لا يحسن أن يكون آدم وحده

 

هذه الآيات التي نقرأها في سفر التكوين وهو أوّل أسفار الكتاب المقدّس، الذي يتحدّث عن خلق العالم والإنسان، وعن بداية تكوين شعب الإيمان مع إبراهيم، تدلّ على اهتمام الإنسان من حوله وعلى تساؤل حول ظهوره على الأرض. حاولت الحضارات القديمة أن تبحث في نشوء الكون. وقد استفاد الكتاب المقدّس من صورها وتعابيرها بعد أن نقّاها من كلّ ما يعارض عبادة الله الواحد الذي خلق السماوات والأرض بكلمة من فمه.

ماذا فعل الكاتب الملهم؟ انطلق من واقع يراه أمامه: أساس الكون رجل وامرأة. فالرجل لا يقدر أن يكون بدون المرأة ولا المرأة بدون الرجل. وألقى الوحي بنوره، فأفهمنا أنّ الإنسان واحد قبل أن يكون اثنين. وإن هما انفصلا فلكي يجتمعا، فلكي يلتصق الواحد بالآخر التصاقًا لا يفصله سوى الموت. وها نحن نقرأ نصّ الكتاب:

وقال الربّ الإله لس جيّدًا أن يكون آدم وحده. فأصنع له معينًا نظيره. وجبل الربّ الإله من الأرض كلّ حيوانات البريّة وكلّ طيور السماء. فأحضرها إلى آدم ليرى ماذا يدعوها. وكلّ ما دعا به آدم ذات نفس حيّة فهو اسمها. فدعا آدم بأسماء جميع البهائم وطيور السماء وجميع حيوانات البريّة. وأمّا لنفسه فلم يجد معينًا نظيره. فأوقع الربّ الإله سباتًا على آدم فنام. فأخذ واحدة من أضلاعه وملأ مكانها لحمًا. وبنى الربّ الإله الضلع التي أخذها من آدم امرأة وأحضرها إلى آدم. فقال آدم: هذه الآن عظم من عظامي ولحم من لحمي. هذه تدعى امرأة لأنّها من امرئ أخذت. لذلك يترك الرجل أباه وأمّه ويلتصق بامرأته ويكونان جسدًا واحدًا.'' (تكوين 2: 18-24)

1- السياق القريب

يتضمّن سفر التكوين مقطعين يتحدّثان عن الخلق. الأوّل (1: 1-2: 4) هو نشيد يتلوه المؤمن في الهيكل الذي هو كون صغير، فيعطي أمثولة للمؤمنين: خلق الله في ستّة أيّام واستراح في السابع، فعلى الإنسان أن يفعل مثله. أمّا المقطع الثاني (2: 4-25)، فينطلق من الحضارات القديمة ليحدّثنا عن خلق الرجل والمرأة لكي يفلحا الأرض ويزرعاها، لكي يعيشا معًا كما في فردوس ونعيم.

يتضمّن هذا المقطع الثاني ثلاث محطّات: الأولى تشير إلى خلق الأرض، وخلق الإنسان الذي يعمل في الأرض. لهذا سُمّي ''آدم'' نسبة إلى ''أدمة'' (أديم في العربيّة) أو الأرض. أُخذ من الأرض، ويعود إلى الأرض. هو من تراب الأرض ينعشه الله بنسمة الحياة التي نفخها فيه. الثانية تصوّر ''جنّة في عدن'' يهيش فيها الإنسان. أين تقع هذه الجنّة؟ في بلاد الرافدين، بين دجلة والفرات. ولا نعجب من ذلك، وتقاليد الكتاب المقدّس وجدت جذورها هناك. وهذه الجنّة هي في النهاية على الجبل المقدّس، في أورشليم، حيث يقيم الله مع نهر جيحون الذي يجعله حزقيال يخرج من تحت الهيكل فيصل إلى الشرق (47: 1) فيحوّل البحر الميت إلى بحر يعجّ بالأسماك. المحطّة الثالثة تصوّر أوّل عيلة على الأرض: يترك الرجل أباه وأمّه ويتّحد بامرأته فيصير الاثنان جسدًا واحدًا.

2- شرح النصّ

في المقطع الأوّل (1: 36) نسمع كلمة الله. ''وقال الله.'' هذه الكلمة خلقت الإنسان على صورة الله ومثاله. كم هو عظيم. وسيقول فيه المزمور الثامن: نقصته عن الإله قليلاً. أمّا في المقطع الثاني، فنرى الله ''يتمشّى في الجنّة'' مع الإنسان (3: 8). كما نرى الرجل والمرأة. بل بشكل خاصّ المرأة، التي كانت في ذلك الوقت، بعض متاع الرجل ''مع بيته وعبده وجاريته وثوره وحماره'' (الخروج 20: 17).

