الإيمان وسر الخلاص

تقديم

الايمان وسّر الخلاص، مواضيع لاهوتيّة مستقاة من الكتاب المقدّس، وهي تساعد المؤمن على اكتشاف الحقائق المسيحية التي تشكّل أساس معتقده. وهذه المواضيع ارتبطت من جهة بقانون الايمان، فتحدّثت عن الله الثالوث، الآب والابن والروح القدس. كما تحدّثت عن شخص المسيح في سّر آلامه وموته وقيامته. وارتبطت أيضاً بحياة الكنيسة، بقداستها، بأسرارها، كما تحدّثت عن مريم أم الكنيسة كما سمّاها المجمع الفاتيكاني الثاني.
الايمان وسّر الخلاص، سلسلة مقالات ظهرت هنا وهناك في المجلاّت فأردنا أن نجمعها علّها تساعد القارىء على اكتشاف الغنى الذي يزخر به الكتاب المقدس من أجل حياتنا اليومية. فلا نكتفي فقط بقراءة الكتاب قراءة متواصلة وكأن قراءته "السريعة" فُرضت علينا فرضاً. أو أننا مجبرون على الانتهاء منه خلال سنة كاملة. بل نذهب إلى البحث عن كنوزه مثل الغائص على اللآلىء الذي تحدّث عنه يسوع. وجد درّة ثمينة. فمضى وباع كل شيء واقتناها.
هكذا يكون اكتشافنا لغنى كلام الله. لا نخاف أن نتوقّف كما توقّفت السامرية عند بئر يعقوب. ونفتح حواراً مع ذلك الغريب الذي يطلب منا شربة ماء. ولكن ذلك الغريب هو أقرب الينا ممّا كنا نتصوّر. إنه ذلك الذي يعرف قلبنا أكثر ممّا نعرفه. إنه في النهاية المسيح ومخلّص العالمِ، ونحن في النهاية سنطلب منه أن يعطينا الماء الذي يتفجّر فينا ينبوع حياة أبديّة.
الايمان وسّر الخلاص. مواضيع لاهوتيّة نضعها في يد القارىء وقد تتبعها مواضيع أخرى لأننا بحاجة ماسّة إلا أن نجعل إيماننا ينطلق من الكتاب المقدس، من كلام الله، لا من عواطف ونظريات أخلاقيّة لا تغذّي الحياة المسيحية ولا تجتذب الآخر لكي يتعمّق في إيمانه. كلام الله هو الاساس. عليه يرتكز إيماننا. كلام الله هو الينبوع. منه نرتشف مياه الحياة. فلماذا لا نعود إلى هذا الأساس وهذا الينبوع من أجل تأمّلنا اليوم وصلاتنا، من أجل الحديث مع أولادنا وأصدقائنا وأقاربنا؟ لماذا لا نعود إلى ما عاد إليه آباء الكنيسة فاكتشفوا غنى الكتاب وفتحوه للآخرين. عند ذلك نستطيع أن نردّد كلام المزمور: ذوقوا وانظروا ما أطيب الله. ساعدنا الله لكي نصل إلى هذه السعادة فنتذوّق الربّ، نتذوّق كلمته والعيش بقربه على مثال التلميذين اللذين قضيا معه يوماً كاملاً فتبدّلت حياتهما بلقياه.

القِسم الأول
وَجْهُ الله
نعالج في هذا القسم خمسة مواضيع:
1- الله الحيّ كما كشف لنا
2- اسم الله
3- مجد الله
4- ملكوت الله
5- علاقة الله بشعبه

الفصل الأول
الله الحي كما كشف لنا

الايمان باله واحد هو آب وابن وروح قدس، هذا الايمان يميّز المسيحي عن غيره من المؤمنين. فوحي أبوّة الله بيسوع ابنه الوحيد في الروح، هو ذروة تربية طويلة انطلقت من "إله ابراهيم واسحق ويعقوب" فوصلت إلى أبي ربّنا يسوع المسيح. غير أنّ ما نجده في العهد الجديد هو جديد وجذريّ وهو يحدّثنا عن سر يسوع نفسه. فإيمان الكنيسة الرسوليّة تجمّع في وقت من الأوقات في اعلان واحد: "يسوع هو ربّ". فشخص يسوع ابن الله الحيّ، يكفينا لكي نحدّد العهد الجديد. ولكن لا نخطىء حين نفسّر مضمون هذا القول. فحين نؤمن بابن الله، ندخل بطريقة أعمق في سّر الله الحيّ والحقيقي. ومن صار تلميذ المسيح عرف في الروح الرباط الفريد الذي يوحّد الابن بأبيه.
سنحاول هنا أن نتتبّع وحي الله الآب والابن والروح القدس في ثنايا العهد الجديد. ينبع هذا الوحي في تعليم يسوع وتصّرفه، ويتثبّت في كرازة الكنيسة الرسوليّة وصلاتها. وسيعبرّ بولس ويوحنّا عن الحياة الثالوثيّة التي بها نؤمن ومنها نحيا.

1- يسوع يكشف عن الآب ويعد بالروح
أ- "لا يعرف أحد الآب الاّ الابن..."
ورث يسوع ايمان الجماعة اليهوديَّة. تذكّر الاعتراف الايماني الذي يردّده اليهودي صباحاً ومساء: "اسمع يا اسرائيل: الربّ الهنا هو الربّ الواحد" (مر 12: 29). هذا هو التعليم الأساسيّ في حياة يسوع التي لا تستطيع ان تتوجّه عكس ارادة الله الواحد: "الربّ الهك تعبد وله وحده تسجد" (مت 4: 10؛ لو 4: 8). إنّ مرسل الله يقف في خطّ الوحي الذي وصل إلى موسى في العلّيقة المتّقدة: "أنا إله ابراهيم، إله اسحق، إله يعقوب" (مر 12: 24- 27). 
ويتوافق يسوع مع هذا التقليد توافقاً تاماً فيسمّي الله أباه: هو الذي أوجد شعبه واختاره كابن له (مت 15: 26؛ مر 7: 27؛ يو 8: 33- 35). وفي نظر يسوع، كما في نظر معلّمي عصره، يرتبط هذا التبنّي بمتطلّبات أخلاقيّة: فالابن هو الذي يعمل ارادة أبيه الذي في السماوات (مت 7؛ 21: رج 5: 16- 48). ولكن يسوع فجّر هذا التقليد في اتجّاهين. من جهة، أعلن أن أبوّة الله مفتوحة للخاطىء نفسه (لو 15: 1- 32). واجه النظرة الفريسيّة إلى البرّ والقداسة، فكرز بملكوت يدعو فيه الآب الرحيم إلى التوبة، العشّار والزانية، ويجمع الخراف الضالّة من آل اسرائيل. ومن جهة ثانية، رفض يسوع موقف اليهود في زمانه، وكانوا يحصرون بنوّة الله بالشعب المختار، وبصورة خاصّة بالأبرار الذين يمارسون الشريعة. أمّا هو فشدّد على طابع الشمول لحبّ الآب الذي يشرق شمسه على الأشرار والأخيار، ويسكب غيثه على الأبرار والفجّار (مت 5: 15؛ 7: 11؛ لو 6: 35). فإلى الوليمة المسيحانيّة التي أعدّها الآب سيأتي الأبناء من المشرق والمغرب، من الشمال والجنوب (لو 13: 23- 29؛ رج مت 11:8- 12).
بأي سلطان يستطيع "ابن النجّار" أن يتكلّم ويتصّرف بهذه الطريقة؟ بسبب علاقته مع الآب. هو الابن وهو المرسل الذي يشهد عن الآب. ولكن يسوع لا يعلّم باحتفال هذه البنوّة، بل يلمّح عنها شيئاً فشيئاً ويجعل التلاميذ يكتشفون قوّة عبارة يتلفظّ بها فتندهش جموع الجليل: "أمّا أنا فأقول لكم".
ما يلفت نظرنا بادىء ذي بدء، هو أن يسوع لا يماثل بينه وبين أفراد شعبه حين يتحدّث عن الآب. هو لا يقول أبداً حين يعلّم التلاميذ العبارة المعروفة في أيامه: "أبانا" "أبي" و"أبوكم". وهكذا يدلّ على علاقته الخاصة بالله.
كان العهد القديم يسمّي الملك الخارج من داود ابن الله (أكون له أباً ويكون لي ابناً، 1 صم 7: 14؛ مز 2: 7). سيسمّي اليهود يسوع ابن داود مشدّدين على ناسوته ويتركون لقب ابن الله. وحين رأت جوع الجليل معجزات نبيّ الناصرة أنشدت ابن داود (مت 12: 23).
ولكن يسوع ظلّ متحفّظاً أمام هذه المظاهر المسيحانيّة. لم يعلن نفسه يوماً ابن داود، بل أفهم الشعب أنّ شخصه يتضمّن سراً أعمق من البنوَّة الداوديّة (مر 12: 35- 36). هو لم ينكر أنه المسيح الذي وعد به الله شعبه (مر 8: 27- 30؛ 11: 9- 10؛ 15: 26)، ولكنه يكشف عن الينبوع الحقيقي لقدرته كوسيط لملكوت الله. وهكذا لمّح أنه ابن الله بحسب مدلول يتعدّى الانتظار اليهودي.
أخذ يسوع مكانه بين عدد عن مرسلي الله إلى الشعب. ولكن بصفته الابن الوارث (مر 12: 1- 9). ففي مثل الكرّامين القتلة، قدّم يسوع نفسه على أنه الابن الذي أرسله الآب. واذ أراد أن يشير إلى رسالته وشخصيّته سمّى نفسه مراراً ابن الانسان وربط هذه التسمية بالآب (مر 8: 38) في الاطار المقبل للمجيء المجيد. ولكن الابن الانسان عدّ منذ الآن حامل سلطة لا تخصّ الاّ الله وحده (مر 2: 7- 10). وان كان لن يدخل في مجده قبل أن يتحمّل ذلّ عبد الله (عبد يهوه)، فهو يعي منذ البداية العلاقة الحميمة التي توحِّده بالآب. اختار يسوع صورة ابن الانسان السريّة ليبعد صورة ابن داود وما فيها من التباس، واختارها أيضاً ليدلّ على الطابع المتسامي لعلاقته مع الآب. بعد هذا نفهم انتقاله بسهولة من لقب ابن الانسان إلى لقب الابن الذي يطالب به.
وساعة أعلن مرسل الله أنه يجهل يوم وساعة المجيء المجيد، وساعة شدّد على ضعة مهمته وعلى خضوعه لإرادة الآب، جعل نفسه كالابن على مستوى سماوي وفوق الملائكة (مر 13: 32؛ مت 24: 36). وإن علاقة الآب والابن تجد نفسها في قلب الوحي الذي أتمّه يسوع (مت 11: 25- 27؛ لو: 21- 22). فإذا كان يسوع يستطيع أن يفتح أسرار الملكوت للتلاميذ الذين يقبلون نيره، فهذا يعني أنّ سلطته لا تأتي من تقليد بشري مثل تقليد الكتبة، بل من الرباط الذي يوحّده بالآب. الآب وحده يعرف الابن: والناس لا يستطيعون أن يلجوا إلى سّره الاّ بوحي من الآب (مت 16: 17). والابن وحده يعرف الآب: والبشر لا يستطيعون أن يعرفوا الآب الاّ بوحي من الابن. نحن هنا أمام معرفة كاملة ومتبادلة بين الآب والابن تنقلنا إلى مجال يتعدّى تاريخ الخلاص وتجعلنا نستشفّ هذه العلاقة السّرية بوجود المسيح الأزلي. ونحن نفهم أن يكون لوقا شدّد على اليقين عند يسوع منذ أوّل كلمة تلفّظ بها (لو 2: 49). فعمق سّر هذا الانسان يكمن في علاقته البنويّة بالله. وهذا ما يقوله لرئيس الكهنة (مت 26: 63- 64). يؤكد أنه ابن الله وأنه فوق ابن داود لأنّه يجلس عدت يمين القدرة (مز 110: 1) ولأنه ابن الانسان الآتي على سحاب السماء (دا 7: 13).
ونتوقّف عند الطريقة التي بها يتوجّه يسوع إلى أبيه وخاصّة في صلاته. هو يقول: أبّا، أيها الآب (مر 14: 36؛ غل 4: 6؛ روم 8: 15)، وهي كلمة لم يستعملها اليهودي يوماً في صلاته.
علّمتنا الأناجيل الازائيّة أنّ موقف يسوع تجاه الآب يتضمّن خضوع الابن الذي يتمّم بمحبّة ارادة أبيه، وسلطة الابن الذي يعلن هذه الارادة. وهذا الموقف يعكس سّراً سيتأمّل فيه الانجيل الرابع هو سّر الابن الذي يقيم في حضن الآب.
ب- "روح أبيكم يتكلّم فيكم..."
اذا كان يسوع قد اكتفى بكشف سّر علاقته بالآب للتلاميذ، فهو يبقى متكتّماً فيما يخصّ الروح. ويدهشنا هذا الصمت حين نتذكّر الدور الذي لعبه الروح في الأزمنة المسيحانيّة. قال الأنبياء إنّ المسيح يمتلك ملء الروح (أش 11: 2). وربطت بعض النصوص اليهوديّة فيض الروح بمجيء المسيح، فهيّأت الدرب لكرازة يوحنّا المعمدان (رج مت 3: 11؛ يو 1: 33).
اهتمّت الكرازة المسيحيّة الأولى بأن تبيّن عمل يسوع مدفوعاً بالروح (أع 10: 38). ومشهد العماد في التقليد الانجيلي يمثّل الروح نازلاً على الابن الحبيب (مت 3: 16؛ يو 1: 33). ويستبق لوقا الأحداث فيجعل الروح حاضراً على المسيح منذ الحبل به (لو 1: 35)، فاعلاً فيه منذ بداية رسالته (لو 4: 21؛ 14: 18؛ 10: 21). ولن نجد في التقليد الازائي الاّ مقطعين يجعلان الروح على شفتيّ يسوع.
حين رفض الفرّيسيون آيات مرسل الله، أعادهم يسوع إلى الاعتقاد اليهودي الذي يجعل مرسل الله يعمل بقوّة روح الله (مت 12: 28). إنّ عمل هذا الروح يجيء بالملكوت فيجابه عمل بعل زبول. وفي سياق التعليم الأخير للاثني عشر، وعد يسوع بمجيء الروح على الجماعة المسيحانيّة (مر 13: 11 وز). سيشهد الروح القدس حين يمثل التلاميذ أمام المحاكم من أجل اسم يسوع. ويؤكّد الانجيل الرابع على دور الروح هذا ويوسّعه. يسمّيه البارقليط أي المدافع الذي يستعمل شهادة التلاميذ ليوبّخ العالم على الخطيئة والبرّ والدينونة (15: 26- 27؛ 16: 7- 11). سيولد في الألم عالم جديد (مر 13: 8؛ يو 16: 21) ويكون الروح كافله حين يدفع الجماعة المسيحاويّة إلى الشهادة.
لماذا هذا التكتّم عند يسوع؟ لأنّنا أمام وعد. وتحقيق هذا الوعد، كما يقول يوحنا، يفرض وجود بداية مخاض عالم جديد في المسيح نفسه. فلا بدّ من انتظار مجيء هذا الفاعل السّري لكي يفكّر الشهود أنفسهم بمهمّته وشخصيّته.
أعلن يسوع ملكوت الله، أي تتمّة مخطّط الآب. وهذا الملكوت هو الوحي الكامل لأبوّة الله للمساكين والصغار. وقدّم لهم يسوع نموذج هذه العلاقات البنويّة مع الآب. ولكن لم يكن أحد يظنّ أن هذا المسيح هو الابن الوحيد، وأنّ الوحي التامّ للأبوّة الالهيّة يدخلنا نحن البشر في حياة الآب والابن الحميمة. فالروح الذي يحرّك الابن سيبرز سرّ الابن وانجيله.

2- شهادة الكنيسة الرسوليّة وصلاتها
أ- الكرازة الرسوليّة واعتراف الايمان
أولاً: "الله جعله ربّاً ومسيحاً..."
نستطيع أن نلتقي "بتقليد الانجيل" (1 كور 15: 1- 3) بفضل اخطب التي نقرأها في سفر الأعمال وعبارات الإيمان التي احتفظت بها رسائل القديس بولس. وهنا نميّز مرحلتين في الكرازة المسيحيّة الأولى: شهادة أمام اليهود، اعلان البشرى أمام الوثنيين. وفي كلا الحالين، سيتركّز التعليم المسيحي على شخص يسوع نفسه، وبصورة خاصّة على موته وقيامته (1 كور 15: 3- 5). ويتلخّص اعتراف الايمان بعبارات كرستولوجيّة (أي تتحدّث عن يسوع المسيح): "يسوع هو المسيح". "يسوع هو ابن الله". "يسوع هو الربّ". ولكن هذا التأكيد لا ينفصل عن إله العهد القديم: فأحداث الخلاص تدخل في مخطّط الآب منذ الأزل.
وتشير شهادة الاثني عشر في المحيط اليهودي (وهذا ما نجده في خطب بطرس في سفر الأعمال) إلى الحدث الفصحي وتتلخّص في هذه الكلمات: "فيسوع هذا قد أقامه الله" (أع 2: 32؛ 3: 15؛ 4: 10؛ 5: 30؛ 10: 40). كما أنها تعلن في الوقت نفسه جلوسه عن يمين الآب: "الله جعله ربّاً ومسيحاً" (أع 2: 36). هذا لا يعني فقط أن الآب رفعه عن يمينه، بل جعله "رئيساً ومخلصاً" (أع 5: 31) لشعبه، وحجر زاوية في هيكل يجمع كل المخلّصين (أع 4: 11)، وقاضياً جاء يبني الملكوت النهائي (أع 3: 20- 21). سمّى بولس يسوع ابن الله الذي انحدر من داود فأتمّ في شخصه قول ناثان (2 صم 7) ونبوءة داود (مز 2: 1 ي؛ رج غل 1؛ 16؛ روم 1: 1- 4).
نخطىء إن نحن فسّرنا هذه التولية الملوكيّة للمسيح والابن بمعنى التبنّي. فالألقاب المعطاة هنا ليسوع لا تعني طبيعته بل وظيفته. وهذه الشهادة تشير إلى مهمّة يسوع المسيحانيّة، دون أن تتحدّث عن وجوده الأزلي كابن الآب. ارتكزت الجماعة الرسوليّة على إيمانها بالقيامة فأعلنت أن الابن، بعد أن حقّق عمل الخلاص، شارك الآب في مجده وسيادته على شعبه (غل 2: 6- 11). وهذا الإعلان يبقى مفتوحاً على تفكير لاحق في وضع الابن الأزليّ.
ان الابن يبقى مرتبطاً ارتباطاً وثيقاً بالآب: "الذي يحيي الأموات" يقيما الابن. ثمّ إنّ أحداث الخلاص (الموت، القيامة، الصعود) تتمّ "حسب الكتب"، أي حسب مخطّط الله. تتركّز الشهادة على شخص يسوع، ولكن سّر الابن لا يُفهم خارجاً عن الايمان بإله الآباء الذي مجّد فتاه.
وسيتّخذ هذا التوسّع في الايمان المسيحي كل قوّته حين ينتقل الانجيل إلى العالم الوثني. فقد استند الشهود إلى إيمان اليهود بالاله الحيّ وإلى انتظارهم للمسيح. فبالنسبة إلى الذين كانوا بدون إله، بدون مسيح، وبدون رجاء في هذا العالم (أف 2: 12)، اتّخذ اعلان الخلاص طابعاً آخر. فإذا عدنا إلى خطبة بولس في أثينة (أع 17: 22- 31) وإلى بعض التلميحات في رسائله (1 تس 1: 9- 10)، رأينا أن الكرازة في العالم الهليني (أي الذي يتكلّم اليونانية) تقوم على نقطتين. الأولى: التخلّي عن الأصنام وعبادة الله الحيّ والحقيقي. الثانية: انتظار دينونة آتية بالايمان بقيامة يسوع.
وتثبّتت هذه الرسمة بطريقة جديدة في إعلان الايمان. فبالاضافة إلى إعلان يسوع كَرَبّ (1 كور 12: 3؛ غل 2: 11؛ روم 10: 9)، يورد بولس عبارة أخرى تجاه الشرك وعبادة الأوثان: "لا اله إلاّ الله الأحد... لنا نحن اله واحد وهو الآب الذي منه كل شيء ولأجله نحيا، وربّ واحد هو يسوع المسيح الذي به كلّ شيء وبه نحيا" (1 كور 8: 4- 6). ونحن نجد هذين التعبيرين في الانجيل الرابع: نؤمن أن يسوع هو المسيح وابن الله (يو 20: 31). نعرف الاله الواحد الحقيقي ومرسله يسوع المسيح (يو 17: 3).
إنّ انتشار الانجيل في وسط مسيحيّ قاد الكنيسة إلى أوّل توسّع ثالوثيّ. وفي هذا السياق سيرتدي اسما ابن الله والربّ قوّة، لم يصلا إليها في العالم اليهوديّ. سيدلاّن بعد الآن على تمجيد الابن وعلى مساواته مع الآب (يو 5: 18؛ 10: 33).
ثانياً: "أفاض الروح القدس"
كيف تمّت الخطوة التي نقلناها من عبارة مثنّاة إلى عبارة ثالوثيّة فقرأناها في نهاية الانجيل الأول: "باسم الآب والابن والروح القدس"؟ إنّ هذا السياق يقودنا إلى العماد. إنّ الإجمالات التي بين أيدينا عن الكرازة الأولى، لا تتيح لنا أن نؤكّد أنّ ذكر الروح انتمى إلى الانجيل. ولكن من المعقول أنّ النداء إلى التوبة تضمّن الوعد بعطيّة الروح (أع 2: 38).
يتكلّم سفر الأعمال (2: 38؛ 8: 16؛ 10: 48؛ 19: 5) عن عماد "باسم يسوع". نحن ولا شكّ أمام عبارة تدلّ على انتماء المسيحي إلى الربّ يسوع بالارتداد والعماد (1 كور 1: 13- 15؛ 10: 2). ولكنّها تشير أيضاً إلى أعتراف ايماني باسم يسوع، يرافق العماد (1 كور 6: 11؛ روم 10: 9- 13؛ أع 8: 37؛ 22: 16). فالعماد الذي نقبله حين "ندعو باسمه" يوحّد المسيحي بسّر يسوع المائت والقائم من بين الأموات. ولكن الانسان الجديد المخلوق الآن هو في الوقت عينه عمل الروح الذي يرتبط فيضه بغفران الخطايا بواسطة المعموديّة: ولهذا تتكلّم النصوص عن عماد بالروح تجاه عماد يوحنا المعمدان (أع 2: 38؛ 19: 1- 6؛ 1 كور 6: 11؛ 1 تم 3: 4- 6). فنحن لا نستطيع أن نعلن ايماننا الاّ في الروح (1 كور 12: 3).
كانت العبارة من جزئين: اله وربّ واحد، ربّ واحد، فصارت ثالوثيّة: الآب والابن والروح القدس. ونحن نكتشفها في أف 4: 4- 6 حيث نجد المعموديّة أيضاً. فوحدة جسد المسيح تتأسّس على وحدة الايمان بإله واحد، برب واحد، بروح واحد.
ب- الصلاة المسيحيّة
أولاً: "مبارك الله وأبو ربّنا يسوع المسيح"
ينطلق المسيحيّون من الصلاة اليهوديّة فيحتفلون بشعائر عبادة الربّ (أع 13: 2) ويدعون يسوع ويسمّونه الربّ (مارانا تا: تعال يا ربّ، 1 كور 16: 22؛ رؤ 22: 20) ويباركونه على أنه الله (روم 9: 5؛ 2 تم 2: 13؛ 1 يو 5: 21). فمباركاتهم وأفعال شكرهم تتوجّه طوعاً إلى الآب السماويّ. هذا ما نجده في رسائل مار بولس وفي صلاتين تردان في سفر الأعمال (1: 24؛ 4: 24- 29)، وفي أناشيد الرؤيا السماويّة (رؤ 4: 8، 11؛ 7: 12؛ 11: 17؛ 15: 3- 4؛ 19: 1- 2) التي هي صدى للعبادة المسيحيّة في يوم الربّ (رؤ 1: 10) الذي هو يوم الأحد. ويصلّي المؤمن مثل بولس نفسه "في حضرة الله" (1 تس 1: 3؛ 3: 9؛ 2 كور 3: 4؛ 4: 2؛ 7: 12؛ روم 15: 30؛ أف 1: 4). إن الصلاة تشكّل حواراً مع الآب يتمّ في الخفية، حسب طلب يسوع نفسه (مت 6: 5- 6). تنطلق من نبرة احتفاليّة "أبانا الذي في السموات" (مت 6: 9) إلى نبرة بسيطة "أبّا" (لو 11: 2)، يا أبت. ففي يسوع نال المسيحي نعمة التبنّي (غل 4: 5- 7؛ روم 8: 14- 17)، وكان له الوصول إلى الآب بثقة الابن نفسه الذي هو يسوع المسيح.
ثانياً: "بيسوع المسيح"
تكمن الميزة الجديدة للصلاة المسيحيّة بالمكانة التي تفردها للمسيح. فهي تستطيع أن تتوجّه إليه مباشرة. وتستطيع أن تقرّب بين الآب والابن (هذا ما نراه في تحيّات رسائل العهد الجديد)، فتعكس عادة الجماعات الليتورجيّة: "النعمة والسلام من الله أبينا والربّ يسوع المسيح...". وقد يكون تدرّج: فالمباركة المسيحيّة ترتفع إلى الآب بواسطة الابن (2 كور 1: 20). فالله وفى بمواعيده في ابنه. وحين تسمع الجماعة المسيحيّة إعلان البشارة، تعلن بالابن موافقتها (تقول أمين) لمجد الله. هكذا ترتسم حركة الشكر في الكنيسة. لا تبدو هذه البنية واضحة دائماً في المجدلات البولسية (روم 1: 8؛ 7: 25؛ 16: 27)، ولكن الرسول يطلب من المسيحيّين أن يقدّموا شكرهم "باسم الربّ يسوع" (كو 3: 17؛ أف 5: 20). ولهذا يندر جدّاً أن لا يظهر الربّ يسوع المسيح في صلاته (1 تس 1: 2- 3؛ 3: 11- 12؛ 1 كور 1: 4؛ 2 كور 1: 3- 5؛ غل 1: 3؛ كو 1: 3- 4؛ أف 1: 3؛ 3: 14- 21).
الصلاة المسيحيّة التي هي جواب الانسان إلى مبادرة الله، تشدّد على فعل الشكر فتتعرّف إلى كل ما أعطانا الله إيّاه في المسيح (1 كور 1: 4). والابن هو في مجيئه الأول في قلب فعل الشكر كما هو في مجيئه الأخير في قلب صلاة القلب: "تعال أيها الربّ يسوع"!
ثالثاً: "روح الله"
ليس من صلاة ممكنة الاّ في الروح. وحده روح الابن الذي يجعل من المسيحي ابناً لله، يتيح لنا أن نقول أبّا! وحده روح الله يعطينا أن ندعو باسم الربّ. فالعبادة الروحيّة تجمعنا في الليتورجيّا تحت نظر الروح (1 كور 2: 3؛ كو 3: 16- 17؛ أف 5: 18- 20؛ رؤ 22: 17).
أول عبارة ثالوثيّة واضحة نقرأها هي 2 كور 13: 13: "نعمة الربّ يسوع المسيح ومحبّة الله (الآب) وشركة الروح القدس تكون مع جميعكم". هذه التحيّة المطبوعة بالاستعمال الليتورجي ترد مرّة أخرى في فل 2: 1: "عزاء في المسيح، هناء في المحبّة (أي الآب)، مشاركة في الروح". إنّ النعمة تأتي بالمسيح، ولكنّها ترتبط في النهاية بمحبّة الآب وتظهر في "مشاركة الروح" الذي يفيضه يسوع، أو "في وحدة يحقّقها الروح".
ونلاحظ أيضاً أن بولس يعود إلى عبارة ثالوثيّة ليحثّ الكنائس على الوحدة. ذكّر المواهبيين في كورنتوس أنّ عليهم أن يبقوا متّحدين في خدمة الجسد، فاعتبر هذه المواهب تتفرّع من الروح على أنها نعم، تتفرّع من الرب الذي يدعونا إلى خدمة كنيسته على أنها خدم، تتفرّع من قدرة الله الذي يعمل كل شيء في كل انسان على أنها نشاط (1 كور 12: 4- 6). ونجد في أف 4: 1 ي عبارة ثالوثيّة: "إله واحد، ربّ واحد، روح واحد". هذه العبارة تدخل في تحريض للمسيحييّن على الوحدة من أجل بناء الجسد حتى ملء قامة المسيح. يبدو أن بولس يعود هنا إلى عبارات عرفتها الجماعات المسيحيّة. وهكذا نفهم لماذا وُجدت مقاطع عدّة تتضمّن رسمة ثالوثيّة (1 كور 2: 1- 16؛ 2 كور 1: 18- 22؛ 3: 3 ي؛ غل 4: 4- 6؛ روم 1: 1- 4؛ 5: 1- 5؛ 8: 9- 17؛ أف 1: 3- 14؛ عب 9: 14؛ 1 بط 1: 2؛ 4: 14- 16؛ 1 يو 3: 23- 24؛ 5: 5 ي).
كل هذا الغنى الذي تكتنزه الكنيسة الرسوليّة، كشف لنا اتجاهين معاكسين ومتكاملين في اعلان الايمان الثالوثيّ: في الرسالة برزت فكرة الابن الذي هو الربّ. ولكن هذا الاعلان يتطلّب الارتداد إلى الله الحيّ كما نكتشفه في المسيح. أمّا في الليتورجيا، فنحن ندعو الآب ولكننا نمرّ دوماً عبر الابن. ثمّ إن الايمان والصلاة يجدان قوامهما في الروح الذي يأخذ مكانه قرب الآب والابن كفاعل مساوٍ لهما في عمل الخلاص. إن نشاطه هو امتداد لمبادرة الآب في المهمّة التي أخذها الابن على عاتقه. هذا هو عالم الثالوث.
اكتشف بولس أن يسوع هو حقاً ابن الله، وهو كذلك في مهمّته كرئيس، ولأنه صورة الانسان الجديد. ولكن إن كان صورة فلأنه صورة الاله غير المنظور في كيان ذاته كابن الله.
يسوع هو صورة الله غير المنظور عند بولس، وهو الكلمة عند يوحنا. فملء اللاهوت حلّ فيه جسدياً. والكلمة المتجسد هو مسكن المجد الالهيّ وسط البشر، ومن ملئه نال العالم حياة أبناء الله. يربط بولس ويوحنا الروح بقيامة المسيح وصعوده المجيد. ولكن بولس يتقدّم لنا المسيح كآدم الجديد الذي ينعشه روح الله. الروح ينقل الانسان من نظام الحرف إلى نظام العهد الجديد. هو ينقلنا من عالم العبوديّة إلى حريّة أبناء تحوّلوا إلى صورة الابن الوحيد. أما عند يوحنا فالروح هو مبدأ الولادة الجديدة. هو ينقلنا من الظلمة إلى النور ويجعلنا ندرك سّر يسوع وشهادة الكتب... ينقلنا من الموت إلى الحياة فيصبح جسد المسيح ينبوع الروح الذي يعطي الحياة.
إن يسوع الناصري يقدّم لنا جدّة الحياة المسيحيّة: فالله الحيّ قد ظهر في الانسان. ولكن بشريّة الله ليست رجوعاً إلى الوراء بالنسبة إلى السّر الذي أوحيّ إلى موسى. ففي الابن الذي يتخلّى عن مجده ليلبس صورة العبد، تتمّ محبّة الآب الذي لا يريد موت ابنه بل حياته. والحوار الذي بدأ في العهد القديم بلغ ذروته مع يسوع إذ إنّ الابن الضال نفسه يستطيع أن يقول: أبّا، أيها الآب. بالابن الذي صار ينبوع حياة يفيض من أجل جماعة اخوته، أفيض الروح الذي أعلن عنه الأنبياء، أفيض في قلب الانسان: تحوّلنا بالروح على صورة الابن فاندفعنا نحو الآب ونحو اخوتنا بحبّ واحد.
صار المسيحيّ تلميذ يسوع، فحمل في ذاته صورة الاله غير المنظور. ولكنّه عرف أن صورة الله الآب والابن والروح القدس تبقى خفيّة وسريّة في يسوع إلى اليوم الذي يظهر فيه يسوع ويكون الله كلاّ في الكلّ.
الفصل الثاني
اسم الله

1- أسماء الآلهة عند الشعوب
الله هو أولُّ الأسماء التي تلفَّظ بها الانسان منذ قديم الزمان. عرفت بلاد الاشوريِّين الاله "أشور" الذي يهب القوَّة لجيوشها، وعرفت القبائل الساميّة المتوجّهة إلى الجزيرة العربية الإلاهة عشتار التي تقود خطاها، وعرفت مصر حورس الصَقْر الذي يحلِّق في العلاء فيحمي قبائلها من كلِّ شرّ. وسيطرَ في كنعان بَعْل الذي هو السيِّد والمالك والزوج، كما دعت فينيقية إله آلهتها: إيْل، فأشارت إلى قدرته في إعطاء الخير ومعاقبة الأشرار.
اسم الاله يدلُّ على ظهوره في الكون. وحين يعرف الانسان إلهه، يتعرَّف إليه ويدعوه ويناديه في أناشيده وصلواته.
هذه العواطف التي عمرت في قلب الانسان منذ بداية الكون، هي التي سنكتشفها في الكتاب المقدّس، في العهد القديم كما في العهد الجديد.
أ- اسم الله في العهد القديم
يَهوه أو الاله الذي هُوَ. حين دخل بنو اسرائيل إلى أرض كنعان، كان إلههم "بَعل" (هو 2: 18) "بعل العهد" (قض 9: 4). وسيسمّى ابن شاول "اشبعل" أي "إنسان بعل، رجل بعل" ونجد تيَّاراً موازياً يرفض أن يدعو الله باسم من الأسماء لئلا يحصره في عمل من الأعمال ويضع حدّاً لقدرته. إنّه إله الآباء، وهذا يكفي.
في أحد النصوص عن صراع يعقوب مع كائنٍ سرِّيّ يلتقي به عند مجاز وادي يَبُّوق (تك 32: 30)، حاول يعقوب أن يتعرّف إلى اسم مَنْ قاتله طوال الليل، ولكن عبثاً. وحين نال والد شمشون رؤية سماويّة في صَرْعَة، سأل: "ما اسمك حتى نستطيع أن نكرّمك حين تتمَّ كلمتك"؟ فجاءه الجواب: "لِمَ سؤالك عن اسمي، واسمي عجيب (أو سرّي)" (قض 13: 17- 18)؟
وحين ظهر الربُّ في علّيقة حوريب، سأله موسى عن اسمه، فجاء الجواب: "أنا الذي هو، أنا الكائن" (خر 3: 13- 14). قد يعني الجوابُ رفضاً من الربّ للإعلان عن اسمه. ولكنَّ وَحْيَ النصِّ يدلُّ على أنَّ الله أعطى اسمه إلى موسى، حين قال له: "هذا اسمي إلى الدهر، وبه تدعوني الأجيال المقبلة" (خر 3: 15). سيثقُ بنو إسرائيل بهذا المرسَل، لأنَّ يهوه (الاله الذي هو، الربّ) كشف عن نفسه لهم: إنَّه الكائن حقاً، إنَّه الموجود. أمّا سائر الآلهة، فلا وجود لها، كما سيقول الأنبياء.
"يهوه" هو اسم الاله بحروف أربعة. ولكنّ اليهود سيتخلّون عن هذا الاسم في القرن الأوّل قَبْل المسيح. لن يريدوا أن يتلفّظوا به، احتراماً وإجلالاً: فيكتبون "يهوه" ويلفظون "أدُونَاي" أو السيِّد والربّ. وهكذا ستسمّيه الكنيسة: "كِيرِيُوس" أي الربّ (راجع كيريالَيسُن، أي يا ربّ ارحم).
ولكن بانتظار هذا التحوّل، ستدعو القبائل العبرانيَّة الله: "يهوه": هتف بنو منسّى حين أطبقوا في الليل على مخيَّم المديانيّين في عين حرود: "ليهوه (للربّ) ولجدعون" (قض 7: 18). وفي شكيم، طلب يشوع من القبائل التزاما احتفالياً. قال: "أمًّا أنا وبيتي فنعبد الربّ". قالوا: "نحن أيضاً نعبد الربَّ لأنّه إلهنا. قال يشوع: "لا تستطيعون أن تعبدوا الربّ لأنّه إله قدُّوس" (يش 24: 15- 19).
ب- اسم الله وسط شعبه
اسم "يهوه" يذكِّر شعبه بالحرب والنصر، وتابوت العهد هو عرشه الذي رافق جيوشه. إنّه ربُّ الصباؤوت الجالس على الكروبيم (2 صم 6: 2).
ولقد ظلَّ هذا "التابوت" (صندوق يحوي لوحَي الوصايا العشر) يتنقّل من مكان إلى آخر إلى أن وجد له مقاماً ثابتاً في صهيون (إحدى تلال أورشليم وأقدسها). وقد نقل داود تابوت العهد إلى أورشليم، وجعل اسم الله يرفرف على هذه المدينة المقدَّسة. وسيُبنى الهيكل في أورشليم لئلا يبقى "التابوت" في خيمة (2 صم 7: 2). هناك سيجتمع الشعب، وهناك سيدعون باسم الربّ، والهيكل هو معبد وطنيُّ من أجل الاحتفالات الوطنيّة التي تقام باسم الله. والاسم الذي به يُدعى الله هو: الربُّ الذي يوجِّه مصير شعبه والذي يحمل إليهم البركة إن حافظوا على الأمانة، والشقاء إن خانوه. فهذا الاله لا يريد مؤمنيه عبيداً يخضعون له عن خوف أو آلة تُسيرَّ بيد آخر ولا حريّة لها.
الله هو الربّ على جبل صهيون، والقصر الملكيّ هو بجانب المعبد الوطنيّ. فالملك الذي مُسِحَ هو وكيل الربّ، ولأجله نصلّي قبل أن ينطلق إلى الحرب: "ليَستجِبْ لك الربّ في يوم الضيق" (مز: 20: 1). وإن عاد منتصراً، رفعوا معه آيات الشكر: "هلُّموا فانظروا أعمال الربّ" (مز 46: 9).
حين نُقل تابوت العهد، وصل الله في الغمام. قال: هيكل صهيون هو "البيت الذي فيه يقيم اسمي" (1 مل 8: 1- 13). هذا مع "أنّ السماوات وسماوات السماوات لا تَسَعُهُ"، فكيف هذا البيت الذي بناه سليمان (1 مل 8: 27).
لقد اختار الله، بنعمة علويَّة، مكاناً تتمُّ فيه الليتورجيّا باسمه وتُسمَعُ الصلاة الموجّهة إلى اسمه. فتنازل الربُّ القدير برحمته، وارتبط بمعبد ابن داود (سليمان)، بانتظار أن يأتي ابن داود (يسوع) في ملء الزمن (غل 4: 4) فيؤمِّن حضوراً متواصلاً لنعمته، يشبه ذاك الحضور ويختلف عنه. فإله العهد القديم هو إله العهد الجديد. ولكنَّ هيكل الحجر زال سنة 70 بعد المسيح على يد تيطس الروماني، فترك الربّ للمؤمنين هيكل جسد المسيح وكنيسته.
وانّ صلاة سليمان تعبرّ أفضل تعبير، عمًّا يعني هذا الحضور: حضور اسم الربّ في صهيون، هذا المكان الذي فيه تقيم سلطة الله الخيرِّة بالنسبة إلى المؤمنين الذين يرفعون إليه صلاتهم. قال سليمان: "نوى داود أبي أن يبني بيتاً لاسم الربّ، ولكنّ الربّ قال له: أنت لا تبني هذا البيت، بل ابنك الذي يخرج من صلبك هو يبني بيتاً لاسمي... إلتفتْ إلى صلاة عبدك، أيُّها الربُّ إلهيّ، واسمع الهتاف والصلاة اللذين أصلّي بهما أمامك. لتكن عيناك مفتوحين على هذا البيت الليل والنهار، على الموضع الذي قلت: يكون اسمي فيه. إسمَع الصلاة التي أصلّيها في هذا الموضع، واستجب تضَّرع عبدك وشعبك حين يصلّون في هذا الموضع. إسمَع أنت من موضع سكناك في السماء، إسمَع واغفِر" (1 مل 8: 17- 30).
ويعطي سليمان أمثلة عن الصلاة: المؤمن الذي يَخطأ ضدَّ قريبه، أو الذي قهره العدوّ، وضايقه القحط والجوع (1 مل 8: 31- 40). ويفتح قلبه فجأة على مستقبل مسيحاني: "والغريب الذي ليس من شعبك، إن جاء من أرض بعيدة من أجل اسمك (لقد سمع الناس باسمك العظيم ويدك القديرة وذراعك الممدودة)، إن جاء وصلّى في هذا البيت، فاسمع أنت من السماء من مكان سكناك. إستجب كلّ طلبات الغريب ليعرف جميع أمم الأرض اسمك" (1 ملوك 8: 41- 43).
وهكذا يُدعى الغريب إلى المشاركة في نعمة الاختيار الإلهي الذي أعطى البشريّة معبداً تستطيع أن تلتقي فيه بحضوره وتلجأ إلى قدرته. وسيأتي المؤمنون إلى الله في صهيون وينشدون أناشيد المراقي (يصعدون التلّة): "الذين يتّكلون على الربّ هم كجبل صهيون الغير المتزعزع، الثابت إلى الأبد. أورشليم، تحيط بها الجبال. هكذا يحيط الربُّ بشعبه من الآن وإلى الأبد" (مز 125: 1- 2). سيأتي بنو إسرائيل وسيأتي معهم كلُّ الذين عرفوا اسم الربِّ والموضع الذي يقيم فيه مجده.
ج- اسم الله وسط الأمم
خلال المنفى، سيفهم بنو إسرائيل أنَّ الله عرَّف نفسه إلى الأمم بشريعته وقضائه، بعدله وخلاصه: "أصغوا إليَّ أيُّها الشعوب واصيخوا لي أيّها الأمم. منِّي تخرج الشريعة، وحكمي يكون نوراً للشعوب، آتي فجأة بعدلي ويبرز خلاصي كالنور. ذراعي تحكم على الشعوب والأمم البعيدة (حرفياً الجزائر) تنتظرني وعلى ذراعي تعتمد" (أش 51: 4- 5).
سيَجتَمعُ الشعب المختار مع سائر الأمم في أمانة مشتركة. ستخرج كلمة الله من صهيون وتدعو الشعوب من أجل السلام: "وفي المستقبل من الأيام (أي أيّام المسيح) يوطَّد جبل بيت الربّ (أي جبل صهيون) على رؤوس الجبال، ويرتفع فوق التلال. تجري إليه جميع الأمم وينطلق شعوب كثيرون ويقولون: هلمّوا نصعد إلى جبل الربّ، إلى بيت إله يعقوب. إنّه يرينا طرقه فنسلك فيها. أجل، من صهيون تخرج الشريعة ومن أورشليم كلمة الربّ. يكون قاضياً بين الأمم وحَكَماً بين الشعوب الكثيرة. يضربون سيوفهم فيجعلونها سككاً، وحرابهم فيجعلونها مناجل. فلا ترفع أمَّة على أمَّة سيفاً ولا يتعلَّمون (يُتلمذون) الحرب من بعد" (أش 2: 1- 4). وهكذا لن يتنجّس اسم الربّ أمام الأمم التي يعيش بينها بنو اسرائيل (خر 20: 9، 22). وهكذا يعلم الجميع أنيّ أنا يهوه، أني الربّ (خر 20: 26).
ولكنهم لن يعودا يتلفَّظون باسم "يهوه". فقرار كورش (عز 6: 3- 12) يسمّيه "إله السماء" أو "الإله". وفي شعب اسرائيل يبرز خطر التلفُّظ باسم الله باطلاً أو كذباً (خر 20: 7). وقال أش 30: 27 أنّ اسم الربّ يأتي من بعيد (أي من العالم الوثنيّ) فيغربل الأمم.
وستكتشف النصوص نظرة جديدة شاملة، فتدعو الربّ أو إله اسرائيل ذلك الذي تجلَّى لابراهيم، ثمّ لموسى في العلّيقة المتّقدة، وسيحلّ آلوهيم أو الله محلَّ يهوه (ق مز 14 و53) بعد أن استعمل المؤمنون اسم يهوه من أجل "أعمال سحريّة". ثم بما أنّ يهوه هو اسم الاله الوطنيّ، فما عاد الشعب يتلفَّظ به يوم جاء يسوع الناصري إلى العالم.

2- اسم الله في العهد الجديد
أ- اسم يسوع
إذا عدنا إلى مت 1: 25، نعرف أنَّ يوسف أعطى المسيح اسم يسوع، مع أن النبوءة الواردة في مت 1: 23، تقول إنّه يُدعى عمَّانوئيل. وإذا عدنا إلى لو 1: 31، نسمع الملاك يقول لمريم: "تسمِّينه يسوع" أي المخلّص (مت 1: 21؛ لو 2: 11؛ أع 3: 16، 4: 12). وإذا عدنا إلى لو 2: 21، نعرف أن هذا الاسم أعطي لابن مريم حين خُتن (وهذا ما حدث ليوحنا المعمدان أيضاً (لو 1: 59- 63).
يُعطى الاسم للولد ساعة الولادة. وقد يُعطي لهم اسم آخر حين الختانة. هذا ما حدث لابراهيم الذي كان اسمه ابرام (تك 17: 4- 5). ويروي لنا لو: 59- 61 كيف تدخَّلت أمُّ المعمدان ليسمَّى ابنها يوحنّا لا زكريّا مثل أبيه، فدلَّت على حنان الله ورحمته. ودلَّ لوقا في خبر ختانة يسوع على انّ هذا الابن خضغ لشريعة موسى وبني اسرائيل، فأعطى النورَ للأمم. إنّه يسوع أي الربَّ الذي يخلّص، لأنَّه مخلّص جميع الشعوب (لو 2: 21- 39). نحن نعلم من خبر البشارة، أنّ يسوع ابن مريم هو ابن العليِّ وسينال عرش داود أبيه. وتبدو تقدمة يسوع (لو 2: 22- 38) مثل تقدمة اللاّويين (عد: 6- 22) الذين يخدمون في الهيكل. إذن تطهير يسوع يدلُّ على كهنوته وسيتعرَّف سمعان الشيخ إلى حضور ذلك الذي سيكون نور السلام.
ب- قدرة اسم يسوع
وسينعم بنو اسرائيل بقدرة اسم يسوع المخلّص قبل أن تصل هذه القدرة إلى الكون كلّه، وذلك خلال حياته العلنيَّة: أرسلَ تلاميذه فطردوا الشيّاطين (لو 10: 17) وأتمّوا المعجزات باسمه. وسيتوسّع هذا العمل بعد القيامة، كما يقول سفر الأعمال (3: 46؛ 4: 7- 12). "الآيات تصحب المؤمنين، باسمي يُخرجون الشيّاطين وينطقون بألسنة جديدة، ويأخذون الحيّات بأيديهم. وان شربوا سُمّاً مميتاً فلا يؤذيهم. ويضعون أيديهم على المرضى فيشفون" (مر 16: 17- 18).
هذا الاسم الإلهيّ، قد كشفه بطرس في قيصريّة فيلبّس. فاعتبر يسوع أنَّ وحياً من الله كشف له عن هذا الاسم. هنا نستشفّ عند كلّ من متّى ولوقا نظرة الابن إلى الآب، هذه النظرة التي تستبق كلّ أعماله: لا يعرف أحدٌ الآبَ إلاّ الابن ومَنْ يريد الابن أن يكشف له. فالابن هو الذي يتميَّز سبل الآب وطريقته في الكشف عن ذاته للصغار والبسطاء.
لن يتكلّم المسيح كثيراً عن الربّ (يهوه)، بل عن الله أو بالأحرى عن أبيه بعد أن كشف أبوَّته للبشر: "أبي هو أبوكم" (يو 20: 17).
هذا هو الاسم الذي يجعله في فم التلاميذ عندما يعلّمهم الصلاة: "أبانا الذي في السماوات"، هذه السموات التي جاء يقيم ملكها على الأرض. وموضع الطلبة الأولى في هذه الصلاة، هي إقامة مُلْكِ الآب وتقديس اسمه. ما معنى هذه العبارة؟ نعرف أنّ موسى وهارون سقطا خلال محنة البريّة فقال لهما الربّ: "لم تؤمنا بي ولم تقدِّسا اسمي أمام بني اسرائيلُ" (عد 20: 12). إنّهما لم يُظهرا قداسة الله بتصرِّفهما، فكان هذا التصرّف حاجزاً في كشف الله عن اسمه وقدرته في صنع العجائب. وسيقول حز 36: 20 عن الشعب بفم الله: "دخلوا بين الأمم فدنَّسوا اسمي القدّوس". ذهبوا إلى المنفى فاعتبروا أنَّ الله ضعيف ولا يقدر أن يخلّص شعبه. ولكنَّهم نسوا أنَّ الله هو سيِّد التاريخ. ولكن، بفضل الابن ستتمّ نبوءة أشعيا: "سيقدِّسون اسمي ويقدِّسون قدُّوس يعقوب، ويخافون إله اسرائيل" (أش 29: 23). ولكن المسيح عرَّفنا إلى أبيه كأبٍ عطوف ومحبّ، عرَّفنا إليه في طاعته البنويّة.
ج- اسم الربّ
انّ يسوع الناصريّ قد نال من الآب بآلامه وقيامته، اسماً يفوق كلَّ الأسماء. هذا هو نشيد الكنيسة الأولى، كما أورده القدِّيس بولس في الرسالة إلى أهل فيلبّي: "هو القائم في صورة الله، لم يعتدَّ مساواته لله حالة مختلَسة. بل لاشى ذاته آخذاً صورة عبد (عبد الله كما في أشعيا 53). صار شبيهاً بالبشر فوُجدَ كإنسان في الهيئة (وفي تصرّفه). ووضع نفسه وصار طائعاً حتى الموت، موت الصليب. لذلك رفعه الله جدَّاً وأنعم عليه بالاسم (اسم الربّ) الذي يفوق كلَّ اسم، لكي تجثو لاسم يسوع كلُّ ركبة في السماوات وعلى الأرض (حيث يقيم الاحياء) وتحت الارض (حيث يقيم الموتى)، ويعترف كلُّ لسانٍ بأَنَّ يسوع هو ربٌّ (كِيِريُوس) لمجد الله الآب" (فل 2: 6- 11).
أُعلِنَ يسوعُ ربَّاً، ونال اللقب الذي أعطاه شعبُ اسرائيل لله. فبقيامته القديرة (روم 1: 4)، اشتركتْ بشريَّة المسيح المنتصرة في مجد ومُلك الله الذي يسود على الأجيال. وهذا ما تقوله أف 1: 19- 21. يتحدَّت بولس الرسول عن مجد الآب الذي ينير عيون قارئيه ويفهمهم "ما هو لنا، نحن المؤمنين، من فرط عظمة قدرته المتجليّة في عزّة قوّته، التي بسطها في المسيح، إذ أنهضه من بين الأموات، وأجلسه عن يمينه في السماوات فوق كلّ رئاسة وسلطان وقوَّة وسيادة وفوق كلِّ اسم يسمَّى ليس في هذا الدهر فقط، بل في الدهر الآتي أيضاً.
فبالاسم والقدرة والسلطان التي نالها، صار المسيحُ فوق كلّ اسم وقدرة وسلطان في العالم. وستصوِّر الرسالة إلى العبرانيين مجدَ وقدرة المسيح الذي تقابله بالملائكة وأسمائهم، بهؤلاء الملائكة الذين هم قوى كونيّة خاضعة لعقل الخالق وقدرته. "فالابن الذي يضبط كلّ شيء بكلمته القديرة، وبعد أن طهَّرنا من خطايانا، جلَس عن يمين الجلال في الأعالي، فصار أعظَم من الملائكة بقدر ما الاسم الذي ورثه أفضل من أسمائهم" (عب 1: 3- 4). استعارت الرسالة إلى العبرانيين ألقاب المسيح. أمّا الرسالة إلى أهل أفسس فاختتمت النصَّ الذي قرأناه قائلة: "أخضعَ الله كلَّ شيء تحت قدميه (قدميَ يسوع)، وأقامه فوق كلِّ شيء رأساً للكنيسة التي هي جسده وكمال الذي يملأ كلَّ الكائنات" (أف 1: 22- 23).
لن نتوقَّف على البعد الدقيق لهذه الكلمات الأخيرة، بل نفهم أنَّ قمَّة كلِّ شيء في نظر المسيح، تقوم بأن يكون هو رأس هذا الجد الحيّ والعضوي الذي هو الكنيسة. تأسست الكنيسة على الرسل الذين فرحوا لأنَم اعتُبروا أهلاً لأنّ يتألّموا من أجل اسم المسيح (أع 5: 41). وامتدَّت الكنيسة إلى إقاصي الأرض بفضل المرسَلين "الذين انطلقوا من أجل الاسم، ولم يأخذوا من الأمم الوثنية شيئاً" (3 يو 7). وستشارك الكنيسة في الليتورجيّا السماويّة التي يتحدَّث عنها سفر الرؤيا (19: 5- 8).
المنتصر هو المسيح الذي ينال مع الجالس على العرش "الحمدَ والاكرام والمجد والجبروت إلى أبد الدهور" (رؤ 5: 13). هو الذي نال اسماُ جديداً يعطي اسماً جديداً لمؤمني كنيسة برغاموس: "مَنْ غلب، أعطيته المنّ الخفيّ وحصاةً بيضاءَ منقوشاً فيها اسمٌ جديد لا يعرفه إلاَّ الذي يناله" (رؤ 2: 17). وفي كلامه إلى كنيسة فيلادلفية: "سأجعل الغالبَ عموداً في هيكل إلهي، فلا يخرج منه أبداً. وأنقش فيه اسم إلهي واسم مدينة إلهي أورشليم الجديدة التي تنزل من السماء من عند الله، وأنقش اسمي الجديد" (رؤ 3: 12).

خاتمة
إنّ اسم الربّ الذي يحمله منذ الآن يسوع الناصريّ وابن داود، ينطبع في المؤمنين. فالمسيحيّ، بعد أن تعمَّد باسم يسوع، ينطبع إلى الأبد باسمه الجديد الذي يحمل الغلبَة. فالربّ الذي صنع سماوات جديدة وأرضاً جديدة، قد افتدى الانسان في كونٍ أراده مصالحاً مع الله يوم صلبه وقيامته وصعوده.
الفصل الثالث
مجد الله

يردِّد خبر التجلّي عند القدّيس لوقا مرّتين كلمة "مجد". فموسى وايليا تراءيا في المجد، والرسل شاهدوا يسوع "في مجده" (لو 9: 31- 32). وان غابت كلمة "مجد" من مت 17: 1- 9، فكلّ ما يحيط بهذا المقطع يدلّ على المجد. وهذا ما يُفهمنا إِياه القدّيس بطرس في رسالته الثانية: انّ ربّنا يسوع المسيح "نال من الله الآب إكراماً ومجداً حين جاءه من مجد الله تعالى صوت يقول: هذا هو ابني الحبيب الذي به رضيت" (2 بط 1: 17).
عن هذا المجد سنتحدّث في تطبيقه على الله. والمجد صفة الهيّة وعطيّة من لدنه تعالى إلى الخلائق لكي يعترف البشر بهذا المجد: إنهم يمجّدون الله.

1- مضمون كلمة مجد
نعود أولاً إلى أصول الكلمة، ثمّ نتوقّف عند استعمالها في نصوص العهد القديم.
أ- قدرة وشهرة
إذا رجعنا إلى الأصول، فكلمة "ك ب و د" العبريّة تعود إلى جذر "ك ب د" الذي يعني ثِقل. نحن إذاً، أمام شيء يفرض نفسه، يعطي الانسان ثقلاً. ومجد الفرد يَظهر في قدرته. حين أطلق يوسف اخوته إلى كنعان، أوصاهم: "أخبروا أبي بكلّ مجدي في مصر" (تك 45: 13) أي بكلّ قدرتي وسنطاني. وتصوِّر التوراة قدرة سليمان بهذه الكلمات: "وعظّم الربُّ سليمان جداً في عيون اسرائيل كلّه. وجعل عليه من مهابة الملك ما لم يكن على ملك من قبله في اسرائيل" (1 أخ 29: 25). ونحن نقرأ حاشية في سفر أشعيا تُشبِّه "مياه النهر (الفرات) العميقة والقويّة بملك اشور في كلّ مجده" (أش 8: 8). ويوجّه سفر دانيال هذا المديح إلى الملك نبوخذ نصر: "إليك يا ملك الملوك، أعطى الهُ السماء المُلكَ والسلطان والقدرة والمجد" (دا 2: 37).
إن رأى انسان قدير "نموَّ قرن مجده" (أي نمَت قدرته مع مجده) (مز 112: 9)، فالسبب يعود إلى غناه الكثير: فالمجد يقاس مراراً، بوفرة غنى الأرض. يقول الكاتب عن داود الذي دام ملكه طويلاً: "مات بشيبةٍ صالحة، وقد شبع من الأيام والغنى والمجد" (1 أخ 28: 29). وأمّا سليمان فلم يطلب من الربّ "لا الغنى ولا الثروة ولا المجد" (2 أخ 1: 11)، غير أنّ الربّ أعطاه ايّاها. كما حصل يوشافاط على "الغنى والمجد العظيم". وحين وازى مز 49: 17- 18 بين الموت والحياة قال: "لا تخف عندما يغتني الانسان وينمو مجد بيته. فعند موته لا يحمل شيئاً، ولا ينزل مجده معه". وأعلنت الحكمة المشخّصة: "معي الغنى والمجد" (أم 8: 18).
انّ الغنى يولّد الأبهة والعظمة. ولهذا تنطبق كلمة "ك ب و د" على السعة والوفرة. فالمزمور 21: 2- 7، يعد ملك اسرائيل ببركات خاصّة: "يا ربّ، قوّتك تفرح الملك... خلاصك يوليه مجداً عظيماً. تلقي عليه بهاء وجلالاً. تجعله بركات إلى الأبد (يكون عظيماً فيحمل البركة)، تُسِّرهُ سروراً أمام وجهك" (تفرحه بحضورك).
وتعني "ك ب و د" أيضاً الشهرة والاسم. فروح الربّ يقود الشعب المختار ليجعل لنفسه "اسم مجد بهيّ" (أش 63: 14). ويقول ابن سيراخ: "نسل الأبرار يدوم إلى الأبد، ومجدهم لا يبوخ" (44: 13) ويقول أيضاً: "فضائل الأبرار لا تزول، ومجدهم ينتقل إلى نسلهم" (45: 26). وسيُنشد الشعب ليهوديت بعد نصرها على أَلِيفانا: "أَنتِ مجد أورشليم! أَنتِ فخر اسرائيل! أَنتِ كرامة شعبنا" (يه 15: 10). وتابوت العهد (الذي هو عرش الله) هو "مجد اسرائيل" (1 صم 4: 22). وغابة الأرز (أي الأعمدة المصنوعة من خشب الأرز) هي "مجد لبنان" (أش 35: 2، 61: 13).
ب- البهاء والضياء
إنّ كلمة "ك ب و د" تشير مراراً، إلى البهاء والجمال. فصورة سمعان رئيس الكهنة تُبرز الطابع المضيء للمجد: "ما أَمجده محاطاً بشعبه عند خروجه من وراء الحجاب (الذي يفصل الاقدس عن قدس الأقداس). انه مثل نجمة الصبح بين الغمام، أو مثل البدر أيّام تمامه، أو مثل الشمس المشرقة على هيكل العليّ، أو مثل القوس (قوس قزح) المتلألئة بين غيوم المجد" (سي 50: 5- 7). فالتلميحات إلى "ثياب المجد" (أش 52: 1؛ سي 6: 32؛ 45: 7) التي تُلبس هارونَ "مجداً كاملاً"، أو إلى "مجد الزيتونة" (هو 14: 7)، ترتبط بجمال هؤلاء الأشخاص وبهائهم. فميزة البهاء والعظمة والجمال الجسديّ، نجدها أيضاً لدى أستير. قال الكاتب: "حين كفَّت عن الصلاة في اليوم الثالث، نزعت ثياب العبادة والصوم (أي المسح)، وتسربلت بكلّ مجدها (أي لبست ثياب المُلك). ولمّا سطعت جمالاً، ودت إلى الله الذي يرى (أو يرعى) الكلّ ويخلّصهم، وأخذت معها الوصيفتين" (اس د: 1- 2). وسنجد وجهة البهاء في "كابود" حين تقول استير لأحشويروش: "رأيتك يا سيِّدي، كأنك ملاك الله. فاضطّرب قلبي وخفت من مجدك" (اس د: 13).
وهكذا ففكرة "الوزن" (انسان له وزنه) التي تشكّل مدلول "ك ب و د" اتّخذت وجهتين. الأولى: الأهميّة والقيمة (الغنى، الكرامة). الثانية: الاشعاع والبهاء (الجمال، اللمعان المضيء). ونستطيع أن نقول إنَّ فكرة المجد تتضمّن عنصرين: القدرة والسلطان والاعتبار، وبروز هذه القدرة والسلطان.

2- المجد صفة الهيّة وعطيّة من الله
أ- المجد صفة الهيّة
سنجد في صورة مجد الله التوراتيّة هذين العنصرين. إذا نظرنا إلى مجد الله بصورة مطلقة، نجد القدرة والبهاء. وإذا نظرنا إلى هذا المجد بصورة نسبيّة، فهو يصل إلى الخلائق التي ترتبط بعلاقة حميمة مع الله.
أولاً: قدرة الله في الخلق وتاريخ الخلاص
تورد نصوص التوراة مجد الله بجانب فدرته. فالربّ يقسيّ قلب فرعون ويعلن لموسى: "أمجّد (أي أظهر مجدي) على حسابه (أي حين أُدمِّره) وعلى حساب جيشه كلّه. وهكذا يعرف المصريّون أنيّ أنا هو الربّ" (خر 14: 4). وفي البريّة أطعم الرب أخصّاءَه من السلوى والمنّ. توجّه موسى وهارون إلى جماعة بني اسرائيل بالكلمات التالية: "هذا المساء تعرفون أنّ الربّ أو الذي أخرجكم من أرض مصر، وفي الصباح ترون بعيونكم مجد الربّ" (خر 16: 7).
فمجد الربّ هو إظهار قدرته في أعمال الخلق العظيمة وفي تاريخ الخلاص. "السماوات تخبر بمجد الله والفلك يعلن أعمال يديه" (مز 19: 2). إنَّ "إله المجد" يظهر في العاصفة (مز 29: 3). "تعالى الربّ على جميع الأمم وفوق السماوات مجدُه" (مز 113: 4). "مجد النجم يجعل السماء جميلة. النجوم تزيِّن بنورها أعالي الربّ" (سي 43: 9). "قوس قزح تكون في السماء دائرة مجد، ويد العليّ شدّتها" (سي 43: 12).
وبجانب عجائب الخلق، تكون تدخّلات الله في تاريخ الخلاص إظهاراً لمجد الله. وبعد أن تشفّع موسى من أجل الشعب الخاطىء، سمع الله يقول له: "غفرت له كما قلت، ولكن ما دمت حيّاً وما دام مجدي يملأ الأرض كلّها، فكلّ هؤلاء الناس الذين رأوا مجدي (أي أعمالي المجيدة) والآيات التي صنعتها في مصر وفي البريّة، لن يروا الأرض التي وعدت آباءهم بها" (عد 14: 20- 21). وهكذا تصبح كلمة "مجد" مرادفة لكلمة "خلاص". قال المرتّل: "جميع ملوك الأرض يحمدونك، يا ربّ، لأنّهم سمعوا مواعيد فمك. يُنشدون طرق الربّ ويقولون: مجد الربّ عظيم" (مز 138: 4- 7). ويقول صاحب المزامير: "السماوات تحدّث ببرّه (أو انتصاره)، وكلّ شعوب ترى مجده" (مز 97: 6). فيبقى على بني اسرائيل الأتقياء أن يعلنوا خلاصه يوماً بعد يوم، أن يخبروا الوثنيّين بمجده وجميع الشعوب بعجائبه (مز 96: 2- 3). ويد مجده (يده المجيدة) (أش 63: 12) لم تفعل فقط في وقت الخروج، بل في كلّ مراحل الخلاص. فبالعودة من المنفى، "افتدى الربّ يعقوب وأظهر مجده في اسرائيل" (أش 44: 3). وفي نهاية الأزمنة، "سيخشى الوثنيّون اسم الربّ، وسيعرف جميع ملوك الأرض مجدك. حين يبني الربّ صهيون يتجلّى في مجده" (مز 102: 16- 17). وقال الربّ: "وهكذا أُظهر مجدي للوثنيّين فيرى كلّ الوثنيّين سلطاني حين أنفّذ أحكامي فيهم" (حز 39: 12).
كلّ عمل الخلاص يتلخّص في كشف مجد الله "لكلّ جسد" (أش 40: 5). ويقول الربّ: "سأجمع جميع الأمم وكلّ الألسنة فتأتي وترى مجدي" (أش 66: 18). وبانتظار هذا الظهور الأخير لمجد الله، تحتفل التوراة بمحبّة الله الرحيم: "لتحمدك يا ربّ جميع أعمالك. وليباركك أصفياؤك. ليحدّثوا عن مجد ملكوتك (ملكوتك المجيد)، وليخبروا بقدرتك" (مز 145: 10- 12).
مجد الله هو "اسمه" (أش 59: 19) أي كيانه الحميم. فهناك مرّات تدلّ لفظة "ك ب و د" على يهوه (الربّ) نفسه. ففي صلاته من أجل السلام، لا يتورّع المرتّل أن يقول: "خلاصه قريب من الذين يخافونه، والمجد (أي الربّ المجيد) سيسكن أرضنا" (مز 85: 10). ويقابل النبي ارميا بين يهوه والآلهة العاجزة: "إنَّ شعبي بدَّل مجده (أي الهه الربّ) بما لا فائدة فيه" (بما هو عاجز) (إر 2: 11). وإنّ يهوه يبدو في التوراة مثل "ملك المجد" (مز 24: 7- 10) الذي يجمع المعجزات من أجل شعبه، الذي يحمي مؤمنيه ويضع في خدمتهم حبّه وأمانته. وإنّ مجد الله يشدّد على الطابع الخلاصي لقدرة الله السامية. هذا ما يقوله داود في صلاته: "مبارك أنت، أيّها الرب، اله اسرائيل أبينا، من الأزل إلى الأبد. لك يا ربّ، العظمة والجبروت والجلال والبهاء والمهابة، لأنّ لك كلّ ما في السماء وعلى والأرض. ولك الملك، أيها الربّ، وقد ارتفعت على الجميع اطلاقاً. من لدنك الغنى والمجد، وأنت تسود الجميع، وفي يدك القدرة والجبروت، ويدك تعظّم كلّ شيء وتعزّزه. فالآن، يا الهنا، نحمدك ونسبّح اسمك الجليل" (1 أخ 29: 10- 13).
ثانياً: ظهور مضيء
حين نعود إلى لاهوت الدستور الكهنوتي وإلى حزقيال، نجد أنّ "كبود يهوه" أو مجد الربّ، يدلّ على ظاهرة مضيئة ترافق ظهور الربّ.
* في الدستور الكهنوتي
يقول المرجع الكهنوتي إنّ الله يسكن في السماء ولكنّه يتّصل بشعبه في خيمة الاجتماع: "ألتقي بني اسرائيل في هذا المكان الذي يقدّسه مجدي" (خر 29: 43). وفي وقت الظهورات، ينقل يهوه رغباته وأوامره لموسى وهارون. وحين اقتربت الجماعة ووقفت أمامَ الربّ، قال موسى: "هذا ما أمركم الربّ أن تعملوه ليظهر مجده لكم" (لا 9: 6). وبعد أن هيَّأ موسى وهارون المحرقة "تراءى مجد الربّ على كلّ الشعب. وخرجت نار من أمام الربّ فأكلت المحرقة والشحوم التي على المذبح. وحين رأى الشعب كلّ هذا، هتفوا هتاف الفرح وسقطوا بوجوههم إلى الأرض" (لا 9: 23- 24). وظهر مجد الربّ مراراً "في خيمة الاجتماع لبني اسرائيل" (عد 14: 10). وحين ثار قورح، تجمّع أصحابه عند مدخل خيمة الاجتماع. وحين جمع قورح بوجه موسى وهارون كلّ الجماعة، تجلّى مجد الربّ لكلّ الجماعة (عد 16: 19). وخرجت نار من الربّ فأحرقت المتمرِّدين (عد 16: 35). وفي الغد، غطّى الغمام (علامة حضور الربّ) خيمة الاجتماع وظهر مجد الربّ (عد 17: 7). وحين طلب الشعب ماء في البريّة، ترك موسى وهارون الجماعة وجاءا إلى مدخل خيمة الاجتماع. "سقط بوجهيهما إلى الأرض. فتجلّى لهما مجد الربّ" (عد 20: 6). وهكذا نرى أنه خلال الإقامة في البريّة، كانت الخيمة الموضع المكرّس الذي به يكشف الله عن ذاته بظاهرة مضيئة تصوّر بكلمة "كبود يهوه" (مجد الربّ): "غطّت الغمامة خيمة الاجتماع وملأ مجد الربّ المسكن". لم يستطع موسى أن يدخل إلى خيمة الاجتماع لأنّ الغمام حلّ عليه، "ولأنّ مجد الربّ ملأ المسكن" (خر 40: 32- 33). ظهر مجد الربّ "بشكل غمامة" (خر 16: 10) فشدّد على الطابع المنير. فخلال المسيرة في البريّة، "كان غمام الربّ على المسكن نهاراً، وكانت النار في الغمام ليلاً، على مشهد جميع بيت اسرائيل" (خر 40: 38).
إنّ الظهور المضيء لإله اسرائيل في البريّة، يعيدنا إلى وحي سيناء المهيب. فحين صعد موسى الجبل المقدّس، "غطّى الغمام الجبل وأقام مجد الله على جبل سيناء الذي غطّته الغمامة ستّة أيام. وفي اليوم السابع نادى الربّ موسى في وسط الغمام. وكان منظر مجد الربّ كنار آكلة في رأس الجبل أمام عيون بني اسرائيل" (خر 24: 15- 17). هي ظاهرة مضيئة، وقد تكون ثورة بركان أو عاصفة رمليّة. ولكن جمال المشهد انطبع في ذاكرة بني اسرائيل. وقد جعل سفر التثنية في فم موسى الكلمات التالية: "فلما سمعتم الصوت (صوت الربّ) من وسط الظلام، والجبل يشتعل بالنار، تقدّمتم إليّ، أنتم وجميع رؤساء أسباطكم وشيوخكم فقلتم: هوذا قد أرانا الربّ الهنا مجده وعظمته وقد سمعنا صوته من وسط النار... قد تأكلنا هذه النار العظيمة" (تث 5: 23- 25).
* حزقيال
تقترب نظرة حزقيال اللاهوتيّة إلى "كبود يهوه" من نظرة المرجع الكهنوتي. ففي رؤية "مركبة الربّ"، يشاهد النبيّ خيالاً بشرياً منيراً: "رأيت شيئاً كالنار، والضياء من حولها... هذا منظر يشبه مجد الربّ" (حز 1: 27- 28). ومجد الله هذا حاضر في "موضع إقامته" (حز 3: 12)، بشكل ظاهرة مضيئة: "فصعد مجد اله اسرائيل عن الكروب الذي كان عليه إلى عتبة الهيكل" (حز 9: 3). "وامتلأ الفناء من ضياء مجد الربّ" (حز 10: 4). إنّ مجد الله هو جامد (حز 8: 4) "ولكنّه يتحرّك مراراً على أجنحة الكروبيم" (حز 10: 18- 19): "ثم رفع الكروبيم أجنحتهم وتحرّكت الدواليب ومجد إله اسرائيل عليهم من فوق. وارتفع مجد الربّ ليخرج من المدينة ووقف على الجبل الذي عن شرق المدينة" (حز 11: 22- 23). ومن الشرق، عاد مجد الربّ إلى الهيكل: "فإذا بمجد الرب أتى من جهة الشرق... دخل مجد الربّ إلى الهيكل من الباب المتّجه نحو الشرق فحملني الروح وأدخلي الدار الداخليّة، فإذا بمجد الربّ قد ملأ الهيكل" (حز 43: 2- 4). ففي رؤية حزقيال لا يسكن "كبود يهوه" السماء، بل الهيكل. كما أنّه في النظرة الكهنوتيّة يحضر الربّ بصورة متقطّعة في خيمة الاجتماع.
* في سفر الملوك والأخبار
هذه النظرة سنجدها أيضاً في أسفار الملوك والأخبار.
حين نقل سليمان تابوت العهد إلى المعبد الذي شيّده، بدا الله وكأنه يضع يده على مكان العبادة هذا: "ولما خرج الكهنة من القدس، ملأ الغمام (الظاهرة المحسوسة لحضور الربّ) بين الربّ. فلم يستطع الكهنة أن يقفوا للخدمة بسبب الغمام، لأن مجدَ الربّ ملأ هيكل الربّ. حينئذٍ قال سليمان: "قرّر الربّ أن يسكن في الغمام المظلم. أجل، بنيتُ لك مسكناً بهياً، مسكناً تقيم فيه إلى الأبد" (1 مل 8: 10- 13)
"ولمّا أتمّ سليمان الصلاة، نزلت النار من السماء وأكلت المحرقة والذبائح وملأ مجد الربّ الهيكل. فلم يستطع الكهنة أن يدخلوا هيكل الربّ، لأنّ مجد الربّ ملأ بيت الربّ. وكان جميع بني اسرائيل يعاينون نزول النار ومجد الربّ على البيت فجثوا ووجوههم إلى الأرض على البلاط" (2 أخ 7: 1- 3).
وسنجد صدى آخر لما قالته أسفار الملوك والأنبياء في 2 مك 2: 7- 10. نحن أمام خبر يروي أنّ ارميا أخفى في مكان مجهول الخيمة وتابوت العهد ومذبح البخور: "إنّ هذا المكان سيبقى مجهولاً، إلى أن يجمع الله شمل شعبه ويرحمهم. وحينئذٍ يُظهر الربّ هذه الأشياء، ويظهر مجد الربّ والغمام، كما ظهر في أيام موسى (وكما ظهر) حين سأل سليمان أن يقدّس المكان تقديساً بهياً... كما أن موسى دعا الربّ فنزلت النار من السماء، كذلك دعا سليمان فنزلت النار من السماء وأفنت المحرقات".
ب- المجد عطيّة الله للخلائق
إذا كان "كبود يهوه" يعبرّ عن عظمة الله المخيفة التي لا يصل إليها بشر، فهو أيضاً عطيّة الله للخلائق. فمجد الله لا يشكّل امتلاكاً عقيماً لكائن سامٍ، فكل الأرض تشارك الله في مجده وفي عظمته. وهكذا يصبح "مجد الله" ينبوع خلاص لأنه أساس كلّ مجد. يقول المرتّل: "أنت يا ربّ ترس يحيط بي، أنت مجدي" (مز 3: 4). الربّ "يعطي النعمة والمجد" (مز 48: 12) ويفيض بهاء مجد ملكه على الطبيعة المخلوقة وعلى شعبه.
أولاً: على الطبيعة
ستمتلىء الأرض كلّها "من معرفة مجد الربّ" (حب 2: 14). لسنا هنا فقط أمام معرفة عقليّة، بل أمام اختبار حميم يتكرّس فيه الكون بمشاركته في مجد الربّ: "ارتفع يا الله على السماوات! فمجدك هو على كل الأرض" (مز 57: 6). الخليقة هي عمل الخلاص الحقيقي، هي "برّ" وانتصار: "السماوات تعلن برّه (أو انتصاره)، وكل الشعوب ترى مجده" (أو أعماله المجيدة) (مز 97: 6). "قدّوس، قدّوس، قدّوس هو الربّ الصباؤوت (أو ربّ الأكوان). ملأ مجده كل الأرض" (أش 6: 3). يظهر الربّ في تيوفانيا مضيئة. وإذ يحجب جلاله السماوات، "تمتلىء الأرض من مجده" (حب 3: 3). ويهتف المرتّل: "ليكن مجد الربّ إلى الأبد، ليفرح الربّ بأعماله" (مز 104: 31). ويذكر ابن سيراخ أعمال الربّ: "بأقوال الرب كانت أعماله، والخليقة تطيع مشيئته. الشمس المنيرة تنظر إلى كلّ شيء، وعمل الربّ مملوء من مجده. لم يُؤتِ الربّ قديسيه أن يخبروا بجميع عجائبه التي أثبتها الربّ القدير لكي يثبت الكون في مجده" (سي 42: 15- 17).
ثانياً: على الشعب المختار
"الربّ خلق مجداً وافراً" (سي 44: 2) من أجل أخصّائه. "فالمجد الذي يأتي من الربّ" يرتبط أولاً بكلّ الشعب الذي اختاره. قال أشعيا بفم الربّ: "إنيّ لأجل صهيون لا أسكت ولأجل أورشليم لا أهدأ حتى يخرج. كضياء برّها وكمشعل متّقد خلاصها. فترى الأمم برّك (يا أورشليم)، وجميع الملوك مجدك، وتُدعين باسم جديد يُعيِّنه فم الربّ. وتكونين اكليلاً بهياً في يد الربّ وتاجاً ملكياً في يد الله" (أش 62: 1- 3). ويعلن المرتّل: "طوبى للشعب الذي يعرف الهتاف، يا ربّ، بنور وجهك يسيرون. باسمك طوال النهار يبتهجون، ويبرّك يفتخرون، لأنك أنت بهاء عزّتهم. برضاك ترفع رأسنا لأن الربّ ترسنا" (مز 89: 16- 19).
بما أن الربّ يزيِّن أخصّاءه بالخلاص، فأخصّاؤه يبتهجون بالمجد... ليكن المجد لجميع أصفيائه (مز 149: 5- 9). وسينشد أنبياء المنفى وعد الربّ. قالت أشعيا الثاني: إسمعوا لي أيها الجبناء والبعيدون عن الغلبة: أجعل نصري قريباً فلا يكون بعيداً ولا يبطىء خلاصي. أجعل في صهيون الخلاص ويكون بهائي لاسرائيل" (أش 46: 13). وأنشد أشعيا الثالث "نداء المجد" و"دِرّة التعزية" التي بها "تقيت أورشليم كلّ الذين يحبّونها" (أش 66: 11- 12). أمّا باروك فينتظر نعم الربّ التي هي انعكاس مجده: "تشجّعوا با بنيّ واصرخوا إلى الله فينقذكم من تسلّط الأعداء ومن أيديهم. فأنّي قد رجوتُ من الأزلي خلاصكم. أنا في فرح من القدّوس، الرحمة التي ستأتيكم عمّا قليل من عند الأزلي مخلّصكم. ودّعتكم بحزن وبكاء، لكنّ الله سيردّكم إليّ إلى الأبد بالفرح والابتهاج. فكما ترى جارات صهيون حياتكم في الأسر، هكذا سترى عمّا قليل الخلاص من عند الهكم. إنّه سيوافيكم في مجده الأزلي العظيم وبهائه" (با 4: 21- 24).
ويتابع باروك (5: 1- 9): "إخلعي يا أورشليم، ثوب الحزن والشقاء، والبسي إلى الأبد جمال مجد الله. تسربلي برداء برّ الله، واجعلي على رأسك تاج مجد الأزلي. فإنّ الله سيُظهر سناك لكلّ ما تحت السماء. والاسم الذي يعطيك الله إلى الأبد هو: سلام البرّ (أو الخلاص) ومجد التقوى (أو الأمانة)... فالربّ قد عزم أن يُخفض كلّ جبل عال والتلال الخالدة، وأن تُردَم الأودية لتمهيد الأرض ليسير اسرائيل بأمان في مجد الله... لأن الله سيَهدي اسرائيل بسرور في نور مجده فيرافقه بالرحمة والبرّ اللذين من عنده".
ثالثاً: على الأبرار والمميَّزين والأمم
وفي داخل صهيون التي هي "عرش مجد الربّ" (ار 14: 21)، موضع مجده القدّوس (سي 36: 13) سيشارك عظماء الشعب والأبرار في مجد الربّ الفائض على الشعب. فابن سيراخ يدعو موسى "محبوب الله والناس". منحه الربّ "مجداً كمجد القدّيسين... مجَّده أمام الملوك. أعطاه وصايا من أجل شعبه وأراه شيئاً من مجده" (سي 45: 1- 3).
وافتخر هارون بإنعام الله الذي "جعله سعيداً في لباسه البهيّ وسربله بحلّة مجيدة. ألبسه مجداً كاملاً وزيَّنه بشارات غنيَّة... وزاد هارونَ مجداً" (سي 45: 7- 8، 20). وسيتغذّى الأبرار من أفكار المرتّل المليئة ثقة بالله: "في الله وحده ارتاحي يا نفسي، فمنه رجائي. هو وحده صخرتي وخلاصي، هو حصني فلا أتزعزع. عند الله خلاصي ومجدي وفي والله صخرة عزّي ومعتصمي" (مز 62: 6- 8). "يمتلىء فمي من تسبيحك (يا ربّ)، فيمتلىء النهار كلّه من بهائك" (مز 71: 8). "أنا معك في كلّ حين. تمسكني بيدك اليمنى. بمشورتك تهديني، ثمّ تأخذني في المجد" (مز 73: 23- 24).
والأمم الوثنية نفسها سترى ظهور مجد الربّ: "سأجمع كلّ الأمم والألسنة. يأتون فيرون مجدي. أعطيهم علامة وأرسل بقيّة الناجين منهم إلى الأمم التي لم تسمع باسمي ولم ترَ مجدي. فينادون بمجدي بين الأمم" (أش 66: 18- 19).

3- البشر يمجّدون الله
أمام مجد الله الظاهر، لا يبقى للمؤمن إلاّ أن يمجّد الله لخلاصه. "من يتعب من مشاهدة مجدك، (سي 24: 15). لا شكّ في أنّ الانسان لا يقدر أن يعطي شيئاً لله، ولكنّه يرغب في أعماق قلبه، أن يعلن أنّ الله يملك مجداً يفيضه على الكون وعلى أخصّائه.
أ- أناشيد الحمد
حين يشير أشعيا الثالث إلى أورشليم التي تصير "مجداً في وسط الأرض" (أش 62: 7)، فهو يتطلّع إلى المديح من أجل نعم الربّ. فالشعب المختار وعى دوره كوسيط بين الله والأمم، بين الله والأرض. والكتاب الثاني في سفر المزامير ينتهي بهذه العبارة: "مبارك الربّ اله اسرائيل الذي يصنع وحده العجائب. مبارك إلى الأبد اسمه المجيد. لتمتلىء الأرض كلّها من مجده" (مز 72: 18- 19). وسيصلّي ابن سيراخ من أجل خلاص اسرائيل واعادة بنائه فيطلب من "سيّد الكون" (سي 36: 1) قائلاً: "أيها الربّ، إرحم الشعب الذي دُعي باسمك... أشفق على مدينتك المقدّسة أورشليم، موضع راحتك. إملأ صهيون من مدائحك، وهياكلك من مجدك" (سي 36: 11- 13).
ويمتدح الشعب "إله المجد" (مز 29: 3) بالعمل الليتورجي في الهيكل: "قدّموا للربّ يا أبناء الله، قدّموا للربّ مجداً وعزّة، قدّموا للربّ مجد اسمه، أعبدوا الربّ في دياره المقدّسة" (مز 29: 1- 2). فليتورجية هيكل أررشليم هي صدى مدائح الملائكة في السماء: "وفي هيكله كلّ واحد يصرخ: المجد لك يا الله" (مز 29: 9). وإن سفر المزامير مليء بالدعوة إلى المديح: "اهتفوا لله، يا أهل الأرض جميعاً، أنشدوا لمجد اسمه، وارفعوا إليه تسبيحاً مجيداً. قولوا لله: ما أرهب أعمالك... أيها الشعوب، باركوا الهنا وأسمعوا صوت تسبيحه" (مز 66: 1- 3، 8).
ب- أناشيد الوضعاء والخطأة
يرافق الله مجدُه وبهاؤه فيجعل عزّته وبهجته تملكان في معبده (1 أخ 16: 26- 27). ولكن البشر لا يقدرون أن يمدحوه مديحاً لائقاً، بل هو الله يدفعهم إلى المديح. إنّ أساس المديح هو "الفقر الروحي" الذي ينتظر كلّ شيء من مراحم الله. يقول با 2: 16- 18: "أيها الربّ، أنظر من مسكنك المقدّس وفكّر فينا. أمل أيها الربّ أذنك وأسمع. إفتح عينيك وانظر... ليس الأموات يعترفون بمجدك وبرّك، بل النفس الكئيبة، بل ذاك الذي يمشي منحنياً (بالتوبة) ضعيفاً. العيون الكليلة والنفس الجائعة هي التي تعترف لك بالمجد والبرّ".
إذا كان الله لا يعطي مجده لآخر (أش 42: 8)، فلأنه وحده الاله البارُّ والمخلّص. لهذا فهو يرضى بالصلاة المتواضعة التي يرفعها إليه المرتّل: "لا لنا يا ربّ لا لنا، لكن لاسمك أعطِ المجد" (مز 115: 1). والشعب سيكون "اسم الربّ كرامته ومجده" (إر 13: 11)، إن تعلّم من إرميا أن يرفع المجد للربّ إلهنا (إر 13: 16). ويرضى الربّ عن صلاة الخاطىء التائب: "أعنّا يا إله خلاصنا، من أجل مجد اسمك. إغفر يا ربّ خطايانا. خلّصنا من أجل اسمك" (مز 79: 9). بما أن كلّ الذين يحملون اسم الربّ "خلقوا لمجده" (أش 43: 7)، فعليهم أن يعلنوا بلا انقطاع كلمات المجد (سي 47: 8). وهنا نفهم معنى بعض المدائح: "مبارك أنت، أيها الربّ الهنا، من الأزل إلى الأبد. ليبارك اسمك المجيد الذي يعلو كلّ بركة ومديح" (نح 9: 5). "يا كلّ أعمال الربّ، باركوا الربّ. له المجد السامي والمديح الأزلي" (دا 3: 57). "وليعرف الجميع أنك وحدك الله والربّ، أنك المجيد في الدنيا كلّها" (دا 3: 45).

خاتمة
هذا هو مجد الله. إنه قدرة وعزّة. إنه بهاء وضياء. يتجلّى عبر النار والغمام، ويظهر في خيمة الاجتماع وفي هيكل أورشليم، بل يرافق المؤمنين الذاهبين في طريق المنفى. هذا المجد تجلّى أخيراً بكلّ كماله في شخص يسوع المسيح الذي هو ضياء مجد الله وصورة جوهره (عب 1: 3). وعنه قال يوحنا: "رأينا مجده، المجد الذي له من الآب" (يو 1: 14). هذا المجد تجلّى لمحة للرسل على الجبل، بانتظار أن يتجلّى في كل بهائه يوم القيامة فيُحدث زلزلة عظيمة تجعل الحرّاس يرتعدون خوفاً ويضحون كالأموات (مت 28: 2- 4). هذا المجد نعيشه في الكنيسة بصورة خفيّة، بانتظار أن نراه يرافق يسوع العائد إلينا بمجد عظيم ليدين الأحياء والأموات، الذي لا فناء لمكه.
الفصل الرابع
ملكوت الله

1- مقدّمة
حين قدَّم يسوع مثل التينة قال: "إعلموا انَّ ملكوت الله قريب" (لو 21: 31). إنَّ هذا القرب يشكّل إحدى الافكار الرئيسية في الكتاب المقدّس.
ففي نظر المسيح، تشكّل حقيقة "الملكوت" الدينيّة النواة المركزيّة في البشارة بالانجيل الذي سيُعلن في العالم كلّه شهادة ليسوع عند الأمم كلها (مت 24: 14). ويصوّرها يسوع بهذه الكلمات: "تمّ الزمان واقترب ملكوت الله، فتوبوا وآمنوا بالانجيل" (مر 1: 15).
وواصل المرسلون الأوّلون كرازة المسيح، فأعلن فيلبُّس "انجيل ملكوت الله واسم يسوع المسيح" (أع 8: 12). وتتلخّص كلّ رسالة بولس في هذه العبارة اللافتة: "كان يشهد لملكوت الله ويحاول ان يقنعهم برسالة يسوع المسيح استناداً إلى شريعة موسى والأنبياء" (أع 18: 23).
موضوع الملكوت يرد في العهد القديم. نقرأ مثلاً، في نشيد موسى بعد الخروج: "الربّ يملك إلى الدهر والأبد" (خر 15: 18). وسيتواصل هذا الهتاف في كلّ الليتورجيّات اليهوديّة فيهتف المؤرّخ: "لتبتهج السماوات ولتتهلّل الارض وليقولوا في الأمم: الربّ ملك" (1 أخ 16: 31).
فعبارة "ملكوت الله" تصوّر عمل الله الخلاصي في العالم وكأنه ممارسة سلطانه الملوكي. فالتوراة تعلن في كل صفحاتها أنّ الله يتجلبب بالكرامة الملوكيّة: "تعترف لك يا ربّ كلّ صنائعك، وليباركك اصفياؤك. يحدّثون بمجد ملكك ويتكلّمون عن جبروتك كي يعرّفوا البشر ببهاء مجد ملكك. ملكوتك ملكوت للدهور وسلطانك إلى جيل فجيل" (مز 145: 10- 13).
نحن أمام ملكوت خلاصيّ يفعل دائماً في كلّ مخلوقاته، ويدعو أصدقاء الله إلى الاعجاب ورفع آيات الشكر. والملكوت قريب من وجهين: نحسّ بالله كملك قريب يحيط أحبّاءه بكلّ عناية وفي كلّ مكان. ويدلّنا طوراً يقين الايمان على ملك سيأتي وقد أطلّ علينا منذ الآن. عرف شعب الله في العهد القديم ربّ ملكوت الله وحياته اليومية كما عرف ملكاً مسكونياً ومتسامياً سيظهر بقوّة في نهاية الازمنة. ونظر العهد الجديد إلى تحقيق ملكوت الله في زمنين: هنا، في الحياة المسيحية اليومية، وفي الآخرة، وسط بهاء العالم الأزلي.

