عهد بين الله وإبراهيم علامته الختان

 

حين نقرأ الكتاب المقدّس من سفر التكوين إلى الرؤيا، مرورًا بأسفار الأنبياء والأناجيل والرسائل، نلاحظ أنّ الله يريد أن يتقرّب من الإنسان. فمنذ أيّام الخلق الأولى، نراه يتمشّى في الجنّة عند برودة المساء، لا شكّ مع آدم، وكأنّهما يقومان بالخطط من أجل فلاحة الأرض وريّها لكي تعطي ثمرًا. وإبراهيم المقيم في بلاد الرافدين سيدعوه من هناك. وكذلك نوح قبل الطوفان وبعده، وموسى وآشعيا وإيليّا. نقول في لغتنا: الله يريد أن يقيم عهدًا مع الإنسان كفرد، ومع الجدّ الأوّل على أنّه سيكون أبا جماعة، ومع الملك ليكون كلّ شعب من الشعوب شعب الله ونتوقّف اليوم عند العهد الذي قطعه الله مع إبراهيم وكانت علامته الختان.

تراءى الربّ لأبرام (إبراهيم) وقال له: ''أنا الله القدير! أسلك أمامي وكن كاملاً، فأجعل عهدي بيني وبينك وأكثّر نسلك.'' فوقع أبرام على وجهه ساجدًا... وقال الله لإبراهيم: ''احفظ عهدي أنت ونسلك من بعدك جيلاً بعد جيل. وهذا هو عهدي الذي تحفظونه بيني وبينكم وبين نسلك من بعدك: أن يُختن كلّ ذكر منكم (سفر التكوين 17: 1-10).

نتوقّف أوّلاً عند مفهوم العهد الذي به يريد الله أن يجعل البشر يشاركونه في حياته. ثمّ الختان الذي هو علامة حارجيّة تدلّ على استعداد داخليّ لأنّ نردّ على اهتمام الله بنا بأن نسلك في رسومه ووصاياه لتكون البشريّة كلّها عيلة الله. أمّا العهد الجديد بالمسيح، فيربط الإنسان من خلال الإيمان وسرّ العماد.

 

1- عهد بين الله والإنسان

العهد لفظ غنيّ جدٌّا. فهو يفترض قبل كلّ شيء المعرفة. الله يعرفنا ونحن نعرف الله. الله يعرفنا لأنّه خلقنا، وما زال يخلقنا كلّ يوم ويحفظنا في الوجود ويرافق كما يرافق الأب أو الأم ولدهما. عرف الله إبراهيم، ودعاه من أجل مشروع يقيمه معه. وإبراهيم بدأ يعرف الله، حين سمع صوته وسار معه، سلك أمامه فرضي الله عن سلوكه.

والعهد من قبل الله يعني أنّه يحافظ علينا، ويرعانا كما يفعل الراعي مع خرافه، والملك مع كلّ فرد من شعبه. وهو يتفقّدنا، يزورنا، كما يزور الصديق صديقه والحبيب حبيبته. هي بلا شكّ زيارة داخليّة لا يعرفها سوى الله ولا يشعر بها إلاّ المؤمن الذي نعم بها. وإن هو أراد أن يروي خبرة الزيارات الإلهيّة تبقى الكلمات ضعيفة. ولكن مثل هذه الزيارة تحوّل حياة الإنسان تحوّلاً كلّيٌّا. بدأ الله فبدّل اسم أبرام إلى إبراهيم، وكأنّه يخلقه من جديد، ويبدّل وجهة حياته: سيكون أبا جمهور كبير. وحوّل حياة سمعان بن يونا، حين بدّل له اسمه: لم يعد صيّاد سمك، بل صيّاد البشر في شبكة الله. وحوّل حياة شاول وهو في طريقه إلى دمشق ليضطهد المسيحيّين، فصيّره بولس رسول الأمم وأفهمه أنّ هذه الزيارة ستجعله يتألّم كثيرًا من أجله. فالله حين يزورنا يدعونا إلى رفقته، ورفقته تفترض تجرّدًا عن ذواتنا وعن أموالنا ومقتنياتنا، بل عن أولادنا وعيالنا. هذا ما فعل إبراهيم. قال له الربّ: ''أترك أرضك وعشيرتك''، فمضى كما قال الربّ. وفي خبرة داخليّة فهم أنّه لا يسير إلى المجهول بل برفقة الربّ.

