” المطهر ”

 

مقدمة
أبدأ مما يقوله تعليم الكنيسة الكاثوليكية عن المطهر. فالكنيسة تعلّم ما يلي: “أن الذين يموتون في نعمة الله وصداقته، ولم يتطهروا بعد تطهيراً كاملاً، وان كانوا على ثقة بخلاصهم الابدي، يخضعون من بعد موتهم لتطهير، يحصلون به على القداسة الضرورية لدخول فرح السماء” (رقم 1030).

الكتاب المقدس صريح وواضح جداً عندما يقول: “لن يدخل شيء نجسٌ” (الى السماء) (رؤ 21/ 27). وكذلك قول الكتاب المقدس: “إن عينيك أطهر من أن تشهدا الشرَّ، وأنت لا تُطيق رؤية الظلم” (حب 1/ 13). وهنا سؤال يطرح نفسه: كم واحد منّا فعلا سيكون نقي وطاهر من الشر تماما في مماتنا؟ أجرؤ هنا على القول أن معظمنا سيكون في حاجة إلى مزيد من التنقية من أجل الدخول أبواب السماء بعد أن نموت، إذا، شاء الله، أن ينعم علينا بالموت في حالة النعمة.

على ضوء ذلك، فأن حقيقة المطهر تصبح ضرورية. ومع ذلك، لكثير من الأخوة البروتستانت هذه هي واحدة من أبغض من التعاليم الكاثوليكية؛ فهي باعتقادهم تمثل “اختراع القرون الوسطى ولا يوجد عليها دليل في الكتاب المقدس”. و غالبا ما يطلق على المطهر على أنه ضدّ “لكفاية ذبيحة المسيح”. هذا وغيرها من الاتهامات التي تتعلق بهذه العقيدة.

الكتاب المقدس
أشير في هذا الى ثلاثة نصوص.

1. النص الاول مأخوذ من سفر المكابيين الثاني: “و في الغد جاء يهوذا ومن معه على ما تقتضيه السنة ليحملوا جثث القتلى ويدفنوهم مع ذوي قرابتهم في مقابر ابائهم. فوجدوا تحت ثياب كل واحد من القتلى انواطا من اصنام يمنيا مما تحرمه الشريعة على اليهود فتبين للجميع ان ذلك كان سبب قتلهم. فسبحوا كلهم الرب الديان العادل الذي يكشف الخفايا. ثم انثنوا يصلون ويبتهلون ان تمحى تلك الخطيئة المجترمة كل المحو وكان يهوذا النبيل يعظ القوم ان ينزهوا انفسهم عن الخطيئة اذ راوا بعيونهم ما اصاب الذي سقطوا لاجل الخطيئة. ثم جمع من كل واحد تقدمة فبلغ المجموع الفي درهم من الفضة فارسلها الى اورشليم ليقدم بها ذبيحة عن الخطيئة وكان ذلك من احسن الصنيع واتقاه لاعتقاده قيامة الموتى. لانه لو لم يكن مترجيا قيامة الذين سقطوا لكانت صلاته من اجل الموتى باطلا وعبثا. و لاعتباره ان الذين رقدوا بالتقوى قد ادخر لهم ثواب جميل. و هو راي مقدس تقوي ولهذا قدم الكفارة عن الموتى ليحلوا من الخطيئة” (2 مكابيين 12/ 39-46).

