بين نسل المرأة ونسل الحيّة

 

يحدّثنا سفر التكوين عن مسيرة الإنسان في العذاب والألم، وذلك بعد الخطيئة التي حوّلت العمل لدى الرجل إلى تعب يرافق عمله في الحقل، والولادة لدى المرأة إلى ألم يرافق الحبل الذي ينتهي بوضع ولد في العالم. ولكن هذا لا يدوك، كما يقول سفر الرؤيا. فسيأتي يوم، ينتصر الإنسان على الشرّ بفضل الحمل الذي يرفع خطيئة العالم. عندئذٍ، ''لا يبقى موت ولا حزن ولا صراخ ولا وجع'' (رؤ 21: 4). لماذا؟ لأنّ الأشياء القديمة زالت، والعالم الجديد حلّ محلّ العالم القديم. ولكن قبل ذلك، ستكون حرب قاسية بين نسل المرأة، أي البشريّة، وبين نسل الحيّة التي تمثّل قوى الشرّ التي تتجسّم في إبليس ''خادع الدنيا كلّها'' (رؤ 12: 9).

عن هذا الحرب نتحدّث، نتعرّف إلى الحيّة التي ما زال نسلها يعمل. ثمّ نكتشف تلك المرأة التي كانت بداية الخطيئة قبل أن تكون مسيرة خلاص لها وللبشريّة كلّها، بل للطبيعة التي ما زالت تئنّ من أوجاع الولادة، وهي تنتظر افتداء أجسادنا (روم 8: 22-23).

1- نسل الحيّة

منذ بداية الخليقة، اكتشف الإنسان الشرّ في العالم، مع أنّ الله خلق كلّ ما خلق، فرآه حسنًا بل حسنًا جدٌّا، حيث تُوِّج في خلق الإنسان. فطرح على نفسه السؤال: إذن، من أين أتى الشرّ؟ من أين تأتي الخطيئة التي تجعل الإنسان بتمرّد على الله، فيريد أن يصير الله؟ أما كانت تلك التجربة التي سقط فيها الإنسان، رجلاً وامرأة: تصيران مثل آلهة. تعرفان الخير والشرّ. فلا حاجة إلى الوصايا. فالقويّ يقرّر ما يشاء حسب مصالحه، وكذلك يفعل الغني تجاه الفقير، والمتعلّم تجاه الأمّيّ، والسيّد تجاه العبد. وهكذا نصل إلى شريعة الغاب، فيصبح الإنسان ذئبًا لأخيه الإنسان.

وهكذا انقاد الإنسان للشرّ، وسقط في الخطيئة. بعد أن هُزم، ظنّ أنّه يمتلك حكمة خاصّة، ترفعه إلى فوق الإنسان، وتوصله إلى الله. فإذا هو على مستوى الحيوان، بل أقلّ من الحيوان. صار عريانًا، فاحتاج إلى جلد الحيوان ليكسو عريه (تك 3: 21). وهكذا انحطّ الإنسان. والسبب في ذلك، الحيّة.

نفهم هنا أنّنا لسنا أمام الحيّة كما نراها تزحف على بطنها. فهي منذ البداية كذلك. ولكن الزحف على البطن، يدلّ على هزيمة كبيرة مُنيت بها الحيّة ومن يقف وراءها. هنا نعود إلى سفر الحكمة، الذي يستعيد قراءة سفر التكوين حول الخطيئة التي هي أصل جميع الخطايا، لأنّها تنبع من الكبرياء، وتجعل الإنسان يترفّع فينسى مكانته كخليقة في يد الله.

ماذا يقول سفر الحكمة في معرض كلامه عن الذين يخدعون أنفسهم، بعد أن أعمى الشرّ بصائرهم: ''خلق الله الإنسان بحياة أبديّة، وصنعه على صورته الخالدة. ولكن بسبب حسد إبليس، دخل الموت إلى العالم، فلا يذوقه إلاّ الذين ينتمون إليه.'' (2: 23-24). هذا يعني أنّ الشيطان حسد آدم، لأنّه يتمتّع بالخلود، فدفعه إلى الخطيئة التي تقود إلى الموت.

