إبراهيم البار يتشفّع

 

مرّ الكاتب الملهم قرب سدوم الخربة، والواقعة قرب البحر الميت فرأى فيها آثار النار والكبريت، واعتبر أنّها إن دمّرت فبسبب خطيئة سكّانها، وهي خطيئة كبيرة جدٌّا بحيث استحقّت مثل هذا العقاب. فالخطيئة هي زنى الذكر مع الذكر الذي قال فيه سفر اللاويّين: ''وإن ضاجع أحدٌ ذكرًا مضاجعة النساء، فكلاهما فعلا أمرًا معيبًا، فليُقتلا ودمهما على رأسيهما'' (20: 13). وسيرى بولس الرسول في الرسالة إلى رومة أنّ الوثنيّين استسلموا لشهواتهم ''ففعل الذكور بالذكور الفحشاء، ونالوا في أنفسهم الجزاء اللائق بضلالهم'' (1: 27). ولكن أتُرى رأى الله هذه المدينة وخطيئتها ولم ينبّهها؟ كلاّ. فقد يكون أرسل لها ''أنبياء''. واعتبر سفر التكوين أنّ إبراهيم تشفّع إلى الله لكي يعفو عن المدينة، أقلّه بسبب الأبرار الموجودين فيها.

فاقترب إبراهيم وقال (للربّ): ''أتهلك الصدّيق مع الشرّير؟ ربّما يكون في المدينة خمسون صدّيقًا. أتهلكها كلّها ولا تصفح عنها من أجل الخمسين صدّيقًا فيها؟ حرام عليك أن تفعل مثل هذا الأمر، فتهلك الصدّيق مع الشرّير، فيتساويان. حرام عليك! أديّان كلّ الأرض لا يدين بالعدل؟ فقال الربّ: ''إن وجدتُ خمسين صدّيقًا في سدوم، صفحتُ عن المكان كلّه إكرامًا لهم'' (تك 18: 22-26).

1- إبراهيم خليل الله

بعد أن ''أكل الله على مائدة إبراهيم، فصار بين الاثنين خبز وملح، بعد أنّ حلّ الله ضيفًا لدى أبي الآباء، أراد الله أن يدخل هذا البار في سريره، أن يجعله خليله ونديمه وكاتم سرّه. تلك طريقة بشريّة تدلّ على أنّ الله قريب جدٌّا من البشر، والأبرار يدخلون في عمق مخطّطه.

ونقرأ الكتاب: ''قال الربّ في نفسه: هل أكتم عن إبراهيم ما أنوي أن أفعله'' (تك 18: 17)؟ نحن نعرف أنّ إبراهيم نبيّ الله، وهو يقدر أن يصلّي لأجل الناس (تك 20: 7). بما أنّه نبيّ، فهو يرى الأمور على ضوء كلام الله. لهذا اكتشف خطيئة أهل سدوم، واعتبر أنّ القصاص لن يتأخّر. وبما أنّه نبيّ، فالربّ يكشف له ما سوف يعمل. تلك كانت خبرة عاموس النبيّ الذي قال: ''السيّد الربّ لا يفعل شيئًا إلاّ إذا كشف سرّه لعبيده الأنبياء'' (3: 8). ولماذا؟ لكي يدعوهم إلى الصلاة والتشفّع. ذاك ما عاشه عاموس أيضًا ورواه لنا في أكثر من رؤية. جاء الجراد، فهتف النبيّ: ''أيّها السيّد الربّ، عفوك! كيف يقوم لبني يعقوب قائمة: فهم شعب صغير''. وماذا يقول الكتاب: ''فندم الربّ على ذلك وقال: ''هذا لا يكون'' (7: 2-3). أي لن يأكل الجرادُ عشب الأرض بحيث تحلّ المجاعة وبالتالي الموت.