هناك من يعترض على ايراد هذا النص وذلك لإعتبارين: الاول هو أنه مأخوذ من سفر المكابيين وهو سفر غير قانوني ولا يعتبر جزء من الكتاب المقدس؛ والثاني هو أنه يتحدث عن خطيئة عبادة الاوثان، وهي خطيئة عقابها في العهد القديم هو الجحيم وليس المطهر! ولهذا يقولون أنه لا يتكلم عن المطهر.
والجواب على هذين الاعتراضيين هو: أن رفض قانونية هذا السفر (وهو ليس موضوعنا الأن) لا يقلل من أهميته التاريخية. فهو يعطينا اشارات واضحة الى أيمان اليهود قبل المسيح، وهو الايمان الذي تربى فيه ربنا يسوع والتلاميذ. وفي هذا المحيط التاريخي يسوع يعلن: “لِذَلِكَ أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ كُلَّ خَطِيئَةٍ وَتَجْدِيفٍ يُغْفَرُ لِلنَّاسِ. وَأَمَّا التَّجْدِيفُ عَلَى الرُّوحِ (الْقُدُسِ)، فَلَنْ يُغْفَرَ. وَمَنْ قَالَ كَلِمَةً ضِدَّ ابْنِ الإِنْسَانِ، يُغْفَرُ لَهُ. وَأَمَّا مَنْ قَالَ كَلِمَةً ضِدَّ الرُّوحِ الْقُدُسِ، فَلَنْ يُغْفَرَ لَهُ، لاَ فِي هَذَا الزَّمَانِ، وَلاَ فِي الزَّمَانِ الآتِي” (متى 12/ 32). وسؤالي هو ما هو الزمان الآتي الذي يتكلم عنه يسوع؟!
فأعلان ربنا يسوع هذا يشير الى وجود خطايا يمكن أن تغفر في “الزمان الآتي”. ولو أراد الرب يسوع أن يدين هذا النوع من التعليم السائد في أسرائيل، لفعل هذا. وأما الاعتراض الثاني فجوابي عليه هو: أن القراءة المتأنية لنص المكابيين تجلعنا نعرف: أولا، أن “الاوثان الصغيرة” هي الاعتقادات الخاطئة والخرافات التي كانت تلوث الأيمان والتي يجب الصلاة من أجلها لكي ما يغفرها الله: “استجب أنت يارب من السَّمَاءِ مَقَرِّ سُكْنَاكَ، وَاصْفَحْ وَجَازِ كُلَّ إِنْسَانٍ بِمُقْتَضَى طُرُقِهِ، لأَنَّكَ تَعْرِفُ قَلْبَهُ، فَأَنْتَ وَحْدَكَ الْمُطَّلِعُ عَلَى دَخَائِلِ النَّاسِ” (2 اخبار الايام 6/ 30).

2. أشير هنا إلى نص أخر مأخوذ من أنجيل متى يقول فيه الرب: “سَارِعْ إِلَى اسْتِرْضَاءِ خَصْمِكَ وَأَنْتَ مَعَهُ فِي الطَّرِيقِ إِلَى الْمَحْكَمَةِ، قَبْلَ أَنْ يُسَلِّمَكَ الْخَصْمُ إِلَى الْقَاضِي، فَيُسَلِّمَكَ الْقَاضِي إِلَى الشُّرَطِيِّ، فَيُلْقِيَكَ فِي السِّجْنِ. وَالْحَقَّ أَقُولُ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَخْرُجَ مِنَ السِّجْنِ حَتَّى تُوْفِيَ الْفَلْسَ الأَخِيرَ!” (متى 5/ 25-26). وفي هذا النص أشارة الى حقيقة “السجن” وضرورة التوبة للخروج منه.
هذا النص هو جزء من العظة على الجبل حيث يتحدث ربنا يسوع عن “السماء” (عدد 20)، وعن “جهنم” (عدد 29-30)، وعن الخطايا المميتة (عدد 22) والخطايا العرضية (عدد 19)، وهذا كلّه يأتي ضمن كلامه عن “ملكوت السموات” وعن مكافأة الآب السماوي” (عدد 1) وعن “كنز السماء” (عدد 19).
ما هو السجن الذي يتكلم عنه الرب يسوع المسيح؟ ومتى سيحدث هذا؟ وما هو السبيل الى الخروج منه؟ ,اجيب أنها اشارة الى التطهر عن كل الخطايا العرضية التي تركت أثارها على الطبيعة البشرية. وأضيف هنا وأقول أن كلمة السجن (φυλακή) في اليونانية هي نفس الكلمة التي أستخدمها الرسول بطرس في رسالته الاولى عندما تكلم عن “الارواح في السجن” (3/ 19)، حيث ذهب يسوع بعد موته ليحرّرهم منه. فالسجن هو مصطلح يستخدمه العهد الجديد لكي ما يصف هذا “المكان المؤقت” والذي لا يوجد في هذه الحياة.

