومعنى القيامة بالنسبة لموت يسوع ولخبرة شهوده.
فيما يخص لوقا، يبدو هذا الأمر أكيدًا. فإن تابعنا الأحداث بحسب روايته، لوجدنا أن كل ظهورات يسوع بعد قيامته تمت في يوم واحد: يوم الفصح. كل اهتمامه ينصب على إظهار كيفية الانتقال من عدم الإيمان إلى الإيمان. ففي نص القبر الفارغ، تأتي النساء بهدف إتمام تكفين يسوع الميت (لو 24: 1)، وفي حين أنهن "يبحثن عنه بين الأموات" (24: 5)، يقابلهن ملائكة ليوكلوا إليهن مهمة نقل بشرى القيامة للرسل. وفي قصة تلميذي عماوس نتابع مسيرة تربوية طويلة تؤدي بهما إلى الإيمان بواسطة علامة أساسية تتمثّل بفهم كل ما "يختص بيسوع" في الكتب المقدس، ومشاركة الخبز (لو 24: 25-26). ولا يختلف الامر بالنسبة للرسل الذين لم يصدقوا بشرى القبر الفارغ (لو 24: 10-11)، فيذكر خوفهم واضطرابهم وتساؤلاتهم (لو 24: 37-38)، قبل أن يصلوا إلى ثقة الإيمان وشجاعة الشهود.


أورشليم- عماوس- أورشليم: طريق التلمذة والحج
أمام موت يسوع تشلّعت مجموعة التلاميذ وتشردت. كثيرون فقدوا شجاعتهم لأنهم لم يستطيعوا فهم ما جرى. فهل ترك الله يسوع؟
إثنان منهم تركا أورشليم إلى عماوس وهي على بعد بضعة كيلومترات فقط عن أورشليم في مكان لا نعرف كيفية تحديده. تركا في أورشليم كل الاحلام الكبيرة والآمال العظيمة. على شخص يسوع كانا قد وضعا أسمى ما يمكن أن يأملاه: خلاص اسرائيل وتحقيق كل الوعود. إلى جانبه كانا قد وثقا بأن هذا الخلاص أصبح وشيكًا جدًا. وفجأة تحطّم كل شيء وبناءً على حكم قضائي مشترك بين كل السلطات الدينية والسياسية والشعبية. إن ذلك ليتجاوز كل منطق انساني، فلم يعد باستطاعتهما الاستمرار. لقد وصلا إلى هاوية الاحلام وإلى قاع اليأس. كانا قد تكرّسا لمشروع يسوع. كانا أكيدين من أنهما معه سيحرران العالم من الشر واسرائيل من الرومان ومن استعباد المتسلطين. لم يكونا من بين المسؤولين في جماعة يسوع، بل من عداد الكثيرين الذين تبعوه ليسمعوه. كانا مستعدين لتقديم أي شيء من أجله ولمساعدته في تحقيق مشروعه. وها هو قد انتهى أمام عيونهم وانتهى معه كل شيء. تحطمت الآمال وانتهت الحياة.
تركه الجميع، كل الجموع التي كانت تتدافع لتحاول ولو لمسه مضت؛ وتركه المسؤولون بين التلاميذ. ورفاقه الأقربون الذين اختارهم هربوا واختبأوا، وبطرس أنكر أنه يعرفه. مات يسوع دون أن يحاول الدفاع عن نفسه. وبموته ماتت مغامرتهم التي ظنوا أنها تعطي المعنى لحياتهم وتفتح أمامهم مستقبل الفرح، فما بقي لهم إلا الأسف والأسى والندم على ما فات.
تركا أورشليم، المدينة المقدسة التي دارت فيها حياتهما وانفتح فيها المستقبل، إلى عماوس اللامكان، عماوس رمز العدم والفراغ، طريق الآمال الخائبة.
على هذه الطريق يرافقهم رجل يجعلهم يخبرونه ألمهم وتعاستهم. رافقهم وأصغى. بعدها راح يخبرهم قصة الآمال بدءًا من موسى والأنبياء. إتقد قلبهم فانفتحوا، لكن ذهنهم أبطأ في الوصول فلم يعرفوه إلا عند مشاركتهما الخبز... فاختفى. ولقد عادوا إلى أورشليم.
سنحاول من خلال دراسة النص بالعمق كشف هدف القديس لوقا من هذه القصة، ونحاول تمييز سرّها فنقترب أكثر من رسالتها.

حبكة أدبية مدهشة
لقد أدهش هذا النص الذي اتفق المفسّرون على تسميته "تلميذي عماوس" أو "حجّاج عماوس" (لو 24: 13-35). أدهش القرّاء والشرّاح على السواء وعبر العصور، إن لجودة أدبه، وتقنية أسلوبه، ودقة وصفه السيكولوجي لعمق الأحاسيس، أو لغنى تعليمه اللاهوتي والروحي.
أول ما يلفت النظر في هذا النص هو العمل الأدبي الدقيق والمتقن. فالحبكة القصصية، كما توزيع العبارات المهمة والغنى الذي تحتويه، كل ذلك يعطي النص معنى عميقًا جدًا.

قراءة النص في إطاره
ينظم لوقا الفصل 24 من انجيله بحسب أحداث ثلاثة غاية في التناغم. في القسم الاول نقرأ حدث وجود النساء على القبر الفارغ (لو 24: 1-12) (يذكره إلانجيليون كافة)، والقسم الأخير ظهور المسيح لتلاميذه بعد قيامته من الموت (لو 24: 36-53) (وهو حدث يتشابه مع ما يخبره متى ويوحنا). وبين هذين القسمين يضع لوقا حدثًا محوريًا خاصًا به: حدث لقاء يسوع بتلميذي عمّاوس (لو 24: 13-35).
عادت النساء من القبر الفارغ، حاملات بأمانة كلية البشرى السارة التي أوكلها إليهن الملائكة. لكن هذا الكلام بدا للرسل "أوهام" نساء "ولم يصدقوهن" (لو 24: 11). لكن أخبار النساء هذه أجبرت الرسل على التحرك. "فقام بطرس وأسرع إلى القبر. فلما انحنى رأى الأكفان وحدها، فرجع متعجبًا مما حدث" (24: 12). و"في اليوم نفسه" أي يوم القيامة الذي سيصبح يوم الرب، كان اثنان منهم ذاهبين إلى قرية اسمها عماوس. يركز لوقا في بداية القصة على أنها تمّت يوم عيد الفصح. في طريقهما نجدهما يتحدّثان ويتجادلان بهذه الامور كلها. وإذ "يسوع نفسه قد دنا منهما وأخذ يسير معهما، على أن أعينهما حُجبت عن معرفته". وكأن لا ذنب لهما في عدم معرفة الرب. فعيونهما غير قادرة على ذلك. فقال لهما: "ما هذا الكلام الذي يدور (تتراشقان به) بينكما وأنتما سائران؟". بعد فعلَي "يتحدثان ويتجادلان" يأتي هنا فعل أقوى يُستعمل عادة لرمي السهام. لقد وصل هذا المسافر عندما احتد الحديث. فيجيبه كليوبا- الذي ربما كان مصدر هذه القصة- "أأنت وحدك نازل في أورشليم ولا تعلم الأمور التي جرت فيها هذه الأيام؟" فقال لهما: "ما هي"؟ قالا له: "ما يختص بيسوع الناصري، وكان نبيًا مقتدرًا على العمل والقول عند الله والشعب كله، كيف أسلمه عظماء كهنتنا ورؤسائنا ليُحكم عليه بالموت وكيف صلبوه، وكنا نحن نرجو أنه هو الذي سيفتدي اسرائيل. ومع ذلك كله فهذا هو اليوم الثالث منذ جرت تلك الامور". ولكن هناك صوتًا آخر:
"غير أن نسوة منا حيّرننا، لأنهن زرن القبر عند الفجر فما وجدن جسده...". ويلخّص كليوبا وجهة نظر الرجال التي يعرفها القارئ من النص السابق، ولكن من وجهة نظر النساء. "فرجعن وقلنا إنهن أبصرن ملائكة قالوا إنه حي. فذهب بعض أصحابنا إلى القبر فوجدوا الحال على ما قالت النسوة أما هو فلم يروه".
وأخذ يسوع الكلام، فقال لهما: "يا قليلي الفهم وبطيئي القلب عن الايمان بكل ما تكلم به الأنبياء! أما كان يجب على المسيح أن يعاني تلك الآلام فيدخل في مجده؟ وبدأ من موسى...".
الجدير بالانتباه رؤية المسيح الممجَّد في هذا النص بين موسى والأنبياء، مما يذكرنا بنص التجلّي، خاصة وأننا لا نجد موضوع المجد في حدث التجلي إلا عند لوقا وحده.
"... وجميع الأنبياء يفسِّر لهما في جميع الكتب ما يختص به". يقوم يسوع نفسه بتفسير الكتب، يطبّق الكتب على ذاته في يوم القيامة عينه. إنه النبي بحسب ما قال كليوبا، وكنبي يفسِّر يسوع الكتب ويعطي معنى لحدث الآلام والموت والقيامة.
"ولما قربوا من القرية التي يقصدانها، تظاهر أنه ماضٍ إلى مكان أبعد، فألحّا عليه قالا: أمكث معنا، فقد حان المساء ومال النهار. فدخل ليمكث معهما".
وهنا نجد من جديد لفظة "وحصل" لتنذرنا بحدث يستأهل انتباهنا الكامل. "... ولما جلس للطعام، أخذ الخبز وبارك ثم كسره وناولهما، فانفتحت أعينهما وعرفاه. فغاب عنهما". وكلمة αφαντοs نادرة. انها المرة الوحيدة التي يستعمل فيها العهد الجديد هذه الكلمة وتعني حرفيا غير منظور، غير مرئي.
"فقال أحدهما للآخر: أما كان قلبنا متقدًا في صدرنا حين كان يحدثّنا في الطريق ويشرح لنا الكتب؟ وقاما في تلك الساعة عينها ورجعا إلى أورشليم، فوجدا الأحد عشر والذين معهم مجتمعين، وكانوا يقولون إن الرب قام حقًا وتراءى لسمعان. فرويا ما حدث في الطريق وكيف عرفاه عند كسر الخبز".
وهنا يأتي حدث ظهور يسوع للتلاميذ كقسم ثالث وأخير للفصل 24.
فإن كان نص تلميذي عماوس يأخذ موقع القلب في هذا الفصل الأخير من إنجيل لوقا، فأين نجد قلب هذا النص؟ اين يقع محوره وجوهر تعليمه؟ فهل هو درس افخارستي؟ هل هو درس عن وجود يسوع المسيح السرّي؟ هل ان اقتسام الخبز والتعرف إلى يسوع في هذا الوقت المحدد هو محور النص؟ أم أنه مجرد نقل لشهادة من رأوا المسيح مما يعطي المؤمنين الذين "لم يروه" قوة لايمانهم ولطابعه "المظلم"؟ خشية الانجراف مع اعتبارات واستنتاجات من الممكن ان تكون ذات طابع شخصي، سنحاول دراسة حبكة النص الأدبية علّنا نجد أدلّة تكشف لنا سرّ تأليفه وتنظيمه وهدفه.

دراسة النص الأدبية
من خلال الروابط الأدبية والفكرية اللاهوتية التي نجدها في ترتيب النص الدقيق التأليف، نستنج صورة تجعل من هذا النص الأدبي إطارًا يحيط بشكل متقن بآية محورية تشكل قلب النص وجوهره.


أ- أخبرن الرسل (9)
ب- غير أن بطرس قام فأسرع إلى القبر (12 أ) 
ج- فرأى اللفائف (12 ب)
د- اثنين منهم كانا ذاهبين من أورشليم (13)
هـ- يتحادثان ويتجادلان فيما بينهما (15 أ)
و- إذا يسوع نفسه يقترب (5_ ب)
ز- لكن أعينهما حجبت عن معرفته (16)
ح- فوقفا متجهمّي الوجه (17)
ط- حوار (18-19 أ)
ي- ما يختص بيسوع (19 ب)
ك- يا قليلي الفهم... وبطيئي... الأنبياء (25)

ل (26) 


ك- وبدأ من موسى وجميع الأنبياء (27 أ)
ي- يفسّر لهما ما يختص به (27 ب)
ط- حوار (28-29 أ)
ح- دخل ليمكث (29 ب)
ز- فانفتحت أعينهما وعرفاه (31 أ)
و- فغاب عنهما (31 ب)
ه- فقال أحدهما للآخر (32)
د- رجعا إلى أورشليم (33)
ج- تراءى (34)
ب- لسمعان (34)

أ- "أخبرن" (آ 9): ينهي هذا الفصل قصة النساء، لكنه يشكل أول عناصر هذا الاطار المتماسك، وبداية مجسَّم نقاط التلاقي التي ستُظهر محور النص وتحيط به.
ب- "غير أن بطرس أسرع الى القبر" (آ 12): رغم وجود ما يبرر التردد في اعتبار هذه الآية زيادة لاحقة، فإن تقليدًا عريقًا يؤكده.
ج- فرأى: لقد رأى بطرس... اللفائف، وعاد إلى بيته متعجبًا. لكنه بقي هنا، عند حدّ الاندهاش ودون ان يتقدم إلى العمق، عمق الايمان. لقد أعطي النور للنساء اللواتي تحركن عند الفجر باندفاع حبهن العميق نحو القبر، بينما بقي الرجال خائفين، قابعين في ظلمة ضياعهم ومنغلقين على ذواتهم في حين بدأ انفتاح القبر الفارغ يطرح السؤال الكبير والتعجب والقلق.
د- وإذا باثنين منهم كانا ذاهبين... من أورشليم (آ 13): انهما يبتعدان عن المدينة التي يعتبرها لوقا منارة العالم ومكان الخلاص. أن يتركا أورشليم في هذه الظروف بالذات، هو أن يديرا الظهر للنور وأن يتوغّلا في ليل دون رجاء.
هـ- يتحادثان ويتجادلان فيما بينهما. كلمة صغيرة لا تتردد بعض الترجمات في حذفها لكنها هنا تلعب دور الرابط بين الافكار لأنها تلفت النظر إلى ما يقابلها. 
و- يسوع نفسه يقترب (آ 15): يسوع نفسه هنا، ولكن ما زلنا في الظلام.
ز- أعينهما حُجبت عن معرفته (آ 16): يسوع معهما يسير إلى جانبهما. يبدأ حوارًا معهما ويسأل "ما هذه الكلمات...؟"
ح- فتوقفا متجهمّي الوجه (آ 17): انها صدمة اللقاء. توقفا عن المراشقة بحوار لا يجدي. توقفا للحظة. لكنهما جنبًا إلى جنب، لم يتعرفا بعد إلى الرب وجهًا لوجه.
ط- حوار
ي- ما يختص بيسوع الناصري (آ 19): هنا أيضًا كلمة صغيرة "ما يختص" لكن مكانها المحدد يعطيها أهمية كبرى بحيث إنها تدير قسمًا مهمًا من النص (آ 19-25).
تتوقف الحركة بسبب التعليم الذي يقطع النص: إنه ملخص تعليمي لكل ما حدث حتى الآن، ملخص لحياة المسيح تنتهي بمغامرة النساء في صباح هذا اليوم عينه. وما إن انتهيا من إسماعه كل ما يعرفونه "بما يختص بيسوع" حتى أخذ يسوع الكلمة لكن ليوبخ أولاً.
هذا ما سيقفل هذا القسم السلبي المظلم من النص.
ك- يا قليلي الفهم، وبطيئي القلب عن الايمان بكل ما قاله الانبياء (آ 25). هنا تأتي العبارة التي انتظرها النص بكامله وأعلن عنها. إنها مفتاح هذه القصة التي ما زالت حتى الآن غامضة.
ل- أما كان يجب على المسيح أن يعاني تلك الآلام فيدخل في مجده (آ 26).
انها الآية المحورية، بها وصلنا إلى عمق النص الذي يعطيه معناه. انطلاقًا من هنا ستنتقل الكلمات إلى النور بحيث ان الكلمات ذاتها التي كانت مظلمة في القسم الاول سنقرأها بصورة مختلفة في هذا القسم الثاني. لقد أُعطينا مفتاح القراءة فاصبحنا قادرين على إعطاء العبارات معناها الايجابي.
ومن جديد...
ك- بدءًا من موسى وكل الانبياء (آ 27). إن أمعنّا الانتباه، نلاحظ كيف أن الآية المحورية (آ 26) تأتي تمامًا بين الذكرين المميّزين للأنبياء (25، 27). وتكمل الآية: "يفسِّر لهما في جميع الكتب".
ي- ما يختصّ به (آ 27): عبارة تلتقي تمامًا مع آ 19 "ما يختص بيسوع". يأخذ يسوع الاشياء عينها التي سبّبت حزن التلميذين ليفسِّرها. لقد شرح لهما ما يختص به.
إنتهى الدرس البيبلي فيتابع لوقا القصة. اقتربوا من القرية التي يقصدون فتظاهر بأنه سيتركهما. ويبدأ الحوار من جديد (آ 28-29).
حتى مع غياب التقارب في الكلمات فإن المقاربة موجودة: عندما التقيا المسيح في البداية توقّفا، لكنهما لم يشعرا بشيء، أحسّا أنه من واجبهما تعليمه كل ما يعرفانه بما يخص يسوع الناصري... والآن في الوقت الذي شرح يسوع بنفسه كل ما يختص به في الكتابات، توسّلا اليه ليبقى... فوافق على التوقف معهما. دخل معهما، فلم يبقيا جنبًا إلى جنب، بل انتقلا إلى مرحلة الوجه للوجه. انها شرط المعرفة الحقة. وكم من عائلة وجماعة ومجموعة تقضي حياة كاملة والفرد جنب الفرد فلا يتعرف الاعضاء إلى عمق بعضهم البعض فينتقلون إلى الشخص مقابل الشخص.
ثم بعد اقتسام الخبز.
ز- انفتحت اعينهما وعرفاه (آ 31). لقد كانت لهما أعين لا تبصر (آ 16)، فانفتحت الآن، وأصبح بامكانهم أن يعرفوه.
و- فغاب عنهما. لقد عرفاه على حقيقته: غير منظور.
هـ- فقال أحدهما للآخر (آ 32): يستعمل الكاتب "فيما بينهما" وهي العبارة التي نجدها في آ 14 لتكوِّن إطارًا يحيط بكل حضور يسوع المرئي ولتظهر التلميذين منفردين "فيما بينهما" قبل وبعد رؤية يسوع.
د- "فقاما في تلك الساعة عينها وعادا إلى أورشليم" (آ 33): لقد عادا إلى نقطة الانطلاق، إلى أورشليم المدنية الام، وتمّت بالتالي مسيرة حجّهما فأقفلت دائرة طريق الايمان، "فوجدا الأحد عشر... يقولون إن الرب قام حقًا".
ج- تراءى
ب- لسمعان: عند القبر كان بطرس قد رأى... اللفائف (آ 12).
اما الآن فإن الرب ذاته كشف عن ذاته فتراءى لسمعان (آ 34). يشكّل ذكر بطرس- سمعان إطارًا للنص بكامله.
أ- فأخبراهم ما حدث في الطريق... (آ 35). وقُبلت شهادتهما، فانتهى هذا القسم الثاني الايجابي بالفرح في حين أن القسم الذي يقابل هذه الآية (شهادة النساء) أدّى إلى الشك والقلق.

