برج بابل

 

حين تكثر الضجّة في مجتمع بين المجتمعات يقولون: برج بابل، أي لم يعد أحد يفهم على أحد. تبلبلت الألسن كما سيقول التفسير الشعبيّ في الكتاب المقدّس ولكن الخبر الكتابيّ أكبر من هذه الملاحظة، لأنّه سيكون الحلقة الأخيرة في ما يُسمّى تاريخ البدايات الذي يبدأ بالخلق فيَصِل إلى الخطيئة والطوفان. فيستعدّ لمسيرة إبراهيم، مسيرة الإيمان، حيث الإنسان يسلّم نفسه للربّ في مشروع ينال منه البركة. نطرح هنا ثلاثة مواضيع: تكاثر الألسن بعد أن كانت اللغة واحدة. بناء البرج الذي هو أحد المعابد التي عرفتها أرض العراق. وأخيرًا جواب الله على عمل البشر، الذي سيصل بنا في النهاية إلى العنصرة وما عمله روح الله لكي يفهم الناس بعضهم على بعض لا بالتسلّك من قبل الحاكم ولا بالإكراه الآتي من المال، بل بالمحبّة التي تجعل البسطاء يعلّمون الحكماء.

1- تكاثر الألسن

طرح الناس سؤالاً على نفوسهم: لماذا الألسن العديدة التي تجعل الناس يتفاهمون في ما بينهم بصعوبة؟ وحين يؤمنون بالإله الواحد، كما كانت حالة الشعب العبرانيّ بعد المنفى بشكل خاصّ، يرون في هذا التكاثر نتيجة خطيئة الإنسان تجاه الله.

قال الكتاب: ''وكان لأهل الأرض كلّها لغة واحدة وكلام واحد.'' ذاك هو الأمر الطبيعيّ بعد أن تحدّرت البشريّة كلّها من آدم قبل الطوفان، ومن نوح بعد الطوفان، ولكن النصوص القديمة تحدّثت بالأحرى عن رغبة الإله بأن يوحّدها: ''هو معلّم الحكمة الذي يحوّل في أفواه البشر كلّ اللغات الموجودة، حينئذٍ تكون لغة بشريّة واحدة.''

أترى إله الكتاب المقدّس معارضًا لوحدة اللغة؟ هنا نعود إلى الترجوم، الذي هو شرح للنصّ: ''كان لجميع سكّان الأرض لسان واحد... كانوا يتكالمون في لغة المعبد، لأنّ معها خُلق العالم في البدء.'' يرى الترجوم أنّ وحدة اللغة سابقة لتكاثر الألسن. ولكن الله ''غضب'' (أي لم يرضَ) على البشر، فأرسل سبعين ملاكًا إلى الشعوب السبعين المعروفين، ومع كلّ واحد لغة الشعب وحروف الكتابة. هنا نعود إلى سفر التكوين في الفصل العاشر، الذي يتحدّث عن تنوّع الشعوت، ممّا يعني تعدّد الألسن. هنا نتذكّر أنّ الكتاب ينطلق من الواقع الذي هو تكاثر اللغات، فيُلقي عليه ضوء الوحي.

لا يفسّر سفر التكوين تكاثر الألسن، بل يتحدّث عن بلبلة الألسن. ومن أراد أن تكون اللغات واحدة؟ البشر، لا الله. فكأنّي بالكاتب الملهم يتحسّر لأنّ البشريّة تتحدّث عن لغة واحدة، وتعيش إيديولوجيا واحدة، حيث الفرد يذوب في الجماعة فيخسر شخصيّته وغناه، وحيث المجموعات الصغيرة تُسحق فتكون هذه الإمبراطوريّات الواسعة. هكذا تزول حاصّيّات فلا يبقى سوى لغة واحدة، سوى كلمة واحدة تفرض على الناس. وهذه الكلمة هي كلمة الأقوة، الذي يمسك السلطة بيده.

