الله ضيف على البشر (تك 18: 1-5)

 

حين أرادت الرسالة إلى العبرانيّين أن تتحدّث عن إيمان الأقدمين وما قدّموا لنا من شهادة حسنة ذكرت هابيل وأخنوخ ونوحًا، وتوقّفت بشكل خاصّ عند إبراهيم الذي انطلق بحسب أمر الله له (عب 11: 8-17). وفي إطار إرشاد على المحبّة الأخويّة، قال صاحب الرسالة: ''لا تنسوا ضيافة الغرباء، إذ بها أضاف أناس ملائكة وهم لا يعلمون'' (13: 2). إلى من تشير الرسالة؟ إلى إبراهيم الذي استضاف ثلاثة رجال، مرّوا به عند الظهيرة، قرب بلّوط ممرا، في حبرون، واستقبلهم كمن يستقبل ملكًا، وعمل لهم وليمة تليق بالله الذي جُلّ فرحه أن يقيم بين البشر، كما قيل عن الحكمة في سفر الأمثال (8: 31). كلّ هذا نقرأه في سفر التكوين 18: 1-5.

وتراءى الربّ لإبراهيم عند بلّوط ممرا، وهو جالس بباب الخيمة في حرّ النهار. فرفع عينيه ونظر فرأى ثلاثة رجال واقفين أمامه. فأسرع إلى لقائهم من باب الخيمة وسجد إلى الأرض وقال: ''إن كنت راضيًا عنّي، يا سيّدي، فلا تمرّ مرورًا بعبدك. دعني أقدّم لكم قليلاً من الماء فتغسلون أرجلكم وتستريحون تحت الشجرة. وأقدّم لكم كسرة خبز، فتسندون بها قلوبكم. ثمّ تستأنفون سفركم. وإلاّ لماذا مررتم بعبدكم؟ فقالوا له: ''إفعل كما قلت.''

1- الله ملك يزور شعبه

في هذا الخبر الذي يرتبط بالتقليد اليهوهيّ، حيث يبدو الله قريبًا من البشر فلا يحتاج إلى وسيط، نجد نفوسنا أمام ظهور لله على إبراهيم. صوّره الكاتب بشكل ملك يرافقه حارسان. أجل، ليس الله ببعيد عن البشر يقيم في أعلى سمائه. هو في الخارج رجل لا يتميّز عن أيّ رجل يمرّ بقربنا. بل هو بين ''الملاكين'' وكأنّه واحد منهما. لهذا تحدّث النصّ عن ثلاثة رجال. هنا نتذكّر يوسف بن يعقوب حين مضى يستخبر عن أخوته وقطعانهم، بعد أن أرسله أبوه (تك 3: 12-17). يقول النصّ الكتابيّ: تاه يوسف وما عاد يعرف الطريق. فصادفه رجل ودلّه على الطريق كما دلّه إلى أين ذهب أخوته. من هو هذا الرجل الذي كان ينتطر يوسف في هذه البريّة، والذي يعرف يوسف وأخوته؟ هذا ما سيفهمه يوسف في ما بعد، فلا يعود النصّ يتكلّم عن رجل نكرة، عن رجل من الرجال، بل عن ''الرجل'' الذي يجب على القارئ أن يرى فيه الله وعنايته. أمّا الترجوم فيعتبره ملاكًا أرسله الله، فكان بداية رفقة الله ليوسف. لا في هذه الصحراء وحسب، بل حين يُباع في مصر ويُجعل في السجن بعد أن رفض السقوط في الخطيئة مع امرأة فوطيفار.

عرف يوسف فيما بعد أنّ هذا الرجل هو الله بالذات. أو ملاك أرسله الله. ومثله هاجر التي تاهت مع ابنها، فحين يدخل الله في حياتنا، لا نعرف في الحال من هو. ولكن بعد مروره والأثر الذي يتركه، نفهم أنّه هو الذي كان هنا، يمسك بيدنا ويقودنا كما الأب يقود ابنه. ذاك ما اختبره بطرس لمّا نجا من السجن وعاد إلى الكنيسة المجتمعة في بيت مريم أمّ مرقس، قال: ''الآن علمتُ يقينًا أنّ الربّ أرسل ملاكه وأنقذني من يد هيرودس'' (أع 12: 11).

وإبراهيم رأى في هؤلاء الرجال الثلاثة حضور الله في بيته. وسوف يفهم فيما بعد، حين يرى البركة التي حلّت عليه: ''أعود إليك في السنة المقبلة ويكون لسارة ابن'' (تك 18: 14). ما نلاحظه في النصّ، هو أنّ إبراهيم حدّثه في صيغة المفرد: ''يا سيّدي، إن كنت راضيًا عنّي.'' ثمّ يقول النصّ: ''سجد إلى الأرض.'' هكذا كانوا يسجدون أمام الملوك. ولكن في سجود إبراهيم تعبير عن خبرة عميقة. هذه الزيارة الملكيّة هي في الواقع زيارة إلهيّة، ولا بدّ من استقبال هذا الزائر الكريم بالسجود والإكرام. وسوف يدعو النصّ ذاك الزائر فيما بعد: الربّ. وهو جاء إلى صديقه ليرسله إلى سدوم المدينة الخاطئة.