من أين جاءت هذه الفكرة؟ من العالم القديم، ساعة حسد الآلهة الصغار الإنسان، بعد أن صار قريبًا من الله (رج مز 8: 6). ولكن في الكتاب المقدّس، لا وجود للآلهة المتعدّدة، بل للإله الواحد الذي لا إله تجاهه. وبما أنّ هذا الإله لا يمكن أن يحسد الإنسان وهو الذي خلقه على صورته ومثاله، اعتبر الكاتب الملهم أنّ الشيطان هو الذي حسد الإنسان وأراد له الموت. هنا نتذكّر خطيئة داود التي لا يمكن أن تكون عمل الله (2 صم 24: 1)، كما كان يقال في القديم عن الربّ سبب الخير والشرّ في العالم، سبب المرض والصحّة، والموت والحياة. إنّها من عمل إبليس. كما قال سفر الأخبار الأوّل: ونوى الشيطان الشرّ لشعب إسرائيل، فحضّ داود على إحصاء الشعب.'' (21: 1). اعتبر الشعب خاصته، ونسي أنّ الله وحده ملك في الشعب. أراد أن يحلّ محلّ الله، على مثال آدم في الابتداء. من أسقطه في الخطيئة'' الشيطان الذي خدع الإنسان الأوّل، ويخدع كلّ إنسان ليسمع له. قال الله لآدم: ''لأنّك سمعت كلام امرأتك'' (تك 3: 17) الذي هو امتداد لكلام الحيّة.

ولكن لماذا لجأ الكاتب الملهم إلى رمز الحيّة ليتحدّث عن الشيطان وبالتالي عن الخطيئة التي تقود إلى الموت؟ لأنّ الشعب العبرانيّ الذي بدأ حياته في الصحراء، تألّم كثيرًا من موت حملته له الحيّات. في هذا أخبرنا سفر العدد عن حيّات لدغت الشعب، فمات منه كثيرون (21: 6). فالحيّة تمثّل قوى الشواش التي سينتصر عليها الإله. هذه الحيّة في خبر مردوك، أخذت منه شجرة الحياة. وهي هنا منعت آدم وحوّاء من شجرة الحياة. وأخيرًا، تمثّل الحيّة الكذب والخداع، لهذا خدعت الإنسان.

لا نريد هنا أن نقول إنّ الحيّة هي مبدأ الشرّ. وليست هي سبب الشرّ في العالم. فإن قلنا مثل هذا القول الخاطئ كنّا أمام ثنائيّة تعتبر أنّ هناك مبدأ شرّ تجاه الله الذي هو مبدأ الخير. في الواقع، الشرّ هو نتيجة خطيئة الإنسان، نتيجة تمرّده على إرادة الربّ (تك 2: 17). والشيطان مهما كان قديرًا، لا ينزع منّا حرّيّتنا. فإن هو جرّبنا، فبسماح من الله، وبقدر ما يسمح الله. هذا ما نعرفه من سفر أيّوب، ثمّ إنّ الله لا يسمح أن نجرّب فوق طاقتنا (1كور 10: 13). بل يهب لنا ''مع التجربة وسيلة النجاة منها والقدرة على احتمالها.''

