ما بين الصّوم والفصح” “أعطوهم أنتم ما يأكلون”

 

الصّوم الأربعينيّ المُقدّس، هو وقفة حقيقيّة مع الذّات لمراجعة القناعات الشّخصيّة، وفرصة ذهبيّة للمؤمن- في جوّ الصّلاة- أن يعطي حساب وكالته لله. ولمّا كان الصّوم بصفة عامّة في الكنيسة فترة للاستعداد الرّوحيّ للاحتفال المثمر بالعيد، لنتأمّل كُلٌّ منّا- بحسب حالته- في دعوته ورسالته، حتّى نعيش دعوتنا بملئها ونختبر الفصح الحقيقيّ، فصح الغلبة والنّجاح في العمل مع الله.

يذكر لنا الوحي الإلهيّ الكتابيّ في العهد الجديد، آيتين من آيات السّيّد المسيح له المجد، وهما إشباع الجموع… الأولى هي إشباع الجموع “الخمسة آلاف رجل” بالخمسة خبزات والسّمكتين ونجدها في (مت14/13-21؛ مر6/30-44؛ لو9/10-17؛ يو6/1-14). أمّا الثّانية فهي إشباع الجموع “أربعة آلاف رجل” بالسّبعة أرغفة وبعض السّمكات الصّغيرة ونجدها في (مت15/32-39؛ مر8/1-10).

 

تعليق على النّص (مت14/13-21)

 

نجد هنا الرّب يسوع برفقة تلاميذه مع الجموع الكثيرة الّتي تبعته والقادمين من مدن كثيرة مشيًّا على الأقدام، فنجد أنّ السّيّد يُشفق عليهم ويبدأ في شفاء المرضى فيهم. يُبادر التّلاميذُ بتنبيه السّيّد المسيح بصرف النّاس لأنّهم أولا؛ المساء قدّ حلّ، ثانيًا؛ هم في موضع قفر، نائي.. فعليهم أن يذهبوا للقرى المجاورة ليشتروا الطّعام…إلخ.

 

لكن يفاجئ السّيّد المسيح التّلاميذ… بعدم ضرورة  صرف الجموع، لكن على التّلاميذ أن يعطوا النّاس الطّعام اللاّزم. فيرد التّلاميذ ليس عندنا سوى خمسة أرغفة وسمكتين…يأخذ السّيّد المسيح القليل الّذي عندهم، ثم يبارك فيه ويعطي الجميع. وهنا علينا أن نقف متأمّلين في حوار السّيّد المسيح “أعطوهم أنتم ما يأكلون”.

 

أعطوهم:

  يعلّمنا الكتاب المقدّس أن نرى في أصل كلّ عطية هيّمبادرةَ إلهّية. “كلّ عطية صالحة… تنزل من عل من عند أبي الأنوار” (يعقوب 1/ 17، راجع طوبيا 4/ 19). فالله هو الذي يبادربالخلق “الحياة” ويعطي الجميع قوتاً وحياة (مزمور 10/ 4)، وهو أيضًا الّذي له المبادرة في عمل الخلاص (تثنية 9/ 6، يوحنّا 4/ 10) وبالتالي يُخطئ  الإنسان عندما يعتبر سخائه الإنساني، سابق للنّعمة (راجع يوحنا 13/ 37- 38). فأوّل موقف ينبغي للإنسان أن يقفه هو أن ينفتح لعطيّة الله (مرقس 10/ 15 )، وعندما يقبل العطيّة، يصبح أهلاً لسخاء أصيل ولممارسة العطاء بدوره (1 يوحنا 3/ 16).  واعترافًا بسلطان الله المطلق ونعمه الوفيرة، يقدّم “يُعطي” إسرائيل البواكير والعشور (تثنية 26) والذّبائح (لاويين1 ….). ويأتي أيضًا بعطايا للتّكفير عن حنثه بالعهد (لاويين 4 و5) ولإعادة مرضاة يهوه عليهم (2 صموئيل 24/ 21- 25). فتقام القرابين لله في إطار تبادل العطايا (سيراخ 35: 12- 13).

وبهذه النّظرة نفسها يكون في الغالب مفهوم العطاء بين الأفراد والعائلات والشّعوب. فعندما يعطي الإنسان، يظهر ما يسمّونه بالعبرية “حِسِد” أي هذا العطف وهذا الإحسان المتبادلين الّذين هما القاعدة السائدة بين الحلفاء أو الأصدقاء. فمن يقبل العطيّةيقبل العهد ويمتنع عن كل موقف عدائي لله (تكوين 32/ 14، يشوع 9/12- 14، 2 صموئيل 17/27 00 0، 19: 32….). ولكن الشّريعة تمنع منعاَ باتًّا العطايا التي تهدف إلى إفساد الضّمائر(خروج 23/ 8، إشعيا 5/ 23)، (راجع: معجم اللاهوت الكتابيّ، أشرف على التّرجمة أنطونيوس نجيب (المُطران)، دار المشرق، بيروت 2004 ، ص 553، 554.)