2- في العهد القديم
أ- وجهتان لملكوت الله
إذا تفحّصنا نصوص التوراة التي تتحدّث عن ملكوت الله نجد وجهتين أساسيّتين في هذه الكرامة الملوكية. من جهة، الله هو الملك في معنى مطلق ومتسام وكوني. إليه ترتفع أناشيد العبادة وله يحقّ السجود. ومن جهة ثانية، يبدو الله ملكاً في معنى نسبيّ واجتماعي. إنه ربّ العهد والميثاق، وهو يحمي أبناء شعبه ويتراءى لهم كالملك المخلّص.
نجد الوجهة الأولى خاصةً في رواية أشعيا التي تدشن رسالته في الهيكل. الربّ جالس على عرشه. الربّ الصباؤوت أو ربّ الاكوان، هو ملك يسجد له السرافيم ويهتف الواحد إلى الآخر قائلاً: "قدّوس، قدّوس، قدّوس، الربّ الصباؤوت" (أش 6: 1- 3). ونجدها أيضاً في المزامير. "إرتفعي أيّتها الابواب الأزلية ليدخل ملك المجد. مَن هو ملك المجد هذا؟ الربّ الصباؤوت هو ملك المجد" (مز 24: 9- 10). "أعظّمك يا الهي الملك، وأبارك اسمك مدى الدهر وإلى الأبد. أباركك في كلّ يوم، وأهلّل لاسمك مدى الدهر وإلى الأبد" (مز 145: 1- 2).
العهد واحد، والله واحد. وسلطانه يمتدّ على الأرض كلّها. لهذا يُدعى الوثنيّون أنفسهم لكي ينضمّوا إلى بني اسرائيل لينشدوا عظمة الله. "اجتمع أمراء الشعوب إلى شعر إله ابراهيم وأعلنوا: لله الأرض وهو متعالٍ جداً" (مز 47: 10). "تتذكّر الأرض كلّها الربّ وتعود إليه. كلّ عشائر الأمم تسجد أمامه وتقول: للرب المُلك، المُلك لسيّد الأمم" (مز 22: 28- 29). الله ملك فوق جميع الآلهة (مز 95: 3) وهو يملك على الدهور.
والوجهة النسبيّة لهذا الملكوت تبدو في تأثير الله الخلاصي، في علاقاته مع شعبه. فالله هو إله يعقوب (أش 41: 21) وإله اسرائيل (أش 44: 6). "فأنا الربّ قدّوسك وخالق اسرائيل ملكك" (أش 43: 15).
يتضمّن ملكوت الله السلام وملء كلّ الخيرات. والذين يبشرّون بالسلام يقولون: الهك يملك (أش 52: 7). فالمدلول الخلاصي واضح جداً. يكشف الربّ عن نفسه كمَلك على شعبه فيعطيه السلام والسعادة والخلاص. ولهذا ينشد الشعب: "أنشدوا للربّ نشيداً جديداً، تسبحته في جماعة أخصّائه. ليفرح اسرائيل بخالقه، وليبتهج بنو صهيون بملكهم. فالربّ يرضى عن الشعب، ويهيّىء الخلاص للمتواضعين" (مز 149: 1- 5).
يتأسّس ملكوت الله الحالّي على تدخّل الله في مسيرة تاريخ الخلاص. وهذا ما دفع النبيّ صفنيا (3: 14- 15) إلى أن يهتف: "اهتفي هتاف الفرح يا ابنة (مدينة، شعب) صهيون. إفرحي وتهلّلي بكلّ قلبك يا بنت أورشليم، فالربّ ملك اسرائيل هو في وسطك فلا تخافي السوء".

2- ملكوت الربّ والاسكاتولوجيا
يرتبط الملكوت مراراً بالأزمنة الاسكاتولوجيّة. إذا كان الربّ ملكاً، فسلطانه الملوكي يضمّ بالضرورة الماضي إلى الحاضر والمستقبل. وتذكّرُ كرم يَهوَه في الماضي (الخلق والتدخّل في تاريخ الخلاص)، يقود إلى ثقة لا حدود لها في ممارسة هذا السلطان الخلاصي في الزمن الاسكاتولوجي. إذن، هناك تواصل بين الحاضر ومُلك يَهوَه في نهاية الأزمنة. "في ذلك اليوم يملك الربّ عليهم، على المشتّتين الذين عادوا فاجتمعوا في صهيون. يملك في جبل صهيون من الآن وإلى الأبد" (مي 4: 6- 7). ويتصوّر زكريا (14: 6- 9) ملكوت الله بشكل كونيّ: "في ذلك اليوم لا يكون نور بل برد وجليد. سيكون يوماً عجيباً يعرفه الله، لا يتعاقب فيه الليل والنهار بل يكون في وقت المساء نور. في ذلك اليوم تخرج المياه الحيّة من أورشليم، نصفها إلى البحر الشرقي (البحر الميت) ونصفها إلى البحر الغربي (البحر المتوسط). وتبقى حيّة، صيفاً وشتاءً. ويكون يَهوَه مَلكاً على الأرض كلّها. في ذلك اليوم يكون ربّ واحد واسمه واحد". ويقول أشعيا (24: 23): "يحمّر القمر خجلاً وتستحي الشمس، لأنّ الله صار مَلكاً على جبل صهيون في أورشليم، فيشبه مجده أمام الشيوخ".
ويتلخّص كلّ التعليم عن ملكوت الله في العهد القديم، في مزامير الملك حيث نقرأ: إن "الربّ ملك" (مز 93: 1؛ 96: 10؛ 99: 1). وهذه العبارة تلقّت ثلاثة تفاسير. الأول، التفسير التاريخي: يرى في هذا الهتاف تعبيراً إيمانياً عن حماية الله الملوكيّة المتواصلة والتي يحسّ بها الشعب في مناسبة محدّدة. الثاني، التفسير الاسكاتولوجي: يرى في هذه العبارة موضوع ايمان لا يتحقّق تحقّقاً كلياً إلاّ في نهاية الأزمنة، وحين تتمّ أحكام الله (مز 97: 8). الثالث، التفسير العبادي: ترتبط مزامير الملك بتجديد سنويّ للعهد ولاءً لملك يهوه الذي يتحقّق في الليتورجيّا: في عيد تنصيب الله ملكاً، "اعزفوا لالهنا اعزفوا. اعزفوا لملكنا اعزفوا، انه ملك كلّ الأرض: اعزفوا لله بما يوافق المقام" (مز 47: 7- 8). "أشيدوا للربّ بالكنارة وأصوات الآلات. اهتفوا بصوت البوق أمام الربّ الملك" (مز 89: 5- 6).

3- الأناجيل الازائية
إن ملكوت الله يشكّل لدى متّى ومرقس ولوقا الفكرة المركزيّة في كرازة يوحنّا المعمدان ويسوع. فيُجمل متّى تعليم السابق بهذه الكلمات: "توبوا لأن ملكوت الله قريب. (3: 2). ويقدّم يسوع بدوره التعليم عينه: "توبوا، لأن ملكوت الله اقترب" (مت 4: 17). أما عبارة مرقس فموسّعة: إنّ الأنجيل الذي يكرز به يسوع يعلن أنّ الزمان قد تمّ وأنّ ملكوت الله قريب جداً (مر 1: 14- 15). وعلى التلاميذ أن يقولوا في مهمّتهم الرسوليّة: "ملكوت الله قريب منكم" (لو 10: 9- 11).
أ- المضمون الاسكاتولوجي
إن ملكوت الله يقابل "الحياة الأبديّة" في هذا الإطار الاسكاتولوجي المتعالي. ففي الدينونة الأخيرة، يكون المسيح في ملء سلطانه، فيجعل الخراف عن يمينه والجداء عن يساره. حينئذٍ يقول الملك للذين عن يمينه: "تعالوا يا مباركي أبي، رثوا الملكوت المعدّ لكم منذ إنشاء العالم" (مت 25: 33- 34). فيذهب هؤلاء إلى "الحياة الأبديّة" (آ 46) المعدّة للأبرار. وفي الخطبة عن الشكوك يورد مرقس كلمة يسوع. "إذا شكّكتك عينك (كانت سبب خطيئة لك، جعلتك تعثر) فاقلعها. "خير لك أن تدخل أعور إلى ملكوت الله من أن تُلقى في جهنّم مع عينيك الاثنتين". (مر 9: 47). وكان مرقس قد قال الشيء عينه عن اليد (آ 43) والرجل (آ 45): "خير لك أن تدخل الحياة ولك رجل واحدة من أن تكون لك رجلان وترمى في جهنّم". وسأل الشابّ الغنيّ يسوع: "أيهّا المعلّم الصالح، ماذا أعمل لأرث الحياة الأبدية"؟ وبعد ذهاب هذا الشاب، قال يسوع لتلاميذه: "كم يصعب الدخول إلى ملكوت الله" (مر 10: 17- 24).
ويصوّر هذا المُلك الاسكاتولوجي مراراً بشكل وليمة: "سيأتون من المشرق والمغرب ويتّكئون مع ابراهيم واسحق ويعقوب في ملكوت السماوات" (مت 8: 11). وخلال العشاء السريّ، أعلن يسوع لرسله أنّ "الفصح سيتمّ في ملكوت الله" (لو 22: 16): "أنتم ثبتّم معي في محنتي. وأنا أعطيكم الملكوت كما أعطاني أبي، فتأكلون وتشربون على مائدتي في ملكوتي" (لو 22: 28- 30).
تذكّرنا صورةُ الوليمة بما قاله أشعيا (25: 6): "الربّ يهيّىء وليمة (رمز إلى سعادة السماء) لكلّ الشعوب". ونسمع صرخة ذاك الذي دعا يسوع: "طوبى لمن يتّكىء في ملكوت الله" (لو 14: 15). ونكتشف الطابع الجديد والمتسامي والمتحرّر من الظروف الأرضيّة لهذا الملكوت، نكتشفه في عبارة تأسيس الأفخارستيّا: "لا أشرب بعد الآن من عصير الكرمة حتّى يجيء يوم أشربه فيه جديداً في ملكوت الله" (مر 14: 25).
ويرتبط ملكوت الله بابن الانسان الذي تصوّره دانيال آتياً على سحاب السماء ليشرك قدّيسي العليّ في مُلكه وسلطانه (دا 7: 13- 14). فابن الانسان الممجّد سيمارس وظيفة الديّان في نهاية العالم فيكون ملكوته (مت 16: 28) ملكوت الله. "سيرسل ابن الانسان ملائكته فيجمعون من ملكوته كل المفسدين والأشرار ويرمونهم في أتون النار. وأمّا الأبرار فيشرقون كالشمس في ملكوت أبيهم" (مت 13: 41- 42).
ب- التفسير التاريخي
إذن يتحدّد موقع الدخول إلى ملكوت الله في المستقبل الاسكاتولوجي. فهذا الواقع المتعالي هو موضوع انتظار ورجاء. الله سيكون مَلكاً في السماء، بعد الدينونة. هذا هو التفسير الاسكاتولوجي. وهناك التفسير التاريخي: ملكوت الله هو حاضر، وهو منذ الآن فاعل في الكون.
دشّن يسوع حياته العامّة مُعلناً أن ملكوت الله قريب قرباً زمنياً (مر 1: 15). وكان الربّ قد قال في أشعيا (46: 13): "أجعل انتصاري قريباً، وخلاصي لن يتأخّر". "وحين يطرد يسوع الشياطين فهو يدلّ على أنّ ملكوت الله قد جاء: "إذا كنتُ بروح الله أطرد الشياطين، فهذا يعني أن ملكوت الله وصل إليكم" (مت 12: 28). وهو يقسم تاريخ الخلاص إلى حقبتين: واحدة قبل المعمدان، وأخرى "منذ أيام المعمدان إلى الآن" (مت 11: 12). "منذ ذلك الوقت، أعلن ملكوت الله وكلّهم يحاولون أن يدخلوه بقوّة" (لو 16: 16).
والدخول إلى الملكوت ليس امتيازاً خاصاً باليهود الذين دُعوا أولاً فسمّوا "أبناء الملكوت" (مت 8: 12). فقد يُرذلون. لقد هدّدهم يسوع لقلّة إيمانهم فقال لهم: "أبناء الملكوت يُطرحون خارجاً في الظلمة". والتعرّف إلى يسوع لا يكفي حتى وإن اجترحنا معجزات، لا يكفي ليؤمّن الدخول إلى الملكوت: "ليس مَنْ يقول لي: يا ربّ، يا ربّ، يدخل ملكوت السماوات، بل من يعمل إرادة أبي الذي في السماوات" (مت 7: 21).
نحن هنا أمام ملكوت حاضر لا بدّ من الدخول فيه: "الويل لكم أيها الكتبة والفرّيسيّون الذين تغلقون أمام البشر ملكوت السماء. أنتم ما دخلتم ومنعتم الآخرين من الدخول" (مت 23: 13). فهذا الدخول يتطلّب توبة وارتداداً، يتطلّب انقطاعاً عن الماضي: "مَنْ وضع يده على المحراث ونظر إلى الوراء ليس جديراً بملكوت الله" (لو 9: 62). يتطلّب بساطة تشبه بساطة الاطفال: "من لا يقبل ملكوت الله مثل طفل، لن يدخل إليه" (مر 10: 15).
وكلّ اهتمام بأمور الأرض تحلّ محلّه الثقة بالله واهتمام بأمور أسمى. "أطلبوا أولاً ملكوت الله وبرّه، وكل هذا يعطى لكم زيادة" (مت 6: 33). من أجل هذا الملكوت نضحّي بكلّ شيء، كذلك الرجل الذي وجد كنزاً أو دُرّة ثمينة فمضى وباع كلّ شيء ليشتريها (مت 13: 44- 45).
ويقابل الانجيليّ في مقارنة ملفتة وضع الأغنياء مع وضع الفقراء. "أسهل على الجمل أن يدخل في خرم الإبرة من أن يدخل الغني في ملكوت السماوات" (مت 19: 23- 24). "طوبى لكم أيها الفقراء لأنّ لكم ملكوت الله" (لو 6: 20). فإذا كان التجرّد والفقر بالروح (مت 5: 23) أو الاضطهاد تشكّل ظروفاً مؤاتية للدخول إلى الملكوت، فهذا الدخول يبقى عطيّة مجّانية وحرّة من قبل الله: "لا تخف أيهّا القطيع الصغير، فقد سُّر أبوكم أن يعطيكم الملكوت" (لو 12: 32).
ج- مرحلتان في الملكوت
من الواضح أنّ ملكوت الله يتضمّن مرحلتين: واحدة حاضرة وآنيّة وهي تتمّ في سّر التواضع. وأخرى مُقبلة تتمّ في المجد والنور. فحين سأل الفرّيسيّون: "متى يأتي ملكوت الله"؟ قدّم يسوع جواباً بجوابين. من جهة، لا نستطيع أن نحدّد الزمن. ومن جهة ثانية، "ملكوت الله هو فيكم وبينكم" (لو 17: 20- 21). ومثَل حبّة الخردل يُفهمنا أنّ بدايات الملكوت المتواضعة تهيّىء له نموّاً مجيداً (مت 13: 31- 32)، بل ظهوراً ساطعاً عند مجيء ابن الانسان.
هناك مرحلة تاريخية ومرحلة اسكاتولوجية، ونحن سنجدهما في الكنيسة التي أقام فيها ملكوت الله. فهنا على الأرض، وبقدر ما يكون الملكوت حاضراً في الزمن فهو يعيش متواضعاً وخفياً في الكنيسة. يمتلك رؤساؤه "مفاتيح ملكوت السماوات" (مت 16: 19) وسلطان ادخال الناس إليه. ولكن ملكوت الله يبدو أيضاً اسكاتولوجياً في جوهره: فالكنيسة تتوق إلى المجد النهائي. والوليمة التي دُعي إليها الوثنيّون ورفضها اليهود (لو 14: 24) ترمز إلى هذا الملكوت المقبل كما في مثل الضيف الذي لم يلبس حلّة العرس (مت 22: 13).
ملكوت تاريخي وملكوت اسكاتولوجي. نحن أمام جدليّة تجد أساسها في يسوع الذي هو إله وإنسان. فملكوت الله قد جاء منذ التجسّد في شخص يسوع وفي عمله (مت 12: 28). ولكن، كما أنّ حضور الكلمة المتجسّد يبقى خفيّاً وملتحفاً بالظلام، ولا يظهر في ملئه إلاّ حين يأتي ابن الأنسان مع ملكوته (مت 16: 28)، هكذا سرّ الملكوت يعرف مرحلة من الامحّاء النسبيّ، ولكنّ مجده سيظهر في النهاية، في الوحي الاسكاتولوجي.
الفصل الخامس
علاقة الله بشعبه

حين نقرأ آية قانا الجليل، في آخر زمن الظهور الالهي، نعيش أعراس الربّ مع شعبه. ففي قانا، حضر يسوع عرساً في قرية باسم الصداقة وربّما القرابة. ولكنّ هذا الحضور دلّ على سّر العلاقة بين الله والبشر، بين المسيح والكنيسة. أجل، في كلّ مساعي الله تجاه البشر، نراه يطلب صداقتهم. إنّه كالعريس الذي يبحث عن عروسه. منذ البدء، يشبه ملكوت الله ملكاً صنع عرساً لابنه. منذ البدء، حين أعلنت أعراس الابن وأعطي العريس، عرفت الكنيسة عريسها. ومنذ البدء، كان استعداد طويل قبل أن تقول العروس مع الروح: "تعال أما الربّ يسوع" (رؤ 22: 17).

1- العهد: الربّ عريس شعبه
قال الله: "أكون لكم إلهاً وتكونون لي شعباً" (خر 6: 7). هذه العبارة تدلّ على علاقة الله مع شعبه كما تمّت على جبل سيناء. فالله اله غيور (خر 20: 5)، وهو لا يريد أن يتعلّق شعبه بأحد سواه. لم يعد فقط إله الآباء واله العاصفة واله الحرب. إنّه اله شخصي اختار له شعباً وخصّ به نفسه كما يختار العريس عروسه. إنه الاله الذي يتحنّن (خر 20: 6). الاله الذي يحبّ.
ولقد عاش النبيّ هوشع في حياته علاقة الله بشعبه، فشبّهها بعلاقته مع زوجته. زنت المرأة فتركت زوجها وتبعت رجلاً آخر. امتلكها روح زنى وأضلّها. هذا ما حدث لشعب الله: لا أمانة، لا حبّ، لا معرفة، بل نكران الجميل. ما يؤلم الربّ، هو أن شعبه لم يعرف الحبّ الذي به أحبّه. اختار الله شعبه وحماه ووجّهه وتزوّجه وغمره بالخيرات. ولكن شعبه نساه. وهكذا تنكشف الخطيئة في عمقها الحقيقي: قطع الحبيب الرباط، تجاهل الحبّ فأصيب الله في الصميم. ودعا شعبه إلى العودة، بل عاقبه، فعرّاه من كلّ ما يملك، وأخذه إلى الصحراء، وكلّمه في قلبه. بل أحبّه حبّاً جديداً. قال: "سأتزوّجك في البرّ والحقّ، في الرحمة والمحبّة والأمانة" (هو 2: 21- 22).
وسار النبيّ إرميا على خطى هوشع، فذكّر شعبه بحبّ الصبا وبسعادة أيام الخطبة وأبرز نكران الجميل الذي لا يقدر الله أن يفهمه. العروس غير واعية، ولا تريد أدى تقرّ بخطيئتها. "هل تنسى العروس حلاها؟ ولكن شعبي نسيني" (ار 2: 32). غير أن الله سيبدّل قلب شعبه. أعطيتهم قلباً ليعرفوني. وحم يعودون إليّ" (إر 32: 39).
وتوجّه حزقيال (ف 16) بكلامه إلى أورشليم فقال: كنت فتاة أراد الله أن يجعلها عروسه: أحبّها. تبنّاها، غمرها بنعمته. ولكنّها خانته. لهذا فهو سيعاقبها. وقدّم في ف 23 استعارة الأختين: أحدث الله شعب السامرة، فخانه. وأحبّ شعب يهوذا فلم يختلف عن "أخته". وذهبت الأختان إلى المنفى. ولكن الله سيغفر لهما: "سيعطيهم قلباً جديداً، سيجعل في أحشائهم روحاً جديداً. سينزع منهم قلب الحجر، ويعطيهم قلباً من لحم، فيسلكون في رسومه ويحفظون وصاياه. حينئذٍ يكون لهم الهاً ويكونون له شعباً" (حز 36: 26- 28).
ويذهب شعب الله إلى المنفى ويظنّ أنّ الله تخلّى عنه وهجره. ولكن الربّ يهتف: "عزّوا، عزّوا شعبي. خاطبوا أورشليم وكلّموها" (أش 40: 1- 2): انقضى زمن العقاب، وتمّ التكفير عن الخطيئة. لتستيقظ العروس ولتتذكّر حبّ عريسها الخلاصيّ. قالت: "الله تخلّى عنيّ ونساني" (أش 49: 14). أجاب الربّ: "حتى لو نسيت المرأة ابنها فأنا لا أنساك" (أش 49: 15). لتفرح أورشليم ولترنّم، لأنّ أبناءها يعودون إليها. حينئذٍ سيعود إليها مجدها السابق. ضربها الله ثمّ أشفق عليها. عرّاها وأذلّها، ولكنّها استعادت حلاها ومجدها وجمالها. عاد حضور الربّ إليها ودعا إليها أبناءها. ولكن الربّ ينتظر. هو ينتظر أن تستيقظ العروس: ساعة تشاء (نش 2: 7؛ 3: 5؛ 8: 4). هذا هو سّر النعمة والحريّة. الربّ يدعو وهو ينتظر. ينادي ولن يتحرّك فبل أن يسمع الجواب. هذه هي طريق الله وخلاصه رغم الخطيئة الحاضرة في حياة الانسان والتي شبّهها الأنبياء بالزنى. كما أنّ الزنى خيانة للمحبوب، هكذا هي الخطيئة. ليست فقط شريعة نتجاوزها، إنها رفض ونكران جميل: نحن نحتقر حبّ من أحبّنا، نحن نمرّغ في التراب حبّاً بدأ منذ بداية العالم وسيبقى حاضراً إلى الأبد.

2- المسيح عريس كنيسته
سنجد عشرة نصوص في العهد الجديد، تتحدّث عن موضوع الأعراس. فالحدث الذي يتمّ هو موعد يتجاوز الحدث في الوقت عينه، ويحطّم الأطر الاتديمة فيجد تعابير جديدة. ونحضر تحوّلاً قد تمّ: صار يسوع المسيح العريس، وصارت الكنيسة شعب الله الجديد، فاتّخذت سمات العروس واتّخذ الاحتفال بأعراسهما وجهاً مأساوياً: بدأ زمن العرس مع يسوع، وختم يسوع العهد والزواج بدم صليبه قبل أن تذهب العروس في المجيء الثاني للقاء عروسها.
ونبدأ في الأناجيل الازائيّة حيث تتّخذ الأعراس وجهاً فرحاً ودراماتيكياً معاً.
يتحدّث النصّ الأول عن فرح الأعراس. نقرأ في مت 9: 15: "أتنتظرون من أهل العريس أن يحزنوا والعريس معهم؟ لكن يجيء وقت يُرفع فيه العريس من بينهم فيصومون" (مر 2: 19؛ لو 5: 34- 35). تمّ الزمان وصار ملكوت الله قريباً. هذه هي البشرى التي بها دشّن يسوع رسالته. ولكن تلاميذ يوحنّا والفريسيّين ما زالوا ينتظرون الملكوت ويهيّئوا مجيئه بالتوبة. فلاموا تلاميذ يسوع لأنهم لا يصومون (كما يصوم اليهود في أوقات محدّدة مثل الأربعاء والجمعة من كل أسبوع). أجاب يسوع: لا يليق الصوم في أيّام العرس. وهكذا ربط يسوع، في عبارة واحدة، ثلاثة مواضيع نبويّة تتمّ فيه: شبّه الملكوت بوليمة (أش 25: 6؛ أم 9)، والخلاص الاسكاتولوجي بالأعراس، وجعل من الأزمنة المسيحانيّة ينبوع فرح (أش 9: 2؛ 49: 13). فكلام يسوع واضح: يسوع يدشّن الملكوت بحضوره، ويحمل الفرح المسيحاني، ويفتح زمن الأعراس لأنه العريس.
ويقدّم لنا النصّ الثاني مثل المدعوين إلى العرس (مت 22: 1- 14) مع فكرتين: كلّ الناس هم مدعوّون إلى العرس، ولكنّ هذه الدعوة تفرض عليهم أن يلبسوا ثياب العرس. قال السيّد: أخرجوا إلى الطرق، وادعوا إلى الوليمة كلّ من تجدوه. فخرج الخدم إلى الشوارع. وجمعوا من وجدوا من أشرار وصالحين. وهكذا امتلأت قاعة العرس بالمدعوين. هذا المثل سيتحقّق يوم موت يسوع الذي سيعطي لأعراسه أبعاد المسكونة كلّها، فيدعو كل واحد، ولا سيما الوثنيّين، بعد أن رفض اليهود تلبية الدعوة. ولكن للعرس متطلباته، والدخول إلى الملكوت يفرض ممارسة الفضائل الأنجيليّة: "إن لم يزد برّكم على برّ الكتبة والفريسيّين، لن تدخلوا ملكوت السماء".
ونقرأ في المقطع الثالث عن اختطاف العريس (مر 2: 20). رفض اليهود العرس لأنهم رذلوا العريس، لأنهم خطفوه، قال يسوع: "ستأتي أيام يُخطف العريس (من بين التلاميذ). وحينئذٍ سيصومون". إنه يلمّح إلى المستاقبل، إلى ذهابه وإلى حزن تلاميذه بعد هذا الذهاب. أمّا ذهابه أو بالأحرى موته، فسيكون عنيفاً، كما كان موت عبد الله في أش 53: 8. وسيعود يسوع إلى موضوع الفراق، في نهاية حياته على الأرض، ويدعو تلاميذه إلى السهر لأنه سيعود في يومه.
"ها العريس آتٍ". هكذا يبدأ مثل العذارى (مت 25: 1- 13). خُطف العريس فتأخّرت الأعراس، ونحن ننتظر عودته لنحتفل بها. بدأت الأعراس يوم بدأ الملكوت، وستتمّ في النهاية. ها العريس آتٍ. هذه الصرخة في الليل تعلمنا أن المسيح يعود لا كسيّد أو ملك، أو ابن انسان، بل كعريس يُدخل إلى وليمته المدعوّين الذين انتظروا واستعدّوا لمجيئه. وهو أيضاً الديّان الذي يميّز بين مدعوّيه الذين يخرجون من ذاتهم حين يرون قناديلهم فارغة من الزيت، وحياتهم من الأعمال الصالحة. إذهبوا إلى لقائه. لا يكفي أن نُدعى إلى العرس أو نستعدّ، فعلينا أن نذهب إلى لقاء العريس (1 تس 4: 17). أجل، على الكنيسة أن تنتظر مجي عريسها في إيمان قد يغشاه الظلام، وفي رجاء يحتاج إلى مساندة.

3- بولس والكنيسة العروس
وننتقل إلى القديس بولس الذي يحدّثنا عن الكنيسة، العروس الجديدة.
ستكون هذه العروس عذراء نقيّة. قال القدّيس بولس: "أغار عليكم غيرة الله لأني خطبتكم لعريس واحد، كعذراء نقيّة أقدّمها إلى المسيح" (2 كور 11: 2). كنيسة كورنتوس هي صبيّة لا خبرة لها، وقد تنجرّ إلى التعاليم الكاذبة. لهذا، يسهر بولس سهرة الغيرة. هذا لا يعني أنّ الكنيسة هي عروسه. إنها تخصّ المسيح. والمسيح هو العريس الوحيد لهذه الكنيسة كما هو آدم الوحيد لحوّاء الجديدة وأمّ الأحياء. نحن في زمن الخطبة بالنسبة إلى الكنيسة، لا في زمن الأفراح. نحن في زمن الانتظار لا في زمن اللقاء. فعلى الخطيبة أن تحفظ نقاوة منحتها إيّاها المعموديّة والإيمان لتستعدّ لمجيء عريسها المسيح الذي هو آدم الجديد.
ويقدّم لنا بولس في رسالته إلى غلاطية (4: 21- 31) الكنيسة على أنها سارة (زوجة ابراهيم) الجديدة. هي المرأة الحرّة بوجه هاجر الأمة. كان عهد جديد تحرّرت فيه الكنيسة من الشريعة اليهوديّة وارتبطت فقط بحبّ عريسها فكانت خصبة، على مثال أورشليم السماويّة، وكان لها البنون العديدون.
ويعلن بولس في الرسالة إلى أفسس (5: 21- 32) أن علاقات المسيح بكنيسته هي المثال للعلاقات بين الرجل وامرأته. ويتعمّق بولس في هذه العلاقات، على ثلاث مراحل، قبل أن ينقلنا إلى التأمّل والاعجاب في سّر الكنيسة.
1- كما أن الرجل هو رأس المرأة، كذلك المسيح هو رأس الكنيسة. هو الرئيس وصاحب السلطة، والكنيسة تخضع له.
2- والمسيح يحبّ كنيسته "فيبذل نفسه لأجلها ليقدّسها، مطهّراً إياها بغسل الماء وبالكلمة التي ترافق هذا الغسل (أي المعموديّة)، حتى يزفّها إلى نفسه كنيسة مجيدة لا عيب فيها ولا تجعُّد ولا ما أشبه ذلك، بل مقدّسة وطاهرة". ليست الكنيسة هي التي تستعدّ للقاء المسيح في يوم الأعراس، بل هو المسيح الذي يغسلها في دم صليبه يوم أسلم نفسه لأجلها فأعطاها عربون محبّته.
3- ثمّ إنّ الكنيسة هي جسد المسيح. فكما أنّ الرجل يحبّ امرأته كما يحبّ جسده، هكذا يحبّ المسيح كنيسته. هذا السّر عظيم! سّر المسيح والكنيسة عظيم. يدلّ على تميّز بين المسيح والكنيسة وعلى اتحّاد بحيث "يصبح الاثنان جسداً واحداً" (تك 2: 21- 24). ولكنّنا نرى الآن التباعد: فالمسيح الممجّد هو في السماء وقد وصل إلى الملء والكمال. وظلّت الكنيسة عروسه على الأرض. يجتذبها عريسها وينمّيها حتى الكمال ليعدّها لذلك اليوم الذي فيه ستقدّم إليه من أجل الأعراس الأبديّة.

4- يوحنّا الانجيليّ والعرس
وفي نهاية القرن الأول، أدخلنا يوحنّا، على ضوء الروح القدس، إلى حقيقة الأعراس الكاملة، فساعدنا على اكتشاف أعماقها الخفيّة.
حدّثنا أولاً عن المعمدان الذي هو صديق العريمس (يو 3: 25- 30). دوره أن يقود العروس إلى عريسها ويحافظ عليها حتى ليلة العرس. وحين تنتهي مهمّته، يختفي. "له هو (أي يسوع) أن يزيد، ولي أنا (المعمدان) أن أنقص" (يو 3: 30). اكتمل فرحه حين رأى أنّ هذا الشعب الذي هيّأه، توجه إلى عريسه (يو 3: 29).
ونصل إلى ساعة الأعراس مع عرس قانا الجليل (يو 2: 1- 11). تحوّلت الجموع إلى يسوع، فرأى المعمدان، في هذا التحوّل، علامة تدلّ على العريس. قال: "من له العروس فهو العريس" (يو 3: 29). وإذا قرأنا هذا النصّ مع يو 12: 32 (إذا ما ارتفعت عن الأرض جذبت إليّ كلّ البشر)". نفهم أن هذا التجمّع الذي بدأ في المعموديّة وشُبّه بعرس، سيتحقّق كاملاً على الصليب. وهذا ما يشير إليه، بصورة رمزيّة، عرس قانا الجليل الذي فيه أظهر يسوع مجده حين حوّل الماء إلى خمر. إن هذا اخبر هو علامة لحدث موت يسوع وقيامته (يو 13: 1). سيعطي يسوع دسه في تلك "الساعة" فينال ملء التمجيد (يو 11: 23؛ 17: 1).

5- وفي كتاب الرؤيا
ونصل إلى سفر الرؤيا: ما زالت الكنيسة تنتظر وهي تقاسي الاضطهاد. عزّاها رائي بطمس (الجزيرة التي فيها كتب يوحنا الرؤيا) فكشف لها المجد الذي لا يقاس بالشدّة (2 كور 4: 17) التي تنتظرها. في هذا السِفر، العريس هو المسيح الذي هو الحمل الفصحي الذي يختم المعمّدين بدمه. إنه الحمل المذبوح (رؤ 5: 6، 12؛ 13: 8) الذي يطهّر المختارين بدمه ويؤكد لهم الغلبة (رؤ 7: 14؛ 12: 11).
وأرانا يوحنا العروس. قال: "تعال لأريك عروس الحمل" (21: 9). "هي إمرأة تجمّلت وتزيّنت واستعدّت للقاء عريسها" (رؤ 21: 2). "أعطيت أن تلبس الكتّان الأبيض (علامة الغلبة) الناصع، والكتّان هو أعمال القدّيسين الصالحة" (رؤ 19: 8). وهي مدينة، أورشليم الجديدة "النازلة من السماء، من عند الله" (رؤ 21: 2). وهناك المدعوّون إلى العرس، إلى أورشليم التي هي مدينة القديسين. المدعوّون هم رفاق الحمل. جاؤوا من المحنة الكبرى (رؤ 7: 14)، وباستشهادهم غسلوا ثوبهم بدم الحمل (رؤ 7: 15) وخُتموا بختمه فنجوا من العقاب. ولهذا قيل عنهم: "طوبى للمدعوّين إلى وليمة عرس الحمل" (رؤ 19: 9). رقدوا في الربّ (رؤ 14: 13) ليقوموا معه ويشاركوه في انتصاره.

خاتمة
مع الرؤيا تمّ مخطّط الله. تهيّأت، منذ زمن بعيد، أعراسُ الابن مع البشريّة، وقد كلّفته هذه الأعراس دمه. بعد اليوم، صار كلّ شخص معنياً بهذا الحبّ، بهذه العلاقة، بهذا الاتحّاد مع المسيح. ولقد أعلن زمن الأعراس، فدخل كلّ واحد منّا في فرحة البشارة. نحن مدعوّون مع البشريّة كلّها وعلينا أن نلبّي الدعوة. نحن أبناء الملكوت، هذا ما لا شكّ فيه. ولكن، لنخف من أن نبقى خارج الملكوت. لنستعدّ ليوم الوليمة هذا. لقد نلنا غسل العماد فتنقّينا، ولبسنا حلّة العرس، وتهيّأنا في الافخارستيّا، لوليمة العشاء الحميمة (رؤ 3: 20). فعلينا أن نسير كلّ يوم حتى ذلك اليوم الذي فيه نلتقي الربّ.
القسم الثّاني
يَسُوع المسِيح، مَوتُه وَقيَامتُه
نعالج في هذا القسم أحد عشر مواضعاً:
1- مسيح الله
2- أشعيا نبيّ الرجاء المسيحانيّ
3- انتظار المسيح في بداية المسيحيّة
4- دم المسيح يطهّرنا
5- جاءت دينونة هذا العالم
6- من صليب المسيح إلى صليب المسيحيّين
7- الصليب أو الأمانة التي تحرّر
8- القيامة وما وراءها في العالم اليونانيّ القديم
9- القيامة في العالم اليهوديّ
10- الإيمان بالقيامة
11- التعابير الأولى للقيامة

الفصل السادس
مسيح الله

1- المقدمة
حين نقرأ التوراة نجد رجاءً لا شيء يوقفه، وانتظاراً يلفت نظر المؤرّخ ويدفع اللاهوتي إلى اكتشاف علامة من علامات صدق كلمة الله. نحن أمام انشداد نحو حقبة أخيرة، وهذا الانشداد يطابق تحرّك الإيمان. هذا الرجاء ينتقل من جيل إلى جيل ويتغذّى من تمثّلات تثير نشاط البشر، فينتظرون مجيء ملكوت الله ويهيّئون له الدرب. نحن نظنّ أنه حاضر، ولكنّنا نتوق إلى ملء أخير لا يتحقّق إلاّ بتدخّل علويّ. وهكذا يرتبط الإيمان بهذا اليقين المضاعف الذي يحدّد بعده البيبلي: الخلاص هو حاضر الآن وهو سيأتي فيما بعد. لم يحدّد الواقع المستقبلي مسبقاً، ولكن الله أراد مع ذلك أن يأتي إلى البشريّة نورٌ يوجّه مسيرتها عبر الظلمة. قال بطرس عن كلام الأنبياء: "إنه سراج منير يضيء في مكان مظلم إلى أن يطلع النهار ويشرق كوكب الصبح" (2 بط 1: 19) الذي هو المسيح. وقالت عب 1: 1: "الله تكلّم بالأنبياء مرّات عديدة وبطرق مختلفة". وإذا كان هذا المشعل الذي وضعه الله بين أيدي الأنبياء يغشاه الدخان، فهو يرتبط بطريقة الله في تربية البشريّة. إن الله صبور (3: 25)، والوحي عن مخطّطه يعرف تعابير تقريبيّة. فكأني به يقود على مهل اكتشافنا لحقيقته: نحن نطلب ونتلمّس طريقنا إليه كما يفعل الانسان في الظلام (أع 17: 27).
تمّ هذا الاكتشاف في شعب الله الذي طلب منه أن يكون شاهداً وأن يحمل الرسالة. كلّ ما عاشته البشريّة من حياة دينيّة انصهر في التوراة بعد أن تنقّى عبر الإيمان بالله الواحد الذي خلق السماوات والأرض، كلّ ما يرى وما لا يرى. هذا الشعب الذي يعيش على حدة (عد 32: 9) ولا يمتزج بسائر الشعوب الوثنيّة لكي يحافظ على إيمانه، هذا الشعب الذي عرفه الله فأحبّه (عا 3: 2)، جاء يحمل آمال كلّ الشعور ويوصلها إلى الله.
لقد أمل الأنسان وحلمَ بعصر ذهبيّ. تصوّر السومريّون (في جنوب العراق الحالي) السعادة أرضاً كاملة مفروشة بالمعادن الثمينة. فيها تخدم كلّ الحيوانات الانسان، وليس فيها مرض ولا شيخوخة ولا موت. وتخيّل الفينيقيّون السعادة طعاماً إلهياً (اللبن والعسل)، فردّد أشعيا ما قالوا حين تحدّث عن الملك الذي ستلده "العذراء" (أش 7: 15). وستستعيد التوراة تلك المواضيع الشرقيّة مشيرة إلى العمر الطويل (أش 65: 20) وإلى الحيوانات التي تعيش في سلام (أش 11: 6- 8) وإلى المعادن الثمينة (تك 2: 10- 14؛ حز 28: 12- 13). كلّ هذا ستفكّر فيه التوراة بطريقة جديدة.
أمّا نقطة الانطلاق فالعهد. إن الله الذي كشف عن نفسه للآباء وموسى، هو إله يدخل التاريخ ويعطيه قيمته ومعناه. وكثافة هذا التاريخ تدلّ على تدخّلات ومآثره: هو يبارك وهو "يغضب"، فيجعل التاريخ يسير مسيرته "بأيّامه" (يتحدّث الأنبياء عن يوم الربّ). وهكذا يصبح التاريخ علاقة بالله، له وجهته ومعناه. لم نعد أمام دورة تنغلق على ذاتها، بل أمام اندفاع وسهم ينطلق. إن التاريخ منفتح على المستقبل، وشعب الله يعمل مع الله. وحين طبّق الأنبياء على الربّ وعلى شعبه صورة الزواج، أشاروا إلى مشاركة في العمل، في بناء ملكوت الله. فالوعد للآباء، والتحرير من مصر، واحتلال كنعان، وإقامة المملكة، وبناء الشعب بعد المنفى، كلّ هذا محطّات في عمل الله الموجّه نحو هدف معيّن.
دعا الأنبياء الشعب، ففكّر الشعب في هذا العمل واكتشف دعوته الخاصّة: نظر إلى المستقبل في تواصل مع ماضيه وحاضره، وتخيّل هذا المستقبل استعادةً كاملة لأفضل ما عاشه في الماضي. ونقل إلى الحقبة الأخيرة التي ينتظر، عناصر مجده وسعادته الحاضرة. كلّ شيء سيصبح جديداً: عصر ذهبيّ جديد، عهد جديد، إرث جديد، داود جديد، أورشليم جديدة، هيكل جديد، إنسان جديد، سماوات جديدة وأرض جديدة. "ها أنا أجعل كل شيء جديداً" (رؤ: 21: 5).

2- المسيح الملك
المسيح هو الملك وبالأخصّ يوم ينصّب. إنه يُمسح بالزيت المقدّس (2 صم 5: 3). ولكن الأنبياء جعلوا في الحقبة الأخيرة ملكاً خارقاً يخرج من الذين سلّم إليهم الله المملكة التاريخيّة في أرض اسرائيل. وها نحن نرسم الأتجّاه الأول لانتظار متعدّد الوجوه ونقدّم خطوطه العريضة.
حين تكلّم أشعيا عن المسيح، كانت المؤسسة الملكيّة حاضرة منذ ثلاثة قرون وقد أعطاها داود رونقها وبهاءها. ولقد جاء النبيّ ناتان إلى أورشليم العاصمة الجديدة، إلى تابوت العهد الذي هو معبد الربّ المتنقّل، فبارك نجاح داود وأعلن الأهميّة الدينيّة للنظام الملكيّ. قال: "وإذا تمّت أيّامك ورقدت في الموت مع آبائك، أقيم من يليك من نسلك وسائر ملكه... أنا أكون له أباً وهو يكون لي ابناً، وإذا أثم أؤدّبه... ولكنّي لن أنزع حظوتي عنه... يكون بيتك وملكك ثابتين إلى الدهر أمامي، ويكون عرشك راسخاً إلى الأبد" (2 صم 7: 12- 16).
بهذا الاعلان الاحتفالي انطبع العهد بالطابع الملكي. وسيتحمّل الملك الداودي مسؤوليّة العهد وواجباته: كما كان الشعب ابن الله (خر 4: 23)، سيكون الملك ابن الله، فيجمع في شخصه كلّ هذا الشعب ويؤمّن له وحدته، كما يؤمّن له النجاح الأرضي بتصرّفه الأخلاقيّ والدينيّ. ففي نظر التوراة، سيأتي ملكوت الله على هذه الأرض، والبركات الزمنيّة ترافق القيم الروحيّة وتدلّ عليها. حلّت النعمة على المملكة، فلعبت دوراً أساسياً في مسيرة العهد، وصارت إحدى العناصر الأولى في عمل الخلاص.
وهكذا ارتبطت بعض المزامير بالملك الداودي وبهذا "الدستور" الجديد: إنّ الملك يعرف أنه يحمل مستقبل شعب الله. قال مز 2: 7- 8: "ها أنا أعلن قرار الربّ. قال لي: أنت ابني، أنا اليوم ولدتك (صرت لي ابناً، تبنّيتك يوم صرت ملكاً). إسأل فأعطيك الامم ميراثاً وأقاصي الأرض مُلكاً لك".
يعرف الملك الداودي أن يوم تنصيبه هو يوم يتبنّاه الله فيه. وحين يأتي ملك جديد يعلن صاحب المزامير ما ينتظره من الملكيّة، ما سوف تفعله عاجلاً أم آجلاً. إنه يعلن مثالاً لا يستنفد أي ملك مضمونه. لهذا انفتحت هذه المزامير الملوكية القديمة على المستقبل. دوّنت لاحتفال تنصيب أو زواج، فذكّرت الملك بالبرنامج الذي تكفّل به وبالمجد الذي ينتظره: البرّ والعدل (مز 45: 8؛ 72: 7)، التقدّم الروحي في الأرض (مز 18: 50؛ 72: 17)، السلام والخصب (مز 72: 7)، التحرّر من العدّو (مز 22: 9- 18) والانتصار على الأشرار (مزمور 2: 8- 12).
ولكن التاريخ أبرز عجز الملوك عن تحقيق ما يُنتظر منهم. وانتقد الأنبياء ملوكاً خانوا رسالتهم، وحافظوا على جذوة الرجاء التي كانت تشتعل من جديد في كلّ أزمة. وقد عايش أشعيا إحدى هذه الأزمات يوم كانت المملكة الآشورية تتجّه إلى الغرب: هل ستكون أورشليم ريشة في مهبّ الريح؟ لا شعبيّة للملك أحاز (أش 8: 6)، وقد تحالفت عليه دمشق والسامرة لتُحلّ محلّه طابئيل ملكاً في أورشليم (أش 7: 6). ثمّ إن الملك أتعب الله بقلّة إيمانه (أش 7: 12): تحالف مع البشر وذبح ابنه البكر لمولك (2 مل 16: 3؛ 23: 10). حينئذٍ أعلن أشعيا قولاً احتفالياً: الملك المثالي موضوع رجاء، سيكون عظيماً في المستقبل: "وُلد لنا ولد، أعطي لنا ابن. جُعِل المُلكُ على كتفيه، وسُمّيَ المشير العجيب، الاله القدير، الآب الأزلي، أمير السلام. امتدّ سلطانه في سلام دائم على عرش داود ومملكته التي يقيمها ويثبّتها في الحقّ والعدل" (أش 9: 5- 6).
ولن يتخلّى أشعيا عمّا رآه. فيوم حاصر سنحاريب، الملك الآشوري، أورشليم (سنة 701 ق. م.)، العاصمة الضعيفة في نظر البشر، في ذلك اليوم تذكّر داودَ فانتعش إيمانه (أش 38: 3- 5). أعلن مجيء المسيح، الملك الداودي (أش 11: 1- 4)، وجعله في إطار فردوس خُلق من جديد: "يسكن الذئب مع الحمل، ويربض النمر مع الجدي. يرعى العجل والشبل معاً، وصبي صغير يسوقهما. تتصادق البقرة مع الدبّ، ويربض أولادهما معاً. والأسد يأكل التبن كالثور. يلعب المرضع على حجر الأفعى، ويضع الفطيم يده في نفق الحيّة" (أش 11: 6- 8). ويتابع أشعيا (11: 9): "تمتلىء الأرض من معرفة الربّ كما تغمر المياه البحر". وهكذا تكتمل السعادة بمعرفة الله التي هي قمّة الاختبار الروحي. وقد قال بولس يوماً: "بل أحسب كلّ شيء خسارة من أجل الربح الأعظم، وهو معرفة ربيّ يسوع المسيح" (فل 3: 8).
ولن تكون النظرة المسيحانيّة دوماً اسكاتولوجيّة. فهناك نصوص تشدّد على أنّ الملك يكون بحسب قلب الله (إر 23: 1- 6). وهو الذي يجسّد في شخصه انتظار الإيمان، كما كان زرّبابل الداودي بعد زمن المنفى (525 ق. م.). حينئذٍ نقول بشكل عامّ إن الانتظار يتطلّع إلى مسيح النهاية. وسينشد نبي آخر دخول المسيح إلى عاصمته بتواضع يحدّد ديانة فقراء يهوه (أو الربّ) العميقة: "ابتهجي بكلّ قواك يا ابنة (أي مدينة) صهيون! واهتفي هتاف الفرح، يا بنت أورشليم! هوذا ملكك يأتيك: صدّيق (أو بارّ)، مخلّص (أو منتصر)، وديع راكب على جحش ابن آتان. سيزيل من افرائيم (مملكة الشمال) عجلات الحرب، ومن أورشليم (مملكة الجنوب) الجياد (كانت للحرب). سيعلن السلام للأمم. يمتدّ سلطانه من البحر إلى البحر (إذاً الأرض كلها) ومن النهر إلى أقاصي الأرض" (زك 9: 9- 10).
وسيأتي يسوع يوماً فيحقّق هذه النبوءة التي تترجم سمة خاصّة في شخصيّته (مت 11: 29: أنا وديع ومتواضع القلب). ولكن العالم اليهودي المتأخّر لن يشدّد على هذه الوداعة، بل يتطلّع إلى مسيح منتصر بواسطة الحروب. وسيأخذ سفر الرؤيا (19: 11- 21) هذه النبوءة فيطبّقها على المسيح الذي يمجّد بانتصاره على قوى الشّر والخطيئة.

3- المسيح النبيّ: مخلّص وفقير
ونعود الآن إلى الوراء إلى زمن المنفى، يوم تعلّم الشعب أموراً عديدة، فصار في المحنة شعباً نوعيّاً (لا عدديّاً). ضاعت وساطة المُلكيّة، وضاعت علامة الهيكل، فلم يبقَ للشعب إلاّ أسفاره المقدّسة يشرحها الكهنة في المجامع.
وعى الشعب تواصل تاريخه من إبراهيم إلى موسى، ومن داود إلى أورشليم. أحسّ أنّه من نسل ابراهيم (أش 41: 8)، وأنّه يستفيد من نعم حصل عليها داود (أش 55: 3). الأبناء هم كالآباء شهود للربّ وسط الأمم الوثنيّة (أش 55: 4). عاش المؤمنون وسط شعوب قاسية (مز 130) أو مضيافة (أش 44: 5)، فانفتحوا على دور الشهادة الذي خانوه في الماضي. "قال الربّ: دنّستم اسمي العظيم بين الأمم" (حز 36: 23). والآن صاروا شعباً يحمل رسالة وتعليماً وينشد الربّ الذي هو إله الأرض كلّها (أش 54: 5).
وسمع المؤمنون نداء الأنبياء واكتشفوا دورهم: إنّهم الوحي الحيّ لوساطة من نوع آخر. حلّوا محل الكهنة والملوك (الذين ذهبوا إلى المنفى)، فصاروا، مثل موسى في الماضي، مسؤولين عن إخوتهم. حملوا خطاياهم وتشفّعوا من أجلهم كما فعل إرميا (5: 1)، وطالبهم الله بدم كلّ الناس (حز 33: 8: إن لم تنذر الخاطىء أطالبك بدمه). ولكن هذا التضامن الروحي قد رافقته عزلة ووحدة: لم يفهم الناس الأنبياء، بل هم اصطّهدوهم (إر 26: 8: ستموت موتاً، يا ارميا). وسيفهم المؤمنون أن الكلمة لن تدخل في أعماقنا إلاّ عبر التضحية والتجرّد. وهكذا صار الأنبياء لحمة "البنية" الجديدة لشعب الله. وعلى هذه الأرض نبت شكل جديد من الانتظار المسيحاني.
تسلّم شعب الله مهمّة حمل الرسالة إلى العالم كله. هذا ما قاله الله لعبده وعابده الذي هو شخص واحد سيرى فيه العهد الجديد شخص يسوع، والذي هو مجموعة تسير على خطى ذاك الشخص الواحد. قال أشعيا (42: 1- 4): "هوذا عبدي الذي أعضده، مختاري الذي سُرّت به نفسي. جعلت روحي عليه ليحمل الحقّ إلى الأمم. لا يصيح ولا يصرخ، ولا يسمع أحد صوته في الشوارع. القصبة المرضوضة لا يكسر، والسراج المدخّن لا يُطفىء. يحمل الحقّ بأمانة. لا يني ولا ينكسر إلى أن يثبت الحقّ على الأرض لأن الجزر (أو الأمم البعيدة) تنتظر تعليمه".
وهكذا سار الشعب على خطى الأنبياء والمعلّمين وورث الروح الذي أعطي للمسيح (أش 11: 2). ولكن صورة عبد يهوه ستدلّ على شخص فرد يتجاوز كلّ الصور التاريخيّة في الكرامة وفي ما يقوم به من عمل. لقد جعل من ألمه وسيلة التكفير الذي انتظرته البشريّة الخاطئة. هذا العبد صار صورة عن الشهيد والمخلّص: "ورضي الله أن يسحقه بالألم. إن قدّم حياته تكفيراً فسيرى الازدهار وتطول أيّامه. ويتمّ فيه ما يرضي الله" (أش 53: 10). وينتهي النشيد بما يشير إلى القيامة (أش 53: 12).
صورة الألم والتواضع وصورة الفقر. هذا ما نقرأه ايضاً في مز 22 الذي سيردّده يسوع على الصليب فيعبرّ عن ألمه الخاصّ ويعلن عن ثقته بالله وعن يقينه أن ملكوت الله آت: "تتذكّر الأرض كلّها وتعود إلى الربّ. وتسجد كلّ عشائر الأمم أمامه: الملك للربّ، لسيّد الأمم" (مز 22: 28- 29).

4- مجيء الله
ما ينظر إليه الكاتب هو ملكوت الله. وإذا توقّفنا عند ما يفعله المسيح، فنحن لا ننسى تسامي هذا الملك. فالخلاص هو من عند الله. وهنا برز تيّار مسيحانيّة من دون مسيح. هذه الحقيقة تعبرّ عنها مزامير الملك (93؛ 96- 99). لا شكّ في أن الناس انتظروا مملكة الله الاسكاتولوجيّة في ما قبل المنفى. لم يذكر أشعيا (2: 2- 4) الملك، ولكنّه جعل من صهيون الحكم بين الشعوب الذين سيأتون إليها. ولكن سيحسّ الشعب بعد المنفى عجز الملوك عن العمل بحسب دعوتهم العميقة. وتساءلوا: هل كان الله يحتاج إلى أدوات بشريّة ليظهر من جديد كما في سيناء؟ قال أش 52: 7- 8: الله ملك هو، الله يملك! فانفتح المستاقبل على مآثر الهيّة: خروج جديد (أش 41: 17- 20)، ميثاق جديد (أش 55: 3)، نشيد جديد (أش 42: 10) يشبه نشيد مريم، أخت موسى وهارون (خر 15).
ولكن الليتورجيّا الرسميّة لعيد الفصح بعد المنفى، تنشد ظهور الله في نشيد جديد (مز 98: 1). دعي شعب الله إلى الفرح، بل دعيت الأمم كلّها، ودعي الكون أجمع: "ليعجّ البحر وملؤه، والمسكونة وسكّانها. لتصفّق الأنهار، ولترنّم الجبال جميعاً ترنيم الفرح أمام الربّ، لأنه يأتي ليدين الأرض. سيدين الأرض بالعدل، والشعور بالاستقامة" (مز 98: 7- 9).
وتتحدّث آخر صفحات العهد القديم عن مجيء الله إلى هيكل أورشليم. فيقول ملا 3: 2- 3: "من يتحمّل يوم مجيئه؟ من يبقى واقفاً عندما يظهر"؟ ولكن يسوع أتمّ هذه الاسكاتولوجيا في إطار لم نكن ننتظره. فقالت الليتورجيّا: كانت بروق ورعود فارتجفت الأرض. ولكن حين نزلتَ في حشا العذراء، لم يكن لخطواتك أيّة ضجّة! وحين نقرأ نشيد سمعان الشيخ (لو 2: 29- 32: أطلق عبدك بسلام) الذي يفسّر مجيء الربّ يسوع إلى أورشليم، نستشفّ صدى أقوال أشعيا الثاني وما فيها من انتصار. ولكن يبقى أن الحدث الذي ننشد له هو حدث "الوضيع والمتواضع القلب".

5- ابن الانسان
وهناك موضوع مسيحاني آخر: موضوع ابن الانسان (7: 9- 14). نحن هنا في جوّ جلياني: مشهد سماوي يجعلنا في حضرة الله. الله ينصّب شخصاً يشبه ابن الانسان وهو يسير على سحاب السماء، شأنه شأن الكائنات السماويّة (أش 19: 1؛ مز 68: 5). قال دا 7: 13- 14: "نظرت في رؤى الليل فرأيت مثل ابن انسان آتياً على سحاب السماء. تقدّم إلى الأزلّي وقدّم إلى حضرته فأعطي له الملك والكرامة، وخدمته كلّ الشعوب والأمم والألسنة. ملكه ملك أزلي لا يزول ولا يفنى".
يتجمّع شعب الله العليّ في شخص واحد. وستقول أمثالى أخنوخ (كتاب منحول): يظهر ابن الأنسان كشخص وُجد قبل الخلق وسُميّ مسيحاً ودُعي نور الأمم مثل عبد يهوه في أش 42: 6. ولقد كان مز 110 تفسيراً لمقطع دانيال هذا. فالمسيح يجد نفسه في مشهد سماوي محاطاً بالقديسين (أي بالملائكة)، وهو يسمع القول الالهي: "من الرّحم، قبل الفجر أنا ولدتك" (مز 110: 3).
استعمل يسوع مراراً لقب ابن الانسان المسيحاني، ولا سيما في وقت هام من رسالته، ساعة كان أمام قيافا ومجلس القضاء الديني (مر 14: 61- 62). قال: "سترون ابن الانسان جالساً عن يمين الله القدير وآتياً مع سحاب السماء".

6- المسيح الكاهن
أخذ الكهنوت أهميّة كبرى في اسرائيل بعد العودة من المنفى. فرئيس الكهنة صار وارث الملوك ومدبّر الجماعة على المستوى الديني والسياسي. وكما لعبت البنية الملوكيّة والنبويّة دوراً في تصوير وجه المسيح، هكذا ستفعل البنيّة الكهنوتيّة.
جمع إرميا (33: 14- 26) نسل داود ونسل لاوي: لا ينقطع لداود رجل يجلس على عرش آل اسرائيل، لا ينقطع للكهنة رجل يُصعِدُ المُحرقات. ولقد أعيدت قراءة زكريا (6: 9- 14)، فحلّ المسيح الكاهن محلّ المسيح الملك. وفي الفترة عينها مجّد ابن سيراخ الكهنوت على حساب الملك. قال: "سيكون عهد مع داود بن يسّى الذي من قبيلة يهوذا. سينتقل المُلك من الأب إلى واحد من أبنائه. أمّا كهنوت هارون فينتقل إلى كل نسله" (سي 45: 25).
ومن الواضح أن كتاب "وصيّات الآباء الاثني عشر" (كتاب منحول) عرف تيّارين فكريّين: واحد يشدّد على حضور اسكاتولوجي للاوي قرب مسيح يهوذا، وآخر يشدّد على حضور مسيحاني: "اقتربوا بتواضع من لاوي (القبيلة الكهنوتية) لتنالوا بركة من فمه. فسيبارك يهوذا واسرائيل، لأن الربّ اختاره ليملك على كلّ الأمم. وانحنوا أمام نسله لأنه يقوم لأجلكم بحروب منظورة وغير منظورة ويكون عندكم ملكاً أزلياً".
وجاء يسوع فألغى الذبائح القديمة. طرد من الهيكل الغنم والبقر (يو 2: 15) لأن هذه الذبائح لم تعد تنفع، ونطم العبادة الجديدة "بالروح والحقّ" (4: 23- 24).

7- يسوع، المسيح الاله
إنّ الانتظار المسيحاني الذي تحدّثنا عنه، بدأ في زمن المسيح متشعّباً ومليئاً بالأشواك. ولكن يسوع الذي قرأ الأسفار المقدّسة وعرف تقاليد شعبه، لم يرتبط بقول ولا بنبوءة، بل قدّم نفسه جواباً حيّاً على هذا الانتظار. اختار مسيحانيّة عبد الله المتألّم ونظر إلى عمله الرسولي في هذا الإطار. طالب بدور ابن الانسان، بل جعل هذه العبارة كاسم علم له. كشف عن سّره لا بالكلام فقط، بل عبر بهاء اللاهوت الخفىّ ومجده. فهذه التربية على الانتظار التي قرأناها في التوراة، لم تقل بوضوح إن المسيح هو الله: إنّ الحدث المسيحاني حقّق هذا الرجاء ولكنّه تجاوزه. وستستغلّ المسيحيّة الأولى هذا الغنى فتعي موقع المسيح الخارق. هي تربط رسالة المسيح بكهنوت ملكيصادق لكي تجعل عمله شاملاً للكون لا محصوراً في شعب من الشعوب. وربطت المسيح بآدم الجديد أو بآدم الآخر (1 كور 15: 45- 49؛ روم 5: 12- 20).
هذا هو مسيح الله الذي ننتظره كما انتظرت ميلاده النفوس التقيّة. ننتظره يأتي في حياتنا وفي العالم، بانتظار أن يأتي ملكوته ويتقدّس اسمه في السماء كما على الأرض.
الفصل السابع
أشعيا نبي الرجاء المسيحاني

مقدمة
يذكر العهد الجديد أشعيا مراراً فيورد نصوصه أكثر ممّا يورده أي سفر آخر، ما عدا المزامير. ولقد تعلّقت الليتورجيّا بنصوص أشعيا فأوردتها في كلّ المناسبات الهامّة: الميلاد وبعده، الدِنْح والصوم، الآلام والقيامة والصعود، وما يتبعها من الأفراح المسيحانيّة. كلّ هذا يدلّنا نحن المؤمنين اليوم أننا ما زلنا بحاجة إلى كلام هذا النبيّ العظيم الذي يعلّمنا الانتظار الحقيقيّ لذلك الآتي، يسوع المسيح ابن الله وابن مريم.
وها نحن، في هذا الزمن الميلاديّ، نتوقّف عند موضوعين: البقية الباقية وعمّانوئيل. يصل بنا القسم الأول إلى الحديث عن الإيمان بالربّ. ويوصلنا القسم الثاني إلى الملك المسيحاني الذي رأت الشعوب الوثنيّة نوره.

1- البقيّة الباقية والإيمان بالربّ
حين نقرأ أشعيا، نكتشف مواضيع هامّة تحافظ على شعلة الرجاء في وقت المحنة. وهذا ما يصاى بنا إلى ما طبّقه التقليد اللاحق من نصوص، على شخص يسوع المسيح.
أ- البقيّة الباقية
ظهرت فكرة البقيّة الصغيرة أو الزرع المقدّس أول ما ظهرت، في كرازة أشعيا. وارتبطت ارتباطاً وثيقاً باعلان القصاصات الإلهيّة. فشدّدت، أكثر ما شدّدت، على قساوة هذا التدخّل المدمّر، كما قال عا 3: 12: "كما ينقذ الراعي طرفاً من الأذن، هكذا ينقذ بنو اسرائيل" (أي ينقذ شيئاً قليلاً) (رج عا 5: 15؛ 9: 8- 10). ولكن الأنبياء قد يشيرون إلى هدف مطهّر: الله يريد أن ينقّي شعبه من خطيئته كما تُنقّى الفضّة من التراب الذي علق بها.
هذا ما نقرأه في خبر الرواية التي تدشّن رسالة أشعيا النبويّة، وتجمع السمات الرئيسيّة من تعليْمه: "يكون فراغ (وحشة) عظيم في البلاد، وإن بقي فيها العُشر من بعد، فإنها تعود وتصير إلى الخراب. سيجرّد كالبطمة التي يبقى لها جذع بعد أن تقطع أغصانها. فالجذع هو زرع مقدّس" (6: 12- 13).
يرى أشعيا أن المصائب التي تحلّ بالشعب لا تعود إلى تسلّط قوى الأرض. بل هي تعبير عن غضب موقّت من قبل الربّ. مصير اسرائيل يدخل بطريقة مميزة في مخطّط الله حيث يجد علّة وجوده وما يبرّره. فوجود الشعب وتاريخه هما علامة دعوة، وهما يدلاّن كيف نمارس هذه الدعوة. في هذا المنظار، تكشف الكوارث السياسيّة فوضى أساسيّة هي فوضى الخطيئة، وتشكّل دينونة من قبل الله وحكماً: "أين أضربكم بعدُ، وأنتم تكدّسون الخيانات" (آ 1: 5).
حين دنّس اسرائيل دعوته، أغاظ الحضور الإلهيّ الذي يقيم فيه، وجرح علة وجوده. وبداية دماره هو بداية إزالته من الوجود. أمّا بقاء الشعب في الوجود فعائد إلى رحمة الله المجّانيّة: "لو لم يترك لنا الربّ بقيّة يسيرة (بعض الناجين) لصرنا مثل سدوم وأشبهنا عمورة" (أش 1: 9).
ولم يكتف النبيّ بأن يعلن الحكم. ولو اكتفى، لجعل كرازته عقيمة. لهذا، حرّك الضمائر بصور عن العقاب الذي تسبّبه قساوة الشعب. ولكنّ فاعليّة هذا التعليم ترتبط بإمكانيّة المصالحة. ثمّ إن رسالة النبيّ هي الإشادة بعناية الله بشعبه وبأمانته. إذن، لن ندهش إن كان تذكّر "البقيّة" لا يكتفي بالتشديد على الدمار. فقد رافقته إشارات عن البعد التربوي للكوارث القريبة. إن تدخّل الله لدى شعبه الخائن لن يكون تدخّل نار تحرق كلّ شيء من دون تمييز، بل تدخّل نار تفرز وتنقّي: "ويكون نور اسرائيل ناراً، وقدّوسه لهيباً يحرق ويلتهم شوكه وحسكه في يوم واحد ويفني غنى غابه وجنانه فيضحي كسقيم يذوب. وما يبقى من شجر الغابة يكون قليل العدد حتى إن صبياً يدوّنه" (10: 17- 19). وأيضاً. "وأردّ يدي عليك وأحرق خبثك في أتون وانزع نفاياتك كلّها. أعيد إليك قضاة كما في الماضي، ومشيرين كما في الأيام السابقة. حينئذٍ يدعونك: مدينة البرّ (العدل)، المدينة الأمينة" (1: 25- 26).
لقد اختبر النبيّ هذه المحنة المنقيّة والخلاصيّة حين أمسك به وحيٌ مباشر بقداسة الله فعرف أنه عدم ولا يستحقّ أن يرى حضور الله. قال: "ويل لي، قد هلكتُ لأني رجل نجس الشفتين وقد رأت عيناي الملك، ربّ الاكوان. فطار إليّ احد السرافيم وبيده جمرة أخذها بملقط من المذبح ومسّ بها فمي وقال: ها إنّ هذه قد مسّت شفتيك فأزبل اثمك وكفّرت خطيئتك" (أش 6: 5- 7).
ينطلق أشعيا من الوعد ببقيّة منقّاة في المحنة وأمينة بعد اليوم، فيعبرّ عن يقينه بإعادة البناء المقبل ويصوّر لنا المناخ الروحيّ لهذا البناء. ويشير إلى هذا الوضع اسم أحد أبناء النبيّ: يشر يشوب، أي بقيّة ترجع. "وفي ذلك اليوم لا تعود بقيّة اسرائيل والناجون من بيت يعقوب يعتمدون على من ضربهم، بل يعتمدون على الربّ، قدّوس اسرائيل. وترجع بقيّة، بقيّة يعقوب، إلى الله الجبّار". (10: 20- 21).
و"في ذلك اليوم، يكون نبت الربّ بهاء ومجداً، وثمرة الأرض فخراً وزينة للناجين من اسرائيل. ومن أُبقي في صهيون وتُرك في أورشليم يقال له قديس ويسجّل لكي يحيا في أورشليم" (4: 2- 3).
إنّ هذه النظرة إلى بناء أخير بشكل جماعة صغيرة ولكن مقدّسة، سترافق النبيّ دوماً رغم اختباره لقساوة الأمة واستمرار الصعوبات السياسيّة. وسيعبرّ عنها بصورة خاصّة في بعض الظروف السعيدة مثل اعتلاء حزقيا التقيّ للعرش، وعودة سنحاريب المفاجئة إلى بلاده. وهذه الظروف كانت بالنسبة إلى أشعيا، علامات عن تدخّل الربّ الخلاصي. "وبقيّة الناجين من بيت يهوذا تُنتج جذوراً جديدة في أسفل، وثماراً في أعلى. فمن أورشليم تخرج بقيّة، ومن جبل صهيون، الناجون. غيرة (الحبّ الغيور) ربّ الأكوان تفعل هذا" (37: 31- 32).
ويبرز هذا التأكيد أيضاً في النشيد الرائع الذي تركه أشعيا بشكل "وصيّة" (30: 8- 18). فبعد حياة طويلة ما فتىء فيها يعلن متطلبّات القداسة، اقتنع بأن البشر متقلّبون. فهو لن يشهد "عودة" يهوذا الحاسمة ولا إعادة بناء "المدينة الأمينة". ولكنّه يسند رجاءه، كما فعل في السابق، إلى أمانة الربّ ورحمته. "فهلمّ الآن واكتب ذلك على لوح أمامهم وارسمه في سفر ليكون لليوم الأخير شهادة دائمة. هذا شعب متمرّد، هؤلاء بنون كاذبون، بنون لا يريدون أن يسمعوا أوامر الربّ" (30: 8- 9). "يهرب ألف معاً تجاه تهديد واحد. وتجاه تهديد خمسة، تهربون حتى لا يبقى منكم أكثر من سارية على رأس جبل وراية على التلّة. ولكن الرب ينتظر الساعة التي فيها يتحنّن. لهذا سيقوم ليرحمكم، لأن الربّ إله عادل، فطوبى للذين ينتظرونه" (30: 17- 18).
إنّ موضوع "بقيّة اسرائيل" لا يعني، في كرازة أشعيا، إلاّ بقاء وتنقية قسم من الأمة وسط المحن القريبة. ولكنه يبرز أكثر فأكثر كموضوع رجاء يلقي الضوء على المناخ الروحيّ الذي ألمّ ببعض الأقوال في عمانوئيل (7: 14- 15؛ 9: 1- 6؛ 11: 1- 9). وهو يبرّر هكذا التفسير المسيحاني الذي أعطاه التقليد لهذه النصوص.
وسيستعيد أشعيا هذا الموضوع في معنى مسيحاني وشامل فيقول: "وفي ذلك اليوم، يقوم أصل يسّى كراية للشعوب. ايّاه تلتمس الأمم، ويكون مقامه مجيداً. في ذلك اليوم، يمدّ الربّ يده ثانية ليفتدي بقيّة شعبه... ينصب راية للأمم ويجمع منفييّ اسرائيل. يضمّ مشتّتي يهوذا من أربعة أطراف الأرض" (11: 10- 12).
في هذه القصيدة، يدلّ "أصل يسّى" الذي ينتصب كراية للشعوب، على سلالة داود التي صارت نقطة تجمّع للمدعوين من المسكونة كلها.
ب- الإيمان بالربّ وبتدخله الخلاصي
يرتبط موضوع الإيمان ارتباطاً وثيقاً مع النبوءة التي تعلن الشقاء: هناك أمر ملحّ ومتطلبات لنبقى أحياء: "إن لم تؤمنوا، لن تكونوا في أمان، لن تبقوا أحياء" (7: 9- 10).
ويعارض النبيّ الحسابات السياسيّة التي يأخذ بها المسؤولون في الأمّة. هم لم يفهموا حقاً أن تاريخ شعبهم تاريخ مقدّس يقوده الله ويتّخذ فيه المبادرة. هم يحسبون حساب القوى الفاعلة ويُكثرون من الدسائس، ولكنّهم لا يجعلون اتّكالهم على الله الحاضر في صهيون حضوراً مقدساً.
"ويل للذين ينزلون إلى مصر طلباً للحماية، للذين يعتمدون على الخيل ويتوكّلون على المركبات الكثيرة وعلى الفرسان الأقوياء، ولكنّهم لا يلتفتون إلى قدّوس اسرائيل ولا يلتمسون الربّ" (31: 1).
وسيعود موضوع الإيمان لا في إطار هجومي، بل هو يعبرّ عن الثقة بأن الله يحفظنا وسط المحن، كما عن حالة النفس لدى جماعة أعيد بناؤها: "ها إني واضع في صهيون حجراً شاهداً، حجر زاوية، حجراً ثميناً وأساسياً، من يؤمن به لا يتزعزع. وأجعل من الحقّ حبلاً للقياس ومن البرّ معياراً" (28: 16- 17).
ما هو حجر الزاوية هذا الذي تشهد الكتابة فيه على فاعليّة الإيمان؟ هل هو مجرّد تذكّر؟ هل هو بقيّة اسرائيل المنقّاة؟ هل هو عمانوئيل نفسه؟ يبدو أن أشعيا يتطلع إلى مجموعة المؤمنين الصغيرة، التي هي الشاهد للثقة بالربّ وأساس المدينة المقدّسة. وما يؤكّده النصّ بوضوح هو أن الربّ هو الكافل الوحيد لبقاء الأمة.
وحين تهدّد وجود هذه الأمة طموحاتُ الممالك الكبرى، تصبح كرازة الإيمان بالربّ إعلاناً لتدخّله الخلاصي. فحضور "قدّوس اسرائيل" في صهيون يتطلّب من الشعب نقاوة، ولكنه يكفل له أيضاً أنه لا يُمَسُّ. فخلال الحرب الآرامية الافرائيميّة سنة 735، وخلال حصار أورشليم على يد سنحاريب سنة 701، أعلن أشعيا المقاومة والاتكال على الله، لا لاعتبارات سياسيّة أو استراتيجيّة، بل لأن الربّ هو هنا. فعلامة "عمانوئيل" (الله معنا) المعطاة لآحاز، تعلن حضور الربّ الفاعل (7: 14). وسيعلن أشعيا مراراً تأكيدات مماثلة فيقول: "إعلموا أيها الشعوب وتحطّموا. إسمعوا أيتها الأمم البعيدة. إلبسوا سلاحكم وانسحقوا. ابنوا مشاريع فتدمّر. إن قلتم كلاماً فلا يثبت لأن الله معنا (8: 9- 10). ونقرأ في 14: 32: "أسّس الربّ صهيون فيلجأ إليها بائسو شعبه" (10: 24- 27). وفي 3: 5: "كالطيور التي تبسط أجنحتها، ربّ الأكوان يحمي أورشليم، يحميها، ينقذها، يعفو عنها، ينجّيها".
إن اعلانات الثقة هذه مع التعاليم التي تتضمّنها، تتجاوز الظروف التي حرّكتها. إنّها تتجذّر ولا شكّ في الوجدان الحميم للعهد ولمصير اسرائيل المميَّز. لا شكّ في أنّ نظرة أشعيا تبقى زمنيّة: هي تجعل هذا المصير في المجال التاريخي، ولكنّها تشير أيضاً إلى البعد الروحيّ. بما أنّ التهديدات على الأمّة ترتبط بخيانة الشعب، فعملُ الله وحمايته يرافقان إعادة بناء الأمّة بناءً دينياً. الله هو مخلّص شعبه، لا لأنه ربّ الجنود الذي يحطّم القوى المعادية، بل لأنه ينقيّ هذا الشعب فيصبح اختياره له ملء الاختيار. "في التوبة والراحة كان خلاصكم. وفي الطمأنينة والثقة كانت قوتكم، لكنكم لم تريدوها" (30: 15). ويقول أشعيا أيضاً: "حين يغسل الربّ قذارة ابنة صهيون وينقّي أورشليم من الدماء المسفوكة" (4: 4). ويقول: "أقطري أيتها السماوات النصر كالندى، ولتمطر الغيوم البرّ. لتنفتح الأرض ويبلغ الخلاص" (45: 8).
هذا النصّ الأخير يفتح الدرب، بصورة خاصة، على تفسير مسيحاني مميّز ردّدته الليتورجيّا: اقطري أيتها السماوات ولتمطر الغيوم الصدِّيق. لتنفتح الأرض وتُخرج المخلّص.

2- عمّانوئيل والملك المسيحاني
إنّ متطلبات الأمور الآنيّة جعل كرازة أشعيا تكدّس التوبيخ والتهديد، ولكنّها لم تُخفِ النداء إلى الرجاء المرتبط بإيمان النبيّ بقدرة الله ومحبّته ورحمته. إن هذه النظرة تبدو بوضوح في أقوال ترد في "دورة عمانوئيل"، التي ارتبطت بالإيمان المسيحاني في التقليد اليهودي وفي المسيحيّة الأولى. وهناك علاقة متينة بين سّر مولد المخلّص والأحداث التي تشير إليها هذه الأقوال النبويّة: البشارة بعمانوئيل (7: 14)، ولادة أمير السلام (9: 1- 6)، مجيء ملك البرّ وعهد سلام (11: 1- 9).
أ- آية عمّانوئيل (7: 10- 25)
لقد دلّ أشعيا نفسه على الظروف الخاصّة التي أعلن فيها هذا القول النبويّ. في سنة 735- 730 وخلال الحرب الآرامية الافرائيميّة التي هدّدت سلالة داود، حاول النبيّ أن يبعد آحاز عن معاهدة خطرة مع الآشوريين، ودعاه إلى الاتّكال على الربّ وحده (7: 4- 9). وإذ أراد النبيّ أن يثبّت إيمان الملك المتزعزع، عرض عليه "آية"، تدلّ على إرادة الله وقدرته التي تحمي شعبه وملكه (7: 10- 11). تظاهر آحاز بالتقوى، ولكنه تابع سياسة المعاهدات (آ 12). أمام هذا الموقف الملتبس والإيمان الناقص الذي عرفه بيت داود، أعلن أشعيا أن الربّ يتّخذ المبادرة ويقدّم آية: مولد عجيب لولد يشير (ويحقّق) اسمه إلى حضور الله الفاعل وسط شعبه: عمّانوئيل أي الله معنا. سيعرف هذا الولد أولاً حماية الله ومحنة البريّة (آ 15). وقبل أن يبلغ سنّ الرشدُ ستسلّم أرض الأعداء إلى الدمار (آ 16).
يفترض السياق التاريخي لهذا القول أن الولادة المنتظرة قريبة. وقد تشير الآية أولاً إلى دمار الِحلف الآرامي الافرائيمي (آ 16)، قبل أن تدلّ على الطابع العجيب لولادة عمّانوئيل أو شخصيّته (آ 14). ثمّ إنّ القول النبويّ لا يوحي فقط بالسعادة. سيبقى الشعب حيّاً، ويستمرّ النسل الملكي، ولكن هذا الاستمرار ترافقه محن قاسية. في هذا المجال نلتقي بالأقوال عن البقيّة الباقية وعن الإيمان بتدخّل الربّ الخلاصي.
سيفهم عمّانوئيل أنه سيّد أرض يهوذا والملك المسيحاني، وستوضح الترجمة اليونانيّة الطابع العجائبي لولادة عمّانوئيل: إنه شخص مقدّس وقد أوكلت إليه مهمّة إلهيّة. وسيطبّق متى (1: 23) هذا النص على يسوع المسيح وعلى ولادته البتوليّة.
أشار القول النبويّ أولاً إلى حزقيا بن آحاز، فكان قوله فعل إيمان في ثبات سلالة داود التي اعتبرها الكاتب الملهم كفيلة باستمرار رسالة شعب الله. يتمتّع فعل الإيمان هذا بآنيّة ترتبط بالوضع السياسي في هذا الوقت. ولكنّه يتجاوز في مدلوله العميق الأحداث التاريخيّة ليعلن مصير الشعب الذي تميّز بحضور الله. في هذا المنظار نقرّب بين 7: 14- 17 و9: 1- 6؛ 11: 1- 12.
بمختصر الكلام، إن القول عن عمّانوئيل وحده لا يتيح لنا أن نؤكّد أن أشعيا رأى بوضوح مولداً عجيباً لملك مسيح، أو أنه رأى مسبقاً ولادة يسوع البتوليّة. يتعلّق انتباه النبيّ ببطلان المشاريع الآراميّة الإفرائيميّة وبمخاوف آحاز. أمّا ولادة عمّانوئيل فهي آية وعلامة، لا موضوع الوعد عينه. ولكن الاسم الذي يحمله الولد يدلّ على ثقة تتجاوز أزمة حاضرة تتألّم منها الأمة: فالإيمان الذي نجده في القول عن عمّانوئيل قريب من الإيمان بالبقيّة الباقية. وهو يتصمّن التوسّعات المسيحانيّة اللاحقة ويتحقّق أكثر ما يتحقّق في مجيء يسوع المسيح وملكوته (مت 1: 23). بالإضافة إلى هذا، نستطيع أن نفترض أن الولادة التي استشفّها أشعيا بصورة مباشرة هي ولادة أمير وارث يضع فيه النبيّ رجاء إعادة بناء الأمّة تحت نظر الربّ. إن قول أش 7: 14 هو شكل بدائي لمسيحانيّة ملكيّة سيجد توضيحه في القولين الشهيرين: 9: 5- 6 ومولد الولد الملكي، 11: 1- 9 ومجيء ملك البرّ والعدل.
ب- مولد الولد الملكي (9: 5- 6)
ارتبط 7: 14- 25 بدمار الأعداء قبل أن يرتبط بشخص عمّانوئيل ونشاطه. ولكنّ الأمر ليس هكذا بالنسبة إلى 9: 5- 6. فمجمل المؤوّلين الكاثوليك يأخذون بالمدلول المسيحاني لهذا القول النبويّ. قد يكون نشيد التهليل هذا قد ألّف بمناسبة ولادة الأمير الوارث (مثلاً حزقيا)، ولكنّ الألقاب التي يمنحها أشعيا للمولود الجديد والمهمّة التي يسلّمه إياها تدلّ بما فيه الكفاية، على أن الكاتب الملهم يرى فيه، بصورة رئيسيّة، الوكيل المميّز على مخطّط الله تجاه شعبه.
لم يزل الأفق المباشر سياسيّاً: فولادة الأمير الصغير فجرٌ يعلن تحرير قبائل الشمال التي أخضعها الملك الأشوري من مدّة قصيرة: "الشعب السالك في الظلمة أبصر نوراً عظيماً... لأنّ النير الثقيل والعصا على الكتف وقضيب التسخير قد كسّرتها كما في يوم مديان... لأنّه وُلِدَ لنا ولد، أُعطي لنا ابن وسلّمه الله كامل السلطان" (9: 1، 3، 7).
ولكنّ الأمير ليس فقط معيد وحدة مملكة داود المنتظر. فالنبيّ يفكّر أولاً بالوجه الروحيّ لحكمه، وهكذا يتبرّر انتظار الخلاص. فهذا الأمير يجمع في شخصه مزايا الملوك العظام الذين منحوا الأمّة ازدهارها، والذين اعتبرهم التقليد خدّام الربّ ومرسليه الحقيقيّين. سيتمتّع هذا الأمير بحكمة سامية، علويّة مثل سليمان (عجيباً، مشيراً). ومآثره تشبه مآثر داود فتدلّ على حضور الله الفاعل (إلهاً جبّاراً). سيمتدّ ملكه فيكون أباً لشعبه (أبا الأبد) وتتأكّد سلطته بالسلام (أمير السلام). وفوق هذا، سيؤسّس ملكه على مبادىء الحقّ والعدل فيعارض الحكّام الذين لم يكونوا جديرين بسلطتهم فاجتذبوا على اسرائيل غضب الله.
من المهمّ أن نلاحظ الخيال في تصوير هذا الملك السعيد الذي لا يستند إلى ما هو معقول عند البشر. ولكنّ أشعيا ينسب مجيء هذا الزمن المبارك (آ 1) إلى أمانة الله وحدها وإلى محبّته. فالولد الملك هو صغير، فلا نستطيع أن نكتشف شجاعته وحكمته، ولكن مولده وحده هو عربون يدلّ على أن الربّ ما زال يهتمّ بشعبه. لقد تحقّق الآن ما وعد به الربّ آحاز في أش 7: 14. من المعقول أن تكون القصيدة قد قيلت في ظروف تاريخيّة ملموسة، ولكن النظرة اللاهوتيّة تتعدّى هذه الظروف بشكل لا يحدّ.
يعبرّ النبيّ عن موضوع الرجاء هذا بشكل مسيحاني. إنه ينتظر واثقاً، ظهور محبّة الله تجاه شعبه. ويتخيّل هذه المحبّة بشكل مُلك مجيد وخيرّ، هو استعادة مثاليّة لممالك الماضي المجيدة. ويرى الباكورة في مولد هذا الأمير الصغير الذي يأخذ على عاتقه في هذه الأزمنة القلقة، مصير سلالة داود ومواعيدها. ولكن الكلمات المستعملة للتكلّم عن هذا الحدث تدلّ بما فيه الكفاية، على أن النبيّ يستشفّ، عبر التفسير الديني للحاضر، استمراريّة مخطّط الله الذي سيتمّ بصورة نهائيّة في يسوع المسيح.
إذن، لا نفهم هذا النشيد عن الوارث الملكي فقط بالنسبة إلى وضعه التاريخي الخاصّ. فهو ملهم، ولهذا يدخل في تواصل التقليد البيبليّ فيهيّىء الدرب للوحي اللاحق، ويستنير بنوره. وبقدر ما تترجم صورة الملك المثالي الموضوع الأخير لرجاء أشعيا، فهي لا تجد تطبيقها التام في ملوك الأرض حتى أفضلهم. من هذا القبيل هي تعلن مجيء الربّ يسوع ومملكته الروحيّة.
نحن هنا أمام نصّ يمثّل المسيحانيّة الملكيّة في العهد القديم، وقد رأى التقليد المسيحي ملء تحقيقه في الربّ يسوع. ولهذا استعملته الليتورجيّا لتحدّثنا عن مولد يسوع. بل لتعرّفنا بالبُعد الحقيقي لمثل هذا الحدث.
ج- مجيء ملك البرّ وإقامة سلام شامل (11: 1- 9)
هذا القول هو من وجهة الايديولوجيا الملكية توضيح لنصّ أش 9: 5- 6. هو يكشف نضوجاً في الانتظار المسيحاني لدى النبيّ. فصورة الملك قد تحرّرت من كلّ عودة إلى أحداث تاريخيّة ملموسة. وبرز ميل إلى إظهار الوجه المثالي. أكّد أشعيا، من جديد، رجاءه وكأنّي به لم يعد ينتظر تحقيقه الكامل في وقت قريب.
نكتشف في هذه القصيدة، استمرار المواضيع الدينيّة في كرازة أشعيا. إنّ النبيّ يجعل ذلك الذي يقود مصير الشعب إلى كماله، في سلالة داود. وقد ورث هذا اليقين من تقليد قديم نجد آثاره في نبوءة ناتان (2 صم 7- 16). غير أن الألفاظ المستعملة هنا لتدلّ على ظهور الملك المسيحاني، هي قريبة من تلك التي تتحدّث عن البقية الباقية: "يخرج قضيب من جذر يسّى، وينمي فرع من أصوله" (11: 1).
فالملك المثالي لن يكون فقط امتداداً للسلالة. فهي ستعرف أولاً التنقية بواسطة المحنة. ثم إن عطيّة روح الربّ تشير، في الوقت عينه، إلى مبادرة الله في عمل البناء وإلى العلاقة الحميمة بين ممثّل السلالة والربّ. فممارسة السلطة في هذا الملك المنتظر توافق مشيئة الله وروح عهده (آ 3- 5). وسوف تتوسّع رؤية الكاتب الملهم فتعبرّ عن الزمن الجديد في صورة يملأها الحنين إلى فردوس مفقود.
"يسكن الذئب مع الحمل، ويربض النمر مع الجدي... لن تكون إساءة أو دمار في كلّ جبلي المقدّس لأن الأرض تمتلىء من معرفة الربّ" (11: 6- 9).
هل نحن أمام عودة فردوس فقدناه، أم أمام صورة تدلّ على نهاية العنف؟ إن آ 9 تفترض أن افق أشعيا يتّسع على مجمل شعب الله، ولكنّه لا يضم البشريّة كلها. هو لا يتطلّع إلى تجديد الكون كلّه وتناسقه، بل يرسم لوحة يشبّه فيها الناس بحيوانات وادعة أو مفترسة. وفي إطار "معرفة الله"، لن يهدّد أحد المتواضعين، ويأخذ الأغنياء كلّ ضعيف بعين الإعتبار.
إن رؤية السلام المسيحاني ستملأ عقول الأنبياء فيعبرّون عنها في معنى شامل واسكاتولوجي يصل بنا إلى تمثّل الخليقة الجديدة والمدينة السماويّة التي تحدّث عنها سفر الرؤيا (21: 1- 4؛ أش 65: 17- 25).

خاتمة
ليس دور النبيّ فقط في أن يتنبّأ بشكل عجائبيّ بالأحداث المقبلة، سواء كانت بعيدة أم قريبة، ولا أن يحمل من قبل الله تعليماً عقائدياً أو أخلاقياً. النبيّ هو الذي يستنير بنور الروح فيميّز في ظاهر التاريخ البشري استمرار تتمّة مخطّط الله. ومهمّته هي أن يعلن آنيّة هذا التدخّل الإلهي ووجهته الأخيرة. فالأحداث المفرحة أو المؤلمة التي يعرفها الشعب، ليست ثمرة الصدفة أو السياسات البشريّة. إنها الموضع الذي فيه ينضج مخطّط الله، وعلامة انتشاره في العالم.
يتوجّه القول النبويّ إلى الشعب ليجعله يعي حضور الله الفاعل فيكيّف حياته حسب وضعه كشعب مكرّس لله... وهدف تذكّر الماضي والنظر إلى المستقبل هو أن يُفهمنا الحاضر فهماً دينياً. فتاريخ الشعب "مقدّس"، إنه ظهور (تيوفانيا) مستمرّ لله. والحدث يكشف هدف الله ويجسّده في فاعليته، وهو يتضمّن التوسّعات اللاحقة. الحاضر نبوءة و"سر". والقول النبويّ يشير إلى بُعد هذا السّر.
حين طبّق التقليد المسيحيّ الأول بعض النبوءات على يسوع، فهو لم يُرد أن يقول إن هدف هذه النبوءات كان حصراً، رسم تاريخ ذلك الآتي. ما أراد أن يقوله هو أن يسوع هو كمال الأسفار المقدّسة. إنه ملء ظهور مخطّط الله العظيم وتحقيقه النهائي. وفي منظار هذه التكملة تصبح مختلف مراحل تاريخ اسرائيل تهيئة تشير إلى المسيح، وصورة تدلّ عليه. فالأحداث الكبرى في حياة الشعب هي أعمال الربّ، وبالتالي هي نموذج لما سيتحقّق في النهاية. والعاملون في التاريخ المقدّس يصبحون صورة عن المسيح لأنهم يخدمون عمل الله.
هذا ما وجّهنا إليه أشعيا النبيّ. نظر إلى ملك محدّد وإلى وضع تاريخي عرفه في أيامه. ولكنّ الكلمة التي أطلقها تعدّته وتجاوزته لأنها أيضاً كلمة الله، ولهذا فنحن نقرأها اليوم وكأنها قيلت عن المسيح يسوع الذي نعيّده في زمن الميلاد هذا.
الفصل الثامن
انتظار المسيح في بداية المسيحية

لا نستطيع أن نفهم الوجه التاريخي ليسوع الناصري دون أن نبحث الاطار الذي فيه تكوّن: إطار الانتظار والرجاء اليهودي. إنّ يسوع تكوّن في شخصيّته بالمحيط الذي فيه وُلد، فأخذ على عاتقه هذا الرجاء ليحوّله من الداخل. هو لم يعارضه بل جعل بعض إمكانيّاته الخفيّة تصل إلى أقصى حدودها. ثمّ صار بنفسه مركز شكل جديد لرجاء هو امتداد لرجاء اليهود وتكملة له. وإذا أردنا أن نتعرّف إلى هذا الواقع، نستحضر الاطار الحضاري والديني الذي عاش فيه يسوع وحيث ترسّخ الرجاء المسيحي. فعلى هذين المستويين من التاريخ، جاءت لغة الرجاء من العالم اليهودي، أكان ذلك في ما يخصّ المسيح أو المسيحيّة الأولى.