3. النص الثالث الذي أريد أن اشير إليه هو قول بولس الرسول في الرسالة الى كورونثوس الاولى: “فانه لا يستطيع احد ان يضع اساسا اخر غير الذي وضع الذي هو يسوع المسيح. ولكن ان كان احد يبني على هذا الاساس ذهبا فضة حجارة كريمة خشبا عشبا قشا. فعمل كل واحد سيصير ظاهرا لان اليوم سيبينه، لانه بنار يستعلن، وستمتحن النار عملَ كلّ واحد ما هو. إن بقي عمل أحد قد بناه عليه فسياخذ أجرة. إن احترق عمل أحد فسيخسر و أما هو فسيخلص و لكن كما بنار” (1 كور 3/ 11-15).
لا يمكن لأحد أن ينفي أن هذا النص يتكلم عن “الدينونة الأخيرة” حيث سيحاسب الله كلَّ أنسان على أعماله بعد موته. فهو يقول بأن أعمال الانسان ستمتحن بالنار. والنار “رمزياً” تشير أما الى التطهير (متى 3/ 12؛ متى 3/ 11؛ مرقس 9/ 49)؛ وأما الى النار التي تحرق (متى 3/ 12؛ 1 تسالونيقي 1/ 7-8). فالنار هي أداة رمزية لدينونة الله. بعض الاعمال سوف تُحرق بالنار وبعضها يتمّ تطهيره بالنار. هذه الأخيرة تخلص ويبقى منها الجوهري فقط.
سيقول بعض الأخوة، أنه لا يوجد في النص ما يشير الى تطهير الانسان بالنار، فالنص يذكر فقط امتحان أعمال الانسان، وليس شخصه! والجواب هو: ما هي الخطيئة، إذا لم تكن الاعمال الخاطئة التي نعملها نحن كبشر (متى 7/ 21-23؛ يوحنا 8/ 40؛ غلاطية 5/ 19-21)، فأعمالنا هي خطايانا نحن ونقائصنا نحن، نحن الذين بحاجة الى تطهير. والأمر الثاني هو ان الخطيئة تترك أثراً في طبيعتنا وهي مرتبطة بشخصيتنا وقراراتنا، فالتطهير يجب أن يكون لنا نحن. والحقيقة هي الانسان وأعمال سيأتي الى التطهير بالنار كما وصفها الرسول بولس

خلاصة
جوهر كلّ شيء هو دعوتنا الى مشاركة الله حياته والاتحاد به. ولكي يتحقق هذا الاتحاد يجب ان نكون مستعدين لهذا اللقاء بمحبة كاملة، لانه هو كلّه محبة (1 يو 4/8). لا تدخل في الله أي ذرة من الخطيئة، لانه الخطيئة نقيض الله، فهي تعارض الله. فمن الذي يجرؤ على الاعتقاد في ساعة موته بأنه قائم في حالة المحبة الكاملة وانه تخلص من كل ذرة من الانانية؟ ولهذا يقول تعليم الكنيسة الكاثوليكية بان المطهر ليس عقاب وانما نار مطهرة (رقم 1472). نار تحرق فينا كل أثر من آثار الخطيئة التي تركتها فينا. لا بد أن نكتمل بالحبّ لكي نلتقي بالله.

فالألم الذي نعانيه هنا على الارض ونحن نحاول أن نعيش الحب ومتطلباته هو بداية التطهير. فالمؤمن يرى في الالم الذي يعانيه هنا بسبب اتباعه الرب يسوع وعيشه لكلمته يجعلني اتطهّر من خطاياي. أنه ألم طوعي، أقبله بحرية كاملة. انه ارتياع النفس أمام الله القدوس والمحبة. وهذا ما يُسمى أيضا الندامة. يقول اللاهوتي اليسوعي الفرنسي فرانسوا فاريون عن المطهر ويقول: “حين يرى الانسان نفسه أمام المحبة، لا يسعه إلا أن يرغب فيها. وليس ألمه إلا الشعور بأنه غير قادر على ذلك تماماً … فألمنا هو الاعتراف، في وعي تام، بأننا عاجزون عن المحبة الحقيقية”. ايماننا بحاجة الى تنقية وتطهير (1 بط 1/ 7).

فأنا غير كامل بكلامي وعقلي وحبي، مهما علت درجته. ولهذا نحتاج الى التطهّر، وتحتاج محبتنا الى التطهّر لتكون فعلا محبة كاملة تليق بالرب الذي هو محبة. هذا التطهر هو النار التي يتكلم عنها تعليم الكنيسة الكاثوليكية والتي تبدأ من هنا وتكتمل بعد موتنا.
لا يتكلم التعليم الكاثوليكي عن الزمن في المطهر، فالزمن غير موجود في الابدية. الله خارج الزمن: “يوم واحد في نظر الرب هو كألف سنة، والف سنة كيوم واحد” (2 بط 3/ 8). الكلام عن ما بعد الموت بعبارات زمنية هو رمزي. وعليه، فلا نعود نقول إن المطهر هو بعد الموت وان السعادة هي بعد المطهر، اذ ليس هناك من “بعد” بالمعنى الدقيق. الـ “بعد” والـ “قبل” يرتبطان بالزمن، وبالتالي بهذه الحياة. أما في الابدية فان من الافضل ان نقول بان التطهّر هو شرط السعادة الابدية.
فلنصل، من اجلنا ومن أجل أمواتنا، لكي تكون محبتنا كاملة وان تكون حياتنا موجهة نحو الهدف الكبير وهو اللقاء بالله والاتحاد به شخصياً. فليؤهلنا لذلك