مما سبق أنّ العطاء في الثّقافة الكتابيّة هو تجسيد الرّحمة والتّعبير الأصيل عن السّخاء وتبادُل العواطف، كما أنّ عطاء الإنسان هو علامة على تقبُّل عطية الله.

أنتم:

    كلام السّيّد مباشرة للتّلاميذ…، كما لو كان يستدعيّ كلام سفر التّكوين، والمهام الّتي أوكلها الله للإنسان عندما خلقة فمنذ البداية والله يُعدّ للإنسان مهام، ومهام كبيرة نستعرضه بعضها كما يلي بالتّفصيل…

من هنا يُمكننا أن نستنتج أنّ كلام السّيّد المسيح هو للإنسان، كنوع من التّذكير بالدّور الأصيل له في عمله كمشارك ووكيل لله… في الاعتناء بالخلق… إذا يُمكننا أيضًا تفسير كلام السّيّد المسيح مباشرة أنت أيّها الإنسان مسئول عن تبادل العطاء مع أخيك… والعطاء المرجو منك، هو تجسيدك للرّحمة والاعتناء والحبّ. فأنت المسئول عنه، فأنا الضّامن لحياة أخي، والضّمان هنا المقصود به تأمين حياة أخيّ… حتّى بالدّور البسيط الّذي أقوم به، من احترامه كإنسان يقاسمني الحياة.

ما يأكلون:

   نُخطئ كثيرًا في تصنيف إنسان بعينه على أنّه فقير، أو محتاج…، لأنّ النّقص والاحتياج هو سمة البشر، كُلّنا فقراء، وكُلّنا في حاجة، وفي نقص… . لم يذكر الإنجيليّ فئات النّاس المجتمعة في المشهد، ولم يقل إنّهم فقراء، لكنّهم في حاجة… ففي أحيان كثيرة نحصر الفقير في ما نقابلهم في الميادين، أو من يستوقفوننا أمام المطاعم، أو من يحملون شهادات المرض في المواصلات العامّة… فأعتقد أنّ الفقير لا يسأل أو يُتاجر بقضيّته، إنّما الفقير الحقيقيّ هو من حُرِم من إمكانيّة “الاستغناء“، أيّ عدم القدرة الحقيقية على حريّة اختيار شيء وترك أخر…

الفقر هو فقر ماديّ ونفسيّ وعقليّ وروحيّ. فعلى المسيحييّن أن يتقبلّوا باستمرار المحتاجين على هذه الأرض بانتباه ومحبّة والمسيح ينظر إليهم بالطّريقة الّتي يُعاملون بها الفقراء: “إنّ كلّ مرّة صنعتم ذلك إلى أحد هؤلاء الصّغار الّذين هم إخوتي، فإليّ قدّ صنعتموه”. (مت25/ 40) (راجع: التّعليم المسيحيّ للشّباب(YOUCAT)، منشورات مكتب الشّبيبة البطريركيّ، بكركيّ، لبنان، 2012، الفقرة 449.)

إذن يُمكننا أن نتصرّف في كلمة “ما يأكلون”، بناء على ما جاء في التّعليم المسيحيّ، ونُطبقّها على أيامنا وواقعنا الحالي ونذكر على سبيل المثال:-

 

يحتاج المؤمن في أيامنا هذه أن يعود للدّعوة الأساسيّة له كإنسان على صورة الله ومثاله… أيّ إنسان لديه عقل“يفكّر”،قلبّ “يحبّ، ينتبه، يشعر…”، إرادة “حريّة تختار”. فما أحوجنا هذه الأيام لأنّ يعود الإنسان إلى إنسانيّته… فإنسان اليوم بين مطرقة الحداثة ووهم العالم الافتراضيّ، وسندان الماديّة. فإنسان اليوم تحوّل لقيمة نفعيّة، كميّة، تصنيفيّة…  بدلا من قيمته المطلقة المتمثّلة في تناغم العقل والقلب والإرادة… “فأُناشِدُكم إِذًا، أَنا السَّجينَ في الرَّبّ، أَن تَسيروا سيرةً تَليقُ بِالدَّعوَةِ الَّتي دُعيتُم إِلَيها، سيرةً مِلؤُها التَّواضُعُ والوَداعَةُ والصَّبْر، مُحتَمِلينَ بَعضُكُم بَعضًا في المَحبَّة… (أف4/1، 2).

