كاهن إلى الأبد على رتبة ملكي صادق

 

حين نقرأ الكتاب المقدّس بعهديه القديم والجديد، يلفت انتباهنا شخص ظلّ وجهه سرّيٌّا إلى أن كمل في يسوع المسيح، كما قالت الرسالة إلى العبرانيّين. لا يرد هذا الاسم في العهد القديم إلاّ في سفر التكوين. وهو النصّ الذي ننطلق منه في تأمّلنا، وفي مز 110 الذي دوّن في حقبة متأخّرة، ساعة اجتمعت السلطة الكهنوتية والسلطة الملكيّة في يد شخص واحد. وانطلق العهد الجديد من هذه المعطيات القليلة. فأعلن كهنوت يسوع في خطّ ملكيصادق، لا في خطّ هرون، رئيس العشائر الكهنوتيّة في الشعب العبرانيّ. ونبدأ فنورد نصّ سفر التكوين:

وعند رجوع أبرام (= إبراهيم) منتصرًا... خرج ملك سدوم للقائه... وأخرج، ملكيصادق، ملك شاليم، خبزًا وخمرًا، وكان كاهن الله العليّ. فبارك أبرام بقوله: ''مبارك أبرام من الله العليّ، خالق السماوات والأرض! وتبارك الله العليّ الذي أسلم أعداءك إلى يدك''! فأعطاه أبرام العِشر من كلّ شيء (تك 14: 17-20).

1- أبرام وملكيصادق

أبرام اسم يعني: الأب رفيع، عالٍ. وملكيصادق يعني: ملكي اسمه الإله صادق. وهو يتوازى مع أدونيصادق (يش 10: 1): سيّدي هو الإله صادق. وهكذا ارتبط الإسمان بالبرّ والصدق والعدالة والازدهار. ونحن قبل أن نشرح النصّ الذي أوردنا، نتوقّف عند الفصل الرابع عشر من سفر التكوين لنكتشف معناه العميق في إطار الشعب العبرانيّ.

أ‌- سياق النصّ

نبدأ فنقول إنّ هذا النصّ في سفر التكوين دوّن في حقبة متأخّرة جدٌّا، أي بعد العودة من المنفى وغياب سلالة داود، على حساب الكاهن الأعظم الذي حلّ محلّ الملك وحافظ على وظيفته الكهنوتيّة. وهذا واضح في قراءتنا لنبوءة زكريّا. تحدّثت رؤية أولى عن يشوع، الكاهن الأعظم، الذي قال له ملاك الربّ: ''إن سرت في طرقي وعملتَ بأوامري، فأنت أيضًا تحكم بيني وتسهر على دياري'' (زك 3: 7). وجاءت رؤية أخرى، فتحدّثت عن زيتونتين ''اختارهما الربّ ومسحهما ليخدماه'' (زك 4: 14). الزيتونة الأولى كانت يشوع الكاهن، والثانية زربّابل الذي من نسل داود. كان هو الذي سيتوّج، وكأنّ شيئًا لم يكن، وكأنّ أورشليم التي دمّرت سنة 587 ق م لم تدمَّر، وكأنّ السلالة الملكيّة ما زالت حاضرة. ولكن كلاّ. فالذي توّج كان يشوع فتسلّم السلطة السياسيّة والسلطة المدنيّة، على مثال ملكيصادق الذي كان ملك شاليم (أو: أورشليم) وفي الوقت عينه كاهن الله العليّ، كاهن إله السماوات.

لهذا الكاهن خضع إبراهيم. إذن، على أبنائه الذين عادوا من المنفى سنة 538 ق م أن يخضعوا لمن هو كاهن وملك فيهم.

ب‌- شرح النصّ

حاول الشرّاح أن يكتشفوا العناصر التاريخيّة، وقرأ بعضهم النصّ قراءة حرفيّة، فوجدوا وراء تدعال الحثّيّين، ووراء أمرافل البابليّين الذين أقاموا في شنعار، ووراء عيلام بلاد فارس، ووراء آلاسار بلاد الكبادوك (تك 14: 1) أربعة ملوك لأعظم الممالك الآتية من الأمم (جوييم) الوثنيّة. هم انتصروا على ملك سدوم، ابن الشرّ، وملك عمورة ابن الكفر، وشنآب الذي رفض الوصيّة التي تطلب إكرام الأب، لا بفضه، وشمئيبر الذي اشتهر بالفجور والزنى.

