الله يرسل ملاكه أمامك


 

ذاك كان كلام إبراهيم لخادمه أليعازر الذي مضى ليأتي له بزوجة لابنه من بلاد أرام. فالموضوع الذي نتأمّل فيه هو حضور عناية الله في حياتنا، في مشاريعنا، ولا سيّما في اختيار الرجل لزوجته واختيار المرأة لزوجها. نحسب مرّات أنّها الصدف، وكأنّ في حياة المؤمن صدف. فالأمّ التي تستعدّ لولادة ابنها تهيئ له كلَّ شيء قبل أن يولد. والله الذي هو أمّ وأب معًا يهيئ لنا طرقات نسير عليها، هذا إذا عرفنا أن نستنير بنوره ورضينا أن نسلّمه يدنا وقلبنا. وفي النهاية، نكتشف أنّ المسيرة التي سرناها معه كانت مغامرة ولا أجمل، وقد انتهت بالنجاح التامّ الذي انتظرناه.

ونقرأ النصّ الكتابيّ:

وأخذ الخادم عشرة جمالٍ وسار متوجّهًا إلى أرام. فأناخ الجمال في خارج المدينة على بئر الماء عند الغروب، وقت خروج النساء ليستقين ماء. وقال: ''يا ربّ، يا إله سيّدي إبراهيم، وفّقني اليوم وأحسن إلى سيّدي إبراهيم. ها أنا واقف على عين الماء، وبنات أهل المدينة خارجات ليستقين ماء. فليكن أنّ الفتاة التي أقول لها: أميلي جرّتك لأشرب، فتقول: اشربْ وأنا أسقي جمالك أيضًا، تكون هي التي عيّنتها لعبدك اسحق. وهكذا أعرف أنّك أحسنتَ إليّ.'' وما كاد يتمّ كلامه حتّى خرجت رفقة وجرّتها على كتفها...

1- زواج اسحق

رفقة هي تلك التي ستكون زوجة اسحق ابن إبراهيم. معنى اسمها الزوجة التي تجعل الإنسان يرتبط بالبيت. وسوف يقول فيها الكتاب، في نهاية الخبر، إنّها قدّمت التعزية لاسحق بعد موت أمّه. إلى بيت رفقة سيمضي خادم إبراهيم. وهو لا يعرف البنتَ ولا يعرف بيتها. ولكنّ الربّ هو الذي سيقود خطاه. في هذا المجال نستطيع أن نكتشف عمل الله في أصغر التفاصيل في حياتنا. في هذا الخبر الطويل (تك 24) الذي يروي ظروف زواج اسحق واختيار امرأة له، نلاحظ التفاصيل. وقف الخادم عند عين الماء وطلب إشارة من الربّ: الفتاة التي أطلب منها شربة ماء فتعطيني وتعرض أن تسقي جمالي قد تكون زوجة سيّدي اسحق.

لا شكّ في أنّ الرجل فكّر بأنّ الزواج هو حياة مشتركة تقبل فيه المرأة أن تعيش مع زوجها في المحيط الذي يعيش فيه. والعكس بالعكس. فاسحق هو راعي إبل وغنم. فإن عرفت سارة أن تكون له ذلك العون في عمله، كان الزواج ناجحًا، وإلاّ فالأفضل أن يبتعد الواحد عن الآخر، وما لهما العوائد ذاتها والمشارب ذاتها. ولكن المرأة التي أرسلها الله إلى خادم إبراهيم، هي تلك التي تؤسّس بيتًا يكون موضع السعادة.

المرأة راعية وزوجها راعٍ. إذن، ستكون حياتهما نجاحًا. والربّ هو الذي وجّه الخادم إلى هذا المكان وإلى تلك الفتاة وأمّن له العلامة التي طلب. فكان أنّ الفتاة التي جاء يطلبها لم يلقَها بالطرق البشريّة، بل بطرق الله. فكأنّ الله سبق البشر وأفهم الخادم أنّ رفقة هي لاسحق واسحق لرفقة. وهكذا لمّا روى الخادم ما حصل له وكيف تعرّف إلى رفقة، قال أخوها: ''من عند الربّ صدر الأمرُ، فلا نقدر أن نقول فيه شرٌّا أو خيرًا.'' ماذا يبقى؟ أن توافق رفقة. ''فدعوا رفقة وقالوا لها: هل تذهبين مع هذا الرجل؟ قالت: أذهبُ''. والربّ الذي بناها من ضلع الرجل، سوف تبني بيته. أما هكذا فعل الله لآدم وحوّاء؟ وهكذا يفعل أيضًا بالنسبة إلى كلّ رجل وامرأة يكون زواجهما سعيدًا ويعين الواحدُ الآخر. لا شكّ في أنّ هناك عمل الحقل الذي فيه يتعب الرجل ويعرق. وهناك الولادة التي تحمل الألم إلى المرأة. ولكن إن سند الواحد الآخر، نسي كلاهما التعب والألم على ما قال يسوع بعد أن وُلد إنسان في العالم وبعد أن بُني بيتٌ وزرع حقلٌ وتأسّست أسرة.