هناك عهد واتّفاق بين ملك وملك. قد يكونان متساويّين فيعاون الواحد الآخر ويغتني به ويقوى معه. وقد يكون الواحد كبيرًا والثاني صغيرًا. حينئذٍ تعني المعاهدة حماية من قبل القويّ، ووفاء من قبل الضعيف. وحين يتعاهد اثنان، فهما يتحالفان. هذا يعني أنّ الواحد يحلف للآخر. وهنا نلاحظ أنّ الكتاب يجعل الله يتصرّف وكأنّه إنسان من الناس، ليدلّ على ''صدقه''. ''بنفسي أقسمتُ''، يقول الربّ. مثل هذا القسم يجعل الفمّ يعبّر عمّا في القلب من عاطفة. هنا نفهم تنازل الله نحو البشر، الذي عرف ذروته في تجسّد الابن، حين صار شبيهًا بنا في كلّ شيء ما عدا الخطيئة.

وهناك عهد بين شابّ وشابّة ينتهي بالزواج وتأسيس الأسرة. مثل هذا العهد ينطلق من الحبّ والمودّة، وفيه يعرف الواحد الآخر، ويعده بالأمانة والوفاء. يعده بأن يلازمه حتّى الممات ولا يخونه. أمّا الخيانة الزوجيّة فتدعى الزنى. يقسم الواحد قلبه بين الحبيب وبين شخص آخر لا يمكن إلاّ أن يكون عائقًا من أجل عهد زواجيّ. عند ذاك تلعب الغيرة. هنا نتذكّر أنّ الله هو ذاك الغيور، الذي لا يرضى لنا أن نعبد سواه. أمّا خيانة المؤمن لله، فسمّاها الكتاب زنى. فكأنّ العهد نُقض. ولكنّ الله هو ذاك الذي يعود إلينا وإن نحن ابتعدنا عنه ورفضناه وعاندنا في بُعدنا ورفضنا. غير أنّ ذاك لم يكن وضع إبراهيم: أمن بالله، سلّم إليه حياته، استعدّ أن يضحّى بأعزّ شيء له من أجله. لهذا اعتبره الله بارًا، كاملاً، سائرًا حسب المشيئة الإلهيّة في تفاصيلها.

 

2- العهد والختان

تلك هي مسيرة الله مع الإنسان. ذاك هو العهد الذي يريد أن يقيمه مع كلّ واحد منّا، كما أقامه مع إبراهيم: ''أسلك أمامي وكن كاملاً.'' الله هو الذي يتّخذ المبادرة، فيبقى على الإنسان أن يتجاوب مع المبادرة الإلهيّة، لا لأنّ الله أقوى من الإنسان، فيفرض نفسه عليه كأنّه القدرة، ويهدّده إن هو رفض، بل لأنّ الله حبّ ويريد أن يرفعنا إلى مستوى الحبّ في علاقتنا معه. الله أحبّنا أوّلاً، ونحن نحاول أن نحبّه. الربّ يفتح لنا الطريق، ونحن نحاول أن نسلك معه سلوكًا يتعارض مع السلوك السابق. كان إبراهيم عائشًا في جوّ من عبادة الأصنام، في حضارة غنيّة جدٌّا عبدة الإله القمر. تركها إبراهيم، وجاء إلى ممرا، قرب حبرون، في فلسطين، وهناك بنى مذبحًا لله الذي تراءى له (تك 12: 7). وسيقول يعقوب فيما بعد: ''إن كان الله معي وحفظني في هذه الطريق التي أسلكها، ورزقني خبزًا آكله وثيابًا ألبسها، ورجعتُ سالمًا إلى بيت أبي، يكون الربّ لي إلهًا.'' (تك 28: 20-21). في الواقع، هذا ما عمل الله ليعقوب الذي كان بإمكانه أن يشكر لله بعد عودته ما منحه من خير ونِعَم.

وإذا عدنا إلى الوراء، مع نوح الذي كان عائشًا، شأنه شأن أبناء عصره. سمع صوت الربّ فأطاعه. ويروي التقليد أنّ الناس كانوا يهزأون منه: ''فالدنيا بألف خير، والأمور تسير كما نريدها في شكل قول مأثور: لنأكل ونشرب فإنّا غدًا نموت.'' أمّا نوح فتابع عمله كما أمر الربّ، ودلّ على عبادته له حين نزل من السفينة بعد الطوفان. قدّم لله ذبيحة مثل ذبيحة هابيل، وتعبّد له مثل أنوش (تك 4: 26)، فرضي الله عنه، وجعله بداية بشريّة جديدة بعد أن هلكت القديمة في الطوفان. وبعد الكارثة التي حلّت بالبشريّة كان عهد بين الله ونوح. أمّا العلامة فقوس قزح. هي علامة خارجيّة ترمز إلى موقف داخليّ: علّق الربّ سلاحه في الغيوم، كما يعلّق القاتل سلاحه بعد الحرب، من أجل عهد واتّفاق. ومشى الله، ومشى معه نوح في إطار مساوئ الناس المتكاثرة، فنال رضى الربّ.