2- الله ضيف على أحبّائه

ثلاثة رجال حضروا فجأة. رآهم إبراهيم أمامه. هكذا يأتي الله إلينا. ومرّات دون أن ننتظره. إبراهيم وحده في هذا المكان. والوقت وقت الظهيرة بحَرّها. وهؤلاء الثلاثة يحتاجون إلى بعض الراحة، إلى غسل أقدامهم من غبار الطريق. يحتاجون إلى ''كسرة خبز يُسندون بها قلوبهم.''

هنا برزت ضيافة إبراهيم الذي أولم لهؤلاء الضيوف الكبار وليمة كبيرة. ''أخذ عجلاً رخصًا مسمّنًا''. حين نعرف أنّ اللحم لم يكن الطعام اليوميّ عند هؤلاء الرعاة، نفهم التكريم الذي قام به إبراهيم. هذا ما سيفعله العرب لإيليّا حين ''أقام عند نهر كريت شرقيّ الأردنّ.'' كانوا يأتونه بخبز ولحم في الصباح وفي المساء (الملوك الأوّل 17: 5-6). وهذا ما ستفعله أرملة صرفت صيدا لمن عرفت فيه، بعد ذلك، رجل الله. قدّمت لإيليّا آخر ما عندها من دقيق وزيت. فحلّت البركة في بيتها، وعادت الحياة إلى ابنها الذي مات.

وسأل إبراهيم ''سيّده''. توسّل إليه. ''لا تمرّ مرورًا بعبدك.'' فكلمة عبد لا تعني دومًا في الكتاب ذاك المشترى الذي يعمل لدى صاحبه بدون أجر فيتصرّف به كما يشاء. فعبيد الملك هم وزراؤه ورجال حاشيته. هذا يعني علاقات من الصداقة والتعاون والعمل المشترك. العبد في دنيا البشر لا يحقّ له أن يسأل. أمّا عبد الله وعابده، فيسأل وينال الجواب. بل يجعل السيّد يغيّر مشروعه وينزل عنده. بل هو الربّ يأتي ليزورنا، ويريدنا أن ندعوه إلى بيتنا. ولكنّه لا يفعل إن نحن لم ندعوه. يقف على الباب، كما وقف الحبيب على باب الحبيبة في نشيد الأناشيد. ولمّا لم تفتح له، لم يكسر الباب، بل ''مضى وراح''. ولكنّه ترك عطره فراحت العروس تبحث عنه (نش 5: 2-6).

أمّا إبراهيم، فهو جالس هنا كمن ينتظر. ولبّى الربّ انتظاره. جاء إليه ضيفًا يأكل من طعامه ويشرب من شرابه. وما انتظر إبراهيم أن يقف ''الرجال الثلاثة'' على الباب، بل هو ''أسرع إلى لقائهم.'' وقدّم خدماته قبل أن يطلبوا طلبًا.

فعل إبراهيم واجباته مع ضيف من الضيوف. ولكن هذا الضيف لم يكن من البشر، بل هو الله جاء يأكل مع خليله وصديقه، مع من يحبّه. كما يقول سفر الرؤيا: ''إن سمع أحد صوتي، وفتح الباب، أدخل إليه، فأتعشّى معه وهو معي'' (3: 20). ولكنّ إبراهيم لم يجلس مع ضيوفه الثلاثة الذين يسمّيهم الترجوم ملائكة ثلاثة جاءوا يخبرون إبراهيم الأخبار ويبشّرونه البشائر. يقول الكتاب: ''أكلوا وهو واقف أمامهم تحت الشجرة.''

3- مرتا ومريم

أجل، ما زال الله ''بعيدًا'' بعض الشيء. هو لا يمكنه بعد أن يأكل مع البشر الذين لا يقدرون أن يروا وجهه ويظلّوا على قيد الحياة. وسوف يقول الملاك (الذي يشير إلى الله) إلى طوبيّا: ''في أيّامي معكم لم آكل ولم أشرب وقد ظهر لكم هذا'' (طو 12: 19). نحن ننتظر أن يصير الله بشرًا ويسكن حقًا بيننا بحيث نراه بعيوننا ونلمسه بأيدينا ونسمعه بآذاننا. عندئذٍ ندعوه إلى بيتنا فيأكل معنا ونحن معه. ويسير في شوارعنا. ذاك هو سرّ التجسّد الذي تمّ في ملء الزمن حين أرسل الله ابنه مولودًا من امرأة.