2- نسل المرأة

المرأة هي أمّ كلّ حيّ. لهذا سُمّيت ''حوّاء'' (تك 3: 20). وحين يتحدّث الكتاب عن امرأة من النساء، فهو يتطلّع إلى كلّ نسلها. هنا نفهم، ما قال إنجيل متّى عن راجيل التي تبكي على بنيها (2: 17). فراحيل التي قال التقليد إنّ قبرها في بيت لحم، تبكي أطفال بيت لحم الذي قتلهم هيرودُس. فهي تبدو وكأنّها ولدتهم كلّهم. وقد سبق لها أن بكت شعبها الذاهب إلى المنفى، كما قال إرميا: ''صوت سمع في الرامة، نوح وبكاء مرّ. راحيل تبكي على بنيها، وتأبى أن تتعزّى عنهم، لأنّهم زالوا من الوجود'' (31: 15). أجل حين نريد أن نتكلّم عن الشعب، نذكر أمّ الشعب. وحين يتحدّث سفر التكوين عن حوّاء التي خدعتها الحيّة (إبليس)، فهو يتحدّث عن البشريّة كلّها، لا عن شخص فرد وحسب. من أجل هذا، يقول بولس الرسول في الرسالة إلى رومة: ''عمّ الموت جميع البشر، لأنّهم جميعهم خطئوا'' (5: 12). ونتذكّر أيضًا ما قاله بولس في الرسالة عينها: ''كلّهم خطئوا وحُرموا مجد الله'' (3: 23). ''ولكنّ الله برّرهم بنعمته، بالمسيح يسوع الذي افتداهم.''

ذاك هو نسل المرأة. يدلّ على البشريّة كلّها. هذا النسل يتصارع مع نسل الحيّة. وحين ينال المؤمنون الفداء، يفهمون أنّهم انتصروا في ذلك الذي جعله الله كفّارة في دمه (روم 3: 25). وهذا النصر ليس وليد فترة من الفترات، بل إنّ الله خطّط له منذ الابتداء. منذ ارتكبت الخطيئة على الأرض، بدأ مشروع الخلاص، على ما يقول بولس في الرسالة إلى أفسس: ''اختارنا الله قبل إنشاء العالم... في ابنه الحبيب، فكان لنا فيه الفداء بدمه، أي غفران الخطايا'' (1: 4، 7). من أجل هذا، يقرأ الآباء القدّيسون هذا النصّ من سفر التكوين الي يقول للحيّة: ''بينك وبين المرأة أقيم عداوة، وبين نسلك ونسلها. فهو يترقّب منه الرأس، وأنت تترقّبين منه العقب'' (تك 3: 15)، ويسمّونه ''الإنجيل الأوّل'' أو ''الإنجيل قبل الإنجيل'' أي الخبر السارّ. في قلب هذه اللوحة السوداء التي شعر فيها الإنسان أنّه صار عريانًا فخسر هويّته، وفهمت المرأة أنّها صارت خاضعة لزوجها وخاضعة لآلام الأمومة، وفهم الرجل أنّ الأرض صارت ملعونة، بحيث لا تُنبت له سوى الشوك والعوسج، صارت جنّةُ عدن بمياهها الوافرة وخضرتها المفرحة، صحراء قاحلة لا تعرف بركة الله.

ولكن متّى يكون هذا النصر؟ في النهاية، ساعة يسحق ابن المرأة، يسوع المسيح، رأس الشيطان. وساعة تحاول الحيّة أن تصيب عقب المسيح المائت على الصليب. ظنّ إبليس أنّ موت يسوع يُنهي مسيرة الخلاص، ولم يعرف أنّ موت يسوع كان بداية حياة، وأساس مسيرة الخلاص التي تصل إلى القيامة، بانتظار المجيء الثاني الذي فيه يجمع المسيح في شخصه كلّ ما في السماء، وما على الأرض.

هي حرب بدأت في سفر التكوين، وبدا الإنسان وكأنّه خسر المعركة. خسر شجرة الحياة، فراح إلى الموت. وخسر الإقامة في الفردوس، في رفقة الله، فصار في الخارج حيث البرد والليل والخوف. حيث ينتظره التعب والألم والموت، ولكن سفر الرؤيا يرينا المعركة الأخيرة بين المرأة والحيّة، بين نسل المرأة ونسل الحيّة.