ومثل نوح فعل إبراهيم. دخل في عهد مع الله. أمّا العلامة، فجرح في بدن الإنسان. هي الختانة التي فيها تقطع قلفة الصبيّ، أي جلدة عضو التناسل.

نبدأ فنقول إنّ الختانة طقس عرفته كلّ شعوب الشرق الأوسط، فما كان وقفًا على العبرانيّين دون سواهم. ولكن عالم الغرب لم يعرفه، ودليلنا إلى ذلك أنّ الفلسطيّين الذين جاءوا من جزر اليونان، لم يكونوا مختونين فعيّرهم أهل كنعان بذلك. قال داود عن جليات الآتي من جتّ: ''ومن يكون هذا الفلسطيّ غير المختون'' (1 صم 17: 26)؟ ولكن الشعب اليهوديّ، حوّل هذا الطقس تحويلاً عميقًا، فما عاد ممارسة فيها يدخل الصبيّ في طور الرجولة ويستعدّ للزواج، بل ممارسة تتمّ في الطفل، ابن ثمانية أيّام، فتدخله في شعب الله.

إذا عدنا إلى اللغة، نفهم أنّ الختان يرتبط بفعل ''ختن'' أي تزوّج. والختن هو الصهر وزوج الابنة وعريسها. وإذا عدنا إلى شخص إسماعيل، نرى أن إبراهيم أباه ختنه وهو في الثالثة عشرة (تك 17: 25). أمّا في معرض الكلام عن اسحق، فنفهم أنّه خُتن وهو ''ابن ثمانية أيّام'' (تك 21: 4). خاف الشعب اليهوديّ أن يضيع بين الوثنيّين، فجعل من هذه العلامة في البدن شارة تميّزه عن الخارج، وتفهمه أنّ عليه أن يتميّز في الداخل، فلا يسلك سبيل الأمم، كما سوف يقول بولس الرسول.

في هذا المجال، نفهم كلام الأنبياء الذين أعطوا الختان معنى روحيًا. فكان كلام عن ختان القلب، الذي فيه ننزع كلّ غشاوة فنفهم ما يطلبه الربّ منّا. وختان الأذنين، فنزيل ما يغلق آذاننا ويمنعنا عن سماع كلام الله. في هذا المجال، يجعل إرميا النبي بني إسرائيل مع سائر الأمم. فإن كان هؤلاء الأمم غير مختونين بالجسد، فبنو إسرائيل غير مختونين بالقلب، لأنّهم لم يحفظوا عهد الربّ (إر 9: 24). وفي أيّ حال، خلال الحقبة السلوقيّة، أي في القرن الثاني ق م، سيحاول عددٌ من اليهود أن يُخفوا ختانهم.

 

3- من الختان إلى العماد

في الأصل، كان الختان علامة الانتماء إلى شعب الله، وتعبيرًا خارجيٌّا عن ارتباط الإنسان بالله، من خلال العهد. مثل هذا العهد له متطلّباته: أن يعيش المؤمن بحسب إرادة الله، وأن يعمل بوصاياه. هنا نقرأ سفر التثنية: ''ما الذي يطلبه منك الربّ إلهك إلاّ أن تخافه، وتحبّه وتعبده بكلّ قلبك، وكلّ نفسك، وتعمل بوصاياه وسننه التي أنا آمرك بها اليوم'' (تث 10: 12-13). فالختان ليس فخرًا، في الدرجة الأولى، بل مسؤوليّة قد تكلّفنا غاليًا. وهذا ما حدث للشعب العبرانيّ حين تحدّى السلطة اليونانيّة في القرن الثاني وختن أولاده. يقول سفر المكابيّين الأوّل: ''وبأمر من الملك، قُتلت النساء اللواتي ختنّ أولادهنّ، وعُلّق الأطفال المختونون بأعناقهم، وقُتل جميع أفراد عائلتهم والذين ختنوهم'' (1: 60-61).