ولكنّ الضيافة تبقى ضيافة. وما فعله إبراهيم جميل جدٌّا. فقال فيه القدّيس أمبروسيوس: ''كان الآخرون يرتاحون. وهو كان ينتظر ضيفًا قد يجيئه في ذلك الوقت. وهكذا استحقّ أن يأتي الله إليه عند بلّوط ممرا وهو الذي مارس الضيافة بمثل هذه العجلة.'' وبعد هذه الضيافة، كان حوار بين الله وإبراهيم. وهكذا كان لأبي الآباء أن يسمع صوت الله، ويمتلئ من مواعيده التي ستصل إلى المسيح.

كلّ هذا يقودنا إلى الذين استضافوا يسوع خلال حياته على الأرض. ونتوقّف في بيت مرتا ومريم (لو 10: 38-42) اللتين جمعتا في موقفهما الصورة التي بها نستضيف الله. عملت مرتا ما عمله إبراهيم: ''كانت منهمكة في كثير من أمر الضيافة.'' تعبت، فاحتاجت إلى مساعدة أختها، ولكي يكون استقبالها لائقًا بذاك الذي سمّته ''الربّ''. أمّا مريم فكانت عند قدمي المعلّم، كتلميذة خاضعة، ''تستمع إلى كلامه.'' نصيب مريم كان الأفضل. ويا ليت مرتا فهمت ذلك. فحين يزورنا الربّ، فهو لا يطلب منّا فقط أمورًا ماديّة. لا يطلب الجداء والعجول. لا يطلب منّا سوى قلبنا. وخلال توبتنا سيقول لنا المزمور: القلب المتخشّع المتواضع لا يرذله الله. بعد ذلك، وحين تُبنى أورشليم يقدّمون العجول على مذابح الربّ.

الله يريد أن يكون ضيفًا عندنا. هذا ما قاله لزكّا: أريد اليوم أن أقيم عندك. هو لا يكتفي بزيارة عابرة، بل يريد أن يبقى فينا ومعنا. ولكنّنا سنرى في النهاية أنّه هو الذي يستقبلنا، يستضيفنا ويُنعم علينا بخيراته وأوّلها الروح القدس. من أجل هذا يكفي أن نسأله، نقرع بابه، بل لا حاجة إلى ذلك. فبابه مفتوح دائمًا وهو يعرف حاجات قلبنا قبل أن نرفع أيّ طلب. فما أعظم سعادتنا!

خاتمة

ضيافة الرجال الثلاثة عند إبراهيم، قد خلّدها الرسّام الروسي روبليف، الذي رأى في هؤلاء الثلاثاء، الأقانيم الثلاثة في الثالوث الأقدس. الآب ينظر إلى الابن، والابن إلى الروح، والروح إلى الآب. وهكذا لا ينظر أحد إلى آخر. راح روبليف في خطّ آباء الكنيسة الذين اكتشفوا نصوصًا ثالوثيّة في العهد القديم مع أنّ الكشف عن الثالوث لم يتمّ قبل العهد الجديد، ممثّلاً في عبارة ''لنخلق الإنسان على صورتنا كمثالنا''، اكتشف الآباء حوارًا بين الآب والابن والروح، من أجل خلق الإنسان. ذكرًا أو أنثى، عظيم في نظر الله، وهو يتمنّى أن يقيم فيه، أن يسكن في حياته فيقدّسها. هنا ترد نصوص من إنجيل يوحنّا في الخطبة بعد العشاء السرّي: ''من يحبّني يحفظ كلمتي، وأبي يحبّه وإليه نأتي وعنده نصنع منزلاً.'' كان إبراهيم أوّل من استضاف الله فنال تهنئة المؤمنين الذين جاءوا بعده. فلا يبقى عليهم سوى أن يقتفوا خطاه في أعمال ضيافة. فقد يكون ذاك الذي ندعوه إلى العشاء، الربّ يسوع بالذات. أما هذا الذي حصل لتلميذي عمّاوس حين قالا لذاك ''الغريب'' الذي رافقهما في الطريق: ''أقم معنا، فإنّ المساء مقبل، والنهار قد مال''؟ (لو 24: 29). ولمّا مكث معهما انفتحت أعينهما وعرفاه. تلك تكون خبرتنا إن مارسنا ''الضيافة مع الغرباء'' وساعدنا ''القدّيسين في حاجاتهم'' (روم 12: 13).

حين يدخل الله في حياتنا، لا نعرف في الحال من هو.

الله يريد أن يكون ضيفًا عندنا.

ذكرًا أو أنثى، عظيم في نظر الله، وهو يتمنّى أن يقيم فيه، أن يسكن في حياته فيقدّسها.