أمّا بداية هذه المسيرة ففعل إيمان. وضع إبراهيم على خادمه شروطًا. لا تأخذ لابني امرأة من هنا، من عند عابدي الأوثان. فأيّ شركة بين المؤمن وغير المؤمن؟ تعود إلى أرض آبائي. أما هكذا يفعل الرجل الذي هاجر إلى أرض بعيدة؟ يعود إلى بلده ويتّخذ له زوجة ويعود معها إلى موضع هجرته. ولكنّ اسحق لا يعود إلى الوراء. فأرضه أرضُ كنعان وهو يُقيم فيها. وجد الخادمُ أنّ الصعوبات كثيرة، وأنّ المجهول أمامه. فبدا خائفًا وهو لا يعرف شيئًا. فكان جواب إبراهيم له: ''فالربّ إله السماء الذي أخذني من بيت أبي... هو يرسل ملاكه أمامك فتأخذ لابني زوجة من هناك''. وأرسل الربّ ملاكه من خلال الظروف، فبدت عنايته حاضرة وعينه ساهرة وما كان للخادم أن ينتظر مثل هذه ''الصدفة''. لهذا، ما إن عرف من هي رفقة، حتّى خرّ ساجدًا وبارك الربّ. بدأ مشروعه في الصلاة إلى الله وأنهاه بفعل شكرٍ عبّر عنه بسجودٍ إلى الأرض.

2- طوبيّا وسارة

هذا الملاك الذي رافق خادم إبراهيم وقدّم له زوجة لابنه، هو سيرافق طوبيّا أيضًا ويجعله يتعرّف إلى سارة، إلى من هي الأميرة، ويتّخذها زوجة له. فالأب شاخ. وهو أيضًا أعمى. فكيف يستطيع أن يساعد ابنه أو يوجّهه. لا شكّ في أنّه قدّم له النصائح العديدة: ''فأحبّ يا ابني بني قومك ولا تتكبّر في قلبك على بناتهم بحيث لا تتزوّج منهنّ. ففي التكبّر هلاك وكثير من المتاعب، وفي الفجور خراب وفقر وهو سبب كلّ مجاعة'' (طو 4: 13).

ما الذي أرسل طوبيّا فالتقى بسارة؟ كان هناك دَين لوالد طوبيّا لدى رجل يقيم في البعيد. وفي الطريق أعلمه الملاك الذي اسمه ''عزريا بن حننيا''. واسمه يعني عون الله وحنان الله. قال له عن سارة التي ستكون زوجة له. سبق فقال طوبيّا: لا أعرف الرجل، لا أعرف الطريق. ولكنّ الربّ اقتاده في أكثر من طريق بعنايته الحاضرة. جعله يتسعيد مال أبيه وأرسله إلى سارة. وسارة أرادت أن تتزوّج أكثر من مرّة، ولكن فشل زواجها سبع مرّات، أي مرّات كثيرة. ومن فشّله؟ الموت. ''قال الملاك لطوبيّا: ''سننزل اليوم، يا أخي، عند رعوئيل نسيبك. فله ابنة وحيدة اسمها سارة. سأطلبها زوجة لك من أبيها، فأنت أحقّ من غيرك في الزواج بها، لأنّك أقرب أنسبائها إليها، ولأنّها جميلة وفهيمة'' (طو 11: 12).

سار طوبيّا ببركة أبيه، فأوصله الربّ إلى ضالّته. ومرّت سارة في الألم النفسيّ بعد الفشل الذي حصل لها. فضخّمه الكاتب ليرينا مخطّط الله من أجل هذه الابنة التي تعيش في غربة ولا تعرف أن تختار الزواج الذي سيكون مصدر سعادة لها ولبيتها. فصلّت وقالت: ''تباركتَ أنتَ، أيّها الربّ إلهي، وليكن اسمك القدّوس المجيد مباركًا ومكرّمًا إلى الأبد''. ويتابع النصّ: ''استجاب الله العظيمُ لصلاة الاثنين. فأرسل ملاكه رفائيل'' (طو 3: 11، 16).