بين الوجه المتجهّم والقلب المتقد 
إن دراستنا لترتيب وتنظيم هذا النص يكشف فكرة المسيرة اللاهوتية التي يقصد لوقا إبرازها، والتي يمكن عنونتها "من الوجه المتجهم إلى القلب المتقد" (32)، أي من حزن الشك إلى حرارة الايمان.
في القسم الاول من النص تجهّم وظلام، كل شيء يأخذ منحى سلبيًا بحيث تؤدّي المسيرة إلى الفشل الذريع.
في النقطة (أ) تعلن النساء... لكن أحدًا لا يصدقهن. وفي (ب) يُذكر بطرس... لكن دوره باهت فاتر. صحيح انه يرى (ج)... ولكن اللفائف فقط. وفي (د) كانا ذاهبين... من اورشليم؛ "فيما بينهما" (هـ)... ولكن يتجادلان وحدهما؛ وصحيح أن يسوع يقترب (و)... لكنهما لا يتعرفان اليه؛ وإن كانا يملكان العيون (ز)... لكنهما عاجزان عن رؤيته. في النقطة (ح) يتوقفان... لكنهما يحتفظان بوجه متجهّم؛ يحاوران (ط)... ليقولا له انه الوحيد الذي لا يعرف؛ يعلنان ما يختص بيسوع (ي)... دون أن يفهما، ويصل حوارهما إلى نقطة وحيدة: لم يروه.
ونلاحظ أن يسوع يتكلم في هذا القسم (ك)... ولكن ليوبّخ: فهما لم يؤمنا بما قاله الأنبياء. انها مسيرة "الوجه المتجهّم".
وهنا نصل إلى جوهر النص (ل): الكشف الكبير لسر المسيح.
فتنطلق المسيرة من جديد عابقة بالنور والحياة والفرح، انها مسيرة "القلب المتقد"، مسيرة كلُّ ما فيها يأخذ طابعًا ايجابيًا.
يسوع يتكلم (ك) عن الانبياء... ليفسِّر. فقد اصبحت المراجع الكتابية واضحة الآن. لقد انفتحت الكتب أمام التلميذين، ففهما أخيرًا "ما يختص به" (ي). إن ما أخبراه إياه في يأسهما يأخذ الآن كل معناه على ضوء ما شرحه يسوع. ويكمل الحوار (ط) فيلحّان عليه بحيث تنبّهنا اللجة الحارة المتوسّلة إلى انهما على وشك ان يتعرّفا إلى ضيفهما. فدخل و"مكث معهما" (ج). بعد مشاركتهما الكلمة إنه يشاركهما الطعام، "فانفتحت أعينهما وعرفاه" (ز) "فلم يعد منظورًا" (و). بعد ان تأكدا من قيامته ترك لهما حضوره بالايمان، انه الحضور الذي نحياه حتى الآن وإلى نهاية الأزمنة، وهو حضور يتغذى من شرح الكلمة ومن المشاركة بالافخارستيا. ومن جديد هما "فيما بينهما" (هـ) ولكن هذه المرة "بقلب متقد". عادا إلى أورشليم (د)، ومن جديد إنهما في قلب المدينة حيث الرسل سيبقون بانتظار أن تحلّ عليهم قوة العلي (آ 49)، وهم يقولون إن الرب قام حقًا وتراءى (ج) لسمعان (ب). إن دور سمعان هو دور اساسي هذه المرة. فالانجيلي لا يخبرنا هذا الظهور. لكنه يقوم بما هو أهم من ذلك: إنه يظهر لنا قوة شهادة سمعان بطرس من خلال التفاف التلاميذ وحماسهم. "فأخبراهم" (أ) وُقبلت شهادتهم.
وهكذا انقلبت ظلمة القسم الاول إلى نور وضّاء في القسم الثاني. لكن هذا لا يعني ان كل قسم منفصل تمامًا عن الآخر. فنقاط التلاقي تحمل بحد ذاتها معنى عميقًا وتلعب كل منها دور نقطة المرجعية.
فانطلاقًا من المحور نلاحظ ان (ك- كَ) تحيط قلب النص بذكر الانبياء. لقد اتى المسيح وقام برسالته فتمم ما أعلنه الانبياء. هذا ما يمّيز دوره المسيحاني وعمله كمرسل للآب لتتميم تدبيره. و"ما يختص بيسوع" (ي- يَ) عبارة تجمع كل ما يجب ان نعرفه عن يسوع على ضوء النور الذي أضافه القائم من الموت على هذه المعرفة. ويتمحور الحوار في (ط- طَ) حول اهتمامات التلميذين أولاً وآخرًا... لقد وصل تعليم الرب إلى هدفه. وبعد ان كان الوقت الاول بسيطًا، أصبح فعليًا بعد أن وصلا إلى المشاركة الحقة. إنه دور (ح- حَ)، وهو ما تشدّد عليه النقاط التالية (وز- وزَ) حيث "يسوع نفسه" في البدء و"هو" بعد ذلك يحدد زمن حضوره ويعلّمنا سر هذا الحضور المنظور ولكن غير المعروف في (و- ز) كما كانت الحال في جماعة ما قبل القيامة؛ والحضور غير المنظور (وَ) ابتداء من زمن الفصح ولكنه معروف (زَ) إنه سر حضور الرب الغامض الذي يدعو إلى الاتحاد به بالمحبة وبالاسرار، حضور سرّي يميّزه الايمان. هذه هي حصة المؤمنين حتى النهاية (يو 20، 29)، أما عبارة "فيما بينهما" (هـ- هـَ)، فانها تشكل إطارًا لحضور الرب المنظور، وتظهر أهمية هذا الحضور. فعندما كانا "فيما بينهما" من دونه، لم يكونا قادرين إلا على "التراشق" بالكلام؛ وعندما أصبحا "فيما بينهما" بعد أن عرفاه وغاب، أصبح قلبهما متقدًا لانه حاضر ولو غير منظور. وتشكل مدينة اورشليم ملخصًا لكل دعوة اسرائيل بحسب لوقا. فكل انجيله يتمحور حول أوشليم بحيث يبدأ في هيكل أورشليم مع الظهور لزكريا، وينتهي في الهيكل حيث نرى الرسل يسبحون الرب دومًا. ونرى في (د- دَ) ان التلميذين يقومان بالمسيرة ذاتها من أورشليم إلى أورشليم فيبدو هذا النص وكأنه مجسَّم مصغَّر لانجيل لوقا. وفي نقطتي (ب ج- ب جَ) يأتي ذكر سمعان بطرس بحيث يبدو النص وكأنه مختوم بحضور هذا التلميذ. نحن نعرف بأن القديس متى يعطي لبطرس المركز الطليعي (إعلان قيصرية فيلبس متى 16: 13-19؛ المشي على المياه متى 14: 29؛ الجزية لقيصر متى 17: 24-27، نصوص ثلاثة لا نجدها إلا عند متى). لكن انجيل لوقا مكتوب بطريقة مختلفة. إنه انجيل الكنيسة التي تقوم بمسيرة حج عبر العصور، من هنا أهمية الطريق والرحلات. يعطي الانجيلي الثالث اهمية كبرى لزمن الكنيسة الذي يراه يطول عبر الزمن. ومن هذا المنطلق يضع لوقا في آخر إنجيله ثلاث نصوص يذكر فيها بطرس. الاول عند اقتراب الآلام: "صلّيت لأجلك لئلا يضعف ايمانك، وأنت متى عدت فشدَّد اخوانك" (22: 32). والثاني في أول أيام الأسبوع إذ نراه يطبّق هذه الكلمة، فما إن "عاد" إلى الايمان بعد أن تراءى له الرب القائم من الموت حتى شدّد اخوانه فآمن الجميع بشهادته. إن هذين الذكرين الأخيرين لبطرس يشكلان إطارًا لنص تلميذي عماوس. فإن وضعناهما خارج هذا الاطار، فقدا الكثير من أهميتهما. ولكن تلاقي هذين الذكرين حول نقطة النص المحورية يُظهر دور بطرس الاساسي في الكنيسة. فإن أخذنا موقعًا للقراءة من وجهة نظر سرد الاحداث، نجد أن التلميذين قد عادا إلى أورشليم لينقلا البشرى إلى الأحد عشر؛ فالهدف إذًا "كنسي". ولكن من وجهة نظر ترتيب النص الأدبي، فإن ذكر سمعان بطرس المزدوج يجعل النص بأكمله مرتبطًا بهذا الذكر. لربما دلّ ذلك على تقدم في التفكير اللاهوتي حول دور بطرس. فمهما كانت خبرة التلميذين والظهور الذي خصّهما به الرب والاعلان الذي أوكله اليهما، فإن ذلك مرتبط بذكر سمعان أو بالاحرى بطرس الذي يسيطر حضوره على القصة بأكملها. وفي النهاية نصل إلى التلاقي الاوسع والاشمل (أ- أَ) إنه موضوع الإعلان: فالنساء "أخبرن" في البداية؛ والتلميذان "أخبراهم" في النهاية. نضيف أن هذا الإعلان يشكل خاتمة الانجيل كله حيت نجد الشهود في خضم العمل. وبالتالي فإن الشهادة التي تشكل إطارًا لنص تلميذي عماوس تعطيه صدى يتردد عبر كل حياة الكنيسة زمانًا ومكانًا.
وهكذا نرى كيف أن ترتيب النص وتنظيمه يظهر محوره وجوهر تعليمه: "أما كان يجب على المسيح أن يعاني ليدخل في مجده؟" (آ 25). ولكن وإن كان هذا الاعلان أساسيًا، فانه لا يُفرغ النص من كل غناه. فالقصة مليئة بالحوارات والخطابات وكل التعليم عن مفهوم الطريق ولاهوت المشاركة واخلاقية الضيافة الخ...

محاولة لسبر لاهوت هذا النص
رغم صعوبته وطوله، نجد في هذا النص أولاً تعليمًا معمّقًا عن معنى الفصح. إنه محاولة للشهادة عن خبرة معرفة خاطفة للمسيح القائم من الموت محضّرة ومحصورة في نص طويل. من خلال هذه القصة، يحاول لوقا إدخال القارئ في قلب السؤال المؤلم الذي يطرحه: كيف يمكن للمسيح ان يتألم ويموت؟ سؤال في حال طرحناه على ذواتنا يجعل منا تلاميذ خائبين، هاربين... ولكن في قلب اليأس والهرب، ينضمّ الرب إلى التائه على دروب الايمان ليحوّله رويدًا رويدًا وانطلاقًا من الكتب المقدسة. "كان يجب": أمام عثرة الصليب، الفضيحة التي اخذت مكانها في تاريخ الخلاص، أمام موت البار، المسيح، الابن، لم تجد الكنيسة بدًا من العودة إلى الكتب المقدسة في بحثها عن منطق تدبير الله. في كتاب أعمال الرسل تبدو العودة إلى الكتب أساسية (اع 13: 27؛ 2: 23؛ رج 3: 18؛ 4: 28)؛ ويربط يسوع إعلانه عن موته بتتميم الكتابات والنبؤات.
إن الايمان بأمانة الله التي تجلّت بالقيامة، يؤكد لنا أن موت يسو ع لا يمكن ان يخرج عن مشروع الله الخلاصي، ويدفعنا للبحث عن فهم هذا السر من خلال تاريخ العهد القديم، فإذا بنصوص- رموز مثل نص عبد يهوه المتألم (اش 42-53)، وبعض المزامير (22 و69)، وكتاب الحكمة (2: 12-20)، وتقدمة اسحق (تك 22)، تأخذ بُعدها على ضوء المسيح المتألم والقائم من الموت. وبالمقابل فإن هذه النصوص تعطي بدورها نورًا معينًا يجعلنا نفهم هذا الموت كحدث لا يخرج عن الايمان، مع التأكيد بأنه ليس لهذه النصوص صفة ملزمة بحد ذاتها خارج حدث يسوع، تمامًا كما أن معرفة هذه النصوص لم تسمح للرسل والتلاميذ بفهم موت يسوع إلا كموت نبي (إرميا- إيليا- يوحنا المعمدان) تابع نبوءته حتى الموت ولم يكونوا بالتالي قادرين على تصوّر القيامة.
إن سؤال التلاميذ هو سؤالنا اليوم، سؤال لا ننفك نتعثّر به بعد ألفي سنة، وبالتالي فإن التوبيخ "يا قليلي الفهم" (لو 24: 25) يتوجه لنا أكثر منه لهم. إن المسيح القائم هو وحده القادر على تفسير الكتابات، وحده قادر أن يعطيها معنى وكأنها تختص به (لو 24: 25-27). وهذا ما تقوم به الكنيسة على خطاه، ولنا في المقابلة بين نص تلميذي عماوس ونص فيلبس مع الوزير الاثيوبي خير برهان على ذلك (اع 8: 30-35).
ويبدو أن لوقا يريد أن يؤكّد أن لقاء الرب ومعرفته هما بالمستطاع اليوم، وأن لقاءه لا يستلزم العودة إلى ماضي يسوع الأرضي. فنحن نلتقيه اليوم بالاسرار وهذا ما يؤكّده استعمال فعل "أعطى" (لو 24: 30) بصيغة تركز على مدة الفعل بحيث يُظهر أن يسوع القائم من الموت يكمل حتى اليوم إعطاء هذا الخبز لكنيسته.
لقد دخل الغريب إلى بيت التلميذين فأخذ مكان السيّد إلى المائدة التي استضافته. وزّع الخبز فانفتحت أعينهما وعرفاه فغاب" (24: 31). 
لقد أصبح القائم من الموت ومنذ ذلك الحين الحاضر- الغائب على المائدة المسيحية. عرفاه وبالوقت عينه فهما ما كلمهما به في الطريق فانفتحت أمامها الكتب مع انفتاح قلوبهما لمعرفة الرب (24: 32). إن المائدة المسيحية هي مكان التعرّف إلى السيد وإلى كلمته وبالتالي يصبح حضور المسيح البشري غير ضروري. إن الكلمة والخبز المقتسم يفتحان العيون على الغياب.
في اربع وعشرين ساعة لخّص لوقا جوهر إيماننا المسيحي: إنه يكمن في يوم الفصح: يأس- خوف- مجادلات- مسيرة هرب إلى الامام- تعيلم كتابي- تعليم عن الاسرار- عودة إلى الإيمان- لقاء واجتماع بالكنيسة- ظهور الرب للجميع- إسناده لهم رسالته وصعوده إلى السماء. إن يوم القيامة هو مصدر الايمان وأساس بشرى القيامة. وفي مسيرة تلميذين أعطانا صورة مسيرتنا الايمانية المتأرجحة أبدًا بين الشك والايمان متأكدين بأن الأهم هو الثقة بأننا سنجد الله، وبأنه يرافقنا حيث تقودنا خطواتنا. فكل خبرة قلب متقد نحياها تضعه أمام عيوننا فيفتح قلوبنا وأذهاننا لمعرفته كلما تشاركنا في الكتب وفي الخبز، وبالعودة من عماوس ولو ليلاً كل الطرقات تؤدي من جديد إلى حيث ضاع الرجاء الكاذب وتمّ الخلاص الحق.
"اليوم" في الرسالة إلى العبرانيين