2- بناء البرج

ونرافق النصّ الكتابيّ: ''فلمّا رحلوا من الشرق، وجدوا بقعة في سهل شنعار، فأقاموا هناك.'' أرض شنعار هي أرض نمرود، ذاك المتمرّد على الله، فأرسل عليه سهامه. ترك الناس الشرق، أي تركوا نور الله. تبعوا نمرود، فأضاعوا الاتّجاه الحقيقيّ، بعد أن فصلوا قلوبهم عن الله. واللغة التي ستفرض نفسها على الجميع، هي لغة نمرود، الذي يمثّل هؤلاء الملوك الذين تركّزت قوّتهم على استعباد جميع الشعوت. لم يعد سوى لغة واحدة، سوى شعب واحد، بعد أن خضع الجميع لتسلّط مريع. وفي النهاية، شنعار هي الأرض التي هرب منها إبراهيم ليجيب على نداء الله: أترك أرضك (تك 12: 1). وهي الأرض التي نُفي إليها الشعب العبرانيّ يوم دمّرت أورشليم على يد البابليّين فكانوا هناك عبيدًا يعملون في الحقول والبناء.

''وقال بعضهم لبعض: تعالوا نصنع لبنًا نشويه...'' وهكذا كانت تُبنى الهياكل. ولكن صنع الحجارة يذكّر الشعب العبرانيّ، في مصر بشكل خاصّ، بالعبوديّة. لسنا هنا أمام توافق بين أحرار، بل تكرار عمل واحد يأمر به سيّد، حيث الحجر أغلى ثمنًا من البشر. فقال المعلّمون: ''حين يسقط إنسان على الأرض ويموت، ما كانوا يهتمّون له. ولكن حين يُكسر حجر، كانوا يبكون ويولولون.'' في هذا المعنى يقول الترجوم: ''كان للأرض كلّها لسان واحد.'' فقاموا كلّهم بقصد واحد ليتمرّدوا. تمرّد قايين كانت نتيجته قتل هابيل، وتمرّد نمرود انتهى في استعباد البشر.

''تعالوا نبني لنا مدينة وبرجًا رأسه في السماء ونقُم لنا اسمًا.'' المدينة في الأصل ترتبط بالغضب والانتقام والرعدة. هي موضع كلّ فساد ومخالفة لشرائع الله التي تساعد الإنسان على إبراز شخصيّته في ما هو يختلف عن الآخر، ولا سيّما إذا أراد أن يفرض نفسه بالقوّة أو بالمال. وأراد البشر أن يبنوا برجًا يهاجمون منه مسكن الله. أما هكذا كانت تحاصر المدن؟

من سمّى الشعوب بأسماء؟ الله. أمّا هنا فهم لا يريدون أن يعطيهم الله اسمًا، كما فعل حين سمّى أبا الآباء: إبراهيم. سيقيمون لهم اسمًا، فلا يكونون خلائق. نلاحظ صيغة الجمع. هو الملك يتكلّم – نحن – وتتوحّد الشعوب حول العاصمة، حول الهيكل... كما فعل سليمان فاستعبد شعبه من أجل أبنيته. والشعوب التي تسمع هؤلاء المتسلّطين فتصدّقهم وتسلّم حريّتها لهم، ستختبر سريعًا أن الاسم العظيم هو اسم الحاكم، وأنّ جمال الأبنية يرتبط بشعب مستعبد تُثقله الضرائب فيصل إلى حافة الفقر. هذا ما قال نبوخذ نصّر عن نفسه: ''تمجّد الملك ومدينته والبشر عرفوا التعب. وحين ننظر اليوم إلى جمال المدن القديمة، ننسى الدم الذي سقط والحريّة المداسة... صار البشر مشروعًا، فغاب الحوار.