الخطأة يُقهرون. أمّا أهل الإيمان فينتصرون. ذاك كان وضع إبراهيم. قهر هؤلاء الملوك العظام لأنّه آمن بالله، واتّكل على حضوره. أمّا رجاله فكانوا 318. هذا الرقم يعود بنا إلى أليعازر (تجمّع قيمة الحروف، أ=1، ل=.30.) الذي يعني عون الله ومساعدته. إذن، نحن لا نقرأ النصّ في حرفيّته، بحيث يصبح إبراهيم مقاتلاً ورئيس جيش كبيرًا، بينما نعرف عنه أنّه كان راعيًا من الرعاة، يتنقّل على حدود الأرض المزروعة.

إلى شاليم، أي أورشليم، جاء إبراهيم. وقدّم إلى كاهنها العشور. انطلق الكاتب العائش في القرن الخامس ق م، من عصره، حيث أخذ اليهود لا يهتمّون بأورشليم، فعاد إلى شخص اعتبر معاصرًا لإبراهيم. في القرن العاشر امتلك إبراهيم الجِمال التي دُجّنت في ذلك القرن أو بعد ذلك. هذا الشخص هو كاهن وملك معًا، على مثال عظيم الكهنة الذي صار المحاور الوحيد بين الدولة الفارسيّة الحاكمة وبين الشعب اليهوديّ، سواء أقام في فلسطين أو خارجها. ما هو نسبُ هذا الشخص الذي اسمه ملكيصادق؟ لا نعرف. قد يكون كنعانيٌّا، شأنه شأن سكّان البلدان التي امتدّت، على الساحل، من مصر إلى تركيّا الحاليّة. مهما يكن من أمر، فملكيصادق هو كاهن الله العليّ، لا كاهن بعل، ولا كاهن هدد، ولا كاهن ملقارت وغيرهم من الآلهة. هذا ما يجعلنا في إطار الإله الواحد الذي به سيحلف إبراهيم فيقول: ''أرفع يدي وأحلف بالربّ الإله العليّ، خالق السماوات والأرض'' (تك 14: 22). هذا الإله هو يهوه، باسمه الذي كشف لموسى في سيناء، وهو من خلق السماوات والأرض كما تقول بداية سفر التكوين.

2- المزمور 110

في تلك الحقبة عينها، أي بعد العودة من المنفى، وتجمّع السلطتين في يد عظيم الكهنة، دوّن المزمور 110 الذي أعلن لسيّد أورشليم: ''أنت كاهن إلى الأبد على رتبة ملكيصادق'' (110: 4). هذا المزمور الذي تنشده الجماعة المصليّة للملك المسيح الذي تنتظره في نهاية الأزمنة، قيل أساسًا في داود لمّا نُصّب ملكًا، ثمّ في ملوك آخرين. ولكنّه تطوّر مع الأيّام فقرأته الجماعة بحسب الظروف وزادت عليه عبارات، فاتّخذ أبعادًا معادية (ترتبط بالمعاد أو الآخرة)، وأضفى على شخصيّة الملك وظيفة كهنوتيّة.

التقى صادب المزمور مع سفر التكوين في الفصل الرابع عشر، فتحدّث عن هذا الشخص الذي لا نعرف سوى اسمه: ملكيصادق. والذي جمع المُلك والكهنوت، فمارس المهمّتين معًا. هذا الملك الكاهن يُقيم عن يمين الربّ الإله، لأنّ القصر الملكيّ كان عن يمين الهيكل الذي هو علامة حضور الربّ وسط شعبه. ومن أقام عن اليمين كان له مركز الشرف وتسلّم السلطة والحكم.

هذا الملك ينتصر، لا بقدرته الخاصّة، بل بقدرة الربّ الذي يقف عن يمينه (مز 110: 5) فيؤمّن له الحماية، ويعطيه القوّة لكي يجعل من أعدائه موطئًا لقدميه. وهكذا نعود إلى مفهوم الإيمان، الذي جعل إبراهيم ينتصر على أعظم ممالك الدنيا الأربع (لا ننسى الرقم أربعة يدلّ على أربعة أقطار المسكونة).