في هذا الموقع، توسّل النبيّ، فغفر الله. وتوقّف عن العقاب الذي كان قد هيّأه. ولكن إن لم يكن من يقف ''على الثغرة في الجدار أمامي، مدافعًا عن الأرض لئلاّ أدمّرها''، فماذا تكون النتيجة؟ قال الربّ: ''أصبّ عليهم سخطي، وأفنيهم بنار غيظي، وأجلب عاقبة أعمالهم على رؤوسهم'' (حز 22: 30-31). ويكون موقف الله كما كان قبل الطوفان، حين رأى خطايا العنف التي يقترفها البشر، قال الكتاب: ''فندم الربّ أنّه صنع الإنسان على الأرض، وتأسّف في قلبه'' (تك 6: 6).

لا نحسب الله سيّدًا قاسيًا يحمل عصا ويستعدّ ليضرب الخطأة. ولكن نظرة الكتاب كانت ترى في ما يحلّ بالمدينة من خراب بسبب زلزال أو حرب، على أنّه عقاب من عند الله. في الواقع، لا يريد الله الحرب، كما لا يريد الموت، لأنّه ليس ربّ الموت، بل ربّ الحياة. وهكذا ننظر إلى الله ونعطيه عواطف بشريّة، مع أنّه قال في سفر هوشع: ''أنا الله، لا إنسان'' (11: 9). فقلبي قلب أب، ومراحمي مراحم أمّ تحنّ على ثمرة أحشائها.

2- إبراهيم يتشفّع أمام الله

لو كان إبراهيم خاطئًا، لما كان تجرّأ أن يرفع عينيه إلى السماء ويتضرّع. ولكنّه ذلك البار الذي به تتبارك جميع أمم الأرض. اختاره الله اختيارًا خاصٌّا، واقتلعه من أرضه التي تعبد الأوثان، وجاء به إلى حيث يريد هو. وإبراهيم هو الذي سيعلّم أولاده أن يعيشوا في البرّ، أن يسلكوا في طرق الربّ ويعملوا بالعدل والإنصاف.

إبراهيم بارّ، ولهذا فهو قريب من الله. ويستطيع أن يتكلّم مع الله بدالة الأبناء الأحبّاء. لهذا نرافقه وهو يتكلّم مع الله، ''ويساوم'' من أجل خلاص المدينة. سمع الربّ يقول: ''كثرت الشكوى على أهل سدوم وعمورة، وعظُمت خطيئتهم جدٌّا'' (تك 18: 20). فكأنّي بالربّ يريد من أبي الآباء أن يتدخّل، وها هو سيفعل.

قال: إن وُجد خمسون بارٌّا. ولكنّه لم يجد، أو خمسة وأربعون، أو أربعون... ونزل حتّى وصل إلى عشرة أبرار. وكان جواب الله: ''لا أزيل المدينة إكرامًا للعشر.'' (تك 18: 32). ويبدو أنّ إبراهيم لم يجد الأبرار العشرة الذين لأجلهم يعفو الله عن المدينة. غير أنّ ما يلفت النظر، هو أنّ الله بدا مثل إنسان يسمع لإبراهيم وهو يتشفّع من أجل المدينة الخاطئة. غير أنّ هذه المدينة غرقت في الخطيئة غرقًا ورفضت أن تتوب، مع أنّ الله أطال روحه، على مثال ذاك الكرّام الذي قيل له في الإنجيل: ''ها إنّ لي ثلاث سنين آتي وأطلب ثمرًا على هذه التينة، ولا أجد. فاقطعها. لماذا تعطّل الأرض. ومع ذلك أجاب الكرّام: ''دعها هذه السنة أيضًا'' (لو 13: 6-8). أجل، لو تابت سدوم لما وصلت إلى الدمار. أترى كانت خطيئتها أكبر من خطيئة نينوى؟ كلاّ. ومع ذلك أشفق الله عليها، بعد أن نادى أهلها ''بصوم ولبسوا مسوحًا'' (يونان 3: 5).