ولكن حين يصبح الختان أمرًا خارجيٌّا نفتخر به، ونعلن تميّزنا عن الآخرين ونتكبّر عليهم، لا يعود الختان يعبّر عن موقف داخليّ. فنحاول أن نعلّم الآخرين ولا نعلّم أنفسنا. نقول للوثنيّ: لا تسرق، ونحن نسرق. نقول للوثنيّ: لا تزنِ، ونحن نزني. هذا ما يقوله بولس لليهود ويضيف: ''بسببكم يستهين الأمم باسم الله (روم 2: 21-24).

وما نقوله عن الختان بالنسبة إلى اليهوديّ، نقوله عن العماد بالنسبة إلى المسيحيّ. لا شكّ في أنّ وسم العماد لا يُرى. ولكن نعبّر عن انتمائنا المسيحيّ بعدد من الشارات: إمّا بلبسنا إذا كنّا رهبانًا، راهبات، كهنة. وإمّا بالصليب الذي نضعه على صدورنا ونريد أن يراه الناس، وكأنّنا نريد أن نتحدّاهم لكي يعرفوا أنّنا مسيحيّون. ومرّات عديدة يتنافى تصرّفنا مع الاسم الذي تسمّينا به، والصليب الذي زيّن صدرنا.

فكم نحن بحاجة أن نسمع ما قاله بولس الرسول لليهود في أيّامه: ''فما اليهوديّ هو اليهوديّ في الظاهر، ولا الختان هو ما ظهر في الجسد، وإنّ اليهوديّ هو اليهوديّ في الباطن، والختان هو ختان القلب بالروح، لا بحرف الشريعة'' (روم 2: 28-29). ونطبّق هذا الكلام على المسيحيّ الذي أن يتميّز عن الآخرين بمظهره الخارجيّ وحسب، ولا يعيش ما يطلبه منه عماده، ولا يضع موضع العمل تعليم إنجيله. ويتابع الرسول: المختون الذي لا يمارس الشريعة، يكون كأنّه غير مختون، لا يكون من شعب العهد. واللامختون الذي يراعي أحكام الشريعة، يعتبره الله في عداد المختونين.

في هذا الإطار، نفهم أنّ هناك مسيحيّين عديدين في عالمنا، ونحن لا نعرفهم، ولم نسجّل أسماءهم في سجلاّت العماد. فإن هم عاشوا المحبّة العمليّة كما أعلنها يسوع حين قال: كنتُ جائعًا فأطعمتموني... كلّ ما فعلتموه مع أحد أخوتي هؤلاء الصغار معي فعلتموه (متّى 25: 31-41)، كانوا وكأنّهم تعمّدوا في المسيح، غطسوا في موته لكي يقوموا في قيامته. أمّا المسيحيّون الذين نالوا العماد بذارًا للحياة الأبديّة، وما عرفوا الربّ في أخوته الصغار (متّى 25: 45)، فسوف يسمعون صوت الربّ: ''ما عرفتكم قطّ، ابتعدوا عنّي، يا أشرار''، فلا يكفي أن نقول يا ربّ، يا ربّ، ولا نعمل بمشيئة الآب (متّى 5: 21-22). فإن اكتفينا، لا نسمع كلمة البركة (تعالوا يا مباركي أبي)، بل اللعنة (''ابتعدوا عني، يا ملاعين، إلى النار الأبديّة المهيّأة لإبليس وأعوانه'' (متّى 25: 46)). وهكذا، لم تكن المعموديّة لخلاصنا، بل لدينونتنا، كما كان بالأمر بالنسبة إلى جماعة كورنتُس التي لا تميّز جسد الربّ عن سائر الأطعمة (1 كور 11: 28-29).

 

خاتمة

ذاك هو العهد بين الله وإبراهيم. أساسه العميق الإيمان، وعلامته الخارجيّة الختان. بهذه الشارة ينتمي اليهوديّ إلى شعب العهد الأوّل. وبسمة العماد ينتمي المسيحيّ إلى شعب العهد الجديد. فهنيئًا لنا إن تجاوبنا مع نداء الله ومتطلّباته، والويل لنا إن لبثنا عند المظهر الخارجيّ، وما عشنا ما يطلبه عهدُنا مع الربّ. فالختان بداية التضحية، ويمكن أن يقود المؤمن إلى الموت في سبيل ربّه. والمعموديّة موت مع المسيح من أجل القيامة. فهل نحن مستعدّون لأن نميت فينا الإنسان القديم ونلبس الجديد (أف 4: 24). حينئذٍ نكون مخلوقين على صورة الله في البرّ وقداسة الحقّ.