1- مقدمة 
تستوقف قارئ الرسالة إلى العبرانيين القدرةُ الهائلةُ لدى كاتبها على التجوال في رحاب تاريخ شعب الله المدوَّن، في كل اتجاه، وعلى الانتقاء والاستخلاص، وترتيب، وتوجيه. فهو يتأمل التاريخ المذكور، بنظرة لاهوتية مؤمنة، ثم يرسمه لوحةً تاريخيةً لها من ألوان السماء روعتُها، ومن حدث التجسّد قوامُها الأساسي وعلّةُ وجودها. كلُّ المعطيات الزمنية المتضمَّنة في هذه اللوحة، والمتميزة بالعلاقة الخاصة بين الإنسان والله عبرَ التاريخ، مقياسُها أبدًا هو المسيح الذي يتجلّى في الرسالة وجهُه وعمله وما نادى به بطريقة تصاعدية محبوكة ومتماسكة، وكأنَّ الكاتب يأخذ بعين الاعتبار الأبوية طفولتَنا الروحيةَ، فيعطينا الطعام الخفيف والمناسب لعمرنا الروحي عالمًا ما يفيد "نموّنا في الحكمة والقامة والنعمة عند الله والناس" (لو 2: 52).
قبل التطرق مباشرة إلى موضوعنا. نعطي فكرة وجيزةً عن استعمال كلمة "اليوم" في العهدَين القديم والجديد، تساعد على ولوج مدلولاتها في الرسالة إلى العبرانيين.

2- "اليوم" في العهد القديم
من الناحية الزمنية، يمكن بالتأكيد وضع "اليوم" في مقابل "الأمس" أو "الغد"، أو ربطه بهما، فيكون "اليوم" الزمن الحاضر، الذي فيه يتحرّك الإنسانُ أو يصنعُ حدثًا.
استنادًا إلى النظريّة اليهوديّة، يبدأ اليوم مساءً، أي عند أفول نور الشمس، ويمتدّ حتى مستَهَلِّ المساء التالي. ولكن بكلمة "اليوم" لا يُعَبَّرُ فقط عن الزمن بمعناه المادي، أي القائم "اليوم"، بل عن حدث يحصل "اليوم" بين الله وشعبه، حَدَث قد يكون إيجابيًّا أو سلبيًّا، مقبولاً أو، على العكس، لا رضى عليه.
لدينا في العهد القديم حوالي 1800 استعمال لكلمة "اليوم"، لا يمكن فهمها بدقّة إلاّ إذا وُضعَت في إطارها الأدبي والتاريخي والديني.
- فهناك كلمة "اليوم" منفردة، والأمثلة عليها كثيرة؛
- أو مع ضمير الإشارة: "هذا اليوم"، مثلاً: إر1: 10؛ أنظر تك 19: 37ي؛ 26: 33؛ 35: 20؛ يش 4: 9؛ حز 2: 3؛ 20: 29 و31؛ 24: 2؛ 2مل 6: 28؛
- أو مع كلمة "الغد": "اليوم وغدًا"، مثلاً: خر 19: 10؛ جا 10: 10؛ 2: 15؛
- أو مميّزًا عن "أمس"، مثلاً: 2 صم 15: 20؛ جا 38: 22؛ 1 مك 9: 44.
- يعبّر الارتباط مع "الأمس" أو مع "الغد" غالبًا عن اختبار يتخطّى مداهُ اليومَ الحاضر، مثلاً: خر 5: 7 و14؛ 19: 11؛ 1 صم 4: 7؛ 2 صم 11: 12؛ أنظر أيضًا، 1 صم 20: 27.
- يُقابل هذه صيَغٌ ثابتة لها مدلولات تتخطّى المعنى الزمني أو تدل بالفعل عليه، مثل: "ثلاثة أيام" (1 صم 9: 20؛ 30: 13).
- أما في الاستعمال اللّيتورجي، فلدينا مثلاً عبارة: "من هذا اليوم وعلى طول الزمان" (1 مك 10: 30)، أو "منذ اليوم وللأبد" (طو 7: 12).
- أخيرًا، "اليوم" هو مميّز عن عبارة "منذ زمن بعيد"، أو عن "منذ بدء أيّامك" (يه 8: 29؛ رج 12: 18).
بالاجمال، في "اليوم" لا يُقاس الزمن فقط، بل يُفتَتَحُ، كما التّعبير المثقل بالمعاني والشائع في تثنية الاشتراع:
"إذا سمعت إلى وصايا الرب إلهك، التي أنا آمرك بها اليوم..." (تث 30: 15-20؛ رج 4: 2).
ما يحصل أو ما زال صالحًا "اليوم" أيضًا، مصدره الله، إنّ تحت شكل وصيّة، ووعد، أو بركة، وإنْ تحت شكل شجْب أو لعنة.
في يوم السبت، مثلاً، يشعر الإسرائيلي أنّه مرتبط بـ "اليوم"، إذ فيه يتفعّل "اليوم" العظيم والمقدس ويُأوّن، ويتجلّى فيه ما كان من عمل الله.
إذا ما أَفَلَ "اليومُ"، يكون هناك خطرٌ جسيم، أو حتى يحلُّ الخراب بالوجود بالذات. لهذا، يمكن "اليوم" أن يكون مركز الوحي، كما أيضًا محتواه. في "اليوم" تُذاع كلمة الله، كما أيضًا الجواب عليها. يجب أن يتوافق ما يقع "اليوم" مع كلمة الله، وأن يكونا متناسبًا الواحد مع الآخر. هذا يعني أنّ كلّ ما يحصل يجب أن يُعبَّرَ عنه ويُقرّرَ أمام الله ومن قبَله. 
في "اليوم" يتحوّل ما هو ماضٍ وتاريخي. نداءً وكلمةً وحقيقةً (مز 94: 7؛ 2: 7)؛ لهذا يرتبط بالبُعدَين، الغائب والمُطلّ، يعود إلى التاريخ ويتطّلع إلى المستقبل، وفي الحالتين يتضمّن دعوةً إلى الطاعة، وإلى الاستجابة لتصميم الله الخلاصي، والامتثال لأوامره، والاقتداء بالأصفياء الذي سلفوا؛ كلّ ذلك مع توجّه اسكاتولوجيّ ديناميكيّ يحرّكه مَن هو قبلة الأنظار، ومشتهى القلوب، الذي يعلّم شعبه ما ينبغي أن يفعله (تث 4: 1)، والذي لا يأتي أحد إليه ما لم يجتذبه الآب أوّلا (يو 6: 44).

3- "اليوم" في العهد الجديد
أيضًا في العهد الجديد، يمكن تمييز استعمال زمني لكلمة "اليوم"، عن آخَرَ بيبليٍّ ولاهوتي في الصميم؛ الأوّل يسهُلُ تبيُّنه، لأنّه ذو مضمون ماديّ وحسب. أمّا الآخَر فيتطلّب انكبابًا روحيًّا وعلميًّا صبورًا ورضيًّا، وإلاّ عَميَت العيون عن البصر، والقلوب عن الفهم، والعقول عن الادراك.

أ- المعنى الزمني
من حيث استعمال كلمة "اليوم" بمعناها الزمني المادي، لدينا في متّى 27: 19 مثلاً على ذلك، فنرى امرأة بيلاطس تقول: "لأنّني تألّمت اليوم كثيرًا في الحُلم لأجل هذا الرجل". المقصود بوضوح هو تنبّؤ سيِّئ بالنسبة إلى اليوم المثقل بمقرّرات جسيمة، كما يبيّن متّى 27: 24.
يُقال ذات الشيء على الطلبة الرابعة من صلاة "الأبانا"، كما نجدها في متّى 6: 11: "خبزنا كفافنا أعطنا اليوم".
تمامًا كما في الصلاة، ينبغي على الناس الذين لهم قليل من الايمان، أن يتوجّهوا ببساطة إلى "اليوم" عندما يكونون في حالة قلق. في الواقع، "هكذا يُلْبِسُ الله عشب الحقل الذي هو اليوم، وغدًا يُرمى في التنّور" (متّى 6: 30؛ لو 12: 28).
يعرف كلُّ فلاح أن يتبيّن مسبقًا الطقس الذي سيكون، فيقول صباحًا: "اليومَ عاصفة، لأن السماء محمرَّة مكفهرّة" (متّى 16: 3).
وفي الأمثال يقول الأب لابنه: "يا بنيّ، إذهبِ اليومَ للعمل في الكرم" (متّى 21: 28).
وفي مر 14: 30، نقرأ: "الحقّ أقول لك: إنك اليوم، في هذه الليلة..."، الخ.

ب- المعنى اللاهوتي
بالمعنى اللاهوتي لكلمة "اليوم"، نورد، على سبيل المثال، العبارة التالية: "(المسيح يسوع) هو هو، أمس واليوم وفي كلّ الدهور" (عب 13: 8)، التي تعكس أسلوبًا كتابيًّا ليتورجيًّا، يعبّر في العمق عن إيمان بأزليّة كلمة الله وأبديّتها، في التجسّد وقبله وبعده.
هناك أيضًا عبارة "إلى هذا اليوم"، كما في روم 11: 8: 
"أعطاهم الله روح خمول، وأعطاهم عيونًا كي لا يبصروا، وآذانًا كي لا يسمعوا، إلى هذا اليوم" (رج تث 29: 3)؛
أو أيضًا في 2 كو 3: 14 حيث يقول الرسول:
"فإنّ ذلك البرقع نفسه باقٍ إلى هذا اليوم، ولن يزول إلاّ بالمسيح".
وفي متّى 28: 15، حيث الكلام هو على شائعة سرقة جثمان يسوع التي تدور "إلى هذا اليوم"، وهي مطبوعة، من خلال الاشارة الزمنيّة، كفعل شجب.
ونجدها مُقتضبة، أي من دون ضمير الإشارة، "إلى اليوم"، في متّى 27: 8- "ولهذا يقال لذلك الحقل إلى اليوم، حقل الدم"- التي بالمقابل، ومن خلال تعليق الإنجيلي (27: 9) الذي هو استشهاد من نبوءة إرميا (18: 2-3؛ 19: 1-2؛ 32: 6-15)، ومن زكريا (11: 12ي، الخ)، تبدو وكأنها تتميم لتلك النبوءة.
بذات المعنى يُفهم أيضًا الكلام الذي قيلَ في كفرناحوم:
"لأنّه، لو جرى في سدوم ما جرى فيك من أعمال قديرة لبقيت إلى اليوم" (متّى 11: 23-24).
عندما يجري الكلام على تتميم وعد الله، يكون لكلمة "اليوم" وقعٌ مُدَوٍّ وحاسم. ففي الخَبَر الذي يورده لوقا حول دخول يسوع مجمع الناصرة يوم السبت، يضع الإنجيليُّ على لسان الربّ، بعد قراءة المقطع النبوي من أشعيا، هذا القول:
"اليوم تمَّتْ هذه الكتابة التي تُليَت على مسامعكم" (لو 4: 21) الخ.
في ذات السياق، يُبرز بولس التتالي بين الشجب وبين تتميم الوعد، مبتدئًا في 2 كو 3: 14 بالكلمات التالية: "فإنّ ذلك البرقع نفسَه باقٍ إلى هذا اليوم"؛ ويكرّر الكلام عينه في آ 15: "ولكن حتّى اليوم لا يزال البرقع موضوعًا على قلوبهم، عندما يقرأون كتاب موسى"، ولن لا يزول إلاّ بالمسيح (2 كو 3: 14)، أي في اليوم الذي فيه يتم الوعد.
من أراد أن يسمع أو أن يصغي إلى الكتاب المقدّس عليه "اليوم" أن يكون المسيح أمام ناظريه. هذا "اليوم" من الشركة مع المسيح قد تجلّى بكلّ صفاء: "اليوم رأينا أمورًا عجيبة" (لو 5: 26). في رواية ميلاد يسوع يضع لو 2: 11 على فم الملاك ما يلي: "اليوم وُلد لكم مخلّص وهو المسيح الربّ في مدينة داود".
يُطبّق مز 2: 7- "أنت ابني أنا اليوم ولدتك"- على يسوع القائم من الموت، وذلك في إطار البشارة الأقدم (أع 13: 33). ولكن لهذا النص من لوقا قيمة نبوءة قد تحقّقت (أع 13: 32ي). يُعلن الإنجيل، ليس أحداثًا فريدة معزولة، بل شخص يسوع التاريخي بالذات، فيُبرهن من خلال البشارة أنّ الكتاب المقدّس صحيح وصادق لكنه يتطلّب الإصغاء؛ فمن يصغي يفهم أنّ الله بواسطة يسوع يدخل كل شيء في وحْيه. لهذا فان التعبير "اليوم" يمكنه أن يختفي ويترك المجال، مثلاً في الكتابات اليوحنّويّة، لمدلولات أخرى زمنيّة، مثل "الآن"، و"الساعة"، الخ.