وهكذا وجّه الله قلب سارة إلى ذاك الذي سوف يُرسله هو إليها. ووجّه طريق طوبيّا، ومعنى اسمه الربّ طيّب، صالح. مضى ليستعيد مالاً، فإذا هو يستعيد المال ويحظى بزوجة من عشيرته، تعبد مثله الإله الواحد. في هذا الإطار نصح الأب ابنه فقال له: ''بارك الربّ إلهك في كلّ حين، وتضرّع إليه أن يهديك إلى الحقّ وأن يوفّقك في طرقك ومقاصدك'' (طو 4: 19).

من أجل هذا، ما إن ابتعد روحُ الشرّ حسب نصيحة الملاك، بدأ طوبيّا وسارة حياتهما الزوجيّة بصلاة إلى الله ''لكي يتحنّن علينا''. رافقنا حتّى ساعة الزواج. ونحن نطلب منه أن يرافقنا بعد أن اتّحد الواحد بالآخر. ''مبارك أنتَ، يا إله آبائنا، ومبارك اسمك القدّوس المجيد... أنتَ جبلتَ آدم وأعطيته حوّاء عونًا وسندًا وقلتَ: لا يحسن أن يكون الإنسانُ وحيدًا، فنصنع له شريكًا من جنسه. والآن أنا، يا ربّ، لا أتزوّجُ هذه الفتاة بدافع الشهوة، وإنّما وفقًا للأصول. فارحمنا، يا ربّ، حتّى نشيخ معًا. وقالت سارة معه: آمين. وناما تلك الليلة'' (طو 8: 4-8).

عادا إلى البدء، على غرار ما سيفعل يسوع حين سُئل عن الزواج والطلاق ''أما قرأتم أنّ الخالق من البدء جعلهما ذكرًا وأنثى. وقال: لذلك يترك الرجل أباه وأمّه ويتّحد بامرأته فيصير الاثنان جسدًا واحدًا'' (متّى 19: 4-5؛ تك 2: 24). مشيئة الله هي التي توجّه حياتهما. وشريعته سراج يضيء خطاهما.

أمام هذا الزواج السعيد الذي أعدّه الله، أقام رعوئيل (والد سارة) عرسًا دام أربعة عشر يومًا. لا سبعة أيّام فقط، والرقم 7 رقم الكمال، بل أضاف كمالاً على كمال، كمال على ما فعله الله لسارة وما فعله لطوبيّا، بانتظار أن تصل البركة إلى طوبيت، والد طوبيّا، فيستعيد نظره بعد أن أصابه العمى.

3- عرس في قانا الجليل

تلك كانت طريق اسحق. قاد الربّ خادمه فوصل إلى رفقة. هيّأ كلّ شيء لكي يأخذ أبناء الله بنات الله. لكي يلتقي المؤمن بالمؤمن. وتلك كانت طريق طوبيّا التي بدأت بشكل افترق افتراقًا عن النهاية. كاد الابن ينسى المال الذي أرسله الوالد في طلبه. فطرق الربّ غير طرقنا، ومشاريعه غير مشاريعنا وكلّ هذا لخير الذين يحبّونه.

فالزواجُ أمرٌ مهمٌ في مخطّط الله. وإن رُزق الزوجان ولدًا، تواصلت مسيرةُ المؤمنين في العالم. فإن توقّف النسل توقّف حضور شعب الله في العالم. لهذا كانت بركة الله تترافق مع كلامه: انموا واكثروا واملأوا الأرض. أورشليم كانت خربة. والمؤمنون مشتّتون في أصقاع الدنيا. من سيعيد بناءها. الله بلا شكّ. ولكنّه يفعل بواسطة المؤمنين. لهذا حين تزوّج طوبيّا استطاع والده أن يُنشد المدينة المقدّسة في خطّ ما سبق وقاله أشعيا النبيّ: ''يا أورشليمُ، أيّتها المدينة المقدّسة... أشكري الله على نعمته وباركي معك الدهور... يزورك الأممُ من الأقاصي، ويسجدون بقرابينهم للربّ، ملك السماء، والأجيال تمجّدك بفرح عظيم'' (طو 13: 1-13).