في الأصل، الإنسان أو الرجل هو وحده. فخلق الله له الحيوانات كي يكونوا معه في خدمته. خلقه كما خلقهم، من تراب الأرض. فالنظرة الأولى التي لا تعرف الخلود، ترى الإنسان يُدفن في الأرض، شأنه شأن الحيوان. هنا نتذكّر سفر الجامعة حيث يقول ذاك الذي لا يعرف مخافة الله ولا يحفظ وصاياه (12: 13): ''كلاهما (الإنسان والبهيمة) من التراب وإلى التراب سيعودان'' (3: 21)

وجاء الله بالحيوانات أمام الإنسان. فاستغرضها كما يستعرض القائد جنوده. بل هو أعطاها اسمًا، فدلّ على الفهم والعقل اللذين يتميّز بهما عن الحيوان. كما دلّ على أنّه سيّدها ومالكها. فكأنّي به أوجدها. لهذا، لا يليق به أن يكون على مستواها. وفي أيّ حال، لا يمكن أن تسدّ فراغ قلبه. الحيوان يساعد الإنسان في حياته اليوميّة، ولكن لا يمكن أن يكون مثيله فيكوّن معه جسدًا واحدًا.

من يكون هذا المثيل؟ المرأة التي يخلقها الربّ للرجل. هو الإيش (الإنسان) وهي الإيشة (الأنثى).

وكيف خلقها الله؟ كان بإمكانه أن يجبلها من تراب الأرض كما جبل الرجل. هذا ما قالت النصوص القديمة في بلاد الرافدين مع السومريّين والبابليّين. ولكن الكاتب الملهم أراد أن يبيّن أن الرجل والمرأة كانا واحدًا من الأصل. المرأة نصف الرجل، ولا يجد حياته إلاّ معها. هما جسد واحد. فإن فصل هذا الجسد بين الرجل والمرأة، لم نعد أمام جسد حيّ بل صرنا أمام جثة هامدة بعد أن ماتت فيها المحبّة.

نام آدم، فأخذ الله ضلعًا من أضلاعه. وبها بنى المرأة. الضلع قرب قلب الإنسان. فإن كان الرجل رأس المرأة، فالمرأة قلب الرجل، وللقلب أهميّة في العالم الساميّ تضاهي الرأس. فالإنسان يفهم بقلبه، ويحبّ بقلبه، ويشعر بقلبه. وسوف يقول بولس في الرسالة الأولى إلى كورنتُس: ''إذا كانت المرأة من الرجل، فالرجل تلده المرأة'' (11: 12). هذا يعني التبادل التامّ على ما نقرأ في الرسالة إلى أفسس: ''ليخضع بعضكم لبعض في مخافة المسيح'' (5: 21)، وليكن خضوع المحبّة والتضحية وبذل الذات.

وتساءل المعلّمون اليهود عن معنى هذه ''العمليّة الجراحيّة'' التي بها استخرج الله المرأة من الرجل. فقالوا: ''لم يأخذ الله عظمًا من رِجل الرجل، لئلاّ تكون المرأة خادمة له، وعند قدميه. ولم يأخذ الله عظمًا من رأس الرجل، لئلاّ يكون هو عند قدميها. بل أخذ من صدره لتكون المرأة قريبة من قلبه ويكون هو قريبًا من قلبها. وستقول الرسالة إلى أفسس: هذا سرّ عظيم (5: 32) حين خُلق الرجل لم يكن أحد معه. وهكذا كان الرجل سرٌّا بالنسبة إلى المرأة. ولمّا كوّنت المرأة، كان الرجل نائمًا، وهذا يعني أنّ المرأة هي أيضًا سرّ بالنسبة إلى الرجل، إلاّ إذا اعتبرها ملبّية حاجاته وخادمة أولاده. ولا نتمنّى لأيّ امرأة أن تكون هكذا فقط، لئلاّ تصبح بمنزلة الجارية الخادمة، لا الشريكة التي لها ما للرجل من حقوق، وعليها ما عليه من واجبات.

وينتهي النصّ بكلام بتعارض من الأعراف البشريّة حيث المرأة تترك اسم عائلتها وبيتها، فتأخذ اسم وعائلة زوجها، وتصبح امرأة فلان، وأم ابنها البكر. ونسمع كلام المزمور (45: 11): ''إنسي شعبك وبيت أبيك''. أمّا سفر التكوين فيقول إنّ الرجل يترك أباه وأمّه يتّحد بامرأته فيصير الاثنان جسدًا واحدًا. وهكذا يصبح الرجل رجلاً ولا يعود قاصرًا بالنسبة إلى أبيه، وطفلاً بالنسبة إلى أمّه. ولا تنتقل المرأة من تحت كنف والديها إلى كنف حميها وحماتها بدون أن تكون لها شخصيّة تلتقي وشخصيّة زوجها في حياة مشتركة لا يعيشها كائن من أجل بناء بيت جديد. حين خلق الربّ المرأة، بناها، بنى بيتها. وهي مع زوجها تواصل العمل.

