السامرية

 

السامرية
1. بين جبلين

اعتقدت خطأ ان بنهاية كلماتي عن سفر نشيد الاناشيد انتهت قصة الحبيبة. فهي وجدت الحبيب وهي معه الان وتتنعم. اختارته وترك كل شيء من اجلها وانتهى الامر. الى ان قال لي عزيز: اتشعر بتلك الحبيبة في مكان اخر. فقلت: اين؟ فقال لي مع كل استغرابي وتعجبي منه : السامرية. جعلني اغرق في أفكاري ذهبت وبدأت اقراء هذا النص من جديد ومن جديد اقراءه، فوجدت…. نعم وجدت تلك الحبيبة وكأنها هربت من سفر نشيد الاناشيد، تخطت الزمان وسمت عن المكان وها هي من جديد هنا عند بئر يعقوب ببلدة سيخار.
غريب موقع هذا البئر. يقع في وادي سيخار بين جبيلين: جرزيم وعيبال. جبل عيبال وعليه وقف بنو إسرائيل بعد أن عبروا الأردن، وأقاموا مذبحًا من الحجارة، إطاعة لأمر موسى الذي أمرهم بإقامة حجارة كبيرة وتشييدها هناك، ليكتبوا عليها كلمات الناموس (تث 27: 1ـ 8). فهو الجبل الذي يمثل الطاعة للشريعة ولكلمات الرب. هو الجبل الذي اختاره الشعب كي يعلن ان الرب هو سيده الوحيد.

والجبل الاخر جرزيم، جبل صخري منحدر، خطر ومخيف لحد كبير، وهناك حسب التقليد اليهودي يوجد هيكل منافس لهيكل الرب في اورشليم بناه حما منسى السامري لان الاخير تزوج من ابنته الغريبة وهذا امر ممنوع حسب الشريعه، فمنعه الكهنة من دخول اورشليم فخاف حماه ان يترك منسى ابنته وبنى له هيكل مماثل كي لا يشعر بالفرق. أي كي يستمر في ارضاء ضميره مع انه مع تلك الغريبة.
نعم بين هذين الجبلين توجد سيخار، يوجد بئر يعقوب، توجد تلك السامرية، تلك الحبيبة. تستقى المياه ولكن بعد ذلك الى اين ستتجه، اعتادت بعدها ان تعود لبيتها للزوج الذي ليس بزوجها. تعود لجرزيم.
نعم بئر يعقوب، هو بئر للمياه نستقى منه الحياة، وبعده الى اين سنذهب. عند هذا البئر وجدت نفسي ووجدتك معي، هناك نرتوي وارتوينا ومن بعده الى اين؟ نعم وجدت تلك الحبيبة بين الجبيلين، بين القرارين، فماذا ستفعل. وماذا سنفعل؟ اعتادت جرزيم، لكن هل هذا اليوم سيتغير شيء. هل هناك بداية جديدة؟ اهناك من ينتظرنا؟

سفر الملوك الثاني يخبرنا بان ملك أشور سرجون الثاني بعد سبي إسرائيل, أرسل أناسا من خمس مدن وثنية وأسكنهم في مدن السامرة مكان بني إسرائيل. (2مل17: 24). مكان اليهود اسكن خمسة أمم غريبة في السامرة، لها آلهتها الخاصة. وأرسل أيضا كاهن ليعلمهم كيف يتقوا الرب. فهناك في السامرة توجد خمسة ألهه وأيضا اله إسرائيل.
في هذه البلدة يلتقي يسوع مع المرأة السامرية, وهو أيضا لقاء معي ومعك. يقول: “اذهبي وادعي زوجك ثم عودي”. فتقول: ليس لي زوج. فيرد: في الواقع كان لك خمسة أزواج (نفس رقم الالهه) والذي لك اليوم ليس بزوجك”.
نعم المسيح يسألها عن أزاوجها، ونفس الكلمة تعني بعل أي السيد، الرب. فكلمة زوج بالعبري توحي بالزوج الطبيعي ولكن أيضا بالسيد بمعنى اله. فالسؤال للسامرية لي ولك اليوم، من تعبد؟ على من ترتكز؟ على من وضعت ضماناتك، وأملت في استقرارك؟ ممن ترتوي، ولمن تمنح تضحياتك، وذبائحك، لاي بعل؟ لاي زوج؟ الأمر هنا يتخطى مشكلة زنى المرأة. يفوق الجنس، والأخلاقيات، الأمر هنا يمس الكيان والذي من بعده تنشا الخطيئة.
من السهل ان نجيب إننا نعبد الرب ولكن كم أرى انه من الصعب ان أقول أني اعبد الرب فقط. أيضا إيليا النبي يواجه نفس المشكلة مع الشعب. فيأمر إيليا ان يجتمع الشعب على جبل الكرمل ويقول: “الى متى انتم تعرجون بين الجانبين؟ ان كان الرب هو الإله فأتبعوه وان كان البعل اياه فأتبعوه” (امل 18: 21). خطيئة الشعب ليس إنهم تركوا الرب، لا. خطيئة الشعب انه متأرجح، يقفز من طريق الى آخر: يعرج، بعض الوقت يسير مع الرب وفي وقت آخر يتبع بعل.
ما معنى هذا؟ ان الشعب لا يبحث في العمق عن اله يعبده، بل يبحث عن اله يحقق له مطالبه. يعبد الله لأنه يحتاج اليه. فمن يلبي مطالبه واحتياجاته يميل اليه. اذا طلب من الرب شيئاً ولم يستجيب له يبحث عن بعل اخر كي يحققه. الشعب ليس ببعيد عنا؛ فالإنسان يحتاج لإله. يحتاج لقوى اكبر منه تُساعده وقت الضيق وتُخرجه من حالته عندما لا يستطيع ان يخلص ذاته. وعندما لا يلبي الله الاحتياج يتبع بعل، زوج: السحر؛ المال؛ الإحساس بأنه محبوب او مقبول؛ ضمان المستقبل؛ العواطف؛ الراحة؛ إنسان آخر؛…. ويطلب من هذا البعل من هذا الزوج ما يحتاجه ولا يدرك انه لا يستطيع ان يقدم له شيئا، بل بالأحرى هذا البعل، الزوج، يأخذ منّا كل شيء. نعم أزواج السامرية اخذوا منها كل شي. تركوا لها الندم على ما فعلته، وخجل، وحرب مستمرة تحاول فيها ان تبرر ذاتها. السامرية هي أنا وأنت وكل إنسان، هي تلك الحبيبة، شعب الله، ولكن هل هناك من ينتظرنا؟ ….