هذا المزمور اتّخذ معنى روحيٌّا في العهد الجديد. فصار السيّد الملك الذي هو كاهن على رتبة ملكيصادق: الربّ يسوع. فنقرأ في إنجيل لوقا: ''قال الربّ لربّي: إجلس عن يميني حتّى أجعل أعداءك موطئًا لقدميك'' (20: 42-43). وتواصل الرسالة الأولى إلى الكورنثيّين: ''فلا بدّ له (= للمسيح) أن يملك حتّى يضع جميع أعدائه تحت قدميه. والموت آخر عدوّ يبيده'' (15: 25-26). أجل، لم يعد يسوع ملكًا مثل هؤلاء الملوك الذي يستعدّون بالحرب ليصلوا إلى السلام. فملكه ليس من هذا العالم، كما قال بيلاطس. ولا أعداء له سوى الشرّ والخطيئة والموت. وكيف خلّصنا من الشرّ؟ حين أخذ الشرّ على عاتقه. فالصليب الذي هو الشرّ الشرّ، الذي هو اللعنة الكبرى، أخذه يسوع فصار لعنة من أجلنا (غل 3: 13)، وهكذا حرّرنا وأخذ الخطيئة على عاتقه، فصار خطيئة من أجلنا (2 كور 5: 21) لنصير به أبرارًا عند الله. هذا لا يعني أنّه خاطئ، فهو ''ما عرف الخطيئة''. وأخيرًا، خلّصنا من الموت حين مات على الصليب، كما قالت الرسالة الثانية إلى تيموتاوس: ''قضى على الموت وأنار الحياة والخلود'' (1: 10).

3- كاهن إلى الأبد

هنا نعود إلى الرسالة إلى العبرانيّين، التي دُوّنت في مصر، وأرسلت، على ما يبدو، إلى رومة. أمّا أسلوب قراءة نصوص العهد القديم، فهو أسلوب المدرسة البولسيّة. فالكاتب لم ينطلق من العهد القديم ليصل إلى العهد الجديد. ولا هو شوّه وجه المسيح وتعليمه، كما قال بعضهم، لكي يتوافقا مع العهد القديم. فما كتب في القديم، إنّما كتب لتعليمنا، وهو لا يكمل إلاّ معنا.

من أجل هذا، انطلق الكاتب من شخص يسوع المسيح الذي هو وحده كاهن إلى الأبد. أمّا كهنة العهد القديم، فكانوا يموتون، فيحلّ الواحد بعد الآخر، إلى أن جاء وقت زال الكهنوت من العالم اليهوديّ، يوم زوال الهيكل سنة 70 ب م. أمّا يسوع، فوحده حيّ إلى الأبد وهو يتشفّع بالذين يؤمنون به.

ولكن كيف الكلام عن يسوع عظيم كهنتنا الذي أقيم على بيت الله؟ لم ينطلق الكاتب من كهنوت هرون الذي لم ينتمِ يسوع يومًا إليه، بل من بداية لا تسبقها بداية، ليصل إلى نهاية لا تأتي بعدها نهاية. فعاد إلى العهد القديم بعد أن أخذ منه معنى لم يكن فيه. حمّله ملء المعنى الذي فكّر فيه الروح القدس، لا كاتب  سفر التكوين. ذكر شخص ملكيصادق فذكره أكثر من مرّة. قال في 5: 6: ''وقال (=الكتاب) في مكان آخر: ''أنت كاهن إلى الأبد على رتبة ملكيصادق'' (رج مز 110: 4). وتابع كلامه عن يسوع المسيح: ''وتعلّم الطاعة، وهو الابن، بما عاناه من الألم. ولمّا بلغ الكمال، صار مصدر خلاصٍ أبديّ لجميع الذين يطيعونه، لأنّ الله دعاه رئيس كهنوت على رتبة ملكيصادق'' (5: 8-10).