1- مواضيع الرجاء
ولكن لا بدّ من تمييز مواضيع الرجاء اليهودي، لأنّ العهد الجديد لم يأخذها كلّها بالقدر عينه. فإذا أردنا أن نجمل الأمور نجد قطبين اثنين: بعضها يدور حول ملكوت الله والخيرات التي يحملها للبشر فيحقّق خلاصهم. والبعض الآخر يتعلّق بالمسألة المطروحة بتحقيق هذا الخلاص بفضل من سيكون وسيطه. وعلى مستوى الكنيسة، هناك نصّ من أعمال الرسل يساعدنا على تثبيت أفكارنا. قيل عن فيليبس أحد السبعة الذين ترأسوا جماعة المسيحيّين الهيلينيّين (يتكلّمون اليونانيّة) أنّه أعلن "إنجيل ملكوت الله واسم يسوع المسيح" (أع 8: 12). فالانجيل يفترض أن ملكوت الله قد جاء بعد أن دشّنه يسوع كحدث تاريخي. ولكن في الوقت عينه، يسوع هو كالوسيط بما أنّه المسيح الذي انتظره شعب اسرائيل. أمّا على مستوى يسوع، فبشارة الخلاص الموعود بها في الكتب المقدّسة تركّزت على موضوع واحد: "لقد تمّ الزمان واقترب ملكوت الله. فتوبوا وآمنوا بالانجيل" (مر 1: 15). نجد لأوّل وهلة أنّ المسألة انتقلت من مستوى إلى آخر أو بالأحرى حصل تدخّل رئيسي: دور يسوع في تتميم المواعيد النبويّة. إذن، هي مسألة الوسيط التي نتناولها منطلقين من ألقاب جوهريّة نسبها إليه العالم اليهودي. وهكذا ننتقل إلى قلب لاهوت العهد الجديد الذي أخذ جزءاً كبيراً من ألقاب العالم اليهودي وحدّد بها وظيفة يسوع كوسيط خلاص جديد.
واللقب المركزي الذي حوله ستتمّ الشميلة النهائيّة هو لقب المسيح وهو الترجمة للكلمة العبريّة أو الآراميّة "مشيح" والتي كتبها يوحنا "ماسيّا" في شكلها اليوناني (يو 1: 42؛ 4: 25). إنّ معنى هذه الكلمة (الممسوح) يعود بنا قبل كلّ شىء إلى المسحة الملكيّة لابن داود الذي ينتظره اليهود. ولكن هناك أيضاً مفهوماً نبوياً نجده في لو 4: 18 حين يورد أش 61: 1 "روح الربّ عليّ، ولهذا مسحني لأبشّر المساكين، وأرسلني لأجر منكسري القلوب، وأنادي للمسبّيين بالافراج، وللعميان بالبصر، وأشدّد المنسحقين بالغفران". وهناك ألقاب أخرى تدور في فلك لقب المسيح. فان كان الله، حين أقام يسوع، جعله ربّاً ومسيحاً (أع 2: 36)، فهذا يعني أنّ لقب الربّ هو لقب ملوكي. وهنا نتذكّر في هذا المجال الجدال الذي أورده الإزائيّون (متّى، مرقس، لوقا) والذي واجه فيه يسوع الكتبة اليهود. نقرأ في مز 110: 1: "قال الربّ (= الله) لربيّ (= لسيّدي الملك): اجلس عن يميني". إذن، يطرح السؤال: إذا كان داود نفسه يسمّيه ربّه، فكيف يكون ابنه (مر 12: 35- 37). وإنّ لقب ابن الله الموضوع قرب لقب المسيح في بداية إنجيل مرقس (1: 1)، هو في قلب كلّ إعلان إنجيلي (مثلاً أع 8: 37؛ 9: 20)، وهو يرتبط بالكتب التي تعود بنا إلى المسيح ابن داود. ولقد قال سفر الأعمال أيضاً: إذا كان الله قد أتمّ مواعيده في يسوع، فهذا يعني أنّه حقّق، حين أقامه من بين الأموات، ما قاله المزمور: "أنت ابني. أنا اليوم ولدتك" (أع 13: 32- 33). وهو يرد في "وجدان بنوي" يترجم الشكل الأصيل والفريد لعلاقته بالله. ولكن تطبيق مز 2: 7 في سفر الأعمال دلّ عليه انّه، بصفته ابناً، أتمّ وظيفته كمسيح ملوكي. وهذا يفرض علينا أن نعرف الفكرة التي تكوّنت لدى يهود عصره عن هذه الوظيفة. فالاستعمال المسيحي للقب ابن، ليس له المفهوم الذي نجده في النصوص البيبليّة أو اليهوديّة. قد يعني لقب ابن الله في العالم اليهودي "الملك". أمّا في العالم المسيحي فلقب ابن الله يدخلنا إلى قلب الثالوث الأقدس ويحدّثنا عن علاقة الآب والابن المتساويين في الألوهة مع الروح القدس.
وبجانب المسيحانيّة الملوكيّة، هناك تمثّلات أخرى لوظيفة الوساطة راجت في أفكار الناس في زمن يسوع بعد أن استندت إلى الكتاب المقدّس. ونجد في أكثر من كتاب لوحات اسكاتولوجيّة (تتعلّق بنهاية مخطّط الله، بنهاية الأزمنة) لا نجد فيها أي ذكر للوسيط. وجرت العادة لدى شرّاح الكتاب المقدّس أن يتكلّموا عن "مسيحانيّة من دون مسيح". ولكن التناقض واضح في الكلمات عينها. نجد أنّنا نلاحظ أنّ المسيحانيّة بحصر المعنى لم تحتلّ إلاّ فسحة ضيّقة في الاسكاتولوجيّا اليهوديّة. ونجد أيضاً نصوصاً يرتبط فيها الرجاء بصور وساطة مختلفة. ففي تيّار ينتمي إلى بني لاوي المسؤولين عن الخدمة الكهنوتيّة في شعب إسرائيل، ارتسمت صورة "مسيح كهنوتي" تمثّله الناس على مثال الكاهن الأعظم الذي تكرّسه المسحة. تجاه هذه الصورة، ستقدّم الرسالة إلى العبرانيّين صورة كهنوت المسيح الملوكي، الذي لا يتأسّس على انتماء إلى سلالة هارون، بل إلى البنوّة الإلهيّة. قالت الرسالة: "فلو كان يسوع في الأرض لما أقيم كاهناً، لأن هناك من يقدّم القرابين وفقاً للشريعة. هؤلاء يخدمون صورة وظلاًّ لما في السماوات" (8: 4- 5). وقالت في مكان آخر مستندة إلى مز 2: 7. "وما من أحد يتولّى بنفسه مقام كاهن أعلى، إلاّ إذا دعاه الله كما دعا هارون. وكذلك المسيح ما رفع نفسه، بل الله الذي قال له: أنت ابني وأنا اليوم ولدتك" (5: 4- 5). وصورة النبي الاسكاتولوجيّة تبدو ضعيفة وهي تخضع دوماً لصورة المسيح. أمّا عبارة "ابن الانسان" المهمّة في الأناجيل الأربعة (وفي أع 7: 56؛ رؤ 1: 13- 26) فهي تطرح مسائل صعبة. فمنذ نصّ دانيال (7: 13- 14) الذي فيه ترد عبارة ابن الانسان للمرّة الأولى، اتّخذ هذا اللقب بُعداً مسيحانياً وطبّقه يسوع على نفسه في وظيفة خلاص يسمو على عالم البشر.

2- ثوابت الرجاء
إنّ السمات المشتركة لكلّ تعبير عن الرجاء اليهودي تأتينا من الينبوع الذي هو الكتاب المقدّس. في هذا المجال لا يفترق العالم اليهودي في فلسطين عن العالم اليهودي في الشتات. ففي كلّ مكان نجد الانتظار المسيحانيّ حيّاً. كانوا يعودون إلى أسفار موسى الخمسة ولا سيّما إلى تك 49: 18- 12: "لا يزول صولجان من يهوذا (قبيلة المسيح)، وستكون عصا الرعاية في نسله إلى أن يأتي صاحب السلطان فتطيعه الشعوب". أو إلى عد 24: 17: "أراه وليس حاضراً. أبصره وليس بقريب. يظهر كوكب من نسل يعقوب ويقوم ملك في بني إسرائيل". وكانت شهادات من أشعيا (9: 1- 6؛ 11: 1- 9) وإرميا (23: 5- 6) وحزقيال (34: 23- 25) وميخا (5: 1- 4). ونجد أخيراً مزامير تنشد في ليتورجيّة الهيكل وفي اجتماعات المجمع (مز 2؛ 18؛ 29- 31؛ 45).
في بداية القرن الأوّل المسيحي، ارتبط اليهود بتيّار الرجاء الذي اجتذب الشعب منذ زمن الملوك والأنبياء، فانتظروا مسيحاً يكون ابن داود: يحقّق أوّلاً التحرير السياسي، ينتصر على الأمم الوثنيّة، يؤسّس في أرضه نظاماً اجتماعياً عادلاً يتوافق ومتطلّبات الشريعة. يعيد إلى شعبه عظمته الأولى، ويجعل الكون كلّه يعترف بالإله الواحد، ويحقّق إشعاع هيكل إليه تحجّ الجماعات المشتّتة. وخلاصة القول، يتمّم عمل الملوك السابقين. ويبرز هذا الحلم في الأفق ساعة يُلفظ اسم المسيح. لا شكّ في أنّه خاضع لموضوع ملكوت الله المرتبط بممارسة الشريعة، ولكنّه لا يستقلّ عنه، بل هو له شرط أساسي. وهكذا يحتفظ الرجاء ببعد وطني يمتزج بالبعد الديني: فالشعب والأرض والهيكل وشعائر العبادة هي وجهات أساسيّة في الخلاص المنتظر. وطريق الفداء تمرّ من هنا.
وبجانب المسيح ابن داود، هناك انتظار النبي الشبيه بموسى (تأسّس هذا الانتظار على تث 18: 15- 19)، أو انتظار عودة إيليّا (تأسّس على ملا 3: 23). أمّا التنسيق بين مُلك المسيح المستقبلي والنهاية أي الدينونة الأخيرة التي تضع حدّاً للعالم الحاضر، وقيامة الموتى ليشاركوا في الحياة الأخرى، هذا التنسيق يتمّ بالنظر إلى الملك المسيحاني الذي هو شرط مسبق لتحقيق مخطّط الله العظيم. ونلاحظ غياب فكرة مسيح يفشل ويتألّم. وإن فسّر بعضهم نصّ أش 52: 13 تفسيراً مسيحانياً، فهم لا يربطون صورة عبد الله التي يشير إليها هذا النصّ بصورة المسيح الداودي.
وتبقى صورة ابن الانسان المدوّنة في دانيال. هناك إشارات تدلّ على مكانتها في الرجاء، لأن سفر دانيال يُعتبر نبوياً عند الفرّيسيّين كما عند الأسيانيّين (عاشوا في أديار بجانب البحر الميت). وقال عنه يوسيفوس المؤرّخ إنّه أعظم الكتب النبويّة بسبب دقّة تنبّؤاته. فهذه الصورة برزت في رؤيا عزرا (كتاب منحول) لتتحدّث عن المسيح الداودي بطريقة مبتكرة. وإنّ نشيد الليالي الأربع المرتبط بسفر الخروج (12: 42) في الترجوم الفسطيني يجمع بين صورة ابن الانسان الآتي على السحاب، وبين صورة المسيح، لا عبر فكر مجرّد بل عبر تمثّلات رمزيّة تشير إلى الخلاص العظيم.

3- اتّخاذ المواقف
ونعود إلى الأناجيل التي تعطينا لوحة متنوّعة عن الاعتقاد الشعبي في المحيط الذي عاش فيه يسوع. فيسوع حدّد موقعه بالنسبة إلى معتقدات معاصريه وسامعيه وآمالهم، ولهذا لن نندهش إذا وجدنا بعض الغموض في النصوص، وكأنّ المسيح تجنّب أن يحدّد هويّته. فكيف له أن يفعل على مستوى رسالته وعلى مستوى وظيفته تجاه شعبه، حين يخفي كلامُ الرجاء عدداً من الفخاخ؟ لو حدّد رسالته بهذا الشكل لكان الالتباس سيطر على رسالته. وها نحن نعود إلى التمثّلات عن الوساطة والخلاص لنتحقّق من موقف يسوع تجاهها.
أوّلاً: قال الأسيانيون بوجود مسيحين: كهنوتيّ ونبويّ. ولكن يسوع كان غريباً عن هذه النظرة. إنّه ليس من عائلة كهنوتيّة. ثمّ انّ تحمّسه لكهنوت عصره لم يكن بذي بال. نلاحظ أنّ العهد الجديد لم يتحدّث عن مشاركة يسوع وتلاميذه في تقديم ذبائح الحيوان أو في الولائم الدينيّة ما عدا الفصح. أمّا انتظار جماعة قمران للنبي الشبيه بموسى فقد يكون لعب دوراً في تأكيد يسوع على دعوته الشخصيّة أو في عقل سامعيه. ثم انّ مشهد مجمع الناصرة (لو 41: 16- 21) يدعونا لأن نفسّر هذا الموضوع على ضوء أش 61: 1- 2 ونقرأه في منظار اسكاتولوجي.
ثانياً: المسيحانيّة الداوديّة. لقد طُرحت هذه المسألة حول يسوع، ولكنّها لم تحتلّ مكانة مركزيّة في وعيه لرسالته: فلقد تركّزت رسالته على إقامة وإعلان ملكوت الله الذي هو موضوع الانجيل ومنظّم سائر تعاليم يسوع. إنّ هذه العودة إلى الله وحده ترتبط ارتباطاً وثيقاً بهدف كرازته: دعوة الخطأة إلى التوبة والايمان من أجل الخلاص. لقد تبدّلت الحال تبدّلاً ملحوظاً فيما يخصّ المسيحانيّة المعهودة. لا شكّ في أنّ هدف الملك المسيحاني في التقليد الفرّيسي كان دينيّاً خاصّاً: تنظيم الأمانة للشريعة في أرض اسرائيل. ولكن يسوع اختلف عنهم في هذا الهدف بالذات، لأن تتميم الشريعة في نظره (مت 5: 17) يتعدّى ممارستها المادية: "قيل لكم... وأمّا أنا فأقول لكم" (مت 5: 21، 27، 33، 38، 43). لم يكن أحد من اليهود ينتظر من المسيح أن "يعلّم بسلطان" (مر 1: 22؛ مت 7: 28). ومع ذلك، فهذ ما يقوله الانجيل.
ثالثاً: إنّ التحرير الذي انتظره كلّ اليهود من المسيح الداودي يمرّ بطريق العمل السياسي. من هنا تنظيم حزب الغيورين. ابتعد يسوع عن هذا الاتّجاه الذي ألهب الجماعات اليهوديّة ولا سيّما في الجليل. وإذا كان يسوع قد أسلم إلى السلطات الرومانيّة وحُكم عليه لأنّه طمح بالملك، فهذا عائد إلى اتهّامات تعارض قطعاً مواقفه الواضحة.
رابعاً: هل نفكّر أنّ نظرة يسوع إلى ملك الله وانتظاره للخلاص العظيم ظلاّ في عالم المثُل أو توجّها نحو الحمّى الجليانيّة (كما في أسفار الرؤيا)؟ ولكن يسوع يقطع الدرب على كلّ النظريّات حول زمن وساعة اليوم العظيم (مر 13: 32). فالله هو على الأبواب (13: 29). ولكن من جهة ثانية، لا يجيء ملكوت الله بمشهد من أحد، لأنّه حاضر وسط البشر (لو 17: 20- 21). هذه الأقوال التي تبدو في نظرنا متناقضة، تدلّ على أنّ ملكوت الله هو في نظره واقع سرّي لا نتعرّف عليه إلاّ بالوحي (مر 4: 11؛ مت 13: 11).
خامساً: تحتلّ صورة ابن الانسان فسحة هامّة في كلمات يسوع، حتى وإن جعلنا جانباً المقاطع حيث عبارة ابن الانسان تعني الانسان الذي أنا. وبما أنّ الصورة المأخوذة من دانيال استُعملت لتدلّ على المسيح الداودي، اتّخذ يسوع موقفاً بالنسبة إليها: هل اعتبر نفسه ابن الانسان أم لا؟ إنّ جوابه إلى قيافا، كما يورده الإزائيّون، هو في الوقت عينه اعتراف ولغز (مر 14: 62)، لأنّه يأتي من إنسان يُحاكم: إنّه يواجه الموت ويعلن رجاءه في كلمات كتابيّة، فكيف نوفّق بين هذه المعطيات المتضاربة؟ أمّا أقوال الإزائيّين التي فيها يتحدّث يسوع عن نفسه بصورة واضحة مستعملاً عبارة "ابن الانسان"، فهي ترتبط بإعلان موته، وهذا لا يتوافق مع نصّ دانيال. غير أنّه على ضوء القيامة سيصبح واضحاً على أنّه على المسيح أن "يتألّم ليدخل في مجده". وتبقى المقاطع التي فيها يطالب يسوع بسلطات لم يتحدّث عنها سفر دانيال (مر 10: 27). ارتبطت هذه المقاطع بأعمال رمزيّة فطرحت أسئلة ولم تعط جواباً. طرحت أسئلة علينا: "هل نؤمن أن لابن الانسان سلطاناً على الأرض ليغفر الخطايا" (مر 2: 10)؟
سادساً: وربط الشرّاح بين الإنباء بموت يسوع ونبوءة عبد الله المتألّم (أش 52: 13- 53: 12). قد يكون يسوع رأى في هذا النصّ برنامج حياة شخصيّة وإعلاناً لمصيره الخاصّ. أما هكذا فعل مع مز 22 كما يقول مرقس (15: 34: إلهي إلهي لماذا تركتني) ومتّى (مت 27: 46)؟ ولكن هذه النصوص لم تكن مسيحانيّة في نظر يهود عصره، فاعتبروها تأمّلاً في قيمة ألم البارّ عموماً. غير أنّ هذه النظرة العامّة تتوافق مع تطبيق يسوع لهذه النصوص على نفسه: لقد عاش اختبار الأبرار المتألّمين فجعل الرجاء الذي تتضمّنه هذه النصوص وكأنّه رجاؤه. ولكن يبقى أنّ الجمع بين صورة المسيح الداودي وصورة عبد الله المتألّم لن يتمّ إلاّ بواسطة الصليب الذي يفتحنا على مجد المسيح القائم من الموت.

خاتمة
تساءلنا عن المحيط الذي عاش فيه يسوع وفكّر برسالته. ولكنّنا نسينا أنّ هذا الانسان هو ابن الله أيضاً. وأنّ جوهر حياته يكمن في علاقته مع أبيه من أجل إقامة ملك على الأرض. بعد هذا، فالكلمات القليلة التي فيها نستشفّ حياته السرّية الحميمة مع ذلك الذي ناداه "أبّا"، أيها الآب، تدلّ على المكان الذي فيه تلتقي كلّ قسمات شخصيّته وتجد وحدتها. نحن ولا شكّ ننطلق من خبرته الروحيّة التي عاشها ككلّ يهودي، وهو الكلمة الذي صار بشراً وسكن بيننا، ولكنّنا نعرف أن نكتشف من خلال الانسان ذلك الذي هو لدى الله، ذلك الذي هو الله.
الفصل التاسع
دم المسح يطهرنا

"أمّا المسيح، فقد جاء حَبراً للخيرات المستقبلة... فدخل المكان المقدّس مرَّة واحدة. لم يدخله بدم التيوس والعجول، بل بدمه، فكسب لنا فداء أبدياً. فإذا كان دم التيوس والثيران يقدِّس المنجسين، فما أولى دم المسيح الذي قرَّب نفسه إلى الله بروح أزلّي قرباناً لا عيب فيه..." (عب 9: 11- 14).
هذا هو موضوع كلامنا: تطهيرنا بدم المسيح. في التاريخ القديم ارتبطت الطهارة بالقداسة ثم تعمَّقت وتروحنت. ولكن مسألة تطهير البشر لن تجد الحلَّ النهائي لها، إلاّ في ذبيحة يسوع المسيح.

1- متطلبات الله القدوس
الربُّ هو وحدَه قدوس. فإذا أراد الناس ان يقتربوا منه وجب عليهم أن يكونوا قديسين. هذا ما قاله سفر اللاويين (19: 2): "كونوا قديسين لأنَّي أنا الربّ إلهكم قدوس". وقال أيضاً: "لأني أنا الربّ الذي هو إلهكم. تقدَّستم وصرتم قديسين، لأني أنا قدوس... أنا هو الربّ الذي أصعدكم من أرض مصر لأكون إلهكم. كونوا قدِّيسين، لأني أنا قدُّوس" (لا 11: 44- 54).
ولكننا، لا نطلب الطهارة فقط. فكيف نحصل على القداسة؟ هناك طقوس التطهير: غسل ثياب (لا 11: 35)، التوضّؤ، وغسل الجسد (لا 14: 8- 9)، رشّ الماء المطهر على الدنسين (لا 19: 17- 21)، الذبائح التكفيرية (لا 4- 5). غير أن كل هذه الوسائل بدت ضعيفة وبدون جدوى. قال صاحب الرسالة إلى العبرانيين: "هذه الذبائح هي عاجزة، فلا تقدر أن تمنح الكمال للذين يقتربون منها. إن دم الثيران والتيوس لا يستطيع أن يزيل الخطايا" (عب 10: 1- 4).
إذاً، لن يبقى إلاّ تطهير بالنعمة، سيقوم به الربّ في شعبه. هو يمنحه كعطيّة مجانيّة لا يستطيع الانسان أن يحصل عليها بقواه. هكذا تنقَّت شفتا أشعيا، فاستعدَّ للانطلاق إلى الرسالة. أجل، إن الله يقدر ان "يبيّض" الخطأة. قال في أش 1: 18: "لو كانت خطاياكم كالقرمز، تبيضُّ كالثلج، ولو كانت حمراءَ كالأرجوان، تصير بيضاء كالصوف". وسيحدِّثنا حزقيال عن المياه المطهرة التي لا تفعل إلاّ لأنَّ الله يفعل فيها. أجل، إن الله يحوِّل البشر في أعمق أعماقهم. قال الربّ: "أرشُّ عليكم ماء طاهراً فتطهرون. أُطهِّركم من كل نجاساتكم ومن قذارتكم. أُعطيكم قلباً جديداً، واجعلُ في أحشائكم روحاً جديداً. أَنزعُ من صدركم قلبَ الحجر، وأُعطيكم قلباً من لحم. وأَجعل روحي فيكم وأَجعلكم تسلكون في فرائضي وتحفظون أحكامي وتعملون بها" (حز 36: 25- 27). أجل، هناك طقس جديد يقوم بحلول الروح الذي يلِج أعماق القلوب. وهذا الوعد بالخلاص، يرتبط بالعهد الجديد الذي يتحدّث عنه إرميا (31: 31- 34). نعمة الفداء هي عطيّة من الله، ولكنَّ عبد الله (أش 53: 10- 11) سيحصل عليها بذبيحة نفسه، فيكفِّر عن خطايا البشر. هنا نصل إلى المسيح الفادي الذي يحصل بذبيحته، على غفران كلِّ خطايا البشر.

2- ما ينجّس الانسان
ظلَّ مفهوم الطهارة ملتبساً في العهد القديم. لا شكّ أننا نجد في خطِّ الوصايا العشر والكرازة النبويّة، سلسلة من القيم، تجعلُ الطهارة الأخلاقية فوق كل طهارة، وترى في الخطيئة، النجاسةَ الأولى. ولكنَّ القانون المكتوب والقانون العرفيَّ ظلاَّ يحصران الحياة في سلسلة من الفرائض الدقيقة ليؤمّنا طهارة طقسيّة ستحلُّ عند الشكلانيين محلَّ الطهارة الاخلاقيّة. في هذا المجال، اصطدم الروح الجديد الذي حمله الانجيل، بتقوى الفريسيين المتعلِّقة بكلِّ ممارسات الشريعة، وما زادت عليها من التقاليد الشفهية. ويُورد متى ومرقس مشهداً نرى فيه التلاميذَ أمام الكتبة والفريسيين (مت 15: 1- 30؛ مر 7: 1- 23). تناول التلاميذ الطعام ولم يغسلوا أيديهم. إذاً، تنجَّسوا من الناحية الطقسية. وطُلب من يسوع أن يتَّخذ موقفاً، فقدَّم مبدأ يحوِّل معطيات المشكلة. قال: "ما من شيء خارج عن الانسان، إذا دخل الانسان، ينجِّسه. ولكن، ما يخرج من الانسان هو الذي ينجِّس الانسان... فمن باطن الانسان ومن قلبه تنبعث مقاصد السوء: الفحشُ والسرقة والقتل والزنى والطمع والخبث والغشُّ والفجور والحسد والنميمة والكبرياء والسفَه. جميع هذه الأمور السيِّئة تخرج من بطن الانسان وتنجِّسه" (مر 7: 15، 21- 23).
هذا هو الجواب العميق على هذا السؤال. فالمهمُّ ليسَ الطهارة الطقسيّة بل الطهارة الأخلاقيّة. الحاجز الحقيقيّ الوحيد في العلاقات الدينيَّة بين الانسان والله هو الخطيئة الارادية التي تخرج من قلبه الشرير. لا شكَّ في أنَّ تلاميذ يسوع لم يستخرجوا حالاً، من هذا المبدأ، كلَّ النتائج المنطقيّة المتفرِّعة عنه. فقوَّة العادة كانت تُخضعهم لنير الشريعة اليهوديّة. وهذا ما نلاحظه، بمناسبة عماد الضابط كورنيليوس (أع 10: 1- 11: 18): لقد احتاج بطرس إلى رؤية سماوية ليتغلّب على تردُّداته ويعلمَ ان ليس من حيوان نجساً (ما طهَّره الله لا تسمِّه نجساً، 10: 15)، وأن ليس من إنسان نجساً بسبب انتمائه العرقي، إذا كان الله قد طهّر قلبه بنعمته. وهكذا أُسقطت كلُّ موانع الشريعة اليهودية. وتلك كانت الطريق التي سار فيها بولس بعزم، فأَعلنَ الانجيل للوثنيّين ولم يفرض عليهم ممارسات الشريعة اليهودية، إلاّ ما كان منها أخلاقياً.

3- خطأة مطهَّرون بدم يسوع
ولكن، تبقى المسألة الأساسيّة: مسألة الخطيئة التي هي النجاسة الجوهريّة في الانسان. إذا كان الانسان يعجز عن تطهير ذاته بقواه الخاصَّة، كما يقول الأنبياء وصاحب سفر المزامير، فكيف يحصل على النعمة الضرورية؟ أجاب التعليم الانجيلي: بموت يسوع وقيامته. وهذا سرُّ إيماننا الجوهري. هنا، ندخل في تفكير دينيّ جديد يوحِّد معطيات العهد القديم ويكون امتداداً لها.
دشّنَ هذا التفكير يسوع نفسه (كما يقول الإزائيون) حين فسَّر مُسبقاً، معنى موته القريب. أظهر من جهة، أنّ فيه تتحقّق ذبيجة التكفير التي قدَّمها عبد الله: إنّ ابن الانسان جاء ليَخدم ويقدِّم ذاته ذبيحة عن الكثيرين (مر 10: 45؛ أش 53: 10- 12). وخلال العشاء الأخير قال: "هذا هو دمي... الذي يُراق عن الكثيرين لمغفرة الخطايا" (مت 26: 28؛ أش 52: 12). ومن جهة ثانية، عرف أنّ موته يختم العهد الجديد الذي أعلنه الأنبياء فقال: "هذه الكأس هي العهد الجديد بدمي الذي يُراق عنكم" (لو 22: 20) لهذا، فالخيرات الأسكاتولوجيّة الموعود بها لزمن العهد الجديد، سيعطيها يسوع لأخصَّائه، حين يُتمّ ذبيحته. وحين يقوم، يدعوهم لكي ينتظروا الروح القدس (أع 1: 4- 5؛ يو 20: 22).
إن موت يسوع وقيامته هما النقطة التي إليها توجَّهت أقوال الأنبياء. فعلى ضوء هذه الأقوال، وُجدت نبوءة عبدالله المتألم، ووعد العهد الجديد الذي عبرًّ عنه إرميا، وقول حزقيال في تطهير البشر وتحويل قلوبهم بروح الله، كلُّ هذا وَجد معناه النهائيء وإنَّ غفران الخطايا وعطيّة الروح هما وجهان لعمل إلهيّ واحد. إنَّهما مثل موت المسيح وقيامته في المجد اللذين هما وجهان لسرِّ واحد: أُسلمَ المسيح من أجل خطايانا، وقام من أجل تبريرنا (روم 4: 25).
غير أنّ التفكير المسيحي يقدر أن يتوقَّف على التوالي، على إحدى وجهتَي هذا السرّ: جعله الله كفَّارة بدمه (روم 3: 25). هذه هي علامة الحبّ السامي الذي لم يتردَّد الربُّ في أن يمنحنا إيّاه: لسنا نحن الذين أحببنا الله، ولكنَّه هو الذي أحبّنا وأرسل ابنَه ذبيحة تكفيرية عن خطايانا (1 يو 4: 10)، وإليك الآن الوجهة الثانية: فيسوع هذا، قد أقامه الله من بين الأموات. والآن، وبعد أن تمجَّد من عن يمين الله، نال في الآب الروحَ الموعود به وأفاضه علينا (أع 2: 32). وهكذا، فتبرير البشر بدمِ المسيح (روم 5: 9)، لا يكمن فقط في محوِ ذنوبهم. إنَّه يتضمَّن أيضاً، خلقاً حقيقياً جديداً لكيانهم.
وتتميَّز الرسالة إلى العبرانيين عن سائر أسفار العهد الجديد في أنها توسَّعتْ بطريقة منهجية، في لاهوت الفداء هذا، في وجهتيه معاً. فذِكر عبدالله المقدَّم ليزيل خطايا الكثيرين (عب 9: 28) يلتقي بليتورجية التكفير التي يتمُّها الكاهن الأعظم في يوم الغفران (عب 9: 7). نحن هنا أمام صورة ضعيفة للمسيح الذي دخل مرَّة واحدة في المعبد السماوي، لا بدم التيوس والثيران، بل بدمه الخاصّ فنال لنا فداء أبدياً (عب 9: 12). ولكنَّ هذه الذبيحة كانت أيضاً ذبيحة العهد الجديد التي تُتيح لنا الدخول إلى المعبد السماوي (عب 10: 19). لهذا نستطيع منذ الآن، أن نقترب من الله في ملء الايمان، بعد أن تنّقت قلوبنا من كلِّ نجاسات الضمير الشرِّير واغتسل جسدنا في ماء طاهر (عب 10: 22).
إنّ طقس العماد يفعل فينا التطهير الباطني الذي وعدنا به حز 36: 25- 27، لأنّه يفيض علينا الروح القدس (أع 2: 38). وإذا كانت التوبة صارت ممكنة لنا، فبالنعمة التي نالها لنا يسوع بدمه. ونحن كخطأة تائبين، نقدر الآن أن نتلو مزمور "ارحمني يا الله"، ونحن متأكِّدون من أن الله يخلق فينا قلباً نقيّاً.

4- إنضمامنا إلى الشعب المقدس
حاول العهدُ القديم أن يكوّن على الأرض شعباً مقدَّساً أي مكرَّساً لله (خر 19: 6). وهدفت علامة دم العهد (خر 24: 8) إلى هذه الغاية. كما أنَّ عطيَّة الشريعة آلت هي أيضاً، إلى ذلك: "كانوا قديسين كما أني أنا الربّ فدوس" (لا 19: 2). ولكنَّ مثل هذا السرِّ حُفظ للعهد الجديد، لأنّ وجود الخطيئة في العالم، أخذ من تدبير الشريعة كلَّ قوة وكلَّ فاعلية. أمًّا الآن، وبعد أن أراق المسيحُ دمه الكفاريّ (عب 12: 24) ليعقد معنا عهداً جديداً، اقتنى لنفسه شعباً هو الأمّة المقدسة (1 بط 2: 9) الحقيقيّة، هو الكنيسة التي جعلها عروسه وجسده. وهذه الكنيسة لا تستند لكي تبقى طاهرة، إلى الضحايا الحيوانية ولا إلى رشِّ المياه الطاهرة. فالمسيح نفسه أسلم ذاته لأجلها ليقدِّسها بغسل الماء الذي ترافقه الكلمة (أف 5: 26): هذا هو معنى المعمودية التي بها يدخل المؤمنون في الكنيسة. صاروا أطهاراً لا بفضل ممارسات الشريعة، بل بفضل كلمة المسيح التي تفعل بواسطة الطقس (يو 15: 3). لأنه ان كان المسيح تكرَّس لله ذبيحة وضحيّة، فلكي يتقدَّس تلاميذه أنفسهم (يو 17: 18- 19).
نحن أعضاء هذا الشعب المقدّس الذين تمَّت لهم المواعيد الإلهيّة. فلم يبقَ لنا إلاّ أن نعيش حياة تليق بدعوتنا. من هذا القبيل، لا تكون شريعة المسيح (غل 6: 2) أقلَّ تطلُّباً من الشريعة القديمة، ولكنَّ متطلباتها تبرز بطريقة مختلفة. فإرادة الله هي تقديسنا. وهذا التقديس ينفي النجاسة بكل أشكالها (1 تس 4: 3- 7): لا النجاسة الطقسيّة التي لا مكان لها في شعب تحرَّر من عبودية الشريعة، بل النجاسة العميقة والخطيرة التي هي خطيئة الانسان (أف 4: 19). ثم إنّ إرادة الله ليست فقط مجرد شريعة خارجية تضع الحواجز أمام ميول الانسان القديم، الخارج من آدم الأوّل والخاطىء. فالعماد الذي يمنحنا الروحَ القدس يصوِّرنا من الداخل، على مثال يسوع المسيح. بفضل هذا التحوُّل الروحاني الذي تمَّ فينا بطريقة جذريّة، يجب علينا أن نلبس الانسان الجديد الذي خُلق بحسب الله، في البرّ والقداسة الحقيقيّة (أف 4: 24). إذاً تشكِّلُ الطهارة والقداسة شريعة وجودنا المسيحي التي يدفعنا إلى المحافظة عليها الروحُ القدس عينه.
لا شكّ في أنّ الكائن الجديد الذي صرناه، يعيش في محنة، ما طال حجُّنا على الأرض. ففينا الجد يشتهي ما يخالف الروح والروحُ يشتهي ما يخالف الجسد (غل 5: 17؛ روم 7: 14- 23). ولكن، إذا خضعنا بإرادتنا لروح الله، حفَظنا روح الله من النجاسة. وان جرّنا مع ذلك الضعفُ البشري إلى هذه الخطيئة أو تلك التي لا تذهب بنا إلى الموت (1 يو 5: 16- 17)، لأنها لا تتضمَّن نكران يسوع المسيح، فنحن نستطيع أن نعترف بخطايانا. والمسيح هو أمين وعادل فيغفر خطايانا وينقِّينا من كلّ اثم (1 يو 2: 9). إنّه غسل أقدام تلاميذه بعد أن تطهَّروا بالغسل (يو 13: 6- 10) فدلَّ على هذا التطهير الإضافي.
وهكذا حلَّ تدبير الكنيسة الاسراري محلَّ الطقوس القديمة. استعملت إلى درجة ما رموزها وربطت غفران الخطايا برشّ العماد. ولكنَّ الواقع العميق الذي نعبرُّ عنه هنا، هو ذبيحة المسيح التى تقدر وحدها أن تطهِّر البشر وتقدِّسهم، فتنقل إليهم قداسة من الذي هو مخلِّصهم ورئيسهم.
الانسان ذو الحياة الطاهرة ليس ذلك الذي يحفظ نفسه من الخطيئة. إنّه الخاطىء الذي طهَّره دم يسوع المسيح. والقدّيس المسيحي ليس الانسان الفاضل، كما كان الفلاسفة يقولون، وليس الانسان المحافظ على الشريعة، كما ظنَّ اليهود. القدِّيس المسيحي هو الخاطىء الذي برَّره دم المسيح وقدَّسه الروح. إنّه الانسان الذي عرف أن يموت مع المسيح ليحيا معه حياة القيامة.
الفصل العاشر
جاءت دينونة هذا العالم

هذا ما يقول الربّ: سيقومون في وسط ضيقهم ويأتون إليّ باكراً ويقولون: "هلمّوا نرجع إلى الربّ. ضربَنا وهو يعتني بنا. جرحَنا وهو يشفينا. يُحيينا بعد يومين، وفي اليوم الثالث يقيمنا فنحيا أمامه. يعلّمنا الربّ فنتبعه لنعرفه. أعدّ مجيئه كالفجر وهو يأتي إلينا كالمطر المتأخّر الذي يخصب الأرض".
- ماذا أصنعُ لكَ، يا أفرائيم (أي مملكة الشمال، بعاصمتها السامرة)؟ ماذا أصنع لك يا يهوذا؟ إنّ محبّتكم لي كسحابة الصبح وكالندى الذي يزول باكراً. لذلك قاتلتكم بتعليم الأنبياء وأعلنت لكم بفمي أنّكم ستموتون.
- سيتفجّر حكمك بارزاً كالنور.
- أريد الرحمة (أو المحبّة) لا الذبيحة، وأفضّل معرفة الله على تقديم الذبائح (هو 6: 1- 6).
أوّل ما يلفت انتباهنا قول النبيّ: "يجرحنا ويشفينا. بعد يومين يحيينا، وفي اليوم الثالث يقيمنا فنحيا أمامه". إنّ هذه الكلمات تصبح على شفتي الكنيسة تطميحاً شفافاً إلى حقيقتين: الله هو الفاعل الرئيسي والخفيّ في ذبيحة المسيح. والثانية: القيامة ستتبع الصليب.
نحن لا نأتي قرب الصليب لنعزّي شخصاً غُلب على أمره. نحن لا نأتي إلى الصليب يجتذبنا سجود للألم نحبّه لذاته فنبيّن أننا مرضى وضالّون. بل نحن نأتي لنحتفل بانتصار ابن الله على الخطيئة والموت والشيطان، ومن أجل هذا الانتصار لم يتردّد يسوع في أن يسفك دمه.
نحن نبكي عند هذا الصليب لأنه يُفهمنا مرةً أخرى كم كلّف خلاصنا غالياً لفادينا. غير أننا نبكي ونحن ننشد مع المرتّل: "الذين يزرعون في الدموع يحصدون في التهليل" (مز 126: 5). الحصاد هو مصالحتنا مع الآب: "يعلّمنا فنتبعه لنعرفه... يأتي إلينا كالمطر المتأخّر الذي يخصب الأرض".
وهناك أمثولة ثانية أساسية من أجل تفسير الصليب، وهي الأولى في نظر النبيّ، ونحن نقرأها في هذه الآيات التي جُعلت على فم الله: "ماذا أصنع لك، يا أفرائيم؟ ماذا أصنع لك، يا يهوذا؟ إنّ محبّتكم لي كسحابة الصبح وكالندى الذي يزول باكراً. لذلك قاتلتكم بتعليم الأنبياء وأعلنت لكم بفمي أنّكم ستموتون". فأجاب النبيّ: "سيتفجّر حكمك بارزاً كالنور".
ونجد صدى لهذه الكلمات في أقوال حبقوق: "يا ربّ، سمعت بما عملتَ فخفتُ. أعِده في أيّامنا وعرّف به، وفي غضبك اذكر رحمتك" (3: 2).
إنّ الفكرة التي تسيطر على هذين النصّين النبويّين هي فكرة دينونة الله أو بالأحرى غضب الله. أثارته خيانة الناس، فنزل عليهم هذا الغضب. سمعنا، في كلمات النبوءة، بني إسرائيل الذين علّمتهم المحنة فأعلنوا عن استعدادهم وعن ثقتهم بأن يجدوا في ذلك الذي ضربهم، الاله الذي سيشفيهم. ولكنّ الله يشكّ في صدق هذه التوبة التي ستزول سريعاً كما الندى على الأرض في أيام الصيف. وتصبح الرؤية دينونة نهائيّة سيجد فيها اسرائيل دماره لا تبريره. وهذا ما يقوله مز 78: 34- 37: "إذ كان يضربهم كانوا يلتمسونه. يتوبون ويعودون إليه سريعاً. يتذكّرون أن الله هو خالقهم الذي صوّرهم (لا صخرتهم)، وأن العليّ هو فاديهم. ولكنهم كانوا يحبّونه بأفواههم: يخادعونه بألسنتهم، أمّا قلوبهم فلم تكن مستقيمة وصادقة، ولم يكونوا أمناء لعهده".
تاريخ شعب اسرائيل كلّه هو تاريخ هذه الخيانات التي تتبعها ارتدادات لا تدوم سريعاً. يأتي الشقاء فيرتدّ الشعب. يزول الشقاء فيعود الشعب إلى خطيئته. وأمام تكرار الخطيئة، أعلن الأنبياء بقوّة متزايدة، أنّ الله لا يُستهزأ به، وأن صبره قد نفد. صبره ليس ضعفاً بل محبّة تعرف أن تنتظر أطول وقت ممكن حتى يعود الخائن، حتى يتوب الخاطىء. ولكن، إن استفاد الانسان من صبر الله فعاش في طمأنينة كاذبة وأعلن أن الشّر لا يصيبه، إن قسّى قلبه ورفض نداءات التوبة، فسيتحوّل الحبّ الذي هزئنا به إلى غضب يحرق الناس بناره بدل أن يضيئهم بنوره. هذا ما ردّده أشعيا (1: 11- 20؛ 29: 13- 14) وإرميا (7: 3- 4). وسيلخّص يوحنا المعمدان أقوالهما في هذه الكلمات القاسية: "يا نسل الأفاعي! من علّمكم على الهرب من الغضب الآتي" (مت 1: 7)؟
نتوقّف هنا، عند هذه الفكرة التي تذكّرنا بها الكنيسة يوم الجمعة العظيمة: المخلّص هو عينه الديّان. ظنّ اليهود أن الصفتين لا تجتمعان في الله، فكانوا على ضلال. قالوا إن الله وعدهم بمخلّص، فلا يمكن أن يكون هذا المخلّص ديّاناً لهم. هو سيدين الأمم الوثنيّة ويخلّص شعبه وحده.
هذه تجربة نقع فيها نحن أيضاً، بل ازدادت خطورةً في حياتنا. نجد في الأنجيل وحي محبّة الله، محبّة سخيّة لا حدود لها، فيميل بنا فكرنا إلى القول إن وَحي الحبّ كسف بصورة نهائيّة وحي الغضب الذي أعلنه الأنبياء. ولكنّ نظرة العهد الجديد مغايرة لهذا القول: شدّد يوحنا، أكثر من سائر الأنجيليين، على المحبّة. ولكنّه شدّد أيضاً أكثر منهم على الدينونة: إنّ حبّ الله لا يُلغي الديخونة، بل يبرزها في وجه جديد. وما دمنا نضلّ في هذا المجال، فنحن لم نفهم بعدُ هذا الحبّ.
فالحبّ نفسه يُتمّ الدينونة بمجرّد حضوره. وسيكون الحكم قاسياً ولا رجوع عنه، ولا شيء ينجّينا منه في تلك الساعة الرهيبة: اذا كان الحبّ هو الديّان، فمن ينجينا؟
تعرّف الأنبياء إلى التعارض بين هذا العالم والعالم الآتي، بين مملكة الشيطان وملكوت الله، فاكتشفوا وجه الديّان. وسوف يتحيّر يوحنا المعمدان عندما يرى أن يسوع لا يمارس هذه الوظيفة. فقد قال يسوع في إحدى المناسبات: "أنا لا أدين أحداً" (يو 8: 15). وقال في مناسبة ثانية قولاً أوضح: "ما جئت لأدين العالم، بل لأخلّص العالم" (يو 12: 47). فقد بدا الأنجيل يعلن هذا الأمر على الشكل التالي: كلّ البشر خطأة، وهم لا يقدرون أن يكفّروا عن خطيئتهم. فأراد الله بنفسه أن يخلّصهم من دينونته المسلّطة عليهم. إذن، قدّم لهم عوناً علوياً جعلهم قادرين على هذا التكفير الذي يخلّصهم من الشيطان ويصالحهم مع خالقهم. هذه هي البشرى، هذا هو الانجيل.
ولكن، هذا لا يعني أن الدينونة ألغيت. فيسوع يعلن بوضوح في إنجيل يوحنا: "الآب أعطى الحكم كلّه للابن" (يو 5: 22).
وقال في موضع آخر: "فمن احتقرني ولم يقبل أقوالي فله ديّانه: الكلمة التي نطقتُ بها هي تدينه في اليوم الأخير" (يو 12: 48). وكان قد علّم أنّ الآب سلّم إليه الحكم، فأعلن: "من يسمع كلامي ويؤمن بالذي أرسلني فله الحياة الأبديّة. ولا يخضع لدينونة، لكنّه قد انتقل من لموت إلى الحياة" (يو 5: 24). ما معنى هذا التعارض؟ معناه أنّ الدينونة تتمّ بهذه الكلمة عينها حيث يعلن المسيح انجيل المحبّة الخلاصيّة. وتتلخّص الدينونة في ما نقرأه من مطلع انجيل يوحنا: "النور يضيء في الظلمة والظلمة لم تقبله" (يو 1: 4).
وبعبارة أخرى، إن تجاوب "الايمان العامل بالحبّ" مع نداءات الله عند ذاك، أن تطرح بالنسبة إلينا مسألة الدينونة: لنا الحياة الأبديّة. إذن، لن نأتي إلى دينونة، بل قد انتقلنا من الموت إلى الحياة. ومقابل هذا، إذا رفضنا هذه النداءات، إذا تذرّعنا بالتأخّر الذي تفرضه رحمة الله على عدالته، فلبثنا على خلاف مع الله وتنكّرنا لكلّ مصالحة معه، حينئذٍ سنُدان في اليوم الأخير. وكلمة المحبّة الالهيّة التي سمعناها في أعماق قلوبنا ورذلناها، هي ستديننا، ولا رجوع عن حكمها. فالذين يفضّلون الظلمة على نور المسيح، يجعلون نفوسهم خارج الخلاص، ويحوّلون الحبّ الذي يخلّص إلى غضب يحكم ويشجب.
وبكلام آخر، لا تتأخّر الدينونة إلاّ في الظاهر. فهذه الدينونة ليست إلاّ نتيجة قبولنا أو رفضنا للحبّ الوحيد الذي يقدر أن يخلّصنا. وهكذا فالصليب الذي يخلّص الخاطىء التائب هو الذي يحكم، في الوقت عينه، على المستكبر الذي لا يؤمن. لهذا نجد معاتبات الله لشعبه: "ماذا أصنع لك"؟ "أي شيء يصنع للكرم ولم أصنعه لكرمي؟ انتظرت أن يثمر عنباً فأثمر حصرماً برِّياً" (أش 5: 4).
إنّ الدينونة تنبع من المحبّة، لأننا سنُدان على المحبّة: إن رفضناها، حُكم علينا. إن قبلنا بها، كان لنا الخلاص. وقد يتساءل بعض الناس: أما نضع حدوداً لمحبّة الله حين لا يخلّصنا رغماً عنّاً؟ إن مخيّلتنا تخدعنا حين نعتبر أن الله يستغني عن قبولنا ورضانا لكي يخلّصنا. فبما أن حبّ الله هو الملء والكمال في عطيّة الكائن الالهي، فالمخلوق الذي يرفض أن يسير معه لن يلتقي بهذا الزخم إلاّ ويتحطّم. فمحبّة الله هي موجة لا تقاوم، موجة تحمل حتى السماء القوارب التي تستسلم إليها، وتحطّم تلك التي ظلّت على الشاطىء تقيّدها فطنة لا تعرف السخاء.
ليس غضب الله استعارة، ولكنّ ضُعف فكرنا يجعلنا نتصوّره متميّزاً عن حبه وكابحاً لهذا الحب. المحبّة لا تتبدّل في ذاتها، ولهذا تنقلب غضباً حين نعارضها ولا نستسلم لها. ولنتّخذ صورة أخرى: إنّ نور الشمس يعمي عيناً غير مهيّأة لاستقباله ولا ينيرها. هذا لا يعني أنّ النور تبدّل إلى ظلمة، ولكنّ ضعف عيننا حوّل الضياء إلى عتمة. ونقول الشيء عينه عن الهالكين: هم لا يتألّمون لأنه لم يعودوا محبوبين، بل لأنهم ما زالوا محبوبين حبّاً لا يقدرون أن يتقبّلوه. فنار الحبّ تدرك الانسان، كلّ إنسان، ولكنّها إن لم تَلِجْ قلوبنا فستُحرقها.
ونحن نكتشف أفضل صورة عن سخاء هذا الحبّ اللامتناهي في صليب يسوع. هذا لا يعني أن الحبّ يكون هنا أعظم لو لم تكن الخطيئة. ولكن، لأن هذه الخطيئة تبرز عظمته أمام عيوننا، فصليب يسوع هو الحبّ الذي قبل أن يتحمّل بنفسه ألم العداوة، هو الحبّ الذي تحمّل ألم "البغض" وعدم المحبّة ليخلّص محبّيه وينشلهم من الوهدة. قال القديس بولس: "إنّ المسيح افتدانا من لعنة الشريعة فصار لعنة لأجلنا" (غل 3: 13). وقال أيضاً: "الذي لم يعرف الخطيئة جعله (الله) خطيئة من أجلنا. لكي نصير نحن به برّ الله" (أو لكي نتبرّر به) (2 كور 5: 21).
هذا ما فهمه أبوانا الأولان: لم يعد اللقاء بالله خيراً وسعادة (تك 3: 8). لم يعد الانسان يستطيع أن ينظر إلى الله دون أن يموت (خر 23: 20). وإن الهنا هو للخاطىء نار آكلة (عب 10: 31). ومع هذا لا نستطيع أن نعيش دون ذلك الذي يعطينا الموت بنظره. فذلك الذي اتّخذ طريق العودة التي لم يتجرّأ أحد أن يتّخذها، قدّم نفسه لهذا الغضب. جاء من عالم الخطيئة فحمل جسد الخطيئة (روم 8: 3). ما استطاع أن ياقترب من النور الذي لا يُدنى منه دون أن يحرقه شعاعه. ولكن يا للمعجزة! فالذي أحزنّاه بأعمالنا، قدّم ذاته لضرباته الخاصّة. والحبّ الذي هُزىء به والذي يُحرق ما يريد أن يحيي، هذا الحبّ جعل نفسه مع الذين دعاهم فهزئوا به، فعاد فينا إلى نفسه، وتحمّل لأجلنا الضربة التي استحققناها نحن.
إنّ صليب يسوع هو حبّ الله الذي يسلم نفسه لغضبه. فلولا الصليب، من يستطيع أن يتصوّر حبّاً يذهب إلى هذا الحدّ من الجنون في عطاء ذاته؟
الفصل الحادي عشر
من صليب المسيح إلى صليب المسيحيين

يرد الحديث عن الصليب مراراً في العهد الجديد. هناك الصلب والصليب، هناك الخشبة والمسامير. وتتحدّث النصوص عن الذي عُلّق على خشبة. هذا في ما يتعلّق بالمسيح. أمّا المسيحيّون فيدعوهم الكتاب إلى أن يحملوا صليبهم ويسيروا على خطى المسيح. هذا ما سنعالجه، منطلقين من ثلاثة نصوص: أنا مضطّهد من أجل صليب المسيح، كما قال بولس. وقال مرقس بلسان المسيح: من أراد أن يتبعني فليحمل صليبه. وقال أيضاً: من لا يحمل صليبه لا يستحقّني.

1- المحنة والخدمة
يقدّم لنا القديس بولس هنا بعضاً من الافكار حول روحانيّة الصليب.
أ- مضطّهدون من أجل صليب المسيح (غل 6: 12- 17)
هذا المقطع كتبه بولس بخط يده (غل 6: 11- 18) فبيّن موقفه (آ 14، 17) وموقف خصومه الذين ينادون بالختان (آ 12، 13).
من جهة، يلوم بولس هؤلاء الناس الذين لا تهمّهم الشريعة (هم لا يمارسونها بأنفسهم) بقدر ما يهمّهم التسلّط والبحث عن الشهرة (رضا الناس، المفاخرة: آ 12 أ، 13 ب). ما يهمّهم هو أن يصبح المؤمنون معهم، من حزبهم. وتزاد على ذلك رغبة تجنّب المضايقات التي تجرّها المعارضة للتعاليم والممارسات التي جاءت من العالم اليهودي: "يرغب هؤلاء الناس أن يفاخروا على مستوى الجسد فيلزموكم بالختان. وهدفهم أن يأمنوا الأضطهاد في سبيل صليب يسوع" (غل 6: 12).
إنه لأسهل أن نقبل الختان من أن نتعرّض لاضطهاد اليهود. وهذا ما يحصل إن نحن تركنا ممارسة الشريعة في منطق إيمان بخلاص آت من صليب المسيح. لسنا فقط أمام مضايقة أو معارضة، بل أمام اضطهاد. تقول آ 17: "أحمل في جسدي سمات يسوع، (أي علامات صلبه). هذا يعني أن على الرسول أن يتحمّل حتى في جسده، نتائج البشارة بالمسيح المصلوب لأنه يعارض اليهود والمتهوّدين (المسيحيّون الذين من أصل يهودي). إنه يختلف عن خصومه الذين لا يؤمنون بما يبشّرون (6: 13)، ويريدون أن يفاخروا بعلامة في جسد الآخرين (الختان). أما بولس فهو مقتنع بصليب المسيح الذي يكرز به، بحيث إنه يحمل في جسده الخاصّ، آثار المعاملات السيّئة التي أوصلته إليها هذه الكرازة. لو بحث عن منفعته الشخصيّة لفضّل السكوت والحياة الهادئة (غل 5: 11).
وكان بولس قد استعمل في رسائله السابقة كلمة "اضطهاد" ليدلّ على اختبارات عاشها المسيحيّون أو الكارزون بالإنجيل. والاطار يدلّ على أنه يجب أن نفهم هذه الاضطهادات بالمعنى الواقعيّ والملموس. فهو في أول رسالة بعث بها، يذكر الاضطهادات التي قاساها المسيحيّون من يهود يريدون أن يمنعوهم "أن يكلّموا الشعوب لخلاصهم أو لحياتهم" (1 تس 2: 14- 16). وفي 1 كور 4، وهو فصل مرتبط بكارزي الانجيل، يذكر بولس الاضطهادات مع أمور ملموسة احتملها: "فنحن جهلة لأجل المسيح... نحن ضعفاء... نحن نُشتم. وإلى هذه الساعة نحن جياع وعطاش وعراة. تساء معاملتنا وليس لنا موضع إقامة. نتعب في العمل بأيدينا. يشتموننا فنبارك. يضطّهدوننا فنصبر. يفترون علينا فنعزّي" (1 كور 4: 10- 12).
وسيؤكّد بولس الرسول في 2 كور 4: 10: "نحمل كل حين في أجسادنا ميتة (خبرة موت) يسوع". كان قد قال: "نتضايق في كل شيء ولكنّنا لا ننسحق. نحن في مأزق ولكنّنا نمرُّ. نُطارَد ولا نُخذَل. نُصرَع ولا نهلك" (2 كور 4: 8- 9). وسيعود بولس في 2 كور 12: 10، حين يحدّثنا عن خبرته الخاصّة، إلى "الأمراض والشتم والعذاب والاضطهاد والمضايق التي احتملها من أجل المسيح"، أي من أجل خدمة الأنجيل.
ب- ما ينقص من آلام المسيح
يقابل بولس خبرته الخاصّة مع "خبرة موت يسوع" (2 كور 4: 10). وهذا ما نجده أيضاً في الرسائل اللاحقة: "وأنا أفرح بالآلام لأجلكم، فأتمّ بجسدي ما نقص من آلام المسيح لأجل جسده الذي هو الكنيسة" (كو 1: 24). نحن لا نقول إنه ينقص شيء لقيمة آلام يسوع وموته الفدائي. لأننا حينذاك ننسى أن المسيح مات عن الخطيئة مرة واحدة (روم 10: 6؛ كو 2: 13- 14، 20). بل نقول: تألّم المسيح ليخلّص البشريّة خلاصاً نهائيّاً. ولكن هذا الخلاص الذي تمّ بالمسيح وفي المسيح لم يعرفه المؤمنون إلاّ عبر اعلان الانجيل (أف 1: 32 سمعتم كلمة الحقّ، إنجيل خلاصكم). ولكن على الرسول أن يتألّم لكي يعلن إنجيل الخلاص على مثال المسيح الذي تألّم ليحقّق هذا الخلاص. وهكذا تستفيد الكنيسة من ضيقات المسيح أولاً ومن آلام المسيح ثانياً التي بها تصل إليها بشارة الخلاص. هذا ما تتوسّع فيه 2 تم: "تألّم معي من أجل الأنجيل، واستند إلى قدرة الله الذي أحياناً (أو خلّصنا)... بتجلّي مخلّصنا المسيح يسوع الذي أبطل الموت وعدم الفساد بالانجيل الذي وُضِعْتُ أنا منادياً به ورسولاً ومعلماً. لذلك احتمل هذه الآلام" (1: 8- 12).
ويتابع الرسول: "على ما في انجيلي الذي لأجله أتألّم حتى الوثاقات كفاعل الشرور... لهذا أحتمل كل شيء بسبب المختارين ليجدوا هم أيضاً الخلاص الذي بيسوع المسيح، مع المجد الأبدي" (2 تم 2: 8- 10).
إن الرسول يشارك بواسطة آلامه، في خلاص جسد المسيح الذي هو الكنيسة. هذا لا يعني أنه ينقص شيء لخلاص تمّ مرة واحدة في المسيح يسوع، ولكنّ الحصول على هذا الخلاص يمرّ عبر إعلان الانجيل الذي جُعلَ الرسول شاهداً له.

2- من أراد أن يتبعني يحمل صليبه (مر 8: 34)
لم يتحدّث بولس الرسول عن الصليب في علاقته مع المؤمنين. فهذه الصورة سنجدها في كلمات يسوع كما أوردتها الأناجيل الإزائيّة. فالكلمة الأولى التي نتأمّل فيها الآن نجدها في مر 8: 34 وز: "إن أراد أحد أن يسير ورائي، ليكفر بنفسه ويحمل صليبه ويتبعني". ترد هذه الكلمة في محطّة هامّة في رسالة يسوع: بعد إعلان يسوع مسيحاً (مر 8: 27- 30) وأول إنباء بالآلام (مر 8: 23- 33).
أ- نظرات مختلفة
ترد متطلّبة حمل الصليب بين متطلبتين أخريين: أنكر نفسه، خسر نفسه. يتوجّه يسوع في كلامه إلى الاثني عشر، إلى الذين تبعوه في حياته. سيُصلب ابن الإنسان (مت 20: 19). فعلى التلميذ أن يتبعه حاملاً صليبه. هذا ما يقوله متى. أما مرقس فيقول إن يسوع وجّه كلامه إلى الجموع مع تلاميذه. قال مت 16: 25 ولو 9: 12: بسببي، من أجلي. أما مرقس فقال: لأجل البشارة، لأجل الأنجيل، فوصل بنا إلى زمن الكنيسة (لا زمن يسوع وحده) وضمّ في كلامه كل الذين سيسمعون الانجيل في المستقبل. فقد قال مرقس في مكان آخر (13: 10): "قبل الآخرة، يجب أن يُعلن الأنجيل على كل الأمم". وزاد لوقا على ما قاله متى ومرقس: "ليحمل صليبه كل يوم". انفصل تحريض يسوع عن الانباء بالآلام (لو 9: 22)، وتوجّه إلى مستمعين جدد لم يشاهدوا الآلام. إذاً هذا التحريض يهمُّ كل إنسان يريد أن يكون تلميذ يسوع. فالصليب الذي نحمله لا يتوقّف عند خبرة الرسل الفريدة، الذين قال لهم يسوع إنه سيموت، بل عند خبرات متعدّدة ومتنوّعة تحصل "كل يوم".
ب- أيُّ صليب
إنّ حمْل الصليب يتوجّه في متى إلى الإثني عشر الذين سيتبعون يسوع في مسيرته نحو الآلام، وفي مرقس ولوقا إلى التلاميذ في كل زمان ومكان. ولكن ما هو معنى هذه الدعوة؟ وكيف يجب على التلميذ أن يحمل صليبه؟
على التلاميذ أن يتبعوا ذلك الذي اعترفوا به "مسيحاً" في قيصريّة (مر 8: 29). وعليهم أن يتبعوه اتّباعاً كاملاً، في كل ما سيعيشه. فالمسيح الذي يجب أن يتبعوه هو مسيح سيعاني كل هذه الآلام قبل أن يدخل في مجده (لو 24: 26). وهذا واجب كما يقول القديس لوقا لتلميذيّ عمّاوس. إذاً، على التلاميذ أن يتبعوا يسوع وهو يتمّم مخطّط الله. هنا نفهم توبيخ يسوع لبطرس لأنه لم يدخل في منظور الآلام. "ليست أفكارك أفكار الله، بل أفكار البشر". فعلى التلميذ أن يسير وراء المسيح وأن يدخل في مخطّط يتجاوزه، فيتعامل لا مع أفكاره وحدها، بل مع أفكار الله. اتّباع يسوع يعني أن نترك الله يدخل في حياتنا. وفي إطار إرادة الله التي نتمّمها، ولو عارضت أفكارنا الخاصّة، تبرز متطلّبة حمل الصليب.
هنا نفهم علاقة حمل الصليب بالكفر بالذات وخسران الحياة. نكفر بنفوسنا، يعني نعطي الأولويّة لإرادة الله على إرادتنا. وهذه العبارة توازي "بغض الأم والأب" (لو 14: 26). وإن تركنا الله يدخل في حياتنا، فقد يقودنا هذا إلى الكفر بآرائنا الخاصّة لتتحقّق إرادة الله.
وفي هذا الإطار نفهم العبارة "خسر نفسه" (مت 10: 38- 39) التي نجدها مع حمل الصليب وحبّ المسيح أكثر من الأم والأب. نحن لا نزال في الإطار عينه: إن اتّباع المسيح يقودنا إلى الكفر بالذات، إلى الموت عن ذواتنا، إلى إنكار منفعتنا وأثمن ما عندنا من قيم ورباطات.
لا نماثل بين صليب المؤمن وكل محنة وصعوبة. فالصليب ينبع من التزام بالانجيل. فالكفر بالذات وحمل الصليب وخسران الحياة تفترض تخلياً أخذنا به يوم تركنا الله يدخل فينا ويدخل معه مخطّطه. ولكن ماذا نقول عن المحن والصعوبات والتخلّيات (كالامرض والفشل) التي تشكّل جزءاً من مخطّط الله ولكنها لا تنبع من موقف إيماني؟ لن نستطيع الجواب إلا بعد أن نقرأ مقطعاً آخر عن صليب المؤمنين.

3- من لا يحمل صليبه لا يستحقّني (مت 10: 38)
نجد في مت 10: 38 قولاً عن صليب التلاميذ يعبرّ بصورة سلبيّة عمّا قاله مت 16: 24 في صيغة إيجابيّة. نقرأ في 10: 38: "من لا يحمل صليبه ويسير ورائي لا يستحقّني". وفي 16: 24: "إن أراد أحد أن يأتي ورائي، ليحمل صليبه ويتبعني". إن هذا القول عن صليب التلاميذ يرتبط بالعلاقات العائليّة (مت 10: 37: الأم والأب، الابن والابنة).
نحن نفهم صليب التلاميذ في علاقته بالصراعات والانفصالات المتأتيّة عن اختيار حياة من أجل الانجيل. نستعدّ لأن نخسر حياتنا، نستعدّ لأن ندمّر علاقاتنا مع أعزّ الناس إلينا.
من لا يبغض أباه وأمه... من لا يتخلّى عن كل أمواله لا يقدر أن يكون تلميذي (لو 14: 33). هاتان المتطلّبتان اللتان ترافقان متطلّبة حمل الصليب (لو 14: 27) تبدوان بطريقة مطلقة أي ترتبطان بوضع التلميذ كتلميذ. وقد توجّهتا إلى الجموع الغفيرة، وهذا ما يدلّ على شمولهما: إنهما تعنيان كل تلميذ من دون استثناء. فهذه المتطلّبة تعني المؤمنين الذين اختاروا طريق الانجيل. ثمّ إن المؤمن لا يتخلّى عن الأشخاص وخيرات الأرض، بل يُخضع تعلّقه بها إلى تعلّقه بيسوع معلّمه.
ونقرأ كلاماً موجهاً إلى الإثني عشر الذين أراد يسوع أن يربطه بهم رباط متين. قال بطرس: "ها نحن تركنا خيراتنا (ما يخصّنا) وتبعناك". أجاب يسوع: "ما من أحد يترك بيوتاً أو أبوين أو إخوة أو إمرأة أو بنين لأجل ملكوت الله، إلا وينال أضعافاً كثيرة هذا الزمان، وفي العالم الآتي الحياة الأبديّة" (لو 18: 29- 30).
"لأجل الملكوت". أجل، لا يترك المؤمن الخيرات والأشخاص لأنه آمن واستقبل ملكوت الله، بل لأنه طلب الرسالة والكرازة بملكوت الله. في هذا الخطّ نقرأ مقاطع في إنجيل لوقا يرتبط فيها ملكوت الله برسالة يسوع وتلاميذه. مثلاً في لو 8: 1: "كان يسوع يبشرّ بملكوت الله، ومعه الاثنا عشر". وفي لو 9: 2 نقرأ عن ارسال الاثني عشر: "أرسلهم يبشّرون بملكوت الله". وحين يرسل يسوع السبعين تلميذاً ويدعوهم لكي لا يحملوا شيئاً (لو 10: 4)، يشير مرّتين إلى ملكوت الله (لو 10: 9، 11). قال يسوع لتلميذ: "اتبعني ودَعِ الموتى يدفنون موتاهم" (لو 9: 60). ولكنه ربط هذا التخلّي بالرسالة: "وأنت، فاذهب وبشّر بملكوت الله".
إذاً، حمل الصليب هو التخلّي من أجل الرسالة، من أجل خدمة الإنجيل. هذا ما فهمه بولس حين رفض أن "يستصحب امرأة أختاً" (1 كور 9: 5) ليمارس رسالته بحريّة تامّة.

4- الروح يقودكم
قال يسوع: "وعندي أيضاً أشياء كثيرة أقولها لكم، ولكن الآن، لا تطيقون احتمالها. ولكن حين يجيء روح الحقّ، فهو يقودكم إلى جميع الحقّ" (يو 16: 12- 13). نقرأ هذه الكلمة ساعة كان يسوع يستعدّ لمجابهة الصليب: "ستأتي ساعة وهي الآن حاضرة، حيث تتشتّتون كل إلى مكانه وتتركوني وحدي" (يو 16: 32).
لا تستطيعون أن تحتملوا... ولكن حين يأتي الروح سيُعلِّم التلاميذ كيف يحملون صليب يسوع وصليبهم.
أ- صليب يسوع
ضرب الشكّ مجموعة التلاميذ. خاب أمل تلميذي عمّاوس أمام هذا الموت المأساوي. انتهى حلم وجاء الفشل فدمّر الآمال. ولكن أطلّ ما لم يكن منتظراً: "الربّ قام وتراءى لسمعان" (لو 24: 34). صار للموت معنى بعد أن استضاء بضياء القيامة: "مات المسيح من أجل خطايانا" (1 كور 15: 3). ولكن سيأتي وقت لن يتكلّم فيه الرسل عن الموت لأنه شكّكهم، وسيصدم الوثنيّين "جنون" إله مصلوب. وضاع اليهود حين سمعوا الحديث عن خلاص أتمّه من علّق على خشبة فاستحق لعنة الشريعة (تث 21: 23). ولهذا كان صمت وتحفّظ ومدافعة عن الاعتراضات حول الكرازة بالصليب. ولكن جاءت بعض العناصر اللاهوتيّة ففرضت نفسها. وهكذا ظهر غنى سّر الصليب بصورة تدريجيّة: "ما أردت أن أعرف بينكم إلاّ يسوع المسيح وأيّاه مصلوباً" (1 كور 2: 2). شدّدت النصوص على طاعة يسوع وأمانته وضعفه، كما شدّدت على وجه الله الرحوم الذي اختار مثل هذه الوسائل الضعيفة، ليصالح العالم مع نفسه. 
ب- صليب المسيحيّين
ما هو الصليب؟ هو المحن والتخلّيات والتمزّقات التي تتبع اختيار الموقف الإيماني أو خدمة الإنجيل. في هذا السبيل يقول بولس الرسول: "نتألّم معه (مع المسيح) لنتمجّد معه" (روم 8: 17). ويدلّ على ارتباط هذا الألم بالاختيار الإيماني أو بالخدمة الرسوليّة. إنه يتحمّل الآلام من أجل المسيح: "من يفصلنا عن محبة المسيح؟ أضيق، أم حبس، أم طرد، أم جوع، أم عري، أم خطر، أم سيف؟ كما هو مكتوب: إننا من أجلك نمات كل يوم، وقد حُسبنا كالغنم للذبح. ونحن في كل هذه غالبون بذاك الذي أحبّنا" (روم 8: 35- 37).
ونقرأ أيضاً نشيداً قديماً ورد في 1 تم 2: 12: "إن تألّمنا معه ملكنا معه". وسبق هذا النشيد إشارة إلى الآلام التي ترتبط بخدمة البشارة: "لهذا احتمل كلّ شيء من أجل المختارين لينالوا هم أيضاً الخلاص الذي في المسيح يسوع مع المجد الأبدي" (1 تم 2: 10).
إذاً، لا يعرف العهد الجديد آلاماً إلاّ تلك المرتبطة بخدمة الإنجيل. ولكن ما هو نصيب محن الحياة التي نتحمّلها كل يوم؟ إننا نربطها بالله، بالمسيح، بالآخرين. نربطها بالله بمعنى أن هذه المحن تدخل في مخطّط، كما أن صليب المسيح وُجد في نهاية حياة من الطاعة والخدمة من أجل ملكوت الله. ونربطها بالمسيح. يقول المؤمن إنه يحتمل كل شيء "من أجل يسوع" (2 كور 4: 11). ونربطها بالآخرين. فصليب المسيح كصليب الرسول، ينفع الآخرين لأنه يدخل في مخطّط حبّ وخدمة وعطاء وبفضله يصل خلاص الله إلى جميع المدعوّين.
الفصل الثاني عشر
الصليب أو الأمانة التي تحرر

مقدمة
لا يستعمل العهد الجديد لفظة الأمانة حين يتحدّث عن وجود يسوع التاريخي. ولكنّه يُعلن مراراً أنّ يسوع كان "طائعاً".
الطاعة، طائع... لفظتان ملتبستان في إطارنا الحضاريّ. ففي عصر يهتمّ فيه الانسان بإثبات وجوده وتفتّح شخصيّته، تبدو الطاعة شيئاً يعارض القيمَ الحقّة لأنّها ترتبط بجوّ من التسلّط والاستعباد ونكران الذات.
ولكنَّ هذا لا يبدِّل الواقع. فحين أراد المسيحيّون الأوّلون أن يتحدّثوا عن ديناميَّة عهد يسوع الاجماليّة، لجأوا إلى مفردة "الطاعة". وقبل أن يوردوا- أقلّه خطيّاً- تعليم يسوع وأمثاله وعجائبه ونشاطه وطريقة عيشه، قالوا: كان طائعاً، فأبرزوا المعنى العميق لما عاشه. لماذا استعملوا هذه اللفظة وفي أيّ معنى استعملوها؟
بالاضافة إلى ذلك، لم يعلنوا فقط أنّ يسوع كان طائعاً، بل أنّ البشريّة خلصت بفضل هذه الطاعة. إنّ أمانة يسوع (أو طاعته) كانت أمانة محرِّرة. كيف ذلك؟
ستدفعنا هذه الأسئلة إلى تفحّص الشهادات المتعلّقة بطاعة يسوع.

1- "طائع حتى الموت" (فل 2: 6- 11)
هناك أوَّلاً النشيد الذي أورده بولس الرسول في فل 2: 6- 11. لن نحلّله بالتفصيل، ولكنَّنا نتوقّف عند العناصر التي تلقي الضوء على طاعة يسوع.
أ- أثر من الايمان الأوَّلاني
لم يؤلّف بولس هذا النشيد، بل أخذه من صلاة الجماعة المسيحيّة وكيّفه ليدخل في رسالته. بدأه بالضمير: "هو الذي" (آ 6) كما فعل في كو 1: 15- 20؛ 1 تم 3: 46؛ رج عب 1: 3.
جاء النشيد بشكل شعريّ، وتضمّن كلمات لا نجدها عند بولس في أماكن أخرى. مثلاً: كلمة "طائع" التي لا نجدها أيضاً إلاّ في 2 كور 2: 9. وهناك أفكار تبتعد عن الرؤية البولسية. مثلاً: لا يسمّي بولس أبداً المسيح: "خادم، عَبْد" (آ 7)، كما أنّه لا يتحدّث عن ارتفاعه. ثمّ إنّ النظرة العميقة المتعلّقة بسرّ المسيح تتعدّى الإطار المباشر وبالأخصّ التحريض الأخلاقي الذي نجده في آ 1- 5.
كلّ هذا يدلُّ على أنّ الجماعات المسيحيّة الأولى استعملت كلمة الطاعة لتبرز معنى حياة يسوع.
ب- الأمانة في الانفتاح على الله
ولكن، كيف نفهم آ 6: "هو القائم في صورة الله؛ لم يعتبر مساواته لله غنيمة"؟ بعضهم يقول: نحن أمام وجود يسوع الأزليّ. وآخرون: أمام وجود يسوع التاريخي: هو الذي كان في البشرية صورة الله الكاملة (= في صورة الله) لم يطلب، مثل آدم أن يجعل نفسه مساوياً لله. في هذه الحالة، نكون منذ آ 6، أمام طاعة يسوع التي تعارض عصيان آدم.
ولكن دون هذا التفسير صعوبات. مثلاً في آ 7 نحن أمام سرّ التجسّد: "بل لاشى (أفرغ، تجرّد عن) ذاته أخذاً صورة عبد، صار شبيهاً بالبشر فوُجِد كإنسان في الهيئة".
إنّ هذه الآية تقدّم فكرة جديدة بالنسبة إلى آ 6. ثمّ إنّه من الصعب أن نفهم "صورة عبد" (آ 7) التي تتجاوب مع "صورة الله" بمعنى "صورة الله الكاملة". وأخيراً إن آ 11 التي تتحدّث عن وضع الربّ التابع للارتفاع، تتجاوبُ مع حال الذلّ في آ 6. وهكذا نعود إلى الحديث عن الوجود السابق، الوجود الأزلّي ليسوع.
انحدار وارتفاع. تصوّر آ 6- 7 الانحدار وما فعله المسيح، آ 9- 11 الارتفاع وما فعله الله من أجل مسيحه. فالمسيح انحدر حتى النهاية، حتَّى الموت على الصليب. وإذ أقامه الله، رفعه إلى آخر حدود الرفعة فأعطاه اسم "الرب" (كيريوس) ومكانة الربّ، فجعل الكون كلّه يسجد له. وهكذا يستعيد المسيح وضع "المساواة لله" الذي كان له قبل التلاشي. فإذا رأينا في آ 6 تأكيداً للوجود الأزلي، فلا بدّ أن نلاحظ مرحلتين في انحدار المسيح وتنازله. أوّلاً: تلاشى، لاشى نفسه، أفرغ نفسه، آخذاً الوضع البشري (آ 7). ثانياً: أطاع حتَّى الموت (آ 8). إذن. ترجم النشيدُ الانحدارَ الأوّل على مستوى الكيان، والانحدارَ الثاني على مستوى العيش والوجود الملموس. إنّ عبارة "صار طائعاً حتَّى الموت" (آ 8)، تفهمنا مجمل ديناميَّة وجود يسوع التاريخي. هو وجود بشريّ عاشه كلّه في الطاعة.
وبمَ قامت هذه الطاعة؟ أساساً، هي علاقة انفتاح على الله وأمانة له. بما أنّ آ 9- 11 (الارتفاع) تتحدّث عمّا فعله الله ليسوع، فإنّ آ 6- 8 (الانحدار) تتحدّث عن علاقة يسوع بالله. وهكذا يجعل الله وجوداً بشريّاً موافقاً لإرادته، يصبّ في الملء والكمال. فصارت أمانة يسوع لله تجاوباً لأمانة الله ليسوع. وإلى "نَعَم" الطاعة جاء "نعم" التمجيد والارتفاع. وهذا الوضع لا يتبع فقط الموت على الصليب، بل الطاعة التي جعلته يصل إلى هذا الحدّ. "صار طائعاً... لذلك رفعه الله".
ج- الأمانة في خدمة الآخرين
إنّ الأمانة (أو الطاعة) كما نقرأها في فل 3: 6- 8، تكمن في علاقة مع الله. فهل تتضمّن أيضاً علاقة مع البشرية؟ هذا ما لا شكّ فيه. والنشيد يعلن تضامناً في الحالة البشرية: "صار شبيهاً بالبشر، فوُجدَ كإنسان في الهيئة" (آ 7). ولكن، هل نرى في عبارة "آخذاً صورة عبد" عودة لا إلى الكيان والوضع وحسب، بل إلى العيش والحياة؟ هل نقول إنّ المسيح صار عبداً للآخرين؟ هل تتضمّن طاعة يسوع الانفتاح على الآخرين مع الانفتاح على الله؟ قد يكون هذا البعدُ حاضراً لو عاد بنا النشيد إلى أناشيد عبد الله في أشعيا. ولكن هذه العودة ليست واضحة. إنّ فل 2: 10 ("لكي تجثو كلّ ركبة ويعترف كلّ لسان") تورد بوضوح أش 45: 23، ولكن هذا المقطع لا ينتمي إلى أناشيد عبد الله التي هي في أش 42: 1- 9؛ 49: 1- 6؛ 50: 4- 9؛ 52: 13- 53: 12. ولكن يبقى أنّ فكرة الطاعة والأمانة تضمّنت عند يسوع، فكرة خدمة الآخرين، إن لم يكن في هذا النصّ ففي نصوص أخرى.

2- "تعلّم ممّا تألّمه، أن يكون طائعاً" (عب 5: 7- 10)
ونجد أيضاً ذكراً لطاعة يسوع في عب 5: 8: "ومع كونه ابناً، تعلّم ممّا تألّمه، أن يكون طائعاً". يدخل هذا التأكيد في أوّل توسّع للرسالة إلى العبرانيّين عن المسيح عظيم الكهنة: لقد صار المسيح عظيم الكهنة بموته وقيامته. وانّ ف 5 يعرض أوّلاً مدلول الكهنوت ثمّ يبيّن كيف ينطبق على المسيح.
أ- علاقتان في الكهنوت
تتحدّد الخدمة الكهنوتية في آ 1 بعلاقتين. من جهة، علاقة مع البشر: عظيم الكهنة هو مثلهم وهو لهم ومن أجلهم. من جهة ثانية، علاقة بالله تترجم في تقدمة الذبائح: "كلّ حَبرْ يؤخذ من الناس (= من أجلهم) في ما هو لله (= علاقة بالله)" (آ 1). ثمّ يوضح الكاتب في آ 2 العلاقة مع البشر بكلمات تدلّ على التضامن في الضعف: "وهو قادر أن يتفهّم (يترفّق) الجهّال والضالّين لكونه هو أيضاً متلبّساً بالضعف" (آ 2). وتوضح آ 3 العلاقة مع الله، وهي تقوم بتقدمة الذبائح. وتُدخل آ 4 وجهة جديدة في هذه العلاقة متطلّعة في أصل الكهنوت: الحَبر هو مدعوٌّ من الله.
وبعد أنّ فسَّرَ الكاتب نظرته إلى الكهنوت، أخذ يطبّقها على المسيح.
ب- التطبيق على المسيح
نتوقّف أوّلاً عند المضمون العام في آ 5- 10 قبل أن نتركّز على آ 7- 8 اللتين تتحدّثان عن طاعة يسوع.
قالت آ 4 إنّ الانسان يصبح حَبراً حين يدعوه الله. وتؤكّد آ 5- 6 أنّ هذا هو وضع يسوع. فقد جعله الله حَبراً بالقيامة: "كذلك المسيح أيضاً لم يمجّد نفسه ليصير حَبراً، بل مجّده ذلك الذي قال له: أنت ابني، وأنا اليوم ولدتك (مز 2: 7). كما يقول في موضع آخر: أنت كاهن إلى الأبد على رتبة ملكيصادق" (مز 110: 4).
ويورد الكاتب استشهادين من المزامير. طبّق الأوّل على المسيح في 1: 5 والثاني في 1: 3. إذن، أقيم المسيح حَبراً بيد الله في قيامته.
وتعود آ 7- 8 إلى الوجهة الأولى من العلاقة مع البشر (مثلهم). تستعيدان الفكرة التي عبرّت عنها آ 2 لتبيّنا أنها تتحقّق في المسيح. فالمسيح قد تضامن مع البشر في الضعف. كان الكاتب قد قال شيئاً مماثلاً في 4: 15: "فإن الحَبر الذي لنا، ليس عاجزاً عن الرثاء لأسقامنا، بل هو مجرّب في كلّ شيء على مثالنا ما عدا الخطيئة". وهنا في 5: 7 يقدّم صورة ملموسة عن هذا التضامن في الضعف فيشير إلى خبرة الجسمانيّة. أخيراً، تعالج آ 9- 10 الوجهة الثانية من العلاقة مع البشر (لأجلهم)، وكان قد جرى الحديث عنها بالنسبة إلى الكهنة عامّة في آ 1 (يقام لأجل الناس).
فكما أنّ الحَبر يتدخّل من أجل البشر فيقدّم الذبائح، كذلك صار المسيح الحَبر (آ 10) من أجل الذين يطيعونه، مبدأ (علّة) خلاص أبدي" (آ 9).
وبعد أن جعلنا آ 7- 8 في مجمل التوسّع عن كهنوت المسيح، نستطيع الآن أن نتفحّص مضمونهما. تشدّد آ 7 على تضامن يسوع مع البشر فتدلّ على أنّه هو أيضاً عرف الضعف. مرّ يسوع في وضع صعب من المحنة فلجأ إلى الله: "إنّه هو الذي في أيّام بشريّته قرّب تضُّرعات وابتهالات في صراخ شديد ودموع إلى القادر أن يخلّصه من الموت، فاستجيب له بسبب ورعه (خضوعه)".
يبدو أنّ الكاتب يشير إلى حدث الجسمانية. هي خبرة خاصّة في حياة يسوع، يوم كان عائشاً في الجسد، خلال حياته على الأرض. وإذ يذكر الكاتب الصراخ الشديد والدموع، فهو يدخلنا في مناخ خبرة الجسمانيّة كما صوّرها الإزائيون متحدِّثين عن القلق والخوف والحزن. ثمّ إنّ الصلوات والابتهالات تصوّر ما فعله يسوع في تلك الليلة الرهيبة.
تحدّث 4: 15 عن تفهّم يسوع ورثائه لضعفنا فقال: "امتُحِنَ"، فدلّ على خبرة عاشها يسوع في الجسمانيّة. أمّا الخضوج (أو الورع) الذي تتحدّث عنه فيدلّ على عواطف يسوع في نزاعه الأخير. يقول 5: 7 إنّ صلاة يسوع استجيبت. أمّا في الجسمانيّة، فلم يقدر يسوع أن يتخلّص من الموت. هنا نعود إلى مز 116: "حبائل الموت أحاطت بي وشباك الجحيم أدركتني. لقيتُ الضيق والهمَّ فدعوت باسم الربّ... الربّ يحفظ البسطاء. كنت ضعيفاً فخلّصني... أنقذ نفسي من الموت، وعينيَّ من الدموع، وقدميَّ من الزلل".
لقد رأى الكاتب في خبرة يسوع في الجسمانية ما يقابل وضع البارّ المتألّم في بعض المزامير. وهكذا نفهم أنّه استجيب بالنسبة إلى القيامة: لقد أخرج الله يسوع من عالم الموت وأعاده إلى الحياة. هذا ما حدث للحجر الذي رذله البنّاؤون. لقد صار رأس الزاوية بالقيامة. استجيب لا لكونه أبعِد مؤقّتاً عن الموت، بل لكونه انتُزع من سلطان الموت بصورة نهائية. هذا ما يفهمنا أيضاً آ 8- 9 أ. إنّ الكاتب يكرّر ما قاله عن المسيح في آ 7. ففكرة الطاعة (آ 8 ب) تستعيد فكرة الخضوع (آ 7). وتقابل "استجيب" "بلغ الكمال" وتدلان على القيامة. حين يتكرّس الكاهن، يبلغ إلى الكمال. وانّ يسوع صار كاهناً بقيامته.
وهكذا تتجاوب آ 7 مع آ 8- 9: خضع يسوع لله الذي استجابه فأقامه (آ 7). أطاع المسيح حتّى الموت فتكرّس حَبراً في قيامته وفيه تحقّقت العلاقتان اللتان تكوِّنان الكهنوت: علاقة بالبشر في المحنة والضعف. وعلاقة بالله في الطاعة وتقدمة الصلوات والتضرّعات.
ج- "علّة خلاص للذين يطيعونه"
إن إحدى متطلّبات الوظيفة الكهنوتية هي التدخّل (التشفّع) من أجل البشر. صار بطاعته حَبراً، فاستطاع أن يُعين الآخرين. إنّ فل 2: 9- 11 عبرّت عن طاعة يسوع حين قالت: رفعه الله. وقالت عب 5: 7- 9: استجيب، بلغ الكمال. إنّ النصّ يعبّر عمّا تشكّله القيامة لا بالنسبة إلى يسوع نفسه، بل بالنسبة إلى الآخرين. علاقة مع البشر (مثلهم، لأجلهم) وعلاقة مع الله. هذا ما يحدّد الكهوت في نظر الرسالة إلى العبرانيين (5: 1). فالمسيح دلّ، عبر آلامه وموته، أنّه متضامن مع البشر (مثلهم) في الضعف والمحنة. لقد توصّل عبر آلامه، إلى أن يحافظ على علاقته مع الله: في الطاعة له قدّم الصلوات والتوسّلات. حينئذ كُرِّس حَبراً في قيامته. وإذ صار حَبراً، منحَ الخلاصَ للذين يطيعونه، للذين يرتبطون به بالايمان. في هذه الرؤية، تتّخذ أمانة (طاعة) يسوع المركز الأوّل. فبواسطتها صار يسوع حَبراً ورئيس كهنة، وبفضلها صار مخلّص الآخرين. إنّ أمانة يسوع تحمل التحرير له وللآخرين.

3- صليب الهوان وصليب المجد
هذا هو معنى الصليب. إنّه رمز الأمانة بالرغم من خيانة البشر، إنّه رمز الطاعة والخضوع بوجه التكبرّ الذي مارسته البشريه منذ البدء. إنّه يدلّ على علاقة المسيح بنا وعلاقته بالله. فهو من أجلنا ومن أجل خلاصنا تألّم ومات وقبر... بل قام في اليوم الثالث وصعد إلى السماء.
صليبنا لا يحصرنا في عالم الألم، بل يدلّنا على المجد. لهذا بعد أن نعيّد الجمعة العظيمة، يوم صُلب يسوع بين لصّين، نعيِّد ارتفاع الصليب، لأنّ يسوع لم يبقَ فقط ذلك العبد الطائع حتى الموت على الصليب، بل إنّ الله رفعه فأعطاه اسماً يفوق كلّ الأسماء، ورفعنا معه نحن الذين نعترف به ونسير على خطاه. أجل، لقد صار يسوع علّة خلاص هنا نحن الذين نطيعه، نحن الذين نؤمن به.
الفصل الثالث عشر
قيامة المسيح وما وراءها في العالم اليوناني القديم

أعلن القديس بولس: "المسيح مات من أجل خطايانا كما جاء في الكتب، ودُفن وقام في اليوم الثالث كما جاء في الكتب، وظهر لبطرس ثم للرسل الاثني عشر" (1 كور 15: 3- 5). ومع ذلك، برز أناس يقولون: "إن الأموات لا يقومون". فاستخلص القديس بولس: "إذن، المسيح لم يقم أيضاً. وإن كان المسيح لم يقم فتبشيرنا باطل وإيمانكم باطل، بل نكون شهود زور لله" (1 كور 15: 12- 15).

1- في الماضي
هذا ما قاله الوثنيّون في القرن الأول المسيحي، فأنكروا قيامة الموتى وبالتالي قيامة المسيح، وهمّهم أن يصلوا إلى النتيجة العملية: "تعالوا نأكل ونشرب، فإنا غداً نموت". لا حياة في الآخرة وكل شيء ينتهي بالموت. فلماذا تعب الفكر والتعلّق بحياة أخلاقيّة؟ وهكذا يلتقي هؤلاء وعدد كبير من الناس اليوم مع سفر الجامعة: "مصير البشر هو مصير البهيمة: كما يموتون هم تموت هي. فليس الانسان أفضل من البهيمة. لأن كل شيء باطل: فإن كل شيء من التراب، وكل شيء إلى التراب يعود" (جا 3: 19- 20). ولكن سفر الجامعة يتطلّع إلى نظرة أخرى: نفس الإنسان تصعد إلى العلاء ونفس البهيمة تنزل إلى الأسفل، فيبقى على الانسان أن يفرح بأعماله (جا 3: 21- 22). وهو يطلب من الإنسان، في النهاية، أن "يخاف الله ويحفظ وصاياه. فالله يُحضر أمامه كل أعمالنا ويدين حتى الخفيّة منها، خيراً كان أم شراً" (جا 12: 13).

2- في العصور الحديثة
وفي القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، فام أصحاب النقد "المستقل" بمقابلات دينية بين الديانة المسيحيّة والديانات الوثنيّة، ليفسّروا أصل الإيمان المسيحي بقيامة المسيح. عادوا إلى الميتولوجيا اليونانية والشرقيّة، إلى أتيس وأدونيس وأوزيريس. أما أتيس فهو إله النبات، قاوم حبّ قيباليس، إلاهة الخصب، فحوّلته إلى شجرة صنوبر. أما أدونيس (وفي اللغات الشرقية: أدون أي السيّد) وهو إله فينيقي، تعبّده العالم اليوناني والروماني. وأوزيريس فهو إله في مصر القديمة. هو زوج إيزيس ووالد حورس. إن موته وقيامته جعلا منه إلهاً مخلصاً يؤمّن الحياة في الآخرة. وقد انتشرت عبادته أيضاً في العالم اليوناني والروماني.
إنطلقت مدرسة النقد هذه، فبحثت عن ميتولوجيا خلاص عند يسوع المسيح. وكما كانت أسرار تنشئة في هذه العبادات الوثنية، فيكشف المعلم عن منهج ويتقبّل التلميذ معرفة يمارسها، يتقبّل العناصر الأولى بطريقة الحياة، هكذا كان الأمر بالنسبة إلى الديانة المسيحيّة.
لا شكّ في أننا نجد في هذه الميتولوجا توقاً إلى الحياة في الآخرة. طلباً للخلود عبر شخص الاله الذي عاش في هذا الكون قبل أن يدخل إلى مصاف الآلهة. وما كان حلماً دار في مخيّلة البشريّة هو في الواقع صوت الله في أعماق وجداننا ليهيّئنا لا للحلم، بل للحقيقة التي تمّت في شخص يسوع الذي مات وقام من أجلنا. علّمتنا هذه الميتولوجيّات أن الاله يموت كل سنة في الشتاء ليقوم في الربيع، وهكذا تتتابع الفصول وتموت الأشجار قبل أن تورق وتزهر وتثمر. ولكن المسيح، كما قالت عب 7: 25، فقد مات مرة واحدة، ولكنه حيّ إلى الأبد. "دخل قدس الأقداس مرة واحدة بدمه، فكسب لنا الخلاص الأبدي" (عب 9: 12). إذن، لا إعادة بالنسبة إلى يسوع، بل عملٌ حدث مرة واحدة. وإذ نحتفل بهذا العمل في الليتورجيا، لا نعيده أو نكرّره، بل ندخل فيه، فنصبح معاصرين لموت يسوع وقيامته.

