لا يكن لك إله غيري

 

حين ظهر الربّ على جبل سيناء، أعلن وصاياه. وأولاها: ''أنا هو الربّ إلهك لا يكن لك إله غيري. لا تصنع لك تمثالاً ومنحوتًا ولا صورة شيء ممّا في السماء من فوق'' (خر 20: 2-4). ويتواصل الكلام: ''لا تسجد للأصنام ولا تعبدها لأنّي أنا الربّ إلهك إله غيور''. وحين يتجدّد العهد بعد خطيئة جعلت الشعب العبرانيّ يعبد العجل الذهبيّ، تسمع جماعة موسى الكلام عينه: ''لا تسجدوا لإله آخر''. فهذه الأصنام تحطّمونها، وهذه المذابح تهدمونها (خر 34: 13-14). أنتم مكرّسون للربّ، مقدّسون. فبدّلوا حياتكم لكي تستطيعوا أن تدخلوا أرض الربّ. أما تعرفون أنّ الذبيحة للأصنام تعني ارتباطًا بالشياطين؟ هذا ما فهمه يعقوب حين بدأ يُقيم في أرض فلسطين.

أ‌- أزيلوا الآلهة الغريبة

''وقال الله ليعقوب: ''ثمّ اصعد إلى بيت إيل وأقم هناك، وابنِ مذبحًا لله الذي تراءى لك حين هربتَ من وجه عيسو أخيك''. فقال يعقوب لأهل بيته ولكلّ من كان معه: ''أزيلوا الآلهة الغريبة التي بينكم وتطهّروا وبدّلوا ثيابكم قوموا نصعد إلي بيت إيل. فأعطوا يعقوبَ كلّ الآلهة الغريبة التي في أيديهم، والحلقَ الذي في آذانهم. فطمرها يعقوب تحت البطمة (تك 35: 1-5).

بدأ يعقوب المسيرة، وهو لا يبدأها من نفسه، بل بأمر من عند الربّ. فبعد ذاك اللقاء الهامّ في ''مخّاضة يبّوق'' (تك 32: 23-25)، لم يعُد يعقوب يتصرّف بحسب حيله ودهائه. قال له الربّ: انطلق. فانطلق. أما هكذا فعل إبراهيم حين قال له الربّ: انطلق. أترك أرضك وعشيرتك وبيت أبيك؟ في كلّ حياة جديدة، نتجرّد عن الماضي، وننطلق إلى حيث يرينا الربّ طريقه: قم، اصعد.

ولكنّ لهذا الصعود شروطًا. دعاه الربّ، فعليه أن يأخذ الموقف الذي يلائم هذه الدعوة. عليه أن يحرّر قلبه من كلّ ما يعارض حضور الله في حياته. عمن عبد الربّ لا يستطيع أن يتعلّق بالأصنام. لا يستطيع بعد أن يحمل معه وثنًا يقيه من مخاطر الطريق. فالربّ إله غيور لا يقبل أن نحبّ أحدًا معه. فما من إله سواه، وما من مخلّص غيره، فكيف يتجاسر المؤمن أن يضمّ الآلهة الصامتة البكماء إلى الإله الواحد الذي رافق يعقوب في رواحه إلى حاران ومجيئه من عند خاله لابان؟

ذاك ما قاله إيليّا لشعبه على جبل الكرمل: تعبدون الله والبعل معًا. هذا لا يمكن أن يكون. عليكم أن تختاروا: ''إلى متى تعرجون بين هذا الفريق وذاك؟ إن كان الربّ هو الإله فاتبعوه. وإن كان البعلُ هو الإله فاتبعوه''. (الملوك الأوّل 18: 21). فالمؤمن لا يستطيع أن يعبد ربّين. ومن اختبر المسيرة مع الله، لا يمكن قلبه أن يتعلّق إلاّ بالله. وهو لا ينتظر خلاصًا إلاّ من الله.

اعتبرت راحيل زوجة يعقوب أنّها تسير في المجهول حين تترك البيت الوالديّ. من يكون رفيقها في الطريق: ''أصنام أبيها'' (تك 31: 19). هي حرزٌ تحمله بعد أن تعوّدت أن تصلّي إلى وثن له أذن ولا يسمع وعين ولا يرى ويد ولا تفعل. ليئة وزلفة وبلهة أخذن الحلق الذي هو زينة العيد في الاحتفالات الوثنيّة. فكلّ هذا يجب أن يزال. دفنه يعقوب تحت البطمة. يجب أن تموت الأصنام ولا تقومُ بعدُ، لأنّها وهم وسراب تُبعدنا عن الإله الحقيقيّ.