4- "اليوم" في الرسالة إلى العبرانيين 
قبل المباشرة بدراسة موضوع "اليوم" حصرًا في الرسالة إلى العبرانيّين، يبدو مفيدًا إعطاء لمحة شاملة عن الهيكليّة الزمنيّة التي وضعها الكاتب للرسالة بشكل مُنَسّق وتدريجي ومدروس، والتي يمكن إيجازها بثلاثة أنواع من الخلاصات المرتبطة بوضوح بالعهد القديم، والتي تصبّ آخر الأمر في المسيح يسوع:
4/1- جولة على مجمل التاريخ: الابن خالق كلّ شيء ووارثه 
تُبرز هذه الخلاصات وجهًا من "اللّوحة التاريخيّة" المذكورة أعلاه، وتستقطب هذا الوجه الخليقةُ:
"وفي آخر هذه الأيّام، كلّمنا في الابن، الذي جعله وارثًا لكلّ شي. وبه أنشأ العالمين. وهو شعاع مجده وصورة جوهره، وضابط الكلّ بكلمة قدرته. فبعدما أتمّ تطهير الخطايا جلس عن يمين الجلالة في الأعالي" (عب 1: 2-3).
ويستقطبه أيضًا الخلق الجديد:
"بالايمان ندرك أنّ العالمين أُنشئَت بكلمة من الله، لأنّ ما يُرى لم يتكوّن ممّا هو ظاهر" (11: 3؛ رج 6: 3 و5؛
كما أيضًا الخلاصُ الأبديُّ الاسكاتولوجيُّ:
- "وهكذا صار كاملاً، وصار لجميع الذين يطيعونه مصدر خلاص أبدي" (5: 9).
- "فبعد قليل قليل، سيأتي الآتي ولا يبطئ، أمّا البار فبالايمان يحيا، وإن ارتدّ فلا ترضاه نفسي؛ أمّا نحن فلسنا أبناء ارتداد للهلاك، بل أبناء إيمان للخلاص" (10: 37-39).
- "وإله السلام الذي أصعَدَ من بين الأموات ربنّا يسوع، راعي الخراف العظيم بدم عهد أبدي" (13: 20).
يُلاحظ في هذا السّياق أنّ التّجسّد موضوع "في نهاية هذه الأيّام"، أو "في منتهى الأزمنة":
- "وفي آخر هذه الأيّام، كلّمنا في الابن الذي جعله وارثًا لكلّ شيء. وبه أنشأ العالمين" (1: 2)؛ 
- "وإلاّ لكان عليه أن يتألّم مرارًا منذ إنشاء العالم. لكنّه ظهر الآن مرّة واحدة، في منتهى الدهور، ليبطل الخطيئة بذبيحة نفسه" (9: 26).
هكذا يفتتح التجسّد "الأزمنة النهيويّة" وزمن المسيح والمسيحيّين.
تُذكر نُهْيَتا الزمن مرّات عدّة؛ فبالإضافة إلى كون الابن "خالق الدهور"، و"وارث كلِّ شيء"، هو الذي "في البدء" خلَقَ الأرض وصنع السماوات؛ هي تزول، أمّا هو فيبقى(1: 10-12)؛ فَـ "صوت الناطق من السماوات... سيُزَلْزل، لا الأرض فحسبُ، بل أيضًا السماء" (عب 12: 25 و26). فلا تبقى إلاّ الحقائق التي لا تتزعزع (12: 27).
4/2- خلاصات زمنيّة بيوغرافيّة: الابن الذي يكشف ويقدّس
الانسان، من حيث تكوينُه، هو زمنيّ في أصله، وينتهي وجوده الجسديّ في الزمن، لذا هو عبد للخوف من الموت، الذي تليه الدينونة: 
- "إذا، فلأنّ الأبناء يتشاركون في لحمٍ ودم، مثلُهُم اشترك هو أيضًا فيهما، ليُبطِلَ بالموت مَن له سلطان الموت، أي إبليس، ويُعتق جميع الذين كانوا مدى الحياة خاضعين للعبوديّة خوفًا من الموت" (2: 14-15). 
- "وكما يُحْتَم على الناس أن يموتوا مرّة واحدة، وبعد ذلك القضاء، كذلك المسيح، وقد قرَّب نفسه مرّة واحدة، ليُزيل خطايا كثيرين، سيظهر ثانية، بصرف النظر عن الخطيئة، للذين ينتظرونه خلاصًا لهم" (9: 27-28).
يَتْبَع الكلام على هذا المصير الأصلي سَردُ بعض الأسماء البارزة من العهد القديم: هابيل، أخنوخ، نوح، إبراهيم، والآباء...، والأبطال الذين تألّموا (11: 4-7 و13 و35-37)، ولكن دون أن يزولوا نهائيًّا:
- "وبالإيمان ما زال هابيل بعد موته يتكلّم" (11: 4)؛
- "وبالايمان نُقل أخنوخ ولمْ يرَ الموت" (11: 5)، الخ.
4/3- مراحل تاريخيّة أو رمزيّة ذات قيمة شموليّة: "الآباء" و"نحن"، العهد القديم والعهد الجديد
تنتهي مرحلة الآباء الذين كانوا قبل الطوفان بالحكم الذي مَحَا تنفيذُه كلَّ مخلوق على وجه الأرض باستثناء نوح ومَن في التابوت (11 :1-7):
"بالايمان أوحي إلى نوح بأمور لم تكن مرئيّة، فاتّقى، وبنى لخلاص بيته فُلْكًا دانَ به العالم وبالإيمان صار وارثًا للبِرّ" (11: 7).
إنّه الايمان المُتجسّد في الزمان.
يلي ذلك مرحلة الآباء الذين من نسل إبراهيم، والذين عاشوا "الخروج" من الموطن الأصلي، ومن دار العبوديّة؛ يتميّز إيمانهم بـ "الوعد" و"البركة":
"فمن المؤكّد أنّه لم يأخذ على عاتقه الملائكة بل نسل إبراهيم" (2: 16؛ 6: 13- 7: 10؛ 11: 8- 22).
ثمّ مرحلة الاقامة في الصحراء الغنيّة بأحداثها، ووجوه رجالاتها والتي يميّزها إبرام العهد الأوّل وما يستتبعه:
- "وذروة الكلام في هذا الموضوع، هو أنّ لنا عظيم أحبار مثل هذا قد جلس عن يمين عرش الجلالة في السماوات" (8: 1-9: 28).
- "كذلك المسيح قرّب نفسه مرّة واحدة ليحمل خطايا الكثيرين؛ وسيظهر ثانية بمعزل عن الخطيئة ليخلّص الذين ينتظرونه".
أخيرًا مرحلة دخول أرض الميعاد والاقامة فيها، وفي موازاتها "دخول يسوع المسيح إلى العالم"، الذي يقيم عبادة جديدة مكان الأولى (10: 5 و9):
"لذلك يقول عند دخوله إلى العالم: ذبيحة وقربانًا لم تشأ لكنّك أعدَدْت لي جسدًا"؛ "ثمّ بقوله بعد ذلك: هاءنذا آتٍ لأعمل بمشيئتك".
يشترك يسوع، على مثال إخوته، "بالدمّ واللّحم":
- "إذًا فبما أنّ الأبناء شركاء باللّحم والدمّ، صار هو أيضًا شريكًا فيهما، ليبطل بالموت من له سلطان الموت أي إبليس" (2: 14).
- "وفي أيّام حياته على الأرض، قرّب، بصراخ شديد ودموع، ضراعات وابتهالات، للقادر أن يخلّصه من الموت، فاستجيب لتَقْواه" (5: 7).
يفتتح تجسّد يسوع "الأزمنة الاسكاتولوجيّة"، زمن المسيح والمسيحيّين، زمن "العهد الجديد"، الذي يتميّز بالإيمان والعمل المسيحييَّين؛ لقد "ابتدأ" هذا الزمن ببشارة يسوع، "وسينتهي" بـ "ظهوره الثاني"، عندما يأتي "اليوم"، يوم القيامة العامّة والدينونة:
"وكما هو محتوم على الناس أن يموتوا مرةً واحدةً، وبعد ذلك تكون الدينونة، كذلك المسيح قرَّب نفسه مرة واحدة، ليحمل خطايا الكثيرين؛ وسيظهر ثانية، بمعزل عن الخطيئة، ليخلص الذين ينتظرونه" (9: 27-28).
تلك هي الأزمنة التي يمرّ فيها يسوع ويواجهها، وتتجلّى خلالها أعمال الربّ الخلاصيّة.
4/4- "اليوم" والبعدان الكرستولوجي والخلقي في عب
النصوص التي يُقال لها كلاسيكيّة، من المنظار اللاّهوتي، في الرسالة إلى العبرانيّين، تؤكّد ما قيل أعلاه كنوع من القاعدة لفهم الإنجيل. فبعد تفسير التتويج (عب 1-2)، لدينا في عب 3ي الذي يحيط به الاستشهاد من مز 2: 7 في عب 1: 5 و5: 5، تعليمٌ خلقيٌّ مركّزٌ على مز 95: 7-11، يستعيد مرّتين آ 7ي من مز 95، في 3: 15، وفي 4: 7.
إضافة إلى ذلك، تقدّم عب 3: 13 و4: 7 شرحًا لكلمة "اليوم" التي تفتتح كلّ النص الذي يحدّده عب 1: 5، بواسطة مز 2: 7، بمعنى كرستولوجي. في كلّ الأحوال، لأنّ تتميم الوعد لم يُختتم بعد (4: 1)، فإنّ الكلمة القديمة التي سمعوها ما زالت صالحة (4: 2). هذا ما دفع بالكاتب إلى القول:
"شجّعوا بعضكم بعضًا كلّ يوم، ما دام الروح القدس يُعلن "اليَوْمَ"، لئلاّ يقسو أحد منكم بغرور الخطيئة" (3: 13؛ رج 10: 19ي).
وهكذا أيضًا يكتب في 4: 6:
"وبما أنّه بقي لآخرين أن يدخلوا فيها (أي في راحتي)"، "في حين أنّ أولئك الذين بُشّروا أوّلاً، لم يدخلوا في راحة الله لعصيانهم" (رج 3: 16-17)، "يعود الله فيحدّد يومًا، هو "اليومَ" إذ يقول بعد زمن طويل بلسان داود، كما قلنا سابقًا: "اليوم، إذا سمعتم صوته، فلا تقسوا قلوبكم" (عب 4: 7؛ يتبع النص مز 95: 7ي).
من يسمع "اليوم" يبقى أمينًا لاعتراف الإيمان بالمسيح ابن الله، رأس الأحبار الأبدي (4: 4-16). يُبقي هذا الاعتراف مفتوحةً الطريقَ التي لأجلنا سار فيها الـ "كامل" (5: 9). على إيمان الأبناء، بالطاعة، أن يَبَانَ في المعركة ضدّ الخطيئة حتى الدم (12: 4). يريد ابن الله الوحيد أن يتّحد "اليوم" معنا، نحن الأبناء، على قاعدة وعد المُلْك والسلطان، وعد مُحقّق في شخصه بعمله، تسمح طاعة الايمان الأصيلة بالتعرّف إلى "اليوم" على ضوء المعطيات اللاهوتيّة الجديدة. وبهذه الطريقة تتفوّق على كلّ التفسيرات الكتابيّة السابقة التي تصبح بالتالي من العتيقات.
4/5- "اليوم" في عب هو زمن مقدّس
من الملفت للانتباه في عب، الطريقة التي بها تلتقط هذه الرسالة من أدب تثنية الاشتراع أفكارًا تتعلّق "بزمن ليتورجي" و"بمكان ليتورجي". فهي ترى كلّ الأزمنة كزمن واحد، أي زمن العبادة، وكلّ الأمكنة كمكان واحد، هو مكان العبادة.
من التِّقنيّات الإنشائيّة التي يستعملها كاتب الرسالة إلى العبرانيّين في سبيل إحداث تأثير عميق لدى القارئ، كما فَعَل قبله كاتب سفر تثنية الاشتراع، إعادة الوصف اللاّهوتي للزمان والمكان. فأينما وُجد قارئو تث، مثلاً، أو سامعوه فَهُم "أمام يهوه" {= المكان}، والمناسبة هي دائمًا "اليوم" {= الزمان}، أي زمن الاختيار: إنّهم، في آن معًا، في الماضي والحاضر، مخيّمون عند أقدام جبل سيناءَ، وواقفون في سهل موآب مُنتظرين أن يدخلوا أرض الميعاد، ومقيمون في مدن فلسطين. هكذا تفعل الرسالة إلى العبرانيين إذ تتوجّه هي أيضًا إلى قارئيها، "كما لو" كانوا موجودين في عدّة أماكن وأزمنة في آن معًا:
الأمكنة الأزمنة
طرفُ الأرض اليوم
جبل صهيون عشيّة السبت
عند باب خيمة اللّقاء يوم التكفير
تستعير عب من تث، ليس فقط المنهجيّة، من حيث المكان والزمان، بل أيضًا اثنين أو ثلاثة من المواضيع الستّة المكانيّة والزمنيّة المذكورة. لكن ما يهمّنا في موضوعنا هو الزمن حصرًا، وليس المكان.
من إحدى ميزات الزمن المقدّس، أن أكون في آن معًا كلّ الأزمنة، وليس زمنًا معيّنًا فقط. فأيًّا كان الزمان الذي فيه كَتَب واضع عب، فإنّ الرسالة تُكتَب دائمًا في "اليوم" الذي لله:
"شجّعوا بعضكم بعضًا يومًا فيومًا. ما دام الروح القدس يُعلِن "اليوم" حتّى لا يَقْسو أحد منكم بغرور الخطيئة" (3: 13).
يُعتبر هذا "اليوم" في آن معًا زمن الخَلْق وزمَن النهاية، فيه المسيحُ هو "ذاتُه"، منذ الخَلْق وحتّى نهاية العالم، "الأمس، واليوم، وإلى الأبد" (13: 8). نقرأ بهذا المعنى في عب 1: 12:
"وأنتَ أنتَ، وسنوك لن تَفنى" (1: 12).
كذلك ملكيصادق يستمرّ كاهنًا إلى الأبد في "الآن" أبديّ، "دون بداية أيّامٍ أو نهاية حياة" (7: 3).
يعني ظهور المسيح يسوع تجديد كلّ شيء، كما لو أنّ الخليقة قد ابتدأت من جديد، وبالتالي بإمكانها أن تختار ثانيةً بين أن تكون مباركةً بأفعالها أو ملعونة:
"إنّ أرضًا شربت المطر النازل عليها مرارًا، فأطلعتْ نبتًا نافعًا للّذين تُحرَث لهم، تنال بركة من الله، أمّا إنّ أنبَتَت شوكًا وحسكًا، فهي مرذولة وقريبة من اللّعنة، مآلها إلى الحريق" (6: 7-8).
التّعاقب الزمني الماضي يُعترَفُ به في المناسبات. فيُصبح تعاقبًا في الحاضر. فعندما يتبع عب 11 ترتيبًا زمنيًّا، مخبرًا عن أبطال الايمان في اسرائيل، فإّما يرمي إلى دعوة القارئين إلى "أن يتذكّروا الأيّام السالفة" (10: 32)، لأنّ الماضي قد جُمع في الحاضر. هكذا نرى أنّ هابيل مثلاً ما زال "يتكلّم" (11: 4؛ 12: 24)، وأنّ كلام الله الماضي الذي فاه به الأنبياء، قد تمَّ "الآن" بالكلام بواسطة الابن:
- "على مرارٍ كثيرة، وبأنواع شتّى، قديمًا، كلّم الله الآباء في الأنبياء" (1: 1)؛
- فيسوع المسيح هو أبدًا ذاته، "هو هو أمس، واليومَ، وإلى الدهور" (13: 8).
هناك غَدٌ، لكنّه لن يكون سوى هذا "اليوم" الذي فيه سيأتي يسوع ثانية، ليُكمّلَ عمل الخلاص الذي بوشرَ به "اليوم" 
"كذلك المسيح... سيظهر ثانية، بصَرْف النظر عن الخطيئة، للذين ينتظرونه خلاصًا لهم" (9: 28).
يحثُّ الكاتب المسيحيّين على أن يروا ذلك "اليوم" يقترب قائلاً:
"لا نُهْملْ اجتماعنا المشتَرَك، كما اعتاد بعضنا، بل لنُشجّع عليه، ونُكْثِر. بمقدار ما تَرَون اليوم يقترب" (10: 25).
ويحرّضهم أيضًا على أن يسمعوا الآن وعد الله "مرّة واحدة بعد" (12: 26). 
لقد أُحصيَت "هذه الأيّام" سلفًا، كما نرى في 1: 2، وبَلَغَت إلى النهاية مِنّْ خلال تتميم نبوءة إرميا:
"هذا هو العهد الذي سأقيمه مع بيت اسرائيل بعد تلك الأيّام، يقول الربّ" (إر 31: 31= عب 8: 10). "اليوم" إذًا هو يوم إقامة العهد الجديد، الذي فيه بالتالي، العهد القديم هو "جاهز لأن ينقضيَ" (8: 13)، علمًا أنّه لم يتوارَ بعد. بنوع خاصٍ أكثر، واستنادًا إلى تعابير الرسالة، "اليوم" هو يومُ ولادة المسيح كابن: "أنت ابني، أنا اليوم ولدتك"، وذلك وُفْق كلمات مز 2: 7 الذي يُسْتَشْهَد به في 1: 5، كما في 5: 5، حيث يُنظر إليهما كمُرادفَيْن لمز 110: 4: "أنت كاهن إلى الأبد على رتبة ملكيصادق". الابن الذي ينتقل بالخليقة (1: 2) وبالماضي (1: 1) إلى الحاضر، هو الكاهن الأعظم الذي يجعل من "اليوم" بداية الزمن الجديد، وبصنْعه التكفير عن كلّ الخطايا يجعل من "اليوم" يومَ التكفير، أقلّه بالنسبة إلى أولئك الذين يقبلون النصيحة القائلة: "اليوم، إذا سمعتم صوته، فلا تقسّوا قلوبكم" (مز 95: 7-8).
يمكن القول بأنّ لدى عب طريقتين لوصف الزمن الحاضر، أي "اليوم". فهناك أوّلاً عبارة "في آخر هذه الأيّام" (1: 2)، التي توحي بنهاية زمن يسير الآن إلى الختام، وتعكس استعمال الجملة في السبعينيّة، من دون كلمة "هذه"، في إطار نبوءة إسكاتولوجيّة، كما في رتبة العهد لدى يش (24: 27)، حيث يُقال أنّ الصخرة هي شاهد لعهد اسرائيل المُجّدِّد "اليوم" و"إلى آخر الأيّام". من المحتمل أنّه ضمن القياس الزمني ينبغي أن تدلّ تلك الإشارة على "اليوم الذي يقترب" (10: 25)، على ظهور المسيح الثاني (9: 28؛ 10: 37)، وعلى زلزلة الله للعالم "مرّة واحدة بعدُ" (12: 26).
وهناك ثانيًا معنى مختلف لنقاش يوم حاضر يستعيد استعمال تث الليّتورجي الذي فيه يوم اللّقاء مع الله هو دائمًا "اليوم" (تث 27: 1؛ 29: 10؛ 30: 11؛ يش 24: 15 و27)، أو "هذا اليوم" (تث 5: 1؛ 26: 16؛ 27: 9ي): هذا هو يوم سماع وصايا الله (تث 5: 1)، يوم قرار اسرائيل لصالح يهوه أو ضدّه (يش 25: 15)، يوم العهد العلني. "اليوم" هو أيضًا زمن اللّقاء والنّدم في مز 81 و95، استنادًا إلى استشهاد عب بمز 95: 7-11:
"اليوم إذا سمعتم صوته،
فلا تقسّوا قلوبكم كما في موضع الخصومة،
يومَ الامتحان في البريّة" (عب 3: 7-8).
تتكرّر الجملة في 3: 15، وثانية في 4: 7، حيث تُعالج بنوع خاص، وكأنّها تُبرز زمنًا خاصًّا، الزمن الذي حدّده الله لشعبه كي يَدْخُلَ راحته.
في عب 4: 7ي، يبيّن الكاتب أنّ يشوع (بن نون) لم يُعطهم راحة، وأنّ المزمور 95: 7-8 الذي يُسمِّى "اليوم" وكأنّه الوقت المناسب، قد كُتب "بعد ذلك بكثير".
4/6- دراسة وجيزة لنص عب 8: 1-9: 28
يتضمّن هذا النص المواضيع التالية:
- بُلِّغَ الكمال:
- نقض العبادة القديمة واستبدالها 
- نقض العهد القديم واستبداله
- فراءض العبادة القديمة قاصرة
- ذبيحة المسيح فعّالة ونهائيّة.
تتمحور هذه المواضيع حول مقطعين متعارضين في ما بينهما، ممّا يسمح باكتشاف ميزة هامّة في فكرة كاتب الرسالة تطبع مجمل هذه الأخيرة، ألا هو التمييز بين مرحلتين من تاريخ الخلاص. يمكن التعبير عن علاقتهما أوّلاً بمفردات التتابع الزمني. فهناك مرحلتان موضوعتان الواحدة في موازاة الأخرى:
- في ما مضى،
- وفي منتهى الأيّام الحاضرة؛
الأولى هي مرحلة الوحي "بأشباه شتّى"، والأخرى هي "مرحلة الابن". ينبغي أن نلاحظ في هذا المجال، أنّ ذبيحة المسيح قد وُضعت في آخر الأزمنة (9: 26)، وتقع في الجزء الوسيط من الرسالة. ليس التعارض بين المرحلتين مسألة زمنيّة، بل هناك فرق نوعي بين الاثنين:
- يقابل المرحلة الأولى هذه الخليقة (9: 11) الفانية، أي التي مصيرها الانحلال (1: 1-12؛ 12: 26-27)؛
- ويقابل الثانية حقائق ذات قيمة أكبر (1: 4؛ 7: 19 و22؛ 8: 6؛ 9: 23؛ 10: 34؛ 11: 16 و35؛ 12: 24)، وهي مرحلة تدوم، لأنّ ذبيحة المسيح وحدها هي التي افتَتَحها، فصار هناك خلقٌ إلهي جديد للطبيعة البشريّة في المسيح (عب 9: 11)، وهذا ما يعطي للمرحلة الثانية من الخلاص طابعًا أسكاتولوجيًا، مرماه الله. لهذا السبب "يوم" يسوع هو الحدّ الفاصل والرابط في آنٍ معًا.