مازلنا نبحث عن تلك الحبيبة، عن تلك السامرية، وجدناها بين الجبلين، وجدناها في السامرة، عند بئر يعقوب.
كثيرا ما تاثرت بهذه الصورة، صورة البئر. هذا الجرح العميق في باطن الارض والذي تخرج منه حياة، هذا الشق في عمق الحجر ينبع منه رطوبة وعذوبة ومياه. هذا هو البئر، شق وجرح قادر ان يكون مصدر حياة لكثيرين. صورة للصليب؟ صورة لجروحاتنا اليومية وصعوباتها؟ لا اعلم. اعلم ان من هذا البئر تخرج مياه. اعلم ان المسيح يمثل نفسه ومن يؤمن به كالبئر، تنبع منه مياه للحياة الابدية (يو 7).
البئر ايضا في الكتاب هو المكان الذي يحتمي عنده من يهرب من موقف، من صعوبة. نجد هاجر بعد هروبها من سارة تحتمي عند نبع المياه وتسمع صوت ملاك الرب. نجد موسى بعد ان قتل المصري يهرب ويحتمي عند البئر. وغيرهم … فالبئر هو المكان الذي يحتمي عنده من يهرب، كي يشرب فيرتوي ويستمر بعد ذلك في هروبه، ولكن كان ملاك الرب ينتظر هاجر هناك، وغير اتجاهها.
وهنا الحبيب ينتظر تلك السامرية، فهل ستغير اتجاهها؟ تأتي تلك الحبيبة، في الظهيرة، اصعب وقت كي تستقي من البئر، كانت خائفة من نظرات السيدات لها، من تلميحاتهم عليها، فهي لها سمعة خاصة، عاشت مع خمسة ازواج ومن معها الان ليس بزوجها. الكل يعرفها، يعرف ماضيها يعرف تصرفاتها، ولكن لا احد يعرف مستقبلها، لا احد يتوقع الذي من الممكن ان تكون عليه بعد لقاء الحبيب. الكل يحكم علينا بما فعلناه، ولا يوجد شخص قادر ان يرى فينا ما ممكن ان نكون عليه، الا الحبيب. ها هي تأتي هاربة كهاجر، كموسى، تأتي وتتمنى ان لا يراها احد، ان تختفي من عيون وعقول الناس وافكارهم. تأتي محملة بماضي ثقيل، تأتي مهمومة من واقع وحاضر يحاسرها، ومن مستقبل خفي لا تنتظر او تتوقع منه شيء جديد. تأتي ولا تدري ان هناك من ينتظرها، له عيون مختلفة، له رؤية جديدة، غريب.
تأتي وتجد رجل منفرد، من اليهودية، من اعداء السامرة. المنظر غير مريح، رجل عند الظهيرة، عند البئر وامراءة ذو سمعة خاصة تأتي وتجده هناك ويبدأ هو الحديث معها، وبالاحرى يطلب منها. ماذا يطلب؟ عادة عند البئر تتم الخطبة والتعرف على الزوجة، وجد اسحق زوجته هناك ويعقوب ايضا…. فالبئر هو مكان للتعرف على زوجة المستقبل. وهنا يوجد رجل وتأتي تلك السامرية، فماذا سيطلب منها؟