إبراهيم نفسه عبد آلهة أخرى، كما قال سفر يشوع (24: 2-3). أخذه الربّ من حاران فصار رجل الإيمان. ترك ما يمكن أن يؤمّن له حياته وسار في اتّجاه ''المجهول'' الذي هو في النهاية الله. أراه المكان الذي يجب أن يمضي إليه. بل تراءى له، فبنى مذبحًا للربّ يدلّ به على تعلّق خارجيّ هو تعبير عن عبادة داخليّة، في عبادة بالروح والحقّ.

ب‌- تطهّروا وبدّلوا ثيابكم

من حمل الصنم تنجّس، فلا بدّ له أن يتطهّر. أن يغتسل. تلك هي الطريقة التي يُعمَل بها إلى الآن قبل الدخول إلى المعبد، إلى موضع الصلاة، وذلك في جميع الديانات التي يعرفها العالم. والغسل الخارجيّ صورة عن الغسل الداخليّ. وقد احتفظ المزمور 26: 6-7 بصلاة في هذا المعنى: ''أغسل يديّ فأطهر، وأطوف يا ربّ بمذبحك، لأرفع صوت الحمد، وأخذت بجميع عجائبك''. وهتف داود بعد خطيئة: ''إرحمني يا الله بعظيم رحمتك... طهّرني بالزوفى فأطهر واغسلني فأبيضّ أكثر من الثلج'' (مز 51: 9). فالمؤمن الداخل إلى بيت الربّ، إلى أرض الربّ هو ''النقيّ اليدين، الطاهر القلب، الذي لا يميل إلى السوء، ولا يحلف يمينًا كاذبة'' (مز 24: 4).

من حمل الصنم تنجّس قلبه. فيسمع صوت الربّ بفم آشعيا: ''فاغتسلوا وتطهّروا، وأزيلوا شرّ أعمالكم من أمام عينيّ وكفّوا عن الإساءة. تعلّموا الإحسان واطلبوا العدل؟ أغيثوا المظلوم، وأنصفوا اليتيم وحاموا عن الأرملة'' (أش 1: 16-17). أجل، ينبغي على الإنسان أن يتبدّل. يبدّل ثيابه أوّلاً، من ثوب عاديّ إلى ثوب العيد. ثوب مخصّص لله. ذاك هو معنى ثياب الأحد في تقليدنا المسيحيّ القديم. لا ليرانا الناس، بل ليرانا الله أنّنا بدّلنا الهيئة الخارجيّة علامة على تبديل القلب والحياة اليوميّة. أمّا اليوم، فصار اللباس المتقن في الأيّام العاديّة حين يمضي الإنسان إلى عمله، ولباس الأحد لباس متراخٍ لا اهتمام به ولا عناية.

في إنجيل متّى، أقام الملك وليمة في عرس ابنه. فخرج الخدم إلى الشوارع وجمعوا من وجدوا. ولكن من لم يبدّل ثيابه لا يحقّ له أن يشارك. لهذا سمع صوت الملك يقول له: ''كيف دخلت إلى هنا، يا صديقي، وأنت لا تلبس ثياب العرس'' (22: 12). لهذا طُرح هذا الرجل إلى خارج الوليمة. انتقل من النور إلى الظلام، ومن نشيد الفرح إلى البكاء، ومن الدفء إلى البرد وصريف الإسنان. والسخط والغضب لا ينفعان. ذاك الذي لم يبدّل ثيابه، بدا وكأنّه لا يريد أن يبدّل قلبه وحياته مع أنّ الربّ قال: ''إن كانت خطاياكم بلون القرمز، فهي تُبيّض كالثلج. وإن كانت حمراء غامقة، فهي تصير بيضاء كالصوف'' (أش 1: 18). ويتابع النبيّ: لو أنتم سمعتم! ولكنّكم لم تسمعوا. بل ''رفضتم وتمرّدتم عليّ''.