3- جواب الله

''ونزل الربّ...'' تلك هي طريقة كلام تجعل الكتاب يتحدّث عن الله وكأنّه إنسان، تدخّل، لأنّه سيّد التاريخ، وما كان الملوك يومًا في يديه سوى أداة. غير أنّ قراءة حرفيّة للنصّ تجعلنا نفهم أنّ الله يتصرّف بالقوّة الاعتباطيّة، شأنه شأن ملوك الأرض. يقولون: الله لا يريد للبشر أن يتّحدوا، أن يبنوا مدينة وحضارة بدونه: يحاق الله أن ينزل عرشه ويحلّ محلّه آخر! ولكن الكتاب يبيّن لنا كيف أنّ الله يرافق الإنسان. يتمشّة مع آدم في الجنّة عند برودة المساء. يلبس آدم وحوّاء لباسًا بعد خطيئتهما. بل يضع علامة على قايين ليحميه ممّن يريد الانتقام لهابيل.

نزل الربّ ليدين البشر وأعمالهم. غير أنّ دينونته رحمة، وهي تحاول أن تعيد العالم إلى مناخ النعمة والبركة. أخذ البشر يسجنون نفوسهم في عالم هو أشبه بسجن، عالم لا حوار فيه، ولا انفتاح على الأرض. عالم يكفي نفسه بنفسه كمياه تنقظع عن النبع فتصبح آسنة وتحمل الموت. يتكلّم الحاكم عن الشعب، يفعل باسم الشعب. يصبح إلهًا، خالقًا. هو شريعة نفسه والشريعة لعبيده الذين خسروا كلّ استقلاليّة، وصاروا في خدمة مجده.

نزل الله ووضع حدٌّا لهذا العمل. كشف الحقيقة الغطّاة، والتي فيها يكذب الناس بعضهم على بعض. في الواقع، هي الفوضى، البلبلة... شعوب لا تفهم على بعضها، وأفراد لا يعرفون التخاطب فيما بينهم، ويبتعدون عن التخاطب مع الله بعد أن قطعوا كلّ علاقة به. مثل هذا المشروع فاشل وهو يحمل فشله في ذاته. ويقوم أمامه مشروع الله الذي يجعل من إبراهيم أمّة عظيمة فيباركه ويبارك معه جميع عشائر الأرض (تك 12: 1-3).

وتواصل مشروع الله الذي تمّ في يسوع، وفيه جُمع كلّ ما في السماء وما على الأرض. وحين أرسل الربّ روحه كانت اللغات متعدّدة، غير أنّ الجميع التقوا في إنشاد عظائم الله. ''جاؤوا من كلّ أمّة تحت السماء'' (أعمال 2: 5). فوحّدهم روح الله، لا حين نزع خصائص كلّ شعب من الشعوب، بل حين وضع كلّ شعب في مكانته بين الشعوب. صار الواحد يسمع الآخر وكأنّه يسمعه في لغته. أجل، الجواب على بابل هو العنصرة. كان بالإمكان أن تكون بابل باب إيل أو باب الله، الباب الذي نصل فيه إلى الله في مشروع الله، صارت موضع البلبلة وعدم التفاهم، بابل ما زالت حاضرة في أيّامنا، حيث يحاول القويّ أن يجعل له اسمًا على حساب الضعيف. فيرضى البشر العبوديّة، ويسيروه وراء الحاكم دون أن يدروا إلى ما هم إليه واصلون. والعنصرة حاضرة في تاريخنا ساعة يجتمع الناس من أجل مشروع المحبّة في العالم، والتفاهم بين الشعوب والأفراد، فلا يكون عبد ولا حرّ... بل يكون الجميع واحدًا في المسيح.

خاتمة

تلك هي قراءتنا لخبر برج بابل، هي خبرة شعب عرف العبوديّة فبحث عن السبب في وحدة يفرضها القويّ على الضعيف، والممالك الحربيّة الشعوب المسالمة. وهي رغبة كلّ شعب بأن يبني نفسه بنفسه متعاونًا مع سائر الأزمنة. هي تركت ''الشرق'' تركت نور الله، وتجمّعت من هنا وهناك بعد أن اقتُلعت من جذورها. فيا ليتها تعود إلى من هو نور العالم، إلى الذي نسمّيه شمس البرّ يسوع المسيح.