3- معطيات تاريخ الديانات
يتساءل الباحثون: هل وُجد في الشرق القديم ميتولوجيا إله "مات ثم قام"؟ هل عُرفت في جميع الأقطار، وإن بأشكال مختلفة، فاحتفل بها الناس في دراما طقسية في مصر وبلاد الرافدين، مروراً بسوريا وكنعان؟ هناك نموذج نجد آثاره هنا وهناك، ومن آثاره عبارة ملكيّة يلعب فيها الرئيس دور إله "مات وقام". فالديانات التي تتعلّق بالطبيعة بما فيها من زراعة ومطر وحقول ونبات، ألّهت نوعين من الظواهر يتواليان فيعبرّان رمزياً عن الموت والحياة، وبالتالي عن وجهة أساسيّة من وجهات الخبرة البشريّة. من جهة، نجد الكواكب التي تختفي وتظهر في أوقات منتظمة: تغيب الشمس فتغرق في الأماكن السفلى، ومن هناك تقوم من جديد في الصباح. وكوكب المشتري (فينوس، إلاهة الحب والجمال عند الرومان) يمرّ في دورات متقلّبة الأطوار. وكان هناك بصورة خاصة عودة الفصول السنويّة، وفيها تعود الأرض إلى خصبها، وتضع القطعان صغارها: فالقوى الالهيّة التي تشرف على التوالد الطبيعيّ في عالم الحيوان والنبات، تعرف مصيراً سرياً يعطي مثل هذه النتائج. هذا هو النموذج الأول الذي فيه تجد خبرة الحياة والولادة والموت مثالها وقالبها.
نذكر هنا أن السطرة (والميتولوجيا تدرس السطر) خبر له مدلوله، خبر نموذجيّ يرتبط بالبدايات. وهو يحاول أن يفسّر إحدى وجهات الوجود البشري، لا عن طريقة التحليل المجرّد، بل ببناء خبر نموذجي يجد فيه الإنسان معطيات خبرته في شكل رفيع ومتصاعد. إذن، يعبرّ الانسان بصورة ربطها بالبدايات عن اختباره العميق. فنحن لا نستطيع أن نستغني عن الصور لنبرز اختباراتنا. مثلاً، أراد أحدهم أن يحدّثنا عن رتابة الحياة، فتصوّر سطرة سيزيف، ملك كورنتوس الأسطوري الذي عُرف بجرائمه، فحُكم عليه في الجحيم بأن يدحرج إلى قمة الجبل ضخراً ما يعتّم أن يسقط. فيعود، ويعود، ويعود. هذا هو وضع الانسان كما يرتبط بعالم الآخرة. ونقول الشيء عينه عن أتلس (أو: اطلس) الذي حُكم عليه أن يسند قبة السماء بكتفيه لأنه ثار على زوش.
إذن، لا نتعجّب إن حاولت هذه الميتولوجيات المختلفة أن تدخل بطريقتها هذه الملاحظات الرئيسيّة في نظرة الانسان العائش في توالي النهارات والليالي، والذي يرتبط طعامه كله بتعاقب الفصول. ولا نتعجّب إن كانت العبادات الحقوليّة قد سعت إلى الاستيلاء على طاقة الطبيعة لجعلها في خدمة الانسان.
في هذا الإطار الفكري، جعلت مصر من أوزيريس إلهاً مائتاً (وصار فيما بعد إله الموتى) يقوم كل صباح في وجه ابنه حورس. وإذا عدنا إلى نصوص أوغاريت (رأس شمرا) نرى أن بلاد كنعان تنشد الصراع اللحمي بين بعل إله الخصب، وموت ربّ العالم السفلي. ولكن النصوص التي نعرفها اليوم لا تقول شيئاً عن عودته إلى الحياة. وقد احتفل الناس في طقوس فصوليّة (أي فصول السنة) بموت بعل وانحداره إلى العالم السفلي. وفي وقت متأخّر، رأينا أدونيس (أي: بعل) يقضي نصف السنة عند ملكة المنطقة السفلى برسافونيا، والقسم الآخر عند فينوس، إلاهة الخصب على الأرض.
من الواضح أن بلاد كنعان ترتبط ببلاد الرافدين. ففي بابل يتذكّر عيدُ اكيتو (أي: السنة الجديدة) موتَ مردوك تذكراً احتفالياً بالندب والبكاء. ولكن ضاعت النصوص التي تحدّثنا عن عودته من الالم السفلي، ولكننا نفترض هذه الوجهة من الدراما لنفسّر توالي الابتهاجات المرتبطة بموضوع الخصب.
وقد تحدّث بعض الشّراح عن قيامة مردوك، وارث الاله السومري تموز كمبدأ للخصب. فالسطرة السومريّة المرتبطة بدوموزي (تموز) تحدّد بدقّة نزوله إلى العالم السفلي في إطار سطرة أنانة، إلاهة الخصب، التي تنزل هنا أيضاً إلى "الأرض التي لا عودة منها". وحين عادت من هناك، أسلمت زوجها دوموزي إلى الشياطين الذين يأخذونه بدوره إلى هناك. سيحلّ دوموزي محلّ الآلهة التي عادت من "الجحيم". فيقيم نصف السنة في العالم السفلي، وتقيم أخته جشتينانة النصف الثاني. وهكذا نعود إلى تعاقب الفصول في العبادات البابليّة والكنعانيّة. كل هذا يدلّ على النموذج الأول الميتولوجي وقِدمه في حضارة العالم القديم.

4- مضمون الميتولوجيا
إن فكّرنا في العناصر المكوّنة للميتوس الذي يمكن أن نسمّيه سطرة (والجمع سطر، يعني الأقوال المنمقة والمزخرفة) لا الأسطورة (التي تعني الحديث الذي لا أصل له) ولا الخرافة (التي ترتبط بفساد العقل أو بالهزل)، وإن أردنا أن ندرس محتواه، وجدنا أنّا لسنا أمام نقل خبرة بشريّة بالصورة، بل نقل ظاهرة كونيّة يرتبط بها وجود الانسان: سطرة أوزيريس الحقوليّة: إنه يموت كما الحبّة في الأرض. وسطرة تموز الفصوليّة أو مردوك أو بعل: يزول نشاطهم في الصيف. فإن تكلّمنا في هذا الإطار عن "قيامة" إله، فهذا يجعلنا قريبين من "قيامة" أو رجوع الطبيعة في الربيع. إن هذه اللغة الاستعاريّة تشهد على إدراك تقارب بين مصير الانسان الذي يغرق في الموت وتجمّد ظاهر لقوى تشرف على ظاهرة الحياة في العالم النباتي وفي الطبيعة كلها. على هذا الأساس نستطيع أن نتمثّل هذه القوى بشكل شخصي بفضل الأسلوب التشبيهي أو الانتروبومورفي (كل شيء يأخذ صورة الانسان): ما يختبره الانسان حين يموت، يختبره أيضاً آلهة النبات والخصب بطريقتهم المثاليّة، وذلك حين تتراجع طاقتهم المحيية حتى تموت. ومقابل هذا، تكون عودة نشاطهم الدوري إشارة إلى خبرة معاكسة لا يختبرها الانسان. وحين يحاول أن يترجم بصورة ملموسة هذا الواقع الذي يحسّ به في صلاته إحساساً حميماً، يستعمل الرموز عينها حين يتحدّث عن الآلهة، وحين يتحدّث عن البشر. ولكن خبرة الموت التى لا نستطيع أن نتمثّلها، تنتقل بشكل مكانيّ في مخيّلة الأقدمين الصانعة السطر: فالأرض أو بالأحرى ما هو تحت الأرض (الجحيم، العالم السفلي)، يصبح عالم الموت الخاص، مثوى الأموات. يسمى "أرالو" عند البابليّين، "شيول" عند العبرانيين والآراميين، "هادس" عند اليونانيّين. والموت يعني بالنسبة إلى الانسان نزولاً وانحداراً إلى هذا "العالم الذي لا رجوع منه". فكيف نتصوّر موت آلهة الطبيعة إلاّ بشكل "نزول إلى الجحيم". وإذا أردنا أن نتمثّل استعادة نشاطهم الحيوي، نصوّرهم ناهضين إلى النور، وخارجن من الجحيم التي سجنوا فيها.

5- والبشر...
لغة سطريّة نستعملها ولا نستغني عنها لكي نتحدّث عن الموت. ولكن نتحاشى الوقوع في الخطأ. فإن طبّقنا هذا الكلام على البشر وعلى بعض الآلهة في ما يخصّ الموت، فهذا لا يعني أن البشر الذين نزلوا إلى الجحيم والعالم السفلي، يعودون في الطريق عينه من هناك ليشاركوا في قيامة (تتم بصورة دوريّة) الآلهة التي تشرف على الخصب وعالم النبات.
ففي مصر عينها، يصبح أوزيريس ملك "الغرب" (حيث تغيب الشمس)، أي ملك الموتى الراقدين. ولكنه لا يقوم بنفسه، بل ابنه حورس يولد من جديد كل صباح كإله شمسي. فقد أضحت أسطورته عنصراً جوهريّاً من الميتولوجيا الشمسيّة. ثم إن الراقدين العائشين ما وراء القبور، يأملون في مقاسمته خلوداً ملتبساً، وهم يسيرون على خطاه في قاربه: نحن لا نجد هنا وعداً حقيقياً بالقيامة بمشاركة الإله في قيامته.
فإذا كانت سطر الموت والقيامة لدى الآلهة كما نتصوّرها في الطقوس، تتضمّن بعض الفاعليّة في نظر المؤمنين، فهذه الفاعليّة تتمّ في نطاق ضيّق من حياتهم على الأرض، وفيها يحتاج البشر فعلاً لقوى علويّة توزّع الحياة: خصب سنويّ للأرض، خصب القطعان والأسر البشريّة. وهو بعل أو مردوك أو عشتار أو فينوس من يمتلك سلطان الخصب هذا.
وفي النظرة التي عرفها العهد الهلنستي (أي بعد احتلال الاسكندر المقدوني للشرق، سنة 323)، ظلت السطر الشرقيّة حيّة ولكن بأشكال إغريقيّة مع طقوس ترافقها، وحافظت على المعنى العميق لشعائر العبادة التي قابلتها. في هذا الإطار، يصعب علينا كل الصعوبة أن نجد أي تقارب بين هذه السطر والنظرة المسيحيّة إلى قيامة المسيح. كل ما نقدر أن نحتفظ به هو استعمال التمثّلات عينها لنترجم بشكل سريّ فكرة الموت على أنها "نزول إلى الجحيم"، والعودة إلى الحياة على "أنها خروج من الجحيم".
إن هذا التقارب يقع على مستوى اللغة والرموز. وإذا أردنا أن نقدّرها حق قدرها، نجعلها في الإطار الذي استعملت فيه وبالنسبة إلى الأهداف التي سعت إليها.
هنا نقول: إن استعملت النصوص الكتابيّة اللغة والرموز، إلاّ أن الحقيقة أبعد من هذا بكثير. فالقيامة في النظرة المسيحيّة تتعدّى العالم المادي، تتعدّى الصور، وإن استعمل الكتّاب الملهمون الصور، ليصلوا إلى حقيقة تربطنا بالاله الواحد. فالمسيح الذي قام من بين الأموات لم يعد كما كان. بل لم يستعد الجسد الذي كان له قبل أن يموت، بل اتخذ جسداً ممجّداً، جسداً نورانياً، يستطيع أن يدخل إلى العليّة والأبواب مغلقة (يو 20: 19). والنزول إلى الجحيم كما تتصوّره رسالة بطرس الأولى (3: 19)، يدلّ على أن يسوع لم يبشرّ فقط الأحياء الذين عاصروه، بل الأموات الذين سبقوه، وهكذا شملت كرازته الأحياء والأموات. ثم إن كرازته في عالم الموت تدل على انتصاره على قوى العالم الأسفل. "له تخضع الملائكة والقوات وأصحاب السلطان" (1 بط 3: 22). إنه جالس "فوق كل رئاسة وسلطان وقوة وسيادة، لا في هذا الدهر فقط (لا في هذا العالم فقط)، بل في الدهر الآتي".
رفض الانسان الموت من القديم، وتطلع إلى حياة بعد الموت. صوّرها بطريقته واستعمل الميتولوجيا والأطر السطرية. ولكنه لم يصل إلى غايته، فظلّ هذا الشوق كشوكة في خاصرته. ظلّ التمنّي تمنياً والحلم حلماً. فالذين ينزلون إلى عالم الموت لا يصعدون. وقد قال الجهّال في سفر الحكمة: "حين تأتي الآخرة لا يستطيع إنسان أن يتجنّبها، ونحن لا نعلم أن أحداً عاد من عالم الأموات، من الجحيم" (حك 2: 1). بلى، نحن نعلم. فيسوع المسيح قام من بين الأموات وهو باكورة الراقدين (1 كور 15: 20). هو مات وقام. ونحن الذين نموت سنقوم معه. متنا كلنا في آدم وسنحيا في المسيح (1 كور 15: 22). حينئذٍ نستطيع أن نهتف: "قد ابتلع الموت بالغلبة. فيا موت، أين انتصارك؟ يا موت، أين شوكتك" (1 كور 15: 54- 55)؟ إن كانت شوكة الموت هي الخطيئة (1 كور 15: 56)، "فالمسيح مات مرة واحدة من أجل الخطايا، مات، وهو البار، من أجل الأشرار ليقرّبنا إلى الله" (1 بط 3: 18).
هذا كان انتظار الشعوت والأمم منذ القديم. وهذا هو انتظارنا اليوم. فالشكر لله (روم 6: 17).
الفصل الرابع عشر
القيامة في العالم اليهودي

يوم العنصرة قال بطرس لليهود: "تكلّم داود على قيامة يسوع كما رآها من قبل فقال: ما تركه الله في عالم الأموات، ولا نال من جسده الفساد. فيسوع هذا أقامه الله. ونحن كلنا شهود على ذلك" (أع 2: 31- 32). وقال لليهود بعد شفاء مخلّع الباب الجميل: "قتلتم ملك الحياة، ولكن الله أقامه من بين الاموات" (أع 3: 15). ماذا فهم اليهود من هذا الكلام؟ وما كانت الخلفيّة اليهودية في فكر التلاميذ، وهم من الشعب اليهودي، حين تحدّثوا عن القيامة، عن قيامة يسوع؟
موضوع القيامة موضوع هام والعالم اليهودي. سنتوسّع في النصوص، ونتوقّف عند المسائل التي تطرحها هذه النصوص، قبل أن نورد نصوص الإنجيل.

1- الإله الواحد والحي
حين نقرأ العهد القديم، لن نجد ما وجدناه في العالم الوثني من سطرة موت وقيامة يكون بطلها إله إسرائيل. فلا وجود للميتولوجا في الكتاب المقدس. نحن لا نتكلّم عن بعض أشكال الديانة الشعبيّة التي عرفها هذا الملك أو ذاك فعبد الإله بعل الآتي من بلاد كنعان. وهذه العبادة الفاسدة لا تمثّل التعليم الأساسيّ الذي حمله موسى والآباء، ومن أجله حارب الأنبياء.
تعمّق الأنبياء في مفهومهم للإله الواحد، فتميّز عن القوى التي تعبّدت لها الشعوب المجاورة. لا شك في أن التوراة استعملت أسلوب السطر (أقوال في صورة) لتتحدّث عن أعمال الله العظيمة. صوّرت عمل الخلق بشكل صراع ضد وحوش الغمر. قال المرتل: "شققت البحر بقدوتك، وكسّرت رؤوس لاويثان (أو: الملتوي. وحش بحري بسبعة رؤوس يعود إلى التمساح) وجعلته مأكلاً لحيتان البحر" (مز 74: 13- 14). وهناك صور حول ظهور الله في العاصفة، والاله الآرامي هو إله العاصفة. "ارتجّت الأرض وارتعشت، وتزعزعت أسس الجبال ومادت من شدة غضبه. تصاعد دخان من أنفه ونار آكلة من فمه، وجمر متقّد ولهيب. أزاح السماوات ونزل منها، والضباب الكثيف تحت قدميه. ركب على كروب وطار، وحلّق على أجنحة الرياح" (مز 18: 8- 11). إلاّ ان هذه السطر تبقى رموزاً تدلّ بشكل ملموس على وجهة من وجهات أعمال الله.
أما موضوع الموت والحياة (الذي عرفته الديانات الشرقية، يموت أدونيس في الشتاء ويقوم في الربيع) فعارض معارضة تامّة فكرة الله الحي. لهذا يجب أن نتحدّث في هذا المجال عن انقطاع كامل وعدم تواصل بين الوحي البيبلي وميثولوجيات كنعان. وهكذا حاول الكتاب أن يزيل الطقوس والعادت المرتطة بهذه الآلهة. ومقابل هذا، أعطى الكتاب للربّ (يهوه، الإله الذي هو) صفات أعطيت للآلهة المختلفة: إنه وحده سيد الموت والحياة، إنه وحده موزّع الخصب والانتاج. ففي خبر الخلق أخرجت الأرض نبتاً بذره فيه (تك 1: 11- 12) وصار الحيوان ولوداً وتكاثر (تك 1: 22)، وتسلّم الانسان مهمة الانجاب: "أنموا وأكثروا واملأوا الارض" (تك 1: 28). ويقال في مكان آخر أن الله يُميت ويُحيي، يُنزل إلى الشيول (مثوى الأموات) ويُصعد (1 صم 2: 6). لا شك في أن هناك عودة الفصول من أجل خصب الحيوان والنبات، ولكن لا نجد لهذه الخصبة نمطاً أول في الدائرة الإلهية. وخبرة البشر حول الموت وعودة اياة لا تتحكّم بها قوة غريبة، بل كلمة الله وحدها: "قال فكان كل شيء، وأمر فثبت كل كائن" (مز 33: 9).

2- الربّ إله الحياة والموت
وهكذا تطرح التوراة مسألة الحياة والموت في إطار جديد. فالحياة كعطيّة وبركة من الله، والموت كعقاب ولعنة من الله، يشكّلان طريقين يسير بينهما مصير بشريّة خلقها الربّ حرّة ومسؤولة. في هذا المجال نقرأ خبراً نموذجياً في سفر التكوين الفصل 3 والخطيئة "الأولى". كما نقرأ تث 30: 15- 20 الذي يتوجّه إلى إسرائيل فيقول: "ها أنا جعلت بين أيديكم الحياة والخير (أو السعادة) والموت والشّر (أو الشقاء).. فاختاروا أنتم".
فالموقف الذي يتخذه الانسان تجاه الله وشريعته، يحدّد مصيره الأخير. هنا نتذكّر أن فكرة التوراة حول الموت لا تنحصر في ملاحظة فيزيولوجية (حسب الوظائف العضوية التي تدل على الحياة)، بل هي تتضمّن كل وجهات خبر الانسان الذي هو إله "محكوم عليه بالموت". هذه خلفيّة القيامة.
فوجود الانسان على الأرض التي أعطاها الله له مجالاً (مز 115: 16: السماء للربّ والأرض منحها للبشر)، هو في الواقع نتيجة قوى تتجاذبه بين الحياة والموت. بما أن الحياة هي عطية من الله، فروح الله الخالق هو الذي يحفظ الانسان في الوجود ويعطيه نسمة الحياة. غير أنه وجود عابر وموقّت. فالانسان أخذ من التراب ويعود إلى التراب. قال الكتاب في تك 2: 7: "وجبل الربّ الإله آدم تراباً من الأرض، ونفخ في أنفه نسمة حياة".
غير أن قوّة "شريرة" تكمن للانسان وتعتبره فريستها: هي قوّة الموت الشخصية التي تسكن في الشيوخ كما تقول رموز اصطلاحية الشرق القديم. فالشيوخ (أو مثوى الأموات) هو ما يقابل السماء حيث يقيم الله. ليس الشيول فقط الموضع السفلّي الذي إليه ينزل الأموات، بل المكان الذي لا يكون الله فيه، والذي يكون الله بعيداً عن حضوره (مز 88: 6: رجل متروك بين الاموات. لا تذكره من بعد، ومعونة يدك انقطعت عنه). الشيول هو نقيض الحياة، وهناك يُجمع الراقدون بيد الموت، ذاك الراعي الذي يقود الموتى إلى المرعى (مز 49: 15).
الويل لمن يقع في قبضة الموت ويصبح سجين قوة الشيول. الله وحده هو الذي يستطيع أن يخلّصه منه. ومقابل هذا، الله وحده هو الذي يسلّم البشر إلى الموت (هو 13: 14). غير ان هذه القوة الشريرة لا تظهر فقط ساعة يسقط جسد الانسان تحت ضربات قاضية. بل هي حاضرة في كل الظروف التي تشكّل خطراً على حياة الانسان. فالمريض هو موضوع غضب الله، وهو بالتالي يشبه "الهابطين إلى الهاوية" (مز 28: 1)، لأنه مسلَّم إلى سلطان الموت. هنا نفهم الطريقة التي بها يتوسّل المرضى إلى الله هي يخلّصهم من الموت، كي يحميهم من الهاوية. أو بها يشكرونه لأنه أصعدهم من الشيول وأعاد إليهم الحياة. قال المرتّل: "الربّ يغفر جميع ذنوبي ويشفي جميع أمراجم، يفتدي من الهوّة حياتي، وبالرحمة والرأفة يكلّلني" (مز 103: 3- 4).

3- الربّ هو وحده الذي يحيي
إن صورة القيامة تتّخذ مكانها في هذا الإطار. فقد تعني بكل بساطة عودة إلى الحياة بالنسبة إلى إنسان جعله المرض في قبضة الموت، أو إلى شعب انحطّ فصار شبيهاً بجثّة مرميّة في ساحة القتال. هنا نتوقّف عند ثلاثة نصوص نبوية. في الأول (هو 6: 1- 6) نقرأ صلاة اسرائيل في ليتورجية توبة. وفي الثاني نتعرّف إلى مشهد رهيب يقدّمه لنا حزقيال (37: 1- 14): واد ممتلىء عظاماً ستعود إليها الحياة. وفي الثالث نرى عودة الشعب إلى الحياة بعد أن برّره الله (أش 26: 14- 19).
* ماذا نقرأ في النص الأول؟ "تعالوا نرجع إلى الربّ لأنه يمزّق ويشفي، يجرح ويضمّد، يحيينا بعد يومين، ويقيمنا في اليوم الثالث فنحيا في حضرته".
يشبّه النبيُّ الله بنمر كاسر أو بمحارب باسل. كما يشبّهه بطبيب يشفي ويعصب الجراح. وها هو الشعب يتوسّل إليه. غير أنه رفض أن يسمع له. فالشعب يعتبر أن النتيجة تأتي بصورة آليّة: قدّم لربه الطقوس الواجبة، فليقم الرب بواجبه! ولكن التوبة الحقيقيّة تفرض عودة الانسان إلى حبّ الله ومعرفته. لهذا، فقيامة الأمّة التي ضربها الله، لا تتمّ خارج الشروط التي وضعتها شريعة العهد. إن هذه القيامة ستكون عطيّة آخر الأزمنة.
هنا نورد تفسير هو 6: 2 في التقليد اللاحق. ترجمت السبعينية اليونانية النصّ بشكل ملتبس بعض الشيء: "يشفينا بعد يومين، وفي اليوم الثالث نقوم ونحيا أمامه". أما الترجوم (ترجمة آرامية) فكان أكثر وضوحاً: "يحيينا في أيام التعزية الآتية. يوم يحيي الموتى يقيمنا فنحيا أمامه". إذاً "اليوم الثالث" في النص العبريّ هو يوم قيامة الموتى. وهنا نصل إلى عتبة العهد الجديد.
ونقرأ في درس (مدراش) حول تك 22: 4 عن اليوم الثالث، فنتعرف إلى الأحداث المرتبطة بهذا اليوم: نجاة بني يعقوب بفضل يوسف (تك 42: 18). إعطاء الشريعة على جبل سيناء (خر 19: 16). نجاة الجواسيس بيد راحاب (يش 2: 16). العودة من المنفى في أيام عزرا (عز 8: 32). خلاص الشعب بواسطة استير (أس 5: 1). نجاة يونان في بطن الحوت (يون 2: 1). وفي النهاية، قيامة الموتى "في اليوم الثالث، يوم إحياء الموتى (كما كتب): بعد يومين يحيينا وفي اليوم الثالث يقيمنا فنحيا أمامه". أما اليوم الثالث فهو أصلاً يوم لقاء الربّ بعد المحنة.
* وماذا نجد في نص حزقيال (37: 1- 14)؟ الموت هو هبة اسكاتولوجية تعطى في نهاية الأزمنة. حين يحل روح الربّ على الموتى يصعدون من القبور، يقفون على أرجهلم ويعودون إلى الحياة.
غير أن استعمال هذا الرمز له معناه: إنه يطبّق على حياة شعب الله. بدأ يقول: الله يقدر وحده أن يقيم الموتى، ان يجعل الذين نزلوا إلى الشيول أن يخرجوا منه وينهضوا. وهكذا تتحدّد الألفاظ التي تتكلم عن قيامة الموتى. الربّ يحييهم، يعيدهم إلى الحياة. الربّ ينهضهم من الشيول، من عالم الموتى: الرب يصعدهم من القبور... ونزيد على هذه التعابير استعارة "الاستيقاظ" و"الاقامة" التي يطبّقها أشعيا على أورشليم الراقدة في التراب (52: 2)، وفي الظلمة (60: 2)، فيهتف: "استيقظي، استيقظي، قومي، يا أورشليم" (أش 51: 17). فالموت هو "رقاد" يدخل ميه الانسان حين لا ينيره الله بنور وجهه (مز 13: 4).
وإليك كيف فسّر التقليد نهاية حز 37: 1- 14. تحدّث عن قيامة الأبرار في اليوم الأخير: "يا ابن الانسان، بما أعمله لهذه العظام، تعرف ما سأعمله لبني اسرائيل الذين يموتون في المنفى. فبنو اسرائيل قالوا: بما أننا نموت دون أن نشاهد النجاة التي يصنعها الربّ لبني اسرائيل، فقد يبست عظامنا، وانتهى أملنا، وهلك انتظارنا. لهذا تنبّأ هكذا وقل لهم: هذا ما يقول الربّ الإله: ها أنا سأجمع شتاتكم (أنتم المشتتون)، وأفتح قبور موتاكم. أصعدكم من قبوركم وأدخلكم إلى أرض اسرائيل". هنا نتذكّر كلام الانجيل عن الودعاء الذين يرثون الأرض (مت 5: 5)، أي أرض السعادة، أرض الله.
* ونقرأ في رؤيا أشعيا الكبرى مقطعاً اسكاتولوجياً يجمع على هذه العبارات التي تدلّ على عودة الشعب إلى الحياة.
هناك أولاً منظار الموت: "الأموات لا يحيون، والاشباح لا يقومون. لهذا افتقدتهم ودمّرتهم وأبدت كل ذكر لهم" (26: 14). هذا هو توسيع في عبارة "الله يميت". وهناك منظار القيامة: "موتاك سيحيون وتقوم جثثهم. استيقظوا ورنموا يا سكان التراب (يدفن الموتى في التراب). نداك يا ربّ ندى النور وأرض الاشباح تلد" (أي: تخرج الذين في داخلها الى الحياة كما من حشا)" (26: 19).
في هذا الاطار الاسكاتولوجي، نستشفّ انتصار الله على الموت. وهذا ما تعلنه رؤيا أشعيا بوضوح: "ويزيل الربّ في هذا الجبل وجه الحداد الذي يغطّي جميع الشعوب، والحجاب الذي يستر كل الأمم. يبيد الربّ الموت على الدوام، ويمسح السيّد الدموع عن جميع الوجوه" (أش 25: 7- 8).
إن معاصري يسوع تصوّروا القيامة وحياة العالم الآتي وموضوع رجائهم بشكل حياة متجلاّة، وبعيدة عن كل قراءة حرفيّة تجعل الحديث عن الوليمة بطعامها وشرابها على مثال ولائمنا البشرية. حين حدّثوا يسوع عن الزواج أجابهم: "في القيامة لا يزوّجون ولا يتزوّجون، بل يكونون كملائكة الله في السماء" (مت 22: 30). وسيقول القديس بولس في روم 14: 17: "ليس ملكوت الله أكلاً وشراباً، بل عدل وسلام وفرح في الروح القدس".
في هذا الاطار نقرأ ترجوماً لنص أش 26: 19 في السبعينية: "الموتى يقومون، والذين في القبور يستيقظون، والذين هم في التراب يبتهجون، لأن الندى الآتي من عندك هو دواء. ولكن أرض الأشرار ستسقط". ونجد في ترجوم يوناثان، وحو تفسير فلسطيني قديم، ما يلي: "أنت الذي تحيي الأموات، أنت الذي تقيم الأموات، أنت الذي تقيم عظام الاشلاء. والذين طُرحوا في التراب يحيون وينشدون أمامك. فنداك هو ندى نور للذين يعملون شريعتك. أما الأشرار الذين منحتهم القوّة فتعدّوا كلمتك، فأنت تسلمهم إلى الجحيم".

4- القيامة الخاصة أو الفردية
هناك القيامة الخاصّة أي الخاصة بكل إنسان، والقيامة العامّة التي ستشمل جميع البشر. القيامة الخاصّة هي القيامة الفرديّة. وهنا لن نعود أمام الاستعارات والصور، بل نصل إلى الواقع في آخر الأزمنة. ونقرأ في هذا المجال دا 12: 1- 3: "في ذلك الزمان ينجو شعبك، كل من يوجد مكتوباً في الكتاب (أو: سفر الحياة كما يقول سفر الرؤيا). وكثيرون من الراقدين في تراب الأرض يستيقظون: بعضهم للحياة الأبدية، وبعضهم للعار والرذل الأبدي. العقلاء (الحكماء بحكمة الله) يضيئون كضياء الجلد، والذين برّروا الكثيرين يكونون كالكواكب إلى الدهر والأبد".
نحن أمام استيقاظ خاص للأبرار بعد رقاد الموت. نحن أمام خروجهم من تحت التراب حيث يضطجعون جثثاً هامدة. أما الباقون فيظلّون في الشيول، في العار الأبديّ. الأسلوب هو هو. ولكن العودة إلى الحياة التي تعني الشخص البشري ككل، التي تعنيه جسداً ونفساً، ليست دخولاً في دورة جديدة من الوجود الأرضي ستنتهي في يوم من الأيام، لتبدأ بعدها دورة أخرى. كلا، بل نحن أمام "حياة أبديّة". هذا يعني أن قوّة الموت قُهرت بصورة نهائيّة. ثم نحن أمام دخول إلى عالم متجلّ ونيّر (كما السماء والكواكب)، إلى عالم لا يعرف الفساد. وهذه الصورة الأخيرة تبدو بشكل استعارة لا علاقة لها بأحلام الخلود في الكواكب كما تصوّرها عالم مصر أو اليونان: لم يعد لنا ان نقاسم الكواكب حياتها. فالكواكب هي خليقة الله. بل يبقى لنا أن نتقبّل من الله الحي حياة تظل بشريّة دون أن يحكم عليها مجدداً بالموت.
إذا أردنا أن نفهم ما يلمّح إليه نصّ دانيال هذا، نتذكّر الطريقة التي بها تصوّر العالم، اليهودي العالمَ الآتي الذي هو إطار لمجازاة الأبرار في نهاية الأزمنة "السالفة والتي لا تخطر على البال" (أش 65: 17). نحن أمام صورة لأورشليم جديدة صارت مثل الفردوس الذي استعاده الناس بعد أن أضاعوه (أش 65: 18- 25).
إن لغة البشر هي أضعف من أن تصوّر هذا الواقع الذي هو خلف الزمان والتاريخ، هذا الواقع الذي تقدّم لنا خبرتُنا عنه صوراً وظلالاً. ولكن هذا يكفي لكي نفهم معنى المشاهد التي فيها اتخذ موضوع القيامة مكانه الأساسيّ. ففكرة دينونة الله هي المحور. إذ في "اليوم الأخير" يتثبّت إلى الأبد المصيران اللذان سيقدّمان إلى البشرية حسب مبدأ سفر التثنية: من جهة البركة والحياة. ومن جهة أخرى اللعنة والموت.
هنا نعود إلى سفر أخنوخ (كتاب منحول أي غير ملهم) الذي يصوّر في قسمه الأخير استيقاظ الأبرار في نهاية الأزمنة ونهوضهم من الشيول: حين يردّ الشيول ما احتفظ به، يجلس المختار (أي: ابن الانسان) على عرش مجيد، ويدخل الابرار إلى أرض متجلاّة حيث يعيشون في النور مثل ملائكة السماء.

5- بُعد النصوص ومرماها
انطلقت التوراة من رموز وصور وتعابير وجدتها في العالم المحيط بها، ولا سيّما في أرض فارس. إلاّ أن تطوّر الأفكار خضع لمنطق داخلي. بدأ موضوع القيامة على مستوى جماعي في حزقيال، ثم على مستوى فردي في دانيال. لماذا؟ لأنه وجد أمامه مسألة لا بد من حلّها، وهي: موت الشهداء خلال اضطهاد انطيوخس أبيفانيوس: هل يمكن لأناس قرّبوا حياتهم من أجل الإيمان أن لا يشاركوا في "العالم الآتي" الذي يرجوه شعب الله؟ فهؤلاء الموتى الذين ينزلون إلى الشيول، لم يعودوا مشمولين ببركة الله، لم يعودوا يشاركون في الحياة مع الله وفي الخيرات التي يعد بها الكتاب المقدس. ولكن هذا مستحيل. لهذا أعطى سفر دانيال ما أعطى من جواب.
هنا نطرح سؤالاً ثانياً عن القيامة: ما هو البعد الدقيق لهذه النصوص، وأسلوبها أسلوب سطري ومليء بالصور؟ سيكون الجواب في عالم وجودي تعيدنا إليه المواضيع الأساسية في الوحي البيبلي. بهذا العالم ترتبط مسألة الموت وما فيها من قلق، ولا سيما مسألة موت الأبرار والشهداء الذين يعطيهم التعليم عن القيامة لا جواباً نظرياً وماورائياً، بل جواب الرجاء.
لا شكّ في أننا نجد في اللغة المستعملة عناصر سطرية: استيقاظ الراقدين الذين يرقدون، النهوض خارج الشيول، فردوس يبدو بشكل أرض قد تحوّلت... ولكن تبقى عبارة أساسيّة وهي تختلف كل الاختلاف عن هذه الصور: الله "يحيي" الذين ماتوا، فيدخلون إلى "الحياة الأبدية" التي هي حياة مع الله.
في هذا المجال تلتقي الاسكاتولوجيا اليهودية، مع عبارات المرتّل الذي لم يتلقّ نوراً خاصاً حول الآخرة، ولكنه عبّر عن ثقته بأن الله "يأخذه" فينجو من براثن الموت (مز 73: 23- 25): "أنا معك في كل حين، تمسكني بيدي اليمنى. بمشورتك تهديني وإلى المجد تأخذني من بعد. من لي في السماء سواك، وفي الأرض لا أريد غيرك". أجل، سيعرف المؤمن الفرح أمام الله (مز 16: 10- 11)، وسيبقى متّحداً معه إلى الأبد في حياة بدأ يختبرها على هذه الأرض.

خاتمة
وهكذا نصل إلى العهد الجديد مع الدينونة التي تقسم الناس فئتين: "كثيرون من الناس سيجيئون من المشرق والمغرب ويجلسون مع ابراهيم واسحق ويعقوب في ملكوت السماوات. وأما من كان لهم الملكوت فيُطرحون خارجاً في الظلمة، وهناك البكاء وصريف الأسنان" (مت 8: 11- 12). وفرحة وليمة الفردوس التي يشارك فيها المختارون تفترض ظهوراً لابن الانسان على السحاب (مت 24: 30- 31). حينئذ يتم الفصل بين المختارين والهالكين (مت 13: 41- 43؛ 25: 31- 32)، وتتّخذ قيامة الموتى مكانها في هذا الاطار المعروف.
تحدّث يسوع عن القيامة وتحدّث عن قيامته بعد آلامه وموته. لن يفهم تلاميذه ما يقول (مر 9: 9- 10). فالتفكير اليهودي لم يكن ليتصوّر قيامة يسوع. فالواقع الجديد الذي جاء مع يسوع يتعدّى كل ما يتصوّره عقل بشري، يتعدّى كل ما وصل إليه العهد القديم والتقليد اليهودي. كانت هناك تهيئة لهذه الخبرة الفريدة. ولكنها تهيئة ناقصة. والإيمان وحده هو الذي سينقل هؤلاء الرسل إلى مستوى قيامة المسيح فيعلنون قائلين: "المسيح مات من أجل خطايانا... ودفن وقام في اليوم الثالث". هذا ما آمن به الرسل وهذا ما نؤمن به نحن، وهذا سيبقى إيمان الكنيسة حتى نهاية العالم.
الفصل الخامس عشر
الإيمان بالقيامة

مقدّمة
قال يوحنا عن التلميذ الذي كان يسوع يحبّه: "رأى وآمن". جاء فعل آمن بعد فعل رأى، فصوّر موقف الانسان الذي رأى "آية" فاكتشف شخص يسوع فآمن. فالآية هنا ليست فقط دحرجة الحجر عن القبر، بل غياب جسد يسوع مع وجود اللفائف مطويّة. إن هذه العلامة، وإن كانت سلبيّة (لم يروا المسيح) تبدو وكأنها لغز. ففعل آمن هنا، يوجّهنا نحو فكرة القبول الهادىء والعبور إلى سرّ لا نفهمه، مع ثقة تامّة بمحبّة الله التي تفعل: السّر يحيط بالمشهد، وينحلّ اللغز من دون تبادل كلمات بشريّة، بدون حضور القائم من الموت حضوراً منظوراً. حلّ النور فتمّ التحوّل، في الصمت وفي أعماق القلب. فالعبارة "رأى وآمن" نقرأها في معناها الكامل.
لم يقتنع يوحنا فقط بحقيقة كلمات مريم المجدليّة. مريم أعلنت: "أخذوا الربّ"، ولم تتحدّث عن المنديل واللفائف. لقد أمن التلميذ، وسيفسّر النصّ لانجيلي الحدث فيقول: "لم يكونا بعد قد فهما الكتاب أنه ينبغي أن يقوم من الأموات" (يو 20: 9). لقد فهم التلميذ وآمن أن يسوع حيّ.

1- جواب الحُبّ على الحُبّ
هذا الإيمان لدى رؤية القبر الفارغ واللفائف المطويّة هر قفزة جريئة. فواقع القبر الفارغ يحمل تأويلات عديدة. نحن أمام غياب، أمام سؤال مطروح، ولا بدّ من ظهورات المسيح لتثبت بصورة حاسمة المدلول الحقيقيّ لهذا الواقع. ومع ذلك، ينسب إليه يوحنا مكانة هامّة في بنية الإيمان الفصحي. فالقبر الفارغ هو في نظره قيامة المسيح المحفورة في تجويف العالم المحسوس. عرف التلميذ بسرعة، أن الربّ حيّ، وسيعرف من بعد الصيد العجيب وبسرعة، أن الواقف على شاطىء البحيرة هو الربّ القائم من الموت. قال لبطرس: "هو الربّ" (21: 7).
لا شكّ في أن الهدف الدفاعيّ حاضر في النصّ: وجود التلميذين داخل القبر صباح الفصح، وملاحظتهما للواقع. كل هذا يدلّ على مرحلة من التقليد، أرادت فيها "الجماعة" أن تردّ على الذين اتهموا المسيحيّين بإخفاء جسد يسوع بحيلة من الحيل، وأن تثبت شهادة النسوة بشهادة بطرس ويوحنا. ومع ذلك تبقى الفكرة المسيطرة في هذا النصّ: إيمان التلميذ الحبيب. في حيرة صباح الفصح، أعطى الجواب للسؤال المطروح: "أين هو الربّ"؟ ولماذا وجد الحلّ؟ لأنه كان يحبّ. فالإيمان الفصحي هو موهبة حبّ الربّ، وجواب الحبّ على الحبّ.، هو بُعد نظر الحبّ.

2- وناداها باسمها
وتتألّف المرحلة الثانية في تصوير الإيسان الفصحي (يو 20: 11- 18) من زمنين. يبدو هذا الإيمان عبوراً من الغياب إلى الحضور، من الحزن لدى ضياع يسوع، إلى البهجة بوجوده من جديد. إنّ عالم القيامة الالهيّ لن يكشف بعد اليوم عن نفسه بطريقة غير مباشرة، عبر دحرجة الحجر واللفائف المطويّة ووجود المنديل وغياب المصلوب. فيسوع جاء بنفسه إلى المرأة الحزينة الباكية التي تبحث عنه بين الموتى.
يرتبط الظهور لمريم ارتباطاً وثيقاً، ببحثها ودموعها، ويدخل يسوع إلى قلبها عبر هذا الحزن. سألها: "لماذا تبكين"؟ ثم شاركها في بحثها: "من تطلبين"؟ قبل أن يعرّفها بنفسه، أجبرها على أن تعلن سبب بكائها وموضوع طلبها. كان يسوع قد قال للنسوة: "لمَ تطلُبْنَ بين الأموات مَنْ هو حيّ" (لو 24: 5)؟ أما سؤاله هنا فهو مرحلة ضَروريّة في مسيرة الإيمان. اقتربت مريم من يسوع القائم من الموت كما اقترب تلميذا عمّاوس (لو 24: 28- 35).
نجد أمثلة مشابهة عن هذا البحث في الانجيل الرابع. حين تبع تلميذا المعمدان يسوع، التفت وسألهما كما سأل مريم: "ماذا تطلبان"؟ والموازاة مع مشهد القبر تمتدّ في السؤال الذي طرحه التلميذان: "رابي، أين تقيم" (يو 1: 38)؟ مثلهما فعلت مريم مع الذي ظنّته "البستانيّ" والتي ستناديه بعد لحظة "رابوني". فسألت: "أين وضعته"؟
ولكن الحدث الأهمّ هو ساعة تتعرّف مريم إلى يسوع. هذا الزمن هو من عمل يسوع كما في خبر عمّاوس. ما اكتفى يسوع بأن يقوم بالخطوات الأولى، بل فعل كل شيء: انطلق ممن الحياة المشتركة. فالإيمان بالقائم من الموت والمشاركة معه يشكّلان شيئاً واحداً. استعادت مريم، استعاد التلميذان ذكرى حياة مشتركة، فكشف الربّ القائم عن نفسه. في عمّاوس، جاء الطعام المشترك، جاء كسر الخبز ففتح أعين التلميذين. وعرفت مريم المجدليّة يسوع حين ناداها باسمها. ما لم تستطع أن تفعله التسمية العامّة "يا امرأة"، قد حقّقه حالاً الاسم الشخصيّ "مريم" الذي يدلّ على علاقة شخصيّة وحميمة. اكتشفت مريم نداء تعرفه. فاسمها في فم هذا الرجل يخلق اتصالاً جديداً مع الربّ الحيّ. فانفتحت عيناها. ووُلد إيمانها في صرخة وهتاف: "رابوني"! الإيمان الفصحيّ هو حوار مع يسوع الحيّ عبر الموت.

3- شرطَ أن يتحرّر إيمانها ويتجدّد
ولكن الزمن الثاني يبقى ضرورياً: لا بدّ من عبور عتبة جديدة. فالإيمان الذي ربط مريم بالمسيح ما زال إيمان "الأرض" الذي لم يرضَ عنه يسوع (يو 2: 23- 25؛ 3: 1- 10؛ 8: 30- 32: فعلى إيمان مريم أن يتجدّد تجدّداً جذرياً، أن يرتفع إلى العلاء، إلى مستوى التجليّ. فهذا الإيمان المتجّه إلى يسوع الحاضر ما زال مرتبطاً بخبرة الماضي. لقد تصوّرت مريم قيامة معلّمها كعودة بسيطة إلى ما كان عليه سابقاً. لقد تخيّلت أن يسوع يستعيد مكانه بين الأحياء في هذا العالم على مثال لعازر (يو 12: 2). إنها تشبه عروس نشيد الأناشيد التي تعلن أنها أمسكت عريسها ولن تفلته. هذا ما يفترضه كلام يسوع: "لا تلمسيني" أو "توقّفي عن لمسي" (نش 3: 4؛ يو 20: 17). ارتمت مريم عند قدميّ يسوع وأمسكتهما وأخذت تقبّلهما. هذا ما فعلت النسوة أيضاً. كما يقول مت 28: 9. غير أن يسوع لا يخرج من القبر ليعود إلى وجوده الأرضي السابق. إنه يصعد إلى أبيه. إنه ينتقل إلى حالة جديدة. لقد صار الآن من العلاء (يو 8: 32) بكلّ كيانه. وما فعلته مريم لا يوافق هذه الحالة الجديدة. إذن عليها أن تقبل بأن يفلت منها يسوع ساعة عرفَتْهُ ووجدَتْهُ. هذا ما حدث لتلميذَي عمّاوس أيضاً.

4- وتصبح المبشّرة بالقيامة
لماذا وجب على مريم أن تتخلّى عن يسوع؟ ليست الساعة ساعة العواطف. فعلى مريم أن تحمل بلاغ يسوع إلى "إخوته" (يو 20: 17؛ مت 28: 10). ولكنّنا نجد أيضاً تعليماً لاهوتياً: على مريم أن لا تلمس يسوع، لأنه لم يصعد بعد إلى أبيه. وما ستقوله لإخوة يسوع هو أنه صاعد إلى أبيه وأبيهم، إلى إلهه وإلههم.
نحن نفسّر كلمة يسوع هذه على ضوء التعاليم السابقة في إنجيل يوحنا وبالأخصّ في خُطب الوداع. كان يسوع قد أعلن لتلاميذه أن ذهابه وعودته إلى الآب يشكّلان الشرط الضروريّ لحضوره الحقيقيّ ووحيه الكامل: "من أحبنّي أحببتُهُ وأظهرتُ له نفسي... أبي يحبّه وإليه نأتي وعنده نصنعُ منزلاً" (يو 14: 21- 23). فعلى مريم أن لا تحتفظ بيسوع ساعة هذا الصعود الفصحي الذي يجتذبه نحو الآب من أجلنا. فعودة يسوع إلى ينبوع الحبّ الأبويّ الذي منه نزل إلى البشر (يو 3: 13؛ 6: 38- 42)، تهدف إلى تكملة العمل الذي أوكل به، وهو "أن يجعل الذين يؤمنون به أن يصيروا أبناء الله". يصعد يسوع إلى أبيه لكي تعود نعمةُ الابن الوحيد من كائنه الممجّد وتجري عليهم كالنهر. فإن تخلّى عن أخصّائه، وإن بدا أنه يتفلّت منهم ساعة يظهر لهم، فلكي يربطهم بذاته ربطاً أوثق كإخوة له، ولكي يبقى فيهم: "لتكون فيهم المحبّة التي أحببتني، وأكون أنا فيهم" (يو 17: 26). كان لمريم خبرة أولى لحضور يسوع القائم من الموت في لقاء البستان. فيجب أن لا تتوقّف عند هذا الجدّ.

5- انطلاقة نحو العلاء
وهكذا نكتشف سمة جوهريّة في الإيمان الفصحي: إنه اتّحاد شخصيّ بالمسيح القائم من الموت بواسطة كلمته الحيّة. وهو أيضاً خضوع لهذه الكلمة التي تجتذب التلميذ إلى ما وراء العالم. هذا الإيمان لا يستطيع أن يتأخّر لدى ما هو بعدُ من أسفل. هو مدعوٌّ بموضوعه نفسه (يسوع الحيّ كما عرفوه ووجدوه) إلى أن يتحوّل انطلاقةً نحو العلاء يجتذب التلميذ معه. إنّ هذا المسيح الحاضر يبدو وكأنه يهرب إلى اللامحدود. ولكنّ هذا الهرب نفسه يعطينا إيّاه. إذا طمحنا إلى الإمساك والاحتفاظ به، فهو يفلت منّا ولا يعود. يجب أن نخسره لكي نحصل عليه. هذا يعني أن الإيمان فصحيّ جوهره، أي عبور من هذا العالم إلى الآب على خطى المسيح الذي مات وقام: عبور من يسوع الذي وجدناه إلى يسوع الممجّد، عبور من يسوع الماضي إلى يسوع الحاضر اليوم، عبور من يسوع الأرض إلى يسوع نفسه الذي هو لدى الآب.

7- من أجل حضور آخر
ولا يتحقق الإيمان إلاّ حين يتجاوز نفسه، حين يتنقّى (يو 15: 3) من كل ما لا يوجّهنا إلى الآب. وقد استعاد الكردينال نيومان كلمات يسوع ففسّرها على الشكل التالي: "أن أصعد من هذه الأرض بجسدي ونفسي إلى الآب، هذا يعني أن أنزل بالروح من الآب اليكم. حينئئذٍ أكون حاضراً لديكم، وإن كنت غير منظور، ويكون حضوري اليوم أكثر واقعيّة. حينئذٍ تستطيعون أن تمسكوني بصورة خفيّة ولكن واعيّة".
والمهمّة التي كلّف بها يسوع مريم دلّت عل أن هذا الإيمان قد تمّ، وعاشته جماعة أبناء الله، وأن مبدأه هو صعود يسوع في يوم الفصح هذا. لا يستطيع هذا الإيمان أن ينغلق على ذاته ولا على الماضي الذي مضى. ففي جماعة الإخوة هذه ستفيض الحياة العلوّية التي إليها يدفع القائم من الموت تلاميذه، ستفيض بفضل عطيّة الروح. إذن، على مريم أن تذهب إلى الإخوة وتقول لهم إنها رأت الربّ وإنه قال لها هذه الكلمات.

7- الإيمان الفِصْحيّ خَلْقٌ جديد
لا نجد كلمة آمن أو الإيمان في كلّ هذا الخبر. ولكن عبارة "رأيت الربّ" لا تدلّ فقط على رؤية جسديّة. فيسوع قد تراءى لمريم كشخص حيّ وحاضر، كلّمها فلمسته بيدها وقبّلت قدميه. ولكنّ هذا الإدراك يتضمّن معرفة تعمّقت فأوصلتنا إلى الدخول في سرّ يسوع. وهذا الإدراك يتضمّن فعل إيمان بالربّ. ويحاول يسوع أن يرفع هذا الإيمان إلى اكتشاف سّر صعوده إلى الآب، حيث يتمّ، مع حركة وجوده البشريّ، وحي كيانه الالهي. إن هذا الوحي، وهو موضوع كل إيمان على الأرض.
والمرحلة الثالثة في تصوير الإيمان الفصحي تعني مجموعة التلاميذ (يو 20: 19- 23). ويبدو هذا الإيمان عبوراً من الخوف في وجه "العالم"، إلى السلام والفرح في حضور الربّ، إلى المهمّة التي تسلّمها التلاميذ بقوّة الروح. وهكذا بدا الإيمان الفصحي حقيقة كأنه خلق جديد.
الفصل السادس عشر
التعابير الأولى للايمان بالقيامة

خلال الأربعين سنة التي تفصل موتَ يسوع عن تدوين الأناجيل، سارت بين مؤمني الكنيسة الأولى، عباراتٌ انصبّ فيها الايمان المشترك، إجابة لحاجات حياتيّة. وهكذا تجمَّع جوهر الايمان من أجل تعليم الموعوظين (1 كور 2: 6- 7؛ 2 يو 7- 9) أو من أجل التأكيد على العقيدة، في زمن الاضطهاد (عب 4: 5؛ 10- 23)، أو من أجل إعلان التوافق بين المشتركين في الليتورجيّا. وكان لدى الجماعة نوعان من التعابير: النوع الأوّل يوكّد واقع قيامة المسيح نفسه، والنوع الثاني يعلن ارتفاع المسيح وتمجيده.
كان موضوع عبارات الإيمان الأولى القول: إنّ يسوع هو المسيح. إنّ يسوع هو الربّ وابن الله. وبعد هذا، تركَّزَ التعبير حول الحدث الرئيسيّ في وجود يسوع الناصري، ألا وهو قيامته من بين الأموات. وصُوِّرت قيامة المسيح بشكلين مختلفين: أُعلن واقع القيامة بكلّ بساطة، أو رُبطت القيامة بالموت الخلاصيّ. وهناك اختلاف آخر: نشدّد مرّة على أنّ الله أقام يسوع، ونشدِّد مرّة أخرى على أنّ المسيح قام من بين الأموات. وها نحن ننطلق من هذه العبارات الإيمانيّة لنكتشف سرَّ قيامة المسيح.

1- المسيح قام
حين عاد تلميذا عمّاوس إلى أورشليم وأخبر الأحدَ عشر بلقائهما بالمسيح، سمعا الجواب التالي: "حقّاً، قام الربّ وتراءى لسمعان" (لو 24: 34). نحن أمام عبارة تقليديّة وضعها لوقا في هذا المكان من إنجيله. وسنجد عبارة مشابهة أوردها القدّيس بولس في رسالته الأولى إلى الكورنثيّين (15: 3- 5): "سلّمتُ إليكم قبل كلّ شيء، ما تسلّمتُه أنا أيضاً، وهو أنّ المسيحَ مات (من أجل خطايانا) كما ورديْ الكُتب وأنه قُبر، وقام واليوم الثالث، كما ورد في الكتب وتراءى لكيفا (أي لبطرس)...".
ويذكّر بولس اخوتَه في الايمان، بالبُشرى التي آمنوا بها، وبها يخلصون: كلمة تسلّمها بولس، وهو بدوره يسلّمها. هو لا يريد أن يبرهن على أنّ يسوع قام، بل أن يربط قيامة الموتى بقيامة يسوع. أمّا العبارة المذكورة هنا، فتتضمّن تأكيدين. الأوّل: موت يسوع. والثاني: قيامة يسوع. والتأكيدان يقدّمان الواقع ويفسِّرانه ويشدّدان على الطريقة التي بها حُفظت الوقائع في ذاكرة الناس. ونتحدّث أوّلاً عن القيامة.

أ- قيامة المسيح
هناك فعل: "أيقظ" و"استيقظ". أوقظ يسوعُ من الموت. الربّ أيقظه من رقاد الموت. وهناك فعل: "أقام" و"قام". وقد يكون ليسوع دورٌ فاعل: هو الذي قام وهو تراءى لسمعان. كان نائماً فاستيقظ، كان راقداً فقام. ولكن في الواقع ما يُعلنه النصّ هو أنّ المسيح قام اليوم. المهمّ هو حالة المسيح الجديدة. ما يهمّ الكاتب ليس عملاً من الماضي، أيكون المسيحُ عمله أم الله، بل المسيح الحاضر اليوم.
وهناك إيضاحان تُقدّمهما الكنيسة: تمَّت قيامةُ المسيح في اليوم الثالث، تمَّت كما ورد في الكُتب. حين نقول: "اليوم الثالث"، لا نعني زمناً وتاريخاً محدّداً، لأنّه لم يحضر أحد قيامة يسوع التي ظلَّت سرّاً على الجميع، كما لا نربط القيامة باكتشاف القبر الفارغ. لهذا لا يدلّ "اليوم الثالث" فقط على تذكار تاريخيّ. فهناك تفكير لاهوتّي يرتبط بالأسفار المقدّسة (هو 6: 2). ونحن أمام طريقة ندلّ بها على حدثٍ حاسم وقريب. مثلاً: في اليوم الثالث رأى ابراهيم المكان الذي يذبح فيه ابنه (تك 22: 4). وحين يذكر قانون الايمان "اليوم الثالث"، فهو لا يريد أوّلاً أن يحدّد تاريخاً وزمناً، بل أن يشير إلى أن قيامة يسوع هي الحدث الرئيسيّ، الذي يرتبط بنهاية الزمن.
وفي الاطار عينه نقول: "كما ورد في الكتب". قد تعود بنا هذه العبارة إلى نصّ محدَّد، مِثل مز 16: 10، الذي يرد في أع 2: 27؛ 13: 35: "لن تدع قدّوسك يرى الهاوية". ولكنَّ قيامة يسوع تُتَمِّمُ انتظار اسرائيل الطويل. ولهذا لم يحاول المسيحيّون الأوّلون أن يبرّروا القيامة، مستعينين بهذه العبارة أو تلك، بل أن يحدّدوا موقعها في تدبير العهد الإلهي.
وتذكر العبارة البولسيّة أن يسوع تراءى لكيفا. القيامة هي عمل الله الأخير، وترائي يسوع دخل في لحمة تاريخ البشر فأظهر حضوره بطريقة ملموسة.
ب- موت المسيح
يذكر بطرس الموتَ قبل القيامة فيعلن: شارك المسيحُ الموتى مصيرهم. أُسلم إلى العدوّ من دون رحمة، فصار أسير الموت (أع 2: 24). إذاً، عرف يسوع نهاية حياته كما يعرفها كلّ إنسان. ولكن، ما أن أُعلن هذا الموت، حتى اتّخذ معناه، لا في حدّ ذاته، بل بفضل الإيمان بالقيامة. إنّ نور القيامة ألقى ضوءه على حدَث صلب المسيح المشكّك. لم يمت يسوع بسبب خطاياه الخاصّة، يقول لنا "المؤمن"، بل بسبب خطايانا. مات ليمحو خطايانا. وهكذا، ليست القيامة فقط حدثاً مضى، وما زالت آثاره باقية في الزمن الحاضر لا سيّما في ظهوراته للتلاميذ. القيامة هي جواب الله يعلن فيه أنّ موت يسوع يحمل الفداء إلى العالم. هنا نتذكّر تأكيدات بطرس كما وردت في أعمال الرسل: إنّ عمل الله الذي أقام يسوع هو عمل خلاصيّ يعني جميع البشر: "فَليَعلم يقيناً بيت اسرائيل أجمع، أنّ يسوع هذا الذي صلبتموه، قد جعله الله رباً ومسيحاً" (أع 2: 36؛ روم 13: 33). ويستنتج: "هذا هو الحجر الذي رذلتموه أنتم البنّاؤون، فصار رأس الزاوية. فلا خلاص بأحد غيره، لأنّه ما من اسم آخَر تحت السماء، أعطي لأحد من الناس فنال به الخلاص" (أع 4: 11- 12). فالخلاص هو نتيجة القيامة: "أوصانا الله أن نبشّر الشعب ونشهد أنّه هو الذي أقامه الله ديَّاناً للأحياء والأموات" (أع 10: 42). فالعمل الذي أقام المسيح لا يصل فقط إلى يسوع الناصري، بل إلى جميع الناس الذين يتحرّرون به من خطاياهم.
والموت الفدائيّ، شأنه شأن القيامة، يقع في مخطّط الله، وقد تمَّ حسب ما ورد في الكتب. نحن لا نقول فقط، إنّ الموت تمّ "حسب قصد الله المقرّر" (أع 2: 23؛ 3: 18؛ 4: 28؛ 13: 29)، بل إنّ الطابع الفدائي وجد صدى له في نشيد عبد الله (أش 53: 4- 5، 6- 8، 11- 12). وهكذا ينفتح المؤمن على الفهم العميق لموت المسيح وقيامته.
وتتحدّث العبارة الايمانيّة عن الدفن: إنّه قُبر. يرتبط الدفن بالموت، لا ليشدّد على واقع الموت، بل ليبرز وجهته النهائيّة: حين ينغلق باب القبر على الميت، يتمّ النزول إلى عالم الموتى. وحين نقول: إنّ يسوع دُفن، فهذا يعني أنّه نزل إلى عالم الموتى. ثمّ إنّ الدفن يحفظ هويّة الميت، ولهذا تكرَّم القبور تكريماً خاصّاً، ويُعتبر مصير من لم يُدفن، أسوأ مصير يصيب إنساناً من الناس (إر 8: 1- 4، 16: 4؛ حز 29: 5). ولكنَّ يسوع دُفن في قبر جديد لم يكن قد وُضع فيه أحد (يو 19: 41). "فنظرت مريم المجدليّة ومريم أمّ يوسى أين وُضع" (مر 15: 47). وستأتيان عند فجر الأحد إلى القبر (مر 16: 1- 2). هذا الذي دُفن هو الذي قام.
إذاً، نستطيع القول: إنّ سرّ قيامة يسوع ينكشف في هذا الاعلان الإيماني على مستويين: من جهة، يتلاحق الموت والدفن والقيامة والظهورات، لتدلّ بوضوح، على أنّ هذه الأحداث ترتسم في تاريخ البشرية. ومن جهة ثانية، فهي تجتمع في مخطّط الله الكبير. وهكذا لن يقتصر السرّ على حدث من الماضي، ولو كان انتصار الله على الموت في يسوع، بل هو يعطي معنى لهذا الموت ويفتح الباب أمام حضور دائم وفدائيّ. وإنّ الجماعة لن تتذكّر فقط تاريخاً قديماً، بل التاريخ الحالي للبشر الذين سيرجعون به دوماً، إلى شهادة عن يسوع الذي قام من بين الأموات، وافتدانا من خطايانا.

2- المسيح هو الربّ المرتفع في المجد
توقَّفنا عند العبارة "قام المسيح من بين الأموات". هذا ما يقوله "نؤمن" الكنيسة الأولى، في صيَغ متعدّدة: "إن كنّا نؤمن أنّ يسوع مات ثمّ قام" (1 تس 4: 14). أو: "إذا اعترفت شفتاك أنّ يسوع هو الربّ، وآمن قلبك أنّ الله أقامه (أيقظه) من بين الأموات، تخلص" (روم 10: 9). أو: "تنتظرون من السماوات ابنه الذي أقامه من بين الأموات، ألا وهو يسوع الذي ينجّينا من الغضب الآتي" (1 تس 1: 10). ولكنّنا نجد أيضاً أناشيد تعلن يسوع ذلك الرب الذي مجَّده الله. إذا كان "النؤمن" يعلن واقع قيامة يسوع، فالأناشيد تعلن تمجيد يسوع وارتفاعه وجلوسه عن يمين الآب.
أ- بعض أناشيد العهد الجديد
نذكر أوّلاً، فل 2: 6- 11 الذي يبدو، على الشكل التالي:
"فمع أنّه في صورة الله، لم يعدَّ مساواته لله غنيمة، بل تجرّدَ من ذاته متّخذاً صورة العبد وصار على مثال البشر وظهر في هيئة إنسان فوضع نفسه وأطاع حتى الموت، موت الصليب. لذلك رفعه الله إلى العلى ووهب له الاسم الذي يفوق كلّ الأسماء كيما تجثو لاسم يسوع كلّ ركبة.... ويشهد كلّ لسان أنّ يسوع المسيح هو الربّ".
لم يُبنَ النشيد حسب التسلسل: موت، دفن، قيامة، ظهورات، صعود، بل حسب معارضة بين حالتين: الاتّضاع (آ 6- 8)، الارتفاع (آ 9- 11). وهو لا يذكر القيامة ولا الدفن ولا الظهورات. أمّا الارتفاع فهو تمجيد يسوع ووصوله إلى سيادة تشمل الكون كلّه. إلى ماذا يدلّ هذا التعارض بين الاتّضاع والارتفاع؟ قالوا: انّه صورة عن التجسّد. فالمسيح الموجود منذ الأزل، اتّخذ طبيعة بشريّة، طبيعة العبد. ولكن، هذا يعني أنّ يسوع تخلّى مؤقتاً، عن طبيعته الالهيّة ليأخذ الطبيعة البشريّة، وهذا ما لا نقبل به. نحن منذ البداية إلى النهاية، أمام المسيح كما ظهر على الأرض. وقد اكتشفت نظرةُ الايمان في العمق وجودَ المسيح السامي الذي تعبده ربًّا. إنّ النشيد يصوّر يسوع في حالتيه: الحالة (أو الصورة) الإلهيّة التي احتجبت في اتّضاع الحالة (أو الصورة) البشريّة، ثمَّ ظهور الحالة الالهيّة بعد أن تمجّدت على عيون الجميع. إذا أردنا أن نفهم بما يقوم الاتّضاع، يجب أن ندرك المعارضة بين عالم الصليب وعالم اللاهوت السماويّ. لسنا أمام تعافب (أفقي بين حدثين) بل أمام تداخل (عمودي) بين عالمين نعيشهما من خلال الاحتفال بالمعموديّة والافخارستيّا.
ونذكر ثانياً 1 تم 3: 16: "إنّ سرّ التقوى عظيم. ظهر في الجسد، وتبرّر في الروح، وتراءى للملائكة وبُشّر به عند الوثنيّين، وآمن به العالم، وارتفع في المجد". مَن هو؟ هو يسوع المسيح. تتّحد السماء بالأرض، ثمّ تتلقّى السماءُ والأرض البشرى عينها. وأخيراً، يرتفع العالم المؤمن إلى السماء، في يسوع. كلّ شيء حاضر هنا، والسماء والأرض تصالحتا.
لا نجد في هذا النشيد، ذكراً لقيامة يسوع وظهوراته ولا لموته، بل لظهوره في اتّضاع الجسد، وظهوره في مجد الروح.
ونقرأ أف 4: 7- 10: " كلّ واحد منّا أُعطِي نصيبه من النعمة الالهيّة على مقدار هبة المسيح. لهذا قيل: صعدَ إلى العلى وأخذ أسرى وأعطى الناس العطايا. وما المراد بقوله "صعد"، سوى انّه نزل أيضاً إلى أسافل الأرض، فذاك الذي نزل هو نفسه الذي صعد إلى ما فوق السماوات كلّها ليملأ كلّ شيء".
أراد بولس أن يدلّ أنّ كلّ مؤمن نال عطيّة خاصّة فأورد مز 68: 19: لقد صعد يسوع إلى السماء وهو يوزّع عطايا الروح العجيبة. ولكنَّ الصعود يفترض النزول إلى مناطق الأرض السفلى. فما هي هذه المناطق السفلى؟ قد تكون الأرض حيث أخلى يسوع ذاته، كما يقول نشيد الرسالة إلى فيلبي. ولكن يبدو إنّها مثوى الأموات، حيث نزل يسوع.
وإذا عدنا إلى روم 10: 5- 8، نفهم أنّ بولس يريد أن يبيّن أنّ التبرير بالإيمان هو في متناول الجميع، لأنّ يسوع أُعطي لنا. ويبدو يسوع موسى الجديد، بل يونان الجديد. وقد جال في أبعاد الكون السريّة، في الأعالي والأسافل. صعد من الأسافل وكان قد نزل إلى هناك. فالإشارة واضحة: إنّ موت يسوع يقابل نزوله إلى مثوى الأموات، وصعوده يعارض ذاك النزول. هنا يبدو النصّ موازياً لنصّ أف وهو يلقي الضوء على المعنى المعطى للحدث الفصحي. لا يسمّيه بولس قيامة بل انتصاراً، فيدلّ على تسلّط المسيح على كلّ أبعاد الكون. فالمهمّ هنا ليس العمل الذي به أقام الله ابنه من الموت، بل الدور الذي لعبه القائم من الموت.
ب- من أين جاءت رسمة الارتفاع
إذا أردنا أن نعبرّ في جملة واحدة، عن الرسمة التي لاحظناها نقول: "الله رفع يسوع إلى السماء في المجد". أو: "الله جعل يسوع ربّ الكون". والواقع نفسه نجده في يو 20: 17: "أنا صاعد إلى أبي الذي هو أبوكم". أو في البرَكة الأخيرة التي أعطاها يسوع لتلاميذه، قبل أن ينفصل عنهم ويرتفع إلى السماء (لو 24: 50- 51). نحن لا نتعلّق هنا بحدث قيامة يسوع، بل بحالة الحياة الجديدة. من أين جاءت رسمة الارتفاع والتمجيد؟
هنا نتذكّر خبر الرسل عن الصعود (أع 1: 9- 11) الذي تمّ بعد أربعين يوماً، ظهر لهم يسوع خلالها (أع 1: 2- 3). لا يدخل هذا الخبر في عالم التاريخ بل في عالم الظهور (تيوفانيا). نحن لا نشلّ في خبرة التلاميذ الأكيدة بل في تفاصيل الخبر. فالعدد 40 يدلّ على زمن مهمّ، على زمن نموذجي.
ثمّ إنّ السحاب يدلّ على حضور الله أو على مجد الابن (مت 17: 1- 8)، كما يستطيع أن يكون مركبة سماويّة (مت 24: 30؛ 26: 64) أو أن يخفي يسوع الذي صار شخصاً سماويّاً (كما في النصّ الذي نقرأ). أمّا الرجلان اللذان يلبسان الثياب البيض فيقابلان الملائكة الذين يرافقون كلّ تيوفانيا (ظهور إلهي) في التوراة أو في العالم اليهودي.
إنّ الايمان بارتفاع يسوع خلال موته، يستعمل رموزاً انتشرت وسط البشر. هناك رمز "فوق" و"تحت". فالناس يجعلون "فوق"، ما هو صالح، و"تحت"، ما هو أقلّ صلاحاً. فالله هو في الأعالي وقوى الشرّ في الأسافل. ونحن نجعل السماء فوق رؤوسنا، والجحيم تحت أقدامنا. لقد أفاد المسيحيّون الأوّلون من هذا الرمز القديم ليتحدَّثوا عن ارتفاع يسوع. وانطلاقاً من وجود السماء (هي فوق) والأرض (هي تحت) تصوّروا لقاء الله بالانان بشكل مسيرة بين السماء والأرض. أراد الله أن يزور البشر فنزل من السماء (تك 11: 5؛ حز 19: 11- 13؛ مز 144: 5)، ثمّ صعد إلى هناك (تك 17: 22). وكلمة الله تنزل من السماء وتعود إليها (أش 55: 10- 11). وكذلك يفعل الملائكة (تك 28: 12؛ يو 1: 51). وارتبط أيضاً رمز الارتفاع بالنزول إلى الجحيم (أو مثوى الأموات). هنا نقترب من موضوع القيامة التي هي نهوض من الجحيم.
عبرّت النصوص عن الواقع الفصحي بلغة تشدّد على بُعد الحدث السماوي، بَعدَ أن تكلّمت عن القيامة التي هي استيقاظ، كما يستيقظ النائم، أو نهوض، كما ينهض ذلك الراقد أو القابع في ظلام الموت. وهناك عبارة أخيرة: تراءى يسوع، أو جعل الناس يرونه. ففي هذا الترائي تجتمع رسمة القيامة ورسمة الارتفاع والتمجيد. والقيامة لا تأخذ كامل معناها الاّ بالتمجيد. على كلّ حال، هناك أشكال عديدة أفاد منها الرسل ليتحدّثوا عن ظهور الربّ. كلّ هذا يدلّنا على أنّ القالب يبقى وسيلة لا بدّ من تحطيمها لنصل إلى الخبرة الفصحيّة. وأنّ يوحنا الانجيلي أدرك اتّساع هذه المعاني الفصحيّة. إذ أراد أن يتكلّم عن مصير يسوع، استعمل لغة القيامة. ولكن لاهوته فضّل أن يتكلّم عن تمجيد يسوع وارتفاعه. إنّ سرّ يسوع يُفهم على ضوء الفصح، بل على الصليب، ويظهر مجد الله في ابنه في حدث أرضيّ من حياة يسوع هو الموت الذي يجد امتداده في القيامة والصعود.
القسم الثالث
الرّوح القُدس وَالكنيسَة
يتضمن هذا القسم سبعة مواضيع:
1- الروح القدس البارقليط
2- قداسة شعب الله
3- مريم نموذج الكنيسة
4- أمومة مريم الروحيّة
5- مريم المختارة من الله
6- الانجيل خمير تحرير بالنسبة إلى المرأة
7- وجوه نسائية في الكتاب المقدّس.
الفصل السابع عشر
الروح القدس البارقليط

إن كلمة بارقليط خاصّة بيوحنا، في العهد الجديد. وهي تستعمل في إطار قانوني، فتدلّ على إنسان يساعد إنساناً آخر، على المعاون والمدافع والمحامي. وهذه الكلمة تطبّق على الروح الاقدس فتميّز الدور الذي يلعبه تجاه المؤمنين. كل النصوص التي تتحدّث عن الروح البارقليط نجدطا في خطبة يسوع الأخيرة التي هي وصيّة يسوع قبل عودته إلى الآب. فبعد أن وعد الرسل وعداً واضحاً بمجيء البارقليط، أشار إلى وجهات نشاطه الثلاث: وظيفة التعليم، ووظيفة الشهادة ليسوع، ودوره كمتّهم للعالم وحاكم عليه.

1- وظيفة التعليم
تقدّم لنا النصوص اليوحناويّة الروح القدس في دور المعلّم. وإليك النصّ الأول: "قلتُ لكم هذا كلّه وأنا مقيم معكم. ولكنّ البارقليط، وهو الروح القدس الذي يرسله الآب باسمي، سيعلّمكم كل شيء ويجعلكم تتذكّرون كل ما قلته لكم" (يو 14: 25- 26).
يقابل يسوع هنا، بين تعليمه وتعليم الروح العتيد، ليدلّ على أن عمل الروح سيختلف عن عمله. وهو يميّز مرحلتين أو فترتين كبيرتين في تدبير الوحي. تتكوّن الفترة الأولى من كلمته، والفترة الثانية من تعليم الروح. هذا لا يعني أن الوحي الآتي من المسيح كان ناقصاً أو جزئياً. فالمسيح الذي هو الحقيقة بالذات (يو 14: 6) وكلمة الله المتجسّد (يو 1: 14)، حمل إلينا الوحي التامّ والنهائي. غير أن عمل الروح القدس هو عمل لا يُستغنى عنه ولكنّه من نوع آخر. هذا ما يفسرّه النصّ.
أ- تعليم الروح وتعليم يسوع
سيرسل الآب الروح القدس "باسم يسوع". وقد كان يسوع نفسه على هذه الأرض "باسم أبيه" (يو 5: 43). كان متحداً بأبيه اتّحاداً وثيقاً. كان بين البشر ليجعلهم يعرفون اسم الآب، ليكشف لهم الآب (يو 17: 6). بعد هذا، نفهم بطريقة أوضح، ما يعنيه يسوع حين يعلّم أن البارقليط يُرسل "باسمه". هذا لا يعني فقط أن الآب يرسله بناء على طلبه أو يرسله مكانه، أو كممثّل للابن أو ليتمّ عمل الابن. فالاسم يعبرّ عن أعمق ما في شخص المسيح، عن صفته كابن. وللابن كابن دور ناشط في إرسالى الروح. لهذا نجد في خطبة الوداع عبارتين متكاملتين: الآب يرسل الروح باسم يسوع (يو 14: 26). الابن نفسه يرسل الروح من عند الآب (يو 15: آ 2). فالعبارة "باسمي" تدلّ بوضوح على اتحّاد الآب والابن في ارسال الروح. الآب هو أصل هذا الارسال. والابن يرسل الروح من عند الآب. ولكنّ الابن هو أيضاً مبدأ هذا الإرسال. إذاً، سيرسل الآب الروح "باسم الابن". فالآب والابن هما مبدأ إرسال الروح. بعد هذا، إذا كان الروح قد أرسل باسم المسيح، فرسالته تقوم بأن يكشف للناس سّر المسيح، بأن يعرف الناسُ اسمه الحقيقيّ، اسم ابن الله الذي يعبرّ عن شخصه. والروح هو من يدفع الناس إلى الإيمان بيسوع ابن الله.
ويصوّر 14: 26 عمل الروح بفعلين مختلفين: "يعلّمكم كل شيء، ويذكّركم كل ما قلته لكم". لا نفصل بين العملين، والروح لا يعلّمنا شيئاً آخر حين يذكّرنا بأقوال يسوع. فتعليم الروح ليس بمستقلّ عن تعليم يسوع. وإن قلنا هذا أدخلنا في الكنيسة وحياً جديداً آتياً من عند الروح، واتّبعنا هرطقات عرفتها الكنيسة في تاريخها.
هناك طريقتان قاتلتان نفصل بهما المسيح عن روحه: أن نحلم بمملكة روحيّة تقودنا إلى أبعد من المسيح؛ أو نتخيّل مسيحاً يعيد كلّ شيء إلى ما قبل الروح. فالروح لا يحمل إلى التلاميذ إنجيلاً جديداً. فحياة يسوع وتعليمه يتضمّنان كل ما تجب معرفته من أجل مكوت الله وخلاصنا. ودور الروح يخضع أساساً للوحي الذي حمله المسيح.
والتعليم عند يوحنا يرتبط بالوحي، فالآب علّم الابن ما نقله الابن إلى العالم (يو 8: 28). يحدّثنا يوحنا عن يسوع المعلّم (6: 59؛ 7: 14، 28، 35؛ 8: 20). ولكن البارقليط يعلّم أيضاً. إذاً، هناك تواصل في الوحي: جاء الوحي من الآب، انتقل إلينا بالابن، ووصل إلى كماله بالروح.
سيعلّمنا الروح ما قاله يسوع. ولكنّ طبيعة هذا التعليم سيحدّدها الفصل الآتي: يذكرنا بكل ما قاله يسوع. يشدّد الانجيل الرابع على موضوع التذكير. ويشير يوحنا مراراً إلى أن التلاميذ تذكّروا، بعد رحيل يسوع، هذه الكلمة أو هذا العمل الذي قام به المعلّم فأدركوا معناه الحقيقيّ وبُعده الكامل بعد القيامة (2: 17، 22؛ 12: 16). ودور التذكير سيكون دور الروح القدس: حين يذكّرهم بكل ما قاله يسوع، لن يكتفي بالاعادة إلى ذاكرتهم تعليماً قد نسوه. إن عمله الحقيقي هو أن يُفهمهم من الداخل كلمات يسوع، وأن يجعلهم يدركونها على ضوء الإيمان، وأن يُحسّوا بكلّ معانيها وغناها من أجل حياة الكنيسة. وبعمل الروح هذا، لن يعود التعليم خارجاً عنّا وغريباً. فالروح يجعله في داخلنا، ويجعلنا نلجُ فيه روحياً، فنكتشف فيه كلمة حياة.
ب- ملء الحقيقة
ويعود يسوع إلى التعليم عينه فيقول: "عندي كلام كثير أقوله لكم، ولكّنكم لا تقدرون الآن أن تحتملوه. فمتى جاء روح الحقّ، أرشدكم إلى الحقّ كلّه. لأنه لا يتكلّم بشيء من عنده، بل يتكلّم بما يسمع ويخبركم بما سيحدث. سيمّجدني لأنه يأخذ كلامي ويقوله لكم. كلّ ما للآب هو لي. لذلك قلت لكم: يأخذ كلامي ويقوله لكم" (يو 16: 12- 15).
يدلّنا يسوع هنا على دور الروح القدس تجاه أقواله. ونظنّه يناقض نفسه بنفسه. قال في 15: 5، إنه عرّف تلاميذه كلّ ما تعلّمه من الآب. وها هو يعلن لهم الآن أنه قد بقيت أمور عديدة لا بدّ من قولها. ولكنّنا في هذه المرة، أمام استكمال وحي محفوظ للروح. فالروح لا يقدّم تعليماً جديداً، بل يعطينا فهماً أعمق لسّر يسوع وحياته وأعماله وأقواله. وتبرز لفظة "الآن" في نهاية آ 12 (لا تقدرون أن تحتملوه الآن) فتقيم مقابلة بين الزمن الحاضر، زمن حياة يسوع على الأرض، والزمن الآتي، الزمن الذي يأتي بعد القيامة ومجيء الروح (13؛ 7؛ 16: "3- 31). فالأمور العديدة التي تنقص التلاميذ ليست نقاطاً تعليميّة تُزاد على ما قاله يسوع، بل هي الفهم الكامل لشخص يسوع وأقواله.
والروح القدس هو هادٍ أكيد. إنه يقود التلاميذ إلى الحقيّة كلّها، ويرشدهم إلى الحقّ كله. كان مز 25: 5 قد قال: "قُدني نحو حتيقتك وعلّمني"، فطلب من الله معرفة كاملة لحقيقته ووصاياه وشريعته. وفي نصّ يوحنا، إن الحقيقة التي إليها يقودنا الروح هي حقيقة يسوع، حقيقة تعليمه وأعماله وكلّ شخصه. ويجعلنا الروح نلجُ إلى قلب هذه الحقيقة ونكتشف مِلئها.
ج- وحي الروح
ويشدّد يسوع أيضاً (16: 13- 14) على نشاط الروح بالنسبة إلى "الآب والابن"، كما يشدّد على الجديد الذي يعطيه الروح حين يضيء علينا بأنواره. وتعود الفكرة ثلاث مرّات: "لا يتكلّم من عنده، بل يقول كلّ ما يسمع". ثم "يأخذ مما هو لي (كلامي)". عبارتان متقابلتان. فما هو للمسيح هو ما يسمعه الروح منه. ويشدّد النصّ على هذه النقطة التعليميّة: إن الوحي الذي يحمله الروح لا يأتيه منه. فالمسيح لم يتكلّم من عنده (7: 17؛ 12: 49؛ 14: 10) ولم يقل إلا ما علّمه إياه الآب (8: 28؛ 12: 50) وما سمعه من الآب (8: 26، 38). وهكذا لا يتكلّم الروح من عنده، بل يقول ما سمعه. ممّن سمعه؟ من الابن. فهو يأخذ مما هو للابن. ويأخذ من الآب، لأن كل ما هو للآب هو للابن. وهكذا يُدخلنا الوحي إلى قلب سرّ الثالوث: فالوحي واحد ينبع في الآب، يعمل بالابن، يتمّ في الروح.
وهناك لفظة تتكرّر ثلاث مرّات في وعد يسوع بالروح، وتعني: أخبرَ، أعلنَ، كشفَ. بها يفسّر يسوع كيف يُدخلنا الروحُ إلى قلب الحقيقة. بها يبيّن ما يكون نشاط الروح في المستقبل: يعطينا أن نفهم وحياً سابقاً ظلّ خفياً وسرياً. لم يفهم التلاميذ أقوال يسوع، فجاء الروح يشرحها لهم. يقول النصّ: يخبركم بما سيحدث. هذا لا يعني أن يسوع يعد التلاميذ بعطيّة التنبؤ، بل يعني أن الروح يجعلهم يفهمون النظام الاسكاتولوجي وتدبير الخلاص الجديد، على ضوء كلمات يسوع وأعماله. سيفهمون النظام الجديد الذي برز بعد موت يسوع وقيامته. يعطيهم المعنى المسيحيّ للتاريخ، ويجعلهم يكتشفون في كل شيء، آثار مخطّط الله، ويلقون ضوء الوحي الكامل على كلّ حدث وعلى كل زمن. ذاك هو دور الروح بالقرب من التلاميذ. وهكذا يقودهم إلى ملء الحقيقة.

2- الشاهد ليسوع
تحدّثنا عن مهمّة الروح التعليميّة. يبقى لنا أن نشدّد على وجهة أخرى من وجهات نشاط الروح، وهي دوره كشاهد. وهكذا ندخل في إطار دعوى ومحاكمة. نشير هنا إلى أن يوحنا يقدّم حياة يسوع في جوّ محاكمة. ثم إننا لا ننسى الأصل القانوني للقب البارقليط: حينذاك نفهم لماذا أعطى يوحنا أهميّة كبرى لموضوع الروح البارقليط الذي يدافع عن يسوع. قال: "ومتى جاء البارقليط الذي أرسله إليكم من الآب، روح الحقّ المنبثق من الآب، فهو يشهد لي. وأنتم أيضاً ستشهدون، لأنكم من البدء معي" (يو 15: 26- 27).
أ- بغض العالم
إذا أردنا أن نفسّر هذا النصر تفسيراً صحيحاً، نرجع إلى القرينة. فالمقطع السابق (15: 18- 25) والمقطع اللاحق (16: 1- 4) يحدّثاننا عن بغض العالم وعن الاضطهادات. فإطار العداوة هذا، يفسّر دور الشاهد الذي سيلعبه روح الحقّ.
وهنا نتذكّر آيات الأناجيل الأزائيّة (متى، مرقس، لوقا) التي فيها وعد يسوع الرسل بعون الروح خلال الاضطهادات المقبلة: خطبة يسوع في متى والحديث عن المعاملات السيّئة التي يلقاها التلاميذ أمام المحاكم (10: 17- 25). ثمّ الخطبة الاسكاتولوجيّة في مت 24: 9- 14، وفي لو 12: 11- 12 حيث نقرأ: وعندما تُساقون إلى المجامع والحكّام وأصحاب السلطة، فلا يهمّكم كيف تدافعون عن أنفسكم أو ماذا تقولون، لأن الروح القدس يُلهمُكم في تلك الساعة ما يجب أن تقولوا". نجد في هذه النصوص ما يقابل المواضيع المطروحة في يو 15: 18، 16: 4 وهي: بغض العالم، التذكير بالقول المعروف: ليس عبد أفضل من سيّده، إعلان الاضهادات بسبب اسم يسوع، التحذير من الشكوك، المعاملة السيّئة في المجامع، شهادة التلاميذ. تشدّد نصوص الازائيّين على عمل الروح القدس مع التلاميذ وسط هذه الاضطهادات: هو يتكلّم فيهم وبهم (مر 13: 11)، هو يعلّمهم ما يجب أن يقولوه (لو 12: 12). ولكن يوحنا يتفرّد بالقول: إنه يشهد لي. الروح هو الشاهد للمسيح.
فروح الحقّ هذا الذي يرسله يسوع، ينبثق من الآب. هناك من يتحدّث عن انبثاق الروح الأزلّي في داخل الثالوث. وهناك أيضاً حديث عن مهمّة الروح في هذا العالم. فالروح الذي أرسله الابنُ جاء من عند الآب شاهداً للابن وسط البشر.

ب- شهادة البارقليط
كيف نفهم هذه الشهادة؟ هناك من قال: عمل الروح في إعلان الانجيل. وآخرون: العجائب والأعمال التي قام بها الرسل. وغيرهم يدخلون في إطار العداوة التي يدخل فيها وعد يسوع بإرسال الروح فيشدّدون على اتهّامات يسوع ضد قضاة يسوع الأشرار. إذاً، ننطلق من إطار الاضطهادات لنفهم معنى هذا النصّ. نشدّد على أن شهادة البارقليط معدّة، بطريقة مباشرة، لا للعالم بل للتلاميذ. البارقليط (الذي أرسله إليكم. آ 26) سيرُسَل إليهم بسبب الاضطهادات التي سيتحمّلونها. ثمّ إن شهادة الروح تتميّز عن شهادة التلاميذ أنفسهم (آ 27). إذاً، لا نستطيع أن نجعل شهادته وكأنها شهادة خارجيّة يؤدّيها التلاميذ المضطهدون أمام المحاكم. فشهادة الروح سابقة لشهادة التلاميذ وهي من طبيعة أخرى. وهدفها الحقيقي ليس أن تُلهم دفاع التلاميذ أو شهادتهم، بل أن تحفظهم من الشكّ ساعة يُمتحن الإيمان ويتعرّض للخطر. يبقى أن نشدّد قبل كل شيء، على الوجهة الداخليّة لشهادة الروح هذه: سيكون دوره إنارة وجدان الرسل وسط المعاكسات وتثبيتهم في إيمانهم. وحين يعرفون تجربة الشكّ، سيفعل الروح فيهم ويشهد أمام ضمائرهم، من أجل يسوع.
ج- محاكمة يسوع
لماذا يُعتبر الروح، بسبب دوره المنير، شاهداً ليسوع؟ الجواب واضح: فالروح يلعب دوراً حاسماً في ما سُمِّيت "المحاكمة الكبرى" في حياة يسوع. ولكنّ طابع المحاكمة طابع علنيّ لا سّري. لهذا يجب أن نتذكّر أن المدلولات اللاهوتيّة الكبيرة عند يوحنا قد تحوّلت تحوّلاً عميقاً. والأمر صحيح بالنسبة إلى موضوع الشهادة وموضوع المحاكمة. فالشهود المختلفون الذين يتحدّث عنهم الإنجيل الرابع لن يقدّموا شهادتهم في وقائع تاريخيّة أمام محاكم بشريّة. إنّهم يشهدون دوماً لشخص يسوع نفسه. وهدف شهادتهم أن يجعلوا الناس يتقبّلون يسوع ويؤمنون به. إذاً، نحن أمام روحنة فكرة الشهادة واستبطانها.
ونستطيع أن نقول الشيء عينه عن المحاكمة. أعلن يسوعُ في الأناجيل الأزائيّة أن تلاميذه سيمثُلون أمام الناس ليُحاكَموا: سيُسلَّمون إلى المجالس ويقفون أمام المحاكم والملوك (مت 10: 17- 18؛ مر 13: 9). أما يوحنا فلا يتحدّث بالتفصيل عن هذه المحاكم ولا عن قضاتها. فالمحاكمة الكبرى التي يفكّر بها يوحنا هي من نوع آخر: إنها الصراع اللاهوتي الكبير الذي يمثّل إطار حياة يسوع، إنها هذه الدعوة بين يسوع المسيح والعالم. وهذه الدعوة تنتهي بالحكم على العالم وبتمجيد المسيح على الصليب. لا يتوقّف يوحنا عند مجرى العدالة التي تحكم على التلاميذ في واقع التاريخ. فهذه المحاكم البشريّة تقف كلّها خلف قوّة وحيدة وسريّة، قوّة لا وجه لها، هي العالم. فموضوع العالم يجعلنا نحسّ بأهميّة القضيّة المعروضة: أنكون مع المسيح أم ضدّ المسيح؟ وهذه الحرب تتجاوز تجاوزاً واسعاً، معارضة اليهود ليسوع خلال حياته الأرضيّة، لتمتدّ إلى البعيد في حياة الكنيسة.
وفي هذه الدعوى الدينيّة الواسعة حيث يتواجه يسوع والعالم، تأخذ شهادة الروح مدلولها الحقيقي: فتجاه عداوة العالم سيتعرّض تلاميذ يسوع من جديد للشكوك: قد يسقطون، قد يرتابون وييأسون! ولكنّ روح الحقّ والمدافع عن يسوع سيتدخّل في تلك الساعة بالذات ويشهد ليسوع في أعماق ضمائرهم، ويثبّتهم في إيمانهم، ويعطيهم الثقة بنفوسهم.
إن فهمنا وعد الروح على هذا الشكل، وجدنا نفسنا في خط سائر المواعيد. فحسب 14: 26 و16: 13، يبدو عمل الروح تعليماً يُفهم التلاميذ أقوال يسوع ويقودهم إلى ملء الحقيقة. والنصّ الذي تفحّصناه الآن يتوقّف عند نشاط الروح، خلال الأزمات: سيلعب الروح دور الشاهد ليسوع. يكشف للتلاميذ كشفاً داخلياً، بُعد تعليم يسوع الحقيقي، ويدعوهم إلى أمانة لا تراجع فيها رغم الاضطّهادات التي يتعرّضون لها. نحن هنا أمام عمل الروح الداخلي مع التلاميذ، وهذا العمل يهدف إلى إنماء حياتهم في الإيمان.