5- خاتمة
إذًا، مَن أراد أن يسمع أو أن يصغي إلى الكتاب المقدّس، عليه "اليوم" أن يُفسح المجال لكلمة الله لأن تكون "أمر اليوم"، ولكلمة الله المتجسّد يسوع أن يكشف له ذاته، "اليوم" وكلّ يوم. إنّه بالتأكيد "يوم" الشركة مع الآب والابن والروح، الذي فيه نهتف كاسطفانوس: "ها إني أرى السماوات منفتحة، وابن الإنسان واقفًا عن يمين الله" (أع 5: 56)؛ فلا بد عندها من الانضمام إلى جوق المرنّمين الصارخين:
"للجالس على العرش وللحمل البركة والكرامةُ والمجدُ والعزَّةُ- "اليوم"- (و) إلى أبد الآبدين" (رؤ 5: 13؛ رج 19: 1).



6- مراجع مختارة
* John DUNNILL, Covenant and Sacrifice in the Letter to the Hebrews (Society for the NT Studies, Monograph Series 75; Cambridge University Press 1992).
* L. DUSSAUT, "L'épître aux Hebreux", in Edouard COTHENET et al., les écrits de Saint Jean et l'épître aux Hébreux (Petite bibliothèque des sciences bibliques, coll. "NT", n. 5; Désclée: Paris 1984) 299ss.
* F.V. FILSON, "Yesterday": A Study of Hebrews in the Light of Ch. 13 (Studies in Biblical Theology; London 1967).
* Pierre GRELOT, Le mystère du Christ dans les psaumes (Desclé: Paris 1998) 65-66. Voir aussi pp. 44. 125-127. 148. 253. 
* James SWETNAM, Jesus and Issac... (coll. Analecta biblica 94, Rome 1981).
* Albert VANHOYE, La structure littéraire de l'épître au Hébreux (DDB: Paris 1976) 247ss.
* Albert VANHOYE, Prêtres anciens, prêtres nouveau dans le NT (Seuil: Paris 1980) 79-266.
* R.J. TOURNAY, Voir et entendre Dieu avec les Psaumes (Gabalda: Paris 1988) 173ss

قراءة روحيّة لمفهوم اليوبيل

مقدّمة
هناك على الأقلّ ثلاثة أنواع من الاستعدادات "الدنيويّة" لحدث اليوبيل: هناك الترويج لنهاية العالم (تؤلّف ولا تؤلّفان)، وهناك البرامج السياحيّة والرحلات، وهناك "جردة" التطوّرات على مختلف الأصعدة يقوم بها العلماء. أمام هذه الاستعدادات يجد المؤمن نفسه مضطرّا لأخذ المواقف إن سلبيًّا أو ايجابيًّا.
كنسيًّا، كان لا بُدّ من عدد من السنين للاستعداد لهذا الحدث "الرمزيّ": مرور 2000 سنة على مجيء يسوع المسيح ابن الله في تاريخنا وفي بشريّتنا. تركّزت الاستعدادات على التوقّف على ما جاء به يسوع من وحي، على ما كشفه لنا الثالوث: عمل الابن، عمل الروح، عمل الآب وذلك على مدى ثلاث سنوات.
في سنة الابن (1997) تأمّلنا بهويّة يسوع المسيح الذي نحتفل بتذكار مجيئه وذلك لمعرفة كيفيّة الاستعداد لهذا الحدث ولأهمّيّته في حياتنا وفي عالمنا. يسوع المسيح الذي هو الأقنوم الثاني من الثالوث يصير إنسانّا مثلنا؛ إنّه حدث غيّر ويُغيّر وجه التاريخ. إنّه مُخلِّص العالم؛ مات من أجلنا، جاء لتكون لنا الحياة وتكون لنا أوفر. معرفتنا لهذه الحقائق الإيمانيّة توجّه طريقة استعدادنا الروحيّ للاحتفال بـ "صاحب العيد" المُميّز في عمله معنا ومن أجلنا.
في سنة الروح (1998) تأمّلنا بمفاعيل الروح في حياتنا وفي حياة الكنيسة؛ توقّفنا أيضًا على كيفيّة مُتابعته عمل الابن في الكنيسة وعلى دوره في الأسرار الكنسيّة. أنّه يُفهمنا معنى كلّ ما عمله يسوع المسيح من أجلنا؛ إنّه يُصلّي فينا بأناتٍ لا توصف.
في سنة الآب (1999) تأمّلنا الهدف الذي جاء يسوع المسيح ليقودنا إليه. تأمّلنا وجه الآب الحقيقي. إنّه الآب الرحيم الحنون الذي ينتظر عودة أبنائه إليه. إنّه المحبّة.
واليوم، في مطلع الألف الثالث، سنتأمّل بمعنى اليوبيل، بكيفيّة عيشه ومضمونه، وأخيرًا بكيفيّة عيشنا المثاليّ استعدادًا ليس فقط لسنة الـ 2000 بل لحضور يسوع المسيح اليوميّ في حياتنا.

1- مفهوم اليوبيل في العهد القديم
- السنة السابعة: سنة راحة، سنة نظرة إلى الخليقة كلِّها، سنة اتّكال مُطلق على الربّ.
"ست سنين تزرع أرضك وتجمع غلّتها، وفي السابعة أرحها واتركها أرض سُبات، فيأكل منها فقراء شعبك، وما فضل بعدهم تأكله وحوش البرّيّة، وكذلك تصنع بكرمك وزيتونكَ.
في ستّة أيّام تعمل أعمالك، وفي اليوم السابع تُعطّل لكي يستريح ثورك وحمارك ويتنفّس ابن أمَتكَ والنزيل". (خروج 23: 10-12).
* عمل المؤمن متواصل مع عمل الخالق (ستّة أيّام أو ستّ سنين يتبعها يوم راحة أو سنة راحة).
* تشمل الراحة كلّ الخليقة: إنّها وقفة تأمّل ورجوع إلى الذات وإلى الخالق.
* السنة السابعة هي نظرة إلى الفقراء وإلى كلّ الخليقة.
"فاعملوا بفرائضي وأحكامي واحفظوها، تقيموا بالأرض آمنين وتُخرج الأرض ثمرها. فتأكلونه شبعكم وتُقيمون بها آمنين. فإن قلتم: ماذا نأكل في السنة السابعة، إن لم نزرع ولم نجمع غلالنا؟ فإنّي أمرت ببركتي لكم في السنة السادسة، فتغلّ لثلاث سنين. فتزرعون في السنة الثامنة وتأكلون من الغلّة القديمة إلى السنة التاسعة. إلى مجيء غلتها تأكلون من الغلّة القديمة" (اللاويّين 25: 18-22).
* شريعة العمل والراحة شريعة إلهيّة تجعل المؤمن يعيش في أمان (ماديًا وروحيًا).
* السنة السابعة هي سنة اتّكال مُطلق على الربّ وعلى بركته.
"في آخر كلّ سبع سنين تصنع إبراء: وهذا معنى الإبراء: كلّ صاحب دين فليُبرى قريبه ممّا أقرضه، فلا يُطالب قريبه ولا أخاه، لأنه قد نوديَ بإبراء للربّ. لا يكون عندك فقير، لأنّ الربّ يُباركك في الأرض التي يُعطيك الربّ إلهُك إيّاها ميراثًا لترثها، إن سمعت لصوت الربّ إلهك لتحفظ كلّ هذه الوصيّة التي أنا آمرك بها اليوم ولتعملّ بها...
إذا كان عندك فقير من إخوتك في إحدى مدنك، فلا تُقسِّ قلبك ولا تقبض يدَك عن أخيكَ الفقير، بل افتح له يدك واقرضه مقدار ما يحتاج إليه. واحذر أن يخطر في قلبك هذا الفكر التافه، فتقول: قد قرُبت السنة السابعة، سنة الابراء فتسوء عينُك إلى أخيك الفقير ولا تُعطيه شيئًا، فيصرخ إلى الربّ عليك وتكون عليك خطيئة. بل أعطه، ولا كرها إذا أعطيته، وبذلك يُباركُك الربّ إلهُكَ في كلّ أعمالكَ وفي كلّ مَشاريعكَ. إنّ الأرض لا تخلو من فقير، ولذلك أنا آمُركَ اليوم قائلاً: افتح يدك لأخيك المسكين والفقير الذي في أرضكَ.
إذا باعك أخوكَ نفسَه أو أختُكَ نفسها، فليخدمك ستّ سنين، وفي السنة السابعة أطلقه من عندك حرًّا. وإذا أطلقته حُرًّا من عندك، فلا تُطلقه فارغًا، بل زوّدهُ من غنمكَ وبيدركَ ومعصرتك، وممّا باركك الربّ إلهك فيه تُعطيه. واذكُر أنّك كنتّ عبدًّا في أرض مصر، وفداكّ الربّ إلهُكَ، ولذلك أنا آمُرك اليوم بهذا". (تثنية 15).
* السنة السابعة هي سنة ترك الديون؛ سنة المُساواة أمام الربّ.
* من أهداف السنة السابعة ألاّ يبقى عندك فقير؛ إنّها سنة العدل الأرضيّ.
* الأرض لا تخلو من فقير... على كلّ المستويات.
* السنة السابعة هي سنة تحرير العبيد؛ سنة مُساواة في الحريّة، حريّة أبناء الله.
* أساس العمل بمضمون السنة السابعة: التذكار بأنّ كلّ ما هو لك إنّما هو عطيّة من الربّ.
- السنة اليوبيليّة: بوار الأرض. نظرة إلى الفقراء، ترك الديون، تحرير العبيد.
"واحسب لك سبعة أسابيع من السنين، فتكون لك أيّام أسابيع السنين السبعة تسعًا وأربعين سنة. وانفُخ في بوق الهتاف في اليوم العاشر من الشهر السابع، في يوم التكفير تنفخون في البوق في أرضكم كلّها، وقدّسوا سنة الخمسين ونادوا بإعتاق في الأرض لجميع أهلها، فتكون لكم يوبيلاً، فترجعوا كلّ واحد إلى ملكه وتعودوا كلُ واحد إلى عشيرته. سنة الخمسين تكون لكم يوبيلاً، فلا تزرعوا فيها ولا تحصدوا الحصيد النابت من تلقاء ذاته ولا تقطفوا ثمر كرمكم غير المقضوب. إنّها يوبيل، فتكون لكم مقدّسة، ومن غلال الحقول تأكلون.
وفي سنة اليوبيل هذه ترجعون كلُّ واحد إلى ملكه..إذا بعتم لأقربائكم أو أشتريتم منهم. فلا يظلم الواحد منكم أخاه، بل إتّق إلهك : إنّي أنا الربُّ إلهكم". (اللاويين 25: 8-17).
* كلمة "يوبيل" مُشتّقة من "قرن الجدي" (باللغة العبرانيّة) الذي كانوا ينفخون فيه مُعلنين سنة الخمسين. 
* السنة اليوبيليّة تلي السنة السابعة (السبتيّة) وتأتي بأعمال "تحريريّة" أكبر ممّا يتمّ فيها.
* الإعتاق يطال جميع السكّان (وليس فقط الإخوة في الإيمان).
* في السنة اليوبيليّة يصير إرجاع كلّ واحد إلى ملكه: إعادة الأرض إلى أصحابها.
* "من غلال الحقول تأكلون" (وليس من الكرم غير المقضوب ولا من الحصيد النابت من تلقاء ذاته): إنّها علامة الاتّكال المُطلق على عمل الربّ.
- أساس الأعمال اليوبيليّة: "كُنت عبدا..."، "الربُّ يُباركُكّ". 
* العلاقة مع الربّ هي أساس كلّ الأعمال اليوبيليّة
* "للربّ الأرض"؛ "كنتَ عبدًا"؛ "اعملوا بفرائضي وأحكامي"؛ "الربّ يُباركُك".
خلاصة القول، تُظهر السنة السبتيّة وسنة اليوبيل إرادة الله العادلة وجذريّتها من أجل التجديد الدائم للإنسان وللمجتمع. هناك تشديد على البركة الإلهيّة (إنّها قوّة خلاّقة تُساعد على الازدهار والنموّ)، وعلى العدالة الاجتماعيّة من خلال توزيع الخيرات بشكل متوازن بين الشعب. فالمسألة هي مسألة "كرامة الشخص البشريّ": عودة الفقير إلى المجتمع الاقتصاديّ، عودة العبد إلى الجماعة، توزيع الملكيّة بالتساوي. 
ليست هذه التفاصيل للحصر. إنّها تنحصر في مجتمع زراعيّ، المجتمع السائد في الحقبة القديمة. فإذا أردنا تطبيقها اليوم، فلن نُطبقها بحذافيرها بل نُطبٍّق "روحانيّتها": "كرامة الشخص البشريّ". فالمُجتمع الذي نعيش فيه يجعلنا نعدّد تفاصيل أوسع تطال كلّ انحرافات المجتمع تجاه كرامة الإنسان. على سبيل المثال لا الحصر نذكر: الاهتمام بالأجنّة (كلّ مسائل اخلاقيّات علم الأحياء)، مسألة المُعاقين عقليًّا، مسألة المُسنّين، مسألة الفقراء، مسألة العاطلين عن العمل... كلّ هذا يدفعنا إليه تأوين مفهوم اليوبيل القديم.