ولكنّ يعقوب سمع ففعل. وطلب من أهل بيته أن يفعلوا. اغتسل قبل أن يطلب منهم أن يغتسلوا. تطهّر قبل أن يدعوهم. تبدّل قبل أن يدعوهم إلى أن يتبدّلوا. ما بدّل ثيابه فقط، بل بدّل حياته قبل الدخول إلى أرض الموعد. تصارع مع الربّ في المعنى الرمزيّ. أراد أن يغلب الربّ بذكائه ودهائه، اعتبر نفسه أقوى من الربّ، فإذا هو يخرج من هذا الصراع ضعيفًا. كان يعرج كمن جُرح في الحرب. اسمه تبدّل. لم يعد ذاك الذي يتعقّب أخاه، يلاحقه، ليأخذ منه ماله. لم يعد اسمه ''يعقوب'' بل ''يشر إيل'' أي ذاك الذي يكون مستقيمًا أمام الربّ، ذاك الذي يسير في الحقّ. ذاك هو معنى الاسم في العبريّة الذي يتلاقى مع فعل ''يسر'' في العربيّة: لان وما قسّى قلبه، وانقاد مسلّمًا حريّته إلى آخر. وسوف نرى يعقوب لا يتصرّف من عنده بعد ذاك التبديل، بل يسأل الربّ. ذاك ما فعل قبل النزول إلى مصر. ذبح ذبائح فسمع صوتَ الله في رؤية الليل: ''لا تخف أن تنزل إلى مصر'' (تك 46: 3).

تبدّل يعقوب وما اكتفى بتبديل ثيابه. ويجب على أهله أن يتبدّلوا. طلب منهم يعقوب ففعلوا. كانت الأصنام في أيديهم ''عصا'' يستندون إليها. أعطوها يعقوب فتحرّروا واستطاعوا أن يرفعوا أيديهم للصلاة. كان الحلق في آذانهم. انتزعوها. لا يريدون بعد اليوم أن يسمعوا إلاّ لصوت الله.

وبدّل يعقوب اسم المكان. لوز هو اللوز. وبيت اللوز يرتبط بالملاذ الذي يطلبه الإنسان من الإله المحلّيّ. يلتجئ إليه ويطلب منه الحماية. كلّ هذا انتهى إلى غير رجعة. اسمُ المكان بيت إيل، بيت الله. إله فاعل، تجلّى ليعقوب حين ترك البيت الوالديّ ومضى إلى حاران. في بيت إيل سمع يعقوبُ الربّ يقول له: ''ها أنا معك. أحفظك أينما اتّجهت، وسأردّك إلى هذه الأرض، فلا أتخلّى عنك حتّى أفي لك بكلّ ما وعدتك'' (تك 28: 15). لا حاجة بعد إلى إله يربط الإنسان بالأرض والزراعة والشجرة المقدّسة. فإله إبراهيم ويعقوب ليس ''صنمًا'' لا يتحرّك من مكانه كالحجر والخشب، بل هو رفيق الدرب. قال يعقوب، ويقول لكلّ واحد منّا: ''أنا معك، أنا رفيقك. أمسك بيدك اليمنى أوجّهك.

ج- من ذبح للأصنام

سأل أهل كورنتس رسولَهم بولس حول مشاركة المؤمنين في ممارسات ترتبط بعبادة الأصنام. في أعياد الآلهة، تُذبَحُ الذبائح العديدة، فيشتري الفقراء اللحم بسهولة ويأكلون منه. هل يحقّ لهم؟ وكان جواب بولس: ليس الصنم بشيء. فسواء ذُبحت المعز قرب الصنم أو في أيّ مكان آخر، فلحمه هو هو. تأكله في أي مكان. إن ذُبح الخروف قرب الصنم فقيمته لا تزداد. كما لا تنقص إن غاب الصنم. واختتم الرسول جوابه: ''نحن نعرف أنّ الوثن لا كيان له، وأن لا إله إلاّ الله الأحد'' (1 كور 8: 4). إن أكلنا من هذا الطعام لا نكسب شيئًا. وإن لم نأكل، لا نخسر شيئًا.

ولكنّ رائحة الصنم ما زالت هنا. فالذي اعتاد، قبل أن يهتدي إلى المسيح، أن يأكل من ذبائح الأصنام ويتبرّك بها، لا يستطيع بسهولة أن يتخلّص من اعتقاده القديم وعباداته. لهذا، وجب على المؤمن أن يتنبّه. أوّلاً إلى نفسه. فالعمل الخارجيّ قد يقود الإنسان إلى أكثر من طعام أو شراب، ومشاركة عابدي الأصنام في طعامهم قد تكون عاقبتها وخيمة. وقد قال الرسول: ''المعاشرة السيّئة تُفسد الأخلاق الحسنة'' (1 كور 15: 33). فيبقى علينا أن نعود إلى وعينا السليم ولا نخطأ.