3- متهمُ العالم
الروح يتّهم العالم. يترافق هذا الكلام مع ما قلناه عن موضوع الشهادة ويتمّمه. إن الروح سيؤدي شهادة ضدّ العالم الخاطىء.
حين أعلن يسوع رحيله، امتلأ قلبُ التلاميذ حزناً (16: 6). ولكنّ يسوع شجّعهم فأعلن لهم مجيء البارقليط: "صدّقوني (أقول لكم الحقّ)، من الخير لكم أن أذهب. فإن كنت لا أذهب لا يجيئكم البارقليط. أما إذا ذهبت، فأرسله إليكم. ومتى جاء، وبّخ العالم على الخطيئة والبرّ والدينونة. أما على الخطيئة، فلأنّهم لا يؤمنون بي. وأما على البرّ، فلأنيّ ذاهب إلى الآب ولن تروني. وأما على الدينونة، فلأنّ سيّد هذا العالم قد دين وحُكم عليه" (يو 16: 7- 11).
أ- الروح يبيّن خطأ العالم
يحدّد يسوع في هذا الكلام دور الروح العتيد بالنسبة إلى العالم. فالفعل اليوناني يعني وبّخ أو بكّت أو أخزى. يتفحّص القاضي القضيّة ويسأل ويمتحن ثم يقوم بالاستجواب ويبيّن نتيجة ما توصّل إليه. أما إذا كنّا أمام شخص، فنقول: أقنعه بخطأه، قدّم له البرهان أنه مذنب. وفي يو 16: 8: يبرهن البارقليط للعالم أنه مخطىء. يقدّم البراهين ضدّ العالم ويُقنعه بذنبه. وهذا يعني أن عمل الروح المقنع سيجعل الخطأة يُقرّون بخطيئتهم ويتوبون. ولكنّنا نتساءل: أمام من سيقدّم البرهان؟ أمام العالم نفسه، بفم التلاميذ الذين يوبّخون العالم بشهادتهم الثابتة فلا يعود له ما يقوله: وهكذا نكون في إطار اسكاتولوجي. أما في حياة الكنيسة اليوميّة، حيث يتّصل التلاميذ بالعالم اتصالاً مستمراً، فماذا سيكون دور البارقليط؟
سيبرهن البارقليط عن شّر العالم وذلك في وجدان الرسل الحميم. إليهم يأتي ولأجلهم يأتي، كما يقول النصّ: إن كنت لا أذهب لا يجيئكم البارقليط. أما إذا ذهبت فأرسله إليكم (آ 6). ونقرأ أيضاً في الآيات اللاحقة: "يقودكم إلى الحقّ كله" (آ 13). ثمّ إن آ 10 تدلّ على أن الموضوع هو المؤمنون: "لأنّكم لن تروني".
إذاً، هذا هو معنى الوعد: حين يبرز الروحُ خطيئة العالم، يفعل بطريقة داخليّة في أعماق وجدان التلاميذ. ففي المحنة التي يخضع لها إيمانهم سيعطيهم الروح اليقين أن العالم خاطىء وأن الحقيقة هي بجانب يسوع. إذا كان هذا هو معنى وعد يسوع للرسل، فسيكون هذا الوعد عملياً. طردت الجماعة اليهوديّة الرسل بسبب تعلّقهم بيسوع وحسبتهم أشراراً واعتبرت موتهم فعل عبادة تقدّمه لله. كان كلّ هذا محنة للرسل. ولكنّهم سيجدون مدافعاً عنهم وفيهم. هو يؤكّد لهم أنّهم في الحقّ، وأن إيمانهم يرضي الله، وأن ما يقوله المضطّهدون هو الخطأ عينه.
أجل، يوم عمل البارقليط، قام بتثبيت التلاميذ في إيمانهم خلال الأزمات: ربطهم بيسوع ربطاً أوثق وأكّد لهم خطأ العالم. وحين يتقوّى إيمان التلاميذ، يستطيعون أن ينتصروا على الشكوك، وأن ينتصروا على العالم: "إيماننا انتصارنا على العالم" (1 يو 5: 4). والبرهان الذي يقدّمه روحُ الحقّ يتمّم نصر المؤمنين. ولكنّ هذا النصر سيكون باطنياً وروحياً: ففي عمل الروح السّري، سيجد التلاميذ القوّة الضروريّة ليقاوموا تيّار العالم الكاذب فلا يجرفهم، وليبقوا أمناء للمسيح.
ب- الخطيئة والبرّ والدينونة
وسيبرهن الروحُ خطأ العالم في ثلاثة مجالات: الخطيئة والبرّ والدينونة. إن يسوع قد رذله اليهود خلال حياته العلنيّة وحكموا عليه خلال الآلام. فالبارقليط سيعيد النظر في هذه المحاكمة، ويبيّن للتلاميذ أن المخطىء هو العالم، وأن الحقّ هو بجانب يسوع، وأن المحكوم عليه هو سيّد هذا العالم.
ويستعيد النصّ الوجهات الثلاث لاتّهام العالم بفم الروح البارقليط. أما على الخطيئة فلأنّهم لا يؤمنون بي". هذا هو جوهر الخطيئة: رفض العالم أن يؤمن بأن يسوع المسيح هو ابن الله. "وأما على البرّ فلأني ذاهب إلى الآب ولن تروني". يتحدّث النصّ عن برّ المسيح لا عن برّ المسيحيّين. فالبرّ هو قداسة المسيح الشخصيّة وصداقته مع الله وحقّه في صراعه مع العالم. وهنا البرّ يعني: الغلبة، الانتصار، المجد. فبرّ يسوع هو انتصاره وتمجيده السماوي عندما يعود إلى الآب. وإذ يؤكّد البارقليط للتلاميذ أن يسوع هو في المجد، فهو يعمل على إظهار ضلال العالم وخطيئته. "وأما على الدينونة فلأنّ سيّد هذا العالم قد دين وحُكم عليه". خلال الدعوى بين يسوع والعالم تتحدّد النهاية، ساعة آلام يسوع وموته: فارتفاعه (وتمجيده) فوق الصليب ورفض العالم أن يؤمن به، يكوّنان دينونة العالم والحكم على رئيسه الذي هو الشيطان. فعمل الروح القدس المنير سيتيح للرسل أن يكتشفوا، من خلال أحداث موت يسوع، سيّد هذا العالم الذي كان المحرّك الحقيقيّ لليهود والوثنيّين معاً.

خاتمة
حين نُلقي نظرة إلى مواعيد يسوع، ندرك وحدتها: فهي ترتبط كلّها، بإيمان تلاميذ يسوع. شدّد الوعد الأول على المعارضة الجذريّة بين العالم والمؤمنين (يو 14: 16- 17). وتطرّق الوعدُ الثاني (14: 26؛ 16: 12- 15) إلى دور الروح التعليمي. والوعدُ الثالث (16: 7- 11) إلى عمله في الدعوى التي يتقابل فيها يسوع والعالم. وفي كل هذه الحالات، سيكون دور الروح البارقليط بأن يعمّق إيمان التلاميذ فيفهمهم من الداخل، حياة يسوع وتعليمه ويثبّت إيمانهم المترجرج ضدّ هجمات العالم.
وهكذا نفهم لماذا سُمّي البارقليط روح الحقّ. فالحقّ هو المجال الذي فيه مارس الروحُ عمله. أما وظيفته في لاهوت القديس يوحنا فتقوم بأن يوصل إلينا الحقيقة، وأن يعلّمنا إيّاها من الداخل، وأن يجعلها تلجُ بعيداً في قلوب المسيحيّين. أجل، بفضل عمل الروح الخفيّ، تستمرّ كلمةُ يسوع في الكنيسة وتبقى فاعلة إلى منقضى الدهر.
الفصل الثامن عشر
قداسة شعب الله

نحن نُنشد للمسيح: لأنّك وحدك قدّوس. ونُنشد مع الملائكة قبل الكلام الجوهري: قدّوس، قدّوس، قدّوس. ونُعيِّد في بداية شهر تشرين الثاني، عيدَ جميع القدّيسين، هؤلاء الذين لا يُعدّون ولا يُحصَون، وقد تحدّث عنهم القدّيس يوحنا في سفر الرؤيا.
سنتحدّث هنا عن قداسة الله، عن قداسة شعب الله، عن قداسة الكنيسة التي هي أورشليم الجديدة.

1- الله وحده قدّوس
كان لشعب إسرائيل كما لسائر شعوب الشرق، معابد وأماكن مقدّسة، فيها القدس وقدس الأقداس. وكان له ذبائحه وكهنته وقرابينه. ولكنَّ التوراة لا تعرف إلاّ قداسة واحدة، هي قداسة الله التي يوصلها الله إلينا. وهنا نفهم أنّ القداسة ليست أوّلاً تفتّح الشخص الذي يصل إلى الكمال. إنّها قبل كلّ شيء اتّحاد بالله. فالقدّيس في التوراة ليس بطلاً كأبطال التاريخ. إنّه انسان مرتبط بالربّ ارتباطاً حميماً. والشيء المقدّس ليس صنَماً نعبده في حدّ ذاته. نحن نحترمه لأنّه مكرّس لله. وشعب إسرائيل شعب مقدّس، لا لأنّه أفضل من الآخرين، بل لأنّ الله اختاره وأقام معه عهداً، بانتظار أن يختار كنيسته ويُقيم معها عهداً أبديّاً.
القداسة صفة خاصّة بالله ونحن لا ندركها. الله يتقدّس، يُظهر أنّه قدّوس، يكشف عن قداسته حين يتدخّل في التاريخ من خلقٍ وظهور وخلاص ومحَن، حين يعاقب وحين يحمي، حين يدين وحين يخلّص. قداسته قوّة ظهرت على جبل سيناء وسط البروق والرعود. قداسته خلاص وبركة. قال: أنا إله لا إنسان. أنا وسطك القدّوس ولا أحبّ أن أدمّر (هو 11: 9).
ولمّا ظهر الله على أشعيا (ف 6)، ظهرَ كملك عظيم وكالخالق الذي يملأ الأرض بمجده، كموضوع عبادة يقوم بها السرافيم، وكسيّدٍ على مصائر الناس والشعوب. حينئذ قال أشعيا: "ويل لي فقد هلِكت. أنا رجل دنس الشفتين وأقيمُ وسط شعب دنس، وقد رأت عيناي الربّ القدير!". أحسَّ أنّ لا شيء مشترك بينه وبين الربّ. لا تستحقّ الشفاهُ أن تسبّح ولا العيون أن ترى. ولكن، حين طُهِّرت شفتاه، استطاع أن يحدّث الله ويتلقّى مهمّة ورسالة. لقد رُدمت الهوّة التي تفصل الخليقة والخاطىء عن الله. الإله السامي فوق البشر صار مع البشر، الاله الذي يعاقب الخاطىء صار الاله الذي يخلّص، والاله القدّوس اتّصل بشعبه.
وهكذا ارتبطت قداسة الله بقوّته ومجده، بغضبه ورحمته، بالخلق والعهد والشريعة، وارتبطت خاصّة باسمه. إنّها صفة خاصّة بالله. ولكن، كيف يوجد قدّيسون وأشياء مقدّسة خارجاً عن الله؟ إذا كان الله وحده قدّوس، فكيف ينقل قداسته؟ لا جواب إلاّ المحبّة. فالله ينقل قداسته إلى البشر لأنّه يُحبّهم.

2- شعب مقدّس
حين ظهر الربّ لشعبه على جبل سيناء، كشف عن اسمه وأظهر إرادة الخلاص والرحمة، وقرّر أن يعقد عهداً مع شعبه. قال: "إذا سمعتم صوتي وحفظتم عهدي، أجعلكم أخصّائي من بين كلّ الشعوب. أجعلكم مملكة كهنةٍ وأمّة مقدّسة" (خر 19: 5- 6).
شعب الله شعب مكرّس لله، هو يخصّ الربّ. إنّه في خدمته. إنّه يتعبّد له ولا سيما في شعائر العبادة. يشبه الشعبُ هؤلاء الحملان التي وُضعت جانباً إكراماً لله، يشبه المحرقات التي تُقدَّم للربّ، واللاويّين الذين يخصّون الربّ ويُحفَظون لخدمة الهيكل.
شعب الله شعب مقدّس. فكما قدّس الله الهيكل والأواني المقدّسة واختصّها لنفسه، وكما كرّس اللاويّين والكهنة، هكذا كرّس له شعباً دون أن يهتمّ بصفاته واستحقاقاته. تذكّر مواعيده للآباء الذين أحبّهم، رأى شقاء شعبه في مصر فأراد أن يخلّصهم. وإذ خلّصه اقتناه، وإذ افتداه كرّسه فصار الشعبَ المقدّس والمفتدى. وهذا التقديس يعطي الشعب ثباتاً. قد يُرذَل كاهن، قد تُرذَل آنية مقدّسة، قد يُدمَّر الهيكل ويصبح بدون جدوى. ولكن الشعب المقدّس لا يزول. فالله أحبّه وهو لا يتراجع عن مواعيده. فالله ربط شعبه بمجد اسمه. حتّى إذا كنّا نحن خائنين، فهو لا يمكن أن يُنكر نفسه (1 تم 2: 13).
الله اختار شعبه وأحبَّه وخلّصه وهو يحيا معه ويسير معه. ظهر له عبر سحاب يقوده ويحميه، عبر تابوت العهد الذي يمثّل حضوره، عبر هيكل هو مركز إقامته، عبر مجده الذي يرافقه في طريق الضيق والمنفى. وحضور الله الفاعل، ينقل إلى الشعب قداسة خاصّة وقوّة رهيبة هي منبع طمأنينة وحماس وفخر وتفاؤل ورجاء لا يُقهر. ثمّ انّ القداسة ليست طهارة طقسيّة وحسب. فالعهد مع الله يفترض قداسة أخلاقيّة تصل إلى قلب الانسان. هذا هو سبب وجود الشريعة التي تتأسّس فرائضها الأولى على العهد. وهدف الشريعة أن تذكّر البشر بأن شعب الله هو شعب وُضع جانباً، وأنّ الأفراد مقدّسون. الشريعة تشهد على قداسة الله وقداسة شعبه. إلى هذا الحد يجب على الشعب أن يصل. قال الربّ: "أنا الربّ الذي يقدّسكم" (لا 20: 8). وقال: "كونوا قدّيسين لأنّي أنا قدّوس" (لا 11: 44). فنحن أبعد ما نكون عن الطاعة والطهارة الطقسيّة. نحن أبعد ما نكون عن أعمال خارجيّة. لقد وصلنا إلى رغبات النفس العميقة وطُلب منّا أن نقتدي بصلاح الله ورحمته، "أن نحبّ الله بكلّ قلبنا وكلّ نفسنا وكلّ قدرتنا" (تث 6: 5) "وأن نحبّ القريب مثل نفسنا" (لا 19: 34). وهذه القداسة الأخلاقيّة، يطلبها الأنبياء من الشعب باسم الله. إنّهم يريدون أن يعلّموه كرهَ الظلم والخطيئة وعبادةِ الأوثان.
طلب الله، ولكنَّ طلبه لم يلبَّ. نادى الله، فما وجد جواباً. وهكذا ظلّ حبّه كصدى في واد. لم يُسمع نداؤه. وظل شعب اسرائيل دنس الشفتين ولم يفهم أمثولة المنفى التي جرّدته من كل سلطة سياسيّة، بل كان الوثنيّون أفضل من شعب الله. تاب أهل نينوى ورجعوا إلى الربّ وظلّ بنو إسرائيل الشعبَ القاسي الرقاب. فهل فشل الله في عمل التقديس؟ كلاّ. فقد أبقى بقيّة مقدّسة، أبقى غرسة مقدّسة وشعباً يجدّده الروح ويطهّره عبدُ الله الذي يكفّر عن الخطايا بآلامه ومصيره الرهيب. وهكذا يتكوّن شعب نوعيّ من أبرار يخافون الله ويرفضون كلّ مساومة مع الأشرار وينتظرون في نهاية الزمن، الملكوتَ الذي يتقدّس فيه كلّ إنسان وكلّ شيء.

3- أورشليم الجديدة، المدينة المقدسة
وأسّس المسيح كنيسته على الرسل وربطها بينابيع قداسة جديدة. صار المسيح لنا قداسة (1 كور 1: 30). إنّه القدّوس، إنّه الانسان الوحيد الذي يحمل هذا اللقب المحفوظ لله. وهذا بفضل بنوّته وعلاقته الخاصّة بالروح القدس. حُبل به بالروح القدس ودعي ابن الله وصار قدّوساً. عمّده يوحنا وسط ظهور، فنال مسحة الروح. وهذا الروح سيملأهُ ويقوده إلى البرّية ليحارب الشيطان.
إنّه يُظهر قدرة الله بواسطة المعجزات. أمامه يحسّ الناس بالخوف والرهبة، يحسّ الواحد أنّه خاطىء. ولكنَّ يسوع لا يتعلّق بمظاهر القدرة، بل يخفي شخصيّته المسيحانيّة لئلاّ تُفهم بغير معناها، ويتبعه الناس كقائد سياسيّ وحربيّ. فقداسة يسوع هي من نوع آخر. إنّها قداسة الآب القدّوس وهي تحمل ميزات قدرته وصلاحه وتقوده إلى الحبّ الذي يجعله يضحّي بنفسه من أجل أحبّائه (يو 15: 12). وانّ موت المسيح على الصليب يدلّ على ساعة تمجيده. فذبيحته أظهرت أنّه قدّوس وأنّه يقدّس أخصّاءه. لقد أحبّ الكنيسة وبذل نفسه عنها ليقدّسها (أف 5: 25). وتقدّسنا نحن بدورنا في المسيح يسوع (1 كور 1: 2).
لقد صار التعلّق بالمسيح أساس كلّ قداسة. والكنيسة التي هي جسده، تستقي قداستها من قداسته. إنّها بناء روحي ينمو بفعل الرّوح ويصير هيكلاً مقدّساً ومسكن الله الحقيقي. ولهذا، فقداسة الله تظهر فيها اليوم كما كانت تظهر في يسوع، بآيات وعجائب عديدة.
والمسيحيّون هم أعضاء المسيح وحجارة حيّة أدخلت في بناء معبد جسد المسيح. صاروا بالمعموديّة، كائناً واحداً مع المسيح. شاركوا في جسد المسيح، الذي هو الكنيسة. تغذّوا من جسده القربانيّ وعاشوا من حياته الأبديّة. لقد صاروا قدّيسين في المسيح (فل 1: 1). ولأنّهم تعمّدوا بالروح القدس، نالوا المسحة الآتية من القدّوس. أنعشهم الروح فدعوا الله أبّا، أيّها الآب. صاروا أبناء الله وهياكل الروح. والروح يعمل فيهم كما كان يعمل في بشريّة المسيح. 
وعندما يسمّي القدّيس بطرس الجماعة المسيحيّة "أُمّة مقدّسة" (1 بط 2: 9) فهو يعطيها معنىً عميقاً لم يكنْ لها في العهد القديم. لسنا فقط، أمام شعب مختار ومميّز عن سائر الشعوب ومدعوّ إلى القداسة بالشريعة، بل أمام شعب مقدّس يتكوّن من أبناء الله ويدخل فيه كلّ الأمم ويجتمعون في الوحدة. ومسيحيّو أورشليم سمَّوا أنفسهم القدّيسين (أع 19: 13). فقداستهم لا تأتي أوّلاً من تقواهم ولا من انعزالهم عن العالم، بل من الروح القدس الذي نالوه في العنصرة. وهكذا، وبفعل الروح، دُعي جميع المؤمنين قدّيسين.
إذا كان الأمر هكذا، فما هو دور الكمال الأخلاقي في القداسة المسيحيّة؟ قال الربّ: "كونوا كاملين كما أنّ أباكم السماوي كامل هو" (مت 5: 48). وقال بطرس: "تكونون قدّيسين لأنيّ أنا قدّوس" (1 بط 1: 16). ولا ينبع الكمال الأخلاقي من شريعة، بل من مبدأ القداسة المسيحيّة الذي هو الروح القدس. صار المسيحيُّ روحانيّاً وكاملاً (1 كور 2: 6- 16)، فصلبَ الجسدَ مع شهواته وميوله. هو لا يعيش بحسب الجسد، لأنّ قداسة الله ترفض كلّ خطيئة. فالخطيئة هي دمار الكائن المسيحي. وهكذا يكون عمل التقديس انتصاراً على الشرّ والخطيئة.
وهكذا تكون القداسة الأخلاقيّة علامةَ عمل الروح القدس وثمرته. والروح لا يجعلنا نتجنّب الخطيئة فقط، بل نثمر ثماراً صالحة: الايمان والرجاء والفضائل الخلقيّة من محبّة وفرح وصلاح وخدمة ووداعة. والروح هو أيضاً ينبوع المواهب التي تجعل كلّ واحد في مكانه في الكنيسة وتساعد على بناء الكنيسة. ويدفع المسيحيّين إلى أنّ لا يكتفوا بممارسة الوصايا، بل إلى أنْ يكرّسوا نفوسهم للملكوت، ليصبح الواحد خادماً للآخرين، ويقدّم نفسه مجّاناً من أجل الانجيل، فيحرم نفسه لئلاّ يشكّك أخاه، ويكمل في جسده ما ينقصُ من آلام المسيح، من أجل جسده الذي هو الكنيسة (كو 1: 24).
نبعت قداسة الكنيسة من ديناميّة الروح القدس. ولكنّها لم تصل بعد إلى كمالها. هي لا تزال تنمو مثل جسد المسيح. هي لا تزال تُبنى مثل هيكل مقدّس. ما زال الزؤان ممزوجاً بالقمح، رما زال التصّرف الجسداني مُسيطراً. فعلى المسيحيّين أن يسهروا لئلاّ يخسروا ثمار عمادهم ويسقطوا في الخطيئة. والذين دُعوا قدّيسين، عليهم أن يتقدّسوا ليستعدّوا لمجيء الربّ. عند ذاك، يأتي المسيح على السُحب بقدرة ومجد عظيم، فيُظهر قداسته. يضع أعداءه تحت قدميه. يفصل الأبرار عن الأشرار، ويجازي القدّيسين ويسلّم المُلك لله. حينئذ تتمّ النبوءات ويكتمل الخلاص وتظهر الكنيسة التي هي أورشليم السماويّة والمدينة المقدّسة "جميلة مثل عروس تزيّنت من أجل عريسها" (رؤ 21: 2)، "عروس لا عيب فيها ولا تجعّدَ ولا ما أشبه ذلك، بل مقدّسة لا عيب فيها" (أف 5: 27).

الفصل التاسع عشر
مريم نموذج الكنيسة

"وظهرت آية عجيبة في السماء: امرأة تلبس الشمس، والقمر تحت قدميها، على رأسها اكليل من اثني عشر كوكباً، حبلى تصرخ من وجع الولادة.
"وظهرت في السماء آية أخرى: تيّين عظيم أحمر كالنار له سبعة رؤوس وعشرة قرون، على كلّ رأس تاج. فجّر بذنبه ثلث نجوم السماء وألقاها على الأرض. ووقف التنّين أمام المرأة وهي تتوجّع ليبتلع طفلها حين تلده. فولدت ولداً ذكراً وهو الذي سيحكم الأمم كلها بعصا من حديد، ولكنّ ولدها اختُطف إلى الله وإلى عرشه، وهربت المرأة إلى الصحراء حيث هيّأ الله لها ملجأ يعولها مدّة ألف يوم ومئتين وستّين يوماً" (رؤ 12: 1- 6).
هدا النصّ المأخوذ من سفر الرؤيا يدخلنا في سرّ الآخرة، عالم الاسكاتولوجيا، ولكنّه ينطلق من السّر الفصحيّ الذي فيه نرافق المسيح في موته وقيامته وصعوده ليكون قرب الله وعلى عرشه. هذا النصّ يدخلنا في سرّ الكنيسة، إسرائيل الجديد وشعب الله الجديد، ولكنّه يقدّم لنا أيضاً صورة مريم التي هي صهيون الجديدة ونموذج الكنيسة التي ولدت يسوع بالجسد، وولدت ليسوع اخوة كثيرين يوم كانت عند الصليب.
لقد قرأ التقليد هذا النصّ من سفر الرؤيا وحاول أن يتعرّف إلى هذه الصورة السّرية، صورة المرأة. رأوا فيه سرّ الكنيسة ورأوا فيه سرّ مريم. ونحن سنحاول أن نكتشف هذين الوجهين بعد أن نضع الفصل الثاني عشر من سفر الرؤيا في إطار الكتاب كلّه.

1- إطار رؤ 12
كيف بُني سفر الرؤيا؟ إنّ الفصول الثلاثة الأولى مع ظهور ابن الله المجيد لرائي بطمس (الذي هو يوحنا) والرسائل السبع إلى الكنائس، تشكّل مقدّمة الكتاب وتنفصل عن سائر الكتاب.
ويمتدّ القسم الأوّل من ف 4 إلى ف 11. يستعين بالرؤى النبويّة فيصوّر مسيرة تاريخ العالم ومواجهة الشهود الأوّلين مع هذا العالم. يرينا أوّلاً البلاط السماويّ والليتورجيا التي تتمّ فيه. والكتاب المختوم الذي يتضمّن مقرّرات الله التي لا تزال خفيّة على الانسان، هذا الكتاب ستفضّ ختومه فتنكشف أسرار الله ويتحقّق مخطّطه الخلاصي للبشر. وهذا العمل لا يقوم به إلاّ المسيح القائم من الموت والممجّد، الحمل الذي يقف أمام عرش الله. وحلّت الضربات بالأرض، غير أنّ المختارين ظلّوا بمنأى عنها وكانوا يحتفلون بانتصار الحمل حول عرش الله. وانّ صلوات القدّيسين جعلت اليوم العظيم يأتي عاجلاً، والنفخ في الأبواق كان علامة الدينونة الأخيرة (1 كور 15: 52). وحلّت الكوارث العديدة ولكن الكلمة الأخيرة لم تُقل. وستأتي رؤية مسيحية تتصوّر مجيء ابن الانسان للدينونة الأخيرة.
ويخصّص القسم الثاني (ف 12- 22) للحديث عن مصير الكنيسة: اضطّهاد خلال الزمن الذي يمتدّ منذ ولادتها على الصليب إلى الأحداث الاسكاتولوجية والانتصار النهائي في أورشليم السماوية. وتصوّر الكنيسة المضطّهدة في رمز صراع بين المرأة والتنّين. وفي النهاية يظهر الحمل مع أخصّائه. ويخرج منتصراً من المعركة وتبدأ الدينونة الأخيرة: "حينئذ رأيت سماء جديدة وأرضاً جديدة... رأيت المدينة المقدّسة، أورشليم الجديدة، نازلة من السماء من عند الله" (21: 1- 2). "عرش الله والحمل يقوم في المدينة فيسجد له عباده... لا ليل هناك... لأنّ الربّ الاله يكون نورهم وهم سيملكون إلى أبد الدهور" (22: 3- 5).
هذا هو الاطار العامّ للفصل الثاني عشر الذي سنتأمّل فيه لنكتشف لا صورة الكنيسة وحسب، بل صورة مريم نموذج الكنيسة. نبدأ أوّلاً فنفسّر رسم المرأة وابنها الذكر في إطار كنسي، كما نتوقّف عند مواجهتها للتنّين. ثم نبيّن في هذا الاطار العامّ التفسير المريمي.

2- التفسير في إطار كنسي
أ- المرأة
المرأة هي رمز إلى اسرائيل، إلى شعب الله الذي ولد المسيح. هذا ما نقرأه في يو 4: 22: "الخلاص يأتي من اليهود". أي المخلّص جاء من العالم اليهودي. إنّه ابن الشعب اليهودي، ابن المرأة صهيون، والمرأة رمز إلى المدينة. ولكن المرأة صهيون (ابنه صهيون) تصبح في العهد الجديد الكنيسة. وهي ستمرّ عبر عدد من الآلام والاضطّهادات. ولكنّها ستبقى ثابتة وستنتصر في النهاية لأنّها عروس الحمل. ونلاحظ بعض الأمور: لا تقف هذه "المرأة" على الأرض. انّها صورة سماوية "تلبس الشمس والقمر تحت قدميها، على رأسها اكليل من اثني عشر كوكبا". إذا أردنا أن نفسّر هذه الصور نعود إلى أش 60: 1، 19- 20: "قومي أضيئي لأنّ نورك قد وافى، ومجد الربّ يكون لك نوراً أبدياً وإلهك يكون جمالك. لا تغرب شمسك من بعد، وقمرك لا ينقص، لأن الربّ يكون لك نوراًَ أبدياً". وفي نش 6: 10 نقرأ: "مَنْ هذه المشرقة كالصبح، الجميلة كالقمر، المشعّة كالشمس، المرهوبة كالجيوش".
القمر يتبدّل، يكبر ويصغر. إنّه يدلّ على التاريخ البشري. إذا كان القمر تحت قدم المرأة، فهذا يعني أنّ التاريخ البشري كلّه خاضع لها. وبعبارة أخرى، إنّ الكنيسة الأبدية، جسد المسيح، تشرف على تقلّبات الزمن وتحرّكات التاريخ.
وهناك رمز آخر للقمر. حين يكون بدراً تكون الطبيعة جميلة في صمت الليل. حينئذ نحسّ بالهدوء والطمأنينة والسلام. ومع ذلك فهذا النور الذي في القمر ليس خاصّاً به، بل قبله من آخر. كلّ جمال القمر هو انعكاس لبهاء الشمس. وهذا ما نقوله عن جمال الكنيسة كما نقوله عن جمال مريم العذراء "الجميلة كالقمر".
في رؤ 12، نور المرأة قد نالته من الله بواسطة المسيح، الذي تسمّيه الليتورجيّا: شمس البرّ، شمس العدل. ويقول يوحنا في رسالته الأولى (1: 5): "الله نور لا ظلام فيه". إنّه ينبوع كلّ نور (يو 1: 7). وهذا النور الالهي الذي يشّع في كلّ مكان تعكسه أفضل ما تعكسه بنت (امرأة) صهيون.
وما هو مدلول الاثني عشر كوكباً التي تتوّج المرأة؟ العدد 12 يدل على الملء والكمال. والصورة تدلّ هنا على ملء شعب اسرائيل اديد حين يجيء ملكوت الله بصورة نهائية. إنّ المرأة المتوّجة باثني عشر كوكباً، هي صورة عن اسرائيل القديم (12 سبطا) واسرائيل الجديد (12 رسولاً) في كماله الاسكاتولوجي في نهاية الزمن. ليست فقط كنيسة التاريخ، إنها شعب الله المعدّ ليكون مدينة الله.
ب- المرأة التي تلد
في آ 2 نجد صورة المرأة التي تصرخ من وجع الولادة. نحن للوهلة الأولى أمام تعارض بين وضع المرأة في آ 1 وموقفها الممجّد، ووضعها المؤلم: هي ستضع ولداً في الأوجاع. إنّ آلام المرأة التي تتمخّض، ترمز إلى آلام ابنة صهيون كأمّ في نهاية الأزمنة. نقرأ في مي 4: 10 صورة عن ابنة صهيون التي ستصير أمّاً: "تمخّضي وادفعي يا بنت صهيون كالمرأة التي تلد. فانّك الآن تخرجين من المدينة وتسكنين في الحقول. ستذهبين إلى بابل وهناك تنقذين. هناك يفتديك الربّ من أيدي أعدائك". وفي أش 66: 6- 10 نجد صورة عن الأحداث الاسكاتولوجية الكبرى في إطار الولادة: "صوت جلبة في المدينة، صوت يخرج من الهيكل، صوت الربّ الذي يجازي الأعداء: قبل أن تتمخّض ولدت، قبل أن تحسّ بالأوجاع وضعت ذكراً. من الذي سمع بمثل هذا، ومن الذي رأى مثل هذه؟ أتوضع أرض في يوم واحد، أم تولد أمّة في مرّة واحدة"؟
ونقرأ في يو 16: 21: "فالمرأة تحزن وهي تلد، لأن ساعتها جاءت. فإذا ولدت تنسى أوجاعها، لفرحها بولادة انسان في العالم". إنّ استعمال رمز المرأة التي تلد في سياق العشاء الأخير، وقبل الآلام والقيامة، يقودنا إلى تفسير أوضح لموضوع الولادة. فآلام المرأة التي نقابلها مع حزن التلاميذ، هي علامة عن العالم الجديد الذي تحقّق لهم في الحدث الفصحي. أجل، إنّ آلام الولادة في رؤ 12 ترتبط أوّل ما ترتبط بولادة شعب الله الجديد في الألم، عبر الصليب والقيامة. فالعلاقة متينة جداً بين سفر الرؤيا والسّر الفصحيّ.
ج- الولد الذكر
ولكن من هو هذا الولد الذكر الذي وضعته المرأة (آ 5)؟ إنّه المسيح يسوع. وما يبرهن على ذلك الاستشهاد بالمزمور الثاني الذي يصوّر الدراما المسيحانية: "هو الذي يرعى الأمم بعصا من حديد". ولكن أيّ ولادة يعني النصّ؟ ليست هذه الولادة المسيحانية تلك التي ترويها أناجيل الطفولة، بل ولادة صباح الفصح والقيامة. فالقيامة تصوّر في العهد الجديد وكأنّها ولادة جديدة. ونعطي على هذا مثلاً نأخذه من أعمال الرسل. أعلن بولس في أنطاكية بسيدية: "ونحن نبشّركم بأن ما وعد به الله آباءنا تمّ لنا، نحن أبناءهم، حين أقام يسوع من بين الأموات، كما جاء في المزمور الثاني: أنت ابني وأنا اليوم ولدتك" (أع 13: 32). ويطبّق أيضاً مز 2: 7 على قيامة يسوع في عب 1: 5. إذن، القيامة هي الوقت الذي فيه يستيقظ يسوع لحياة جديدة. فزمن ولادة المسيح الممجّد هو بداية حياته في المجد. حينئذ نفهم أن اختطاف الولد "إلى الله وإلى عرشه" يصوّر تمجيد المسيح السماوي في الصعود. فإذا أخذنا بعين الاعتبار هذه المعطيات، يتّضح أنّ ولادة الولد الذكر في رؤ 12 تتعلّق جوهرياً بقيامة المسيح وانتصاره النهائي على قوى الشرّ. إنّ صاحب سفر الرؤيا يصوّر الأمّ صهيون التي تلد المسيح في أحداث الفصح، المسيح الذي سينال بهذه الصورة، السلطان على كلّ الأمم وعلى كل التاريخ.
ولكنّنا بتفسيرنا هذا نقف أمام مفارقة: إذا كانت المرأة التي تلد هي المرأة صهيون والشعب المسيحاني، وإذا كان المولود هو المسيح، فكيف نقدّم تفسيراً جماعياً للأمّ وتفسيراً فردياً لابنها؟ ولكن لا ننسى النصوص النبويّة التي تتحدّث عن صهيون التي تلد. فالابن لا يدلّ على المسيح فقط، بل على الشعب المسيحاني. فالوجهة الفرديّة تلتقي بالوجهة الجماعيّة. هذا ما نكتشفه في عرس قانا، وهذا ما نكتشفه أيضاً عند الصليب: فالمرأة التي يتوجّه إليها يسوع هي في الوقت عينه أمّه (مريم) والمرأة صهيون (الكنيسة). والتلميذ هو في الوقت عينه "التلميذ الذي يحبّه يسوع" وكلّ التلاميذ الذين يمثّلهم. وفي رؤ 12: 5، الابن الذي ولدته المرأة هو يسوع الأرض الذي قام ومجّد، ولكنّنا لا نفكّر فقط بالمسيح الشخصي، بل بالمؤمنين الذين يشاركون قائدهم في سلطانه كما تقول الرسائل إلى الكنائس. وهذا ما نفهمه من النصّ: إنّ الزمن الذي فيه يغلب الشيطان بقدرة الله، لن يكون فقط زمن سلطة المسيح (رؤ 13: 10)، بل زمن انتصار الاخوة أيضاً: "غالبون بدم الحمل وبشهادتهم له" (رؤ 12: 11). وسيسمّون في 12: 17: "باقي نسلها": إنّهم كلّ اخوة يسوع "الذين يعملون بوصايا الله وعندهم شهادة يسوع". كلّ هؤلاء هم أبناء المرأة. إذاً، ليست ولادة الولد الذكر ولادة المسيح وحسب، بل ولادة أعضائه الذين ولدتهم الكنيسة.
د- هرب المرأة إلى البرية
وهناك وجهة أخرى في هذا النصّ لا بدّ من إيضاحها: هرب المرأة إلى البرّية، إلى الصحراء (آ 6، 13، 17). موضوع البرّية مهم جداً في التوراة وهو يرتبط بإقامة الشعب أربعين سنة وبالأحداث التي عاشها الشعب هناك. في البرّية عقد الله عهداً مع شعبه قرب جبل سيناء. ولكن زمن البرّية كان أيضاً زمن الخيانة والمحنة، كما كان الزمن الذي فيه قاد الله شعبه وسار أمامه في عمود من نار.
إذن، البرّية هي الموضوع الذي فيه اعتزل اسرائيل، فحماه الله حماية خاصّة وقاده في مسيرته. وما عاشه الشعب على أيام موسى، سيعيشه إيليّا النبيّ (1 مل 19: 4- 16): هرب من وجه أعدائه ودخل في الصحراء حتى وصل إلى حوريب. وهناك تقبّل رسالته. إذن، البرّية هي موضع يحامي الله فيه عنّا ويدرأ الأخطار. وهي أيضاً الموضوع المميّز للّقاء مع الله.
والمرأة في رؤ 12 هي الكنيسة. هربت في محنها واضطّهاداتها إلى البرّية، وظلّت هناك 1260 يوماً أي 3 سنوات (تتألف السنة من 360 يوماً) ونصف السنة. يدلّ هذا الزمن الرمزيّ، الذي سيكون محدوداً (هو نصف سبعة رمز الملء والكمال) على المرحلة التي فيها ستشهد الكنيسة لربّها وستمرّ في المحنة، ولكن الله يحميها. إنّ الكنيسة التي هي شعب الله، تفلت من قبضة الشرّ وتعيش بعناية ربّها وإلهها.
هـ- التنّين
"ووقعت حرب في السماء بين ميخائيل وملائكته وبين التنّين، فاتاتلهم التنّين بملائكته" (رؤ 12: 7). والتنّين، كما تقول آ 9 هو "تلك الحيّة القديمة، المسمّى إبليس أو الشيطان". يعود الكاتب إلى تك 3، إلى حيّة الفرودس التي نصبت فخّاً للمرأة، والتي ستدوسها المرأة بعقبها. نحن هنا أمام انتصار امرأة الفردوس على الحيّة.
كيف بدا التنّين؟ مشهده مربع: "تنّين عظيم أحمر كالنار، له سبعة رؤوس وعشرة قرون، وعلى كلّ رأس تاج. فجّر بذنبه ثلث نجوم السماء وألقاها إلى الأرض" (رؤ 12: 3- 4).
اللون الأحمر هو علامة الدمّ، والنار تدلّ على الدمار. هذا رمز إلى الطابع الدمويّ والخطير لهذا الوحش المخيف. هذا رمز إلى العذابات والأهوال التي ينشرها في العالم. الرؤوس السبعة تدلّ على أنه وحش هائل يستطيع أن يؤذي الناس في كلّ جهة. والقرون العشرة تدلّ على السلطان العظيم الذي يهدّد البشرية. التاج هو رمز القوّة الملكيّة. إذن، توصّل الوحش إلى الالتحاق بمظاهر المجد والبهاء، فسحر الناس بقوّته. إنّ قوى الشّر وقوى العالم تظهر من خلال السلطة والكرامة البشريّة. بهذه الطريقة يبدو التنّين "خادع الدنيا كلّها". وذنب التيّين يكنس ثلث كواكب السماء. هو لا يكتفي بأن يهاجم الأرض. فيهاجم السماء، كما فعل الذين حاولوا أن يبنوا بابل. قالوا: "تعالوا نبني برجاً تصل قمّته إلى السماء" (تك 11: 9).
وهاجم التنّين المرأة. هذه صورة عن صراع الشيطان ضدّ "المرأة صهيون"، شعب الله، الكنيسة. صراع يبدأ منذ بداية التاريخ البشري. هذه صورة عن صراع دائم بين قوى الشرّ مع كلّ نسل المرأة، مع البشر، وخاصّة مع شعب الله الذي هو الكنيسة. وأخيراً إنّ آ 7- 12 تصوّر انتصار ميخائيل وملائكته على التنّين. ولكن القتال سيطول وسيمتدّ امتداد التاريخ البشري حتى الانتصار الأخير والنهائي، إلى أن تعطى "العزة والملك لالهنا والسلطان لمسيحه" (آ 10).

3- التفسير المريمي
قدّمنا تفسيراً للمرأة في إطار كنسي. وها نحن نقدّم التفسير المريمي لهذه الصورة الرمزيّة. فمريم أمّ يسوع هي في التقليد اليوحنّاوي التحقيق الشخصي والملموس للكنيسة. المرأة التي يتحدّث عنها سفر الرؤيا تتألّم ألم المخاض. أمّا ولادة يسوع في بيت لحم فهي ولادة مقدّسة لم تعرف الألم. ولكننا لسنا هنا أمام سّر التجسّد، بل أمام قيامة المسيح وولادة الكنيسة. فآلام ولادة المرأة تنطبق على ذاك المستوى الآخر. إذا أردنا أن نفهم رؤ 12 في إطار مريميّ فنحن نحتاج إلى كلّ العهد الجديد. لاحظ بعض الشرّاح أنّه لا يعقل أن لا تفكّر الكنيسة بمريم حين صوّرت امرأة رؤ 12. إنّ الواقع هو هنا: فمريم هي شخص واقعيّ وهي تحتلّ مكانة خاصّة في السرّ الخلاصي الذي أعلنه كاروز الانجيل للكنيسه الفتيّة. ثمّ يجب أن نأخذ بعين الاعتبار واقعين اثنين: الأوّل، إنّ الخلفيّة الأساسيّة لسرّ مريم في العهد الجديد هي صورة أنثوية من العهد القديم، صورة ابنة صهيون. الثاني، حين يتحدّث يوحنا عن مريم أمّ يسوع فهو يسمّيها المرأة. نقرأ في يو 2: 4: "ما لي ولك يا امرأة؟" وفي 19: 26: "يا امرأة، هذا ابنك". إذن، سنعيد قراءة رؤ 12 على ضوء خلفية العهد القديم وتسمية يوحنا لمريم. فبعد هرب المرأة إلى البريّة (رؤ 12: 14) تقول آ 17: "فغضب التنّين على المرأة وذهب يقاتل باقي نسلها الذين يطيعون أوامر الله ويحفظون شهادة يسوع". إنّ هذه الآية لا تذكر ابن المرأة، أي المسيح، بل سائر أبنائها في المسيح. فللمرأة أبناء آخرون غير الولد الذكر الذي ولدته.
هذا ما يجعلنا قريبين من مشهد مريم قرب الصليب. هناك صارت أم يسوع، على المستوى الروحي، أمّ التلميذ، أمّ كلّ التلاميذ. صارت بهذه الأمومة الروحيّة أمّ الكنيسة التي هي صورتها. هنا يقول القدّيس امبروسيوس: "يا ليت المسيح يقول لكلّ واحد منكم من أعلى صليبه: هذه هي أمّك. يا ليت المسيح يقول أيضاً للكنيسة: هذا هو ابنك. حينئذ تبدأون بأن تكونوا أبناء الكنيسة حين ترون المسيح منتصراً على الصليب". إذن المرأة على الصليب صارت عند امبروسيوس نموذج الكنيسة وأمّ الكنيسة. أمّا التلميذ الذي ينظر إلى جنب يسوع المطعون، ويقوده نظر مريم، فهو يتحوّل إلى إنسان جديد، يصير ابن مريم وابن الكنيسة، يصير مسيحياً. نحن كلّنا مدعوّون إلى حالة البنوّة هذه على مثال بنوّة يسوع. هنا عند الصليب يولد شعب جديد، تولد الكنيسة التي تبدو مريم صورتها وأمّها.
إن لصورة مريم في رؤ 12 مدلولاً كنسياً ومريمياً معاً، ولكن من خلال أمومة المرأة وفي علاقتها مع أبنائها. إنّها أمّ الولد الذكر الذي ولدته. وهي أيضاً أمّ سائر نسله الذين هم المؤمنون: عبر المحن والاضطهادات يحفظون وصايا الله ويشهدون ليسوع. ولكنّ كلمة مريم في الانجيل تقول لنا: "إفعلوا كلّ ما يأمركم به" (يو 2: 5). نحن هنا في إطار الأعراس المسيحانية في قانا، أمام الطاعة ليسوع، أمام الأمانة المعقودة بين الله وشعبه، أمام الانفتاح على مبادرة الله والاستعداد لتقبّل عمله الخلاصي. نحن أمام الايمان العميق الذي هو باب الدخول إلى وضعنا كأبناء. وسمته الأساسية: هذا هو نسل المرأة، هؤلاء هم اخوة يسوع. يحفظون وصاياه لأنّهم يحبّونه، يحملون كلامه فتكون حياتهم امتداداً لحياته، وشهادتهم امتداداً لشهادة يسوع. وكما كانت مريم مع الرسل تنتظر عمل الروح في الكنيسة (أع 1: 14)، فهي باقية معنا صورة كاملة عن الكنيسة التي تحاول أن تحمل شهادة يسوع إلى أقاصي الأرض.
الفصل العشرون
أمومة مريم الروحية

حين نقرأ يو 19: 25- 27: "وكانت واقفة عند صليب يسوع، أمه وأخت أمه..."، نكتشف معنى جديداً حول أمومة مريم. لقد فسّر الآباء مشهد مريم والتلميذ عند الصليب، في معنى أخلاقي. رأوا في هذا المشهد علامة تقوى بنويّة أظهرها يسوع تجاه أمه: قبل أن يموت، سلّمها إلى تلميذه الحبيب. ومن جهة ثانية، اعتبر الآباء أنّ مريم هي نموذج الكنيسة. وسننتظر بعض الوقت ليتحدّث الشرّاح عن أمومة مريم الروحيّة، في هذا المقطع الانجيلي.

1- الإطار المسيحاني والكنسي
إن الإطار المسيحاني والكنسيّ في يو 19: 25- 27 يعرّفنا بشكل أدق إلى طريقة التأليف في الإنجيل الرابع، وإلى فهمٍ أعمق للعلاقة الوثيقة بين الأحداث التي حصلت على الجلجلة وهو يبيّن لنا أن مشهد مريم والتلميذ عند الصليب يرتبط بما سبقه من آيات (القميص غير المخيّط) وبما تبعه (تمّ كل شيء). إنّ هناك إطاراً مسيحانياً وكنسياً يساعدنا على إدراك معنى هذه الآيات.
أ- مقارنة مع مشهد الأعراس المسيحانيّة
هناك علاقة بين عرس قانا (يو 2: 1- 13) ومشهد الصليب. في عرس قانا الجليل، توجّه يسوع إلى أمّه وسمّاها "امرأة". ونحن نقرأ هذا اللقب المسيحاني في خلفيّة نبوءات العهد القديم عن ابنة صهيون. وفي عرس قانا، قال يسوع: لم تأتِ ساعتي بعد، فدلّ بطريقة ضمنيّة، على ساعة موته وتمجيده على الصليب. فعلى الصليب سيعطي بوفرة الخمرة الجيّدة، خمرة خيرات الخلاص وملء الوحي.
هذان المشهدان (عرس قانا ومشهد الصليب) يضمّان كلّ حياة يسوع العلنيّة. ولقد قال أوغسطينس في هذا المجال: "هي الآن الساعة التي تكلّم عنها يسوع، حين قال لأمه، قبل أن يحوّل الماء خمراً: ما لي ولك، يا امرأة؟ لم تأتِ ساعتي بعد. هذه الساعة التي لم تكن بعدُ قد أتت. والساعة التي أعلنها، هي الساعة التي فيها سيتعرّف في ساعة موته إلى التي وُلد منها كمائت".
ب- مشهد القميص غير المخيط
هناك رباط بين مشهد مريم والتلميذ عند الصليب، وبين مشهد القميص الذي لم يشقّه الجنود. نقرأ في آ 24 ب: هذا من جهة ما فعله الجنود. وفي آ 25: ومن جهة ثانية، وقف عند صليب يسوع.
ولقد رأى التقليد دوماً، في مشهد القميص الذي لم يشقّ ولم يُقسّم، رمزاً كبيراً عن وحدة الكنيسة. ما لم يفعله الجنود: لم يقسموا، لم يشقّوا. لا يقول النصّ: لم يمزّقوا. ويرى الإنجيلي في النصّ إعلاناً لما سيتحقّق في المشهد اللاحق: تتكوّن الجماعة المسيحيّة في الوحدة، عند الصليب. ومريم والتلميذ هما الصورة المسبقة. فبعد انشقاق اسرائيل القديم، حقّقت ابنة صهيون الآن وحدتها في شعب الله الجديد. هذا لا يعني أن الكنيسة لن تعرف الانقسامات، بل أن شعب الله قد تجاوز، في وقت ولادته، الانقسامات الماضية وأعيد إلى الوحدة في المسيح، على الصليب. ولقد قال الشرّاح: إذا كنّا نرى في القميص غير المقسّم رمزاً عن وحدة الكنيسة التي يجمعها يسوع بموته، نستطيع أن نرى هنا صورة عن هذه الوحدة.
هنا نعود إلى التفسير الذي أورده يوحنا بعد نبوءة قيافا (يو 11: 47- 52) الذي قال: إن موت رجل واحد فدى الشعب... وزاد يوحنا: "لم يقل هذا من عنده، بل قاله لأنه عظيم الأحبار، فتنبّأ أن يسوع سيموت فدى الأمّة، وليس فدى الأمّة وحسب، بل ليجمع في الوحدة أبناء الله المشتّتين". ليجمعهم في واحد، أو في مكان واحد. ليجمعهم عند الصليب. إن الوحدة تتحقّق حول يسوع، للذين يؤمنون به وينظرون جنبه المطعون (يو 19: 37). ومن سيراه؟ مريم والتلميذ الحبيب. إنّهما يمثّلان مجمل شعب الله.
ج- علاقة مشهد الصليب بالمقطع اللاحق
إن العبارة "ليتمّ الكتاب" لا ترتبط بعبارة "قال يسوع"، بل بعبارة "تمّ كلّ شيء". هذا يعني أن تمام الكتب لا يتوقّف عند قول يسوع "أنا عطشان"، بل يتحقّق في الحدث السابق، أي في مشهد مريم والتلميذ عند الصليب. إذا كان الأمر هكذا، وجب أن نقرأ: بعد هذا (أي بعد المشهد السابق)، وإذ عرف أن كلّ شيء تمّ ليتمّ الكتاب، قال يسوع: "أنا عطشان" (يو 19: 28). إذن، قد تمّ الكتاب في ما قاله يسوع لأمّه وللتلميذ.
إن المدلول الرمزي لحدث القميص الذي لم يُشَقّ، تحقّق في مشهد مريم والتلميذ عند الصليب. ففي هذين الشخصين نبصر الشعب المسيحاني الذي أراد الله أن يكوّنه. هنا وُلدت الكنيسة. بهذه الطريقة، أتمّ يسوع حتى النهاية رسالته المسيحانيّة، كما صوّرتها الكتب المقدّسة. ومنذ الآن، يقدر أن يقول بحقّ: قد تمّ كلّ شيء.
وآخر عمل مسيحاني قام به يسوع، تصوّره آ: 25- 27. فهذا المشهد الذي هو في وسط خمسة أحداث تمتّ على الجلجلة، يشكّل تتمّة تاريخ الخلاص. هنا وصلت "ساعة" يسوع إلى ملئها وكمالها. وما يقوم به يسوع هنا، هو أكثر من عمل تقويّ يقوم به ابن تجاه أمه. ففي ملء ساعته، قام بعمل مسيحاني يتمّ فيه عمل الفداء ويُظهر، بطريقة نهائيّة، حبّه لنا.

2- تفسير 19: 25- 27
أ- أقوال يسوع
نتفحّص أولاً، وفي العمق، أقوال يسوع لأمه: يا امرأة، هذا ابنك وتلميذه: هذه أمك. وفي آ 27 ب ستتحقّق وصيّة يسوع الأخيرة. تكلّم يسوع فكان كلامه فعل خلق: جعل أمّه أمّ التلميذ، أمّ كلّ تلميذ وأمّ الكنيسة.
نحن في هذا المشهد، أمام رسمة وحي. فكما أن قول يوحنا المعمدان (يو 1: 36: "هوذا حمل الله"، رج 1: 21؛ 1: 47) قد كشف لتلاميذه أن هذا العابر هو مسيح اسرائيل، كلك كشف يسوع المائت على الصليب، أن أمّه (المرأة في المعنى الكتابي) هي أيضاً أمّ التلميذ، وأن هذا التلميذ سيكون ابن أمّه الخاصة كممثّل لكلّ التلاميذ. وهذا يعني بشكل آخر، أنّ يسوع يكشف بُعداً جديداً لأمومة مريم، بُعداً روحياً ووظيفة جديدة لأمّه في تدبير الخلاص. ويكشف بالمقابل، أنّ على التلاميذ أن يكونوا أبناء مريم.
يدلّ هذان اللقبان (الأم والابن) على علاقة جديدة بين أمّ يسوع والتلميذ. هذه العلاقة، أرادها يسوع نفسه في إطار الصليب المسيحاني والكنسي. هنا نتذكّر أن يوحنا يجعل الأشخاص يمثّلون الجماعات. كلّ شخص هو رمز ونموذج، إنّه يمثّل جماعة محدّدة: نيقوديمس، المرأة السامريّة، مريم ومرتا. وهكذا نقول عن مريم والتلميذ: إنّهما يمثّلان الكنيسة.
ب- التلميذ الحبيب
التلميذ الحبيب هو يوحنا، كما يقول التقليد. ولكنّ الانجيل الرابع لا يذكر اسم يوحنا، ليدلّ على أنه لا يتدخّل كشخص فرد بل كممثّل لجماعة، في علاقتها مع يسوع.
فعبارة "التلميذ الحبيب" (التلميذ الذي كان يحبّه)، تشير إلى موضوعين نجدهما عند يوحنا: وضع التلميذ، ومحبّة يسوع للتلميذ. لن نفهم هذه العبارة بمعنى حصريّ وكأنّنا أمام تلميذ واحد أحبّه يسوع وفضّله. لسنا أمام محبّة تفضيليّة لهذا التلميذ، بل أمام تفسير يجعل التلميذ في منطقة المحبّة.
إذا قرأنا الانجيل الرابع، نجد أن التلاميذ هم أصدقاء يسوع (يو 15: 13- 15). والتلميذ الحبيب يمثّل تلاميذ يسوع العائشين مع المسيح. التلميذ الحبيب، هو رجل الإيمان الذي لا يحتاج إلى براهين (يو 20: 8). إنه شاهد لسّر الصليب (يو 19: 35). ويصبح عند الصليب ابن أمّ يسوع، وممثّل التلاميذ الذين صاروا في علاقتهم بالله، إخوة يسوع (يو 20: 17). التلميذ الحبيب هو المؤمن الذي نال الروح، هو الشخص الأمين الذي يمثّل الأمانة للربّ.
ج- أمّ يسوع والجماعة المسيحاويّة الجديدة
أولاً: لقب "امرأة"
يتوجّه يسوع إلى مريم فيسميّها "امرأة" لا "أمّي". هنا نتذكّر أن "الامرأة" تشير إلى "بنت صهيون"، وهذا يدلّ بوضوح على البعد المسيحاني والكنسي لهذا اللقب. نقرأ مثلاً أش 60: 4 في السبعينيّة: "ارفعي عينيك حولك، وانظري ابناءك مجتمعين. ها إنّ ابناك يأتون من البعيد، وبناتك يُحمَلنَ على الأذرعْ". يطبّق يوحنا هذا الوضع على سّر الصليب، ويجسّده في شخص مريم والتلميذ الحبيب.
مريم هي "صهيون الأمّ" وفي شخصها الملموس والتمثيلي قد تحقّق ما أعلنه التقليد النبويّ العظيم (أش 31: 3- 14؛ با 4: 36- 37؛ 5: 5). والابن الذي صار ابنها، يجسّد بني اسرائيل الذين يكونون حولها، شعب الله الجديد، على جبل صهيون، على الصليب. ولقب "امرأة" الذي يستعمله يسوع لأمّه، أو صدى لهذا التقليد النبويّ عن صهيون الجديدة التي يرمز إليها الكتاب في شخص امرأة. كلّ هذا يجعلنا قريبين من الأمومة المسيحاويّة والاسكاتولوجيّة (في نهاية الزمن).
ونستطيع أن نقرأ هنا يو 16: 21: "إن المرأة، حين تأتي ساعتها لتلد، تحزن، لأن ساعة وضعها قد أتت. ولكن، بعد وضعها ولداً، تنسى عذابها، لفرحها أن إنساناً وُلد في العالم". في هذا النصّ، يتكلّم يسوع عن آلامه وموته، مستعيناً بصورة ألم الولادة. ونجد في هذا النصّ، كما في 19: 25- 27: المرأة، الولادة، الساعة. هذه المرأة التي تلد، هي الجماعة المسيحاويّة، هي صهيون المجسّدة في المرأة الواقفة عند الصليب. ساعة يسوع هي ساعة المرأة (صهيون) التي ستلد شعب الله الجديد الذي يمثّله التلاميذ.
ونقرأ أيضاً سفر الرؤيا (12: 1- 8) حيث نجد امرأة في ألم الولادة. يدلّ هذا النصّ على الجماعة المسيحانيّة، على الكنيسة، وهو يشير مرّتين (آ 2 و5) إلى أش 66: 7 الذي يتحدّث عن صهيون المسيحانيّة التي تلد. وتشير هذه المرأة أيضاً، إلى مريم أمّ المسيح وصورة الكنيسة. وبالموازاة مع يو 19: 25- 27، تتأكّد الوظيفة المسيحاويّة والكنسيّة التي تقوم بها مريم عند الصليب.
ثانياً: مدلول شخصّي ومدلول كنسيّ
ولكن، لا ننسى أن مريم والتلميذ الحبيب هما شخصان يحافظان على إرادتهما ووظيفتهما الشخصيّة ومدلولهما الخاصّ في سّر الخلاص. لا شكّ في أن الوجهة الكنسيّة تجعل السّر أوسع، ولكنّها لا تزيل الأشخاص وتجعلهم مجرّد رموز. فأمّ يسوع تحتفظ بوظيفة الأمومة، وعلى التلميذ الحبيب أن يصير تلميذاً حقيقياً وابناً لمريم.
لا بدّ من المحافظة على المدلول الشخصي والمدلول الكنسي لأمومة مريم. فحين صارت أمّ كلّ تلاميذ يسوع، صارت أمّ الكنيسة. ولا تناقض في كلامنا حين نقول: مريم هي صورة الكنيسة ومريم هي أمّ الكنيسة. بما أنها شخص فرد، فهي أمّ يسوع، وتصير أمنا كلّنا، تصير أمّ الكنيسة. ولكن أمومتها الجسديّة، بالنسبة إلى يسوع، تجد امتدادها في أمومة روحيّة تجاه المؤمنين وتجاه الكسيسة. وأمومة مريم الروحيّة هذه، تصبح صورة عن أمومة الكنيسة. فأمومة الكنيسة وأمومة مريم أمران مهمّان، من أجل حياة المؤمنين البنويّة.
إذا أردنا أن نصير أبناء الله، علينا أن نصير أبناء مريم وأبناء الكنيسة. إبنها الوحيد هو يسوع، ولكنّنا نصبح شبيهين به إن صرنا أبناء الله وأولاد مريم. ونتذكّر هنا نصّ مطلع يو 1: 12- 13 الذي يتكلّم عن الذي لم يولد من إرادة البشر، بل من الله. فبقدر ما نعمّق إيماننا بابن الله الوحيد، تنمو حياتنا كأبناء الله. وما قيل في المطلع، يجد تمامه في أمومة مريم الروحيّة، عند الصليب. فمريم التي حبلت بيسوع وولدته جسديّاً في سّر التجسّد، تحبل بتلاميذ يسوع وتلدهم روحياً.
ثالثاً: مريم أمّ الكنيسة ومثالها
انكشفت لنا في هذا المقطع عناصرُ عديدة: عند الصليب، دخلت مريم في مهمّة ابنها المسيحانيّة. وتمثّلت كأم لجميع التلاميذ. وهذه الوظيفة تجعلها في امتداد وظيفة ابنة صهيون، في العهد القديم. ووظيفة مريم هذه، لها طابع فردي وطابع جماعي: هي أمّ يسوع وأمّ التلاميذ. وهي أيضاً كمال الجماعة ومثال الكنيسة. والعلاقات الجديدة بين المرأة والتلميذ تتمّ قرب الصليب، بفضل كلمات يسوع، وهي الدليل على حبّ يسوع العظيم، حين جاءت ساعته (يو 13: 1). إن هذه العلاقات الجديدة تكون الأساس الحقيقي لوحدة الكنيسة.
وها نحن ننطلق من كلّ هذا لنقدّم تفسير يو 19: 25- 27. تمثّل مريم والتلميذ الحبيب الكنيسة. فأمّ الربّ والتلميذ الحبيب الذي أخذها منذ تلك الساعة إلى بيته، يمثّلان الكنيسة وأعضاء الكنيسة في "الخليقة الجديدة" التي نالت الروح القدس. كلاهما يمثّلان الكنيسة وكل بطريقة مختلفة. فالتلميذ الذي يحبّه يسوع، يرمز إلى تلاميذ يسوع، أي إلى كلّ المؤمنين، وبالتالي، إلى الكنيسة. ومريم، أمّ يسوع، ترمز إلى الكنيسة نفسها في وظيفتها كأم، وهي بهذا صورة الكنيسة وأمّ كلّ المؤصنين. نالت لقب أمّ الله وها هي تنال لقب صورة الكنيسة الأمّ. ونحن نفهم أمومة الكنيسة حين نتأمّل في أمومة مريم أمّ الربّ وأمّ التلميذ الحبيب.
ينتج عن كل هذا، أنّ تعليم يوحنا المريميّ دخل في تعليمه عن الكنيسة. قلنا سابقاً، إنّ لكلّ مشهد الصليب بُعداً كنسياً. إنه كنسيّ خاصة في القسم المركزيّ، في أقوال يسوع لمريم ولتلميذه. لهذا نستطيع أن نختتم كلامنا. نخطىء حين نقول إنّ يوحنا تحدّث عن أمومة مريم الروحيّة، كأمومة مستقلّة لا يربطها رابط بأمومة الكنيسة. لقد أبرز لوقا دور مريم العذراء كأمّ الله. أمّا يوحنا، فاهتمّ بإبراز دورها كمثالٍ للكنيسة.
الفصل الحادي والعشرون
مريم المختارة من الله

في إنجيل لوقا تعلن مريم مكانتها في قلب تاريخ الخلاص، فتقول: "نظر إلى خادمته الوضيعة، وها منذ الآن تطوّبني جميع الأجيال" (1: 48). وفي الوقت عينه تفسّر سبب كل هذا. ففي نشيد التعظيم (تعطم نفسي الربّ)، كل شيء يعود إلى مبادرة الله. والمشاركة الوحيدة التي نسبتها مريم لذاتها في عمل الخلاص هي أنها الخادمة الوضيعة لله: فبإمحّائها وطاعتها وإيمانها صارت مشاركة لابنها في الفداء وفي المجد.
ونستشفّ هذا الاختيار الالهي وهذه المشاركة البشريّة في خبر البشارة التي نحدّد موقفه في لو 1- 2 وفي تلميحات العهد القديم.
1- منذ إبراهيم
أ- استعداد بعيد
إذا دخلنا في مخطّط الله، نستطيع أن نقول إن اختيار مريم يبدأ مع دعوة إبراهيم، أو حتى مع خلق آدم وحواء. نقرأ في تك 1: 26- 27 أن الله خلق الانسان على صورته ومثاله. خلقه رجلاً وامرأة. وأي بشر أقرب إلى صورة الله من مريم وابنها الذي هو صورة الله الذي لا يُرى (كو 1: 15)؟ وحين دعا الربّ إبراهيم قال له: "أترك أرضك وعشيرتك وبيت أبيك، وتعال إلى المكان الذي أدلّك عليه" (تك 12: 1). إذا كان الوارث الحقيقي لإبراهيم هو يسوع المسيح، فمريم هي حاضرة هنا. امتُدح إبراهيم من أجل إيمانه. وقالت أليصابات لمريم: "طوبى لتلك التي آمنت بأن ما جاءها من عند الربّ سيتم". (لو 1: 45). وحين يورد متى (ف 1) نسب يسوع، فهو يعود إلى إبراهيم، أبي المؤمنين. "نسب يسوع المسيح، إبن داود، إبن إبراهيم". فمن إبراهيم خرج يوسف، رجل مريم، التي ولدت يسوع الذي يُدعى المسيح (مت 1: 16). أما لوقا ليعود بيسوع إلى آدم، إبن الله. وهكذا تعود مريم مع يوسف ويسوع إلى بداية البشريّة مع آدم، وإلى بداية الشعب العبراني مع إبراهيم.
منذ البداية أقام الله "عهداً" مع آدم، ودعاه إلى حياته وحبّه. فقابل آدم هذا النداء بالرفض. فاختار الله إبراهيم ليحمل تعليمه إلى الأمم التي تتبارك باسمه (تك 12: 3 بك تتبارك جميع عشائر الأرض). ولكن كانت الخيانات عديدة في تاريخ شعب، رفض مراراً أن يؤمن بربه ويلتزم بوصاياه، فاختار الله بقيّة مؤمنة هي النسل الروحي لفقراء الربّ والمؤمنين به. تركوا كل شيء وتعلّقوا بالربّ وحده، فكانوا زهرة إسرائيل التي استقبلت المخلص: زكريا، أليصابات، سمعان الشيخ، حنّة النبيّة. وخصوصاً مريم التي هي أجمل زهرة في هذه الحديقة التي فيها يلتقي الربّ (عريس شعبه) بعروسه، أي بشعبه الخاضع له. ولكن يبقى أن عظمة مريم هي أنها أم يسوع، ودعوتها هي أن تكون أم الله. لهذا فعظمتها من عظمة ابنها الذي هو ابن الله.
ب- الحبل بلا دنس
وتدخّل الله في حياة مريم الشخصيّة، تدخلاً يعني دعوتها كأمّ. من أين جاءتها هذه النقاوة في الإيمان وهذه الجهوزية في الحب اللتين نكتشفهما في جوابها إلى الملاك؟ من الله. فهو خلقها جميلة، وخلق فيها هذا الاستعداد لكي تدخل دخولاً تاماً في مخطّطه. هذا لا يعني أن مريم هي "آلة" تحرّكها يد الله. كلا، بل هي إمرأة حرّة دعاها الله فكان جوابها "نعم" من دون تردّد. هذا ما نسميّه عقيدة "الحبل بلا دنس". فمريم جميلة كل الجمال منذ حُبلَ بها في أحشاء أمّها حنّة. فمريم نقيّة كل النقاوة، وناعمة بكل قداسة من الدقيقة الأولى لوجودها على الأرض. كيف يسمح يسوع أن يغلب الشر أمّه ثانية واحدة في حياتها؟ فهي التي داست الحيّة الجهنميّة منذ بداية الكون، فكيف للشيطان أن يخدعها كما خدع حواء وكما يخدع كل واحد منا؟ قال الربّ في بداية تاريخ الانسان مع الله: أقيمُ (يا حيّة التى تمثّل الشيطان) عداوة بينك وبين المرأة (تك 3: 15). هذه المرأة هي مريم العذراء، وبقوة ابنها آدم الجديد، ستدوس الحيّة الجهنميّة.
حين رأى النبيّ أشعيا الربّ هتف: "ويلٌ لي، لقد هلكت. فأنا رجلٌ دنس الشفتين، والذي رأته عيناي هو الملك الربّ القدير". ولكن طار إليه أحد السارافيم وأخذ جمرةً مسّ بها فمه وقال له: "أزيل إثمك وكفّرت خطيئتك" (6: 1- 7). وخاف زكريا حين ظهر له الملاك وأحسّ أنه مائت لا محالة، وأن ما "رآه" لا يصدّق (لو 1: 12). أما دانيال فسقط على الأرض بدون حراك وما عاد يستطيع أن يتكلّم حين حضر عليه الملاك جبرائيل (دا 10: 4- 19). أما مريم فبدت من "أبناء الملكوت" الذين يشاهدون كل حين وجه الآب الذي في السماوات (مت 10: 18). تلك هي إشارة أولى إلى تلك التي حبل بها بلا دنس كما قال عنها قداسة البابا بيوس التاسع سنة 1854.
أرادها الربّ له، أرادت نفسها للربّ. وتكرّست في البتوليّة. متى كان ذلك؟ هذا هو سّرها مع الله. فحين حدّثها الملاك عن أمومة تعطى لها، أجابت: "كيف يكون هذا وأنا لا أعرف رجلاً" (لو 1: 34)؟ هذا يعني أنني عذراء. وأريد أن أكون عذراء. وحين نعرف أن إنجيل لوقا دوّن سنة 85 ب. م.، أي بعد أن رقدت مريم وانتقلت إلى السماء، نفهم أن مريم استبقت كلام يسوع في الإنجيل حين تحدّث عن أولئك الذين لا يتزوّجون "من أجل ملكوت الله" (مت 19: 11- 12). ملكوت الله هو يسوع. ومريم أرادت أن تكون بكليتها في خدمة ابنها وإلهها كما عروس نشيد الأناشيد: "حبيبي لي وأنا له" (6: 3).

2- الملاك جبرائيل
وأرسل الله إلى مريم الملاك جبرائيل. أرسله ليعدّ الطريق في قلب مريم لكي تسمع نداء الربّ وتردّ على هذا النداء بكلام يدلّ على طواعيتها وتواضعها: "ها أنا خادمة للربّ فليكن لي بحسب قولك" (لو 1: 38).
أ- بلاغ حمله الملاك
وكان الذي أرسله الله، هو جبرائيل، ذاك الذي يحمل النبوءات المسيحانيّة في سفر دانيال، ويشير إلى المهلة التي تدلّ على تتمّة الاص. وحمل الملاك إلى مريم بشارة الفرح المسيحاني. "إفرحي يا بنت صهيون، ها ملكك يأتيك عادلاً ومخلصاً" (زك 9: 9- 10). "لا تخافي، يا أرض، بل افرحي، فالربّ يصنع فيك عظائم" (يوء 2: 21). "إفرحي يا بنت صهيون، لا تخافي، لأن الربّ الاله هو في وسطك، هو معك" (صف 2: 14- 17). لقد تحققت المواعيد، وحلّت البركة التي أعدّها الرب لجميع شعوب الأرض. فالعالم قد تحرّر وتصالح، فصار عالم أخوّة يشّع فيه حضور الربّ الحميم. هذا هو الجوّ الذي فيه قبلت مريم البشارة. هذه هي النصوص التي تأمّل فيها لوقا حين دوّن خبر البشارة الذي لا يدركه عقل بشريّ. فكلام الله وحده يساعدنا على الدخول في سّر الله، وأي سّر أعظم وأعمق من سّر الله.
كان قلب مريم كبيراً، فتقبّلت هذا الفرح وأنشدته باسمها وباسم شعبها، كما أنشدته باسم شعوب الأرض كلّها، وما زالت تنشده باسمنا. هي بنت صهيون، أي مدينة صهيون. هي ابنة أورشليم، أي شعب أورشليم الروحيّة، شعب الله الجديد الذي ملكه يسوع المسيح. هذه هي المرأة الملتحفة بالشمس وتحت قدميها القمر وعلى رأسها اثنا عشر إكليلاً (رؤ 12: 1). شمس البرّ هو يسوع المسيح وهو يملأها بنوره. القمر يدلّ على النقص والخطيئة، ولهذا فهي تدوسه. أما الكواكب الاثنا عشر فهي كنائس الرسل التي تنسج لها إكليلاً يجعلها سلطانة على السماوات والأرض.
ب- أمّ المسيح والمعبد الجديد
حيّاها الملاك وقال لها: "الربّ معك". هكذا كان الله مع أصفيائه في العهد القديم. قال لإبراهيم: "لا تخف، أنا أكون معك، أكون ترساً لك يحميك" (تك 15: 1). ولموسى حين حضر عليه قرب العليّة الملتهبة وأرسله في مهمّة: "أنا أكون معك، وهذه علامة على أني أرسلتك" (خر 3: 12). ولجدعون الذاهب لخلاص شعبه: "الربّ معك أيها الجبار. أنا الذي أرسلتك. أنا أكون معك" (قض 6: 12- 17).
سيكون الربّ مع مريم، لا كحضور خارجي وبعيد. سيكون في حشاها ويسندها من الداخل. الروح يحلّ عليك وقوّة العلي تظلّلك. سيكون الربّ مع مريم، لانها ستكون أمّه. عاد الملاك إلى النبوءات القديمة يحدّث مريم من ذاك الذي سيكون ابنها. "ستحبلين وتلدين ابناً تسمّينه يسوع" (لو 1: 31). هذا ما قاله ملاك الربّ لهاجر خادمة إبراهيم: "ها أنت تحبلين وتلدين ابناً تسمّينه إسماعيل" (تك 16: 1). وقال لأم شمشون: "أنت عاقر، لكنك ستحبلين وتلدين ابناً... به يبدأ خلاص شعبه" (قض 13: 3- 5). ولكن الموازاة الأهم هي مع أش 7: 14 كما أورده مت 1: 21- 23: "ها إن العذراء تحبل وتلد ابناً ويدعى اسمه عمّانوئيل" أي: إلهنا معنا. لسنا فقط أمام عاقر تأخّرت معها الأيام، ولكنها حبلت في النهاية. هذا ما حدث لسارة، زوجة إبراهيم ولإليصابات أمّ يوحنا المعمدان.
أما مريم فقد حبلت وهي بتول. كانت بتول قبل الولادة، وفي الولادة، وبعد الولادة، كما يقول التعليم العاديّ في الكنيسة. لا شكّ في أن بعض الشيع ترفض الحديث عن بتوليّة مريم. فهي كانت كسائر النساء. يفعلون هذا لكي يعظّموا ابنها يسوع، وكأنه إذا كانت مريم عظيمة أخذت من أمام ابنها بعض العظمة.
قال إفرام السرياني: أنت وحدك (يا ربّ) وأمك. فمريم تبقى فريدة بين جميع البشر. وحين قال لها الروح بلسان أليصابات: "مباركة أنت بين النساء"، فهذا يعني أنها كانت مباركة كما لم تبارك إمرأة على الأرض. كما لم يبارك إنسان، بل الملائكة في السماء. وقد قال لها الملاك: أنت مملوءة نعمة. لا شكّ في أن الله يعطي نعمته. ولكن مريم تقبّلت هذه النعمة كما لم يتقبّلها كائن بشري. كانت كلها انفتاح على عطيّة الله، فاقتبلت في حشاها ابن الله وكلمة الله.
وهكذا صارت مريم المعبد الجديد. كان معبد سليمان يدلّ على حضور الله في وسط شعبه. في هذا نقرأ أولاً عن خيمة الاجتماع التي هي صورة مصغرّة عن الهيكل: "غطّى السحاب (الغمام) خيمة الاجتماع، وملأ مجد الرب المسكن. فلم يقدر موسى أن يدخل إليه" (خر 40: 34- 35). وهذا ما حدث يوم تدشين هيكل سليمان: "ملأ السحاب هيكل بيت الربّ، فلم يقدر الكهنة أن يؤدّوا الخدمة، لأن مجد الربّ ملأ الهيكل" (1 مل 8: 10- 11). ومريم قد حلّ عليها الغمام، بل حلّ عليها الروح القدس وقوّة العلي ظلّلتها. لم تكن فقط رمزاً إلى حضور الله، بل كانت حقاً حضور الله ومن تحمله في أحشائها هو ابن الله بالذات.

3- أليصابات
كان كلامنا هذا تأمّلاً في مشهد البشارة. وها هو مشهد الزيارة يبدو امتداداً له.
أ- تكريم أليصابات لمريم
أول ما نكتشفه في مشهد الزيارة هو أن موضوع المعبد الجديد يتواصل في بداية هذا الخبر. فصعود مريم بما فيه من بهجة إلى نسيبتها أليصابات يُروى في ألفاظ تذكّرنا بصعود تابوت العهد إلى أورشليم. كان تابوت العهد يرمز إلى حضور الله وسط شعبه، كما كان يدلّ على العون الذي يحمله الله ساعة الخلاص. حمل داود "تابوت العهد" هذا وقال: "كيف أتجرّأ أن أنزل تابوت العهد عندي" (2 صم 6: 9). وهذا ما قالته أليصابات لمريم: "من أين لي أن تأتي إليّ أمّ ربيّ". وكما بارك الربّ المكان الذي جعل فيه رمز حضوره، كذلك تباركت أليصابات بحضور مريم وبمن تحمله في حشاها. فهتفت: "مباركة أنت بين النساء ومبارك ثمرة بطنك" (لو 1: 42).
هذا هو الكلام الذي وجّهه عزيا إلى يهوديت التي خلّصت شعبها: "مباركة أنت بين نساء الأرض، ومبارك الربّ الذي خلق السماء والأرض" (يه 13: 18). أما يكون هذا الابن الذي باركته أليصابات هو خالق السماء والأرض؟ قال يوحنا في إنجيله: "به خُلق كل شيء، وبغيره لم يكن شيء مما كان" (1: 3). وسيقول القديس بولس في هذا المعنى: "به (أي: بالمسيح) خُلق كل شيء، وفيه يتكوّن كل شيء" (كو 1: 16- 17).
وستكون مدائح عديدة تظهر عظمة مريم. هناك على مستوى الجسد، وهناك عظمة أخرى على مستوى الحياة مع يسوع وسماع كلمته والعمل بها. جاء الناس يقولون ليسوع: "أمّك وإخوتك يريدون أن يروك". أجابهم: "أمي وإخوتي هم الذين يسمعون كلام الله ويعملون به" (لو 8: 21). أجل، هكذا يصوّر لوقا مريم في مشهد ميلاد يسوع. جاء الرعاة وأخبروا بما حدّثهم الملاك، أما مريم فحفظت هذا كله وتأمّلته في قلبها (لو 2: 19). وامتدحت امرأة يسوع في يوم من الأيام قائلة له: "طوبى للبطن الذي حملك وللثديين اللذين أرضعاك". وكان جواب يسوع امتداحاً لأمّه يُزاد على امتداح تلك المرأة لها: "بل طوبى لمن يسمع كلام الله ويعمل به" (لو 11: 27- 28). إن مريم هي تلك الأرض الطيّبة التي نبت فيها الحب وأثمر مئة ضعف (لو 8: 8). وأي ثمرة كانت أعظم من الثمرة التي كانت في حشاها.
ب- نشيد التعظيم
إذا كانت مريم قد وصلت إلى هذه القمة من العظمة، فكيف لا نتخيّلها منشدةً نشيد التعظيم، نشيد الفرح والبهجة، نشيد المساكين الذين رفعهم الربّ إلى أعلى مراتب الرفعة: تُعظّم نفسي الربّ وتبتهج روحي بالله مخلّصي.
فمبادرة الله السامية استندت إلى هذه الخليثقة المميّزة، إلى هذه المستعدّة بتواضعها، من أجل تحقيق مخطّط الخلاص. فمشاركة مريم في عمل الخلاص هي مشاركة حقيقيّة. هنا نبتعد عن بعضى المسيحيّين الذين يعتبرون أن المسيح هو الوسيط الوحيد. لا شكّ في ذلك والقديس بولس يقول في 1 تم 2: 5: "الوسيط بين الله والناس واحد هو يسوع المسيح الذي ضحّى بنفسه فدىً لجميع الناس". ولكن الانسان يشارك الله في عمل الخلق، كما يشارك المسيح في عمل الوساطة. وإلاّ كيف نفهم ولادة كل واحد منّا في حشا أمّه. لقد شارك والدانا الله في خلق إنسان جديد. وإلاّ كيف نفهم كلام القديس بولس الذي قال: "وأنا الآن أفرح بالآلام التي أعانيها لأجلكم، فأكمّل في جسدي ما نقص من آلام المسيح في سبيل جسده الذي هو الكنيسة" (كو 1: 24)؟ وإلاّ كيف نكون نحن أبناء الله، ولا ابن وحيد إلاّ يسوع المسيح؟ وإلاّ كيف يكون هناك كهنة، وليس من كاهن إلاّ يسوع المسيح (عب 10: 21)؟ ومع ذلك يسمّينا رؤ 6: 1 "ملوكاً وكهنة الله". أجل، نحن كهنة لأننا نشارك المسيح في كهنوته، ومعه نقدّم العالم إلى الله أبيه. نحن أبناء لأننا بالنعمة نشارك في بنوّة يسوع الذي هو ابن في الطبيعة. نحن نتألّم مثل بولس ونكمّل آلام المسيح من أجل الكنيسة. هكذا أرادنا الربّ معاونين ومساعدين له، رغم ضعفنا وخطيئتنا. بعد هذا، نعجب إن كانت مريم قد شاركت ابنها في عمل الفداء حين كانت واقفة عند الصليب (يو 19: 27). وحين توسّلت من أجل أهل العرس، ففاض الخمر من أجلهم ومن أجل الكنيسة أنهاراً حتى انتهاء العالم (يو 2: 1 ي). وهنا نودّ أن نفهم معنى هذا السيف الذي جاز في قلب مريم حين حدّثها سمعان الشيخ (لو 2: 25). إن هذا السيف يرتبط بخلاص الشعب العبراني الذي رفض يسوع فسقط في أكثريته.
ومريم أحسّت بهذا السيف "ينفذ في قلبها" فيدلّنا على اهتمامها بخلاص شعبها، بل بخلاص جميع شعوب العالم. لا شكّ في أنها خاضعة لابنها وإرادته، ولكن ابنها لا يرفض لها صلاة وهو الذي قال: "اطلبوا تجدوا، إقرعوا يُفتح لكم". ومن يعرف أن يطلب مثل مريم، ومن هو أقرب إلى يسوع من مريم؟
أجل، صنع الله في مريم العظائم، صنع فيها أموراً عظيمة. هيّأها أفضل تهيئة فكانت أمّ الله وحاملة الخلاص إلى العالم. قالت الناس لرفقة، زوجة اسحق: "كوني أماً لألوف مؤلّفة" (تك 24: 60). وقال الربّ لإبراهيم: "بك تتبارى جميع أمم الأرض" (تك 12: 3). وقال له أيضاً: "أباركك وأكثر نسلك كنجوم السماء والرمل الذي على شاطىء البحر" (تك 22: 17). فما تراه يكون نسل مريم التي خرجت من شعب هو الشعب العبراني، ولكنها صارت أمّ جميع شعوب الأرض، أمّ جميع المؤمنين. في البداية، كانت حواء أمّ كل حيّ (تك 3: 20). وعلى الصليب، ساعة وُلدت الكنيسة من جنب المصلوب في سريّ العماد والافخارستيا، كانت مريم حاضرة هناك. وكان يوحنا، التلميذ الحبيب ممثلاً لجميع أبنائها، لإخوة يسوع، ولكل واحد منا. فهي أيضاً ولدتنا في الأوجاع على ما تنبّأ يسوع قبل آلامه فقال: "المرأة تحزن حين تلد، لأن ساعتها جاءت. فإذا ولدت تنسى أوجاعها لفرحها بولادة إنسان في العالم" (يو 16: 21). أجل، عايشت يسوع في آلامه، وتألّمت معه، فكان لها أن تلد معه الابناء العديدين على ما قيل في الكتاب المقدّس: "ها أنا والبنون الذين أعطيتني".

خاتمة
هذا هو وجه مريم تلك "الجميلة بين النساء" (نش 1: 8) تلك التي اختارها الربّ أماً لإبنه. تلك التي قال فيها عريس نشيد الأناشيد: "كالسوسنة بين الشوك رفيقتي بين البنات" (2: 2). وقالت هي عن نفسها: "أنا نرجسة السهول وسوسنة الأودية" (آ 1). وقد قال عنها ابن سيراخ متكلّماً باسمها: "هناك شمختُ كأرزة لبنان، أو كسروة في جبال حرمون، كنخلة في عين جدي، وكشجرة الورد في أريحا. كالكرمة أخرجتُ فروعاً جميلة، وبراعمي أعطت أشهى ثمار. من سمع لي فلا يخيب، ومن عمل بما أقول فلا يخطأ". هذا ما قيل عن الحكمة في العهد القديم. عن "المرأة الحكيمة". ونحن نطبّقه على مريم التي قال فيها الروح: "أنا أمّ المحبة البهيّة والمخافة والعلم والرجاء الطاهر. ولأنني خالدة أعطيت عطايا لكل أبنائي الذين اختارهم الله". لقد أعطتنا مريم يسوع، فأيّة عطيّة تضاهي هذه العطيّة، وأيّة نعمة توازي هذه النعمة. بواسطة مريم صار الله عمّانوئيل، صار الله بيننا، صار معنا.
الفصل الثاني والعشرون
الانجيل خمير تحرير بالنسبة إلى المرأة

حين نتحدّث عن العذراء مريم، نتحدّث عن أسمى نساء العالم. وعظمة مريم ارتبطت بالانجيل، ارتبطت بابنها يسوع الذي رفع من قيمة المرأة في محيط يهودي صارت فيه المرأة سلعة تباع وتشرى. إلى وضع المرأة اليهودية سنتعرّف فنرى كيف قلبَ المسيح مفاهيم معروفة في تعامله مع نساء عصره.
إن البشرى التي جاء المسيح يعلنها للعالم هي في جوهرها بشرى تحرير أساسيّ. فهي تأخذ الانسان في أعمق أعماقه لتجعله يحقّق ذاته ملء التحقيق. وهي تؤكّد له أن ديناميّة الله تعمل في العالم مثل خمير يحرّك العجين البشريّ. وكل هذا يهدف إلى جعل البشرية كلها تتوحّد في شعب الله حيث يتمتّع كل كائن بشريّ بالحقوق نفسها والكرامة عينها.
وهذا الخلاص المحرّر يتحقّق عبر التاريخ البشريّ الذي ليس بغريب عن نموّ ملكوت الله. لا شك في أن التعليم المسيحيّ يصبو إلى تحوّل أساسيّ، إلى تبدّل في القلوب والضمائر، فيفتحنا كلنا على حبّ الله وحبّ سائر الناس لأننا كلنا أبناء الله. ولكن هذا الحبّ الذي لا يعرف الحدود، هو الذي يحرّك كل مجهوداتنا و"حروبنا" من أجل عدالة أكثر، من أجل إلغاء التمييزات والظلامات من أي نوع كانت. وهذا التعليم يتوجّه إلى كل جيل، وهو يرغب أن يتجسّد في الواقع مع كل تأثيره الثوري.
في الواقع، نحن أمام ثورة: ثورة الحبّ والعدالة. هذا ما تعنيه التطويبات التي نقرأها في عظة الانجيل حسب القديس متى (5: 1- 12) والقديس لوقا (6: 20- 23): طوبى للفقراء، طوبى للباكين، طوبى للودعاء، طوبى لفاعلي السلام... فهذه التطويبات قلبت القيم رأساً على عقب، ودلّ الحكم على يسوع بالموت، على طابعها الثوري، كما استشفّه الرؤساء في ذلك الزمان. ومن قال ثورة قال رفضاً ومعارضة لواقع يراه جائراً وغير مقبول. وبما اننا أمام موضوع المرأة، فالطابع الثوريّ للتعليم الانجيليّ لا يظهر إلاّ إذا تذكّرنا وضع المرأة اليهودية في زمن المسيح. فتجاه وضعها الاجتماعي والديني يبرز موقف يسوع الثوري. وطبيعة هذا الوضع تتيح لنا أن نفهم الحدود التي جابهت يسوع في التحقيق الملموس وتعليمه في العالم اليهودي في عصره.

1- المرأة اليهودية في زمن المسيح
كان وضع المرأة اليهودية في العالم اليهودي في ذاك الوقت، وجهةً من وضع عام اعترض عليه يسوع ورفضه. لهذا، سنذكر ميزاته فنكتشف بُعد تعليم يسوع وما حمله من جديد.
قد تعود بنا النصوص إلى الأزمنة القديمة، وتذكّرنا بدور لعبته بعض النساء في تاريخ شعب اسرائيل: استير، يهوديت، راعوت. أو بصورة جميلة مثل زواج رفقة واسحق (تك 24: 15- 67) أو سارة وطوبيا (طو 9). أو بقصيدة حلوة تتضمّن النضارة والطراوة مثل نشيد الأناشيد. ولكن هذه الأزمنة ولّت ومضت. فقال مثلاً ابن سيراخ (25: 17- 21) في المرأة: "كل جرح ولا جرح القلب، وكل خبث ولا خبث المرأة. لا سمّ شر من سمّ الحية، ولا غضب شّر من غضب المرأة. لا تؤخذ بجمال امرأة ولا تشته امرأة".
أجل، في زمن المسيح انحطّ وضع المرأة فلم تنعم بأي احترام، فأبعدت عن الحياة الاجتماعيّة والدينيّة. ارتبط هذا التطوّر بزوال حضارة ريفيّة حيث كانت المرأة تعمل في الحقول وتتمتّع ببعض الحرية. أما الآن وقد نمت "المدينة" فصارت المرأة سجينة خدرها. إنها حريم الرجل. يُحرم عليها أن ترى أحداً أو يراها أحد، فوجب حجزها والاغلاق عليها. وزاد هذا الوضع الاجتماعي قساوة في بني اسرائيل بسبب بواعث دينية، فكان التمييز الفادح بين الرجل والمرأة في مختلف مجالات الحياة.
الحياة الدينيّة مهمّة جداً لليهودي. ومع ذلك أبعدت النساء عنها، فلم يطلب منهن أن يحفظن كل الوصايا بعد أن صرن في المثلّث المحتقر: النساء، العبيد، الأولاد. يُعفين من بعض الصلوات، ولا يتقبّلن أي تعليم ديني لأنه يتعدّى فهمهنّ. إن نذرت المرأة نذراً يلغيه أبوها أو زوجها. والمرأة المتزوّجة تعتبر حاجزاً يعيق الزوج عن الصلاة. قالت وصية نفتالي: "هناك وقت تكون مع امرأتك ووقت تنفصل فيه عنها للصلاة". في الهيكل لا تقيم المرأة إلاّ في رواق خارجى. الرجال وحدهم يقرأون الشريعة والأنبياء، وحتى الصبيان القاصرون، لا المرأة. والاحتفال بالصلاة في المجمع (أو: الكنيس) يفرض وجود عشرة رجال على الأقل (لا تحسب النساء). ونحن نفهم احتقار المجتمع للمرأة حين نقرأ عند أحد الرابانيين (المعلمين) صلاة شكر يتلوها كل يوم ثلاث مرات: "أحمدك يا رب لأنك لم تجعلني وثنياً. أحمدك يا رب لأنك لم تجعلني امرأة. أحمدك يا ربّ، لأنّك لم تجعلني جاهلاً". هنا نشير إلى ان اللغة العبريّة لم تعرف مؤنت الصفات التالية: تقي، بار، قديس. فالمرأة لا تقدر أن تكون تقية، بارة، أو قديسة.
أخرجت المرأة من الحياة الدينيّة التي تكوّن الحياةَ اليوميّة كلها. وهذا ما حرّم عليها أموراً كثيرة، وشدّد على وضعها وعجزها في المجال الاجتماعي. لا تستطيع المرأة أن تتكلم في المجمع. إذن، لا يحق لها أن تدلي بشهادتها أمام المحكمة. بل ذهب الرابانيون إلى تحريم حديث الرجل مع المرأة إلاّ في وقت الضرورة. وهكذا يحرّم عن المرأة أن تشارك في الطعام مع الضيوف. بل تمنع من الخدمة لئلاّ تتأثّر بما تسمعه من أحاديث. إنها أقل من قاصرة. فلتبقَ داخل خدرها ولا سيما إذا كانت لا تزال فتاة غير متزوجة.
ولا يفلت من هذا الوضع المؤلم إلاّ أم الأولاد. فالانجاب أمر مهمّ، وإكرام الوالدين يطيل عمر الأولاد (خر 20: 12). لم يكن للمرأة أي احترام. فتعدّد الزوجات أمر شرعيّ، وهذا ما يحطّ من قدر المرأة. وفي أي حال، الزوج هو السيّد المطلق، هو بعل (كأنه إله) امرأته وهي ملكه فتطيعه طاعة تامّة. في عقد الزواج تُحسب الفتاة سلعة، فلا يهتمّ أحد بسعادتها، بل بالفائدة التي يمكن أن تنتج عن هذا الزواج. فشريعة السلفية (بكسر السين) تفرض على المرأة أن تتزوج سلفها (أي أخ زوجها) لتؤمّن للميت نسلاً يذكره (مت 22: 24- 27). هذا هو شرقنا القديم والحديث الذي يعتبر المرأة عبدة الرجل أو شيئاً يستطيع أن يبيعه. هنا نتذكّر مثل المدين الذي أجبر على بيع امرأته ليدفع دينه (مت 18: 25).
وحين نتحدّث عن الطلاق، يبرز احتقار المجتمع للمرأة. وحده الرجل يتّخذ المبادرة ويطلّق امرأته. يقوم بإجراء قانوني بسيط: يكتب لها كتاب طلاق. ولماذا يطلق الرجل امرأته؟ قال سفر التثنية (24: 1): "وجد فيها شيئاً غير لائق". كانت مدرسة شمعي لا تسمح بالطلاق إلاّ في حالة الزنى. أما مدرسة هلال فتحدثت عن أي شيء يُزعج خاطر الرجل: أحرقت له حساءه. لم يعد يراها جميلة. "إن لم تخضع حتى لإشارة من أصبعك، فانفصل عنها" (سي 25: 25).
ولا نتكلّم عن فرائض الطهارة بحسب الشريعة. إن "نجاسة" المرأة تمنعها من الاختلاط بالناس في أوقات محدّدة، وتحرمها من الصلاة وسائر شعائر العبادة. لا نجاسة مثل هذه في الرجل. إذن جوهره غير جوهر المرأة وهو أقرب إلى الألوهة. وعادت النصوص الى حواء وإلى ضعف المرأة أمام التجربة وإلى دور المجرّبة الذي يمكن أن تلعبه تجاه الرجل. لهذا يجب على الرجل أن يحذرها ويحدّ من حريتها ويجعلها تحت سلطة الذكر. إنها قاصرة طوال أيام حياتها.