نقرأ في رؤ 12 عن الخصمين اللذين وقف الواحد تجاه الآخر. من جهة المرأة. هي تلبس الشمس. والشمس تدلّ على المسيح، والقمر الذي يرمز إلى التقلّب والتغيير، هو تحت قدميها. إنّها تمثّل الشمس، بإكليلها المؤلّف من اثني عشر كوكبًا. من اثني عشر رسولاً. هذه المرأة، هي حبلى. وسوف تلد الأبناء العديدين. ومن جهة ثانية، الحيّة القديمة التي صارت تنّينًا عظيمًا يريد أن يقضي على المرأة، وبالتالي على أبنائها. وكانت حرب انهزم فيها إبليس وخسر مكانه. ولكن كيف تمّ النصر للمرأة بواسطة ابن ليس كسائر الأبناء.

هنا ينتقل النصّ من كلام عن امرأة، هي الكنيسة بأولادها العديدين، إلى امرأة هي مريم العذراء، تلد ولدًا ذكرًا هو يسوع المسيح. يشير العهد القديم إلى هذا الولد فيقول عنه: ''يحكم الأمم كلّها بعصًا من حديد.'' فالمزمور الثاني سبق وقال: ''قال لي: أنت ابني، وأنا اليوم ولدتك. أطلب فأعطيك الأمم ميراثًا، وأقاصي الأرض ملكًا لك. ترعاهم بعصًا من حديد. وكإناء خزّاف تحطّمهم.'' طُبِّق هذا الكلام في الأصل على الملك الذي مسحه الربّ وارسله باسمه. وطُبّق فيما بعد على يسوع المسيح في أعمال الرسل، على لسان الكنيسة التي رفعت صلاة إلى الربّ وهي في قلب الاضطهاد.

وأورد سفر الرؤيا في آية واحدة (12: 5) مسيرة يسوع المسيح الذي ينتصر على الشرّ قبل أن يعود إلى أبيه... اختطف ولدها (ولد المرأة) إلى الله إلى عرشه. بانتظار أن يرافقه سائر أبناء المرأة، بعد أن ينجوا من المحنة العظيمة. في ذلك الوقت ''لن يجوعوا ولن يعطشوا، ولن تضربهم الشمس ولا أي حرّ، لأنّ الحمل (يسوع المسيح) الذي في وسط العرش الإلهيّ يرعاهم ويهديهم إلى ينابيع ماء الحياة، والله يمسح كلّ دمعة من عيونهم'' (رؤ 7: 16-17)

خاتمة

وهكذا انتهت الحرب بين نسل المرأة ونسل الحيّة، بين شعب الله في مسيرته بقيادة يسوع، حمل الله الذي يرفع خطيئة العالمن وبين نسل إبليس الذي سيُلقى في النهاية في بحيرة النار والكبريت'' (رؤ 20: 20). في البداية، كانت امرأة، وفي النهاية هي امرأة، رافقت الأولى آدم، الذي يمثّل البشريّة الخاطئة الطالبة طريق الخلاص. ورافقت الثانية يسوع المسيح الذي يعيد إلينا الحياة التي خسرناها في البداية. وبين المرأة الأولى كما في سفر التكوين، والمرأة الأخيرة، كما في سفر الرؤيا، نتعرّف إلى أمّ يسوع التي كانت في عرس قانا الجليل (يو 2: 1-12)، ساعة اتّحاد يسوع مع شعبه المؤمن، مع كنيسته، وكانت على الصليب مع التلميذ الحبيب (يو 19: 25-27). هذه المرأة سمّاها الملاك في إنجيل القدّيس لوقا: ممتلئة نعمة. هذا يعني أنّها امتلأت من بركة الرب، فما تركت مكانًا للشرّ في قلبها وفي حياتها. فكان انتصارها على الشرّ كاملاً. لهذا اعتبرتها الكنيسة قدّيسة منذ اللحظة الأولى في حياتها، وأنشدتها أناشيدنا: كلّك جميلة ولا عيب فيك. إنّها حقٌّا المرأة التي داست الحيّة، كما يقول التقليد اللاتيني: هي تدوس رأسك وأنت لا تصلين إلاّ إلى عقبها. منذ البداية، يستشفّ الموت انتصار نسل المرأة على الحيّة، ونجن ننتظر أن يتحقّق تدبير الله الذي يتمّ عندما تكتمل الأزمنة (أف 1: 10).