تشفّع إبراهيم، فسمع الله له. ولكنّه وجد نفسه أمام مدينة تريد أن تفعل الشرّ حتّى ''مع الملائكة'' (تك 19: 1-4). لهذا، رجع إلى بيته. غير أنّ موسى سيكون أوفر حظٌّا من إبراهيم. وذلك بعد الخطيئة الكبيرة التي اقترفها الشعب بعد أن عبدوا العجل الذهبيّ في بريّة سيناء. كانوا قد سمعوا الوصايا على الجبل المقدّس، وسط البروق والرعود: ''أنا الربّ إلهك... لا يكن لك آلهة سواي. لا تصنع لك تمثالاً منحوتًا ولا صورة شيء...'' (خر 20: 10).

عاتب موسى من يستحقّ العقاب، ثمّ قدّم الذبائح. بعد ذلك، مضى إلى الربّ يتشفّع. قال: ''يا ربّ، خطئ هؤلاء الشعب خطيئة عظيمة، وصنعوا لهم آلهم من ذهب. فإمّا تغفر خطيئتهم أو تمحوني من كتابك الذي كتبت'' (خر 32: 31-32).

ساوم إبراهيم. أمّا موسى فقدّم براهينه وهو يتضرّع إلى الله (خر 32: 11). هذا الشعب أنت أخرجته. فإن أفنيته، ماذا سيقول المصريّون؟ يقولون: أخرجهم بنيّة سيّئة ليقتلهم في الجبال ويفنيهم عن وجه الأرض. ثمّ، هل نسيت يا ربّ ما وعدتَ به إبراهيم وإسحق ويعقوب. وماذا كانت النتيجة؟ قال الكتاب: ''فعاد الربّ عن السوء الذي قال إنّه سينزله بشعبه'' (خر 32: 14).

3- المسيح يسوع يشفع لنا

أمام الصعوبات التي تعترض حياة الرسول، أمام الشدائد والضيقات والاضطهادات، أحسّ بضعفه. هو كغنم للذبح، ولكن هذا مستحيل! فالله الذي وهبنا ابنه، يهبنا معه كلّ شيء، أسلم ابنه إلى الموت من أجلنا جميعًا، فماذا سيمنع عنّا بعد؟ ولكن قد يبدو الله بعيدًا. أمّا مع يسوع فصار قريبًا. أخذ جسدًا وسكن بيننا. بل مات وقام من أجلنا. في هذا يقول بولس الرسول: ''والمسيح يسوع هو الذي مات، بل قام، وهو الذي عن يمين الله يشفع لنا'' (روم 8: 34).

حاول أن يتشفّع إبراهيم، ولكنّه ظلّ خارج ''اللعبة''. سيقول النصّ في النهاية: ''ومضى الربّ عندما فرغ من الكلام مع إبراهيم، ورجع إبراهيم إلى حيث يقيم'' (تك 18: 32). وحاول موسى أن يتشفّع، ولكنّ شفاعته أخّرت العقاب، ولكنّها ما ألغته إلغاء. فالخطيئة حاضرة في حياة البشر، ومهما فعله البشر لن يستطيعوا أن يقدّموا الكفّارة التامّة عن الخطيئة، وحده يسوع المسيح الذي صار خطيئة لأجلنا، يستطيع أن يغفر لنا غفرانًا تامٌّا. هو صار ذبيحة عن خطايانا، كما قال بولس: ''إنّ الذي لم يعرف الخطيئة، جعله (الله) خطيئة من أجلنا، لكي نصير نحن به، برّ الله'' (2كور 5: 21). أجل، ذبيحة المسيح تجاوزت جميع الذبائح، فما عاد لها فائدة. وهكذا، بذبيحة المسيح صرنا أبرارًا حقٌّا، بعد أن أخذ اللعنة التي حلّت بنا بسبب الخطيئة، ''إنّ الذي افتدانا من لعنة الناموس هو المسيح، إذ صار لعنة لأجلنا، على ما هو مكتوب: ''ملعون كلّ من عُلّق على خشبة'' (غل 3: 13). فالمسيح الذي صُلب لأجلنا، صلب اللعنة التي ارتبطت بالخطيئة. فالبركة التي وُعد بها إبراهيم وصلت إلى كمالها في يسوع المسيح بحيث ''ننال بالإيمان الروح الذي وُعدنا به'' (غل 3: 14).