2- المسيح والنساء
لا ننسى وضع المرأة المنحط في زمن المسيح حين نتحدّث عن تعليم يسوع وموقفه تجاه المرأة. مثل هذه المقابلة تفهمنا أننا نقدر أن نتكلّم عن ثورة في الضمائر على مستوى المرأة كما على مستويات أخرى مثل الفقر والعنف والتواضع.
حين أعلن يسوع إنجيل الخلاص، ومجيء ملكوت الله في الروح والحق، حقّق هذا الاعلان وأتمّ المواعيد التي وعد بها ابراهيم. والمسيرة البطيئة والطويلة التي سارتها التربية الدينيّة لدى الشعب اليهودي على مرّ العهد القديم، لم يكن لها إلاّ معنى واحد وهو: جعل كل الشعور والأمم، جعل كل البشر ينعمون بالعهد وبوعد الخلاص اللذين نعم بهما شعب اسرائيل. هي نظرة شاملة ونظرة باطنيّة إلى عمل الله المحبّ الذي يدعو جميع البشر من دون تمييز ليشاركوا في فرح وملء الملكوت الذي أنبأ به المسيح وحقّقه. وحين نعرف أي سر جعله الرؤساء الروحيون بين هذه المواعيد وبنية أمّة احتلّها الرومان فتطلّعت إلى مسيح يحرّرها على المستوى المادي والمستوى الروحي، حين نعرف هذا نفهم عجزهم عن فهم البعد الحقيقي لتعليم المسيح الذي كان في بعض وجوهه امتداداً لتعليم الأنبياء.
نحن مع المسيح أمام انقلاب للقيم، انقلاب ضروري ولكنه انقلاب قاس وشرس: فملكوت الله الذي انتظروه لم يكن ملكوت القدرة والسلطة الزمنيّة، ولا ملكوت الثقة المفرطة بالنجاح والانتصار. وقد هدف هذا الملكوت في جوهره إلى تحويل كل إنسان تحويلاً عميقاً بجعل علاقته مع الله علاقة حميمة في الصلاة وبتتميم مشيئته. هذه المشيئة هي في جوهرها المحبّة الأخويّة. وهكذا عارض يسوع معارضة جذريّة التعلّق المفرط بشعائر العبادة على طريقة الكهنة والحفاظ على الشريعة كما يفعل الرابانيون، فيدلون على أهمية هذه الممارسات في العالم اليهودي.
ملكوت الله داخلي، باطني، ولكن عليه أن يكون متنبهاً إلى رغبات الانسان في العدالة والسعادة. وهكذا حين أعلن يسوع هذا الملكوت، تضمّن إعلانه بُعداً سياسياً واجتماعياً أدركه كل الادراك الرؤساء اليهود في ذلك الوقت، فاستشفّوا خطره. فالسامعون المميّزون الذين أعلن إليهم يسوع أولاً تعليمه كانوا أشخاصاً لا مكانة لهم في المجتمع، كانوا الهامشيين والمغضوب عليهم والفقراء والذين يتألّمون من ظلم الناس وجور المجتمع. هذا لا يعني ان يسوع لم يعتبر أن هذا الظلم وعدم المساواة ليسا شقاء لا بد من الحرب عليه وإلغائه. ولكن ضحايا هذه الشرور والظلامات كانوا مستعدّين ومهيّأين لفهم هذا التعليم عن العدالة والمحبّة. فإعلان كرامة كل إنسان، واعتبار كل إنسان مساوياً لأخيه ومدعواً إلى الدعوة عينها، مع كل ما في هذا الموقف من التراخي، حدّد النظرات العرقيّة وكل تمييز عرفته فلسطين في ذلك الوقت. ولهذا يقبل المتألمون من هذا الجور وهذا التمييز مثل هذا التعليم المحرّر بأمل كبير ورجاء لا حدود له. ومن هؤلاء المتألمين كانت المرأة التي أحضرنا إلى وضعها في أيام المسيح.
انحنى يسوع بمحبة على الفقراء، ولم يتردّد في التصدي لكل محرّمات الشريعة، ليوجّه تعليمه إلى الناس، حتى شككهم فاعتبروا أن عمله ينافي الاخلاق. ففي وقت من الاوقات تقدّم تلاميذه وقالوا له: "أتعرف ان الفريسيين استاؤوا عندما سمعوا كلامك هذا" (مت 15: 62)؟ ولماذا استاؤوا وتشككوا؟ لأن يسوع عارض الطهارة الخارجية بحسب الشريعة وقال: "ما يخرج من الفم هو الذي ينجّس الانسان" (مت 15: 11).
ويروي القديس مرقس دعوة لاوي ثم يتابع: "وكان يسوع يأكل في بيت لاوي، فجلس معه ومع تلاميذه كثيرون من الذين تبعوه من جباة الضرائب (العشارين) والخاطئين. فلما رأى بعض معلمي الشريعة من الفريسيين أنه يأكل مع جباة الضرائب قالوا لتلاميذه: ما باله يأكل ويشرب مع جباة الضرائب والخاطئين؟ فسمع يسوع كلامهم فقال لهم: لا يحتاج الاصحّاء إلى طبيب، بل المرضى. ما جئت لادعو الصالحين، بل الخاطئين" (مت 2: 15- 17).
عارض يسوع موقف الرابانيين، فلمس يد حماة بطرس المريضة، سلّم عليها، أمسك بيدها (مت 1: 31). وحين جاءت نازفة الدم (وهي تُعتبر نجسة بحسب الشريعة) ولمست طرف ثوبه، لم يوبّخها ولم يطردها، بل كلّمها بحنان ومحبّة: "ثقي، تشجّعي، يا ابنتي، إيمانك شفاك" (مت 9: 20- 22).
لم يكن يحقّ لليهودي أن يعلّم المرأة الشريعة أو يتحدّث معها أو يتركها تخدمه. ولكن يسوع دلّ بموقفه على الطريقة التي بها تصرّف مع مرتا ومريم (لو 10: 38). لم يكن من المعقول أن ينزل رجل ضيفاً على امرأتين تعيشان وحدهما. لقد قلب يسوع كل هذه الافكار المسبقة وهذه المحرّمات، فدهش منه تلاميذه أنفسهم. يمكننا أن نتخيّلهم ينظرون إليه وهو جالس مع تلك السامريّة (يو 4: 27). يقول يوحنا: "وعند ذلك رجع تلاميذه، فتعجّبوا حين وجدوه يحادث امرأة. ولكن لا أحد منهم قال: ماذا تريد منها؟ أو لماذا تحادثها؟" لنذكر أيضاً موقف يسوع الذي شكك الفريسيين الذين جاؤوا بأمرأة أمسكت في زنى وذكّروه بواجب رجمها (يو 8: 4- 5). أما يسوع فقال لها: "اذهبي ولا تخطأي بعد الآن" (يو 8: 11).
وتلك الخاطئة التي يحدّثنا عنها لوقا (7: 36- 51). كيف سمح لها أن تقبّل قدميه، أن تبكي على هاتين القدمين وتمسحهما بشعرها وتدهنهما بالطيب؟ قال سمعان: "لو كان هذا الرجل نبياً، لعرف من هي هذه المرأة التي تلمسه وما حالها، فهي خاطئة". ولكن يسوع سيجعل الفريي يقول إن يسوع أحبّ هذه الخاطئة أكثر منه لأنه أعفاها من الأكثر.
وحين ضرب يسوع الأمثال، جعل أشخاصه، نساء وأفقر النساء. في مت 13: 33 "يشبه ملكوت السماوات خميرة أخذتها امرأة..". في لو 15: 8- 10: "أية امرأة لها عشرة دراهم، فأضاعت درهماً واحداً...". وفي لو 18: 1- 8: "كان في تلك المدينة أرملة، تتردّد على قاضي ظالم وتقول له: أنصفني من خصمي".
أجل، اهتم يسوع اهتماماً خاصاً بهذه النسوة، أكنّ خاطئات أم لا. غير أن مجتمعهنّ جعلهنّ على هامش الحياة الاجتماعيّة والدينيّة العامة. عرف يسوع أن يكلمهن ببساطة. وتجاوب مع انتظارهن العميق، مع عطشهن إلى حياة دينية عميقة. في هذا المجال نقول إن يسوع حمل إلى نساء عصره تحريراً جوهرياً هو تحرير القلب والضمير.
تجاه هذ الموقف، سنرى عدداً من النسوة يتصدّين للحياء البشري ومحرمات الشريعة ليتبعن يسوع. قال لو 8: 32: "ورافقه بعض النساء... وغيرهن ممن كنّ يساعدنه بأموالهن". وعند الصليب "كانت جماعة من النساء... وهن اللواتي تبعن يسوع (كما تبعه الرسل والتلاميذ) وخدموه (الخدمة الكنسيّة) عندما كان في الجليل، (مت 15: 40- 421). وهناك بعض منهن قد تعرضن للخطر حين تبعن يسوع. مثلاً، يونة زوجة خازن هيرودوس، التي قد تكون تركت بيتها وسارت مع يسوع (لو 8: 3).
ذكر لوقا هؤلاء النسوة حالاً بعد الرسل الاثني عشر (لو 9: 1- 6) وقبل التلاميذ (لو 10: 1- 12)، فدل على شجاعتهنّ في اتباع يسوع حتى الجلجلة، وفي الحضور إلى القبر قبل طلوع الصباح. كل هذا يدلّ على عمق الرباط الذي يربطهن بالمسيح، وقوة الايمان التي تدفعهن لأن يشهدن للمسيح. نحن مع هؤلاء النسوة أمام شهادة لإيمان شجاع في خدمة الانجيل على مثال شهادة الرسل.
والبرهان الأكبر على رفع يسوع لقيمة المرأة نجده في الدور الذي لعبته مريم أم المسيح في أمرّ الأوقات في حياة ابنها. سنراها مع يوحنا أمام أول معجزة يجترحها يسوع (يو 2: 10- 12). كما سنراها عند الصليب واقفة بجانب ابنها تتقبل منه في يوحنا الحبيب باكورة أبناء عديدين: هذه امك يا يوحنا. هذا ابنك يا مريم (يو 19: 25- 27).

خاتمة
إن تعليم يسوع وتصرّفه تجاه المرأة قد شكّلا تجديداً جذرياً بالنسبة إلى المحيط اليهودي في عصره. وهكذا بدأ الاعلان عن مساواة الرجل بالمرأة، على ما سيقول بولس في رسائله: "لا فرق الآن بين يهودي وغير يهودي، بين عبد وحر، بين رجل وامرأة. فانتم كلكم واحد (متساوون) في المسيح يسوع" (غل 3: 28). ألغي كل تمييز وكل تفرقة على مستوى الجنس فلم يعد يتصرف الرجل بالمرأة كما يشاء. "فان كان لا سلطة للمرأة على جسدها، لأنه لزوجها، فلا سلطة للزوج على جسده، لأنه لامرأته" (1 كور 7: 4). وحين يحدّثنا يسوع عن البتولية، ستكون أمّه مريم أول البتولات وسيتبعها عدد من الرجال والنساء فيدلون على أن الزواج ليس الطريق الوحيدة للعطاء. فالبتوليّة هي أيضاً شكل آخر من العطاء، يتعدّى الزواج، لأنه لا ينحصر في عائلة وأولاد، بل ينفتح على عائلة الله كلّها.
وضع يسوع بذار ثورة في المجتمع. يبقى على المسيحيين أن يقدموا أرضاً طيّبة تعطي الثمر الذي يطلبه الربّ. حين زرع الزارع زرعه، أعطى بعضه مئة (لو 8: 8) في شخص مريم المباركة بين النساء (لو 8: 19- 21)، ونحن ننتظر أن يثمر كذلك فينا حين "نسمع كلام الله ونعمل به".
الفصل الثالث والعشرون
وجوه نسائية في الكتاب المقدس

حين نتطلّع إلى محيطنا نرى أن الرجل هو الذي يسيطر وأن المرأة تكاد تكون ضائعة. غير أن الكتاب المقدس بعهديه القديم والجديد يقدم لنا وجوهاً نسائية تدلّ على دور المرأة في أوقات عصيبة من تاريخ شعبها، في حياة شعبها. لن نستطيع أن نرسم وجه كل امرأة يحدّثنا عنها الكتاب المقدس. والمرأة بما هي أم لها دور في العائلة، وبما أنها سيدة لها دور في المجتمع، وبما أنها مواطنة لها دور في الوطن. سنرسم فقط بعض الوجوه. نقرأها في الماضي ونحاول أن نفهمها اليوم فلا تبقى المرأة تلك القاصرة التي يفرض عليها كل شيء ولا يحقّ لها أن تنير دربها بما حباها الله من عقل وحكمة ورزانة، وبالتالي لا يحقّ لي إلاّ بدور مجتزىء في المجتمع.

1- في العهد القديم
نبدأ مسيرتنا في العهد القديم. نتعرّف أولاً إلى دبورة، ثم إلى حكيمة أولى خلَّصت السلالة الملكية من الضياع، وحكيمة أخرى خلَّصت المدينة من الخراب.
أ- دبورة النبية
يروي سفر القضاة (4: 4؛ 5: 31) أن الحالة كانت سيّئة في البلاد، والخطر على الحدود. فلا بدّ من "رجل يقضي" في (يهتمّ بأمور) الناس ويخلّصهم من العدو الذي يضايقهم. فإذا نحن أمام امرأة إسمها دبورة، ومعنى اسمها النحلة، وقد عرفت بنشاطها فجعلت البلاد تستريح بعدها أربعين سنة أي فترة كبيرة من الزمن (5: 31).
يذكر الكتاب المقدس زوجها. إسمه لفيدوت، ولا يعطيه أي دور ولا يقول شيئاً عن أولادها. ما أراد أن يشدّد على دور الأمومة، بل على دور القوّة المعنويّة التي تمتّعت بها هذه المرأة، فخطّطت ونفّذت وشجّعت فكان النصر لشعبها.
كانت دبورة نبيّة على مثالة مريم أخت هارون وموسى (خر 15: 20). والنبي هو الذي يرى الأمور بعين الله. هو الذي يتكلم باسم الله. هو الذي يثق بالربّ ويسير في الطريق الذي يلهمه دوذ أن يخاف الصعاب وحتى الموت. بحسّها النبوي خلَّصت دبورة شعبها فأصبحت بين القضاة الإثني عشر الذين خلَّصوا شعبهم في ضيق من الضيقات، مع جدعون ويفتاح وشمشون وصموئيل. قال عنها الكتاب: "كانت تجلس تحت نخلة تقع بين الرامة وبيت إيل في جبل افرايم. وكان بنو إسرائيل يصعدون إليها لتقضي لهم" وتنظّم أمورهم. وقد اشتهرت هذه النخلة باسم هذه المرأة المقتدرة التي فرضت على الناس احترام أحكامها.
أما دورها كنبيّة، فلعبته خلال الحرب على بلادها. ولهذا ستسمى في النشيد أم شعبها (5: 7). دعت رجلاً إسمه باراق وقالت له: "الربّ أمرك فاذهب إلى جبل طابور". سمعت كلام الربّ وأوصلته إلى من يجب أن يسمعه. ولكن باراق بدا خائفاً وغير واثق بنفسه فقال لها: "إذا ذهبت معي أذهب". فقالت له: "أذهب معك". تقوّت بقوّة الربّ فما عادت تخاف الموت. سارت في المقدّمة مع القوّاد في قبيلتها (5: 15)، لا في المؤخّرة كما اعتادت النسوة أن تفعل.
إمرأة لا تخاف، ولكنها تعرف الوداعة والخفر فلا تفرض نفسها. لم تكن قائداً حربياً، ولكنها كانت الوسيط بين الله وشعبها من أجل إقامة سلطة شرعيّة.
دبورة هي امرأة تتمتّع ببُعد نظر وتعيش الفضيلة. وهذا ما ساعدها على أن تلعب الدور الذي لعبته، فصارت قريبة جداً من يهوديت التي عرفت الاتكال على الله ساعة خاف الجميع وقرروا الإستسلام إن لم يساعدهم الله بعد خمسة أيام. وجاءت المساعدة من الله لا بصورة مباشرة بل بيد إمرأة أرملة.
يوم كانت الفوضى تعمّ المجتمع، تدخلت امرأة اسمها دبورة. يقول سفر القضاة (21: 25): "في تلك الأيام لم يكن ملك لبني إسرائيل، وكان كل منهم يعمل على هواه". أجل إن مجتمعنا يعرف الضياع والفوضى وهو يحتاج إلى قوّاد. والله يختار ذلك الذي يريد أن يختاره، ولا شيء يمكن أن يحدَّ اختياره. روح الربّ يحل على الشباب وعلى الكهول، على الرجال والنساء، فيجعل منهم قواداً روحيين يقودون الشعب إلى ملء الحياة. هذا ما فعله في دبورة النبية التي احتفظ شعبها بذكراها جيلاً بعد جيل.
ب- المرأة الحكيمة
عرفنا لدى دبورة صفة النبوءة. تعلّمت مع الله بُعد النظر والشجاعة، فحكمت في شعبها وأحبّ الشعب حكمها. والآن سوف نتوقّف عند المرأة الحكيمة. وأمامنا مثلان نقرأهما في سفر صموئيل الثاني. لا نعرف عن الأولى إلاّ اسم بلدتها تقوع (تقع جنوب أورشليم). أما الثانية فلا نعرف عنها إلاّ أنها خلّصت مدينتها من الدمار. ولكن المرأتين اشتهرتا بحكمتهما.
أولاً: إمرأة تقوع
كانت الحالة صعبة في البلاد بعد أن ذهب ابشالوم، ابن داود الملك، إلى المنفى، وظل هناك ثلاث سنوات. ما السبيل لإخراج البلاد من المأزق؟ تطلَّع يوآب قائد الجيش إلى امرأة حكيمة فوجدها في تقوع (1 صم الثاني 14: 1- 7).
"جاء يوآب بامرأة حكيمة وقال لها: تظاهري بالحزن، والبسي ثياب الحداد ولا تتزيّني، بل كوني كامرأة تنوح من أيام عديدة على ميت، وروحي إلى الملك وكلّميه". فذهبت إلى الملك وأعطته مثلاً جعله يعود إلى رشده. قالت: "كان لي يا سيدي ابنان تشاجرا في البرية ولم يكن من يفصل بينهما، فضرب أحدهما الآخر فقتله. فهجم جميع العشيرة عليّ وقالوا: سلّمي إلينا قاتل أخيه لنقتله انتقاماً له". فقال لها الملك: "عودي إلى بيتك وأنا أقوم بالمطلوب. وإذا تهدّدك أحد فجيئيني به. لا تسقط شعرة من رأس ابنك".
حنيئذ دخلت المرأة في الموضوع فقالت: "دعني أقول شيئاً آخر". قال الملك: "تكلّمي". فقالت المرأة بعد أن شعرت أن قلب الملك انفتح ولم يعد مغلقاً: "لماذا نويت شراً على شعب الله. فأنت بما حكمت لي أيها الملك حكمت على نفسك، لأنك لا ترد ابنك الذي أرسلته إلى المنفى. فالله لا يريد أن يقضي على حياة أحد. ولا هو يريد أن يظلّ منفيٌّ بعيداً عنه (أي عن أورشليم حيث يقيم الله) في منفاه".
ورأت المرأة في حكمتها أنها تمادت في الحديث، وأنها تجرّأت وقالت للملك أكثر مما يجب أن تقول. فعادت واختبأت وراء مثلها: "الشعب هدّدني فقلت في نفسي: أكلم الملك لعله يساعدني. فالملك يسمع لي وينقذني من يد الرجل الذي يريد أن يزيلني أنا وابني من البلاد".
وكان لامرأة تقوع ما أرادت. دعا الملك يوآب قائد جيشه وقال له: "إذهب وردّ الفتى ابشالوم".
رد ناتان النبيّ داود عن غيّة حين قتل أوريا الحثي وأخذ له امرأته (1 صم الثاني 12)، فأورد له مثل رجل غني اغتصب نعجة رجل فقير. وانتهى بالقول للملك: أنت هو الرجل. وهكذا فعلت امرأة تقوع حين روت للملك ما روت. إنطلقت من وضع الأرملة التي لها اعتبار كبير في شريعة الله، وأثارت شريعة الثأر وما فيها من دمار للبلاد والمجتمع، فدفعت الملك إلى العفو بدل القتل.
ولكن هذه المرأة لم تكن حرّة. فقد كانت أداة في يد يوآب. غير أنها سيطرت على الموقف منذ دخلت إلى القصر ووصلت بالملك إلى أن يعيد الأمل إلى المملكة. لعبت دور الأم التي فقدت ابنها. فصارت أماً لشعبها بفضل هذا الدور الذي قامت به. قال لها الملك: "عودي إلى بيتك وأنا أقوم بالمطلوب". وفي الواقع كان لها ما أرادت. أو بالأحرى ما أراده يوآب.
ثانياً: في مدينة آبل
ونعود من جنوب البلاد إلى شماله لنكتشف في آبل (مدينة تبعد 40 كلم إلى الشمال من بحيرة جناشر أو طبرية) "إمرأة حكيمة" ستخلّص المدينة، ساعة ضاع الجميع وما عرفوا كيف يتصرّفون (2 صم 20: 14- 22).
ثار على الملك شخص من بنيامين إسمه شبع بن بكري. لاحقه يوآب رئيس الجيش، فلجأ إلى آبل. فحاصر يوآب المدينة، ورفع تلاً حول السور وأخذ يعمل على هدمها بواسطة جنوده.
وجد سكان المدينة امرأة تمثّلهم وتبعد الشر عنهم. لا شكّ في أنها كانت تتمتّع باحترام الجميع. ونجاحُها لدى يوآب يدلّ على أن قائد الجيش اعترف بمركزها، وإلاّ لما كان حادثها أو قبِل أن يلتقيها.
نحن هنا أمام نظرة إلى الحكمة التي هي نظرة إنسانية إلى الحياة: فلسفة تعلّمنا التعامل مع الواقع، بحث عن الأسباب ومحاولة وضع حدّ لفوضى يعيشها المجتمع. هذا ما أحست به امرأة آبل. أحبّت مدينتها التي هي "أم المدن"، ورفضت عمليّة التلف والهدم. فالله هو إله غرس وبناء، فكيف نقلع ونتلف، كيف نهدم ما بناه آباؤنا؟
تصرّفت المرأة بحكمة مع يوآب، فأقنعته بالتوقّف عن عمل الهدم. ولما عرفت طلبه وعدته خيراً. عادت إلى أهل المدينة، أو بالاحرى إلى الشيوخ فيها. وتصرّفت بحكمة. سمعوا لها فاقتنعوا. سلّموا رأس شبع بن بكري إلى يوآب، فنفخ في البوق فارتد رجاله عن المدينة وذهبوا إلى بيوتهم. وهكذا نجت المدينة بفضل هذه المرأة الحكيمة.
امرأتان حكيمتان قلقتا على مصير شعبيهما فاستعملتا الإقناع وسيلة. لا القوّة والعنف. والقوّة لا يصدر عنها إلاّ الحقد. أبرزت امرأة تقوع الحاجة إلى العفو والغفران. وشدّدت الثانية على الحكمة التي اشتهرت بها مدينة آبل. عرفت الأولى أن حياة الشعب أهمّ من شرف الملك. وعرفت الثانية أن خلاص المدينة يرتبط بإزالة متمرّد حمل الشر معه إلى الجماعة كلها. وعملتا على ضوء الإيمان وفي إطار مخافة الله. فقد قال الكتاب: "رأس الحكمة مخافة الله".

2- في العهد الجديد
قد نستطيع أن نعود إلى الانجيل فنتذكّر اليصابات أم يوحنا المعمدان أو حنة النبية، أو مريم المرأة الأولى بين النساء، ولكننا نتوجّه بالاحرى إلى تاريخ الكنيسة الأولى، فنتعرّف إلى دور فيبة الشماسة في رومة، وليدية في مدينة فيلبي (اليونان).
أ- فيبة الشماسة
الشماس هو الخادم الذي يرافق الأسقف في الأعمال الليتورجيّة وفي واجبات المحبّة. هو الذي يقود الموعوظين إلى العماد، يقرأ الانجيل ويعظ، يقدّم مساعدات الكنيسة للمحتاجين. وكما كان شماسون من الذكور، كانت هناك شماسات من النساء. أما هدف حياتهم جميعاً فهو الخدمة في كنيسة الربّ.
وتحدثنا الرسالة إلى رومه (16: 1- 2) عن فيبة حيث يقول بولس: "أوصيكم باختنا فيبة، خادمة (شماسة) كنيسة كنخرية. تقبّلوها في الربّ قبولاً يليق بالاخوة القديسين، وساعدوها في كل ما تحتاج إليه منكم، لأنها أسعفت كثيراً من الاخوة وأسعفتني أنا أيضاً".
كنخرية هي المرفأ الشرقي في كورنتوس. منه انطلق بولس إلى أنطاكية بعد الرحلة الرسولية الثانية (أع 18: 18). القدّيسون هم المكرّسون لله، هم الذين دعاهم الربّ وسلّم إليهم رسالة. هم المسيحيون، هم الذين تفرض عليهم دعوتهم أن يعيشوا حياة القداسة.
يقول بولس عن فيبة إنها أسعفت القديسين وأسعفته هو. الكلمة اليونانية تعني من يدافع عن الغرباء المحرومين من حقوقهم في المدينة التي يقيمون فيها. وهكذا كانت فيبة صاحبة مقام رفيع، فتدخلّت من أجل المسيحيين، لهذا استحقّت شكر بولس، واستحقّت كل مساعدة. طوبى للرحماء فإنهم يُرحمون. الله بنفسه يرحمهم ويرسل إليهم من يعاملهم بالرحمة والمحبّة. أجل كانت فيبة شماسة في كنيسة كنخرية، ولعبت دوراً في الكنيسة الأولى. وها هو بولس يحمِّلها رسالة توضية لكي يتم إستقبالها كما لو أنها عضوة في كنيسة رومة. لها خبرتها في عمل الرسالة والاهتمام بالقديسين. فعلى الجماعة في رومة أن تستفيد من هذه الخبرة وتعرف أن فيبة ليست جديدة ومتجدّدة، ليست متطفّلة على ما ستقوم به من عمل. فيبة هي من هذا المجتمع الروماني حيث تتوزع النساء إلى ثلاث فئات: المرأة الحرّة، المرأة الغريبة، المرأة العبدة أو الأمة. على الأولى أن تؤمِّن لزوجها "ولي العهد" أي الذكر الذي يرث إسم الزوج وأملاكه. أما الغريبة فتقوم بأعمال قد تصل بها إلى العمل على المسارح أو ربما البغاء. أما العبدة فهي آلة في يد سيدها أو سيدتها.
وهكذا ارتبطت النساء ارتباطاً وثيقاً ببنى المجتمع الذي فيه يعشن. أما فيبة التي لا تبدو مرتبطة بزواج والتي تسافر بين مناطق الإمبراطورية، فقد يتساءل أفراد الجماعة في رومة عن وضعها. فكتب إليهم بولس يدعوهم إلى استقبالها ومدّ يد المساعدة لها فتكون عضوة كاملة في الكنيسة.
أجل، خرجت فيبة من إطار محدّد للمرأة. ففي المسيحية لا رجل ولا امرأة، لا عبد ولا حر. كلنا واحد في المسيح. كلنا أبناء الله الواحد. وللمرأة حقوق في الكنيسة كما للرجل. وعليها وما على الرجل من واجبات في الكنيسة. وكلّ ذلك من أجل بناء جسد المسيح.
حين نعود إلى روم 16، نجد أن بولس يرسل سلامات إلى معارفه، إلى معاونيه في عمل الرسالة. ذكر برسكلة وآكيلا، هذين الزوجين اللذين تعرّف إليهما في كورنثوس (أع 18: 2). عاونا بولس، عملا معه عمل الرسالة المسيحية. ذكر اندرونيكس ويونيا اللذين يعملان عمل الربّ بالإضافة إلى الاهتمام بالبيت والعائلة. من يعمل أكثر؟ الرجل أو المرأة. هذا ما لا يقوله بولس. فهناك مواهب، وكل واحد يخدم كنيسة الربّ حسب المواهب التي أعطيت له دون تمييز بين الرجل أو المرأة، بين غنيّ وفقير، بين صغير وكبير.
لهذا نحن نفهم دور فيبة الشماسة، كدور سائر الشمامسة والشماسات (أي الخدّام) في الكنيسة. وهكذا قدمت المسيحيّة نظرة أخرى إلى العالم وأسلوباً آخر في الحياة يجعل المرأة والرجل يخرجان من الرتابة، من الأكل والشرب وعبودية الحياة اليومية، ليعملا من أجل الاخوة في العالم، ليبشّرا بملكوت الله.
ب- ليدية تقدم بيتها
ووصل بولس إلى فيلبي وهي أكبر مدينة في ولاية مكدونية (أع 16: 11- 15). اعتاد أن يذهب إلى المجمع اليهودي في المدينة وهناك يحدّث الناس. ولكن لا مجمع في فيلبي. لهذا انضم بولس إلى بعض النساء المجتمعات قرب النهر. وبدأ الحديث عن الانجيل. وتميّزت إحدى النساء بالسماع. هي ليدية. ليست من فيلبي، بل من ثياتيرة، مدينة الارجوان في آسية الصغرى (أي تركيا الحالية).
على الصعيد الاجتماعي، كانت ليدية تاجرة من التجّار الكبار الذين تسمح لهم تجارتهم بأن يسافروا من بلد إلى آخر. وعلى الصعيد الديني كانت من فئة الاتقياء المتعبدين لله. لم تكن يهودية، بل وثنية. ولكنها تأثرّت بتعليم التوراة ووصايا الله الواحد.
وستخطو ليدية خطوة أخرى، شأنها شأن عدد من الاتقياء المتعبدّين الذين جاؤوا من العالم الوثني. فكورنيليوس الضابط الروماني مثلاً، آمن باله اسرائيل، وتعلّق بمتطلبات الشريعة تجاه الله والقريب (أع 10: 2) قبل أن يعتمد ويصير مسيحياً هو وأهل بيته. لقد قدم هذا المحيط الديني عدداً من الناس فصاروا أعضاء في الجماعة المسيحية. وهكذا فتح الله قلب ليدية، فأصغت وفهمت واقتنعت بالكلام الذي يقوله بولس وفعلت كما فعل كورنيليوس (أع 10: 48): "تعمدت هي وأهل بيتها".
ولكن لا مكان في فيلبي للاجتماع والصلاة والعبادة. قدّم كورنيليوس بيته فصار كنيسة وموضع لقاء المسيحيين في قيصرية الساحلية (على شاطىء البحر). وهكذا عملت ليدية. قدّمت بيتها، بل ألحّت على بولس ورفاقه ليكون بيتها أول كنيسة في فيلبي بل في أوروبا بأكملها. تبدو ليدية إمرأة معروفة، بل تبدو هي ربّة البيت. قد تكون أرملة، أو يكون هناك سبب آخر. فوضعها الاقتصادي أعطاها درجة من الحرية على المستوى الشخصي كما على مستوى التنقّل من مكان إن آخر، لم تصل إليه نساء من مستوى أدنى. "فرضت" نفسها على بولس ورفاقه، فدلت على تأثيرها على المدينة وعلى الكنيسة. هذه المرأة كانت حقاً رائدة في جماعة فيلبي المحليّة.
إذا عدنا إلى أعمال الرسل بل إلى إنجيل لوقا، نرى أن الكاتب يقدّم صورة عن المرأة تتحدّى دورها كأنثى في المجتمع الروماني. لا شك في أن هناك نساء رومانيات أمسكن بيوتهن وأدرن أعمالاً تجارية، إلاّ أن عدداً صغيراً منهن أخذ على عاتقه موقفاً قيادياً في المجتمع. تبدو ليدية مشتغلة في عملها التجاري، كما تبدو أنها تدير بيتها بحيث تعمّد الجميع من أبناء وبنات وخدم بمجرد أن تعمّدت هي. ولكن دورها كمسيحية يوافق موافقة تامة صورة المرأة التي تقدم بيتها مع كل مساعدة من أجل الرسالة. أما هكذا كان وضع النساء اللواتي تبعن يسوع؟ كانت مريم المجدلية، وحنة امرأة خوزي وكيل هيرودس، وسوسن وغيرهن يساعدن يسوع والرسل (الجماعة المسيحية الأولى) بأموالهن (لو 8: 1- 3).
إن وجود نسوة بقرب يسوع أمر يشهد له سائر الإنجيليين (مر 15: 41). قد قال مت 27: 55- 56 إنهن "تبعن يسوع من الجليل. كن يخدمنه". وقد رافقنه حتى الصليب، بل سيعرفن خبرة القيامة. إن مثل هذا الوضع وهو وجود امرأة أو نساء في مثل هذا العمل الاجتماعي، كان شواذاً في مجتمع فلسطين، كما في بعض المحيطات المحافظة في العالم الروماني. ولكن يسوع حطّم مثل هذه القيود، وجعل المرأة تهتمّ بعمل الرسالة، شأنها شأن الرجل. أما أرسل النسوة يبشرن بقيامته يوم الأحد؟ "إذهبن وقلن لتلاميذي: هو يسبقكم إلى الجليل، وهناك ترونه كما قال لكم" (مر 16: 7).
ما حملته هذه النسوة من رسالة، قد حملته فيبة وليدية وبرسكلة ويونيا، وغيرهن عدد من النساء في الماضي واليوم وحتى نهاية العالم. وما قامت به المرأة المسيحيّة على مستوى شعبها، يجب أن تقوم به المرأة اليوم. يبقى على كل امرأد في مجتمعنا أن تعرف دورها كأم مع أولادها، كزوجة مع زوجها تتمتّع مثله بذات الحقوق والواجبات لأنها مثله على صورة الله. وعليها أيضاً أن لا تنسى دورها في المجتمع وفي الكنيسة. فما زالت المرأة لما تصل إلى المستوى الذي أعدّه الله لها، فسيبقى مجتمعنا متخلّفاً وكنيستنا جامدة لا حنان فيها ولا محبة.
القسم الرابع
أسْرارُ الكنيسَة

يتضمّن هذا القسم عشرة مواضيع:
1- المعموديّة والقيامة ورموز الماء
2- الطفولة في الكتاب المقدّس
3- سرّ الافخارستيّا أو القربان المقدّس
4- علامات التوبة وممارساتها
5- المحنة والتجربة
6- الشيطان وقوى الشر
7- مسحة المرضى، سّر من أجل الحياة
8- أنتم شعب كهنوتي
9- يوم الأحد في العهد الجديد
10- الحب والأمانة في الكتاب المقدّس.
الفصل الرابع والعشرون
المعمودية والقيامة ورموز الماء

كانت الكنيسة الأولى، وما زالت كنائس عديدة اليوم، تمنح سرّ العماد للبالغين الذين استعدُّوا خلال الصوم، تمنحهم سرّ العماد ليلة عيد الفصح. وهكذا تدلّ على انّهم ماتوا مع المسيح ليقوموا معه. وهم يحافظون خلال الاسبوع الاوّل من القيامة، اسبوع الحواريين، على الثوب الأبيض الذي يلبسه المعمّد ولا يخلعه إلاّ في الاحد الجديد. يرمز هذا الثوب إلى الانتصار الذي حقّقه الله في هذا المعمَّد الجديد. والبياض رمز إلى الانتصار، قبل أن يكون رمزاً إلى الطهارة. ويرمز الأحدُ الجديد إلى الحياة الجديدة التي وعدَ هذا المسيحيُّ بأن يحياها، منتظراً، مثل الرسل، عيدَ العنصرة وحلولَ الروح القدس.
هذا ما دَفعنا لأن نتحدّث اليوم عن رموز العماد المسيحي مع التشديد على الماء كقوّة موت وحياة، كقوّة خلق وخلاص.

1- رمز الماء في الكتاب المقدس
إذا عدنا إلى المستوى الرمزي الطبيعي، نلاحظ أنّ الماء يشكّل السند لكلّ خليقة. كلّ شيء يولد فيها، وكل شيء يعود إليها. إنّها قابلة كلَّ بذار الحياة. وفي نظر الانسان يرمز الماء إلى إمكانيّة الحياة كما يرمز إلى تقهقر هذه الإمكانيّة. يمكننا القول إنّ العالم الماديّ يغرق كلّه في هذا الرمز، وهكذا يكون موضوع الطوفان موضوعاً طبيعياً. فانغمار الكون بالماء يلغي التاريخَ ويعيد كلّ شيء إلى نوع من مادة أولى لا شكلَ لها. أمّا الخروج من الماء فيدلّ على انطلاقة جديدة للكون بعد أن تنقّى خلال عبوره بالماء.
ولكن، لا نضخِّم أهميّة الماء الذي يبقى خصبُه ملتبساً خارج الله والمسيح. تحدّث ترتليانس عن رمز الماء قبل المسيح، فقال للوثنيين: "مياهكم فارغة". فالخالق يعطي الحياة قوّة الخلق وهو يمارس عليها سيادته (مز 104: 10- 18). ولكننا سننطلق من النظرة إلى مجيء المسيح لنفهم الاستعدادات البطيئة التي رفعت الرمز من العالم الطبيعي إلى مستوى مخطط الله. فالخلق والطوفان والبحر الأحمر والاردنّ تشير إلى أحداثٍ من تاريخ الخلاص تدلُّ على طابع الماء المحيي والمدمِّر، على خليقة الله الذي يجعل منها أداة نعمته.
وحين تتحدّد الأحداث الجوهريّة في العهد القديم، يكشف رمزُ الماء كلَّ عُمقه ولا سيما في أسفار المزامير والانبياء: المياه تنقّي وتطهِّر. هذا ما فعلت بنعمان السرياني (2 مل 5: 13). وقد قال المرتِّل: "نقِّني بالزوفى فأطهر، واغسلني فابيضَّ أكثر من الثلج" (مز 5: 9). وتحدَّث زكريا النبيّ (13: 1) عن "ينبوع مفتوح لبيت داود وسكان أورشليم، ليغسل خطاياهم ورجاساتهم".
إن هذه المياه تتضمّن قوَّة حياة وترمز إلى خصبٍ خلاصيّ ننتظره يومَ تجري الينابيع في الصحراء وتتفجَّر العيون فتروي صهيون. قال الرب: "أفيض المياه على بلاد تموت عطشاً وأجري السيولَ على أرض يابسة. أفيض روحي على ذرّيتك، وبركتي على سلالتك، فينبتون كالبَان الأخضر، كالصفصاف على مجاري المياه" (أش 44: 3- 4). ويدعو أشعيا المؤمنين: "تستقون المياهَ من ينابيع الخلاص مبتهجين" (أش 12: 3). ويقول: "أيها العطاش، هلمُّوا جميعاً إلى المياه. والذين لا فضَّة لهم، هلمّوا خذوا وكلوا. هلمّوا خذوا بغير فضّة ولا ثمنٍ خمراً ولبناً حليباً" (أش 55: 1). ويَعدُهم بالبركة: "يهديك الربُّ في كلّ حين ويُشبع نفسك في الارض القاحلة، ويقوّي عظامك فتكون كجنّة ريَّا وكينبوع مياه لا تنضب" (أش 58: 11).
هذه الحياة تخرج من تحت بيت الله وتتوجّه نحو الشرق (حز 47: 1). هي تجري صيفاً وشتاء ولا تنضب (زك 14: 8). وهكذا نصل إلى قول في تاريخ الخلاص وهو أنّ الماء يرمز إلى العطيّة السُميا، إلى فيض الروح في نهاية الأزمنة (أش 32: 15). وهذا التدبير المقبل الذي يصوِّره حزقيال (36: 25- 29) سيُتمّ تطهير الخطايا ويحوّل القلوب فيجعل من البشر شعباً جديداً.
"أرشّ عليكم ماءً طاهراً، فتطهرون من كلّ نجاساتكم. وأطهّركم من أوثانكم القَذرة. وأعطيكم قلباً جديداً وأجعل فيكم روحاً جديداً. وأنزع من لحمكم قلب الحجر، وأعطيكم قلباً من لحم. وأجعل روحي في أحشائكم وأجعلكم تسيرون على فرائضي وتحفظون أوامري وتعملون بها. وتسكنون في الارض التي أعطيتها لآبائكم، وتكونون لي شعباً وأكون لكم إلهاً وأخلِّصكم من كلّ نجاساتكم".
وهكذا نرى منذ الآن، دورَ المياه في التدبير المسيحاني. فبحسب يوحنّا (7: 37- 38)، المسيح هو الذي يعطي ماء الروح، يعطي ماء تصير في الذي يتقبّلها "ينبوعَ ماء يجري حياة أبدية" (يو 4: 14). هذه هي نهاية مسيرة الماء في الكتاب المقدّس.
عمّد يوحنا المعمدان في الماء، من أجل التوبة. أعلن عماد توبة لمغفرة الخطايا (مت 3: 11؛ لو 3: 3). أمّا العماد المسيحي فينقّي الانسانَ بصورة أعمق. إنّه اغتسال النفس كما يقول القدّيس بطرس (1 بط 3: 21). وهو يزيل قذارة الخطيئة ويمنح الإنسان نداء المسيح (أع 22: 16). قال بولس الرسول: "قد غُسلتم فتقدّستم وتبرّرتم باسم ربّنا يسوع المسيح وبروح الهنا" (1 كور 6: 11). ولكنّ الجديد الجديد في العماد المسيحي هو أنّه يمنح الروح. فالعماد المسيحي هو عماد في الروح (مر 1: 8). إنه يلدنا مرّة ثانية ويجذّرنا. قال القدّيس بولس: "شاء الله برحمته أن يخلّصنا بغسل الميلاد الثاني والتجديد الآتي من الروح القدس. أفاض علينا هذا الروح وافراً بيسوع المسيح مخلّصنا حتى نتبرّر بنعمة المسيح ونرث في الرجاء الحياةَ الابدية" (تي 3: 5- 7). وحدّثنا يوحنّا عن "مولدنا من الماء والروح" لنتمكّن من الدخول إلى ملكوت الله. وبيّن لنا كيف تعود إلى الانسان الخاطىء صحّةُ الروح وشفاء النفس. ذاك هو رمز شفاء المخلّع (يو 5: 1- 8) واستعادة الأعمى البصر. "ذهبَ واغتسل فرجع يبصر" (يو 9: 8).

2- الخلق والمعمودية
أيّ نور يلقيه موضوع الخلق على العماد المسيحي؟ يرى الكتاب المقدّس أنّ الحياة تبدأ في الماء. إنه يؤكّد في أصل كل شيء قدرةَ كلمة الله الخلاّقة وحضور الروح الذي يُخصب المياه الأولى (تك 1: 1- 24). فعبر الماء يتمّ عمل الله الخلاّق. وبجانب الماء يلعب النورُ دوراً مميّزاً في خبر البدايات. فملك الظلمة يتوافق مع الشواش الأول الذي يشكّله الغمر والمياه العميقة. خلق النورَ أوّلاً ففصلته كلمة الله عن الظلمة واعتبرته حسناً. لقد جعلَ الله النور في خدمة شعب الله: إنه يساعد على تنظيم الشواش الأولى ويؤمّن تقسيم الزمان إلى نهار وليل.
أ- الخلق والخلاص
نلاحظ أنّ نظرة الكاتب الملهَم في نشيد الخلق (تك 1) تتوقّف لا عند تكوين الكون بل عند سّر الخلاص. فواقع العهد يشرف بنظرته اللاهوتيّة على الخلق الطبيعي. إنّه يدّلنا على عمل الخلاص الأوّل الذي يعمله الله من أجل شعبه. وهكذا تبدو الخليقة صورة عالم جديد واسكاتولوجي تلعب فيه الكلمة والروح والنور والماء دوراً رئيسياً.
إنّ تدبير نهاية الأزمنة الذي دشّثه يسوع المسيح، ممهورٌ بمواضيع مهمّة مثل: "الولادة الجديدة" (يو 3: 5)، "الخليقة الجديدة" (2 كور 5: 17)، "التجديد" و"الولادة الثانية" (تي 3: 5). هذه المواضيع تعبّر عن واقع الخلاص المسيحي الذي يمنحه العماد. وببيّن بولس (أف 2: 1- 10) أنّ العماد يشكّل نقطة انطلاق الخليقة الجديدة في يسوع المسيح. "إنّا من صنع الله الذي خلقنا في المسيح يسوع لأعمال صالحة أعدّها سابقاً لكي نمارسها" (أف 2: 10).
وتلميح بولس (كو 3: 9- 10) إلى خلع الانسان العتيق ولبس الانسان الجديد هو أكثر وضوحاً. فالفعلان المستعملان (خلعتم، لبَستم) يدلان على عمل واحد هو العماد الذي نلناه فيما مضى.
لقد تصالح المسيحيّون في المسيح فتجدَّدوا على صورة خالقهم. صاروا مثل الانسان الأول، على صورة الله ومثاله (تك 1: 26)، فشكّلوا مع المسيح الانسانَ الجديد العائش بسلام مع الله ومع البشرية كلّها (أف 2: 15- 17).
وموضوع الولادة الجديدة التي يتمّها العماد نجده أوّلاً في التقليد الانجيلي. إن متى (19: 28) يسمّي نهاية الأزمنة "التجديد" و"الولادة الثانية" فيعلن يسوع لتلاميذه: "الحقّ أقول لكم: إن لم تعودوا مثل الأطفال لا تدخلوا ملكوت السماوات" (18: 3). ولكن يوحنا هو الذي يتحدّث بوضوح عن المعموديّة: إنّها ولادة علويّة بالماء والروح: "الحقّ الحقّ أقول لك: من لا يولد من العلاء لا يستطيع أن يرى ملكوت الله... مَن لا يولد من الماء والروح، لا يستطيع أن يدخل ملكوت الله" (يو 3: 3- 5).
وهذه الولادة الجديدة، الولادة الثانية، ينسبها العهد الجديد، تارة إلى عمل الروح (تي 3: 5- 6)، وتارة إلى كلمة الله. "وارغبوا كالأطفال الرضّع في حليب الكلمة الصافي لتنموا به من أجل الخلاص" (1 بط 1: 2- 3).
ب- الاستنارة العمادية
خلقَ الله الدور في اليوم الأوّل من أجل شعبه، فلعب النور أيضاً دوراً مميّزاً في المعموديّة. فهذا السرّ ينقذ الخطأة من عالم الظلمة (أف 4: 18)، ويجعلهم يشاطرون القدّيسين ميراثهم في النور (كو 1: 12). هذا ما يذكّرنا به القدّيس بولس (2 كور 4: 6). تتضمّن الخبرةُ المسيحية استنارة من قِبل الذي خلق النور في بدايات العالم. ولهذا فتسمية "المستنيرين" تدلّ على المعمّدين. يسمّي الكتاب المسيحيين أولئك الذين أنيروا مرة بالمعمودية وذاقوا الهبةَ السماوية وصاروا مشاركين في الروح القدس واستطابوا كلامَ الله الحسَن". وتتحدّث الرسالة إلى العبرانيّين (10: 32) عن المعمّدين فتقول لهم: "أذكروا الايامَ السابقة وكيف جاهدتم جهاداً طويلاً بعدما أنِرتم". وهناك مقطع من نشيد عماديّ يبيِّن لنا أنّ الكنيسة المسيحيّة الأولى اعتبرت العمادَ استنارة يقوم بها المسيح النور في المسيحي: "استيقظ أيها النائم وقُم من بين الأموات والمسيح يضيء لك" (أف 5: 14). ونجد هذا الموضوع في الانجيل الذي يصوِّر المسيحَ كالنور المسيحاني الذي يبدّد الظلمات ويشرق على الساكنين في عالم الموت (مت 4: 14؛ أش 9: 1). ويتوسّع يوحنا أيضاً في هذه الفكرة في إطار عماديّ محض. فالكلمة هو في نظره "نور البشر" (يو 1: 4) ومنه تصدر الحياة. إنه "النور الحقيقي" الذي "ينير كلّ إنسان" منذ الآن، ولا ينير الشعب اليهودي وحده (يو 1: 9). ويأتي خبر شفاء الأعمى منذ مولده ليشكّل كرازة عماديّة حقيقيّة، فيبلغ ذروته في كلام يسوع: "ما دمت في العالم، فأنا نور العالم" (يو 9: 5)، من هنا يتّخذ انفتاح عينَي الأعمى كلّ معناه. فهو يُتيح له، عبر حوار إيمانيّ يذكّرنا بأسئلة تطرح في رتبة العماد (يو 9: 35- 38)، أن يتعرّف إلى "مرسَل" الآب الذي غسل القذارةَ عن عينيه (يو 9: 7). منذ ذلك الوقت انفصل ذاك الذي شُفي عن شعبه. لقد صارَ ينتمي إلى عالم النور، إلى الكنيسة (يو 9: 23- 24). والكنيسة رأت في النور أكثر من خليقة برأها الله، فأقرّت أنّ يسوع هو النور الحقيقية وسجدت، أمامه كما فعل الأعمى بعد أن شُفي.
ج- العودة إلى الفردوس
العماد المسيحي هو خلق جديد ينقلنا من الظلمة إلى النور، وهو يفتح لنا أيضاً طريق الفردوس الذي أغلقته الخطيئة وحرسته الملائكة (تك 3: 24). ويبيّن لوقا (23: 42) أنّ موت آدم الجديد، يجعل الطريق الموصلة إلى جنّة عدن سالكة. فيسوع، وهو آدم الجديد، قد استطاع حالاً بعد عماده، أن يحيا في البريّة وسط الوحوش وأن تخدمَه الملائكة (مر 1: 13). وسيجمع التقليد فيما بعد المعمودية إلى الملائكة (عب 10: 19- 22).
ويقرّب يوحنّا (19: 34) موت المسيح على الصليب من رقاد آدم: فحوّاء الجديدة، أي الكنيسة، وُلدت من الجنب الذي طُعن بالحربة فخرج منه دمٌ وماء يرمزان إلى الافخارستيا والمعمودية. ومنذ ذلك الوقت خرج نهر الحياة الذي يرمز إلى حياة الثالوث السريّة، خرج من عرش الله والحمل (رؤ 22: 1- 2؛ تك 2: 10؛ حز 47: 1- 12). خلق جديد، بنية ثالوثيّة للعبور، جَمْع بين الماء والروح، كلّ هذا يُشير إلى البُعد العماديّ في موضوع الفردوس. ويستعيد بولس الرسول هذا الموضوع بطريقته فيصوِّر المعمودية كطقس زواج (أف 5: 25- 28). إن "العروس المزيّنة لعريسها" (رؤ 21: 2) هي الكنيسة التي قدّسها المسيح "حين غسلها بغسل الماء الذي ترافقه كلمة".
ويرتبط أيضاً بموضوع الرجوع إلى الفردوس رمزٌ نجده في المعمودية: رمْز خلع الانسان العتيق ولبس الانسان الجديد. فقبل الخطيئة عاش الرجلُ والمرأة عريانين، الواحد تجاه الأخرى دون حياء (تك 2: 25). فالعماد يعرّي الخاطىءَ من فساد الشهوات ليلبسه المسيح: يدمّر فيه جسدَ الخطيئة، وبتيح لحياة المسيح أن تمتدّ (روم 6: 6؛ غل 3: 27). وتتضمّن هذه الحياة العماديّة نمواً مستمراً وتجدّداً متواصلاً من أجل إعادة صورة الله.
قال بولس الرسول: "خلعتم الانسان القديم وخلعتم معه أعماله، ولبستم الانسانَ الجديد، ذاك الذي يسير إلى المعرفة الحقيقيّة حين يتجدّد على صورة خالقه". (كو 3: 9- 10). المعمودية هي عودة إلى البراءة الأولى، وهي تفرض علينا أن نحفظ ثوب العرس بلا دنس (مت 22: 11- 12؛ 2 كور 5: 3- 5).
فالعودة إلى الفرودس التي دشّنها الطقس العماديّ لن تتمّ إلاّ بعد حياة مقدّسة وجديرة بالخليقة الجديدة التي حقّقها المسيح فينا.

3- الطوفان والمعموديّة
انّ حدث الطوفان الذي يوازي في تفاصيل عديدة خبرَ الخلق، قد أثّر هو أيضاً على رموز العماد المسيحيّ. أكّد خبر الخلق سيادة الله على قوّة المياه مع ما فيها من التباس. فمنها خرجت الحياة. ولكنّها ستحمل الموت أيضاً. ففي هذا الكون الذي يتصوّره الكاتب محاطاً بالمياه، أيقظت كارثة الطوفان الخوف من "الغمر العظيم"، من المياه التي تفجّرُ كل شيء. فأمام فساد كل بشر، عزم الله على وضع "حدّ" لعمله. فلقد كانت الكارثة من القوّة بحيث زعزعت الثقة باستمرار الخلق. كيف التعامل مع هذا الخلق؟
أ- "أنا أقيم عهدي معك" (تك 6: 18)
يقول الكاتب بلغة بشريّة إنّ الله حين رأى فوضى العنف، ندمَ لأنه خلق الانسان (تك 6: 6). ولكنّه لم يرد أن يعيد خليقته إلى العدم. ثمّ إنّ عدالة الله ليست عمياء. فهناك نوح الرجل البارّ الذي يسلك مع الله ويسير بحسب وصاياه (تك 6: 9)، ولهذا قال الله له: "أقيمُ عهدي معك". وهكذا اتّخذ الخلاص شكل التزام مجاني. اتخذ الله المبادرة فيه.
فالله في حريّته الكاملة أعلن زمن نعمة من أجل نوح وأبنائه (تك 9: 1- 17). وهكذا تحوّل حدث الطوفان، فلم يعد "نهاية" كل شيء، بل حدّاً فاصلاً بين تدبيرين. تدبير خرج من الخلق الأولى وانتهى بحكم الله على العالم الخاطىء. لم ينج من سيول المياه إلاّ بقية قليلة دخلت دخولاً احتفالياً إلى السفينة فكانت بذار الخليقة الجديدة (تك 7: 3؛ 15- 23). وبعد الطوفان "تذكّر" الله الباكورة التي خلّصها وجعل الارضَ مأهولة من جديد (تك 8: 1). وهكذا تميّز التدبير الثاني باحتفال ليتورجي دشّن بداية الحياة مرّة أخرى على الارض: "أخرج جميع الوحوش والطيور والبهائم التي معك لتنمو وتكثر في الأرضي" (تك 8: 17).
فبين حقبة مثاليّة من الكمال الأول وحقبة وجودية يعلن عنها الكاتب، نجدُ نوحاً وعياله: إن خلاصهم يشهد من أجل إله يكشف في الوقت عينه، عن عدالته ورحمته. وهذه الرحمة هي التي نجّتهم من الحكم بالموت بواسطة الطوفان.
ب- "لا يكون بعد اليوم طوفان" (تك 9: 11)
ولكن الطوفان ترك تذكّرات تعيسة لدى الشعوب. لا شكّ في أن التوراة احتفظت بالوجهة الإيجابيّة والخلاصيّة من هذه الكارثة التي احتفظت ببقيّة في شخص نوح (سي 44: 17- 18). وستُشَبَّه عودةُ بني إسرائيل من السبي بهذا البعد الخلاصيّ للطوفان (أش 54: 7- 9). ولكنّهم لن يستطيعوا أن ينسوا التهديد الخطير الذي يشكّله مثلُ هذا العقاب على العالم. وهكذا تتوضّح فكرة هامّة وهي أن آخر مرحلة في مراحل وجود العالم، تشبه طوفاناً جديداً: "كما حدث في أيام نوح كذلك يحدث في مجيء ابن الانسان" (مت 24: 37).
إنَ تنبيه يسوع هذا في الانجيل، يدلّ على الطابع المفاجىء وغير المنتظر لدينونة تصيب كلّ الذين لم يؤمنوا به. ويتوسّع لوقا (17: 26- 30) في هذا الموضوع: نحن أمام الأيام الأخيرة في الدينونة الإلهية عينها التي ظهرت في طوفان الماء في أيام نوح، وفي طوفان النار في أيام سدوم. ولكن يسوع سيوضح بما يقوم دوره: "جئتُ لألقي على الأرض ناراً، وكم أرجو أن تكون اشتعلت! وعليّ أن أقبل معمودية، فأيّ كرب أعانيه حتّى تتمّ" (لو 12: 49- 50).
نجد رسمة سريعة عن مصير يسوع كله في هاتين الآيتين. إنّه حقّاً ذلك الذي يحقّق الدينونة في آخر الأزمنة، إنّه المسيح الذي يعمّد في النار (مت 3: 10- 14). ولكن عليه أوّلاً أن يمرّ في عماد آخر، في غطس في الألم والموت على مثال عبد الله المتألّم الذي يكمل صورته. ولاهوت العماد الأسراري، الذي يصوّره القديس بولس غطساً في موت المسيح، يشكّل توسيعاً لما قاله يسوع: "أتجهلون أنّنا، وقد اعتمدنا في يسوع المسيح، إنّما اعتمدناه موته. إنّا دُفنّا معه بالمعمودية في الموت فنحيا نحن أيضاً حياة جديدة على مثال المسيح الذي أقيم من بين الاموات بمجد الآب" (روم 6: 3- 4). وسيفسّر الجيل المسيحي الأول طقس ماء العماد على ضوء المدلول البيبلي للطوفان. فالعماد المسيحيّ يحمل الآن الخلاص لبقيّة نهاية الأزمنة، ولكنّه يعلن أيضاً الدينونة الآتية.
ففي نشيد عمادي يعرض القديس بطرس (1 بط 3: 18- 22) النتائج الكونيّة لموت المسيح وقيامته. والعماد الذي هو عمل خلاص جذريّ يكمل حدث الطوفان ويشكّل امتداد تدبير النعمة الشامل الذي دشّنه نزول المسيح إلى عالم الموتى.
ويعرض بطرس ( بط 3: 3- 10) الوجهَ المظلم لهذا التعليم: لقد صبرَ الله إلى الآن، لقد أخّر مجيئه الأخير ليُتيح للخطأة بأن يتوبوا. فمن استخفّ بتهديدات نهاية الأزمنة يُخطىء خطأ جسيماً. فكما كان في البدايات طوفان أوّل أهلكَ عالم "الأشرار"، هكذا ستعرف نهاية الأزمنة طوفاناً جديداً بالنار. والنار تدلّ على حضور الله.
ويذهب سفر الرؤيا أبعد من طوفان النار الذي يضع حدّاً للعالم الحالي فيعلن العالم النهائي، عالم الخليقة الجديدة. حينئذٍ يُعيد البحر الموتى الذين احتفظ بهم، ثمّ يزول هو مع قوى الدمار التي كانت مختفية في الماء. وستكون "سماء جديدة وأرض جديدة" (رؤ 20: 13؛ 21: 1).

خاتمة
كان باستطاعتنا أن نتوقّف عند صورة ابراهيم أبي المؤمنين وعند موسى الذي عبرَ الشعبُ معه البحر الأحمر، ويشوع الذي عبر نهرَ الأردن. في الكتاب غنى متشعّب لرموز العماد المسيحي. فالمياه خليقة الله وأداة نعمته، تعطي البعض الحياة وتقتل البعض الآخر. إنها علامة عمل الروح المطهّر في آخر الأزمنة.
منذ الخلق، نستطيع أن نكتشف عمل الله الخلاصيّ بكلمته القديرة التي تفصل النور عن الظلمة، وبروحه الذي يُخصب المياه. وهكذا نفهمُ أنّ العماد هو خلق جديد واستنارة يقوم بها ذاك الذي هو نور العالم. وعودة إلى الفردوس لنعيش مع الملائكة بعد أن عادت إلينا البرارة الأولى.
ونرى عبر خبر الطوفان مخطّط الله ينطلق انطلاقة جديدة. فدينونة العالم بالمياه تدلّ على دينونة أخرى: دينونة بالنار تتمّ في نهاية الأزمنة ويشير إليها سرّ العماد الذي يجهل الخلاص.
ويذكّرنا إيمان ابراهيم بأنّ العماد هو علامة إيماننا بالمسيح. وموضوع الخروح وعبور الأردن يدلّ على خلاصنا بالماء، وعلى مفارقة الحياة العمادية: هي نعمة من العلاء وهي مهمّة الانسان. هي حياة تتوجّه إلى ملكوت ينفتح أمامنا، ولكنها حياة يريدنا الله ان نتمسّك بها حين نعيش حياة يسوع، حين نموت معه في موته لنقوم معه في قيامته.
الفصل الخامس والعشرون
الطفولة في الكتاب المقدس

يتضمّن الكتاب المقدّس عدداً من أخبار ولادة شخص من الأشخاص. ولكنه لا يتوسّع كثيراً في الحديث عن طفولة أبطاله. سنتوقّف هنا على نموذجين مأخوذين من العهد القديم. نجد فيهما بعض التماسك بين الواقع المرويّ والتعليم الذي نقدمه. كما نكتشف بيئة أساسيّة مشتركة. كما أننا نستطيع أن نجعل التعليم في كلمة واحدة: التعاكس (أو تبديل الاتجاه). تنطبع هذه المسيرات في بدايتها بالضعف. والله هو الذي يحقّق بقدرته صعود الذين سلّم إليهم مهمّة فريدة في تحقيق مخطّطه. غير أن انتصار الله هذا لا يفترض انفعاليّة (هو لا يفعل شيئاً، بل الله يفعل فيه) الانسان وجموده. ففي كل هذه الحالات، يشرك الانسان عقله وإيمانه وشجاعته في المشروع الذي يتجاوزه. وبعد أن نتعرّف إلى هذه النماذج الأربعة التي نأخذها من العهد القديم، نتأمل في أخبار طفولة يسوع في الانجيل وعلاقتها بهذه النماذج.

1- موسى وصموئيل
أ- موسى
إن خبر موسى الناجي من المياه (خر 2: 1- 10) هو كل ما ترويه لنا التوراة عن طفولة مشترع اسرائيل. وهذا الخبر يلي قرار إفناء عام أصدره فرعون. فشلَ الملك في محاولة أولى بسبب حيلة القابلتين، فأمر المصريّين بأن يلقوا في النيل كل ذكر يولد عند العبرانيين. وهكذا أعدّ كل شيء من أجل تدخّل الله ليخلص العبرانيين.
ولكن الخبر يبدأ بشكل بسيط.
ويكون الفاعل الأول "رجلاً" نعرف عنه الشيء القليل: هو من قبيلة لاوي. إذن عبراني. تزوج إمرأة من قبيلته (سنعرف اسم الرجل والمرأة فيما بعد) (خر 6: 20). ويلي هذه البداية البسيطة ما هو معروف في العالم: حبلت المرأة وولدت إبنها الأول.
كان الولد جميلاً (طوب في العبرية: لذيذ، حلو، حسن). إذن، لا بدّ من تخليصه. ولكن الطفل لا يولد صامتاً، وصراخه يسترعي الانتباه. ونندهش حين نعوف أن الأم انتظرت ثلاثة أشهر لتعي الخطر الذي يحدّق بالولد. ولكن الرقم هو رقم رمزيّ ومقولب، وهو يشير إلى أطول مدة استطاعت فيها الأم أن تخفي الطفل.
وتزايد الخطر، فلا بدّ من مخرج. فصنعت الأم الحكيمة صندوقاً يشبه "فلك" نوح (الكلمة العبرية لا ترد إلا هنا وفي خبر الطوفان). وكما طلى نوح فلكه بالزفت (تك 6: 14)، كذلك فعلت أم موسى: غطّت الصندوق المصنوع من البردي بالزفت والحمر، لئلا يغرق الولد. وجعلت على الصندوق غطاء (2: 6)، ثم وضعته على جانب النهر وسط القصب.
هل ستتخلّى الأم عن ابنها؟ نحن متأكّدون أنها لن تتركه وهي التي اهتمت كل هذا الاهتمام بصنع الصندوق. فقد جعلت أخت الطفل قريبة منه لتعدم ما يحدث له. وهكذا ننتقل مع الأخت من علاقة الأم بالصبي، إلى علاقته بابنة فرعون. فالأخت الواقفة بين القصب ستعمل لا لينجو الطفل من الموت وحسب، بل ليصل إلى وضع رفيع يتفوّق به على البدايات القاسية التي عرفها.
وصلت ابنة فرعون مع خادماتها لتستحمّ، فأثار انتباهها الصندوق الذي يطفو على الماء. جاءت به خادمة وفتحته، فرأت "صبياً يبكي". قد نفترض أن الطفل ظلّ صامتاً والمياه تهزّه كما في السرير. ولكن حين فتحت "السلّة" جاء النور فانتزع الولد من هدوئه فأخذ يبكي. أما شعور الشفقة عند الأميرة فهو شعور أنثويّ يهيّىء الدرب لما سوف تفعل. أما الآن، فقد عرفت الأميرة أن "هذا من أولاد العبرانيين". وكيف عرفت ذلك؟ يقول المدراش (خبر في درس تقويّ): كان الطفل مختوناً. كان التفسير يعتبر أن العرانيين تميّزوا عن المصريّين في الهيئة الخارجيّة. ولكن أعجب من كل هذا، هو أن نلاحظ أن الأميرة عرفت بقرار أبيها، ومع ذلك وهي ستتعدّى هذا القرار فتنجّي الولد ولا تقتله.
وستساعد أخت الصبي الأميرة: سترضع الولد أمه، وسيُدفع لها أجر فوق ذلك. يبتسم القارىء حين يرى أعمال البشر. قالت الأميرة للأم: "أرضعيه لي"، فدلّت على أن الولد هو لها وهو يخصّها.
وحين كبرُ الصبي، حملته أمّه إلى قصر الأميرة، لا ليكون واحداً من الخدم بل لينعم بوضع خاص. فالتي أحسنت إليه تبنّته (كانت العادة معروفة في التوراة، أقلّه داخل العائلة، تك 30: 3؛ 48: 5- 12؛ 50: 23)، وأعطته إسماً. سمّي "موسى"، لأنه "نُشل من الماء". اشتقاق بيبلي لا يهتمّ بأسس اللغة. (الاسم مصري ويعني إبن راجع تحو تمس أي إبن تحوت. أو رعمسيس، ابن رع). الأم هي التي تعطي إسماً لابنها. وهذا يعني أن التبنّي كان كاملاً. فابن العبرانيين المحكوم عليه بالموت بقرار من ملك مصر، صار ابن ابنة الفرعون.
وهكذا ينتهى هذا الخبر العجيب (هو قريب من خبر سرجون الأكادي، القرن 23 ق. م.). فلا تقول لنا التوراة شيئاً أكثر من هذا عن طفولة موسى. وسيكمّل التقليد اليهودي هذه اللوحة، كما يوردها اسطفانس حول طفولة موسى وتربيته: "تعلّم حكمة المصريّين كلها" (أع 7: 23).
أي تعليم دينيّ نستخلص من كل هذا؟ يبدأ تحقيق مخطّط الله في شعبه بشكل سريع العطب. إنه يُسند إلى طفل ضعيف يتهدّده بالموت ملك قدير. هو يصارع في "سلّة" حقيرة خطر الموت غرقاً في المياه. أي نجاح ينتظر محاولة أمه؟ ولكن ما بدا مستحيلاً في نظر البشر صار ممكناً في نظر الله. فالذي سيقود شعبه إلى الحريّة سيفيد من أعمال الله العجيبة منذ طفولته. والمخلّص سينعم منذ البداية بخلاص الله. مرّ في النيل وهو طفل، وسيكون له أن يعبر البحر من أجل خلاص عظيم يظهر عناية الله بأبهى مظاهرها. الله تدخّل بنفسه ليخلّص مختاره من مياه النيل، وليخلّص شعبه من البحر الأحمر فيجدّد انتصاره الأول على المياه حين تظهر اليابسة (تك 1: 9- 10؛ مز 74: 13- 14).
أجل، الله يقوم بعمل عجيب جداً. ولكنه لا يقوم بعمله إلا بمشاركة البشر. وهنا، نجد النساء يشاركن الربّ في خلاص سيتم لموسى: القابلات الحكيمات، أمّ موسى وابنتها، وأخيراً ابنة الفرعون التي كانت أداة بيد الله دون أن تدري.
ب- صموئيل
كان صموئيل خادم المعبد ومقدّم الذبائح. كان ذلك الذي يقضي في الناس، ويحافظ على حقّ الله في شعبه. هو الرائي بل النبيّ الذي فرض نفسه من دان إلى بئر سبع (1 صم 3: 19- 21)، أي من شمال البلاد إلى جنوبها، ولكننا نتوقّف على طفولته.
هنا نقرأ الفصول الثلاثة الأولى من سفر صموئيل الأول. الاطار هو معبد شيلو (في الشمال، بين بيت إيل وشكيم). في هذا المعبد سيسمع صموئيل نداء الله لذلك الذي سيقرُّ به كل اسرائيل كنبيّ الله الحقيقي من دان إلى بئر سبع.
نجد ثلاثة أحداث تتقاسم الخبر كما نقرأه في النص البيبلي النهائي. يروي الأول ولادة صموئيل، والثاني يقابل بني ابني عالي الشريرين والولد صموئيل، وكلهم يقومون بخدمة المعبد. والثالث يحدّثنا عن نداء الله لصموئيل خلال تلك الليلة التي ستطبع بطابعها حياتَه كلها.
أولاً: ولادة صموئيل
نجد ثلاثة عناصر في ولادة صموئيل. الأول: هذا أمر مستحيل على البشر. فحنة أمّ البطل هي عاقر. الثاني: ويتدخّل الله فيكون تدخّله جواباً لصلاة ونذر نذرته حنّة. "إن رزقتني مولوداً ذكراً، فأنا أكرّسه لك كل حياته" (1 صم 1: 11). الثالث: وأنشدت حنّة نشيد شكر لله ستستعيد مريم العذراء بعض عناصره. مخطّط الله في وسط شعبه سينجح بقدرة الله. وسيكون دور صموئيل كبيراً حين ينقل الشعب من فوضى زمن القضاة إلى النظام الملكي.
عرفت التوراة موضوع العقم لدى نساء عظيمات، وسيقول الكتاب: تذكّر الرب سارة، راحيل (تك 16: 1؛ 29: 18)، كما تذكّر حنّة، أمّ صموئيل (1 صم 1: 5). وهو لم ينس أم شمشون (قض 13: 2- 3)، كما لم ينس أليصابات، أم يوحنا المعمدان (لو 1: 7). فالمرأة العاقر تعرت الذلّ والاحتقار. هذا ما حدث لسارة زوجة إبراهيم، بسبب هاجر. وهذا ما حدث لحنّة من ضرّتها فننّة. ويشدّد الكتاب على وضع الذل هذا ليبرز أهمية الولد الذي سيولد حسب مخطّط الله الذي يتغلّب على الحواجز الطبيعيّة.
صلّت الأم، نذرت نذراً. ورغم معارضة خادم المعبد، تلقّت كلام التعزية. ولما ولد الولد، كانت حنّة أمينة لما وعدت به الله. سمّت الصبي "صموئيل" لأنه ابن السؤال والطلب. سألت فنالت.
ثانياً: صموئيل وابنا عالي
نجد في 1 صم 2: 11- 36 لوحة عن ابني عالي تتبعها لوحة أخرى عن صموئيل وأسرته. استفاد ابنا عالي من وظيفتهما من أجل الإفادة الماديّة. لهذا جاء نبي يهدّد الوالد وولديه بموت مريع. أما صموئيل فكان سلوكه مثالياً. حظي برضى الله وعطف الناس (1 صم 2: 26) فاستعدّ لتقبّل نداء الله، ولممارسة الدور الحاسم الذي سيلعبه لدى الملك والشعب.
ثالثاً: وحي الله لصموئيل
ما هو الفن الأدبي لهذا الخبر (1 صم 3: 1- 21)؟ قد نكون أمام نداء نبويّ كما نقرأ في أ 20. ولكن لا نجد مهمّة محدّدة ستُلقى على عاتق صموئيل. هو سيعلن العقاب الذي يحلّ بعالي وولديه دون أن يكون له أيّة مسؤوليّة في ذلك. لهذا نحن بعيدون عن نداء الله لعاموس (7: 5) أو أشعيا (6: 5) أو إرميا (1: 17). هل نحن أمام حلم يحدّث فيه الله صفيّة كما نجد مثلاً في تك 28: 11- 17 (يعقوب في بيت إيل)؛ 46: 1- 5. غير أن النصّ لا يقول لنا إن صموئيل استيقظ من نومه. هذا يبقى سّر الله مع أحبّائه.
نحن أمام وضع خطير. الولد متمدّد قرب تابوت العهد حيث يشتعل المصباح طوال الليل. وهو ينتظر الساعة التي فيها سيفتح أبواب الهيكل. واستفاد الله من خدمة صموئيل، فجاء إليه في موضع حضوره وسط شعبه. رأى الصبيّ الله وسمع صوته، ساعة كانت الرؤى نادرة والكلمات عزيزة. وضع مخيف دلّ فيه الله على عدم رضاه (عا 8: 11- 12). في هذا الوضع توجّه نداء الله إلى من لم يختبر حضوره بعد. لهذا خلط بين صوت الله وصوت الكاهن الشيخ المتمدّد في مكان قريب. واحتاج النبي إلى ثلاثة نداءات: فالانسان يتعلّم هكذا كيف يقترب من الله ويتسلّم المهمّة التي يوكله بها.
ستكون لصموئيل الشجاعة والتواضع كي يتقبّل هذه المهمّة فيبدأ النظام الملكي مع شاول ثم مع داود. وسيضع وهو الخائف وعديم الخبرة (1 صم 3: 15) نفسه بتصرّف الله، ويخضع مسبقاً لما سيطلبه منه. أنا سامع، يعني أنا طائع. لا يعترض ولا يتهرّب. ولكن من خلال ملامح هذا الصبي ترتسم منذ الآن الجديّة بل الطابع المأساوي لما سيعيشه في معبد شيلو.

2- يسوع
حين نصل إلى طفولة يسوع كما يرويها انجيلا متى ولوقا، لا نترك العهد القديم إلاّ جزئياً. فهاتان النسختان المستقلّتان الواحدة عن الأخرى، تتحدّثان عن ولادة يسوع وسنواته الأولى. وتستقي كل منهما بطريقتها الخاصّة في الكتب المقدّسة، فتعبرّ عن الرباط الجوهريّ بين أصول المسيح يسوع وما وجدت هذه الأصول من تهيئة لها في شعب الله. وفي الوقت عينه يمتدّ هذان الخبران (مت 1- 2؛ لو 1- 2) في ما يلي من الأناجيل، بل يصل مع لوقا إلى سفر الأعمال. فالأشخاص والأحداث والمواضيع اللاهوتيّة تتوارد فنجد فيها الأفكار الرئيسيّة التي سيتوسّع فيها كل من متى ولوقا حين يتحدّثان عن حياة يسوع العلنيّة. لم يكتبا سيرة يسوع الطفل وكأنّهما أرادا أن يملآ فراغاً، كما فعلت الأناجيل المنحولة (أو المكتومة). بل استفادا من المناسبة ليلقيا الضوء على أصل ومصير ذلك الذي يعترفون به مسيحاً وابن الله، الذي مات على الصليب وقام. إنهم يتأمّلون في شخصه منذ البداية على ضوء خبرة القيامة وحلول الروح القدس وبداية الكنيسة.
ولا نستطيع أن نُجمل الأفكار التي نجدها في هذين الخبرين عن طفولة يسوع. لهذا سنحاول أن نبرز عبر بعض الأمثال تأثير أخبار الطفولة البيبليّة على الخبرين اللذين كرّسهما لوقا ومتى لميلاد يسوع وطفولته.
حين تحدّث متى (أو سابقه) عن مقتل أطفال بيت لحم، استلهم خبر موسى. فالملك هيرودس حلّ محلّ فرعون الذي قرّر أن يهلك كل ذكر لدى العبرانيين. وكما احتالت القابلتان على فرعون، هكذا بدّل المجوس طريقهم فعزم هيرودس في غضبه بأن يقتل كلّ طفل في بيت لحم وجوارها. نجا موسى من الموت، ونجا يسوع مثله.
واستقى لوقا عناصر من خبر صموئيل ليؤلّف خبر الطفولة. فعقم أليصابات، أمّ يوحنا المعمدان، يذكّرنا بعقم حنّة أمّ صموئيل. ثم ان الإطار العبادي بين البشارة بصموئيل والبشارة بيوحنا المعمدان يجمع خبر لوقا بخبر صموئيل. فمعبد شيلو يقابل هيكل أورشليم حيث يبدأ الانجيل وحيث ينتهي (لو 24: 53). في الهيكل بُشرّ زكريا بولادة يوحنا المعمدان، وفي شيلو تأكّدت حنّة أنه سيكون لها ابن (1 صم 1: 17). سنجد يسوع مرتين في الهيكل: مرة حين تقدمة البواكير (نعيّده في 2 شباط)، ومرة حين سيحجّ مع والديه إلى أورشليم وهو ابن إثني عشر عاماً. فهذا الحج يذكّرنا بحج القانة (والد صموئيل) كل سنة مع أسرته إلى معبد شيلو. وكما كبر صموئيل وحاز على رضى الربّ والناس (1 صم 2: 26)، هكذا كان يسوع يكبر. فقد استقى لوقا عبارتين ترتبطان بالعهد القديم لتعبرّا عن واقع يسوع: "وكان يسوع ينمو ويتقوى ويمتلىء بالحكمة، وكانت نعمة الله عليه" (لو 2: 40). "وكان يسوع ينمو في القامة والحكمة والنعمة عند الله والناس" (لو 2: 52). ثم إن نشيد التعظيم الذي أطلقته مريم (تعظّم نفسي الربّ) يعود إلى نشيد حنّة ليعبرّ عن تبدّل الوضع الجذريّ بفضل تدخّل الله.
هكذا يدلّ لوقا بعودته إلى العهد القديم، على تواصل حقيقي بين جديد الإنجيل وعمل الله وسط شعب التوراة. أما متى فأبرز تتمّة النبوءات (كان هذا ليتمّ) في حياة تعلن منذ بدايتها المأساة المقبلة. لا يجهل لوقا ما سوف يصيب الطفل (لو 2: 35)، ولكنه يدلّ بتلميحات خفيفة أن الله هيّأ كل شيء بنظام وتناسق: أحاط بالطفل مؤمنون من شعبه، فعمل بالشريعة وفرحت به نخبة شعبه وتعجّب به العلماء.

خاتمة
من خلال طفولة موسى وصموئيل اكتشفنا شخصيتهما. فحين يكلّم الله صموئيل لم يعد قطّ ذلك الصبي الذي يفتح الأبواب ويلاحظ سراج الله. فمنذ ذلك الوقت رأى فيه بنو اسرائيل "نبيّ الربّ" وحامل كلمته. وسنرى في حماية الله البعيدة أن موسى سيكون قائد شعبه إلى الحريّة.
وهذا ما نقوله عن يسوع الذي عاش طفولته وصباه، شأنه شأن كل أولاد عصره، فعرف الخضوع لوالديه (لو 2: 51). كم نحن بعيدون عن الأناجيل المنحولة التي أرادت أن تُخرج يسوع من عالمه وتجعله يجترح المعجزات منذ طفولته! ولكن سنرى كيف تتوجّه حياة يسوع منذ عمر مبكر. ترك والديه وقال لهما: "أما تعلمان أنه يجب أن أكون في بيت أبي" (أو لما هو لأبي)؟ إذن، خرج من المنزل العائلي واتّخذ له منزلاً آخر. وخضع لسلطة أخرى ستحدّد حياته وأعماله. وهذه السلطة هي سلطة الآب التي سيخضع لها. إن خبر طفولة المسيح هو نتاج تفكير لاهوتي طويل. فعبره نكتشف يسوع المسيح وسّره، نكتشف حياته وموته وقيامته.
الفصل السادس والعشرون
سر الافخارستيا أو القربان المقدس

سر الإفخارستيا هو في قلب الحياة المسيحية. تأسّس خلال العشاء الأخير، فاحتفلت به الكنيسة الأولى منذ البداية. وهو يتضمّن في شكل من الأشكال كل غنى الخلاص بواسطة المسيح. أما موضوعنا فيتوقف عند نصوص التأسيس، عبر الاطار الفصحي، وعند معنى الفصح المسيحيّ. ونتذكّر العشاء الأخير فنجعله في إطاره التاريخي لنفهم بُعد الأقوال التي تلفّظ بها يسوع والاعمال التي قام بها.

1- النصوص
هناك أربعة نصوص تتحدّث عن الافخارستيا: ثلاثة في الأناجيل الإزائية، ورابع في رسالة القديس بولس الأولى إلى أهل كورنتوس (11: 23- 25): "فأنا من الربّ تسلّمت ما سلّمته إليكم، وهو أن الربّ يسوع في الليلة التي أسلم فيها أخذ خبزاً وشكر وكسره وقال: هذا هو جسدي، إنه لأجلكم، إعملوا هذا لذكري. وكذلك أخذ الكأس بعد العشاء وقالت: هذه الكأس هي العهد الجديد بدمي كلما شربتم. فاعملوا هذا لذكري".
ويَردُ خبر العشاء في مت 26: 26- 28: "أخذ يسوع خبزاً وباركه وكسره وناوله لتلاميذه وقال...". كما يَردُ في مر 14: 22- 25 في خطّ ما قرأنا في إنجيل متى. وفي لو 22: 19 نقرأ: "أخذ خبزاً وشكر وكسره وناولهم وقال: هذا هو جسدي الذي يبذل لأجلكم. إعملوا هذا لذكري".
وحدّثنا يوحنا أيضاً عن العشاء الأخير الذي أخذه يسوع مع أخصّائه ليلة آلامه (يو 13: 17). ولكنه لم يشُر إلى تأسيس الافخارستيا. أيكون قد اكتفى بما قاله سابقوه، فتوسّع بالاحرى بمواضيع أخرى تدلّ على حبّه المتسامي: غسل الأرجل والوداع الأخير. ونزيد أنه تكلّم عن الافخارستيا في نصّ يرد بعد تكثير الخبز (يو 53: 58): "من أكل جسدي وشرب دمي فله الحياة الأبديّة. جسدي هو طعام حقيقي، ودمي شراب حقيقي من كل جسدي وشرب دمي يثبت فيّ وأنا فيه".
إن الأخبار الأربعة (عن تأسيس الافخارستيا) كما نجدها عند الإزائيين والقديس بولس، لا تشكّل أربعة مراجع يستقل فيها الواحد عن الآخر. إن نصّ متى يرتبط بنصّ مرقس، ونصّ لوقا هو نتيجة بناء تدويني جمع فيه الانجيل الثالث تقليد مرقس وتقليد بولس (1 كور) ليصل إلى توازٍ رائع يقابل فيه الفصح اليهودي بالفصح المسيحي، ويُحلّ محل الحمل والكأس في الطقس القديم (لو 22: 15- 18) الخبز والخمر في الطقس الجديد. نحن هنا في جوّ العهد الجديد. وذبيحة يسوع (دمه) تدشّن زمن الخلاص.
ويبقى أمامنا شاهدان، مرقس وبولس. لا نجد ارتباطاً أدبياً مباشراً بين النصّ والآخر. بل نحن أمام تقليدين متوازيين يشاركان في سمات مشتركة، لأنهما يعودان إلى ينبوع مشترك. ومن يمثّل هذا الينبوع أفضل تمثيل؟ مرقس. فالرنة الآرامية تدل على أصل فلسطيني عتيق جداً. أما بولس فهو ينقل تقليد كنيسة هلنستية (تحضّرت بالحضارة اليونانية) مثل أنطاكية أو غيرها من المدن اليونانية.
ثم إن نصَّي مرقس وبولس يمثّلان تقليدين لتورجيين: فالخبران اللذان نجدهما يوردان الكلمات التي كانت تقال في جماعة أورشليم أو في جماعة انطاكية، حين يعيد المسيحيون ما عمله يسوع وقاله في الليلة التي أسلم فيها. حين نقرأ نصّ بولس نجد أننا أمام نصّ تقليدي وثابت: "أنا من الربّ تسلّمت ما سلّمته إليكم" (1 كور 11: 23؛ رج 15: 3). كما أن الشرّاح لاحظوا أن مر 14: 22- 25 لا يتكيّف تكيّفاً تاماً مع الإطار الآنيّ. فإن آ 22 تعيد ما قيل في آ 18. وغياب أي تلميح إلى الحمل الفصحي يدهشنا بعد الاستعدادات في آ 12- 16 (عيد الفطير، تذبح الحملان، عشاء الفصح).
نجد عند مرقس وبولس نصّاً مجرّداً من كل الصور، نصّاً اكتفى بجوهر الأمور وتحاشى التوسّعات، نصاً لم يتوخّ أن يورد تفاصيل العشاء الأخير. نحن لسنا أمام تحويل الأمور وتشويهها، بل أمام تبسيط وإيجاز. حين كرّر المسيحيون الأولون عشاء الرب، احتفظوا فقط بالفعلات الهامة، أي تلك التي حمّلها يسوع قيمة جديدة بعد أن أغفل كل ما تعدّاه الزمن على مستوى الطقس القديم. هذه الملاحظة الأدبيّة مهمّة على صعيدين: الأول نكتشف في نص لوقا أو بولس التعابير التي استعملتها الجماعات الأولى للاحتفال بالافخارستيا، وهكذا نتيقّن من صحّة هذه النصوص وسلطتها على مستوى الايمان. الثاني، حين نعتبر أن هذه التعابير لا تظنّ أنها تستطيع أن تقول لنا كل ما حدث في عشاء يسوع الأخير، نسمح لنفوسنا أن نبحث عن الإطار التاريخي الذي فيه تدخل هذه التعابير والذي منه تتّخذ كامل معناها. وبعبارة أخرى، نحن مدعوّون إلى الرجوع إلى ما وراء الاحتفال الليتورجي لنصل إلى الواقع الملموس لعشاء يسوع الأخير.

2- الإطار الفصحي
لا شكّ في أن عشاء يسوع الأخير جرى في مناخ العيد الفصحيّ. وقد استفاد المعلم من هذه المناسبة ليؤسّس هذا الطقس الجديد. فلا بدّ من وضع كلمات يسوع وفعلاته في إطار الفصح اليهوديّ لكي نفهم معناها كله.
تخبرنا الوثائق اليهوديّة القديمة كيف كان يتمّ هذا الطقس السنويّ الهامّ. كانوا يجدّدون بواسطة وليمة تذكريّة العشاء الذي أخذه العبرانيون حين كانوا في مصر، وخلال الليلة الشهيرة التي فيها خلّص الربّ شعبه من عبوديّته الطويلة. طعام أخذوه بسرعة، كانوا واقفين، أحقاؤهم مشدودة. نعالهم في أرجلهم، عصيّهم في أيديهم وهم يستعدّون للسفر (خر 12: 11). أما اليوم فهم أمام طعام احتفالي يأخذونه وهم متمدّدون على الأسّرة كأناسٍ أحرار لا كعبيد. تظهر فرحة النجاة بعظمة الوليمة وبمدلول مختلف المراحل التي تفسّرها كلماتٌ موافقة. في البداية يُباركُ العيد وتُبارك الخمرة الموضوعة في كأس أولى. ثم يغسلون اليد اليمنى ويأكلون (قبل الطعام) أعشاباً مرّة يغمسونها في صلصة مالحة ويمضغونها على مهل فيتذكّرون سنوات العبودية. بعد هذا يجيء القسم المهمّ في العشاء. ولكن قبل البداية، يذكر رب العائلة معنى العيد ورمزيّة الأطعمة المختلفة التي تؤكل فيه: الخبز الفطير يذكّرهم بالخبز الذي لم يختمر ليلة الخروج بسبب العجلة في الرحيل. والحمل يعود بهم إلى الفصح الأول حيث الدم الموضوع على أبواب البيوت حفظَ العبرانيين من الملاك المدمّر (خر 23: 12). والخمر ترمز إلى الفرح والشكر المقدّم لله بسبب إحساناته. وبعد هذا الارشاد الذي يتوسّع فيه رب البيت قدر ما يشاء، كانوا يتلون القسم الأول من مزامير الهلل، ثم يشربون كأس خمر ثانية وبغسلون أيديهم. حينئذٍ يبدأ العشاء الرئيسي الذي فيه يؤكل حمل الفصح والخبز الفطير. كان رب العيلة يُبارك الخبز ويكسره ويوزّعه على المدعوين. وفي النهاية يبارك كأساً ثالثة تمرّ على المدعوين. وهكذا ينتهي العشاء الفصحي بصلاة الهلل: "لا لنا يا رب لا لنا، لكن لاسمك أعطِ المجد من أجل رحمتك وأمانتك" (مز 115- 118).
نستطيع أن نضع تذكّرات الانجيل في هذا الاطار من الطقس اليهودي. فإعلان خيانة يهوذا يحدّد موقعُه في ما قبل العشاء (مت 20: 26- 25؛ مر 14: 17- 21). واللقمة التي غمسها يسوع لكي يعطيها للخائن (يو 13: 21- 23) تألّفت من الاعشاب المرة التي تغمّس في صلصة مالحة. ولكننا لم نصل بعد إلى الافخارستيا. فيهوذا خرج قبل "الحفلة" الأولى، أي قبل تأسيس الافخارستيا. كما نقرأ في يو 13: 30: "وتناول يهوذا اللقمة وخرج في الحال وكان ليلاً". وغسلُ الارجل الذي يرويه الانجيل الرابع، يوافق الغسل الذي يتمّ قبل الطعام: استفاد يسوع من طقس التطهير هذا ليعطي مثالاً عن تواضعه ومحبّته (يو 2: 13- 15؛ رج لو 22: 42- 72). والكلمات على الخبز والخمر اللذين وزّعهما يسوع على تلاميذه، قد أخذت من المباركتين (مبارك أنت يا الله) الاحتفاليتين اللتين تحيطان بالقسم الرئيسي من العشاء. أما أكل الحمل الفصحيّ فقد زال نهائياً من الخبر، لأنه زال من ممارسة المسيحيّين الأولين، فلم يبق في الافخارستيا إلاّ فعلتان حمّلهما يسوع معنىً جديداً كانتا منفصلتين (قال بولس: بعد العشاء)، فاجتمعتا الآن في إيجاز ليتورجي. وتبدّل موضع الكلمة الاسكاتولوجية، الكلمة التي تدلّ على نهاية الزمن فتقول: "لا أتناوله (هذا العشاء) حتى يتمّ في ملكوت الله" (لو 22: 16). فهذا القول الذي به يودّع يسوع خمور الأرض بانتظار الخمر الجديدة التي يشربها مع أخصّائه في ملكوت الله، قد جعله مت 26: 29 ومر 14: 25 بعد الكلمات الافخارستية حين جعله لوقا قبل هذه الكلمات وبشكل انفصال عن الطقس القديم، طقس الفصح اليهودي: لن يأكل يسوع بعد اليوم من هذا الفصح، أي من هذا الحمل (آ 15- 16)، ولن يشرب من هذه الخمرة (آ 17- 19). فهناك خبزٌ آخر وخمرةٌ أخرى ستشارك فيها الكنيسة حتى نهاية الأزمنة.