2- دور يسوع المسيح اليوبيليّ

أ- برنامج عمل يسوع المسيح
"وأتى يسوع الناصرة حيث نشأ، ودخل المجمع يوم السبت على عادته، وقام ليقرأ. فدُفع إليه سفر النبيّ أشعيا، ففتح السفر فوجد المكان المكتوب فيه: "روح الربّ عليّ لأنّه مسحني لأبشّر الفقراء، وأرسلني لأعلن للمأسورين تخلية سبيلهم، وللعُميان عودة البصر إليهم وأفرّج عن المظلومين وأُعلن سنة رضا عند الربّ". ثمّ طوى السفر فأعاده إلى الخادم وجَلس. وكانت عيون أهل المجمع كلِّهم شاخصة إليه. فأخذ يقول لهم: اليوم تمّت هذه الأية التي تُلبت على مسامعكم" (لوقا 4: 16-21).
* اليوم الذي يقرأ فيه يسوع فصلاً من كتاب أشعيا هو يوم السبت. إنّه اليوم الذي تمّم الله خلقه واستراح فيه؛ إنّه اليوم الذي أخرج فيه الله شعبه من العبوديّة في مصر؛ إنّه رمز السنة السبتيّة والسنة اليوبيليّة.
* "روح الربّ عليّ"، كما كان الروح في بدء الخليقة، كذلك سيكون على يسوع من أجل خلق جديد. فالسنة اليوبيليّة ليست فقط تحريرًا للعبيد أو تركّا للديون أو بوارا للأرض، إنّها بداية خلق جديد. يتمثّل هذا الخلق الجديد بعدّة أعمال سوف يُعدّدها يسوع: البشارة تطال الفقراء والمأسورين والعميان والمظلومين على كلّ المستويات.
* بشارة الفقراء. من هم الفقراء؟ إنّهم بُسطاء القلوب، أطفال بالروح. "حطّ المُقتدرين عن الكراسي ورفع المتواضعين". "إن لم تعودوا كالأطفال لن تدخلوا ملكوت السماء". جاء يسوع فقلب المقاييس. 
* إعلان تخلية للمأسورين. المأسورين بأفكارهم السوداء، بماضيهم التعيس؛ المأسورين داخليًا. يمكن للإنسان أن يكون في السجن وهو حرّ متحرّر، وأن يكون مُطلقْا وهو أسير شهواته.
* منح البصر للعُميان، عميان القلب. وماذا يعني عمى القلب؟ أليس عدم رؤية يسوع ومعرفته على حقيقته؟ لقد فتح يسوع عيون تلميذَي عمّاوس؛ كانا يملكان حاسّة النظر، ولكنّه فتح عيونهما على رؤيته الداخليّة، على فهم كلّ ما كُتب عنه وما عمله من أجل الخلاص.
* الإفراج عن المظلومين، أولئك الذين يعيشون تحت رحمة شرّ الآخرين وظلمهم، الذين يعيشون بغياب كلّ عدالة. جاء يسوع يُنصفهم مُظهرا لهم من خلال كلّ ما جرى له (هو الذي ظُلم) أنّ الكلمة الأخيرة ليست للظلم أو للشّرّ، بل للغلبة... وللقيامة.
* إعلان سنة النعمة. يختصر يسوع بهذا الإعلان جوهر رسالته. كلّ الذي قام به هو رحمة من الله، عطيّة مجّانيّة منه: "أرسلني" لتتميم كلّ هذه الأعمال. هذا هو برنامج عمل يسوع المُرسل من الآب.

ب- "اليوم" تمّت هذه الكتابة على مسامعكم: سنة اليوبيل هي "اليوم".
متى سيُتمّم يسوع برنامجه الخلاصيّ التحريريّ؟ "اليوم". إنّها آنيّة الخلاص. يوم السبت الذي قرأ فيه يسوع يُصبح "الآن"، والخلق يتحدّد كلّ يوم معه. بمعنى آخر، مع يسوع أعمال السنة السبتيّّة أو اليوبيليّة لا تنتظر سبع سنين أو خمسين سنة حتّى تتحقّق. إنّها تتحقّق في واقع المؤمن، كلّ مرّة يقرأ فيها الإنجيل "على مسامعكم".
يُعلّمنا هذا الإنجيل الطريقة الفضلى التي يجب علينا أن نتمثّل بها.
يمكن أن نكون نحن الفقراء والمظلومين والأسرى؛ يكشف لنا هذا الإنجيل هويّة يسوع وبرنامجه ويدعونا بالتالي للاستفادة منه.
يُمكن أن نكون نحن الظالمين والآسرين ومُسبّبي التعاسة للآخرين؛ فيُظهر لنا جليًّا كيفيّة التصرّف في السنة اليوبيليّة الحاضرة أبدًا "الآن".
يدعونا أخيرًا أن نكون مسيحًا آخر تجاه الفقراء والمأسورين والمظلومين والعميان، مُعلنين لهم حلول سنة النعمة والرحمة من عند الربّ.

3- ثلاث طرق لقراءة "الأبانا"
صلاة الأبانا "مثال" كلّ صلاة. تضمّ عدّة طلبات، وبالتالي يمكن صلاتُها من زوايا عديدة.

أ- متّى 6: 9-13
وضع متّى صلاة الأبانا ضمن "خطبة الجبل" التي تتمحور حول الصلاة. أوردها وسط الممارسات اليهوديّة الأساسيّة الثلاث: بين عمل البرّ والصوم تأتي الصلاة، وبخاصّة صلاة الأبانا ليُبرز جوهر عمل المؤمن.
يُركّز متّى في نهايتها على ناحية واحدة من تطبيق مضمونها: "الغفران المُتبادل". "فإن تغفروا للنّاس زلاّتهم يغفر لكم أبوكم السماويّ، وإن لم تغفروا للنّاس لا يغفر لكم أبوكم زلاّتكم" (6: 14-15).

ب- لوقا 11: 2-4
يورد لوقا الأبانا بعد قصّة السامريّ الصالح الذي عمل الرحمة، وبعد وجهتَي الصلاة والعمل المتمثّلتين بمرتا ومريم. مُناسبة صلاة الأبانا هي أنّ يسوع كان يُصلّي في أحد الأماكن فسأله أحد تلاميذه أن يعلّمهم الصلاة. 
في نهاية الأبانا يورد لوقا مثل الذي يطلب من صديقه بلجاجة مُركّزًا بالتالي على مفهوم "صلاة الطلب" وعلى عطيّة الآب المثاليّة التي هي الروح القدس.

4- طريقة رابعة لصلاة الأبانا: كيفيّة عيش اليوبيل 
- الأبانا: سبع طلبات.
أبانا الذي في السماوات
ليتقدّس اسمك 
ليأت ملكوتك
لتكن مشيئتك
كما في السماء كذلك على الأرض.
أعطنا خبزنا كفاف يومنا
واغفر لنا ذنوبنا وخطايانا كما نحن نغفر لمن خطئ وأساء إلينا 
ولا تُدخلنا في التجارب 
لكن نجّنا من الشرير.
* تتألّف الأبانا من سبع طلبات: ثلاث تخصّ الآب وأربع تخصّ المؤمنين. 
* الطلبات الثلاث الأولى التي تطال الآب هي من عمل المؤمن (أو بالأحرى عمل الآب في المؤمن).
* الطلبات الأربع الثانية التي تطال المؤمن هي من عمل الآب.
* تظهر الطلبات الثلاث الأولى كأساس للطلبات الأربع الثانية: لا يمكن للمؤمن أن يطلب لنفسه من الآب إلاّ بعد أن يكون قد تمّم مضمون الطلبات الأولى.
* الطلبات الأولى تعني حلول الملكوت على الأرض فترجع الأرض كلّها وتصبح لله (للرّبّ الأرض...). تعود المساواة في البنوّة إذ يُصبح الآب أبّا للجميع (يتقدّس اسمُكَ أيّها الآب). تعود الرحمة والسلام إلى الأرض لأنّ الملك رحيم (ليأت ملكوتك). يحلّ الخلاص في الأرض كلّها لأنّ مشيئة الربّ هي خلاص البشريّة (لتكن مشيئتك). هذا هو دور المؤمن.
* "أعطنا خبزنا كفاف يومنا"، أي اجعل أن يزول الفقر والجوع. إنّه اتّكال مُطلق على نعمة الله.
* "اغفر لنا كما نحن نغفر"، أي ترك الديون الروحيّة المُتبادل. تركُنا لديون الآخرين يتوازى مع ترك الله لديوننا.
* "لا تُدخلنا في التجارب"، أي لا تسمح لنا بالانحراف عن ترك ديون الآخرين، عن مُساعدتهم، "احذر أن يخطر في بالك أنّ سنة الإبراء قد قربت فلا تعطي أخاك شيئًا".
* "لكن نجنّا من الشرير"، أي حرّرنا من كلّ ما يستعبدنا. فالدعوة إلى تحرير العبيد تتوازى مع صرختنا التحريريّة. فالشرير هو كلّ ما يُبعدنا عن تتميم الطلبات الأولى والمُساهمة في تحقيق الثانية في حياتنا. الشرّير (الكلمة الأخيرة في الأبانا) هو كلّ ما يتعارض مع "أبانا" (الكلمة الأولى).
بكلمة واحدة، صلاة الأبانا هي صلاة تشمل كلّ مفهوم اليوبيل والأعمال التي يجب أن تُقام فيه. من هنا نفهم أهمّيتها ونفهم لماذا لم يُعلّمنا يسوع غيرها. إنّها كافية ووافية حتّى تُصبح مثال كل صلاة ويُصبح مضمونها شريعة المؤمن المثاليّة، الذي يتوق إلى عيشها، ليس فقط في هذا اليوبيبل أو تلك السنة، بل في كلّ لحظة من حياته

خاتمة
- كلّ يوم هي سنة يوبيليّة في حياتنا
كلّ الذي قيل حول السنة السبتيّة أو السنة اليوبيليّة جعله يسوع حاضرًا في كلّ لحظة من حياة المؤمن. لم ينتظر يسوع سنة معيّنة حتّى يُتمّم الخلاص الذي جاء يمنحه للبشر. إنّه "اليوم" يُبشّر الفقراء ويُعلن للمظلومين الحريّة وللعميان البصر... "اليوم حصل الخلاص لهذا البيت"، "اليوم تكون معي في الفردوس".
ولأن أعمال المؤمن مرتبطة جوهريَّا بعمل "المعلّم"، فحاضر الله يُصبح حاضر المؤمن، وتُصبح الدعوة اليوبيليّة الموجّهة للمؤمن دعوة "آنيّة"، وتصبح السنة اليوبيليّة يوبيلاً حاضرًا أبدّا في حياة المؤمن يجعله يُرافق يسوع المسيح في حياته وفي أعماله ويكون مسيحًا آخر من أجل البشريّة.
ماذا يمنع المؤمن من أن يقول على مثال يسوع: "روح الربّ عليّ..."، "اليوم تمّت هذه الكتابة...".
- علاقتنا بالله توجّه كلّ أعمالنا
أخيرًا يرتكز اليوبيل على عمل الله الخلاصيّ. فالذي لا يشعر بالخلاص لا يستطيع أن ينقله إلى الأخرين. والذي لا يعيش محبّة الله في حياته لا يستطيع أن يشهد أنّ الله محبّة.
علاقتنا بالله توجّه كلّ أعمالنا حتى تصبح بمجملها أعمالاً يوبيليّة. لقد شاء يسوع أن يعلّمنا ماهيّة الأعمال اليوبيليّة بصلاة (صلاة الأبانا) حتّى نعي أهمّيّة الصلاة في توجيه كلّ أعمالنا. صحيح أنّ عملنا وبخاصّة مع الضعفاء يُصبح صلاة؛ لكنّه إذا لم ينطلق من صلاة شخصيّة عميقة ومن علاقة وثيقة مع الله فإنّه يُصبح "تصريف أعمال" تنقصه "روحانيّة يسوع المسيح".
وقفتُنا مع اليوبيل هي وقفة مزدوجة (كما هي حال حياة المؤمن). وقفة صلاة ترسّخ علاقتنا باللّه، ووقفة أعمال يوبيليّة تحترم "كرامة الإنسان" في كلّ حالاته (جنينًا، طفلاً، شابًا، شيخًا، امرأة، رجلاً، مُعاقًا، رئيسًا، مرؤوسنا)؛ اليوبيل أعمال ترتكز على عمق علاقتنا باللّه. 
الحقيقة في الإنجيل والرسائل اليوحناوية 

مقدمة
يحتل مفهوم الحقيقة عند يوحنا مكانة مرموقة، حيث إنّ تفكيره اللاهوتي ينصبّ على موضوع الوحي. يفسّر البعض لفظة "حقيقة" بالمعنى الأفلاطوني أو المعنى الغنوصي، كما لو كانت الحقيقة "الذات الإلهية" التي تكشف عن نفسها للإنسان. إلاّ ان يوحنا لا يطلق البتة لفظ "الحقيقة" على الله، كما لا يقوم يوحنا إلاّ بشرح موضوع الحقيقة الموحاة، طبقًا لخلفية رؤيوية وحكمية حيث نجد تعاطفًا بين الحقيقة والحكمة والأسرار. كذلك يتميّز الكاتب بإبراز طابع الوحي للحقيقة وقوتها الباطنية.
تتميّز الحقيقة المسيحية من الحقيقة الفلسفية والحقيقة التاريخية، لأنها ترتكز أساسيًا على حقيقة الوحي، أي حقيقة الإيمان. أجل، تصدر الحقيقة عن الله، كما أنّ الله يعطيها لشعبه ومن خلاله للناس أجمعين ليكشف لهم عن معنى وجودهم الأخير. نجد في صلاة تعود إلى الجماعة القمرانية، أنّ "سرّ الحقيقة" يطابق "أسرار الله العجيبة". وتكمن هذه الحقيقة في أسفار الشريعة، وبالتالي يتساوى الاهتداء إلى "الحقيقة" مع الاهتداء إلى "شريعة موسى". كذلك يسلك "أبناء الحقيقة" في "سبيل الحقيقة" والطريق الموسوية. يكتب الأب جان بريك: "تُعطى الأسرار الإلهية كوحي إلى "جماعة الحقيقة"، وتصبح هذه الأسرار واضحة من خلال تفسير صحيح للكتب المقدسة. إنها تتعلّق "بالمخطط الخلاصي"، ذلك القصد الإلهي الأخير الذي وضعه الله لسير التاريخ الذي ينتهي في افتقاد الله لشعبه... وتصبح الحقيقة وحي حقيقة الله ذاتها وتجلّيها". ترتبط الحقيقة إذًا بمخطط الله الخلاصي الذي أوحاه يسوع إلى البشر.
يسوع وحده في العهد الجديد يبدأ كلامه أو ينهيه باستعمال عبارة "آمين، آمين" الظرفية (مكرّرة عند يوحنا؛ راجع يو 1: 51؛ 3: 5...) للتأكيد على القول والتفخيم. تعود الكلمة اليونانية إلى أصلها العبري "أمن"، وتركز على يسوع الذي يتكلّم لأنّ كلامه مليء بالثقة. ينتظر بالتالي يسوع من مستمعيه أن يلتزموا بهذا الكلام.