عجز إبراهيم مع أنّه نال الوعد. وعجز موسى مع أنّه أعطي الشريعة. أمّا يسوع فشفاعته تمنحنا البرّ الذي نطلبه. هنا نعود أيضًا إلى رسالة القدّيس بولس إلى رومة: ''ما لم تستطعه الشريعة لعجزها، بسبب الجسد، أنجزه الله إذ أرسل ابنه، من أجل الخطيئة، في شبه جسد الخطيئة، فقضى على الخطيئة في الجسد'' (8: 3). وهكذا أخذ يسوع على عاتقه وضعنا الخاطئ. قضى على الخطيئة في جسد المؤمن الذي جُعل في قلب طاعة المسيح وحبّه، في المسيح صرنا أبرارًا، وما وهبنا الله، لا يستطيع أحد أن يأخذه منّا. فعطايا الله لا ندامة فيها، وهي تدوم إلى الأبد. وعمل يسوع لم يقتصر على وقت من الأوقات، بل هو ''على الدوام حيّ ليشفع فينا'' (عب 7: 25).

تشفّع يسوع تشفّعًا متواضعًا. لمّا كان بعد في الجسد، وهو الذي قالت فيه الرسالة إلى العبرانيّين: ''إنّه هو الذي، في أيّام بشريّته، قرّب تضرّعات وابتهالات في صراخ شديد ودموع'' (5: 7). أمّا الآن، ''وهو أمين لمن أقامه'' (عب 3: 2)، فله ملء السلطان. أجل، ما من أحد يمكن أن يقابَل بالمسيح الممجّد لكي يشفع بنا لدى الله. إنّه عن يميم الله إلى الأبد، لآجلنا نحن البشر ولأجل خلاصنا ''إذ ليس تحت السماء اسمٌ آخر أعطي في الناس، به ينبغي أن نخلص'' (أع 4: 12).

خاتمة

ما من خلاص بأحد غير لمسيح. وما من شفيع لنا سواه أمام الآب. ومع ذلك، تشفّع الآباء والأنبياء. في العهد القديم من أجل الشعب، ومن أجل الخطأة. ويتحدّث سفر المكابيّين الثاني، لا عن الأحياء، كما في سفر التكوين (إبراهيم) والخروج (موسى) والأنبياء (عاموس)، بل عن الأموات، فيقول عن إرميا: ''فقال أونيّا (الكاهن): هذا هو إرميا نبيّ الله. هذا الذي يحبّ أخوته اليهود، ويُكثر من الصلوات من أجل الشعب والمدينة المقدّسة أورشليم'' (2 مك 15: 14). ومع أنّ الشفيع الأوحد هو يسوع المسيح، فقد أراد أن يشرك المؤمنين، ولا سيّما الأبرار والقدّيسين. في هذا المناخ نقرأ كلام القدّيس بولس في الرسالة إلى كولسّي: ''وأتمّ في جسدي ما ينقص من مضايق المسيح، لأجل جسده الذي هو الكنيسة'' (1: 24). فكما أنّ الراعي الصالح اشرك بطرس في عمل الرعاية، فهو يشرك القدّيسين في عمل الشفاعة والصلاة، لأنّه يريد لجميع المؤمنين أن يساعدوه لكي يحمل الخلاص إلى البشريّة كلّها. هو أرادنا، ونحن نتشرّف إن عملنا إرادته وقدّمنا ذواتنا ذبيحة مع ذبيحة المسيح من أجل خلاص العالم ونجاته.