ويتنبّه المؤمن أيضًا إلى أخيه الذي يشعر في ضميره الضعيف أنّه تدنّس. قال الرسول: ''لكن عليكم أن تنتبهوا لئلاّ تكون حرّيّتكم هذه حجر عثرة للضعفاء'' (1 كور 8: 9). عندما يرانا مثل هذا الرجل ونحن نقوم بعمل يدلّ على حرّيّتنا في المسيح، ''يتشجّع فيأكل من ذبائح الأوثان''، بضمير ضعيف، يتعرّض للسقوط، والموقف المطلوب: ''فإذا كان بعض الطعام سببًا لسقوط أخي، فلن آكل اللحم أبدًا، لئلاّ أكون سببًا لسقوط أخي'' (1 كور 8: 13)، فالحرّيّة في الجماعة تترافق مع المحبّة واحترام الآخرين ولا سيّما الضعفاء منهم.

وطرح الكورنثيّون على بولس سؤالاً آخر: هل يحقّ لمن دخل في نقابة، في جماعة تمتهن المهنة عينها وتدافع عن حقوقها، أن يشارك في عشاء مع أعضاء هذه النقابة التي جعلت نفسها في ''حماية'' إله من الآلهة؟ هنا ترك الرسول الجواب العمليّ: نشارك أو لا نشارك. وعاد إلى موقف إيليّا: في عشاء الربّ، في ذبيحة القدّاس، نشرب كأس البركة. نشارك في دم المسيح. نشارك في جسد المسيح (1 كور 10: 16). أمّا في هذه الاحتفالات فنشارك في عبادة الأوثان.

ولكن أيهتمّ المسيحيّ بهذا وهو العارف أن لا كيان للوثن، ولا قيمة لذبيحة الوثن؟ لا شكّ في أنّ الحجر حجر، والخشب خشب، والإله الذي يدلّ عليه ليس بإله. فأين يكمن الخطر إذن؟ الجواب: ''ذبائح الأوثان هي ذبائح للشياطين لا لله. وأنا لا أريد أن تكونوا شركاء الشياطين. لا تقدرون أن تشربوا كأس الرب وكأس الشياطين، ولا أن تشتركوا في مائدة الربّ ومائدة الشياطين'' (1 كور 10: 20-21). فمثل هذا العمل زنى تجاه الربّ. خيانة لحبّه وهو الغيور الذي لا يرضى أن يشاركه أحد في قلوبنا وفي حياتنا.

خاتمة

حين وصل يعقوب وأهل بيته إلى بيت إيل، أزالوا الآلهة الغريبة، تطهّروا. غسلوا ثيابهم. بدّلوا حياتهم، ووقفوا حول مذبح الربّ الذي بناه يعقوب. لا عودة بعدُ إلى الوراء، بل مسيرة مع الربّ. وأهل كورنتس بشّرهم بولس الرسول، كما بشّر أهل تسالونيكي: ''فاهتدوا إلى الله، وتركوا الأوثان ليعبدوا الله الحيّ (1 تس 1: 9) بدأوا هم أيضًا يتحوّلون عن الأوثان من أجل حياة جديدة. صار اسمُهم واحدًا: الاسم المسيحيّ، وعبادتهم واحدة: الله وحده. فهم لا يعبدون أصنام الحجر والخشب. كما لا يعبدون أصنامًا أخرى يخلقها الإنسان كلّ يوم لكي يعبدها ويستند إليها من أجل خلاصه. لا يعبدون المال الذي به يستغنون عن الله. لا يعبدون العظمة وما تحمل معها من كبرياء. لا يعبدون رجلاً يضعون حياتهم في يديه، ولا مجموعة يضحّون لها بنفوسهم حين تأمرهم بالموت. وإن أعطى المسيحيّ ما لقيصر لقيصر، فعطاؤه يرتبط بالله أوّلاً وأخيرًا. ولا يمكن لقيصر أبدًا أن يقف بجانب الله. هو عبد الله مثلي أنا ومثل كلّ إنسان. وجميعنا نسمع الصوت الواحد: ''أنا هو الربّ إلهك، لا يكن لك إله غيري''. فينبغي على كلّ واحد منّا أن يتطهّر من أصنامه، ويتقدّس، ويتكرّس للربّ. أن يبدّل ثيابه إلى ثياب العرس، وحياته إلى حياة في الله. حينئذٍ يخافه الآخرون، لا لقوّة خاصّة فيه، بل لأنّ الله معه وهو يرافقه.