1- الكلمة والحقيقة
لا يسمّي يوحنا الله "الحقيقة"، ولكنه يسير في خط الكتاب المقدس ويتبع التقليدين الحكمي والرؤيوي إذ يتطرق إلى موضوع الحقيقة الموحاة. ويشدّد البشير من جهة على أنّ الحقيقة هي الوحي وأنّ هذه الحقيقة الموحاة تتمحور حول المسيح، ويركز من جهة ثانية على عمل الحقيقة الداخلي في حياة المؤمن. كما أنّ حقيقة المسيح لا تستطيع أن تمرّ إلى حقيقة المؤمن إلاّ من خلال عمل "الروح" الذي يهب الحقيقة.
نجد في رسالة يوحنا الأولى تطابقًا بين عبارتي "الحقيقة" و"كلام" الله. يكتب الرسول: "إذا قلنا: إننا بلا خطيئة، ضللنا أنفسنا ولم يكن الحق فينا... وإذا قلنا: إننا لن نخطأ، جعلناه كاذبًا ولم تكن كلمته فينا" (1 يو 1: 8 و10). تدل هذه الحقيقة على "كلمة الآب" التي هي حق (يو 17: 17)، وهي بالتالي الكلمة التي سمعها يسوع من لدن الله (يو 8: 40). يقول يسوع هذه الحقيقة علنًا: "أما أنا فلأني أقول الحق لا تؤمنون بي... فإذا كنت أقول الحق، فلماذا لا تؤمنون بي؟ من كان من الله استمع إلى كلام الله" (يو 8: 45-47). يعلن يسوع هذه الحقيقة لأنه جاء إلى العالم بهدف معيّن: "... وأنا ما وُلدت وأتيت العالم إلاّ لأشهد للحق" (يو 18: 37).
تصبح الحقيقة اليوحناوية في أساسها كلمة الآب التي يوصلها لنا المسيح ويتخذها هوية له. يؤمن به الإنسان عندما يتقبّل هذا الكلام وهذه الحقيقة: "إن ثبتم في كلامي، كنتم تلاميذي حقًا. تعرفون الحق، والحق يحرركم" (يو 8: 31-32). تتجلى هذه الحقيقة وتُعطى في يسوع. ولذلك فالإيمان به هو أيضًا معرفة الحقيقة وتقبلها. فالحقيقة هي إذًا في الوقت نفسه، الكلمة التي يوجّهها إلينا المسيح نفسه، والتي يجب أن تقودنا إلى الإيمان به. يقول أ. ميلانو: "نجد من خلال هذه النصوص تركيز مسيحاني حول الحقيقة عند يوحنا". تلتقي الحقيقة في رسالة يسوع الزمنية، في كلامه، في كيانه. إنها الكشف الذاتي عن شخصه، وبالتالي الوحي بما هو في الأعماق، أي إنه ابن الله الوحيد. إنها الحركة النازلة من قبل الله نحو البشر: إنها حركة التجسد. وهذا ما عبّر عنه الآباء اليونان بفكرة "التنازل" الإلهي.

2- يسوع والحقيقة 
أضافت المسيحية مفهومًا جديدًا إلى التقليدين الحكمي والرؤيوي من العهد القديم. ما جاءت به هو أنها أطلقت على المسيح صفة "الحقيقة" لا بصفته الإلهية فحسب، بل من حيث إنه الكلمة الذي صار بشرًا وهو يحمل في ذاته ملء الوحي ويخبرنا عن الآب: "إن الله ما رآه أحد قط، الابن الوحيد الذي في حضن الآب هو الذي أخبر عنه" (يو 1: 18). أجل، الابن الوحيد المشارك في حياة الآب على وجه مطلق، وهو وحده قادر على هداية البشر إلى المعرفة وإلى الحياة. يغدو يسوع بأعماله وأقواله كلها الموحي بالله والمعبّر عنه.
يقدّم لنا الاب دولابوتوري تعليقًا على نصين من انجيل يوحنا (1: 14-18؛ 14: 6). يؤلف النص الاول (1: 14-18) نواة مفهوم يوحنا عن التجسد. ويشكل تجسّد الكلمة في الواقع البشري حدثًا هامًا في تاريخ مخطط التدبير الخلاصي، إذ يتحدّى المسيحيين ويضعهم أمام خيار حاسم. إنه ليس مجرد "مظهر" (راجع 1يو 4: 2). يأخذ هذا الكاتب بتفسير القديس اكليمنضوس الاسكندري الذي يعطيه عن عبارة "ملؤه النعمة والحق" الواردة في الآية. يعتبر اكليمنضوس هذا الجزء من النص بشكل حقيقة واحدة تتألف من جزئين (Hendiadys)، ويفسّرها على النحو التالي: إن "حقيقة" الكلمة المتجسد هي "نعمة" من الآب. إنها ملء الوحي وحاضرة في الانسان يسوع الذي رآه التلاميذ وشهدوا له: "... ذاك الذي رأيناه وسمعناه، نبشركم به أنتم أيضًا" (1 يو 1: 3). كما يدل هذا "الملء" (آية 16) على فيض الخيرات الروحية الذي يزداد في المسيح الكلمة وبه وحده.
يشكل هذا النص (1: 14-18) محورين يحملان المسيحانية اليوحناوية ويدخلانها في تاريخ البشرية الخلاصي. يقوم المحور المسيحاني الاول "الأفقي" على اكتمال شريعة موسى وكمالها في حقيقة يسوع المسيح (آ 17). بينما يقوم المحور الثاني "العامودي"، وهو نازل، على مجيء الابن الوحيد من عند الآب. كما يؤلف يسوع المسيح نقطة التقاء هذين المحورين لانه ابن الله الوحيد. تمكّن هذه البنوّة الابن من الاشتراك بلاقيد في "النعمة والحقيقة". ويقول يوحنا في خاتمة انجيله: "إنما كتبت هذه لتؤمنوا بان يسوع هو المسيح ابن الله..." (20: 31).
أمّا النص الثاني فيقوم على الآية التي وردت في جواب يسوع لتوما: "قال له يسوع: أنا الطريق والحق والحياة" (14: 6). يتعلق تفسير هذه الآية بالعلاقة التي نضعها بين هذه الكلمات الثلاث. لا يدلّ الحق والحياة على الهدف نفسه الذي يدل عليه الطريق، بل إنهما يشيران إلى ما يقوله يسوع عن نفسه أنه هو "الطريق". لأنه هو، الانسان يسوع، الحق والحياة. أجل، يسوع هو الطريق نحو الله، لأنه كأنسان هو الحق ولانه يعبّر تعبيرًا تامًا للبشر عن الآب، ويكشفه لهم بعمله وقوله. لقد كشف لنا هذا الابن المتجسد في ذاته بنوته الالهية وأعطانا القدرة على أن نصير "ابناء الله" (يو 1: 12). يقول يوحنا في رسالته الاولى: "... لتكون لكم أيضًا مشاركة معنا، ومشاركتنا هي مشاركة للآب ولأبنه يسوع المسيح" (1 يو 1: 3). لا انقطاع إذًا في خط الاتصال الذي يربط في اتحاد محبة وحق واحد بين يسوع المسيح وأبيه من جهة، وبينه وبين شهوده الأولين من جهة أخرى. بالاضافة إلى ذلك، إن الحقيقة التي يتكلم عنها يسوع هي تلك "الحياة (التي) ظهرت... ونبشركم (بها)... التي كانت لدى الآب فتجلت لنا" (1 يو 1: 2).
يستشهد دولابوتوري بابوليناريوس اللاذقاني الذي يقول: "هذه هي الحقيقة التي يتكلم (يسوع) عنها: إنه يكشف عن نفسه للانسان، ومن خلال معرفته نفسه، يمنحهم الخلاص". لقد فتح لنا يسوع السبيل الذي يقودنا إلى الآب، لانه كان هو ذاته الطريق، وقد أظهر لنا نفسَه وهو الأبن الوحيد للآب. تكمن "الحقيقة" إذًا في ذلك "الحدث" الكاشف والمبين والموحي عن ذلك السر العظيم؛ إنه ابن الآب. ليس يسوع طريقًا بقدر ما يقود المؤمن بتعليمه إلى الحياة فحسب، بل هو الطريق المؤدي إلى الآب بقدر ما هو نفسه "الحق والحياة". وهذا ما دعا الاسقف زيزيولاس إلى القول: "نقطة الانطلاقة الوحيدة لمفهوم الحقيقة المسيحي هي الكريستولوجيا".

3- الروح والحقيقة
لا يخشى يوحنا من القول بان "الروح هو الحق" (1 يو 5: 6)، كما إنه يستعمل أيضًا عبارة "روح الحق" (يو 14: 17؛ 15 ك 26؛ 16: 13؛ 1 يو 4: 6). هذا الروح الذي يأتي من يسوع يعمل في تأوين حقيقة يسوع وتفعيلها وتنشيطها ليجعلها قوية ومؤثرة (يو 1: 33؛ 7: 38-39؛ 19: 30، 34؛ 20: 23). أجل، الروح هو الحق إذ لا يخفى علينا أنّ الحق الذي أتى به يسوع يصبح بالروح حاضرًا وناشطًا.
ينبئ يسوع تلاميذه، بعدما أتمّ وحيه للعالم (يو 12: 50)، عن مجيء "مؤيد آخر" ويدعوه "روح الحق". يقول يوحنا البشير: "وأنا (يسوع) سأسأل الآب فيهب لكم مؤيدًا آخر يكون معكم إلى للأبد. روح الحق الذي لا يستطيع العالم أن يتلقاه لأنه لا يراه ولا يعرفه (يو 14: 16-17). إنه "البارقليط". يدل هذا اللفظ اليوناني، المقتبس من لغة القانون، على من يُستدعى لدى المتّهم للدفاع عنه. يصبح هذا الباراقليط المحامي والمدافع والمساعد، وبالتالي المعزّي والشفيع. إن روح الحق الذي يمنحه المسيح يعارض روح الضلال والكذب المسيّطر على العالم (يو 8: 44).
يتمحور عمل الروح المعزي على دورين هامين. يقوم الدور الاول، قبل كل شيء، على أن هذا الروح هو الشاهد ليسوع: "ومتى جاء المؤيد الذي أرسله اليكم من لدن الآب، روح الحق المنبثق من الآب، فهو يشهد لي" (يو 15: 26؛ 1 يو 5: 6). يشهد الروح ليسوع في قلب التلاميذ عندما يحصل الحكم بين العالم وبين يسوع. كذلك يشدّد الروح إيمان هؤلاء التلاميذ ويمنحهم الثقة التامة بأنفسهم ليكونوا بدورهم شهودًا ليسوع ويقهروا العالم. يقول الرسول "لأنّ كل ما وُلد لله يغلب العالم. وما غلب العالم هذه الغلبة هو إيماننا. من الذي غلب العالم إن لم يكن ذاك الذي آمن بان يسوع هو ابن الله؟" (1 يو 5: 4-5).
يقوم الدور الثاني الذي يلعبه الروح المعزي على تعليم التلاميذ. سيذكرهم ويعلمهم بطريقة جديدة جميع ما قاله يسوع ويعيده إلى أذهانهم ليجعلهم يدركون المعنى الحقيقي لأقواله. "إنّ التلاميذ الذين سبق لهم أن شاركوا يسوع في حياته في الارض (يو 15: 27؛ أع 1: 21) يحفظون ذكرى ما عمله وقاله، وسيساعدهم روح المسيح القائم من الموت على ادراك معنى أعماله العميق... والروح يعلمهم كل شيء... إذ يجعلهم يتفهمون حقيقة يسوع ومعنى الاشياء في صلتها به تفهّمًا تدريجيًا". ويشدد يسوع في وعده الأخير لتلاميذه عن مجيء الروح القدس: "فمتى جاء هو، أي روح الحق، أرشدكم إلى الحق كله لأنه لن يتكلم من عنده، بل يتكلم بما يسمع ويخبركم بما سيحدث. سيمجدني لانه يأخذ مما لي ويخبركم به. جميع ما هو للآب فهو لي ولذلك قلت لكم إنه يأخذ ما لي ويخبركم به" (يو 16: 13-15). يعمل روح الحق إذًا على كشف معنى الحياة الحقيقي وتوضيح معاني كلام يسوع الخفية.
ستؤدي هبة الروح بالتلاميذ إلى تفهّم الحقيقة تفهمًا عميقًا، وهي الحقيقة المكشوفة في الابن المتجسد. وكما أنّ المسيح يستند دائمًا إلى الآب الذي أرسله، كذلك يُحيل الروح على الابن، ولن يكون هناك وحي جديد مستقل عن الوحي الممنوح في يسوع المسيح. يستخدم يوحنا في النص السابق مرتين فعل "أخبر" ويربطه بما يتمّ في يسوع الذي يتمجّد بقدر ما يهدي الروح التلاميذ إلى معرفة الحقيقة المتجلية في المسيح. يُنجز بالتالي الروح القدس عمله القائم على تمجيد الآب وكشفه. "هكذا تظهر وحدة الوحي التي لا تُنقض". يستعمل المجمع الفاتيكاني الثاني، في دستور الوحي الالهي مفهوم النص اليوحناوي 16: 13-15 ليصف التقليد المقدس المتجه نحو "الحقيقة كلها"، إذ إنها تتضمّن كلام الله. أجل، يسعى التقليد في التعمق في حدث الحقيقة التي هي وحي الله في يسوع المسيح: "وهكذا تسعى الكنيسة، بلا انقطاع، وعلى ممر العصور، أن تبلغ الحقيقة الالهية كاملة، إلى أن يحين لها الوقت، فتتحقق فيها جميع أقوال الله" ("كلمة الله" 8).