وفي الفصل السابع من الرسالة إلى العبرانيّين، عاد الكاتب إلى نصّ سفر التكوين فتوسّع فيه. فليس شخص ملكيصادق هو الذي ألقى بضوئه على شخص يسوع، بل العكس هو الذي حصل. اعتاد سفر التكوين أن يذكر نسب كلّ إنسان يتحدّث عنه، أمّا عن ملكيصادق، فلم يقل شيئًا. فاستفاد صاحب الرسالة من هذا الصمت وقال: ''وهو لا أب له ولا أمّ ولا نسب، ولا لأيّامه بداءة ولا لحياته نهاية. ولكنّه على مثال ابن الله يبقى كاهنًا إلى الأبد.'' (7: 3). ذاك هو وضع يسوع المسيح، وصورة عن كهنوته الذي لا يرتبط بكهنوت لاوي، بالكهنوت اليهوديّ، بل يرتبط بالله مباشرة، لأنّه ابن الله.

والبرهان: تبدّلت الشريعة من العهد القديم إلى العهد الجديد، لهذا تبدّل الكهنوت. وقال: ''وأولئك الكهنة عددهم كثير، لأنّ الموت كان يمنع بقاءهم. وأمّا يسوع الذي يبقى إلى الأبد، فله كهنوت لا يزول. وهو قادر أن يخلّص الذين يتقرّبون به إلى الله خلاصًا تامٌّا، لأنّه حيّ باقٍ ليشفع لهم'' (7: 23-25).

ولماذا ربط صاحب الرسالة يسوع بشخص بشريّ هو ملكيصادق؟ أيّه حاجة في ذلك. فقد كان يمكن أن يتحدّث عن كهنوت يسوع دون العودة إلى ملكيصادق وإلى أيّ شخص آخر. ولكنّ يسوع إنسان من الناس، فيجب أن يرتبط بعائلة بشريّة. لهذا ربطها القدّيس متّى بيوسف الذي هو ابن داود ابن إبراهيم (1: 1). وربطه القدّيس لوقا ''بأنوش وشيت وآدم'' مع أنّه ''ابن الله'' (3: 38). هذا على مستوى الجسد. وهكذا صار يسوع واحدًا منّا شبيهًا بنا في كلّ شيء (عب 2: 7)، ما عدا الخطيئة، وعلى مستوى الكهنوت، ارتبط يسوع بكهنوت هو أوسع من كهنوت هرون الذي تحدّد في عائلة بشريّة واحدة. ارتبط بملكيصادق بشكل مباشر، وبأورشليم بشكل غير مباشر، لا أورشليم الأرض بل أورشليم السماويّة، التي فيها صار الحمل (يسوع المسيح) الهيكل وحضور الله بين البشر.

خاتمة

انطلقت الرسالة إلى العبرانيّين من يسوع الذي هو كاهن إلى الأبد، فربطته بشخص ملكيصادق الذي كان كاهن الله العليّ. وكما خضع إبراهيم، أبو المؤمنين لملكيصادق، وقدّم له عشر ماله، كذلك يخضع أولاده لمن هو كاهن إلى الأبد. الشعب اليهوديّ الأوّل. ثمّ الشعب المسيحيّ. فكاهننا الأعظم، يسوع المسيح، ''لا حاجة به أن يقدّم الذبائح كلّ يوم كفّارة لخطاياه أوّلاً، ثمّ لخطايا الشعب، لأنّه فعل هذا مرّة واحدة حين قدّم نفسه'' (عب 7: 27). أجل، قدّم يسوع نفسه على الصليب، فصار ذاك يحمل حاجات البشر إلى الله، ويُحدر بركات الله على البشر. وهذا ما نعيشه في كلّ ذبيحة قدّاس نشارك فيها، حيث الكاهن الحقيقيّ الذي يحوّل الخبز إلى جسده والخمر إلى دمه، هو يسوع المسيح. وهو يستعمل شفتي الكاهن وفمه وقلبه وحياته، لكي يتواصل كهنوت المسيح منظورًا على الأرض، وتستمرّ ذبيحة الصليب حاضرة حتّى نهاية العالم

جمع ملكيصادق المُلك والكهنوت، فمارس المهمّتين معًا.

يسوع المسيح يرتبط بالله مباشرة، لأنّه ابن الله.

قدّم يسوع نفسه على الصليب، فصار يحمل حاجات البشر إلى الله، ويُحدر بركات الله على البشر.

يستعمل يسوع شفتي الكاهن وفمه وقلبه وحياته، لكي يتواصل كهنوت المسيح منظورًا على الأرض، وتستمرّ ذبيحة الصليب حاضرة حتّى نهاية العالم.