 

(الكلام هنا حصريّ على التّعليم المسيحيّ الرّسميّ للكنيسة الكاثوليكيّة، لأن ليس كل ما يُعلن أو يُصدَّر في وسائل الإعلام يتوافق مع تعاليم الكنيسة، فمنه ما هو بعيد كلّ البعُد عن المسيّحّية أصلا.)

في أيقونات وتماثيل شهيرة، يُمثّل القدّيس منصور دي بول ماسًكا بيدة الخُبز، بالأُخرى الكتاب المُقدّس، سرّ عظمة هذا القدّيس الكبير هو ربطه الإيمان بعمل المحبّة.. فالإيمان يظلّ حبيس النّظريّات والكُتب ما لم يُترجم بالمحبّة. ولنا في هذا الصّدد أمثلة كبيرة كان من أحدثه ا إعلان الكنيسة قداسة الأم تريزا من كالكوتا… فلا يُمكن أن تقتصر خدمتنا على إشباع الحاجات البيولوجيّة فقط، فالكنيسة ليست مؤسّسة إجتماعيّة، أو نادي خيريّ يأخذ التّبرعات ويعطيها لمن ليس لهم، كما أن الخدّام، ليسوا صرّافين، أو مفتّشي الأُسر يبحثون عمّن يستحق من دون…

 

فإذا كنّا في كنيسة كاثوليكيّة، يتحتّم علينا أولا إعلان إيمانها المسيحيّ الكاثوليكيّ أولا قبل نقودها، تعليمها الرّسميّ قبل إعاناتها، قيمها وثقافتها قبل مساعداتها. وهذا يتطلّب منّا النّزاهة والإصرار في تشرّب التّعليم المسيحيّ الرّسميّ لكنيستنا، لا نستحيّ من تعاليمها، أن يكون لدينا التّواضع اللاّزم للتتلّمُذ دائمًا.

  

ج. مَثلاً للمسيحيّ الصّالح

 

  “…فهكذا فليضئ نوركم للنّاس فيرون أعمالكم الصّالحة فيمجدّوا أباكم الّذي في السّموات” (مت5/16)، على المسيحيّ واجب التّبشير ولا تبشير أسمى وأقوى من سلوك الحياة.. ” إنّ واجب العلمانيين وحقَّهم على أن يكونوا رُسلاً ينبعانِ من اتحادهم بالذات بالمسيح الذي هو الرأس. فإنهم إذ قد اندمجوا بالمعمودية في جسد المسيح السرّي، وتقوَّوا بالتثبيت بقدرةِ الروح القدس، فالربُ نفسُه ينتدبهم للرسالة. ولئن كانوا قد كُرِّسوا كهنوتاً ملوكيّاً وأمةً مقدّسة (1 بط 2 / 4 – 10)، فإنّما لِيُحوّلوا جميع أعمالِهم قرابينَ روحيّةً، ويشهدوا للمسيح في الأرض كلّها. وتُوليهم الأسرار، ولا سيّما الافخارستيّا المقدّسة، تلك المحبة التي هي لكلّ رسالة بمنزلة الروح، وتغذّيها فيهم….  ويحيا أهلُها الرسالةَ في الإيمان والرجاء والمحبة التي يُفيضها الروحُ القدس في قلوب أعضاء الكنيسة بأسرِهم. بل إنّ وصيّةَ المحبة، التي هي أعظمُ وصايا الربّ، تحثّ جميعَ المسيحيين على العمل لمجد الله بإتيانِ ملكوتِه، وعلى إنالةِ جميع الناس الحياةَ الخالدة بأن يعرفوا الإلهَ الحقيقيّ الواحد الأحد، ويسوع المسيح رسوله (2 يو 17 : 3) تلك هي المهمّة السنيّة المنوطة بالمسيحيين أجمعين: أن يسعَوا بلا انقطاعٍ إلى أن يعرفَ جميعُ الناس، على الأرض كلِّها، رسالة الخلاص الإلهية، ويقبلوها (راجع: وثائق المجمع المسكونيّ الفاتيكانيّ الثّانيّ، رسالة العلمانيين، المكتبة الكاثوليكيّة ، السّكاكينيّ، القاهرة، 2014 4، الفقرة 3، ص 301)

 

   فالمسيحيّ إذن، وبالأخصّ العلمانيّ، له دعوة خاصّة، فهو في العالم لكنّه ليس من العالم… هو إنسان مختلف كيفًا فكرًا، وتصرفًا، ونزاهةً . فكيف ننظر اليوم لوظيفتنا النّبويّة، في أن نكون صوتًا للحقّ وللضّمير. فنحن في حياتنا نّجسّد دون أن ندري التّعليم المسيحيّ، أيّ كلّ العقائد، كلّ الرّوحانيّة، كلّ اللّيتورجيا… فأيّ مثل نعطيّ لعالمنا.

 

للتّفكير والتّأمُّل وفحص الذّات…