4- الحقيقة في حياة المؤمن
يشدّد يوحنا بوضوح على دور الحقيقة في حياة المؤمن الذي يغدو "عاملاً" للحق. يُعدّ هذا العمل أول خطوة لدخول المؤمن في الايمان الحقّ. وبالتالي يجعله يعبر من الايمان إلى المعرفة. هكذا يبلغ المؤمن إلى هذه المعرفة لأنه أصبح "في الحقيقة" ولأنّ ما يصدر عنه يدفعه أن يكون "من الحقيقة". وهذا اكليمنضوس الاسكندري في نص جميل من كتابه "المربّي" يقول عن ابناء الله: "يدل لقب "أبناء الله" الذي نتخذه لأنفسنا على ربيع حياتنا. فالحقيقة التي فينا لا تذبُل أبدًا، لاّنّ وجودنا بأسره يستقي من هذه الحقيقة" (كتاب "المربّي"، جزء أول ،5 20). 
4. أ- يستعمل يوحنا عبارة "يعمل الحقيقة" التي تدلّ على تكييف السلوك بالحق: "أمّا الذي يعمل بالحق، فيُقبل إلى النور، لتُظهر أعماله وقد صنعت في الله" (يو 3: 21). تعود هذا العبارة إلى العهد القديم وتدل في الدين اليهودي على السلوك الخلقي المطابق للشريعة. نجد أيضًا هذه العبارة في رسالته الاولى: "فاذا قلنا: لنا مشاركة معه، ونحن نسير في الظلام، كنّا كاذبين ولم نعمل للحق" (1 يو1: 6). تحفظ هنا العبارة هذا الطابع العملي والوجودي. غير أن يوحنا يفسّر هذه العبارة مطلقًا إياها على الاهتداء ونشوء الايمان. "فالحق، في نظر يوحنا، هو كلمة الله (راجع 1 يو 1: 8 و10) المعلنة على لسان يسوع المسيح والنافذة إلى قلب المؤمن لتحوّل حياته". كذلك يستعملها يوحنا في المقطع السابق 3: 21 ليدل على أول خطوة ايمانية يقوم بها الانسان، وعلى السير نحو الايمان. لذا يضع يوحنا هذه العبارة بالموازاة مع عبارة "النور". إنه نور الوحي الالهي الذي أضاء العالم بيسوع المسيح، ولكن العالم رفضه: "... إنّ النور جاء إلى العالم، ففضّل الناس الظلام على النور، لأنّ أعمالهم كانت سيئة. فكل من يعمل السيئات يُبغض النور، فلا يُقبل إلى النور لئلا تُفضح أعماله" (يو 3: 19-20).
على هذا النحو، يرى يوحنا في الحقيقة مبدأ السلوك الباطني ويشحن عبارة "العمل بالحقيقة" الكتابية بملء المعنى المسيحي. ويشرح لنا يوحنا هذا "العمل" من خلال نص ثان: "فاجابهم يسوع: عمل الله أن تؤمنوا بمن أرسل" (يو 6: 29). هذا هو الجواب على سؤال التلاميذ: "ماذا نعمل لنقوم بأعمال الله؟" (يو 6: 28) أي الاعمال التي ينتظرها الله من الانسان. يرفض يوحنا تعداد الاعمال، بينما يصرّ على الايمان بالذي أرسله الله. يقصد البشير في هذا الجواب الاشتراك في تحقيق الاعمال التي يقوم بها الله عن يد ابنه الذي عهد اليه هداية البشر إلى الحياة الابدية. إزاء النور الآتي إلى العالم (راجع يو 3: 19)، يُطلب من الانسان أن "يعمل الحقيقة"، وبالتالي أن يتقبّل حقيقة يسوع وأن يجعلها في داخله.
تعني عبارة "يعمل الحقيقة" "ممارسة الأمانة وموافقة حياة المؤمن مع مشيئة الله كما تظهر في الشريعة، وبالتالي سلوك أخلاقي مستقيم وعادل وأهل للكرامة"؛ فهي كذلك قبول حقيقة يسوع وتبنّيها. ويتضمّن هذا "العمل" اعتراف الانسان أولاًّ بخطيئته ليرتدّ إلى المسيح ويهتدي مجدّدًا ودائمًا اليه. وثانيًا بان "الايمان يدفعه من الداخل إلى أن يأتي إلى النور".
4. ب- كان الايمان بمثابة خطوة أولى نحو المعرفة، إذ إنه يؤهل المؤمن إلى اتحاد وثيق مع مصدر النور. يشدّد يوحنا على المؤمن الحقيقي أن يعبُر من "الايمان" إلى "المعرفة"، أي من الايمان الاوّلي والبدائي إلى معرفة الحقيقة التامّة. يذكرنا البشير بذلك في رسالته الثانية، عندما يتطرّق إلى الكلام عن المسيحيّين الحقيقيّين: "... وهم جميع الذين عرفوا الحق" (2 يو 1). أجل، إنهم المؤمنون الحقيقيون الذين ثبتوا في الحق وصمدوا في إيمانهم ضد هجمات البدع إذ "إنّ الآب والابن معهم" (2 يو 9).
يشرح يو هذا العبور في مقطع يضع فيه الثبات في كلام يسوع جنبًا إلى جنب معرفة الحق: "... إن ثبتم في كلامي، كنتم تلاميذي حقًا. تعرفون الحق، والحق يحرركم" (يو 8: 31-32). يؤكد البشير على ايمان أولئك التلاميذ الاوّلي ويقول "ثبتم في كلامي"؛ إنه الانضمام الوثيق إلى الذي فيه تنطق كلمة الله الحق (راجع يو 15: 7؛ 1 يو 2: 24 و27؛ 3: 9). فالتلميذ الحقيقي ليسوع هو الذي يجعل كلام يسوع جزءًا منه وفي داخله. هذا هو الشرط الاساسي ليعرف التلميذُ الحقيقة ويتحرّر داخليًا من الخطيئة، ويتطهّر بكلمة يسوع (يو 15: 3)، ويتحرّر بالابن نفسه (يو 8: 36). أجل، إنّ الذي يثبت على هذا النحو في كلمة يسوع، هو الذي يستطيع وحده أن يصل إلى معرفة الحقيقة وإلى التحرّر الباطني من الخطيئة بقوة هذه الحقيقة. تصبح الحرية، التي حصل عليها المؤمن من المعرفة، وجهًا من وجوه البنوّة المضادة للعبودية. وتدل الخطيئة في نظر يوحنا، التي هي جهل لله وانفصال عنه، على حالة استعباد أو اغتراب. والابن وحده قادر، لاتحاده بالآب، على أن يشرك المؤمنين الحقيقيين في حياته. قال القديس أوغسطينس: "إن المؤمن يصبح منزّهًا عن الخطيئة "بقدر ما يثبت في المسيح" (راجع يو 5: 18)".
يستشهد كذلك الاب دولابوتوري بالتفسير الذي يعطيه القديس أوغسطينس عن يو 7: 16 ("ليس تعليمي من عندي، بل من عند الذي أرسلني") والذي يتطابق مع يو 8: 32 ("تعرفون الحق. والحق يحرركم"). يقول القديس: "هل تريد أن تفهم؟ آمن. لأن الله يقول بلسان نبيّه: إن لم تؤمنوا فلن تفهموا" (راجع أش 7: 9 LXX). ويستطرد الاب دولابوتوري إلى قوله: "هناك إذًا تدرّج من الايمان إلى المعرفة".
4. ج- عبارة "في الحقيقة"
تعود هذه العبارة، وهي من أصل سامي، مرات عديدة في يوحنا. يستعملها يوحنا سبع مرات بطريقة اعتيادية (يو 17: 17 ,19؛ 2 يو 1 و4؛ 3 يو 1 و3 و4)، ويعطفها على الروح (يو 4: 23-24)، والعمل (1 يو 3: 18)، والمحبة (2 يو 3). غير أن حرف الجر لا يدل على معنى "الاداة"، بل تأخذ هذه العبارة المجازية معنى "مكانيًا" شاملاً.
يعطي يوحنا لهذه العبارة بُعدًا آخر، فالوجود المسيحي الحقّ يدور في إطار روحي ليصبح بالتالي "العيش في الحقيقة". نعرف، كما ذكرنا آنفًا، أنّ الحقيقة هي يسوع نفسه لأنه يكشف ذاته لنا. يغدو الانسان الذي يعيش "في الحقيقة" التلميذ الحقيقي. كذلك تصبح الحقيقة لذاك التلميذ "المحيط" الروحي الذي ينمو فيه وجوده. يتطلب هذا النمو من التلميذ "السلوك في سبيل الحقيقة". ويستخدم يو عبارة "سلك في الحقيقة" (2 يو 4؛ 3 يو 3 و4)، وهي عبارة يوحناوية في العهد الجديد، ليدل على سلوك الانسان الاخلاقي في عمله ضمن هذا الاطار الروحي للحقيقة، في إشعاع محبة الآب التي تجلت لنا في يسوع. أجل، إنه يحيا في نور وصية المحبة، الآتية من الآب: "والمحبة هي أن نسلك سبيل وصاياه، وتلك الوصية،... هي أن تسلكوا سبيل المحبة" (2 يو 6). هذا ما يدعونا إلى القول بانّ الاخلاقية اليوحناوية تتمركز في هاتين العبارتين "في الحق والمحبة" (2 يو 3).
تصبح هكذا الحقيقة مصدر المحبة الأخوية، لأنّ هذا المصدر هو فائق سامٍ وبالوقت نفسه حاضر مُلزم (immanent). والحقيقية عند يوحنا لها ديناميّة وحركة. تظهر هذه الحركة عند يوحنا "نازلة" لانها مرتبطة بالتجسد. ويقدّم لنا يوحنا وصفًا للصلة بين "محبة الله" (1 يو 5: 3) ومحبة "ابناء الله" (1 يو 5: 2)، أي العلاقة بين المحبة والحقيقة. يقول في رسالته الاولى: "إنما عرفنا المحبة بأنّ ذاك قد بذل نفسه في سبيلنا. فعلينا نحن أيضًا أن نبذل نفوسنا في سبيل أخوتنا. من كانت له خيرات الدنيا ورأى بأخيه حاجة فأغلق أحشاءه دون أخيه فكيف تقيم فيه محبة الله؟" (3: 16-17). فالمسيح الذي منحه الله من أجلنا بعمل محبة هو الحقيقة، كما أنّ أعمال محبتنا تُظهر بأننا ننتمي إلى الحقيقة.
علينا أن نعي وعيًا تامًا البُعد السامي والباطني للمحبة، والتعبير عنه على المستوى الجماعي لنفهم بعمق ما يقوله لنا البشير. "يا بنيّ، لا تكن محبتنا بالكلام ولا باللسان، بل بالعمل والحق. بذلك نعرف أننا من الحق ونسكّن قلبنا لديه" (1 يو 3: 18-19). أجل، الكلمة التي تتدفق إلى الخارج هي التي تساعد على الاتصال مع الاخوة، ويصبح اللسانُ الاداة الداخلية والضرورية لهذا الاتصال. هكذا، وعلى هذا المثال، تتضمّن المحبة المسيحية بُعدين، واحد خارجي وآخر داخلي. وهذا ما يعبّر عنه يوحنا بقوله "بالعمل" (راجع آية 17) ومصدره فينا، وبالحق الموجود فينا.
غير أن المؤمن معرّض للابتعاد عن الحقيقة إذ إنّ ابليس، ويدعوه يوحنا "أبا الكذب"، لا يثبت "في الحق" لأن الحق غير موجود فيه، ولأنّ كيانه قائم على رفض الحق: "كان (إبليس) منذ البدء قتّالاً للناس، ولم يثبت على الحق لأنه ليس فيه شيء من الحق. فاذا تكلم بالكذب تكلم بما عنده، لانه كذّاب وأبو الكذب" (يو 8: 44). يقف إبليس حاجزًا بين المؤمن والحقيقة، ويسعى بان تظلّ بعيدة عنه حتى يبقى تحت سلطان العبودية والموت. هكذا يصير "طريق" الانسان المستعبد لأبي الكذب بعيدًا عن الحقيقة وعن محبة الله ومحبة الأخوة.
يشير بالتالي يوحنا إلى أنّ "الذين يعرفون الحق" هم وحدهم قادرون على محبة اخوتهم "بالحق". يدلّ ذلك على أن المسيحيين، ويتكلم يو عن جماعته بالضمير المتكلم "نحن"، إذا أحببنا اخوتنا "بالحق"، يكون ذلك "بفضل الحق المقيم فينا" (2 يو 1-2). نلحظ الطابع الجدلي في هذه العبارة للدلالة على المؤمنين الحقيقيين: نحن "في" الحق، والحق الحاضر "فينا" يصبح الينبوع الذي نستقي منه المحبة المسيحية.
أجل، تقودنا هذه المحبة إلى السجود والعبادة التي يبعثها الروح في المؤمن. لذا يجيب يسوع المرأة السامرية: "صدّيقيني أيتها المرأة، تأتي ساعة- فيها تعبدون الآب لا في هذا الجبل ولا في أورشليم... ولكن تأتي ساعة- وقد حضرت الآن- فيها العباد الصادقون يعبدون الآب بالروح والحق" (يو 4: 21، 23)، يدل هنا حرف الجر على ظرف محلي. أمّا في الزمن المسيحاني الأخيري الذي بدأ مع يسوع، لا تقوم العبادة الحقّة في الجبل أو في الهيكل الحجري، بل "في الحق". تقوم هذه العبادة إذًا، بفضل عطية الروح، لأنّ الوجود الالهي مرتبط بشخص يسوع وهو ابن الآب. كذلك "تبرز الحقيقة على أنها قاعدة التصرّف المسيحي، وواقع يوجّه الديانة الجديدة التي يريدها للآب". هكذا يستطيع المؤمن أن يعرف الله ويعبده على أنه الآب.
يربط يوحنا من جهة اخرى عبارة "في الحق" مع تقديس المؤمن عندما يسأل يسوع الآب في صلاته الكهنوتية أن "يكرّس" تلاميذه: "كرسّهم بالحق.... وأكرّس نفسي من أجلهم ليكونوا هم أيضًا مكرّسين بالحق" (يو 17: 17 و19). يشير حرف الجر إلى معنى مكاني. ويضع الاب دولابوتوري الآية (11 ب) من الفصل ذاته بموازاة هاتين الآيتين السابقتين ليشرح هذا الحرف: "احفظهم باسمك الذي وهبته لي". يصبح الحقّ الكشف عن اسم الآب. وهكذا يدخل التلاميذ معه في اتحاد وثيق لا تستطيع أية ارادة في العالم أن تفصلهم عنه (راجع عامود 424). يحصل تقديس التلاميذ وتكريسهم قبل إرسالهم، ويصبح الشرط الاساسي لهذه الرسالة. يهدف هذا التقديس أن يكون التلاميذ "واحدًا" على مثال الآب والابن. كما أنّ الآية (19) التي ورد ذكرها آنفًا، تؤكد أن تقديس يسوع وسلوكه البنوي المميّز وطاعته للآب، هما المثال لتقديس التلميذ وبالتالي المؤمن وأساسه. وأخيرًا، تفرض الحقيقة على المؤمن أن يكون "معاونًا للحق" (3 يو 8) في نشر رسالة المسيح.
4. د- عبارة "من الحقيقة".
ترد هذه العبارة ثلاث مرات (يو 18: 37؛ 1 يو 2: 21؛ 3: 19). يروي لنا المقطع الاول (يو 18: 37) الحديث الذي جرى بين يسوع وبيلاطس حول "المملكة" التي تكلم عنها يسوع بانها "ليست من هذا العالم" (يو 18: 36). يتطرق بعد ذلك يسوع إلى "كل من كان من الحق يصغي إلى صوتي". يدل يسوع على تلاميذه الطيّعين لانهم يعرفون صوته (راجع يو 10: 4)، وهذه هي حقيقتهم الباطنية "لأنهم من الحق". لقد تقبّلوا في قلوبهم بايمان حقيقة يسوع، وتركوا أنفسهم يتبدّلون ويتغيّرون ليصبحوا تلاميذه الحقيقيين ويسيروا بحسب الحق.
كذلك يتطرّق يوحنا في المقطع الاول من رسالته (1 يو 2: 21) إلى المسيح الدجّال الذي لا يستطيع أن يكون "من الحق" لانه كذّاب (راجع يو 8: 44)، ولأنه لا ينتمي إلى مصفّ التلاميذ الذين يعرفون "الحق". بينما ينوّه الرسول في المقطع الثاني (1 يو 3: 19) إلى وجود الحقيقة في قلب المؤمن إذ أصبحت ينبوع الوحي للمحبة نحو الاخوة. والمؤمن ملزم بان "يكون من الحق"، وهو يجتهد في أن يظل في حياته تحت تأثير الحق الثابت فيه، وأن يصبح مولودًا جديدًا.

خاتمة
لا تتخذ "الحقيقة" في البيبليا معنى الدقّة المنطقية بحيث نستطيع "قول الحقيقة"، بل تدلّ بالاحرى على معنى "الأمانة". ينتج عن ذلك أنّ الله "حقّ" لأنه "أمين" في وعوده. يصبح بالتالي "حقيقيين" الوحي الالهي والشريعة والمسيح، لانّ الانسان الذي يتبعهم هو أكيد بانه اختار الطريق الصحيح ويسلك في سبيل الحق. أجل، تتعمّق خبرة "حقيقة" الله قبل كل شيء في العهد الذي قطعه الله مع شعبه، ويستنتج الشعب من جهته، وبالرغم من عدم أمانته، أن الله بقي أمينًا نحوه. نجد هذه الأمانة للعهد موصوفة بصور شعرية عندما يتطرّق الكاتب الملهم عن الله بقوله: "إن الله صخرتي، وملجأي، وتعزيتي، ودرعي..." (المزامير). 
تظهر "حقيقة" الله بعد حقبة العهد من خلال شخص يسوع المسيح ورسالته. إنه "الحقّ" (رؤ 3: 7) لأنّه يثبت المواعيد التي وعد بها الله الآباء (راجع روم 15: 8). إنه "الآمين" الذي يعبّر على الأمانة الالهية. يقول بولس: "إنّ جميع مواعد الله لها فيه "نعم". لذلك به أيضًا نقول لله "آمين" إكرامًا لمجده" (2 قور1: 20؛ راجع رؤ 3: 14). يصبح المسيح "الآمين" المطلق لانه من جهة شاهد على أمانة الله لشعبه، وأمانة الشعب لالهه، ولانه من جهة ثانية هو الحقيقة التي أظهرت واقع الله المتجلية بالظاهر فقط. يقول تيرّي مارتنس: "يقود (المسيح) تلاميذه في الحق الذي يدلّ على جوهر الله، وبالتالي يفتتح عهدًا جديدًا من خلال العبادة "بالروح والحق". تصبح هكذا الحياة بأسرها، والسلوك في سبيل الحق، وعمل الحق، مظاهر مختلفة لتلك الكلمة التي يعبّر بواسطتها المؤمن عن صلته بالاله الذي تجسّد من أجل خلاصه، والتي أظهرت له أن المسيح هو "الطريق والحق والحياة".
خاتمة
ذاك كان كتاب "نداء الفرح والخلاص"، ذاك كان موضوع الأيام البيبليّة الثانية. كان موضوع الأيام البيبليّة الأولى الآيات والمعجزات في الكتاب المقدس، وكانت تلك محاولة أولى من أجل إدخال الكتاب المقدس في مواضيع حياتنا اليوميّة وتساؤلاتنا. أما الأيام البيبليّة الثانية فدعتنا إلى أن نعيش مع الكنيسة الجامعة التي تعيّد هذه السنة ميلاد المخلّص، وتسمّيها سنة يوبيليّة.
قدّمت الرابطة كتاب تأمّل عنوانه: "سنة القبول والرضى". وها هو هذا الكتاب "نداء الفرح والخلاص". هكذا يكون في يدنا وسيلتان تساعداننا على مرافقة المؤمنين في العالم كله من أجل عيش سنة الألفين هذه. وكانت محاولات أخرى عديدة، ولاسيّما في المجلاّت. كل هذا يبشّر بمستقبل عظيم على مستوى الاعلام الدينيّ في بلدنا كما في العالم العربيّ، وذلك على غرار ما يجري في بلدان أوروبا أو أميركا.
فإلى أيام بيبليّة ثالثة ننظر إليها منذ الآن، فنجعل الكتاب المقدّس في أولى اهتماماتنا. لقد تعبنا ولا شكّ من عبادات جاءتنا من هنا وهناك، ولم ترتكز على كلام الله. فلماذا لا نؤسّس صلاتنا على كلام الانجيل ورسائل القديس بولس، بل على العهد الجديد والعهد القديم كله. فالله الذي كلّمنا منذ البدء بواسطة الآباء والأنبياء، كلّمنا في ملء الزمن بابنه يسوع المسيح الذي هو بهاء مجده ورسم جوهره. وحامل كل شيء بكلمة قدرته. فإلى صوته نصغي، وعلى نوره تسير خطانا.