3- معنى الفصح المسيحي
كانت كلمات ربّ العائلة تعطي فعلات الطقس الفصحيّ كل معناها. وإن يسوع لعب خلال العشاء الأخير دور ربّ العائلة، فكشفت لنا كلماتُه نواياه حين استعاد الطقس القديم وحوّله.
أ- يسوع يعطي حياته ذبيحةً
أول تعليم نستنتجه من كلمات يسوع كما فهمها التلاميذ هو أنه سيموت باذلاً نفسه (حياته) من أجلهم. فمرّات عديدة وخلال أيامه الأخيرة، جعل تلاميذه يستشفّون بشكل يوضح يوماً بعد يوم الحدث القاسي الذي ينتظره في أورشحليم: سيسلّمه رؤساء اليهود ويموت بيد الوثنيّين. ولكن التلاميذ لم يستطيعوا أن يفهموا. وفي ليلة آلامه عاد إلى هذا الموضوع ملحّاً ومشدّداً. بدأ يقول لهم بأن هذا الطعام هو الأخير الذي يأخذه معهم: "لن أشرب من عصير الكرمة" (مر 14: 25). "كم اشتهيت أن أتناول عشاء هذا الفصح معكم قبل أن أتألّم" (لو 22: 15). والالم لا يعني فقط محنة عابرة، بل آلاماً ستنتهي بالموت. ثم جعل أمام عيونهم هذا الموت القريب، فدلّهم على جسده ودمه تحت أعراض الخبز والخمر. فهذان العنصران غنيّان بالرموز: يُكسر الخبز لكي يوزّع. والخمر هي دم العنقود (تك 49: 121) الذي تفجّر من عنب تدوسه الأرجل (أش 63: 1- 6). ولونه الأحمر (يفرضه كتاب الرتب) يدلّ على هذه الرمزيّة. و"الكأس" هي أيضاً التعبير التقليدي عن مصير مأساوي (مر 10: 38؛ 14: 36؛ رؤ 14: 10؛ 16: 19). ثم إن الفصل بين الخبز والخمر يشير إلى الفصل بين الجسد والدم، يشير إلى الموت.
وهذا التعليم الغني الذي نكتشفه عبر الفعلات، يظهر في غنى أكثر في الكلمات. فهذا الجسد "يُبذلُ لأجلكم". هذا ما نقرأه في لو 22: 19. ونقرأه في 1 كور 11: 24: "يُكسر لأجلكم". ويورد الإزائيون الثلاثة كلمة يسوع على الدم "الذي يسفك من أجلكم" (لو 22: 20)، "يُسفك من أجل الكثيرين" (مر 14: 24؛ مت 26: 28) أي من أجل جميع البشر. فيسوع لا يُعطي فقط الخبز والخمر بشكل طعام وشراب. فلكي يستطيع أن يهبهم، بدأ فأعطى جسده ودمه أي حياته. لقد أعطى حياته للآب كذبيحة تكفير ومصالحة. إنتقل من هذا العالم إلى الآب (يو 13: 1). هذا ما ستقوله لنا كلمات يسوع.
ب- دم يسوع يختم الميثاق الجديد
في أخبار التأسيس الأربعة، ربطت الكلمة على الخمر الدم مع الميثاق (أو: العهد) في شكلين رئيسيين. "هذا هو دمي، دم العهد الجديد" (مرقس، متى) "هذه الكأس هي العهد الجديد بدمي" (بولس، لوقا). العبارة الأولى تبدو قديمة وهي ملوّنة بلون آرامي. ولكن العبارتين تعنيان في النهاية الشيء عينه. فالعهد، حسب النظرة السامية، يُعقدُ في الدم أي في تقدمة الذبائح (تك 15: 17). هذا ما حدث مع إبراهيم. ومع موسى الذي رشّ نصف الدم على المذبح والنصف الثاني على الشعب فقال:، هذا هو دم العهد الذي عقده الله معكم" (خر 24: 5- 8). هذا العهد هو ما يتذكّره عيد الفصح، كما يتذكّر الخلاص من العبودية. ويسوع، حين قال ما قال، أفهمنا أن ذبيحة جديدة حلّت محل الذبيحة القديمة: ذبيحة موته. وهكذا تأسّس عهد جديد كما يقول لوقا وبولس. فالميثاق القديم صار لاغياً، لا لأن الله تراجع، بل لأن الشعب خان ربّه. تمرّد وعصى فكان له العقاب. ولكن حين كان الله الأمين والرحيم يُعاقب شعبه، فقد كان يعده بالغفران في المستقبل بإعادة أفضل العلاقات مع ربّه (إر 31: 31- 34).
سيعود الشعب إلى معرفة الله الحقيقية وإلى حبّه. وهذه العودة تدلّ على ملكوت الله، هذا الملكوت الذي أعلن يسوع مجيئه القريب، الذي أعلن أنه سيقيمه بشكل نهائي. وبما أن العهد يطلب الدم، فهو يعطي دمه، لا ليهدّىء إلهاً قاسياً غاضباً، بل ليقدّم برهاناً عن حبّ الله للبشرية. "هكذا أحبّ الله العالم حتى وهب ابنه الوحيد" (يو 3: 16). أجل، لقد أرسله الله كـ "عبد" يُضحّي بذاته عن إخوته. وهذا ما تعبّر عنه أيضاً أقوال يسوع خلال العشاء السرّي.
ج- يسوع هو "عبد الله" المتألّم عن الخطأة
طلب الله تكفيراً. ولكنه ظلّ محبّاً إلى درجة جعلته هو يقدّم الضحيّة. وهذه الضحيّة قد أخبر بها مسبقاً في أشعيا من خلال سمات "عبد يهوه" (خادم الربّ وعابده): هو "رجل الالام". بريء ولكنه مضروب من الله... طُعن بسبب خطايانا وسُحق بسبب آثامنا (أش 53: 2- 5). أفهمنا يسوع مرّات عديدة خلال حياته العلنية أنه ذاك "العبد" المتألم (مت 11: 4- 6؛ 20: 28). وهنا في وصيّته الأخيرة، نستشفّ كلمات أش 42: 6: "جعلتك عهداً للشعوب ونوراً للأمم". وأش 53: 12: "لذلك أعطيه نصيباً مع العظماء، وغنيمة مع الجبابرة. بذل للموت نفسه وأحصيَ مع العصاة، وهو الذي شفع فيهم وحمل خطايا كثيرين".
نستشفّ صدى هذه النبوءات على شفتَي يسوع: "هذا هو دم العهد الذي يُسفك من أجل الكثيرين". إذن، يسوع هو "عبد الله"، وموتُه القريب يتمّم المهمة التى عُيّنت له: أن يتألم عن الخطأة (يقول متى: "لمغفرة الخطايا"). أن يتألم عن اليهود والوثنيّين، عن جميع البشر. ولفظة "كثيرين" تدل على عدد كبير جداً، عدد لا يستثني أحداً.
قال أش 49: 5: "جعلتك نور الأمم وخلاصاً إلى أقاصي الأرض". ووُسع هذا الخلاص قد أخذ به يسوع، وحصر البشرية على مدّ الزمان والمكان في "الكثيرين" الذين لأجلهم يعطي حياته "فدية" (مت 20: 28؛ مر 10: 45).
د- يسوع يعطي حياته طعاماً
وهذه القيمة التي يرتديها موت المسيح كذبيحة تكفير وعهد، لم تظهر فقط في التعليم والكلمات. فيسوع قد جعلها أيضاً في الطعام والشراب. "خذوا فكلوا". "إشربوا كلكم". نحن هنا أمام شيء جديد يتجاوز التعليم الروحي ويقدّم شكلاً آخر من الاتصالي مع الذبيحة التي أعلن عنها. شكل حميم بالنسبة إلى الطبيعة البشريّة، وهو "هضم" الطعام الذي يصبح من جوهر الانسان. فمهما تكون صورة الخبز والخمر معبّرة، فهي لا تكفي لتفسّر دورهما هنا. فيسوع لا يتوقف عند الصور، بل يحدّثنا عن طعام. نحن في مأدبة دينيّة فيها ينال الطعام فاعليّة ليتورجيّة. فطقوس الذبائح في العالم القديم تضمّنت أكل قسم من الضحيّة المقدّمة. وهكذا يتّحد الانسان باللاهوت ويدرك ثمار البركة المرتبطة بالتقدمة.
ونقول الشيء عينه عن العشاء الفصحي: فالمشاركة في الاعشاب المرّة والخبز الفطير والحمل، تشكّل الطقس الأساسي: لسنا فقط أمام تذكّر بسيط يرافقه عيد عائلي، بل وسيلة بها يتّحد المؤمن بأحداث الخروج وبالخلاص العجيب الذي ما زال الله الحي يقدّمه لشعبه. فالكلمات التي يتلفّظ بها رب العائلة على الأطعمة المختلفة، يمنحها قوة جديدة. وحين يأكلها المدعوون، فهم يستفيدون بشكل شخصيّ من خيرات نَعِمَ بها آباؤهم في الماضي.
هذا ما ننتظره أيضاً من الطقس الجديد الذي جعله يسوع في إطار هذا الفصح القديم، بل ننتظر أكثر بسبب سرّي التجسّد والفداء، اللذين يحملان فاعليّة أين منها فاعليّة الخروج من مصر.

خاتمة
إذا كان يسوع قد أسّس الافخارستيا، فلكي يبقى مع البشر حتى نهاية العالم. لا بروحه فحسب، بل بجسده، بجسده الذي صُلِب وقام لأجلهم. هذا الجسد الذي منه تتفجّر كما من ينبوع كل حياهم الجديدة. هناك حضور في الزمن بين ماضي الصليب ومستقبل مجدنا السماوي. وهناك حضور في المكان، يلامس جسدنا بشكل حقيقي وواقعي، فيجعلنا نتقبّل جسد الرب نفسه. وبما أن هذا الجسد القائم من الموت هو موضع عالم جديد، فنحن نلتقي بالمسيح في جسده الكنسي حضوراً يصل بنا حتى المشاهدة في السماء.
الفصل السابع والعشرون
علامات التوبة وممارساتها

لا ديانة من دون علامات خارجية، فالانسان جسد ونفس غير منفصلين. والبحث عن ديانة باطنية محضة وروحانية بكليّتها، يبقى وهماً لدى بعض المفكرين الذين تجعلهم الشكليّات لا ينتبهون إلى وضع الانسان الملموس. فالانتربولوجيا البيبليّة تكفي لكي تحذّرنا من هذه النظرة المجرّدة. ففي الانسان يمثّل القلمب والروح الوجه الباطنيّ لشخصيّة يكون فيها الجسد والحركات وسيلة التعبير الضروريّة. فالكلمة هي أولى هذه الحركات وهي تحمل الكثير من الوضوح والجلاء. ولكنّنا لا نستطيع أن نفصلها عن سائر الحركات التي تعبّر على بدائيّتها، عمّا في القلب والروح.
وإذا كان جوهر التوبة يتحدّد بالقلب المنسحق والروح المنكسر (مز 51: 19)، فالتعبير الخارجيُّ عن هذا الاستعداد الباطنيّ يبقى ضرورة لا يمكن أن نتناساها. فالاعتراف بالخطيئة في صلاة تائبة، يحتلّ المكان الأوّل. ولكن، لماذا يكون الجسد غريباً عن تعبير القلب النادم، لا سيما إذا أردنا أن نعطيه طابعاً إجتماعياً، كما يليق بليتورجية شعب الله؟ ستتيح لنا هذه الاعتبارات العامة الفرصة لنفهم معنى وقيمة علامات التوبة وممارساتها في الكتاب المقدّس.

1- علامات الحزن وعلامات التوبة
بشكل عامّ، لا تختلف اللغة الدينيّة عن اللغة اليوميّة بالكلمات والعبارات التي تستَعمل، بل بالنيّة التي توجِّه هذا الاستعمال وبالبُعد الذي تحمله الكلمات بالنسبة إلى اختبار خاصّ تريد أن تعبرِّ عنه. ونقول الشيء عينه عن الحركات الدينية: إنها تستعيد حركات من الحياة اليوميّة فتحمِّلها معنى يرتبط ارتباطاً وثيقاً بمفهومها الأوّل. هذا ما نقوله عن علامات التوبة وممارساتها. ففي محيط حضاري، يشعر فيه الانسان بحاجة ماسّة إلى التعبير عن بعض العواطف، يعود إلى علامات وممارسات مرتبطة بالحداد والحزن ويعطيها معنى جديداً. يتحدَّث حزقيال عن دمار صور فيجعل الأممّ الوثنية تلبس الحداد عليها. وهذا ما يقوله دون العودة إلى العالم الديني: "يسمعون عليك أصواتهم ويصرخون بمرارة. يرمون التراب على رؤوسهم ويتمرَّغون في الرماد. يحلقون شعر رؤوسهم عليكِ ويتحزَّمون بالمسوح. يبكون عليكِ بمرارة النفس نحيباً مرّاً، وفي نومهم يرفعون الرثاء عليكِ ويرثونكِ قائلين..." (حز 27: 30- 32).
تلك هي عادات الحداد التي سنجدها أيضاً في الانجيل.. فعلى فراش الموت، الذي أعدّ لابنة يائيرس (مر 5: 38)، سيظهر حزن التوبة بالشكل عينه. قال أش 22: 12- 13: "في ذلك اليوم، دعاكم الربُّ القدير إلى أن تبكوا وتنوحوا وتحلقوا شعر رؤوسكم وتتحزّموا بالمسح. أما أنتم فاستسلمتم إلى الفرح والسرور وذبح البقر ونحر الغنم وأكل اللحم وشرب الخمر وقلتم: لنأكل ونشرب فإنّا غداً نموت".
يبدو هذا النص معبرِّاً كلّ التعبير عن الحياة اليوميّة، وهو يبيِّن كيف يتعامل الناس مع ملذّات الحياة، حسب الظروف. إن كانوا سعداء، لبسوا أجمل ثيابهم وعطّروا رؤوسهم، وعيّدوا وغنّوا. إن كانوا حزانى، صنعوا عكس ذلك، ليدلّوا على مرارة نفوسهم. هذا ما يحدث في كلِّ مكان مع بعض الفوارق السطحيّة. مَرضَ إبنُ بتشابع، فصام داود صوماً قاسياً وتغطّى بالمسح ونام على الأرض (2 صم 12: 16). ولبس بَنْهَددُ مَلك دمشق المسح ووضع الحبل على رقبته بعد معركة أفيق، وكان يتوسّل إلى أحاب ليعفو عنه (1 مل 20: 31).
ولكن هناك وقتاً تدخل العادات بعده في الحيّز الديني: حين ترتبط طقوس الحداد بصلاة التوسُّل وتعبّر عنها بطريقتها. فداود لا يصوم فقط لأنه حزين على مرض ابنه: إنّه يصوم ليتوسّل إلى الله من أجل شفاء ابنه وحياته. ولهذا، حين مات الصبيّ، اغتسل الملك وتعطّر وبدّل ثيابه وطلب طعاماً، بعد أن صلّى في المعبد (2 صم 12: 20). لم يعد للتوسُّل من موضع. طلب داود ليبعد الحكم الإلهـى عنه، ولمّا مات الصبي، زالت كلُّ إمكانية رجوع إلى الوراء.
نحن لا نفهم سلوك الملك إلاّ على ضوء نظرة دينيّة قديمة، تربط كلَّ مصائب الحياة بخطيئة الانسان، وتجعل من هذه المصائب عقاب الخطيئة. ولقد كانت هذه النظرة في كل العهد الاقديم. بل تركت آثاراً في أيّام يسوع (يو 9: 2). إنها تنتمي إلى أعماق الوعي الديني وتسندها بوضوح الشريعة الأساسية المرتبطة بعهد سيناء، وتحدِّدها نهاية كلّ الدساتير الموسوية: ان موقف اسرائيل تجاه شريعة الله، يتحكَّم بما يصير إليه مصيره الزمني: إن أطاع الشعب، غمره الربُّ بعطاياه. وإن تمرّد الشعب، انصبَّتْ عليه كلُّ المصائب فعاقبته على سلوكه (خر 23: 30- 31؛ 26: 3- 21؛ تث 28: 1).
هذه هي الحال في تدبير العهد الأوَّل: الشقاء هو علامة الخطيئة التي يعاقبها، هو علامة الغضب الإلهي الذي يعبّر عنه بطريقة تربويّة. ونحن نفهم في هذه الظروف أن يدعو كلُّ اختبار، للألم والفشل، أكانَ فرديٍّا أو اجتماعياً، الانسانَ إلى فحص ضمير: من أين جاء هذا الألم؟ أما سبَّبته خطيئة بعيدة أو قريبة، ظاهرة أو خفية، معروفة أو مجهولة؟ وحركات الحداد التي نقوم بها في هذه الظروف تحمل معنيين يرتبطان الواحد بالآخر ارتباطاً وثيقاً: يتحسّر الانسان على الشرّ الذي حصل، ويطلب الرحمة من الذي يستطيع وحده أن يعيد الحالة الخربة إلى ما كانت عليه.

2- ليتورجيات التوبة
هذا هو الاطار الذي نقف فيه لنفهم ليتورجيات التوبة التي نجد نماذج منها في التوراة. قال لنا إرميا، بمناسبة جفاف كبير: ناح يهوذا وعمّ الحزن مُدنه (14: 2). لا شكّ في أنّ هذه العبارة هي جزء من طقوس التوبة. ويتدخّل النبيّ في مكان آخر، ليمارس دور الشفاعة، فيعترف بخطايا شعبه: "إن كانت آثامنا تشهد علينا يا ربّ، فلأجل اسمك إفعل. آثامنا عديدة وقد خطئنا إليك... يا رب، نحن نعرف شرَّنا واثم آبائنا، لأننا إليك خطئنا" (إر 14: 7- 20).
والاقرار بالخطيئة والارتداد، يفترضان عادة هذا الإذلال الخارجيّ الذي يعبّر عن توبة القلب. وحين وجَّه إيليا النبيّ إلى آحاب ونسله اللعنةَ المريعة بعد موت نابوت، مزَّق الملك ثيابه ولبس المسح على بدنه وصام وندم في المسح ومشى بخطى وئيدة (1 مل 21: 27). فسمع الربّ صلاته التائبة. ويرتبط سفر المراثي بطقس حداد، موضوعه دمار أورشليم، ويصوّر لنا الشيوخ جالسين على الأرض وهم صامتون. "لبسوا المسوح وذرَّوا التراب على رؤوسهم" (مرا 2: 10) وفعل عزرا ونحميا الشيء عينه حين علما بزواج اليهود من نساء غريبات (عز 9: 3- 15؛ نح 9: 1).
وجاءت آخر الطبقات التشريعية في البنتاتوكس (أسفار موسى الخمسة) فأدخلت في روزنامة الأعياد يوم كيبور (يوم التكفير) العظيم، في اليوم العاشر من الشهر السابع، أي قبل عيد المظالّ بقليل (لا 23: 26- 32). وتتضمن شعائره احتفالات تكفيريّة تقام في الهيكل من أجل خطايا اسرائيل. ولكنه يتضمّن أيضاً، بالنسبة إلى كل اليهود أينما وُجدوا، صوماً قاسياً سيحدّد التقليد الشفهيُّ قواعده (لا 16: 29- 31)، صوماً يمارسه الجميع، وإلاّ حُرموا من مشاركة الجماعة في حياتها (لا 23: 29).
في هذه المرحلة من التوسّع الليتورجي، أخذت فكرة التكفير تدخل في كل الطقوس الذبائحيّة، وذلك لأنّ وعي الخطيئة صار عاطفة حادّة في إسرائيل. وبنتجية ذلك، صارت ممارسات التوبة أهلاً للمديح. فالفريسيّ الذي يتحدّث عنه يسوع، يصوم في الاسبوع مرتين (لو 18: 12)، وهو بقوله، يظهر تقواه بأَعمال زائدة على الواجب، ويسوع لا يلومه على ذلك.
نستطيع أن نتصوّر ليتورجيات التوبة، بفضل سفر يوئيل الذي يرسم لنا مع بعض التفاصيل، إحدى هذه الليتورجيات. نحن لسنا أمام عيد نحتفل به مرّة كل سنة، بل أمام احتفال دفع الشعب إليه مناسبةٌ خاصة هي ضربة الجراد. اعتبر الناس أن هذه المصيبة هي علامة ملموسة لدينونة الله وبداية يوم الربّ الذي يحمل الغضب. ونتيجة هذا الوضع، يتوقّف الفرح والسرور، وتلبس البلاد كلُّها الحداد (يوء 1: 8- 9، 13- 15). وأمّا الاعلان الاحتفالي ليوم التوبة فيكون في الهيكل على صوت البوق (يوء 2: 1) يعلنه كهنة يلبسون المسوح (يوء 1: 13) وإليهم يتوجَّه النبيُّ فيقول: "انفخوا في البوق في صهيون. افرضوا صوماً، وادعوا الشعب إلى المشاركة في الاحتفال. اجمعوا الشعب، ادعوا الجماعة، اجمعوا الشيوخ. اجمعوا الاطفال والرضّع. ليخرجِ العريس من مخدعه، والعروس من خدرها. ليبكِ الكهنة خدَّام الربِّ وليقولوا: إرحم يا ربّ، إرحم شعبك، ولا تسلّم ميراثك إلى العار وإلى هزء الشعوب. لماذا يقال بين الامم: أين إلههم"؟ (يوء 2: 15- 17).
إن صلاة التوسل التي يتلوها الكاهن باسم الجماعة الملتئمة، تشكّل قلب ليتورجية التوبة. ولكن الجميع يشاركون فيها، من الشيوخ إلى الرضّع، بانقطاع عن كل ملذّة يناسب عمر كل منهم.

3- التوبة والصلاة
لم يعد هدف ممارسات التوبة فقط التكفير عن الخطايا الفرديّة والجماعيّة. إنها ترافق صلاة التوسّل وتعبرِّ عنها بأَعمال ندفع ثمنها غالياً. ففي الظروف المأساوية، لن نكتفي بالكلام لكي نعبِّر أمام الله، عن حاجاتنا الملحَّة. بل نبكي بدموع ونلبس الحداد لندلَّ على الواقع الأليم الذي نتخبَّط فيه.
يُظهر لنا سفر أستير وسفر يهوديت حالات نموذجية وجد شعب إسرائيل نفسه خلالها في قبضة محنة خطيرة. فبعد إعلان قرار الإبادة بفم هامان، مزّق مردخاي ثيابه ولبس المسح وذرّ الرماد (أس 4: 1). ولم يفعل وحده، بل شاركه في أَعماله، كل المقاطعات، بالدموع والنحيب، ونام الناس على المسح والرماد (أس 4: 3). ولمًّا علمت أستير بالحالة، لم تكتفِ بالصلاة، بل مارست مع جواريها وسكان شوشن، صوماً دام ثلاثة أيام وطلبت من الرب أن يعينها (أس 4: 16). 
وحين أُعلن عن قدوم اليفانا، كانت ردة الفعل عند اليهود الصوم والحفلات التكفيرية (يه 4: 9- 14) التي نجد فيها الطقوس عينها التي يتكلّم عنها النبييُّ يوئيل: يبدأ الله فيغفر الخطيئة ثم يُبعد الضربة التي تهدّد شعبه. ولهذا بدت صلاة يهوديت بالطريقة عينها: الرماد، المسح، إذلال النفس (يه 9: 1).
ونجد في سفر دانيال طقساً يُظهر صلاة التوسُل الملحّة. لا نجد في ف 9 أي خطر جديد يهدِّد شعب اسرائيل. أمّا النبي فبحث في الكتب وفكّر في المحنة الوطنية الكرى التي تدوم منذ أيام ارميا: التشتُّت، مضايقة الوثنيين، خراب المدينة المقدسة... إلى متى سيدوم كلّ هذا؟ أما كُفِّرت بعد خطايا شعب إسرائيل؟ متى تنتهي السبعون سنة من الشقاء الذي أنبأ به إرميا؟ وإذ أراد دانيال (وهو المتكلِّم باسم شعبه) أن يحصل على نور الله حول هذه المسألة التي تهدِّد طرق العناية الإلهية، فرض على نفسه فترة من الصلاة: صام ووضع المسح وذرّ الرماد (دا 9: 3)، واعترف بخطاياه وخطايا شعبه، وأرسل توسّله أمام الله (دا 9: 20).
فبجانب صلاة المديح التي يرافقها السرور، نجد صلاة أخرى ترافقها علامات الحداد وهي تدوم ما دام البشر أمام محِن فرضتها عليهم خطاياهم. وإنّ هذه المحن معنى: تجعلهم يعون واقعهم الحقيقي أمام الله. إنهم خطأة منذ أوّل الأجيال البشرية، وغضب الله الديَّان ينكشف أمامهم دوماً. هم لا ينجون إلاّ بنعمة مجّانية، متى شاء الله وكما يشاء. فإن استسلموا كالمجانين إلى ملذات الحياة (لنأكل ونشرب فأنّا غداً نموت، أش 22: 13؛ حك 2: 7- 9)، فهم يتصرّفون كالجهَّال. إنّهم يشبهون ذلك الغنيّ الجاهل الذي يحدِّثنا عنه المثل الانجيلي: "يا نفسي، لك خيرات كثيرة محفوظة لسنين عديدة. فاستريحي وكلي واشربي وعيِّدي. فجاءه الجواب: يا جاهل، في هذه الليلة تؤخذ منك نفسك..." (لو 12: 19- 20).
الحياة التائبة هي الموقف العاديُّ للخاطىء، وهي وحدها تقدر أن تحارب الموقف الماديّ العملّي الذي نميل إليه طوعاً. هذا هو الثمن الذي ندفعه إذا أردنا أن يسمع الله صلاتنا.

4- التوبة الحقيقية
ولكن شعائر التوبة تتضمّن خطراً، هو ذاته الذي يكمن في كل طقس خارجي: أن تتوقّف عنه الشكليّات، عند المظاهر الخارجيّة، ولا تصل إلى القلب. حين تصيبنا الشرور نتطلّع غريزيًّا إلى الله، فنلبس المسح ونذرُّ الرماد، ونصوم ونعترف بخطايانا... ولكن، ما قيمة هذه الأعمال وما قيمة هذه الصلاة؟ هل تبدَّل القلب تبدُّلاً عميقاً؟ هذا هو السؤال الحقيقي. هل نطلب الله حقّاً، أم منفعتنا الخاصة؟ وما إن تنتهي المحنة، حتى نعود إلى ماضينا. ستعود الكرازة النبويّة دوماً، إلى مسألة التوبة الكاذبة: "يطلبونني في ضيقهم ويقولون: هلمّوا نرجع إلى الربّ، هو الذي مزّق وهو يشفينا. هو الذي ضرب وهو يضمِّد جراحنا... ماذا أصنع إليك، يا إفرائيم، ماذا أصنع إليك، يا يهوذا، ان حبَّك لي مثل غمام الصباح وكالندى الذي يزول باكراً... فأنا أريد المحبة لا الذبيحة، أريد معرفة الله وأفضّلها على المحرقات" (هو 5: 15؛ 6: 1، 4- 6).
كل المشكلة هي هنا: إذا كانت الذبائح لا تفيد شيئاً حيث ينقص القلب المستقيم، فحركات التوبة لا تفيد شيئاً إن لم يتبدَّل القلب. العودة إلى الله عمل صعب ويكلِّفنا غالياً، وهذا ما لا شكَّ فيه. ولكن كلّ عذابات الصوم لا تنفع من دون محبة القريب. قال أش 58- 5- 7: "أهكذا يكون الصوم الذي أفضِّله؟ أإذا حنى الانسان رأسه كالقصب وافترش المسح والرماد، هل هذا ما تسميِّه صوماً ويوماً مرضيّاً للربّ؟ هذا هو الصوم الذي أفضّله: حلُّ قيود الظلم، ونزع النير الذي يثقِّل على الناس، وإطلاق المسحوقين أحراراً. الصوم هو أن تكسر خبزك للجائع وأن تُدخل إلى بيتك البائسين الذين لا بيت لهم. أن تكسو العريان الذي تراه ولا تتوارى عمّن هم من لحمك ودمك (أي أقاربك)".
وهذا الارتداد الذي نعبِّر عنه بكل الأعمال، نجده في صلوات التوبة التي تركها لنا العالم اليهودي بعد المنفى. هناك صلاة عزرا (عز 9: 6- 15) وصلاة نحميا (نح 9: 5- 38)، وصلاة دانيال (دا 9: 4- 19) وصلاة باروك (با 15: 3- 8). بعد هذا تتَّخذ حركات التوبة معناها. والانقطاع عن ملذَّات العالم يعبِّر عن موقف الانسان الذي أخذ التوبة بكلّ جديّة واهتمام. كلّ هذا يعبِّر عنه مز 51: "إني عالم بمعاصيَّ، وخطيئتي أمامي في كلّ حين. إليك وحدك خطئت والشرَّ أمام عينيك صنعت. نقِّني بالزوفى فاطهر، إغسلني فابيض أكثر من الثلج. قلباً طاهراً أخلق فيّ يا الله، وروحاً ثابتاً جدِّد في باطني".
هذه التوبة، عاشها يسوع مدَّة أربعين يوماً، فكان صومه امتداداً لصوم شعبه وإكمالاً له. إلى هذه التوبة، دعانا يسوع في بداية تبشيره. توبوا وآمنوا بالانجيل (مر 1: 15). وإلى هذه التوبة تدعونا الكنيسة خلال هذا الصوم المبارك وتعلِّمنا بلسان المسيح، أنَّنا نحتاج إلى الصوم والصلاة (مت 17: 21) لننال نعم الربّ.
الفصل الثامن والعشرون
المحنة والتجربة

المحنة والتجربة عنصران أساسيّان في الحياة المسيحيّة. إنهما واقع ثقيل ومعناهما مظلم. إنهما شكّ وعار يجعلاننا نرتاب بمحبّة الله. فلا بدّ من أن يصبح سّر المحنة هذا مقبولاً حين نضعه في سّر أوسع من سّر عهد الله مع شعبه، ولا بدّ أن نكتشف تدريجياً معنى الصليب والنصر وراحة الله. هذا ما ستحاول دراستنا أن تكتشفه.

1- المحنة في العهد القديم
منذ البداية تبدو المحنة مرتبطة بالوعد والعهد. فالله ألزم نفسه إلزاماً حراً تجاه الآباء ووعدَهم بنسلٍ. إختار لنفسه شعباً أقام عهداً معه. لا لأنه وحده أهلاً للمحبّة، بل لأنه أحبّه وأراد أن يكون أميناً لما وعد به الآباء. مقابل هذا، لا يطلب الله إلاّ شيئاً واحداً: أن يدخل الشعب في عهد معه. وأن يسلّم الإنسان نفسه كلّها إلى الله تسليماً حراً في الإيمان. والمحنة هي التي تكشف أعماق قلبه وتفرض عليه الجواب.
أ- أصول التفكير الملهم
بدأ التفكير الملهم عن المحنة في حدث عاشه الشعب في البريّة: نقص الماء في البريّة، فتذمّر الشعب. حينئذٍ قال له موسى: لماذا تجرّبون الربّ وترتابون به؟ لماذا تقولون: هل الله معنا أم لا؟
نجد هنا تفاسير مختلفة. مرة يُقال: الشعب جرّب الله وامتحنه (خر 17: 1- 7). ومرة أخرى يُقال: الله جرّب شعبه: هل يريد أن يدخل في العهد أم لا؟ "هناك أضع لهم فرائض وهناك أمتحنهم" (خر 15: 25).
وانطلاقاً من هذا الحدث من تاريخ اسرائيل، سيتوسّع تعليم غنيّ حول المحنة والتجربة.
ب- محنة ابراهيم
ويبيّن الكتاب الملهم أن الله امتحن إبراهيم ليجعله يتقدّم في الإيمان، ويسير في مخافة الله. "وجرّب إبراهيم وقال له: خذ ابنك وحيدك" (تك 22: 1- 17). ففي هذه المحنة الهائلة التي فيها طلب الله من إبراهيم ابنه، أحسّ إبراهيم بأن الله يدمّر مواعيده: يأخذ بيد ما أعطاه بالأخرى. ولكنّه يطلب من إبراهيم أن يذهب إلى آخر حدود الإيمان والاستسلام. وهكذا صار ابراهيم أبَ المؤمنين وبه تحقّقت المواعيد.
سيجد هذا المشهد العظيم صدى له في التوراة (سي 44: 20). ولكنّه لن يُفهم فهماً كاملاً إلاّ بمحنة موت ابن الآب الوحيد.
ج- سفر التثنية ومحنة شعب الله
إلتزم الله تجاه شعبه في كل ظروف حياته، وطلب منه جواباً خلال المحنة التي تصيبه. وسيتوسّع سفر التثنية في هذه الحقيقة فيقدّم تحريضات حارّة ستدخل قلب التقوى اليهوديّة. لهذا لن نعجب إذا قرأنا استشهادات من هذا الكتاب على شفتي يسوع في جوابه على الشيطان الذي يجرّبه.
في الماضي امتحن الله شعبه في البريّة، بالسير في الصحراء، بالجوع والعطش، بالمنّ والماء، بالحيّات المحرقة وحتى بالخلاص العجيب من مصر. والآن، ساعة يستعدّ الشعب لدخول أرض مملوءة بسحر الشرك وعبادة الأوثان، ها هو يقدّم من جديد المحنة الحاسمة: "إحفظ جميع الوصايا التي آمرك بها اليوم... أذكر الطريق التي جعلك الله تسير فيها مدة أربعين يوماً في البريّة ليجعلك تتّضع، ليمتحنك ويعرف أعماق قلبك: هل تحفظ وصاياه أم لا؟ أجاعك وأطعمك المنّ... لكي يعلّمك أن الإنسان لا يحيا بالخبز وحده، بل بكلّ ما يخرج من فم الربّ... كما يؤدّب المرء ولده، قد أدّبك الربّ إلهك. فاحفظ وصايا الربّ إلهك وهكذا تسير في طريقه وتعيش في مخافته" (تث 8: 1- 6).
كلمة الله تعطي الحياة. فإن إطاعه الشعب، كانت له الحياة في الماضي واليوم: "ها أنا أعرض عليك اليوم الحياة والسعادة، الموت والشقاء. فاختر الحياة" (تث 30: 15- 19).
د- تقليد التوراة ومحنة الإنسان
إنّ الأسفار التي تحدّثنا عن تقوى الشعب وحكمته تطبّق على كل إنسان الحقائق التي تلقي الضوء على تاريخ الشعب. فالتأمّل في التاريخ بروح سفر التثنية، يقودنا إلى أجمل المزامير التاريخيّة التي تشير إلى نكران الشعب لربّه: الآباء جرّبوا الله (مز 78: 18، 41- 56؛ 106: 14). وفي مز 95: 7- 9، يدعونا المرنّم إلى أن ندخل اليوم في العهد: "يا ليتكم تسمعون صوته اليوم: فلا تقسّوا قلوبكم كما في مريبة، وكما في أيام مسّة في البريّة، حين امتحنني أباؤكم وجرّبوني مع أنهم رأوا أعمالي".
ولكن، يقال أيضاً إن الربّ يمتحن الذين يحبّهم: هو يمتحنهم بأسلحته التي تكشف اختيارنا الحرّ. يمتحنهم بآلام هذه الحياة كما ينبّه أبّ ابنه ويؤدّبه (تث 8: 5؛ حك 11: 9- 10). وموت البارّ المبكّر الذي اعتبر في الماضي سبب شكّ وعثار، صار المحنة الكبرى، وانتصاراً للمؤمن يوم اعتقد المؤمنون بالخلود (حك 3: 5- 9). وهكذا صارت المحنة المناخ العاديّ الذي فيه يتفتّح حبّ الربّ. "يا ابني، إذا أردت أن تخدم الربّ فاستعدّ للمحنة. تعلّق به ولا تبتعد عنه" (سي 2: 1- 3). وتتحدّث التوراة عن محن يرسلها الله إلى عباده، إلى إبراهيم، إلى طوبيا، لينقّي إيمانهم. وستلخّص يهوديت في تحريضها للشيوخ، هذه الروحانيّات كلّها: "لهذا نشكر الربّ إلهنا الذي امتحننا كما امتحن آباءنا. تذكّروا كلّ ما فعله لإبراهيم ولإسحق، وكل ما جعل ليعقوب في بلاد الرافدين. امتحنهم ليسبر قلوبهم. المحنة ليست انتقاماً، بل تنبيه يوجّهه الربّ إلى القريبين منه" (يه 8: 25- 27).
هذا هو تعليم التقليد عن المحنة والتجربة: لسنا أمام انجذاب إلى الشر. ولكننا تركنا جانباً، بعض الحالات البشريّة وتناسينا محناً تنتهي برفض الله. هذا ما نجده في سفر أيوب وخبر البدايات اللذين يعالجان المسألة من دون خوف.
هـ- أيوب ومأساة الألم الذي يرذله الله
قدّم لنا الخبر النثري في أيوب (أي 1- 2) تفسيراً تقليدياً، فأدخل شخصاً جديداً هو الشيطان: هو من يتّهم البشر أمام محكمة الله، هو من حلف أن يوقع أيوب في الخطيئة. ولكنّه سيكون في النهاية أداة مجد لله والكاشف عن حبّه الحقيقي. إذن، يسمح الله بالألم كمحنة كاشفة عن الخير، وهو لا يريده لذاته. أما الشيطان فيرغب في تعذيب الإنسان ليجعله يجدّف على الله ويسقط في الشرّ.
هل يعني هذا أن كل الشكّ قد أبعد؟ لا، فالشاعر يحتجّ بشدّة ضد فكرة المحنة كما وردت في التوراة بعد المنفى (587 ق. م.). فأيوب بريء، وهو مقتنع أن آلامه ليست عاقبة خطيئة شخصيّة، كما أنه يعتقد كما يعتقد معاصروه أنها تكفّر عن خطايا الآخرين. هل هي يدّ الله تؤدّبه، كما يقول اليفاز (أي 5: 17- 27)؟ لا يقبل أيوب بهذا الشرح بعد أن وصلت به الأمور إلى حافة الموت. وإن كان الله يؤدّب، فهذا لا يبرّر قساوة الجلاّد. ويزداد ألم أيوب ألماً فيتوسّل إلى ديّانه ويحلم بأن يرى أمامه صديقاً يدافع عنه (أي 19: 26- 27).
وسينال أيوب جواباً في ظهور الله: أراد أن يحاكم الله، أراد أن يجادل الله. لكنّ الله يتجاوز الكلام البشري عن الأخلاق والديانة. الربّ هو إله حيّ يجتاج تاريخ الكون وتاريخ الانسان. وهو يبدو قريباً بقدر ما يختبىء. وحين تثقل المحنة بكاهلها على الانسان، فليس له أن يتوجّه إلى الحكماء، بل إلى الله ليعبده في الإيمان والتواضع. عليه أن يسلّم ذاته تسليماً كلياً إلى الله، في ظلام الليل، على مثال إبراهيم، أبي المؤمنين. "ولكنّ يسوع تعلّم وحده الطاعة بما لقي من ألم" (عب 5: 8). وهو يعرف وحده، أن يرى في الالم ما يحقّق مخطّط حبّ الله.
و- محنة البدايات، التربية على الحريّة
إن الله يطلب من الإنسان جواباً حراً. أن تكون هذه المحنة خطرة، فهذا ما يبيّنه خبر البدايات (تك 2- 3). ولكن هذه اللوحة الرائعة تدلّ بصورة خاصّة على أن المحنة هي عنصر أساسيّ في تاريخ البشريّة، وهي ضروريّة للبلوغ إلى الحياة الخلقيّة والحياة أمام الله. ففي كلمات بسيطة وصور مرئيّة يبدو الله كأب صالح يهتمّ بابنه: جبل له جسداً، أعطاه نسمة حياة، إهتمّ به وبتربيته.
زرع الربّ الجنّة بيديه، فكان الإنسان فلاّحها. وكان عليه أن ينمّي مواهبه البشرية في هذه المواجهة مع الطبيعة. وها هي الحيوانات تمرّ أمامه فيستعرضها: إنه يسمّيها بأسمائها لأنه يسود عليها. إنه أقوى منها، وهكذا يعي مكانته كإنسان. وها هي المرأة- العون التي خرجت منه تحرّك صرخة الإعجاب والدهشة وأوّل نشيد حبّ عرف ذاته فيها. وحين أحبّها، وصل إلى مرحلة النضج الإنساني فصار جديراً بأن يترك الأب والأم. وجاءت الوصية حول الشجرة أو بالأحرى، حول من يقرّر الشر والخير. هل الإنسان هو سيّد نفسه، أم أنه يرتبط بالله؟ كانت هذه الوصية أصعب تأديب، كانت المحنة الحاسمة: على الإنسان أن يكتشف الشريعة والواجب الأخلاقي، أن يتعرّف إلى إرادة الله ويلتصق بها التصاقاً تاماً وحراً.
تراجع الله تاركاً أبناءه يتّخذون خيارهم. وصعدت من الأرض قوى العدوّ. وها هي الحيّة تُضلّ حواء وبالتالي آدم. هل وصلنا إلى فشل نهائي لمخطّط الله؟ وعاد الله وظهر مرة ثانية، ليربيّ أبناءه: جعلهم يعون خطيئتهم ومسؤوليتهم السخصيّة. وأعلن حرباً لا هوادة فيها، بين نسل المرأة ونسل الحيّة. وصارت حياة الانسان موضع المحنة والاختبار. منذ اليوم. وصار طريق اللقاء بالربّ مليئاً بالظلمة والفخاخ إلى أن يشرق نور الفادي.

2- المحنة والتجربة في العهد الجديد
ننطلق هنا من تجربة يسوع في البريّة. استشهد الربّ بسفر التثنية فأعادنا إلى أغنى ما في التوراة من تعليم عن التجربة. ولكنّنا سنجد هنا وجهة جديدة: جُرّب يسوع كما جُرّب شعبه من قبله. يسوع امتُحن، دُعي إلى فعل الشرّ في أعماق قلبه، بفمّ إبليس. إنكشف العدو، وبانت المحنة على أنها تجربة. ولهذا سنحاول أن نميّز بين الإثنتين: بين المحنة والتجربة.
أ- المحنة
أولاً: محنة يسوع
تكرّس يسوع بالمعموديّة ليصير المسيح المتألّم. فانتصر على المحن التي عرفها شعبه في البربّة. بدأ مسيرته بحزم كعبد الله المتألّم الذي يتحدّث عنه أشعيا. ومنذ الآن، ستجري حياته كلّها في إطار المحنة: سيعيش بالتجرّد والطاعة حتى النزاع في بستان الزيتون والاستسلام الكامل على الصليب. ويدعونا لوقا أن نقارب بين مشهد البريّة ومشهد الجسمانيّة: "لما أتمّ الشيطان كل تجاربه (كل أنواع التجارب) ابتعد عنه ليعود في الوقت المحدّد" (لو 4: 13) أي في ساعة "سلطان الظلام" (لو 22: 53). الساعة التي فيها ظلّ الرسل معه ثابتين في تجاربه (لو 22: 28) ثمّ تركوه في ساعة عرق الدم في البستان. ونستطيع أيضاً أن نرى ظلّ المحنة يتكثّف حول الصليب، حين أطلق يسوع صرخته العظيمة إلى الآب: "إلهي إلهي لماذا تركتني" (مر 15: 34).
ويرسم صاحب الرسالة إلى العبرانيين مشهدي النزاع والصليب، مع أنه يبدو غير عارف بالتجربة في البريّة: "وفيما كان لابساً الجسدَ، قرّب التضّرع والابتهال بالدموع والصراخ الشديد لمن كان يستطيع أن ينجّيه من الموت، فاستجيب له بسبب تقواه. ولأنه ابن صالح، تعلّم الطاعة بما قبله من آلام. وبعد أن صار كاملاً، صار لجميع الذين يطيعونه علّة خلاص أبديّ" (عب 5: 7- 9).
لقد أراد هذا الكاتب أن يشجّع قرّاءه، فرسم أمام عيونهم صورة يسوع الكاهن الرحيم الأمين الذي امتحن هو أيضاً: "ولأنه تألّم وامتحن (وابتلي)، فهو قادر أن يثبّت الممتحنين" (عب 2: 18). "وبما أن لنا رئيس كهنة عظيماً هو يسوع المسيح، إبن الله الذي صعد إلى السماء، فلنتمسّك بالاعتراف به، لأنه ليس لنا رئيس كهنة لا يستطيع أن يتألّم مع ضعفنا (يؤاسينا في ساعات ضعفنا)، بل قد امتحن في كل شيء مثلنا ما عدا الخطيئة" (عب 4: 14- 15). أجل ما عدا الخطيئة. فالمحنة لا تقود يسوع إلى الفشل بل إلى الغلبة. وقد جعلته المخلّص الممجّد والرئيس القائد والكاهن الكامل (عب 2: 10؛ 5: 9) ورئيس الكهنة السامي "الذي صعد إلى السماء" (عب 4: 14).
ثانياً: محنة المؤمن
هذا ما دلّت عليه الرسالة إلى العبرانيين (2: 18). فالتلميذ يعرف المحنة، شأنه شأن المعلّم: عليه أن يسير في البريّة، حافظاً نفسه من مختلف الأخطار التي تعرّض لها آباؤه (جرّبوا الله) (1 كور 10: 9- 13). ويُطلب منه اليوم وفي كل يوم أن يختار، أن لا يقسيّ قلبه كما في مسّة (عب 3: 7- 9). فعلى المؤمن أن يسير في طريق الإيمان مثل إبراهيم "الذي امتحن فقدّم ابنه إسحق" (عب 11: 17). ومثل يسوع سيعرف أوقاتاً يبدو فيها الآب وكأنه يتخلّى عنه. ولكنه سيعرف أيضاً أنه محاط بجوقة من الشهود. ولهذا، فهو ينظر إلى "قائد إيمانه" (عب 12: 1- 2) يسوع المسيح، فيحمل صليبه ويدخل بشجاعة في مصيره مع ما في هذا المصير من محنة.
وهكذا تصبح الآلام والمحن التي نحتملها باسم يسوع علّة فرح. نقرأ مثلاً في رسالة القديس يعقوب (1: 2): "إعتبروا نفوسكم فرحين أيها الأخوة حين تهاجمكم كلّ أنواع المحن". وفي 5: 11 "نحن نطوّب الذين يصبرون، وأنتم قد سمعتم بصبر أيوب". وقال القديس بطرس في رسالته الأولى (4: 12- 13): "يا أحبّائي، لا تعجبوا من التجارب التي تقع عليكم، وكأنها شيء غريب يعرض لكم من أجل امتحانكم، بل افرحوا لأنكم صرتم شركاء في آلام المسيح". ويقول القديس يعقوب (1: 12) أيضاً: "طوبى للرجل الصابر على المحنة، فإنه إذا جرّب (كالمعدن في النار) نال إكليل الحياة الذي وعد الله به من يحبّونه". أجل، يفرح المؤمن، لأنه، حين يشارك المسيح في آلامه، يستعدّ للانتصار معه في يوم الدينونة بعد أن أختبر إيمانه وجُرّب.
ب- التجربة
إذن، المحنة ضروريّة وصالحة. إنها تشكّل المناخ الذي فيه يولد وينمو إيمان أحبّاء الله. ولكن العهد الجديد يشدّد أيضاً على أن المحنة خطرة. فإن كانت نداء إلى التقدّم في الإيمان فهي، في الوقت عينه، تجربة أي نداء (إغواء) داخلّي لنعمل الشّر. التجربة هي عمل الشيطان.
ما استطاع العهد القديم أن يسبر (ينزل إلى) أعماق الشر، ويكتشف فيه هذا الوجه المرعب. يسوع وحده هو الذي تجاسر فواجهه. نزع القناع عن وجه المجرّب، وكشف في الوقت عينه، كل وجهات المحنة. لسنا فقط أمام متّهم في البلاط الإلهي، أمام الشيطان الذي يتحدّث عنه سفر أيوب. لم نعد فقط أمام حيّة سفر التكوين المقلقة. ها قد بدأ شخص خفيّ له قوّة تفوق قوى الطبيعة. إنه خصم الله، العدو الحاضر في كل مكان ليدمّر عمل الله. هو سلطان هذا العالم. هو "التنين العظيم، الحيّة القديمة، المدعوّ المفسد والشيطان. وهو الذي يُضلّ المسكونة كلها" (رؤ 12: 9). حين يمتحن الله إبراهيم أو شعبه ليتمّ مقصده في الحياة والمحبّة، يجد المجرّب مناسبة إغواء وتضليل ليتمّ مخطّطه في الموت والبغض. ولقد أبرز يسوع في البريّة، الهوّة السريّة، هوّة الشرّ والحريّة البشريّة، كخلفيّة للعمل الفدائي.
إذن، كلّ التجربة هي اختيار بين الله والشيطان (أف 6: 11). فما يمنعنا من اختيار الطاعة لله، ليس مأكولات مصر الشهيّة ولا ديانات كنعان الغاوية، ولا محتلّون أقوياء أو ممالك مضطهدة. وليس الضعف البشري مع أهوائه، ليس اعتداد الإنسان بنفسه وإرادته بأن يكون قوياً حتى في وجه الله. فوراء كلّ هذا، نجد المجرّب، بعد أن نزع يسوع الاقناع عن وجهه.
الله يمتحن، أو يسمح بأن يمتحن الانسان، ولكنه لا يجرّب. هذا ما يقوله القديس يعقوب في رسالته (1: 13- 14): "هنيئاً للرجل الذي يتحمّل التجربة... وإذا جُرّب أحدكم فلا يقل: الله جرّبني. فالله لا تجرّبه الشرور، وهو لا يجرّب أحداً. فالإنسان تجرّبه شهواته التي تجتذبه وتُضلّه".
نجد هنا المعنيين: المحنة بمعنى العهد القديم، والتجربة بمعنى الانجذاب إلى الشّر. إذن، الشيطان هو الذي يجرّب. إنه يدور حولنا كأسدٍ مزمجرٍ. لقد جرّب يسوع، وهو يحاول أن يدمّر عمل الرسول فيغوي المؤمنين (1 تس 3: 5) وهو يجرّب كلّ الذين يعرفون الصعوبات ويتعرّضون لها (1 كور 7: 5)، يعرفون الاضطهادات وتقلّبات الأزمنة الأخيرة (رؤ 2: 10؛ 20: 1- 10). فكما أن هجوم الشيطان جاء متدرّجاً متنامياً في حياة يسوع، ستكون كلّ قدرته وتضليله في نهاية الأزمنة.
الحياة المسيحيّة حياة مهدّدة دوماً بالتجربة أي بالشيطان، حتى وإن رفضنا التلفّظ باسمه. تحدّث القديس يعقوب عن الأهواء ولكنه رسم هذا البرنامج: "فاخضعوا لله. وقاوموا إبليس" (يع 4: 7).
يسمح الله للشيطان بأن يعمل على مستوى اللحم والدمّ (أمراض، أحداث خارجيّة) كما على مستوى حياة الانسان الحميمة. ولكنه لا يسمح بأن تتعدّى التجربة قوانا: "الله أمين، فهو لا يسمح بأن تُجرّبوا فوق طاقتكم، بل هو يجعلُ مع التجربة مخرجاً، ويعطيكم القوّة لتتحمّلوا هجومها" (1 كور 10: 13).

خاتمة
وجد العهد القديم كماله في يسوع الذي امتُحن وجُرّب. وحياتنا كلها وجدت فيه نورها وقوّتها.
فالمحنة هي المناخ الذي يعيش ميه الإيمان. فما دُمنا نسير في الطريق إلى راحة الله، فنحن نسمع الصوت عينه يدعونا إلى الاختيار: "ها أنا أعرض عليك اليوم، الحياة والسعادة، الموت والشقاء. فاختر الحياة". ويحصل أن الله يخضعنا لهذا السؤال كما وكأنه يُعذّبنا، كما فعل مع إبراهيم وأيوب. أما نحن فقد استنرنا بمحنة النزاع والصليب، ولهذا نرى في الله دوماً أباً لم يوفّر ابنه، بل أسلمه عنّا جميعاً (روم 8: 32). ومنذ الآن، نجد الفرح في الرجاء، واليقين بأننا سننتصر.
تكشف لنا تجربةُ يسوع أن الوضع البشري أقسى مما نتخيّل. إنه صراع فيه الخطر والمخاطرة ضدّ قوى الظلمة (أف 6: 12). فإذا كان ابن الإنسان قد جُرّب، فلا يتعجّب بنو آدم إن عضّتهم الحيّة القديمة بنابها. غير أن انتصار ابن الإنسان هو عربون انتصارهم. تلك هي حالة اسرائيل الجديدة، كنيسة الله. إنها تسير وسط غوايات العالم الذي تسلّط عليه الشيطان. ولكن المسيح الذي انتصر على تجاربه في البريّة يعرّفنا إلى الأساليب البسيطة الوضيعة التي بها ينتصر مخطّط الله.
إن المسيحي يسير بثقة متواضعة، على خطى رئيسه. ويحسّ أنه سريع العطب، وأنه مجروح في أعماق أعماقه. يُحسّ أنه ضعيف "في اللحم والدم"، في الأهواء التي يجد له الشيطان فيها حليفاً. ولكنه يحسّ أيضاً بأن الروح الذي قاد يسوع إلى البريّة، يقوده ويوجّهه. قال المجرّب: "إن كنت ابن الله". ولكن "الروح نفسه ينضمّ إلى روحنا ليشهد أننا أبناء الله، وهو يهتف فينا: أبّا، أيها الآب" (روم 8: 15- 16). فنحن لسنا في اللحم والدمّ، بل في الروح (روم 8: 9). ونحن نعرف منذ الآن، أن الشيطان يُقهر بأيدينا.
ولهذا، حين يقدّم لنا يسوع توصيتين عن التجربة، يتحدّث عن السهر والصلاة والرجاء. ففي وقت النزاع وفي نهاية تجاربه، قال يسوع للرسل الذين اختارهم: "اسهروا وصلّوا لئلا تدخلوا في تجربة (لئلا تقعوا). فالروح قويّ، أما الجسد فضعيف" (مت 26: 41). إذن، يدعونا يسوع إلى وعي ذواتنا: قد تكون إرادتنا طيّبة ولكّننا ضعفاء. قد نتشكّك حين نرى ضعف الله في الظاهر فنتراخى ونتراجع.
وفي الصلاة العظيمة التي علّمنا إياها يسوع، جعلنا نطلب من الآب: "لا تخضعنا للتجربة، ولكن نجّنا من الشرّير" (مت 6: 13). لا شكّ في أننا لا نستطيع أن نفلت من الوضع البشريّ. والكنيسة نفسها لا تستطيع أن تفلت من محن نهاية الأزمنة. ولكن، علينا أن نصلّي لئلا تحملنا التجربة بسبب ضعفنا، ولكي تقصر الأيامُ القاسيّة التي يتعرّض فيها إيماننا لنكران حبّ الله. وعلينا أيضاً أن نصلّي إلى الآب لننجو من الشرير. وهكذا نتوجّه إلى المستقبل برجاء. نتوجّه إلى الملكوت السماوي حيث يخسر الشيطان كل قدرته وحيث يصبح الإيمان عياناً، وحيث تثبت الحريّة في الحبّ، وحيث يحلّ محلّ حياة المحنة والتجربة عهدٌ أبديُّ في راحة الله.
الفصل التاسع والعشرون
الشيطان وقوى الشر

تختلف التوراة عمّا تركته لنا آثار الشرق القديم الأُخرى باعتدالها فيما يخصّ القوى الشرّيرة التي تهاجم الانسان. فإنسان التوراة الذي يواجه الشرّ والألم والشدائد، يعطي شخصيّة لقوى يُفترض إنّها سببُ شقائه. هذا ما نقوله مثلاً، عن الكائنات المشعَّرة وسائر الخلائق الكريهة التي يحدّثنا عنها أشعيا (13: 21؛ 34: 14) والتي هي تجسيدٌ للشيطان. فعزرائيل الذي كان في البدء إله القطعان لدى الساميّين، أُحدر إلى مستوى روح شرّير (لا 16: 18). ويلمِّح سفر أشعيا (34: 14) أيضاً إلى شيطان لَيلّي يُسمّى ليليت (المرتبط بالليل) القريب من "العلقة" (أم 30: 15). ويذكر تث 32: 17 ومز 106: 37 "شدِيْم" (راجع في العربيّة: السدّ أو الحاجز) أي الأبالسة. ثمّ نجد ثلاثة نصوص دُوِّنت بعد المنفى، وهي تلمّح إلى الشيطان أو تضعه أمامنا (زك 3: 1؛ أي 1- 2؛ 1 أخ 21: 1). ولكن الشيطان يبدو هنا، كخادم يأتمر بأمر الله، لا كخصم لله. وأخيراً هناك الحيّة السرّيّة التي حملت التجربة إلى جنّة عدن.
أمّا العهد الجديد فيبدو صراعاً بين المسيح والشيطان الذي هو خصمه الشخصيّ. فتجسُّد المسيح (يرافق هذا التجسّد حضور ملائكة، لو 1: 26؛ 2: 9) يرافقه حضور آخر هو حضور شرّير. فعمل يسوع الرسولي يبدأ بتجربته في البرّيّة على يد الشيطان. ثمّ إنّ يسوع يطرد الشياطين فيدلّ على سيادته على كلّ الخلائق وعلى يقينه بأن يوصل مخطّط خلاص الله إلى الهدف. هاجم يسوع خصمه في عقر داره. ويوم سلّمه الموت ظاهريّاً إلى قبضة الشيطان، دلّت القيامة على انتصاره الباهر.

1- الشيطان في العهد القديم
أ- القوى السماويّة
لا شكّ في أنّ شخصيّة الشيطان حاضرة في التوراة، وهو يلعب لا دوراً واحداً، بل أدواراً عديدة. والخبر الشعبيّ الذجمما نجده في مقدّمة سفر أيُّوب (1: 6- 12؛ 2: 1- 7) هو أقدم نصّ تدلّ فيه مفردة الشيطان (مع أل التعريف) على كائن علويّ له وجه خاصّ به.
ولكنّ التوراة لم تهتمّ بأصل هذا الكائن، ولم تميّزه عن مجموعات الكائنات السماويّة التي تكوّن بلاط يهوه (أو الربّ). عرف الكتاب المقدّس كائنات سماويّة يسمّيها "أبناء الله" (أي كائنات تنتمي إلى العالم الروحي، أي 1: 6؛ 2: 1؛ 38: 7) أو "أبناء العليّ" (مز 82: 6). وهو يصفها بالقويّة (مز 78: 25) والرفيعة (أي 21: 22) والمقتدرة (مز 103: 20؛ يو 4: 11). أمّا المفردة التي تدلّ على هذه الكائنات فهي: ملاك (راجع في العربية: الملاك أو الرسول. الأكه: أبلغه)، والملاك هو الرسول. غير أنّ الكاتب الملهَم لا يقدّم أيّة نظريّة عن طبيعة الملائكة، فيهتمّ فقط بوظيفتهم. واسمهم (المرسال أو الرسول) يدلّ على أنّهم تابعون للربّ وأدنى منه مرتبة. ولن نجد نصّاً كتابياً واحداً يعلّمنا كيف خُلقوا ومتى خُلقوا.
تبدو الملائكة كائناتٍ تاقف في الوسط. إنّهم يؤمِّنون الاتّصال بين تسامي الله اللامحدود وعمله الملازم للبشر. فكلّ أحداث تاريخ بني إسرائيل ترافقها أو توجّهها يد ملاكٍ أرسله الله: في عبور البحر الأحمر (خر 14: 19)، وخلال التجوال في البرّية (خر 23: 20؛ عد 20: 16)، وفي محاربة الأعداء (2 مل 19: 35). الملاك يحرس خادم ابراهيم (تك 24: 7)، ويرافق يعقوب (تك 43: 16)، ويُوقف بلعام (عدد 22: 22)، وينقل، مرّات عديدة، رسالة من قبل الله (تك 16: 7- 11؛ 22: 11؛ قض 2: 1- 4؛ 2 مل 1: 3- 15). الملاك يمثّل الربّ الذي يكشف عن نفسه ويتدخّل من أجل شعبه أو عبيده الأمناء.
ب- القوى الشرّيرة
ولكنّ شعب الله عرف أيضاً الضربات والموت والبغض. فمن يحمل إليهم هذه الضربات؟ ملاك أرسله الله الخالق أم قوّة شرّيرة معادية؟ هناك تعابير عديدة تبرز قلق الانسان أمام المصائب المتدافعة: "بابل فخر الممالك... لن تسكن ولن يُقيم فيها إنسان... وحوش القفر تربض فيها، واليوم يملأ البيوت، وبنات النعام تأوي هناك، والأشاعر (كائنات ذات شعر كالمعز) يرقصون. الضباع تتنادى في قصورها، وبنات آوى في هياكلها الفخمة" (أش 13: 19- 23؛ 23: 13؛ صف 2: 14). كلّ هذا يشير إلى الحزن والنجاسة والخطيئة والموت. أمّا مز 91 فيحثّ المؤمن الذي يحميه الله أن لا يرتعد "من هول الليل، ولا من سهم يطير في النهار، ولا من وباء يسري في الدجى، ولا من طاعون يسيطر في الظهيرة" (آ 5- 6).
في القرن الثالث قبل الميلاد، يوم نقل اليهود كتبهم المقدّسة إلى اليونانيّة، سمّوا الأصنام والآلهة الوثنيّة والمصائب والحيوانات المخيفة، سمّوا كلّ هذا "شيطاناً". ويوم أخد الكتّاب يؤكّدون على تسامي الله وكماله، قالوا بوجود كائنات تتوسّط الله القدّوس والعالم الأرضي، قالوا بوجود كائنات شرّيرة هي سبب كلّ شرّ مادّي وأدبي والكون، فتأثّروا بثنائيّة الفرس (إله الشرّ وإله الخير). ولكنّهم ظلّوا يقولون إنّ الشيّاطين تخضع لله في وجودها وفي عملها.
أمّا البسطاء الذين "أَحسّوا" بسلطة الشيّاطين، فاستسلموا إلى السحر والعرافة ومناجاة الأرواح واستحضار الموتى. هذا ما فعله شاول الملك مع امرأة تُقيم في عين دور (1 صم 28: 7). وقد احتفظت طقوس يوم كيبور (أو يوم التكفير) باسم شيطان (عزرائيل) حاكم البريّة ومرتبط بالخطيئة (لا 16: 9). وإنّ طوبيا طرد الشيطان اسموداوس حين أحرق قلب السمكة وكبدها، كما كان يفعل الآشوريّون والبابليّون. ولكنّ الشريعة ستمنع مثل هذه الممارسات (لا 19: 31؛ 20: 27؛ تث 18: 10- 11). وسيتّخذ الملوك إجراءات صارمة ضدّ هذه الممارسات (1 صم 28: 9؛ 2 مل 23: 24)، كما أنّ الأنبياء سيحتجّون على هذه الأعمال (أش 8: 19) باسم الله الواحد والقدير.
لم تتساءل التوراة عن أصل الشيّاطين، كما لم تتساءل عن أصل الملائكة. لا تقول لنا لماذا سقطوا وكيف سقطوا. وقد قيل انّه طلب منهم أن يختاروا أن يكونوا مع الله أو ضدّ الله، فاختاروا مقاومة الله. وانّ بولس ينصح تيموتاوس بأن لا يقبل المعمّد الجديد في الاسقفيّة "لئلاّ ينتفخ كبراً فيقع في نفس الحكم الذي وقع فيه ابليس" (1 تم 3: 6). إذن، هو ينسب إلى الكبرياء سقوط إبليس. رضي بذاته ولم يطلب سعادته في الربّ، فأغرقه تعجرفه في الكذب، على حدّ قول يسوع: إنّ الشيطان "لم يثبت في الحقّ" (يو 8: 44). وإذا عدنا إلى رسالة يهوذا (6- 10) نرى ان الغنوصيّين (جماعة تحتقر المادة وترفض سرّ التجسّد) والخطأة (أهل سدوم وعمورة) يعكسون ثورة الملائكة الساقطين الذين غاصوا في أعماق الظلمة ونالوا العقاب النهائي. ثار هؤلاء "الملائكة" ليحافظوا على حقوق الخلائق الروحيّة، ثاروا حين علموا إلى أيّ مجد سيرفع الله الانسان. ويقول القدّيس بولس (أف 3: 9- 10؛ 1 كور 2: 7- 8) إنّ سرّ التجسّد "بقي خفّياً" ولم يكشفَ للكائنات العلوية الاّ "الآن". ومنذ الآن يتجوّل الملائكة العاصون وينشرون جوّاً من العصيان حول البشر (أف 2: 2؛ 6: 12). كان إبليس "قاتلاً منذ البدء" (يو 8: 44). فدخل في تاريخ البشريّة ليجرّ البشر إلى الدمار.
ج- الحيّة في جنّة عدن
وتدخّلت الحيّة في جنّة عدن، فكانت خطيئة آدم وحوّاء. نحن هنا أمام خبر نموذجي يكشف عن ضغط خارجي نسمّيه الشيطان.
ما أراد خبر البدايات (تك 1- 3) أن يبيّنه، هو وضع الانسان أمام الله. طُرح السؤال: "مَنْ هو الانسان" (مز 8: 5)؟ فقدّمت التوراة جوابين متعارضين. من جهة، شدّدت على ضعف الانسان: إنه سريع العطب، إنّه نسمة وظلّ يمضي (أش 2: 22؛ 7: 17). هذا ما قاله التقليد اليهوهي حين تمثَّل الانسان خارجاً من التراب وعائداً إلى التراب (تك 2: 7؛ 3: 19). ومن جهة ثانية، شدّدت على عظمة الانسان (مز 8: 5- 9). نحن هنا قريبون من التقليد الكهنوتي الذي بيّن أنّ الانسان مخلوق على صورة الله ومثاله، وأنّه يتسلّط على سمك البحر وطير السماء، وكلّ ما يدبّ على الأرض (تك 1: 26).
نحن نضع تجربة الانسان بواسطة الحيّة، بين هاتين النظرتين إلى الانسان. أجل، قَلَبَ الانسان بعصيانه الوَضْعَ المميّز الذي كان له في الفردوس. كان متوّجاً بالمجد والعظمة، وكاد أن يكون مساوياً لله (مز 8: 6)، فصار كائناً للموت. صار خاطئاً وخسر سلطانه على العالم. ماذا حدث؟ قالت حوّاء: "الحيّة أغوتني" (تك 3: 13). لقد بدت الحيّة خصماً للانسان. إنّها أحيَل حيوان على الأرض، وهي تدلّ على إبليس المحتال.

د- الخصم
أجل، الشيطان هو الخصم. هو الذي يقف في عرض الطريق (كما يقول الاشتقاق القديم: شطن). الشيطان هو من يُبعد الانسان عن الحقّ، ويشدّه كما بحبل. وهو المفتري والمتّهم. هذا ما نجده أوّلاً في سفر أيّوب وكتاب الأخبار. يبدو الشيطان ذلك الذي يتّهم البشر أمام الله. ليس الشيطان خصم الله، بل هو ينقل إليه المعلومات عن خلائقه، ويختبر أمانتهم لله. لا شكّ في أنّ الشيطان خاضع لله، ولكنّه سيحمل إلى أيّوب كلّ الضربات الممكنة. أمّا في كتاب الأخبار، فسوف نرى الشيطان خصماً حقيقيّاً للربّ، ذلك الذي يدفع الناس إلى الخطيئة. صارت الكلمة اسم علم (من دون الـ التعريف). قال 2 صم 24: 1: "فأغرى الله بهم داود قائلاً: اذهب فأحصِ اسرائيل ويهوذا". أمّا 1 أخ 21: 1 فلم يذكر غضب الربّ، بل نسب إلى الشيطان الايحاء إلى داود بأن يحصي الشعب: "ووقف الشيطان ضدّ اسرائيل، فدفع داود لكي يحصي اسرائيل". وسيقول سفر الحكمة (2: 24) في الخطّ عينه: "بحسد إبليس دخل الموت إلى العالم، فيذوقه الذين هم من حزبه". حين يعارض الشيطان مخطط الله الخلاصيّ، يبدو ذلك الذي يحاول أن يدمّر العلاقة بين الله والبشر، وبصورة خاصّة بين الله وشعبه. هذا الذي قال: أَصعدُ إلى السماء، وأرفع عرشي فوق كواكب الله وأكون شبيهاً بالعليّ (أش 14: 12- 14)، ها هو قد سقط. وسيقول فيه يسوع: "رأيت الشيطان هابطاً من السماء كالبرق" (لو 10: 18). بدا الشيطان في العهد القديم بشكل حيّة، بشكل المرض والموت، ولكنّه ظلّ خفيّاً. ولكنّ العهد الجديد سيُظهر شروره بكلّ وضوح: إنّه الظلمة تجاه النور، إنّه ذلك الذي استعبد الانسان وستكون نهايته في النار والكبريت (رؤ 21: 8).

2- الشيطان في العهد الجديد
يصوّر لنا العهد الجديد مبدأين، أو بالأحرى مملكتين تتصارعان، فتحاول الواحدة أن تسيطر على الأخرى. سيبدو لنا المسيح كالأقوى. يرى "القويَّ المتسلِّح فيجرِّده من جميع سلاحه ويقسّم غنائمه" (لو 11: 21- 22). سيغلب الشيطان في حرب روحيّة. وينتج عن هزيمته تحرُّر البشريّة التي خضعت له. أجل، سيُنتزع الانسان من سلطان العدوّ حين يولد ولادة جديدة، وحين يحلّ فيه مبدأ حياة روحيّة يلغي المبدأ القديم. ولكن، لم يكن باستطاعتنا أن نكتشف الوجه الحقيقي للمعركة لولا مجيء النور. أمّا وقد جاء المسيح، فقد نزع القناع عن الشيطان وواجهه في عقر داره.
أ- تجربة يسوع في البرّية (لو 4: 1- 13)
إنّ التجربة في البرّية وضعت يسوع تجاه خصمه بطريقة شخصيّة. لن نجد تفصيلاً في الانجيل يساعدنا على رسم صورة دقيقة لهذا الوجه الذي "رآه" يسوع. غير أنّ حواره مع إبليس يكشف لنا العمل الحقيقيّ للشيطان في العالم. هنا، وفي المرّة الأولى من حياته كإنسان، وعى الكلمة المتجسّد وعياً كاملاً كلّ ما يعني "عالم مغموس كلّه في الشرّير أو الشرّ". وإذ أراد، وهو آدم الجديد، أن يحقّق ملكوته ويدخلنا إلى هذا الملكوت مطهّرين ومبرّرين، وجب عليه أن يمرّ بحرّيته في بوتقة المحنة. وفي الوقت عينه، أخذَ على عاتقه مسيرة شعبه الخارج من مصر، فكشف معنى هذه السنوات الأربعين من التجربة في البريّة.
التجربة هي هذا الانشداد الروحي الذي فيه يدعى كلّ إنسان لكي يعيش ويموت: نداءان متعارضان يدفعان في الوقت نفسه، قلبَ ذلك المجرّب إلى اتّخاذ قرار: انقسمت حوّاء بين وعد الله (تك 2: 16- 17) وإغواء الحيّة (3: 5). وإبراهيم بين العهد (تك 21: 12) والذبيحة المطلوبة (تك 22: 1 ي). وأيّوب بين الهه (أي 2: 10) والشيطان (2: 9، مع امرأة أيّوب). وداود بين نقاوة القلب (مز 51: 2) وضعفه (2 صم 11: 27). وإسرائيل بين محنة الايمان (مز 81: 8) وتذمّرات الكفر (خر 17: 1 ي). والمسيحي بين الآب والشرّير (مت 6: 13). إذاً، التجربة هي في الوقت عينه صالحة وشّريرة، لأنّنا فيها نحسُّ بالنداء إلى الإيمان وبالإيعاز بالخطيئة. على ضوء هذا الالتباس، يمتحننا الله وإبليس كلاهما. أن يمتحننا إبليس، هذا ما رأيناه في العهد القديم: عمله الإغواء وهدفه التدمير. ولكنّه ليس حرّاً كلّ الحريّة بتجريب البشر. حين يجرّب فهو يفعل دوماً بإذن وسماح من الله (أي 1- 2؛ 1 كور 10: 13؛ مت 4: 1). وحين يجرّب الله فهو يفعل بنيّة إيجابيّة: هو يريدنا أحراراً، هو يطلب منّا العبادة الحرّة. قال الربّ في تث 30: 15- 20: "وضعت أمامك الموت والحياة، وطلبت منك أن تختار الحياة". الله هو الذي يفحص الكلى والقلوب، أي العواطف والأفكار وأعماق الاقلوب، لكي يخرج منها النور الخفيّ في الانسان (مز 7: 10). ومهما كانت المحنة قاسية وصعبة، فهي تعمل دوماً، على تنقية المجرّبين وتقديسهم.
ولكن، إذا كنّا نفهم بسهولة بُعد التجربة في حياة إنسان عاديّ، فالواقع يحيرّنا حين نكون أمام المسيح. هذا ما لم يعوّدنا عليه التقليد اليهودي. فهناك تقليد من تقاليد المعلّمين يفسّر مز 36: 10 (في نورك نرى الربّ) في تعليق على أش 60: 1 (قومي أنيري أو استنيري فإنّ نورك قد وافى) على انّه يدلّ على بهاء المسيح. رآه الشيطان فارتمى ساجداً له. ثمّ جاءت الملائكة فرفعته على قمّة الهيكل لا ليجرَّب، بل ليعلن سلطانه الشامل وخضوع الوثنيّين له. ولكن ما رآه المعلّمون ظهوراً مسيحانيّاً، قد رفضه يسوع واعتبره إيحاء شيطانيّاً، وهو من سيقول لبطرس المحتجّ على آلام المسيح وموته: "اذهب خلفي، يا شيطان! أنت حاجز في دربي. ليست أفكارك أفكار الله، بل أفكار الناس" (مت 16: 23).
وغاص يسوع في البريّة، تلك الأرض المخيفة (تث 1: 19) والخَربة (حز 6: 14) والقاتلة (إر 2: 6)، وأرض تجربة الإيمان. لا يستطيع الانسان أن يعيش فيها، فهل يثق بنعمة الله، أم أنّه سيغضب ويفقد صبره فيفضّل العودة إلى مصر؟ إذا كان الله قاد شعبه إلى هناك، فليدلّ هذا الشعب، في شظف البريّة، على حقوق الله. واقتيد المسيح إلى البريّة وجُرِّب بدوره ليبرز الصراع الخفيّ بين الله والشيطان بشأن مستقبل البشريّة. فإذا بدا إبليس وكأنّه سيّد الأرض، وكأنّه في بيته في العالم، فالله الذي يمتلك وحده كلّ سلطان على العالم، أرسل ابنه ليستعيد هذه السيادة المطلقة: "ظهر ابن الله ليدمِّر إبليس" (1 يو 3: 8).
التجربة الأولى: عارضت فكرةُ المسيح فكرة المعلّمين الذين اعتبروا أنّ المسيح سيطعم الفتراء خبزاً (يو 6: 14). قال الناس بعد تكثير الخبز: هذا هو النبي الآتي إلى العالم. ولكن يسوع كشف القناع عن إبليس ورفض المعجزة. ما أراد أن يستند إلاّ إلى قوّة كلمة الله: "لا يحيا الانسان بالخبز فقط" (تث 8: 3). هذا هو أسلوب يسوع: لا وسائل العظمة بل وسائل الفقر.
والتجربة الثانية، حسب لوقا، وضعت الخصمين في قلب العالم. عرضَ الشيطان على المسيح أن يقيم التيوقراطيّة (أو حكم الله) المسيحانية، وبالتالي سلطانه، لأن كلّ سلطة لا تخصْ الله تعود إلى الشيطان. ولكن يسوع جاء يؤسّس مملكة الله في هذا العالم الذي استسلم لابليس بسبب تخلّي الانسان عين مسؤوليّاته. ولهذا فهو سيُتمّ يوماً بعد يوم مهمّته الخلاصيّة المتواضعة: "إنّ ملك العالم قد صار لربّنا ولمسيحه، فهو يملك إلى دهر الدهور" (رؤ 11: 15). ولقد رأى الشيطانَ هابطاً من السماء كالبرق (لو 10: 18).
والتجربة الثالثة ترتبط بتقليد يهودي يعتبر أنّ المسيح يظهر من أعلى الهيكل. وها هو الشيطان يُسرّ في أُذن يسوع: "إن كنت ابن الله". ولكن يسوع قد تجرّد عن طبيعته الالهيّة وصار بشراً حقّاً. أحسّ بتجربة شعبه في البريّة. تذمّروا فقالوا: "هل الله معنا أم لا" (خر 17: 7)؟ وانتصر يسوع على التجربة فرفض أن يمتحن أباه. قال للشيطان: "لا تجرّب الربّ إلهك" (تث 6: 16).
وهكذا بدا الشيطان بوضوح أنّه المضادّ للمسيح وخصم الملكوت (مت 13: 28، 39). إنّه الخبيث (راجع شطن في العربيّة) والشرّير الذي يجرّب المسيحيّين اليوم كما جرّب المسيح في المايهما. أما نصلّي إلى أبينا السماوي ونطلب منه أن يخلّصنا من تجربته وقبضته (مت 6: 12- 13)؟ ولكن هذا الشرّير لا يزال يزرع الزؤان في الكنيسة حتى نهاية العالم (مت 13: 38). وفي العشاء الأخير، لمّح المسيح إلى تسلّط الشيطان المتواصل على العالم (1 يو 5: 19: "العالم كلّه تحت سلطان الشرّير")، فأكّد بوضوح أن تلاميذه لا ينتمون إلى عالم الشيطان، وصلّى إلى أبيه ليحفظهم من الشرّير (يو 17: 14- 16).
ب- إخراج الشيّاطين في الأناجيل الإزائيّة
نحن نرى خلال حياة المسيح العامّة، مواجهة دراماتيكيّة بين الشيطان وعالم الخطيئة، وبين يسوع الذي جاء ليزيل خطيئة العالم. كان هناك رجل قويّ هو الشيطان، فجاء من هو أقوى منه (لو 12: 21- 22).
جاء ابن الله إلى عالم يسيطر عليه الشيطان المدجّج بالسلاح. فطرحه إلى الأرض، وانتزع منه سلاحه واستولى على خيراته. كانت الحرب قاسية في البريّة. ولكن، بعد أن أنهى الشيطان كلّ أنواع التجارب ابتعد إلى حين (لو 4: 13). أمّا مملكة الله فبدأت تظهر في شخص المسيح الذي استعمل قدرته تجاه "المتشيطنين" (أي الذين فيهم شيطان) فأعلن اختلال مملكة الشيطان. ما هي طبيعة سيطرة الشياطين هذه؟ لسنا أمام اضطرابات عصبية وهستيرية، بل أمام واقع تعرّف إليه المسيح. وهو يؤول إلى إظهار مجيء الملكوت ومجده.
خلال إقامة يسوع الأولى في كفرناحوم، النقى في المجمع، برجل امتلكه روح نجس. حرّر يسوع ذلك الرجل، فاشتهر في كل الجليل (مر 1: 32- 38؛ لو 4: 33- 37). وأعلنت أرواح نجسة أخرى أن يسوع هو ابن الله أي المسيح. ولكن يسوع أسكتها وأخرجها من الناس المعذّبين بها (مر 3: 12؛ يوحنّا 4: 41؛ مت 8: 29). واعتبر الكتبة أنّ يسوع يطرد الشيّاطين باسم بعل زبول. فأجاب يسوع أنّ الشيطان لا يعمل ضدّ نفسه ولا يدمّر مملكته (مر 3: 22- 26). وأعلنوا أن يسوع مسكون بروح نجس، فجدّفوا على الروح القدس واقترفوا خطيئة لا تغفَر (مر 3: 29- 30). إنّ يسوع يطرد الشيّاطين بروح الله، بإصبع الله. وممارسة هذا السلطان تبرهن أن ملكوت الله اقترب من البشر.
لا شكّ في أنّ قوة الظلمة هذه التي ردعها يسوع خلال حياته العامّة، قد تسلّطت عليه لحظة، في وقت آلامه، فاستطاع اليهود (معاونو الشيطان) أن يمسكوه ويقتلوه (لو 22: 53). ودخل الشيطان في يهوذا فخان سيّده (لو 22: 3؛ يو 13: 27). ولكن، حين انتصر يسوع بقيامته الانتصار النهائي على الشيطان والخطيئة، أعطى رسله السلطان بأن يطردوا الشيّاطين باسمه (مر 16: 17).
ج- الشيطان في إنجيل يوحنّا
أولاً: سلطان هدا العالم
جاء ملك أورشليم يطرد سلطان هذا العالم عن عرشه. وها إنّ ملكوت الله يحلّ محلّ ملكوت الشيطان. هذه الوجهة من رسالة يسوع تلقي ضوءاً على آلامه، على "ساعته": "لا تخافي يا صهيون، فها ملكك يأتي" (لو 12: 24). "ها إنّ سلطان هذا العالم يُطردُ خارجاً" (يو 12: 13). "العالم كلّه تحت سلطان الشرّير" (1 يو 5: 19).
إنّ السلطان الذي يدّعيه المجرّب على الكون كلّه (لو 4: 6)، يجد تعبيره في لقب "سلطان هذا العالم" الذي أقرّ به يسوع ليلة آلامه. ولكن، من أين للشيطان هذا السلطان؟ منذ البدء، آمن الانسان بالشيطان الذي أغواه وخان الربّ، وهكذا صار العالم تحت سلطان إبليس. هذا ما كان من آدم الأوّل. ولكنّ آدم الثاني سيستعيد المملكة وينال السلطان على كلّ الخلائق المنظورة وغير المنظورة.
ثانياً: أبو الكذب
أجل، هذا هو الدور الذي لعبه إبليس تجاه الله والبشر: إنّه أبو الكذب، كما قال عنه يسوع (يو 8: 44). وها نحن نشهد المواجهة من جديد، بين الحقيقة والكذب. الحقيقة هي الله. أمّا الشيطان فهو كذّاب ومنذ بداية الخليقة يحارب إله النور والحقّ. هو يكذب بكيانه وبكلّ توجّهات قلبه العميقة.
قال يسوع لليهود: "الحقّ الحقّ أقول لكم: أن كلّ مَن يعمل الخطيئة، هو عبد للخطيئة. أنا أعلم أنّكم ذريّة ابراهيم، ولكنّكم تطلبون قتلي، لأنّ كلامي لا ينفذ فيكم. أنا أتكلّم بما رأيت عند أبي، وأنتم أيضاً تعملون بما سمعتم عند أبيكم". فأجابوه: "إنّ أبانا إبراهيم". قال لهم يسوع: "إن كنتم أبناء ابراهيم فاعملوا أعمال ابراهيم. ولكنّكم الآن تطلبون قتلي... إنّ أباكم هو إبليس، ورغبات أبيكم تبتغون أن تحقّقوا. إنّه من البدء قاتل الناس، ولم يثبت على الحقّ، لأن لا حقّ فيه. فإذا ما نطق بالكذب فإنّما يتكلّم بما عنده، لأنّه كذّاب وأبو الكذب" (يو 8: 34- 44).
كذبَ الشيطان على نفسه، وكذبَ على حوّاء. ولقد جعل النصّ السامري كلمة "كذّاب" محل "حيّة": قال الكذّاب للمرأة (تك 3: 4). ثمّ إنّ كذب الانسان يقوم بأن لا يقبل الله، بأن يستقلّ عنه، بأن يقتدي بالشيطان "القاتل" الذي يذبح ضحيّته. حين يقول يسوع: "أنا أقول الحقّ"، فهذا لا يعني فقط أنّ كلماته توافق الواقع، بل إنّها تدلّ على الله نفسه، بل هي الحدث الذي فيه يقترب الله من الانسان ليكشف له كذبه. والفرّيسيّون الذين يعارضون الكلمة (يسوع) يدلّون على انّهم "أبناء الشرّير"، "أبناء جهنّم". أمّا الكلمة فهو حامل سلطة الله، وأبناء الآب هم اخوته (عب 2: 10- 18)، وهو بالنسبة إليهم الرأس والمبدأ. أمّا الشيطان فهو يمارس دوره تطاولاً واغتصاباً. والذين يرتبطون بمملكة الشيطان يقيمون معه علاقة شبيهة بعلاقتنا بالله أبينا: "من اقترف الخطيئة كان من الشيطان" (1 يو 3: 8). ويقابل يوحنا بين أبناء الله وأبناء إبليس (1 يو 3: 10). أبناء الله وُلدوا من الله ويحملون في ذواتهم زرع الله" (1 يو 3: 9). ولكن إذا كنّا من الله، "فالعالم هو تحت سلطان الشرّير" (1 يو 5: 19).
لن نتوقّف عند ما قاله يوحنا حول سلطان هذا الزمن الحاضر (رج أف 2: 1- 2)، ولا عند مصير الشيطان كما يصوّره سفر الرؤيا: "أنّ المؤمنين غلبوه بدم الحمل، وبكلمة شهادتهم" (رؤ 12: 11)، بانتظار أن يطرَد خارجاً (يو 12: 31). ولقد قال عنه سفر الرؤيا أيضاً (20: 9- 10): "وأمّا إبليس الذي أضلّ المؤمنين، فطُرح في بحيرة النار والكبريت حيث الوحش والنبيّ الكذّاب. هناك يعذّبون نهاراً وليلاً إلى دهر الدهور".

خاتمة
رافقنا الكتب المقدّسة وهي تتكلّم عن الشيطان، ولكنّنا اكتشفنا حبّ الله عبر التاريخ. نحن هنا في وجهة من وجهات السرّ الفصحي في الكنيسة، ونحن نشاهد معارضة الشرّير لله. قد يكون الشرّ أنهى كلّ محاولاته، ولكن الله يختار له بقيّة يقودها من الظلمة إلى النور. وما زال الشرّ، ولا يزال لفترة طويلة، ممزوجاً بالخير (مت 13: 30). ولكنّ الكنيسة المجاهدة تشاهد في الأفق، مجيء يسوع والقيامة والدينونة، وتنتظر الوقت الذي فيه لن يترك يسوع أسلاباً في يد العدوّ. "حينذاك، وبعد أن يكون قد أخضع له كلّ شيء، يُخضع الابن نفسه للذي أخضع له كل شيء ليكون الله كلاًّ في الكلّ" (1 كور 15: 28).