3- في العهد الجديد

هذا النصّ دوّنه الكاتب الملهم بشكله النهائيّ، في القرن الخامس ق.م. مع تطوّر مفهوم العائلة على ضوء كلام الأنبياء واتّحاد الله بشعبه كالعريس مع عروسه، وعلى ضوء نشيد الأناشيد الذي فيه قالت العروس: ''أنا لحبيبي وحبيبي لي''. هذا النصّ سيستعيده يسوع في معرض ردّه على الفرّيسيّين الذي جاءوا يطرحون عليه سؤالاً حول الطلاق. اعتبروا أوّلاً أنّ للرجل وحده الحقّ في طلب الطلاق واعتبروا أنّه يستطيع الطلاق لأيّ علّة كانت، وقال بعض الشرّاح: إن أحرقت له حساءه، هذا يكفي كي يطلّقها. وإن وجد أجمل من امرأته وأفتى منها، تركها. وهذا أمر يحدث في أيّامنا، ويا للأسف، مع أنّ الربّ رفض ذبيحة شخص خاه عهد امرأة صباه، ونسي أنّ الربّ كان شاهدًا حين اقترنا وتعاهدا على الوفاء.

ماذا كان جواب يسوع؟ عاد إلى البدء، أي إلى سفر التكوين الذي يُسمّى بهذا الاسم في العبريّة. وعاد إلى الخالق الذي لم يخلق الرجل وحده وكأنّه مميّز، بل خلق الرجل والمرأة، الذكر والأنثى. هما متساويان في نظره. وكلاهما على صورته ومثاله، فالرجل وحده ليس صورة الله. والمرأة وحدها ليست صورة الله. فكلاهما صورة الله. وحين يتّحدان يُنجبان الأولاد. يخلقان مع الله.

وصحّح يسوع ما شوّه المعلّمون في النصّ الأصليّ قالوا: يصيرون جسدًا واحدًا. الفعل في صيغة الجمع، واللغة العبريّة لا تعرف المثنّى. وهكذا نبرّر ما فعله داود حين تزوّج النساء العديدات، ونبرّر سليمان. فالرجل يكوّن جسدًا واحدًا مع عدّة نساء. الأفضل أن نقول إنّنا أمام جوارٍ في خدمة الرجل وشهواته. فهل يرضى هو أن يكون للمرأة أزواج عديدون؟ فالوحدة هي بين رجل واحد وامرأة واحدة. لهذا جاء كلام يسوع: ''يصير الإثنان جسدًا واحدًا'' (متّى 19: 5). وأضاف: ''ما جمعه الله لا يفرّقه الإنسان'' (متّى 19: 6). وهكذا شدّد على الزواج الأحاديّ، كما منع الطلاق بطريقة جعل التلاميذ يقولون: ''إذا كانت هذه حال الرجل مع المرأة، فخير له أن لا يتزوّج'' (متّى 19: 10). غير أنّ يسوع رفض قساوة القلوب التي جعلت موسى يسمح للرجل بأن يطلّق امرأته (متّى 19: 7-8) واعتبر أنّ مثل هذا الزواج نعمة يتقبّلها الزوجان من عند الربّ.

خاتمة

حين نعرف المحيط الشرقيّ الذي فيه كُتب هذا النصّ الملهم، نفهم الثورة التي جعلها في قلب المجتمع، ترك ما يقال عن المرأة ''المعتوهة التي هي نخر من عظام الرجل'' (الأمثال 12: 4)، عن ''المرأة النفّاقة التي تحمل معها الكدر'' (21: 19) وتحدّث عن المرأة القديرة (أم 31: 10)، عن المرأة الكاملة. فكانت هذه الصورة المشرقة عن العائلة حيث المرأة بإزاء الرجل، حيث لا رجل ولا امرأة، بعد أن صارت البشريّة كلّها واحدًا في المسيح (غلاطية 3: 28). وهكذا انطلقنا من البدء مع أوّل أسرة بشريّة، لا على مستوى التاريخ، بل على مستوى مخطّط الله. وفي النهاية سنفهم أنّ اتّحاد الرجل بامرأته كاتّحاد المسيح بالكنيسة. إلى هذا المستوى يصل الحبّ بين المرأة والرجل فيكون امتدادًا لحبّ الله الذي هو عيلة، الذي هو آب وابن وروح قدس.