روحانيّة الصوم المسيحي

 

 

كثيراً ما نتكلم عن الصوم، في كنائسنا وعائلاتنا وحياتنا، وهو من أكثر الموضوعات التي دار حولها الجدال والنقاش، على مدى أجيال كثيرة في جميع الديانات. فقد اتخذ الصوم مظاهر عديدة وأشكالاً مختلفة، ولذلك دائماً نتسأل ما هو الصّوم ؟ لماذا نصوم ؟. كيف نصوم ؟. ما هي الاحتياجات التي يلبيها لنا الصوم ؟. ما هي فائدة ومفاعيل الصوم ؟. أسئلة متعدِّدة مطروحة علينا بمناسبة هذه الفترة المقدسة التي نحياها في هذه الأيّام أَلا وهي فترة الصوم الأربعيني. وفي هذا الموضوع سنبرز بعض روحانيّة الصوم الأربعيني المقدسة.

1- الصوم استعداد

إن العمل الناجح، هو العمل الذي له استعداد دائم ومستمر من قِبل الآخرين، ولذا فالصوم هو استعداد لمعايشة فرح القيامة في حياتنا، وذلك يتطلب منا أن نسلك نهج روحي عميق. ولذلك نرى أن الآباء والأنبياء قديما صاموا فكان هناك حدث مهم في حياتهم وحياة الشعب، مثلاً صام موسى قبل أن يستلم لوحي العهد. كما صام إيليا أيضاً، مستعداً لرسالته، التي أوكلت إليه من قبل الله.كذلك أيضاً استعد يسوع لرسالته العلنية بالصوم، إذ صام أربعين يوماً وأربعين ليلةً. كما نستعد نحن ايضاً، للاحتفال بالإفخارستيا والأعياد لذلك توصي الكنيسة أبناءها، أن يكونوا مستعدين بالصوم، أن نستعد ونستقبل الحدث ويؤثر فينا ونعيشه ونعرف معناه وقيمته في حياتنا، وبقدر ما يكون استعدادنا، يكون إدراكنا لتلك الأحداث والأعياد التّي نحتفل بها  وأهميتها في حياتنا.

الصوم هو التحرر

الصوم هو طريق، ومشوار  نريد أن نجتازه، فبه نستطيع أن نتحرر من كل ما يُعوقنا ويعطل مسيرتنا نحو الله، – فيساعدنا أن نتحرر من الخطيئة، التي تعتبر من العوائق المدمرّة لحياة الإنسان الروحية. فترة الصوم هي مسيرة نحو الله، مسيرة حتى نقدر نرى الله في كل أمور حياتنا، الصوم هو زمن تقديس الحواس وتقديس قلوبنا حتى نتحد بكل بقلوب البشر،  صوم العين عن النظرات الشريرة .صوم اللسان عن الكلام الباطل .صوم الآذان عن سماع كلام الإدانة والذم .ويقول القديس مار إسحق السرياني:-  ” إن صوم اللسان أفضل من صوم البطن، وصوم القلب عن الأفكار الشريرة أفضل من الاثنين. ويقول ذهبي الفم : “لا تقل إني صائم بماء وملح، وأنت تأكل لحوم الناس بالمذمة والإدانة ”  علينا أن نتحرر من كل قيود الخطئية ونتحرر من كل ما هو مادي. لأن علينا أن ننشغل في الزمن الأربعيني المقدسة بالاتحاد بالله، والإصغاء لصوته، والاستعداد التام لما يقوله الروح. بالتالي كل هذا بعيد كل البعد عن ما هو مادي. علينا نتحرر من البغض وكل ما يعكّر صفو حياتنا، علينا أن نتحرر من الانشغال بأمور الحياة المادية.

3- الصوم مسيرة نحو التوبة

التوبة يعني الرجوع إلى الله والذات والقريب، أقترب من الله وأتذوق رحمته، وهناك مفاعيل سر التوبة ومنها،المصالحة مع الله:- يقول التعليم المسيحي في العدد 1468: كل مفعول سرّ التوبة أن يعيدنا إلى نعمة الله ويضمنا إليه في صداقة قصوى. إن الذين يُقبِلون إلى سرّ التوبة بقلب منسحق واستعداد ورع يشعرون من بعده بسلام الضمير وراحته ترافقهما تعزية روحية قويّة. ذلك بأن سرّ المصالحة مع الله يجلب لنا قيامة روحيّة حقيقيّة واسترداداً لما يملكه أبناء الله في حياتهم من كرامة وخيرات أثمنها صداقتنا مع الله.، وأيضاً من مفاعيل سر التوبة هو التصالح مع الكنيسة. يقول التعليم المسيحي في العدد 1469،  فالخطيئة تحطم الشركة الأخوية. سرّ التوبة يصلحها ويرممها. وهو في هذا الصدد لا يشفي فقط من أُعيد إلى الشركة الكنسيّة بل يُحدث أثراً محيياً في حياة الكنيسة التي بها خطيئة احد أعضائها. فإذا ارتد الخاطئ إلى شركة القديسين وثبت فيها فهو يتقوّى بتبادل الخيرات الروحيّة بين جميع أعضاء جسد المسيح الحيّة.

مهم جداً في فترة الصوم المقدس أن أتغير وأدخل إلى عمق الحياة المسيحية، ونتذكر  كلام قداسة البابا فرنسيس الذي أعطى مفهوم جديد وعميق للصوم وقال:-

– صم عن حكم وإدانة الآخرين واكتشف المسيح الموجود فيهم

– صم عن قول كلمات جارحة ومحقرة واملأ فمك بجمل وكلمات تفيد وتشفي الآخرين

– صم عن التذمر واملأ حياتك من عرفان الجميل والشكر

خاتمه:-

 

تعلمنا الكنيسة أن الصوم هو الإقتداء بالمسيح مصدر كل قوة وانتصار على إبليس وتجاربه، ولذلك مسيرة الصوم هي نهج روحي يخلق فينا الانسجام في الحياة المسيحية بروح الله الذي يقود حياتنا، الصوم والصلاة طريق يوصلنا بالإيمان إلى إتمام قصد الله فينا، وأيضًا الصوم يحررنا من التمسك بالحياة المادية، والتعلق بالحياة الروحية، وهذا ما علمنا إياه ربنا يسوع المسيح عندما قال ”  ومتى صمتم فلا تكونوا عابسين كالمرائين فإنهم يغيرون وجوههم لكي يظهروا للناس صائمين الحق أقول لكم إنهم قد استوفوا أجرهم،  وأما أنت فمتى صمت فادهن راسك واغسل وجهك، لكي لا تظهر للناس صائما بل لأبيك الذي في الخفاء فأبوك الذي يرى في الخفاء يجازيك علانية. ( مت 6/ 16-18).

 

نطلب من ربنا ومخلصنا يسوع المسيح أن يقبل صلاتنا وصومنا ويعطينا دائماً النعمة حتى نسلك دائمًا معه حتى الصليب، ونطلب منه أن يحررنا من ضعفنا وخطايانا، ويباركنا ويقدسنا دائمًا في حياتنا اليومية، وصوم مبارك ومقبول، وكل عام وأنتم بخير.

المراجع