الفصل الثلاثون
مسحة المرضى، سر من أجل الحياة

إذا أردنا أن نتحدّث عن مسحة المرضى، لا بدّ من أن نشدّد على أن المرض ليس كل الألم البشري. فهناك الألم المعنوي حين يتخلّى رجل عن امرأته، أو العكس بالعكس، حين تثكل أم إبنها... ومع ذلك، يتسجّل المرض في تضاعيف الخبرة البشرية بما فيها من سلبيات، يتغلغل في الانسان فيمزّقه ويصلبه في ملء كيانه. من يرافق المرضى والشيوخ يعرف كل هذا التشوّه البشري الذي يصل بنا إلى الموت قبل الموت.
تتوسّع الأخبار الانجيليّة في لقاءات يسوع مع المرضى. وشهادتها تدلّ على أن هذه العلاقة طبعت التلاميذ بطابعها. فالشفاءات هي أكثر من نشاط عجائبيّ. هي تعليم وكشف لوجه الله. وهي تأخذ كامل معناها في فصح المسيح، في آلامه وموته وقيامته.
وحين رأت الكنيسة في مسحة المرضى سراً من أسرارها السبعة، شدّدت على أن الذي يتقبّل هذا السّر، يمرّ فيه موت الربّ وقيامته فيجعله كائناً جديداً يحييه الروح. ولكنّنا نلاحظ أن الناس لا يحبّون هذا السّر. يحسبونه سّر الموت لا سّر الحياة. ينسون أن الكاهن يطلب صحّة الجسد للمريض وصحّة النفس للخاطىء من أجل حياة جديدة ومتجدّدة في المسيح. فهل نترك "مسحة المرض" جانباً فنترك مرضانا في عزلتهم وعلى هامش الحياة، أو نستقبلهم باسم الكنيسة وتقليدها البشري والروحي؟ إذن نحاول التجاوب مع حاجاتهم الخاصّة، ونكون بقربهم في صمت وصلاة كما حاول أن يفعل أصدقاء أيوب أول ما وصلوا إليه، "جلسوا على الأرض سبعة أيام وسبع ليال من غير أن يكلّمه أحد بكلمة" ليعظه فيها. هو لا يحتاج إلى وعظ، "لأنهم رأوا كم كانت كآبته شديدة" (أي 2: 13).
ننطلق من ممارسة يسوع وتعليمه، فنرسم "تاريخ" مسحة المرضى حتى فاتيكان الثاني، فنصل إلى الزمن الحاضر حيث يرى الإنسان في المرض والموت أمراً محتوماً (كتب له). لا يستطيع أن يرضخ أو ييأس ويصرخ، ويرى فيه إخوتُه شخصاً يجب أن يسكت لكي لا يزعجهم بصراخه على مثال أعمى أريحا (مر 10: 48).
1- ينابيع التقليد
أ- في العهد الجديد
قال يسوع في بداية حياته العلنيّة: "روح الربّ عليّ لأنه مسحني... وأرسلني لأنادي للأسرى بالحريّة، للعميان بعودة البصر إليهم، لأحرّر المظلومين" (لو 4: 18). في المجتمع اليهوديّ ارتبط المرض بالنجاسة والخطيئة، فصار المريض على هامش المجتمع، لا يحقّ له أن يتّصل بالآخرين ولا أن يصليّ معهم. ذاك كان وضع الأبرص: يعيش بعيداً عن الناس. لا يحقّ له أن يدخل إلى الهيكل. مدّ يسوع يده ولمسه لمسة الحنان. أرسله إلى الكهنة، إلى الهيكل، لكي يستعيد مكانته وسط شعبه (مر 1: 40- 45). ذاك كان وضع النازفة: لم تتجاسر أن تلتقي معه بسبب الجموع. ولكننا نسينا الجموع ولم ننس هذه "النجسة" في نظر العالم اليهودي. قال لها يسوع: "يا ابنتي (للتحبّب) إيمانك شفاك. فاذهبي بسلام وتعافي من دائك" (مر 5: 34).
فالحوار بين يسوع والذين يشفيهم يذهب دوماً أبعد من طلب شفاء بسيط يتيح للمريض أن يعود إلى المجتمع. ففي كل مرّة يشدّد يسوع على انتقال من الشفاء إلى الخلاص (والحياة، كما نقرأ في النصّ السرياني: إيمانك أحياك) بواسطة التوبة والإيمان. فالصحة المستعادة لا تعني عودة إلى الحالة السابقة، بل تفترض ولادة جديدة وتحرّراً من قيود الخطيئة وتقبّلاً لعطية الله في المسيح. والخاتمة التي تكون قد روت أخبار الشفاء هي الوصول إلى مديح الله وتمجيده. فالأبرص "أخذ يذيع الخبر وينشره في كل مكان" (مر 1: 45). وبعد شفاء المخلّع "تعجّب الآخرون ومجّدوا الله" (مر 2: 12). ولجيون، صاحب الشياطين العديدين، "أخذ ينادي في المدن العشر (بين الوثنيين) بما عمل يسوع له، وكان جميع الناس يتعجّبون" (مر 5: 20). وبعد شفاء الأصمّ المنعقد اللسان، "كانوا يقولون بإعجاب شديد: ما أروع أعماله كلها! جعل الصمّ يسمعون والخرس ينطقون" (مر 7: 37).
حين يقول يسوع كلمة حول الأشفية التي يجترحها، فهو لا يشدّد على هذه الأشفية، بل على البشرى التي تكشفها وتحرّكها. فأخبار الأشفية هي في خدمة رسالة يسوع وشهادة التلاميذ، وهي تأخذ كامل مدلولها في فصح المسيح فتكشف كشفاً كاملاً عمل التحرير الذي تمّ ويتمّ كل يوم، الذي يدشّن ملكوت الله. نحن لسنا أمام شبه تحرير أو نصف تحرير. فالأشفية، وإن كانت محدّدة، فهي تدلّ على أن هذا التحرير وهذا الخلاص اللذين قدّمهما يسوع يعنيان الإنسان بكليته، يعنيانه نفساً وجسداً.
ونلاحظ أن الأناجيل قدّمت لنا عدداً من أخبار الأشفية وصمتت سائر نصوص العهد الجديد، ما عدا أعمال الرسل. هذا ما يسند قراءتنا. أما رسالة يعقوب فهي شهادة عن عمل يُمارس باسم الربّ من أجل المرضى في الجماعة. هي ممارسة تكشف تنظيمها الروحي والطقوسي. قال يع 5: 13- 14: "هل فيكم محزون؟ فليصلّ! هل فيكم مسرور؟ فليسبّح بحمد الله! هل فيكم مريض؟ فليستدع شيوخ (كهنة) الكنيسة ليصلّوا عليه ويدهنوه بالزيت باسم الربّ". هناك أولاً صلاة فرديّة يقوم بها المحزون. ثم هناك صلاة الكنيسة من أجل مرضاها. أما الدهن فيتجذّر في عمل طبيّ (لو 10: 34، صحة الجسد) ودينيّ. ذكر مر 6: 13 هذا الدهن فتجذّر مع شفاءات اجترحها الاثنا عشر.
وبما أن هذا الدهن يُصنع باسم الربّ، كالمعموديّة مثلاً، فهو يدلّ على إيمان الكنيسة بقدرة الربّ القائم من الموت. من هنا انطلقت الكنيسة لتتحدّث عن مسحة المرضى التي تمارسها أيضاً على المقعدين دون أن يكونوا مهدّدين تهديداً مباشراً بالموت. كما تمارسها بشكل جماعيّ من أجل طلب نعمة في مرحلة صعبة من مراحل الحياة فيها المقعد والمتألّم والمهمّش بسبب عاهة في جسده.
ب- على مرّ التاريخ
نتوقّف هنا عند المحطات المهمّة في تاريخ سّر مسحة المرضى وما فيه من عناصر تساعدنا اليوم على فهمه.
- إذا كان مر 6: 13 يبرّر التجذّر الانجيلي لهذا السّر، فإن يع 5: 13- 14 يدلّ على الممارسة الرعائيّة. وكل الذين كتبوا فيما بعد عادوا إلى هذين النصّين المؤسسين. نحن أمام شهادة فريدة لممارسة الصلاة والدهن بالزيت المقدّس من أجل المرضى. ولن نجد لها آثاراً قبل القرن الثالث حيث ينتظم الطقس ويتكوّن. أما الصمت بين النصّ الكتابي والقرن الثالث فلا يعني تجاهلاً لممارسة، بل يعني أن هذه الممارسة لم تطرح سؤالاً خاصاً يتطلّب جواباً في الكنيسة. فالكنيسة تعيش الأسرار بسلام. ولا تتكلّم عنها إلاّ إذا طُرح سؤال، أو برز تعليم ضالّ.
- في القرن الثالث، جاء تقليد هيبوليتس وشدّد على مباركة الزيت بيد الأسقف. إنه العنصر المركزي والحاسم. فالمرضى يستعملون الزيت بأشكال متعدّدة: يُمسحون به، يشربونه... كل مؤمن يستطيع أن يمسح مؤمناً آخر، بل أن يمسح نفسه إذا شاء. لا خادم خاصاً لهذه المسحة. وعمل الزيت يشفي ويخلّص. يدخل في ذاك الذي يلجأ بإيمان إلى قوة المسيح الذي يشفي كل مرض ويمنح مواهب الخلاص الروحانيّة.
- وتمّ إصلاح في القرن العاشر، فشدّد على بعفى المعاني على حساب الأخرى: المهم ليس البركة، بل المسحة بالزيت. وهذه المسحة لا يقوم بها المؤمنون، بل تحفظ للكهنة. وشدّد الاصلاح أيضاً على الخيرات الروحيّة وغفران الخطايا. ما زال يتحدّث عن نتائج شفائيّة على مستوى الجسد، ولكنها صارت ثانويّة وعابرة. ونلاحظ في خاتمة القرون الوسطى بأن مسحة المرضى صارت المسحة الأخيرة، مسحة الموتى. وسيعود المجمع التريدنتيني بشدّة إلى التوبة وغفران الخطايا. ويبيّن الحقّ القانوني واللاهوت الأدبي أن مسحة المرضى تفعل ما يفعله سرّ التوبة إذا غاب المؤمن عن الوعي ولم يعد يستطيع أن يقرّ بخطاياه نادماً عليها.
- سنة 1972، كان تنظيم روماني في خطّ المجمع الفاتيكاني الثاني، فشدّد لا على المسحة في حدّ ذاتها، بل على عمل رعائي من أجل المرضى يكون فيه للمسحة المكان المركزي. يقول: "ما إن يتعرّض المؤمن لخطر الموت من جرّاء المرض أو الشيخوخة، فهذا يعني أن الميقات المناسب لمسحة المرضى قد حلّ" (في الليتورجيا رقم 73).
سنتوسّع في الوجهات اللاهوتيّة والروحيّة والليتورجيّة والرعائيّة. ولكن قبل ذلك نتوقّف عند نظرة الإنسان المعاصر إلى الصحة والمرض والموت.

2- نظرة الإنسان إلى المرض والموت
من المعلوم أن تطوّر الطبّ قد حوّل تحويلاً أساسياً علاقة الإنسان بالصحّة والمرض والموت. وهذا التحوّل بدا جذرياً بسبب توسّع المدن التي بدّلت في العمق العلاقات بين البشر.
توسّع الطب الذي "يشفي"، وتحسّنت ظروف الصحة والتغذية، فكاد موت الأطفال يختفي من البلدان المتطوّرة، ولم يعد معدّل العمر 30 سنة كما كان في الماضي. وفي الوقت عينه قدّم لنا المجتمع صورة عن الانسان تقابل رغبته بالخلود: شاب، جميل، رياضي، مرتاح في حياته، معدّ للنجاح. مثل هذه الصورة تمحو من عالمنا الانسان المعاق على المستوى الجسدي والنفسي، والمريض والعجوز، لأنهم يشوّهون صورة الانسان التي في أذهاننا.
كان الانسان يعرف نفسه مائتاً (أنت من التراب وإلى التراب تعود). ونحن نتركه يموت، وهو يعي بوادر الموت الحاضرة في كل مرض. أما الآن فجاء تطوّر الطبّ وتزايدُ الأدوية، فنسينا الحقيقة المرتبطة بالمرض والشيخوخة. نسينا الموت، وإن كنا ما زلنا نخاف منه بسبب حوادث السير أو أمراض السرطان والقلب والسيدا التي "تفرض" نفسها.
كانت العائلة في القرية هي الموضع الذي يُود فيه الإنسان ويحيا ويموت. فحلّ محلّها المستشفى والمأوى، فتولّد انفصام بين الانسان الواقف "على رجليه" المتنعّم بالصحة والمشارك في الحياة العائلية والاجتماعيّة والاقتصاديّة والسياسيّة، وبين ذاك الإنسان عينه الذي مرض وشاخ، فأحسّ أنّه على هامش المجتمع، أنه لا ينفع في شيء، أنه لا شيء.
الإنسان هو مائت، تلك حقيقة أساسيّة تعيد الإنسان إلى السؤال الأول حول معنى الحياة. فالعلاقة بين الموت والحياة تُطرح في منطق التواصل وفي منطق الانقطاع. كانت المجتمعات القديمة تُدخل الموت في الحياة فتُبرز فكرة التواصل. أما المجتمعات الحديثة فتخفي الموت وتحاول أن تقوده بحسب طريقتها: إنها تدمج وجه الانقطاع والعبثية فيه فتعتبره "عادياً".
إن مجتمعاتنا تعيش المفارفة تجاه الموت. فحين يسبّب الموت حروباً وزلازل وحوادث، تمتلىء محطات الإذاعة والتلفزة والصحف من هذه الصور. وفي الوقت نفسه ننسى الآلاف الذين يموتون في المستشفيات. نتوقّف عند "الموت العنيف"، وكأننا نريد أن نسيطر عليه بواسطة "التلفزيون" مثلاً. في الواقع، إن مواجهة المرض اليوم يفرض على الإنسان أن يتساءل عن الحياة. ولا يمكنه أن يتعافى وإن كان السؤال صعباً وخطراً. نحن أمام صراع نعيش فيه وحدنا. ويكون صراعاً بنّاء حين يفتحنا على كلمة يستطيع الآخر أن يدركها، وصراعاً مدمّراً حين يغيب كل اتصال ويغلقنا في صمت قاتل.
في هذا الخيار، كيف نحطّم "منطق السجن" لكي يتفجّر من هذه الخبرة الجذريّة للمرض، كلمة حياة أقوى من الصمت، وإن كان المرض يقود إلى الموت؟
حاولت الديانات والفلسفات أن تقدّم جواباً. أما المسيحيّة فانطلقت من موت يسوع وقيامته، فشهدت بشكل فريد ومستمرّ على أن كلمة المسيح الحيّ هى أقوى من صمت الموت. فحين مرّ المسيح في الموت، كشف لنا أن لا معنى حقيقياً للحياة من دون عبور في الموت. وأننا عبر الموت، نجد التعبير عن الحياة ككلّ، كعطيّة الله للانسان. فالموت هو للانسان الفعل الذي به يتخلّى عن حياته لكي يتسلّم الحياة التي تأتيه من الله.

3- سّر من أجل الحياة
ما قيمة تقليد ينغلق على الحداثة؟ وما قيمة حداثة تنغلق على علم ما زال في مهده معتبرة أن التقليد هو قديم وقد زال وبلي؟ إذن، هناك تزاوج بين التقليد والحداثة طلبه المجمع الفاتيكاني والثاني، ونحاول نحن أن نأخذه في لاهوتنا ورعائياتنا.
هناك في المرض صراع بين أدوية تتطوّر وتتطوّر، وبين ضعف يصل بنا إلى الانحلال. هناك كلمة تستطيع الكنيسة أن تقولها فلا تجعل المريض ييأس من محاولات الطب. وفي الوقت عينه هي ترافقه في المحنة والألم حتى العبور الأخير، حتى الموت.
إن مسحة المرضى تدخل في رعاية المرضى، وهي العنصر الأسراري الأول. فإن غابت هذه الرعاية لا سيما في المستشفيات (وربما في الرعايا)، ظلت مسحة المرضى غير مطلوبة وغير معروفة لدى المؤمن. وهذا يعني بالنسبة إلينا ملاحظات رعائيّة ولاهوتيّة وليتورجيّة.
أ- على مستوى الرعاية
إن نموّ رعاية المريض يسير في التقليد الكنسي الذي يدعونا لكي نكون قريبين من المرضى. كما يدعونا إلى الأخذ بعين الإعتبار التحوّلات الاجتماعيّة الحاليّة. هنا نشير إلى ان احتفالات (في أوروبا) جماعيّة بهذا السّر قد تمّت في الرعية أو مأوى العجّز، فشارك فيها عدد كبير من الرجال والنساء. وفي خبرة المرافقة التي يقوم بها الكاهن (أو غيره)، قد نستطيع أن نفتح باباً لا يكون فقط حواراً بين أنا (الكاهن) وأنت (المريض) فيتعلّق المريض بالكاهن. بل حواراً مع الآخر، مع الله الذي وحده يخرجنا من ذاتنا ويفتحنا على المستقبل. غير أن عرض مسحة المرضى يفترض مرافقة روحيّة بشريّة وتعليميّة. كما يفترض كنيسة متطوّرة. وإذا مارسنا هذا السّر في غرفة المريض، حيث يمكن أن ينغلق الإنسان على ذاته، فهذا يعني أن السّر الذي يتمّ، هو أبعد من المحتفل به (وإن كان لباسه الأسود مخيف أحياناً)، وإنه يفتحنا على المسيح الذي خرج منتصراً من القبر والموت.
ب- على المستوى اللاهوتي والروحي
إن أساس مسحة المرضى هو سّر فصح المسيح (عبور). فالمريض الذي ينغمس في ألم المسيح وموته، يكتشف انه ليس فقط كتلة مفكّكة من لحم ودمّ. بعد أن صار عضواً في قيامة الربّ، يوم عماده، جاءت المسحة وأوّنت (أي فعلت الآن) له في وضعه الحاضر معنى حياته كإنسان. يسمع في عزلته صرخة يسوع على الصليب (إلهي إلهي لماذا تركتني)، فيكتشف أنه يستطيع أن يتصل بالله وبالذين يجاورهم. هو الذي بعماده اتصل بالثالوث الأقدس وبالجماعة الكنسيّة، قد أدركه المسيح خلال عبوره في الموت، فدعاه إلى أن يتخلّى عن حلم الخلود لكي يتصالح مع القيامة في وضعه كحيّ مائت منفتح على المستقبل.
وهكذا يمتدّ معنى مسحة المرضى في رموز ثلاثة: هي تعمل بالكلمة، هي تجمع، هي تجعلنا نستشفّ صورة المسيح الحيّة. وهكذا تبدّلُ أفقَ المريض وتدعوه للدخول في سّر الإيمان. إن الخبرة التي يُدعى إليها قابل السّر هي خبرة روحيّة. ففي محنة المرض يكشف الله عن نفسه أنه الحنون. هو ما جاء لكي يحلّ محلّ الإنسان، أو يكون ضد الإنسان. (ماذا فعلت بالله لكي يرسل إلي هذا المرض) جاء لكي يحمل عنه آلامه. جاء لكي يقاسمنا آلامنا. نقول: مع آلامك يا يسوع. ويقول يسوع: آلامي مع آلامك أيها المؤمن.
هي خبرة روحيّة تُنسج في قلب الإنسان؟ فالله يجيب على صراخ الإنسان كما يقول مز 22. وهو جواب يحوّل الحياة، ويجعل الإنسان يتكلّم من أعماق محنته. تلك هي مسيرة مسحة المرضى: يُدعى الإنسان لكي يكون مسؤولاً عن حياته ساعة يتخلّى عنها لكي يتسلّمها من الله الآب.
ج- على المستوى الليتورجي
بالليتورجيا (التي هي "عمل علني" في الكنيسة) تعبرّ الكنيسة المجتمعة عن كل الغنى الرمزي لهذا السّر. فالاحتفال بسّر مسحة المرضى يتسجّل في حركة تحرّر البشريّة بواسطة المسيح. حركة تدرك ذاك الذي يقيّده المرض، وتحرّره ربما بالشفاء، وتدخله في ميثاق مجدّد يستعيد منه الكائن الممزّق والمعزول والمهشّم، جسده البشري المصنوع على صورة الله ومثاله. وفي هذا الوضع الجديد يكتشف نفسه أخاً أو أختاً، إبناً أو إبنة. عضواً كاملاً في الكنيسة والمجتمع. إن هذا الحدث "الأسراري" يُدخل الإنسان من جديد في كل هذه البشريّة المخلصة، دون أن يمحو المرض، وذلك حتى النفس الأخير.
وفي هذا الرمز الذي نعبرّ عنه في إطار ليتورجي، نتوقّف عند زمنين: الكلمة والمسحة بالزيت.
إن الكلمة تحتلّ مكاناً رئيسياً في القسم الأول من الاحتفال. هي عطيّة الله تتوجّه إلى قلب كل إنسان ولا سيما المريض فتهيّئه للسّر. تعمل باسم المسيح فتجمع في كتلة واحدة رجالاً واناساً مشتّتين ليكونوا جسداً واحداً هي الكنيسة. والمسيح بالزيت الذي هو قلب الاحتفال، يبقى مادة السّر (كما نقول في اللاهوت. فننميّز المادة والصورة). هذا الزيت المحفوظ للمرضى يباركه الأسقف، ويوضع على جبهة المريض ويديه ورجليه... كدواء يُلبسه حياة المسيح ويقيمه مع المسيح. إن زيت المرضى يفتح الإنسان على الآخرين: يخرجه من نفسه، فيعيده إلى دعوته البشريّة والمسيحيّة.

خاتمة
يجب على كل رعاية للمرضى أن تكون نبويّة، أن تحمل كلمة الله إلى الانسان، أن ترتدي حنان الله، فتدعى في تمتماتها لكي تتابع عمل المسيح في البشريّة. فالمريض يعيش بشريّة مشلّعة ممزّقة. في سّر مسحة المرضى، يعيده المسيح بواسطة كنيسته إلى وحدة بشريّته المخلصة، ويجدّده ويعيد له هويته كابن (بالنسبة إلى الله). عُزل المريض، همِّش، جُعل خارج حياته الاجتماعيّة العاديّة، فعاش محطّماً وتُرك وحده. في سّر المسحة تعيده الكنيسة إلى التضامن مع البشريّة وتثبّته في هويته كأخ مع سائر البشر.
نعمة مسحة المرضى هي أكثر من شفاء جسدي (الذي هو ثانوي). إنها تساعد المريض أن يتقبّل نفسه في بشريّته المائتة ولكنها مخلّصة. هي بشريّة يقاسمها مع إخوته. بشريّة لبسها الربّ في يسوع المسيح حتى النزاع في بستان الزيتون والموت على الصليب، لكي نولد في قيامته من حياة مائتة إلى حياة أبديّة.
الفصل الحادي والثلاثون
أنتم شعب كهنوتي

حين كتب القديس بطرس رسالته الأولى إلى المؤمنين المشتّتين في البنطس وغلاطية ليهيّئتم لتقبل المحن التي تنتظرهم، قال لهم: "فاقتربوا من الربّ، فهو الحجر الحيّ المرفوض عند الناس، المختار الكريم عند الله. أنتم أيضاً حجارة حيّة في مسكن روحاني، فكونوا كهنوتاً مقدّساً وقدّموا ذبائح روحيّة يقبلها الله بيسوع المسيح" (2: 4- 5). وكتب القديس يوحنا في المنطقة عينها تقريباً يشجع المؤمنين الذين يضطهدهم حكم دوميسيان الروماني: إن المسيح "هو الذي أحبنا وغسلنا بدمه من خطايانا وجعك منا ملكوتاً وكهنة لله أبيه" (رؤ 1: 6).
ما معنى أن يكون المسيحيون ملكوتاً وكهنة أو مملكة كهنة؟ نحن هنا أمام تفكير طويل في سر المسيح. تأملت فيه الكنيسة وحاولت أن تبحث عن نتائجه بالنسبة إلى المسيحيّين الذي يريدون أن يتبعوا المسيح. ونبدأ طريقنا بالعهد القديم.

1- الكهنة والذبائح في العهد القديم
أ- الكهنة
في ديانة التوراة كما في كل ديانات الشرق، الكاهن هو الوسيط بين الله والبشر. هو يخدم المعبد ويمارس شعائر العبادة فيه. هكذا مارس كل من موسى وهارون دوره كوسيط. يقول سفر العدد (3: 38): "يقيم موسى وهارون وبنوه أمام المسكن (أو المعبد) المقدس. ومن اقترب منه سواهم يُقتل". ولهذا، فحين يُبنى معبد، يكون من الضروري أن يكرّس له كهنة يهتمون بأمور العبادة فيه. يروي سفر القضاة أنه كان لرجل إسمه ميخا معبد في جبل إفرائيم، فصنع له إحتياجات العبادة وأقام أحد بنيه كاهناً له (17: 5). ويقول الراوي في سفر صموئيل الأول (7: 1) إن "أهل قرية يعاريم أصعدوا تابوت العهد (صندوق قدسي يحمل لوحي الوصايا ويرمز إلى حضور الله وسط شعبه)، وأدخلوه بيت ابيناداب على التلة، وكرّسوا العازر إبنه لحراسته". وهكذا فعل يربعام الملك: أقام كهنة من الشعب لبيوت العبادة (1 مل 12: 32).
كان لوظيفة الكاهن كوسيط وجهان إثنان. الأول: يتوسط من أجل الناس أمام الله. الثاني: يحمل إلى الناس كلام الله ووصاياه وأوامره. فالكاهن من جهة هو الذي يقدّم الذبائح، يحمل تقدمات الناس ويرفعها إلى الله. وهو من جهة ثانية يتقبّل "أقوال" الله، يحملها من الله إلى البشر. لهذا كان يستعمل وسائل بشريّة منها الأفود الذي سيصير لباساً كهنوتياً يحمل أسماء الأسباط الاثني عشر بعد أن كان يمثّل في تقليد أوغاريت (رأس شمرا، شمالي مدينة اللاذقية في شمال سورية) الأرض التي تسند عواميد السماء.
كان ملكيصادق أول وجه كهنوتي نتعرّف إليه في التوراة. كان كاهناً لله العلي، وكانت تقدمته الخبز والخمر (تك 14: 18). كان في الوقت عينه الكاهن والملك في شاليم، في تلك التي ستصبح أورشليم (مز 76: 2).
في الأصل لم تكن تقدمة الذبائح محفوظة للكهنة. فربّ العائلة أو ربّ العشيرة كان يقوم بهذا العمل. فإبراهيم أخذ الكبش وقدّمه محرقة (تك 22: 13). وكذلك فعل يعقوب (تك 28: 18). وقدم الملوك الذبائح. صعد سليمان على تلة جبعون ليقدم الذبائح هناك فأصعد ألف محرقة. وتجلى له الربّ في الحلم، فدل على أنه رضي بذبائحه (1 مل (3: 4- 5).
ولكن سيأتي وقت يُمنع فيه الملوك من تقدمة الذبيحة، فيحتفظ الكهنة بهذه المهمّة. أراد عزيا الملك أن يحرق البخور. قاومه الكهنة وقالوا له: "لا يحقّ لك، يا عزيا، أن تحرق البخور للربّ، فهذا من حق الكهنة". وأظهر الربّ موافقته على ما قاله الكهنة، فأصيب عزيا بالبرص، فأسرعوا في إخراجه من الهيكل (2 أخ 2: 16- 21).
ب- الذبائح
ومارس الكهنة هذا الدور كوسطاء بين الشعب والله، فقدّموا مختلف أنواع الذبائح، فاستطاع المؤمن بواسطة الكهنة أن يعبرّ عن اعترافه بالله الذي هو سيّد الخلائق كلها، أن يقدّم له السجود من خلال محرقة، أو ذبيحة تحرق فتعود إلى الربّ معبّرة عن أن الإنسان وكل ما يملك هو للربّ. وعبر وساطة الكهنة استطاع الانسان أن يتّصل بالله بطريقة إلهيّة وذلك عبر ذبيحة السلامة أو ذبيحة العهد. وفي ذبيحة التكفير عن الخطيئة، كان الشعب يتصالح مع الله وينال منه المغفرة عن خطاياه. بدأت ممارسة ذبائح التكفير مع أيام المنفى في بابل (بعد سنة 587 ق. م.)، واتسعت شيئاً فشيئاً فسيطرت على سائر الذبائح. وهكذا تنظم عيد التكفير (أو كيبور) الذي فيه يدخل رئيس الكهنة وحده قدس الأقداس (أي المكان الأكثر قداسة) مرّة في السنة، فيقدّم محرقة عن خطايا الشعب كلّه وعن خطاياه. ورافقت الذبائح صلوات عبرّت عن معنى هذه الذبائح: صلوات الطلب والتوسّل، صلوات المديح والحمد، صلوات الشكر وعرفان الجميل. ولم تكن هذه الصلوات خاصة بهيكل أورشليم، بل عرفتها كل شعوب الشرق الأدنى.
ج- حمل كلام الله
لم يمارس الكهنة فقط دور الوساطة هذا بتقريب الإنسان من الله، خصوصاً في تقديم الذبيحة، بل جعلوا الألوهة قريبة من الإنسان. فالله أظهر نفسه للبشر بواسطة الكهنة. بواسطة الكهنة نقل كلمته وعلّمهم ماذا يعملون. هذا ما يسمّى عالم الكهانة الذي يجعل الكاهن يردّد "قولات" الله. وكان يحصل الكاهن على قولات وحي من الله بواسطة "أدوات" إلهية: كالافود الذي تحدّثنا عنه. فقد لجأ إليه داود مرّة أولى ليعرف مصيره في مدينة قعيلة (1 صم 23: 9)، ومرة ثانية ليعرف هل سيلحق بالذين سرقوا المخيم وسبوا النساء والأولاد (1 صم 30: 7).
في وقت من الأوقات، سيطرت القولة على وظيفة الكاهن في شعب إسرائيل، ثم خسرت مكانتها وحلّت محلها كلمات أخرى ترتبط بشريعة موسى. وهكذا اتخذ الدور التعليمي أهميّة كبرى خلال الإصلاح الإشتراعي (حسب تثنية الإشتراع) الذي قام به الملك يوشيا سنة 622 ق. م. توزّع كهنة المعابد في فلسطين وحملوا التعليم إلى الشعب: "حفظوا كلام الربّ، سهروا على عهده، علّم بني يعقوب أحكامه وبني إسرائيل شرائعه" (تث 33: 9- 10). وقال ملاخي النبي (2: 7): "شفتا الكاهن تحفظان المعرفة، ومن فمه تُطلب الشريعة، لأنه رسول الرب القدير". وسفر يشوع بن سيراخ الذي جُمع في القرن الثاني ق. م. يضم تعاليم ذاك الكاهن في هيكل أورشليم. جمعها تلاميذه وترجمها حفيده إلى اليونانية.
ولعب الكاهن دوراً أخيراً في أرض إسرائيل هو دور القاضي والحكم. هذا ما نجده في فصول عديدة من سفر اللاويين. مثلاً شريعة الطهارة والنجاسة. ولكن الكهنة لا يستطيعون أن يلعبوا دورهم هذا إلاّ إذا كانوا هم أنفسهم أطهاراً بحسب شريعة موسى.

2- يسوع المسيح
ما علاقة يسوع المسيح بالكهنوت؟ هل كان كاهناً بحسب أسفار العهد الجديد؟
أ- يسوع والكهنوت
يسوع الناصري كان من الشعب، من العوام، من العلمانيين. هو لم ينتمِ إلى أسرة كهنوتية. وارتبطت أعماله بالعالم النبويّ لا بالعالم الكهنوتي. ويخبرنا العهد الجديد أن معاصري يسوع سمّوه النبي والمعلم والحكيم. قالوا إنه إيليا الذي عاد. وقالوا أيضاً: دخل فيه بعل زبول، رئيس الشياطين. كان الناس يزحمونه ويضايقونه ولم ينجّسه أحد منهم، لا الأبرص (مر 1: 4- 42)، ولا نازفة الدم (مر 5: 25- 3)، ولا الخطأة والعشارون والزناة (لو 15: 1- 2).
لم يفكّر أحد في يسوع على أنه كاهن. بل كانت كرازته معارضة ومنتقدة لبنى العالم الذبائحي في اسرائيل. فكلمة محرقة التي تدل على ذبيحة طاقسية نجدها 400 مرة في التوراة. أما يسوع فلا يستعملها إلاّ مرتين، وذلك في إنجيل متّى. قال في المرة الأولى: "أريد رحمة لا ذبيحة. وما جئت لأدعو الصالحين إلى التوبة، بل الخاطئين" (9: 13). وقال في المرة الثانية: "لو فهمتم معنى هذه الآية أريد رحمة لا ذبيحة لما حكمتم على من لا لوم عليه" (12: 7). فيسوع يورد في الموضعين نص هوشع النبي (6: 6)، ويدلّ على أنه لا يوافق أولئك الذين يجعلوذ الذبيحة قبل الرحمة، ويضحّون بالخاطىء من أجل شريعة محجّرة، ويفضّلون السبت على الإنسان.
ووعظ يسوع على دمار الهيكل وعارض نظام العبادة فيه. فطرد الباعة منه وسمّاهم لصوصاً، كما استغنى عن الغنم والبقر (يو 2: 14- 15) لأنها ما عادت تنفع بعد أن صار الشعب يكرم الله بشفيته وقلوبهم بعيدة عنه. وبسبب هذه المعاملة للهيكل، بدأت المؤامرة على يسوع. وكان للكهنة الدور الكبير في هذا الصراع الذي أوصله إلى الموت (مت 26: 57- 59؛ 27: 71- 73).
وموت يسوع لم يكن ذبيحة في نظر اليهود. بل كان عقوبة استحقها كمجدِّف. ثم إن كل شعائر العبادة التي عرفتها التوراة كجزء من الذبيحة كانت غائبة. وهكذا لم يكن من الممكن ليهودي أن يجعل من أعمال يسوع ومن موته عملاً كهنوتياً.
ثم إن يسوع نفسه سمّى موته عمل استسلام لله من أجل أخوته. قال قبل إنطلاقه إلى الآلام: "يجب أن يعرف العالم أني أحبّ الآب. قوموا نذهب من هنا" (يو 14: 31). وقال عنه بولس الرسول: "إن ابن الله أحبّني وبذل نفسه عني" (غل 2: 20).
ب- يسوع الكاهن
ومع ذلك تقول الرسالة إلى العبرانيين: "جاء المسيح كاهناً أعلى... فدخل قدس الأقداس مرة واحدة بدمه، فكسب لنا الخلاص الأبدي" (9: 11- 12). ما معنى هذا؟
إن حياة يسوع وموته طُبعا بالطابع الكهنوتي. فهما يدلاّن أفضل دلالة على وساطته بين الله والبشر. فيسوع هو الوسيط الحقيقيّ والوسيط الوحيد. وهكذا يتجاوز العهد الجديد تدريجياً الصعوبات التي ذكرناها في المقطع السابق إلى أن يعبِّر أفضل تعبير عن الطابع الكهنوتي لوساطة يسوع.
حين صوّر لوقا العلامات التي رافقت موت يسوع قال: "انشق حجاب الهيكل من الوسط" (23: 45). نجد هنا إشارة إلى وساطة يسوع الكهنوتية. كان هذا الستار يفصل بين المؤمنين وقدس الأقداس (حيث يقيم الله)، بين البشر والله. ولكن يسوع ألغى بموته الحاجز وصار الإنسان قريباً من الله.
وقابل يوحنا في إنجيله بين جسد يسوع والهيكل. صار يسوع الهيكل الجديد ومركز حضور الله، وحلَّ محل هيكل الحجر (2: 19). وحين تحدّث يوحنا عن الصلب، أبرز وجهات عديدة تصوِّر موت يسوع كأنه ذبيحة، وعمله كأنه كهنوتي (19: 16- 37). مثلاً، كان قميص يسوع قطعة واحدة لا خياطة بها منسوجة كلها من أعلى إلى أسفل. هكذا كان لباس رئيس الكهنة. على الصليب أطفىء عطش يسوع بخلّ وضع على غصن زوفى، وهي النبتة المستعملة لرش دم الذبائح. وحين طُعن جنبه خرج منه دم وماء. هذا ما يذكّرنا بتفسير صخر موسى الذي ضُرب مرتين فخرج منه دم وماء كما يقول المدراش (أو الدرس والتأمل في نص الكتاب المقدس). هذا ما يرمز إلى التكفير وإعطاء الحياة.
وتتوسّع الرسالة إلى العبرانيين في حياة يسوع وموته من الوجهة الكهنوتيّة. فيبدو يسوع المسيح من خلال مز 110 (قال الربّ لسيدي الملك: اجلس عن يميني) على أنه الكاهن الأوحد الحقيقي. فحسب هذه الرسالة، ذلك الذي قيل له: اجلس عن يميني (مر 16: 19، جلس عن يمين الله؛ مت 22: 44؛ 26: 64؛ أع 2: 24؛ أف 1: 20؛ كو 3: 1)، هو ذلك الذي يتوجّه إليه كلام مز 110: 4: "أنت كاهن إلى الأبد على رتبة ملكيصداق" (عب 5: 5- 6). 
وتصوّر الرسالة إلى العبرانيين كهنوت المسيح، فتتذكّر بعض الأحداث التاريخيّة في حياة يسوع الناصري. من جهة يتميّز كهنوت يسوع المسيح عن كهنوت العهد القديم. ومن جهة أخرى فيسوع يسمّى في الحقيقة كاهناً. فبشريّته هي ما يجعله وسيطاً بين الله والبشر. بما أنه يشبهنا في كل شيء ما عدا الخطيئة، فهو يستطيع أن يشفق على ضعفنا (4: 15). ولهذا يقدر أن يكون الوسيط الذي يعاملنا بالرحمة.
وتقابل هذه الرسالة بين كهنوت العهد القديم وكهنوت يسوع بالنظر إلى ذبائح التكفير. عبر الذبائح القديمة كانت تتمّ المصالحة مع الله. وبحسب الرسالة إلى العبرانيين حين بذل يسوع حياته، قدّم ذبيحة التكفير: "كان عليه أن يشابه اخوته في كل شيء، حتى يكون كاهناً أعظم، رحيماً أميناً في خدمة الله فيكفّر عن خطايا الشعب" (2: 17).
ولكن هناك ميزة أساسية تجعل ذبيحة يسوع المسيح التكفيريّة بعيدة عن ذبائح العهد القديم. كان كهنة العهد القديم ينحرون عدداً من الحيوانات كذبائح تكفير. أما يسوع فقدّم ذبيحة نفسه مرة واحدة. "دخل المسيح قدس الأقداس مرة واحدة، لا بدم التيوس والعجول بل بدمه، فكسب لنا الخلاص الأبديّ. فإذا كان رشّ دم التيوس ودماء العجول يقدّس المنجسّين ويطهر جسدهم، فما أولى دم المسيح الذي قدّم نفسه إلى الله بالروح الأزلي قرباناً لا عيب فيه، أن يطهّر ضمائرنا من الأعمال الميتة لنعبد الله الحي" (9: 12- 14).
فالفارق الأساسي بين ذبائح العهد القديم وذبيحة المسيح هو أننا نجد في ذبيحة المسيح أن يسوع الكاهن يقدّم نفسه. أما كهنة العهد القديم فكانوا يقدّمون الذبائح. كان رئيس الكهنة في العهد القديم يدخل إلى قدس الأقداس في هيكل أورشليم حيث يلتقي بحضور الله الخفي (في مسكنه). ويسوع يدخل الآن إلى مسكن السماء، ويجلس عن يمين الآب. يدخل إلى الحضور الحقيقي. لهذا، بعد أن قدّم حياته لا يمكن أن تتكرّر الذبيحة. فذبيحة التكفير تمت مرة واحدة إلى الآبد. فعبر ذبيحته قد نال هنا أكثر من غفران نالته الذبائح القديمة. نال لنا الخلاص الأبدي (9: 12).
وكما رافقت الصلاة ذبائح العهد القديم، كذلك رافقت الصلاة ذبيحة يسوع. فعلى جبل الزيتون صلى يسوع قبل آلامه. أخضع إرادته بكل بساطة لإرادة الآب: "يا أبي، إن شئت فأبعد عني هذه الكأس. ولكن لتكن إرادتك لا إرادتي" (لو 22: 42). وأشارت الرسالة إلى العبرانيين (10: 7) إلى الفكرة نفسها حين أوردت مز 40: 8: "ما أردت ذبيحة ولا قرباناً، لكنك هيّأت لي جسداً. لا بالمحرقات سررت ولا بالذبائح كفارة للخطايا، فقلت: ها أنا أجيء يا الله لأعمل بمشيئتك". إن خضوع إرادة يسوع لإرادة أبيه هو ما جعل ذبيحته مرضية لدى الله.
ولهذا نقرأ في 5: 7- 8: "فيسوع في أيام حياته البشريّة رفع الصلوات والتضرّعات بصراخ شديد ودموع إلى الله القادر أن يخلصه من الموت، فاستجاب له لتقواه. وتعلم الطاعة، وهو الابن، بما عاناه من الألم". صارت ذبيحة يسوع مقبولة لدى الله، لا لأنه أتم فرائض الطهارة التي تفرضها الشريعة في شعائر العبادة، بل لأنه جعل إرادته في إرادة والده، صارت إرادته إرادة والده. وهكذا صار مصدر خلاص أبديّ لجميع الذين يطيعونه (5: 9) لنا نحن المؤمنين.

3- والمسيحيون
المسيحيون هم كهنة، المسيحيون هم مملكة كهنوتيّة، لأنهم امتداد لعمل يسوع الكاهن، لأنهم يشكّلون جسد المسيح السري الذي يتابع عمله كوسيط حتى نهاية العالم.
أ- المسيحيون كهنة
المسيحي هو من يتبع يسوع. ودعوة المسيحي هي نداء لكي يشارك المسيح في آلامه لكي ينتقل معه إلى الآب (يو 13: 1). فحين يشارك المسيحيون يسوع في آلامه يصبحون أبناء الله بواسطة الابن الوحيد. قال بولس إن المسيحيين ينالون روح يسوع. لذلك فإنهم يستطيعون أن يهتفوا: أبّا، أيها الآب (غل 6: 6؛ روم 8: 15).
إذن المسيحيون هم كهنة يشاركون المسيح في حياته. وبالتالي يستطيعون أن يقدموا ذبيحة حياتهم ويضموها إلى آلام يسوع. إن بولس يصور في روم 12: 1 ممارسة المسيحيين لكهنوتهم كما يلي: "فأناشدكم أيها الاخوة، برأفة الله أن تجعلوا من أنفسكم ذبيحة حية مقدسة مرضية عند الله، فهذه هي عبادتكم الروحية".
ليس هدفنا الآن أن نتحدث عن الكهنة المرسومين لخدمة المذبح، ولا أن نقابل بين كهنوت الكهنة وكهنوت المؤمنين، ولكن يبقى أن لهذين "الكهنوتين" بعداً واحداً هو التجرّد عن الذات وتقدمة الذات مع المسيح من أجل العالم. والكهنة المرسومون يستطيعون بحياة الخدمة الكهنوتية التي يقومون بها أن يشاركوا الكاهن الواحد والحقيقي في خضوعه لله الآب (لو 22: 27).
ثم إن ذبيحة المسيحيين ترافقها الصلاة لتكون هذه الذبيحة مقبولة لدى الله. وهذه الصلاة هي تقدمة إرادتنا في المحبة لإرادة الله. وحين يسلم المسيحي حياته لله في المحبة، تصبح مقبولة لدى الله. ونتذكر هنا الصلاة التي علمنا إياها يسوع: "لتكن مشيئتك على الأرض (أي بيننا) كما في السماء".
ب- مملكة كهنوتية
ونعود الآن إلى نصّ رسالة بطرس الأولى (2: 5) وسفر الرؤيا (1: 6؛ 5: 10؛ 20: 6)، فنتوقف عند تفصيلين يلفتان النظر.
الأول: إن لفظة "كهنوت" تؤخذ في معنى جماعي لا في معنى فردي، فتدل على "مجموعة المؤمنين" أو على الكهنة بشكل إجمالي. هذا يبرز الوجهة الجماعية في الكهنوت المسيحي فيجعلنا نتكلم عن شعب كهنوتي. يتحدث بطرس عن هذا "الكهـنوت المقدس" على أنه بناء روحي مبني بحجارة حية. وتتحقق ذبيحة حياتنا عبر جسد المسيح بكليته، وحين نتحد بالمسيح الرأس.
المسيحيون هم كهنة بقدر ما يؤلفون جسد المسيح. ودلنا القديس بولس أيضاً على أن ذبيحة المسيحيين الروحية لا تكون مقبولة لدى الله إلاّ عبر يسوع المسيح.
الثاني: هناك علاقة بين الكهنوت والملكوت. هذا ما نجده في نصوص سفر الرؤيا. ذكرنا 1: 6. وفي 5: 10 نقرأ: "أيها المسيح الحمل جعلت منا ملكوتاً وكهنة لإلهنا". وفي 20: 6: "يكون المؤمنون كهنة لله والمسيح ويملكون معه".
في رسالة بطرس، إرتبط الكهنوت بالملكوت بواسطة التقليد الكتابي. فالعبارة "كهنوت مقدس" تعود ثلاث مرات في التوراة اليونانية (خر 19: 6؛ 23: 22؛ 2 مك 2: 17 (أعطى الشعب الأرض والملك والكهنوت).
نقرأ: "الآن إن سمعتم كلامي وحفظتم عهدي، فأنتم تكونون شعبي الخاص بين جميع الشعوب. فالارض كلها لي. وأنتم تكونون لي مملكة كهنة وأمة مقدسة".
تشير رسالة بطرس الأولى (2: 5) إلى أن نبوءة العهد القديم هذه قد تمّت في العهد الجديد. ونصوص العهد الجديد الأربعة التي ذكرنا ترتبط بالملكوت. فالمسيحيون هم كهنة وفي الوقت ذاته ملكوت. ومن المستحيل أن نفهم هذا الملكوت إذا حرمناه من طابعه الحقيقي. أي إذا لم نرجعه إلى البناء الذي يؤلفه المسيحيون، هؤلاء الحجارة الحيّة. وهذا البناء هو تاريخ الكون نعمل فيه، هو العالم نزرع فيه كلمة الله، هو أورشليم الجديدة والملكوت الآتي. وهكذا يحمل المسيحيون كهنوتهم حين يكرسون العالم كله لله.

خاتمة
كيف يكون المسيحيون شعباً كهنوتياً وحجارة حية في بناء جسد المسيح؟ بنشاطاتهم وصلواتهم وأعمالهم الرسولية، بحياتهم الزوجية وتعبهم اليومي وراحتهم الروحية الجسدية. إن احتملوا كل هذا بالصبر يصبحوا قرابين روحية مرضية لله في يسوع المسميح. وهكذا نكون كهنة مع المسيح الكاهن الأعظم الذي قدم نفسه مرة واحدة ليزيل خطايانا ويمنح الخلاص للذين ينتظرونه.

الفصل الثاني والثلاثون
يوم الأحد في العهد الجديد

إذا وضعنا جانباً ظهورات القيامة، هناك في العهد الجديد نصّان يحدّثاننا عن يوم الأحد، كيوم ليتورجي تحتفل به الكنيسة كجماعة. هذا اليوم لم يصر مقدّساً على مثال السبت عند اليهود إلا بعد ارتداد الإمبراطور قسطنطين إلى المسيحيّة في القرن الرابع. سمّاه اليهود يوم الشمس في اللاتينثة فعيّدت فيه الكنيسة يسوع المسيح شمس العالم.

1- اليوم الأول من الأسبوع
لا ننسى أن المسيحيّين الأولين كانوا من أصل يهودي وقد رأوا في المسيحيّة امتداداً لإيمانهم. لهذا لم يهتمّوا بخلق يوم جديد يقيمون فيه عباداتهم اليوميّة. فظلّوا يذهبون إلى الهيكل (أع 3: 1) ويحتفلون بالسبت، لكن بروح المسيح وبالحريّة التي علّمهم يسوع إياها، حريّة أبناء الله. ولهذا، فالسبت ينهي الأسبوع ويوم الأحد كان اليوم الأول من الأسبوع.
ماذا نقرأ في أع 20: 7- 12 عن اجتماع هذا اليوم؟ يصوّر لنا لوقا زيارة بولس الأخيرة لمدينة ترواس (في تركيا اليوم) فيقول:
"في اليوم الأول من الأسبوع، اجتمعنا لكسر الخبز، فأخذ بولس يعظ الحاضرين، فأطال الكلام إلى منتصف الليل، لأنه كان يريد السفر إلى الغد. وكان في الغرفة العليا التي اجتمعنا فيها مصابيح كثيرة. وهناك فتى اسمه افتيخوس كان جالساً عند النافذة. فأخذه النعاس وبولس يسترسل (يطيل) في الكلام، حتى غلب عليه النوم، فوقع من الطبقة الثالثة إلى أسفل وحُمل ميتاً. فنزل بولس وارتمى عليه وحضنه، وقال: "لا تقلقوا، فهو حيّ". وصعد إلى الغرفة العليا وكسر الخبز وأكل وحدّثهم طويلاً إلى الفجر ومضى. فجاؤوا بالفتى حياً، فكان لهم عزاء كبير".
أول ما يلفت انتباهنا هو خبرة القيامة. الموت يحدث بصورة تبقى سراً علينا، ولكن القيامة حاضرة بقدرة يسوع، وبحضور رسوله. يوم الأحد هو يوم الفرح، فلا نبكي ذلك الذي قام من بين الأموات، ولا نذهب إلى عالم الموتى لنطلب الحيّ الوحيد يسوع المسيح. يوم الأحد هو يوم عيد. فلا ينسى القديس لوقا بأن يخبرنا عن العليّة "المضاءة بالمصابيح العديدة". يوم الأحد هو يوم القيامة، هو يوم عاش فيه الرسل للمرة الأولى خبرة القيامة مع يسوع. وها هم يعيشونه في مكان سيسمّونه "العليّة" أي "الغرفة العليا". ففي العليّة أقام يسوع العشاء الأخير مع تلاميذه. يخبرنا مرقس الإنجيلي (14: 14- 15) عن الاستعداد لذلك العشاء. قال يسوع لتلميذيه اللذين أرسلهما إلى بيت أحد الناس ليهيّئا عشاء الفصح. يقول المعلّم: "أين غرفتي التي آكل فيها عشاء الفصح مع تلاميذي؟ فيريكما في أعلى البيت غرفة واسعة مفروشة مجهزة" (لو 12: 12).
في عليّة التقى يسوع بتلاميذه يوم القيامة (يو 20: 19)، وقد تكون تلك التي اجتمعوا فيها بعد عودتهم من جبل الزيتون وصعود يسوع إلى السماء (أع 1: 13)، والتي فيها رأوا الروح القدس يوم العنصرة (أع 2: 1). على كل حالٍ، المهمّ ليس المكان. المهمّ أن يكون المؤمنون معاً قلباً واحداً وروحاً واحداً.

2- ماذا يقول لوقا في هذا النصّ
يصوّر لنا لوقا في سفر الأعمال عشاء بولس الأخير مع المؤمنين في ترواس. وكلمة عشاء تشير في المسيحيّة إلى العشاء السري. فبولس يعيد هنا ما عاشه يسوع. بعد العشاء الأخير، ذهب يسوع ليقدّم حياته على الصليب. وبعد هذا العشاء الأخير، سيسير بولس في طريق الشهادة والاستشهاد.
وقال لوقا: "كنا مجتمعين معاً لكسر الخبز". هذا يعني أننا أمام الافخارستيا وسّر القربان المقدس. هذا ما يقوله سفر الأعمال عن الرسل والتلاميذ الأولين. "كانوا يداومون على الحياة المشتركة وكسر الخبز والصلوات" (أع 2: 42).
هذه هي المراحل الثلاث في الاجتماع الأسبوعي، في اليوم الأول من الأسبوع: كانوا يشاركون في عشاء المحبّة (أغابي في اليونانيّة). يحمل كل واحد ما عنده من طعام ويجعله أمام الجميع، فيأكل الجميع الطعام الواحد ويشربون الشراب الواحد، فيتحدّثون بعضهم مع بعض على مستوى الجسد بانتظار أن يتّحدوا على مستوى الروح حين يأكلون من جسد المسيح ويشربون من دمه.
والمرحلة الثانية هي الافخارستيا. هكذا فعل يسوع يوم كثّر الأرغفة في البريّة: "بارك وكسر الأرغفة وناول تلاميذه ليوزّعوها على الناس" (مر 6: 41). وهكذا فعل خاصة ليلة العشاء السري: "أخذ خبزاً وبارك وكسره وناولهم وقال: خذوا وكلوا، هذا هو جسدي" (مر 14: 22). وهذا ما داوم عليه التلاميذ: كانوا يسمعون تعليم الرسل. هذا هو القسم الأول من القداس. وبعد عشاء المحبّة، كانوا "يكسرون الخبز في البيوت" (أع 2: 46). وفي النهاية، كانوا يتلون الصلوات الخاصّة بهم والتي تتوجّه إلى يسوع المسيح.
كانوا يجتمعون عند المساء. فيوم الأحد كان يوم عمل في بداية الكنيسة. هل كانوا يجتمعون في الليل الذي يفصل السبت عن الأحد أم الذي يفصل الأحد عن الأثنين؟ هذا ما لا تقوله النصوص. ولكن إذا عدنا إلى التقليد الشرقي، نعرف أن اليوم الليتورجي يبدأ في المساء السابق له، ولهذا كان الإجتماع يتمّ مساء السبت كما هي الحال عندما نحتفل بعيد الفصح. تبدأ صلاتنا في المساء وتمتدّ إلى الليل الذي تشرق فيه أنوار القيامة. وهكذا كان يفعل المسيحيّون الأولون، فيعيشون في كل أحد ما يعيشونه بصورة احتفاليّة جداً يوم أحد الآحاد الذي هو أحد القيامة.

3- اليوم الأول والقيامة
كان الاحتفال بكسر الخبز في اليوم الأول من الاسبوع، لأنهم في هذا اليوم اكتشفوا القبر الفارغ، ففهموا أن الموت لا يستطيع أن يسيطر على يسوع، وأن قدوس الربّ لا ينال منه الفساد (أع 2: 27). وتعرفوا في ذلك اليوم إلى المسيح القائم من الموت. كما أن يسوع في ذلك اليوم كسر الخبز مع تلاميذه.
تشير كل الأناجيل إلى اكتشاف القبر الفارغ في اليوم الأول من الأسبوع. قال مت 28: 1: "بعد السبت، وفي اليوم الأول من الأسبوع...". وقال مر 16: 2 "في الصباح العظيم، في صباح اليوم الأول من الأسبوع، جاءت النسوة إلى القبر" (رج لو 24: 1؛ يو 20: 1). كانت هذه الإشارة أساساً لتفكير لاحق عن القيامة.
مات يسوع يوم الجمعة العظيمة، ولقد كان ذهاب النسوة إلى القبر في صباح الأحد أمراً طبيعياً. ولكن المهمّ هو الرمز الذي ربطه الرسل بهذا الواقع. فالقديس لوقا والقديس يوحنا يرويان أن يسوع القائم من الموت قد ظهر لتلاميذه يوم الأحد. قال لو 24: 12 متحدّثاً عن تلميذي عمّاوس: "في اليوم نفسه" أي اليوم الأول من الأسبوع (لو 24: 1). وفي ذاك اليوم ظهر للتلاميذ وأراهم يديه ورجليه، بل "أكل معهم" كما اعتاد أن يفعل فكانت مشاركته في هذه "الافخارستيا"، في هذا القداس، تتميماً لما قاله ليلة العشاء الأخير: "لا أشرب بعد اليوم من عصير الكرمة حتى يجيء ملكوت الله" (لو 22: 18). أجل بالقيامة جاء ملكوت الله.
وإذا عدنا إلى تلميذي عمّاوس (لو 42: 31- 53)، نجد نفوسنا أمام افخارستيا يقيمها يسوع مع تلميذين من تلاميذه. أخبراه بما في قلبيهما من حزن ومن أمل. أخذ يسوع يشرح لهما الكتب. وفي النهاية "أخذ خبزاً وباركه وكسره وناولهما". هذا ما فعله يسوع في اليوم الأول من الأسبوع. ولا يزال يعمله معنا في اجتماعاتنا يوم الأحد.

4- يسوع هو الباكورة
الباكورة هي أول الثمار على الشجرة. ويسوع كان أول من قام من بين الأموات، فكان باكورة القائمين من بين الأموات، باكورة الأحياء. وهذه الباكورة ظهرت في اليوم الأول من الأسبوع. هو لم يقل في اليوم الأول من أسبوع من الأسابيع. كلا. فهذا اليوم يبدأ سبعة أسابيع وينتهي بعيد العنصرة. كان عيد العنصرة هو عيد الحصاد، وفيه يقدّم المؤمن باكورة حصاده. يسوع هو أول حصاد الآب بعد الموت، هو باكورة الحياة الجديدة. "هو البدء وبكر من قام من بين الأموات" (كو 1: 18) كما قال عنه القديس بولس.
في هذا المنظار، نتذكّر كيف أن لوقا في إنجيله جعل المسيح يصعد إلى السماء في ذات اليوم الذي فيه ظهر لتلاميذه. ثم إن العلاقة واضحة بين الصعود والعنصرة. فما ظهر للوهلة الأولى وكأنه تعارض (اليوم الأول في لو 24، واليوم الأربجين في أع 1) يجد معناه حين نتذكّر عيد الحصاد (أو العنصرة) والحزمة الأولى. ففي الانجيل، تكون العنصرة في اليوم الأول من الأسبوع كما يقول يو 20: 19. فعيد العنصرة هو عيد عطيّة العهد مع الربّ. وهو امتداد لعيد الفصح. فالمسيح بقيامته قد دشّن العهد الجديد الأبدي، ودوّنه (دوّن الوصايا) لا على ألواح من حجر، بل في قلوب البشر (إر 31: 31- 34)، وأعطاهم قلباً جديداً وروحاً جديداً (حز 36: 24- 29). هذا يعني جعل منهم خليقة جديدة. لهذا فظهورات القيامة في اليوم الأول من الأسبوع، والعشاء الذي يتذكّر هذه الظهورات، كل هذا هو علامة لسّر هذا الخلق الجديد. وهذا الخطّ من التفكير قاد الكتّاب المسيحيّين الأولين ليروا في يوم الأحد أول يوم في الخليقة الجديدة والذي يسميه يوحنا "اليوم الثامن" (20: 26).
نقرأ في رسالة برنابا (دوّنها كاتب نجهل اسمه حوالي سنة 125 م ونسبها إلى برنابا المذكور في سفر الأعمال): "لا نتوقف عند عيد البدر والسبوت. ماذا يعني بهذا؟ ما يهمّ ليست سبوت العالم الحاضر، بل ذلك السبت الذي يقود إلى اليوم الثامن، وبداية الخليقة الجديدة،). ويتابع صاحب الرسالة: "نحن نفرح حين نحتفل باليوم الثامن، لأنه اليوم الذي فيه قام يسوع في بين الأموات وظهر لتلاميذه وصعد إلى السماء".
هاجم بولس أهل غلاطية لأنهم بعد أن ارتدّوا إلى المسيحيّة عادوا إلى أمور يهوديّة فقال لهم: "تراعون الأيام والشهور والفصول والسنين! أخاف أن أكون قد تعبت عبثاً من أجلكم" (4: 10- 11). ويقول في كو 2: 16- 17: "لا يحكم عليكم أحد في المأكول والمشروب أو في الأعياد وبداية القمر والسبوت. فما هذه كلها إلا ظلّ الأمور المستقبلة، أما الحقيقة فهي المسيح".
أجل، الحقيقة هي المسيح. أما الظلّ فهو أمور هذا العالم. قيامته هي الأساس وهي تتمّ في صعوده وإرساله الروح القدس على التلاميذ. كل هذا ارتبط باليوم الأول وأعطى ثماره الأولى في نهاية الأسبوع الأول. أي في اليوم الثامن كما أعطاها في نهاية اسبوع الأسابيع السبعة أي عيد العنصرة ويوم الخمسين كما يقول أع 2: 1.

5- يوم الربّ
يوم الربّ هو تعبير عرفه الآباء الأوّلون في الكنيسة، فدلّوا به على يوم الأحد.
نجد هذه العبارة مرة واحدة في كل العهد الجديد. نقرأ في سفر الرؤيا (1: 10) كلام يوحنا: "اختطفني الروح في يوم الربّ". إذا عدنا إلى العهد القديم، نعرف أن يوم الربّ يدلّ على تدخّل خاص من قبل الله في التاريخ. وهذا اليوم يرتبط بنهاية الأزمنة ومجيء الربّ في النهاية (نسمّيه اسكاتولوجيا). ونحن المسيحية نعتبر أن الاسكاتولوجيا ونهاية الأزمنة قد بدأت بقيامة يسوع. ظهر يسوع لتلاميذه يوم الأحد فصار ذاك اليوم يوم الربّ. وهو سيعود إلينا في يوم الربّ بمجد عظيم. ولهذا تعلن الجماعة المصليّة في أواخر سفر الرؤيا (22: 20): "تعال أيها الربّ يسوع".
في يوم الربّ تجتمع الكنائس المسيحيّة. هذا ما يحدّثنا عنه بولس حين يذكّر أهل كورنتوس بأن اجتماعهم (يوم الأحد) يضّر أكثر مما ينفع. هم ينقسمون شيعاً وأحزاباً فلا يؤلّفون جسد المسيح الواحد. فعشاء المحبّة الذي هو عشاء المشاركة، صار عشاء الأنانيّة. واحد يأكل ويشرب حتى يسكر، والآخر يبقى جائعاً. ثم هم لا يميّزون جسد الربّ فيحكمون على نفوسهم. ثم يقول لهم: "كل مرة تأكلون من هذا الخبز وتشربون من هذه الكأس تخبرون بموت الربّ إلى أن يجيء" (1 كور 11: 26).
في يوم الربّ تفكّر كل كنيسة بأختها. إن كانت فرحة تفرح معها، وإن تألمت تألمت معها. كانت كنيسة أورشليم في الضيق ففكرت فيها كنيسة كورنتوس. قال لهم بولس: "كل واحد منكم يحتفظ في اليوم الأول من الأسبوع ما يمكنه توفيره من المال" (1 كور 16: 2). حينئذٍ تُجمع التبرعات وتتم المساواة بين المؤمنين: "الذي جمع كثيراً ما فضل عنه شيء. والذي جمع قليلاً ما نقصه شيء" (2 كور 8: 14- 15). في يوم الربّ، لا يكون عشاء الربّ فقط داخل الجماعة الواحدة، بل يكون داخل الكنيسة كلها.

6- اليوم الثامن
رأينا كيف حدّثنا صاحب رسالة برنابا عن اليوم الثامن. وطذا اليوم عرف أهمية كبرى في الزمن الذي تبع الرسل، أي في نهاية القرن الأول المسيحي. وقد استقبل الآباء غناه على أنه بداية العالم الجديد. وتحدّثت بعض الطقوس عن "الأحد الجديد" وهو الأحد الذي يلي أحد القيامة. كان المعمّدون الجدد يحتفظون بالثوب الأبيض الذي لبسوه في العماد (يوم الفصح) حتى الأحد الجديد (يسمى الأسبوع الذي بعد القيامة اسبوع الحواريين، وهو يرتبط باللون الأبيض). ويخلعون الثوب الخارجي، ولكنهم يعدون بالمحافظة على ثوب آخر: "أنتم الذين اعتمدتم بالمسيح قد لبستم المسيح" (غل 3: 27).
إن اليوم الثامن يرتبط بنصوص عديدة من العهد الجديد. فيوحنا يجعل الظهور الثاني للتلاميذ بعد القيامة في اليوم الثامن (يو 20: 26). هذه الإشارة الزمنيّة تشدّد على ارتباط ظهورات القيامة باليوم الأول من الأسبوع، وتشير إلى أن هذا اليوم هو رمز للأزمنة الأخيرة. وإذ نبّهنا يوحنا إلى أنْ ظهور المسيح القائم من الموت قد تمّ في اليوم الثامن، فقد أراد أن يبيّن لنا ثلاثة أمور: هذا اليوم هو بداية خلق جديد. في هذا اليوم يقوم عهد (ميثاق) جديد بين الله والبشر. في هذا اليوم يأتي الزمن الأخير الذي فيه يعود الربّ.
يذكر يوحنا ثلاثة أحاد ترتبط بأيام يسوعَ الأخيرة في أورشليم: أحد الشعانين (12: 12). أحد القيامة (20: 1). الأحد الثاني (20: 26). فالأحد الأول يدل على عيد المظال (أو عيد الأكواخ) (كان اليهود يقيمون في كوخ أو خيمة ليتذكروا إقامتهم مع الربّ في البريّة تحت الخيمة). كان اليهود يحتفلون بعيد المظال في الخريف، أما يوحنا والازائيون (أي متى ومرقس ولوقا) فربطوه بعيد الفصح وصعود يسوع إلى أورشليم. مثلاً نقرأ في لو 9: 28: "وبعد هذا الكلام بنحو ثمانية أيام". نجد هنا إشارة إلى عيد المظال (تث 16: 13- 15) كما نجد إعلاناً لقيامة يسوع. وقال يوحنا بمناسبة عيد المظال الذي عيّده مع شعبه في أورشليم: "وقف يسوع وقال بأعلى صوته: إن عطش أحد فليأت إلي ليشرب... ومن آمن بي تفيض من صدره أنهار ماء حي". وعنى بكلامه الروح الذي سيناله المؤمنون به (يو 7: 37- 38). وهكذا ارتبط عيد المظال "بالعنصرة" عند يو 20: 19- 23: "خذوا الروح القدس". كما ارتبط بالفصح وموت يسوع (يو 19: 30، أسلم يسوع الروح أي سلّم إلى كنيسته الروح القدس).
وهكذا اجتمعت الأعياد الثلاثة: الشعانين أو المظال، والفصح والعنصرة. اجتمعت لنحتفل بها يوم الأحد. بدأ عيد "الشعانين" عند يوحنا يوم الأحد وانتهى يوم الأحد. كان هذا أول أيام مجد يسوع التي تقود إلى اليوم الثامن ومنها إلى يوم الخمسين "أي العنصرة".

الخاتمة
هذه المقاطع التي أخذناها من العهد الجديد تدلّ على يوم الأحد. وهي تشير إلى العبادة الجديدة التي ترتبط بالعهد الجديد في يسوع المسيح. قبل أن يكون الأحد يوم الراحة أو اليوم الذي حلّ محل السبت اليهودي، الأحد هو تذكّر قيامة يسوع وحضوره الربّاني في وسط تلاميذه. وتأتي مواضيع ترتبط بالأحد: الباكورة أو أول الثمار، الخلق الجديد، الميثاق الجديد، الروح، نهاية الأزمنة. وكلها تصوّر وضع المؤمن الذي انضمّ إلى المسيح بالعماد وعاش معه في الافخارستيا.
الأحد هو يوم القيامة. وهو اليوم الذي فيه يجتمع المؤمنون بصورة خاصّة ليحتفلوا بربهّم. فيوم الاحد هو أكثر من يوم من أيام الاسبوع. إنه اليوم العظيم الذي يفترق عن سائر أيام الأسبوع. هو يتسامى على سائر الأيام ويعطيها معناها وإلا ظلّت فارغة إن لم يباركها الأحد. الأحد هو ما يُجمل الحياة كلها في نظر المسيحي. فيصبح كل يوم بواسطته يوماً للربّ. الأحد هو اليوم الذي يذكّرنا بأحد الآحاد، بأحد القيامة، ويوجّه أنظارنا إلى عودة الربّ. لماذا لا يكون لنا هذا اليوم عيد فرح ومناسبة مشاركة وينبوع رجاء يفتحنا على المسيح الآتي ليقيم معنا؟
الفصل الثالث والثلاثون
الحب والامانة في الكتاب المقدس

كيف نتكلّم عن الزواج إن لم نتكلّم عن الحبّ والامانة في الزواج؟ هذا ما نتوسّع فيه غير طالبين الدراسات السيكولوجيّة، بل النصوص الكتابيّة التي تدخلنا في الجوّ منذ البداية حين تقول لنا: "يترك الرجل أباه وأمه ويتّحد بامرأته فيصيران كلاهما جسداً واحداً" (تك 2: 24). هذه هي شريعة الوجود: نترك البيت الأبوي لنؤسّس بيتاً جديداً. وفي تلك التي هي "عظم من عظمه ولحم من لحمه" (تك 2: 18)، وجد الرجل النفس التي تؤاخيه، التي "تكون عوناً بإزائه" (تك 2: 18). وتسيطر عليه عاطفة عميقة: لقد "التصق"، "ارتبط بامرأته" حتى ترك الأسرة التي ولد فيها وكانت النتجية: "الاثنان يصيران جسداً وحداً". لا شكّ في أن هناك إتحاداً على مستوى الجسد فيه يتم الواحد في الآخر. ولكن هناك جمعاً بين حياتين، بين وجودين، يساعد وجود كل واحد على تفتّحه الكامل وتألّق شخصيته.
نتوقّف في هذا المقال عند الأمانة الصعبة والتي لا يستطيع الانسان أن يعيشها لولا قوة الله. ثم عند الأمانة التي جدّدها الله في شخص يسوع المسيح.

1- الأمانة الصعبة
جعل الربّ من الزواج نظاماً سامياً، فيه يكون الرجل والمرأة على مثاله. فالرجل وحده ليس على مثال الله ولا المرأة. بل الرجل والمرأة معاً. وكان الرجل للمرأة والمرأة للرجل من أجل حبّ يبحث عن المطلق، يبحث عن العطاء، يبحث عن الله. ولكن أين صار هذا النظام؟
أ- وانحط هذا النظام
يعرف العهد القديم أن البشر إجمالاً لم يحقّقوا المثال الأصلّي للنظام الزوجيّ. لن نتحدّث عن الفوضى في المجال الجنسي كما عرفها العالم الوثني من رجل يبيع امرأته، ورجل يتجامع مع ابنته. لن نتكلم عن البغاء السري في كل معابد بعل وغيره من الآلهة. يقول عنهم بولس في الرسالة إلى رومة (1: 25 ي): "أسلموا إلى أهواء الفضيحة. الاناث غيرّن الاستعمال الطبيعي، وفعلَ الذكور بالذكور الفحشاء". كل هذا ستشجبه شريعة موسى فتقول مثلاً: "لا تتجامع مع زوجة قريبك. لا تضاجع الذكر مضاجعة النساء. إن تجامع رجل مع بهيمة فليقتل قتلاً، والبهيمة أيضاً فافتلوها" (لا 18: 20- 23؛ 20: 15- 16). وما يقال عن الرجل يقال عن المرأة.
واتسع الشقّ بين الزواج الأحادي حيث يكون لكل رجل امرأته ولكل امرأة زوجها كما يقول القديس بولس (1 كور 7: 2) في خط سفر التكوين، وبين تعدّد الزوجات الذي سيعرف أشكالاً مختلفة. لقد دخلت الخطيئة إلى العالم فحملت معها ثمار الموت. كل هذا بدأ مع لامك المتوحّش (تك 4: 19). كان له زوجتان. وعرف الانتقام عنده صورة مريعة: قتلت شخصاً لأنه جرحني. وانتقمت 77 مرة.
وسوف نرى لإبراهيم أكثر من امرأة: سارة، هاجر، قطورة. وليعقوب راحيل، ليئة، زلفة، بلهة. أما داود فسيكون له ما يقارب العشرون. ولن نتحدّث عن سليمان وحريمه اللواتي تعدّ بالعشرات (1 مل 11: 1- 3). ولكن سفر التثنية سيحكم عليه، لأنه أضاع ربّه وأضاع أساس مملكته (تث 17: 17).
نسي العالم القديم العلاقات الشخصية بين الرجل والمرأة، فشدّد على النسل الذي يذكر الوالد بعد موته. أراد إبراهيم نسلاً له، فأخذ جاريته. وكذلك فعل يعقوب. وكذا يُفعل اليوم، ويا للأسف، حيث الرجل يفرض سلطته على المرأة ولو كان النقص منه. في هذا الاطار يسيطر الحسد والبغض. إنحسدت سارة من هاجر التي هي أمتها، فخطّأت إبراهيم. وانحسدت راحيل من أختها التي ولدت ليعقوب الصبي بعد الآخر، بينما ظلت هي عقيمة.
ثم كيف نتخيّل أن يقسم الانسان قلبه بين أكثر من إمرأة، هذا إذا بقي له قلب؟ كيف لا يفضّل الواحدة على الأخرى، كما فضّل يعقوب راحيل على أختها ليئة، والقانة (والدة صموئيل) حنّة على ضرّتها فننة. وهنا يدبّ الخلاف فيصبح البيت جحيماً. إلاّ إذا كانت النساء "جواري" يستحقّقن الضرب ويتوجّب عليهن حياة العبودية في خدمة الرجل وأهوائه وأولاده.
لا نستطيع هنا أن نتحدّث عن الأمانة الزوجية. ثم هناك تعليمان خلقيان مختلفان: واحد يتوجّه إلى الرجل والآخر إلى المرأة. عليها أن تكون بكليّتها لزوجها والويل لها إن خانته. أما الرجل فيسمح له بأن يأخذ أكثر من امرأة، ويعاشر المومسات (تك 38: 15) ويعاشر سبايا الحرب (تث 21: 10). أين هي العلاقة بين شخصين صارا كلاهما جسداً واحداً؟ لا مجال لحبّ يتوق إلى المطلق. كيف يعود الزواج إلى نقائه الأوّل بعد أن وصل إلى الطريق المسدود؟
ب- وتحطّم رباط الزواج
يتحطّم رباط الزواج حين يبحث كل من الرجل والمرأة عن اللذّة من أجل اللذة، دون أن يرتبط عملهما بشريعة الله، دون أن يرتبط بماهيّة الحبّ الذي هو أقوى من الموت. فأسفار الشريعة حدّثتنا عن الذي يغوي فتاة عذراء (خر 22؛ 15- 16). كما أن كتاب صموئيل يُخبرنا كيف زنى داود مع بتشابع، وكيف اغتصب أمنون تامار، أخته من أبيه، فكرهها بعد أن أحبّها (1 صم 11: 2- 4؛ 12: 10- 11).
ويحدّثنا الكتاب عن المرأة التي تحاول أن تغوي رجلاً. هذا ما حاولت زوجة فوطيفار أن تفعل مع يوسف بن يعقوب. قالت له: "ضاجعني". فأبى وقال لمولاته: "كيف أصنع هذه السيّئة العظيمة وأخطأ إلى الله" (تك 39: 7- 9)؟ وهكذا فعلت تامار مع أمنون الذي طلب أن يضاجعها. قالت: "لا تفعل هذه الفاحشة" (2 صم 13: 11- 13). لم يسمع أمنون لها بل اغتصبها. وانتقمت إمرأة فوطيفار من يوسف، فوشت به إلى زوجها الذي وضعه في السجن. وقد نقول: "هذا جزاء الفضيلة". "إن جميع الذين يريدون أن يحيوا بالتقوى في يسوع المسيح يُضطهدون" (2 تم 3- 12). ولا ننسى شمشون الذي أغوته دليلة وجعلته يخون عهده مع ربّه (قض 16: 1- 21). كان شعره علامة تكريسه للربّ، فسهّل لدليلة أن تقصّه له.
هذه الأخبار النموذجية جعلت الأسفار الحكمية تعطي النصيحة للشبّان فلا يُؤخذون بحبائل الزنى: "إن تعلّمت أقوالي يا بني، تنجُ من المرأة العاهرة، من الفاجرة المعسولة الكلام التي تركت رفيق صباها ونسيت عهدها له" (أم 2: 16- 17). وقال أم 5: 3 ي: "شفتا العاهرة تقطران العسل، وكلامها ألين من الزيت. أما عاقبتها فمرّة كالعلقم، ومسنونة كسيف له حدّان... أبعد (يا ابني) طريقك عن تلك المرأة. ولا تقترب من باب بيتها" (رج 6: 24- 27؛ سي 9: 1- 9).
ويُقدّم لنا سفر الأمثال (7: 6- 23) مشهداً من الغواية يقع فيه شاب غرق في حبائل إمرأة لها خبرتها البعيدة في عالم الجنس. وتقول له: "تعالَ نرتوي حباً إلى الصبح وننعم باللذائذ. زوجي غائب عن البيت... ولا يعود قبل أيامٍ كثيرة... فجذبته بكثرة مفاتنها، ودوّخته بمعسول كلامها، فمشى وراءها في الحال، كثور يُساق إلى الذبح، أو غزالٍ يسير إلى الأسر... فاسمعوا لي أيها بالأبناء وأصغوا إلى كلمات فمي. لا تمل قلوبكم إلى طرقها، وفي مسالكها لا تشردوا. كم أوقعت بأولاد الحلال وجميع ضحاياها من الأقوياء".
شهوةٌ دون التزام تجاه الآخر. علاقة بين شخصين تنحصر في لذّة الشاب والشابة في طريق تقود إلى الموت. هل هذا هو العون الذي خلقه الله حين خلق المرأة؟ ينقاد الشاب للمرأة التي "بيتها طريق إلى عالم الاموات وهبوط إلى دهاليز الموت" (أم 7: 27). هل هذا هو معنى "حواء"؟ إنها أم الأحياء. وهنا يرتسم في الأفق طيف حواء التي تقدّم إلى آدم ثمرةً طيبة للمأكل وشهية للعيون (تك 3: 6). ترك مثل هذان الشخصان شريعة الله، وقرّرا بمعزل عن الله ما هو خير وما هو شرّ. أكّدا على حرّيتهما بعد أن صارا "كالآلهة". وبدا العمل الذي يجعلهما جسداً واحداً وروحاً واحداً، بدا فقيراً جداً، فخسر معناه وصار مسخاً (1 كور 6: 16).
وهكذا ينقطع رباط الزواج، وهكذا يقسو قلب الرجل على امرأته والمرأة على زوجها. وهكذا حدّدت شريعة موسى ظروفاً ينفصل فيها الرجل عن امرأته إن كرهها (تث 24: 1- 4). وهكذا يُدمّر البيت العائلي. لن نبحث عن الاسباب التي نجعلها كبيرة أو صغيرة حسب ميولنا، بل نرى نتائج خيانات متعدّدة، صغيرة كانت أم كبيرة. نتائج حياة مستقلّة يعيشها كلّ من الزوجين، فلا يريان أمامهما إلاّ الطلاق. هما يبحثان عن راحتهما وإن تمزّقت العائلة، وضاع الأولاد، وامتلأ قلب الجميع بالحزن. هما يبحثان عن راحتهما حتى ولو داسا وصيّة الله. جعلهما الله واحداً. فأراد أن يكونا اثنين ويبتعد الواحد عن الآخر.

2- الأمانة المجرّدة
هذا هو الوضع الذي جُعلت فيه الخطيئة البشرية. لقد أفسدت جميع القيم. جرحت الكائن الحميم في الانسان. أصابت في الصميم الرجل والمرأة في علاقتهما الأساسية. والشفاء من هذا الجرح العميق ليس في مقدور الانسان. تُرك الانسانُ العتيق وحده، فسار في انحطاط لا رجوع منه. ولكن هل يترك الله الانسان بدون خلاص؟ كلا، فهو بيسوع المسيح سيجدّد البشرية وبالتالي سرّ الزواج. هو الإله الأمين وسيعلّمنا طريق الأمانة.
أ- أمانة الانسان
رغم أن الانسان مقسّم بين الشرّ الذي لا يريده ويفعله، والخير الذي يريده ولا يفعله، ورغم إطار الأسرة المتعدّدة الزوجات، ورغم النقص في العلاقات بين الرجل والمرأة والطلاقات المتعددة، هناك حبّ حقيقي يولد في المجتمع ويستمرّ مع الزمن. لقد ظلّ إبراهيم أميناً لسارة ولم يطلّقها رغم أنها عاقر. وأحبّ إسحق رفقة حبّاً تعزّى به عن فقد أمه (تك 24: 67). ويوسف العفيف تزوّج امرأة واحدة (تك 41- 45). وكان القانة يهتم بزوجته العاقر فيقول لها: "ألست أنا خيراً لك من عشرة بنين" (1 صم: 8)؟ وإن قالت راحيل ليعقوب إنها تريد ولداً، فهي تريد ولداً منه وهكذا يكتمل حبّهما (تك 30: 1).
وينشد سفر الأمثال (4: 15- 19) عظمة الحبّ المستمر وقلب المرأة الأمينة، وتأثيره على تعلّق الرجل بامرأته. "إمرأتك ماء مباركة نازلة في وسط بئرك. فلو فاضت الينابيع إلى الخارج، كسواقي مياه في الساحات، فلتكن لك دون سواك ودون أي من الآخرين. هكذا يبارك نسلك وتفرح بامرأة شبابك. فتكون لك الظبية المحبوبة والوعلة الحنون الصغيرة. يرويك ودادها كل حين، وبحبّها تهيم على الدوام".
وتُعطى لنا أمثلة عن هذه الأمانة المُعاشة في قصة سوسن التي قاومت ببطولة الشيخين المتصابيين. قالا: "نحن مولعان بك، فوافقينا وكوني معنا كما نريد وإلاّ نشهد عليك...". أجابت: "لا حيلة لي معكما... ولكن خيرٌ لي أن لا أفعل (السوء) ثم أقع في أيديكما ضحيّة بريئة من أن أخطأ أمام الربّ" (دا 13: 20- 23). زوجتا أيّوب وطوبيت ظلّتا على الأمانة لزوجيهما، ولكنهما دلّتا على سوء طباعهما. وطوبيا وسارة يُشكّلان الزوجين المثاليين الذين يتجاوبان ومخطّط الله. حين يتجذّر الحبّ في حياة روحيّة صادقة، يستطيع أن يعبر الزمن ويدوم إلى الموت. بل هو يتغلّب على الموت نفسه. هكذا ظلّت يهوديت أمينة لزوجها الذي مات ولم تطلب زوجاً غيره (8: 4- 6؛ 16: 22). لماذا؟ لأنها كانت تخاف الله. ستكون مثالاً في العهد الجديد للأرامل المكرّسات لله بجانب العذارى.
ب- أمانة الله
مثل هذه الأمانة عند البشر تجد سندها في الله. إنّها تتجاوز نظرة الأخلاق والحقوق، فتدخلنا إلى واقع الله. فحبّ الرجل والمرأة لا يصل إلى ملء معناه إن حمل فقط إلى الزوجين المساعدة المشتركة، وتفتّح الواحد على الإخر، مع الولد الذي هو علامة مستمرّة لهذا التّفتح، والذي هو هنا لأن الرجل والمرأة صارا جسداً واحداً. هو يصل إلى ملء معناه حين يعود إلى الحب السامي الذي هو صورة منظورة عنه، حين يعود إلى حبّ الله.
منذ العهد القديم، تحدّث الانبياء عن علاقة الله بالبشر في صورة الزواج. هناك الزوجة الخائنة التي تدلّ على الامّة التي تخون ربهّا في العبادات الوثنية. وهناك الطلاق: "لم تعد امرأتي، ولم أعد زوجها" (هو 2: 4). وهناك نسيان مودّة الصبا (إر 2: 1). ولكن الله هو الله وليس إنساناً. فإن نسته زوجته الخائنة فهو لا ينساها (أش 49: 15). فهو لا يتركها إلاّ ليجعلها تعي الشرّ الذي صنعته وتتوب عنه فتعلن: "أريد أن أعود إلى زوجي الأول، لأن حالي كانت خيراً مما هي عليه الآن" (هو 2: 19).
الوعد الذي أعلنه الله الأمين يُلزمه بالآخر إلزاماً لا رجوع عنه. قال: "هجرتك لحظة، وبرحمة فائقة أضمّك. في هيجان غضب حجبت وجهي قليلاً عنك. وبحبّ أبدي رحمتك. هكذا قال فاديك الربّ" (أش 54: 6- 8).
لهذا يختلف الربّ عن الزوجين اللذين لا يعرفان أن يغفرا. فهو يستعيد الزوجة التي تركته، ويعاملها كما في أيام صباها: "لذلك سأفتنها وأجيء بها إلى البرية وأخاطب قلبها" (هو 2: 16).
لقد انقلبت الأخلاقيّات البشرية انقلاباً تاماً. حين يُترك الزوج ويُهمل، فالحب الذي فيه (أو فيها) يتحوّل إلى غيظ ويطلب الانتقام. أما عند الله، فهو يستمرّ وبنتظر، وفي النهاية ينتصر. فالاعراس الجديدة تجعل في قلب الزوج (أو: الزوجة) الذي غفر له (لها) ما نقصه في الماضي: الحق والعدل، الحنان والحب، الامانة والثبات، ومعرفة لحقيقة الآخر تؤمّن الاستمرار (هو 2: 21- 22). هذا ما يريده الله للبشريّة الخاطئة. دعاها الله منذ البداية إلى الحبّ، وهو ما زال يحبّها حتى وإن انفصلت عنه.
هذا هو مثال الحبّ الذي يقدّم للبشر. كل حبّ على الأرض ينبع من قلب الله، وهو يسير إلى اكتمال بقدر ما يقترب من المثال الذي يقدّمه الله. حبّ دائم. حبّ تملأه التضحية والعطاء. حبّ فريد. وهكذا نصل إلى سّر الزواج الذي لا يكون جوهره فقط الكلمة التي تلفّظ بها العروسان يوم زواجهما، بل زواج المسيح مع كنيسته، زواج الله مع البشرية الخاطئة.
ج- في المسيح يسوع
"أيها الرجال أحبّوا نسائكم كما أحبّ المسيح الكنيسة" (أف 5: 25). إن النصيحة التي أعطاها بولس الرسول إلى أهل أفسس ليست فقط مشورة أخلاق مسيحيّة جاء المسيح يزيد في قيمتها. فالرسول يعرف أنه منذ زمن المسيح اتخذ النظام الزوجي بُعداً سرياً لم يُعرف من قبل. فالكنيسة التي نحن أعضاؤها هي جسد المسيح وعروسه. وإن كان الرجل والمرأة يتزوّجان فيصبحان "جسداً واحداً"، فعلى مثال الوحدة التي تربط المسيح وجسده معاً، المسيح وعروسه، المسيح وكنيسته. والزواج هو الرمز لهذه الوحدة التي تؤسّس كل تدبير الفداء. وهذه العلاقة بواقع علوي تشكل عمق هذا السر الذي هو علاقة معاشة بين شخصين يتكاملان في عطاء من الحبّ يلزم وجودهما كله. غير أن هذه العلاقة مهدّدة بالانحطاط. لهذا لا بد من عيشها في يسوع المسيح. فترتفع عندئذ إلى مستوى الواقع الكنسي الذي هو علاقة حسيّة لحضورة الله على الأرض (أف 5: 31- 32).
إن العلاقة الشخصيّة بين الزوجين تجد هنا توازناً جديداً على مستوى الطبيعة التي جدّدتها النعمة. فالزوج يبقى رجلاً، والزوجة تبقى امرأة داخل هذا الكائن الجديد الذي هو سر الزواج. ووظائف كل منهما تبقى على ما هي. وموقف الاثنين في الحب المتبادل يحافظ على أشكاله الخاصة لدى الرجل والمرأة. لهذا حين قدّم بولس مثال العلاقات بين الزوجين المسيحيين، تكلّم عن "الخضوع" (أف 5: 22- 24) لدى المرأة التي "تهاب رجلها" (أف 5: 33). ولكن الرجل لم يعد ذاك الذي يسود ويتسلّط (تك 3: 16)، بل ذاك الذي "يحبّ" ويستعد مثل المسيح أن يبذل نفسه من أجل زوجته. لم تعد المرأة كائن رغبة يغوي ويميل بالرجل عن الله (تك 3: 6- 12). بل أخذت صورة الكنيسة في علاقتها مع المسيح (أف 5: 24).
وهكذا يستعيد الحبّ المتبادل نظامه الخاص بعد أن يُخلق من جديد في المسيح. في هذا المنظار الجديد، لم يعد من تساؤل حول استمراريّته عبر الزمن: فحبّ المسيح لكنيسته الذي وجد على الصليب ذروته وتكريسه، هو واقع أزلي. وكذلك نقول عن حب الكنيسة- العروس للحمل عريسها (رؤ 21: 1- 4). إذن تتضمّن شريعة الزواج المسيحيّة عودة تامة إلى المثال الأوّلاني، وإلغاء للتجاوزات التي احتفظت بها الشريعة القديمة "بسبب قساوة قلوبكم": لا تعدّد زوجات بعد اليوم. لا طلاق بعد اليوم (مت 19: 1- 9). لا خيانة زوجيّة ولا زنى من أي نوع كان. "أما تعلمون أن أجسادكم هي أعضاء المسيح، أفآخذ أعضاء المسيح وأجعلها أعضاء زانية؟ حاشا. أولا تعلمون أن من اقترن بزانية يصير معها جسداً واحداً؟ أما الذي يقترن في الرب (في زواج تحت نظر الربّ) فيكون معه روحاً واحداً" (1 كور 6: 15- 17).
لقد اجتاحت قوة النعمة التاريخ. وروح الله يسكن في البشر. وهو يدفع الرجل والمرأة ليعطيا التزام حبّهما وجه الأبديّة، فيفلت من بلى الزمن. فالتدبير الاسراري الذي يشاركان فيه يجعل أبديّة الله حاضرة في قلب الزمن. فالحب الذي يتحقّق في هذا العالم لا يعود من هذا العالم. بل هو انتُزع منه بشكل جذريّ على مثال الانسان الذي يجعله العماد يموت للخطيئة ليصير كائناً جديداً في يسوع المسيح. فلا يبقى للأزواج إلاّ أن يعيشوا في الواقع اليوميّ حقيقة النعمة هذه التي تشارك في "العالم" الآتي وتتضمّن قيمته الخفيّة.

خاتمة
إن حبّ الزوجين المسيحيين سيعرف المحنة، ولكن المحبة التي ينبوعها في يسوع المسيح، تتيح له أن يبقى كما هو: عطاء وتفانٍ، استعداد تام لتقدمة الذات من أجل خلاص الآخر وفدائه. وهكذا يتقدّس الزوج غير المؤمن بالمرأة المؤمنة، والمرأة غير المؤمنة بالزوج المؤمن. قد يصطدم أحد الزوجين بالمحنة. قد تبرد المحبّة في قلبه. قد يقوده البحث عن أنانيته ولذّته الشخصية إلى الخيانة. هذا هو الواقع المؤلم الذي نعرفه فينا وحولنا.
إذا توقّفنا على مستوى تنظيمات العهد القديم، وجدنا الجواب السريع: فأي زوج يستطيع أن يتجاوز غضبه حين لا يعود الآخر يحبّه، حين يكون الآخر قد جرح هذا الحب؟ ولكن الحبّ المسيحي يجد في مثال المسيح إمكانيّة الغفران. فتعطيه نعمةُ الله إمكانيّة الفداء التي لا يفهمها العالم. إن الحبّ الذي هو أقوى من الموت (نش 8: 6) يشارك في قدرة يسوع الذي قال: "أنا غلبت العالم".
لا نجاح لحبّ بشري منغمس في الزمن، في عالم يسيطر عليه الشرّ، إلاّ بهذا التجديد الذي يحمله المسيح. فكل أمانة حقيقيّة يعيشها الزوجان، تستند في الواقع إلى نعمة المسيح. أجل الحب والأمانة قيمتان مهدّدتان. وانجذاب الانسان نحو الجسد (بما فيه من ضعف) ونحو الروح هو وضع نعيشه كل يوم. أجل هناك خبرة معروفة تكشف لنا ضعف بشريتنا والاخطار التي تهدّدنا. ولكن هناك إيضاً خبرة الإيمان الروحيّة التي يعيشها المسيحيون فتكشف لهم قدرة روح الله. حينئذٍ تجد أمانتهم في أمانة الله أساسها وانطلاقتها لخلق عيلة هي كنيسة الله على الأرض.

الخاتمة

تلك مواضيع كتابيّة أردنا أن نقدّمها في الجزء الثامن من محطات كتابيّة. وقد جاءت في أربعة أقسام: وجه الله. يسوع المسيح، موته وقيامته. الروح القدس والكنيسة. أسرار الكنيسة.
مواضيع كتبناها خلال بضع سنوات، وتأمّلنا فيها قبل أن ندوّخها في المجلاّت المختلفة، فجاءت عصارة صلاتنا وحياتنا الرسوليّة، وحصيلة الأحاديث الدينيّة والمحاضرات.
مواضيع متنوّعة تصلح للتأمّل والصلاة كما تصلح لأن تكون مادة لحديث نقدّمه في جماعاتنا. وقد سبق للبعض فلجأوا إليها من أجل دراسة شخصيّة أو بحث لاهوتيّ سريع.
مواضيع جمعناها من هنا وهناك، وهدفنا أن يستفيد منها أكبر عدد من القرّاء. كانت موزّعة في المجلات، فانضمّت بعضها إلى بعض في كتاب يسهل استعماله، وفي سلسلة تعوّدنا أن نرافق أجزاءها الواحد بعد الآخر.
مواضيع استقيناها من الكتاب المقدّس بعهديه القديم والجديد، وربطناها بحياة الكنيسة، بالليتورجيا وطرق الصلاة، كما أردناها غذاء لإيماننا المسيحيّ وسنداً لعقيدة طالما تلقّت الهجومات من هنا وهناك. يا ليت كل واحد منا يقرأها مستعيناً بالكتاب المقدّس الذي كان أساس انطلاقتها، فيغذّي حياته المسيحيّة وينعش تفكيره فلا يبقى طفلاً على مستوى التعليم لم يتحرّر بعد مات طعام الاطفال، كما يقول القديس بولس.
مع هذه المواضيع التي امتدت على ثلاثة وثلايّين فصلاً، تركنا بعض الشيء كتبَ الشرح والتفسير، وحاولنا أن نغتني باللاهوت الكتابي، باللاهوت الذي يتغذّى من الكتاب المقدّس. وكل همّنا أن لا يكون لاهوتنا نظريات فلسفيّة فقط، ولا عظات أخلاقيّة وحسب. بل يصبح مرتبطاً بكلمة الله ينبوع كل حياة. وإلاّ يصحّ فينا ما قاله الربّ بلسان إرميا: "تركوني أنا ينبوع الحياة واحتفروا لهم آباراً مشقّقة لا تحتفظ بالماء".
فيا ليت هذا الكتاب يساعدنا على أن ننهل من ذاك الماء الحيّ الذي طلبته السامريّة من يسوع فقال لها: "من يشرب من الماء الذي أعطيه أنا، فلن يعطش أبداً، فإن الماء الذي أعطيه ينقلب فيه نبعاً يتفجّر حياة أبديّة".