صارت أورشليم في عرس يوم تزوّج طوبيّا وسارة. وكذلك تصبح كلّ قرية من قرانا وكلّ رعيّة من رعايانا. ولكن انتقل الثقل بسبب يسوع المسيح. فحيث يكون يسوع هناك العرس. سمّاه المعمدان العريس. فقال فيه: ''من له العروس (الكنيسة، وكلّ نفس مؤمنة)، فهو العريسُ. وأمّا صديق العريس، فيقف بجانبه يُصغي فرحًا لهتاف العريس'' (يو 3: 29). وقال هو عن نفسه حين كلّموه عن الصوم: ''أتنتظرون من أهل العريس (أي تلاميذ يسوع) أن يحزنوا والعريس معهم؟ لكن يجيء وقتٌ يرفع فيه العريس (حين يصعد يسوع إلى السماء) من بينهم فيصومون'' (متّى 9: 15).

وما اكتفى يسوع بالكلام، بل أراد أن يشاركنا في أعراسنا. فكما أنّه ما وُلد في أورشليم مدينة الملك العظيم، مدينة داود، بل في بيت لحم التي كانت الصغرى فصارت الكبرى. كذلك ما أراد أن يحتفل بالعرس في المدينة المقدّسة، بل في قانا الجليل. هناك حضر إلى العرس، وشارك العروسين أفراحهما، بل زاد الحضور فرحًا على فرح. غابت الخمر، فصنع الربّ خمرًا جديدة، جعلت رئيس المتّكأ يقول: ''جميع الناس يقدّمون الخمر الجيّدة أوّلاً، حتّى إذا سكر الضيوف، قدّموا الخمر الرديئة، أمّا أنت (أيّها العريس) فأخّرت الخمر الجيّدة إلى الآن''. هذه الخمرة الجيّدة التي لفتت نظر الجميع هي خمرة يسوع نفسه. ترك أطيب شيء لنا في أعراسنا. وما حضر وحده عرس قانا الجليل، بل كانت أمّه معه. والكنيسة أيضًا كانت حاضرة معه في شخص التلاميذ الذين ظهر لهم مجدُ المعلّم فآمنوا به وتبعوه. هذه الكنيسة التي هي عروس المسيح، كما قالت الرسالة إلى أفسس، هي صورة سامية عن كلّ عروس تتّحد مع عريسها في الحبّ والتضحية والعطاء والخضوع.

خاتمة

هذه هي نظرة المؤمن في حياته كلّها، ولا سيّما في محطّاتها الهامّة. عنايةُ الربّ ترافقه. من خلال ظروف الحياة التي هي بلاغٌ بعد بلاغ يرسله الله إلينا لكي نوجّه حياتنا. من خلال الأشخاص الذين نلتقي بهم فيعطوننا النصيحة التي تساعدنا على اكتشاف صوت الله فينا. وهنيئًا للإنسان الذي يترك الله يقوده. فهو يحسّ بالراحة مهما كان الحمل ثقيلاً والنير صعبًا. فما هو ثقيل يُصبح خفيفًا. وما هو صعب يصبح سهلاً، لأنّ شيئًا لا يستحيل على الله. يرسل ملاكه قدّامنا لئلاّ تصدمَ بحجر رجْلُنا (مز 91: 12). ونسمع الله يقول: ''أنجيه لأنّه تعلّق بي. أرفعه لأنّه عرف اسمي. يدعوني فأستجيب له، ومعه أنا في الضيق. أخلّصه وأمجّده، ومن طول الأيّام أشبعه وأريه خلاصي'' (مز 91: 14-16). هكذا صلّى إبراهيم من أجل ابنه اسحق فكانت له رفقة. وصلّى طوبيت من أجل ابنه طوبيّا فكانت له سارة. وصلّت مريم في قانا الجليل، وحملت إلى ابنها ألم شعبها، فكان للجميع خمر عرس بدأت منذ الصليب وسوف تستمرّ حتّى مجيء المسيح الثاني.

 

- والله الذي هو أمّ وأب معًا يهيئ لنا طرقات نسير عليها، هذا إذا عرفنا أن نستنير بنوره ورضينا أن نسلّمه يدنا وقلبنا.

- مشيئة الله هي التي توجّه حياة الإنسان. وشريعته سراج يضيء خطاه.

- هذه الكنيسة التي هي عروس المسيح هي صورة سامية عن كلّ عروس تتّحد مع عريسها في الحبّ والتضحية والعطاء والخضوع.

- هنيئًا للإنسان الذي يترك الله يقوده، فهو يحسّ بالراحة مهما كان الحمل ثقيلاً والنير صعبًا.