أورشليم المدينة المقدّسة

 

حين نقرأ أسماء مثل مجدّو وحاصور ودان والسامرة، في فلسطين، مع أريحا أولى مدن العالم بجانب جبيل وأوغاريت وإيبلا، نجد أيضًا أورشليم التي يبدو أنّها سُكنت ستة آلاف سنة ق.م. ولكن إن استطعنا أن نقوم بالحفريّات في هذه المدن، لم نقدر أن نفعل الشيء عينه في تلك المدينة التي ذُكرت في النصوص القديمة في ارتباطها بالإله شليم. فالحفريّات شبه مستحيلة في أماكن عديدة بسبب موقع عدد من الأماكن المقدّسة المسيحيّة والإسلاميّة، وبسبب كثافة السكان في المدينة القديمة. ومع ذلك نستطيع أن نرسم خارطة مدينة أورشليم التي سمّاها أشعيا النبيّ المدينة المقدّسة (52: 1)، ع ي ر. ه. ق د ش: مدينة القدس. هو الاسم الذي عُرف للمدينة لدى المسلمين، فكانت القبلة الثالثة بعد مكّة والمدينة. ''استفيقي. استفيقي، إلبس عزّك، يا صهيون. إلبسي ثياب مجدك، يا أورشليم، مدينة القدس''.

هذه المدينة التي حنّ إليها اليهود وهم منفيّون في أرض بابل، فما أرادوا أن ينسوها، فقالوا: ''أطلبوا السلام لأورشليم، قولوا: ليسعد أحبّاؤك، لكنّ السلام في أسوارك والسعادة في قصورك'' (مز 122: 6). هذه المدينة التي يكرّمها المسيحيّون لأنّها موضع بشارة يسوع الأخيرة وصلبه وقيامته. هذه المدينة مهمّة، وكانت كذلك، لا بسبب وزنها السياسيّ، بل وزنها الروحيّ. نودّ أن نتعرّف إليها من خلال النصوص، من خلال الحفريّات التي بدأت في القرن التاسع عشر وبعد احتلال إبراهيم باشا المصريّ للمدينة، مع العالم في الكتاب المقدّس، روبنسون الذي اكتشف نفق حزقيّا (2 مل 20: 20؛ 2 أخ 32: 20) الذي قال فيه ابن سيراخ: ''وحصّن حزقيّا (716-687) مدينته وأدخل الماء إليها، حفر الصخر بأدوات من الحديد، وبنى آبارًا للماء'' (48: 17). واكتشف روبنسون أيضًا السور الثالث الذي بدأ ببنائه هيرودس أغريبا الأوّل. كما اكتشف النبع الواقع عند الزاوية الجنوبيّة الغربيّة للهيكل، فأعطاه حزقيال معنى روحيٌّا حين قال: ''رأيت تحت العتبة مياهًا تجري على طول جانب الهيكل الأمامي، صوب الجنوب، وعبر المذبح إلى الشرق'' (47: 1). ''هذه المياه تخرج نحو الوادي الشرقيّة وتنزل إلى الأردن. وعندما تصبّ في مياه البحر الميت، تحوّلها إلى مياه عذبة'' (آ 8). هذه المياه هي ينبوع تطهير لبيت داود وسكّان أورشليم من الخطيئة والنجاسة'' كما قال النبيّ زكريّا (13: 1).

1- اسم المدينة وموقعها

أوّل(1) نصّ مكتوب عن اسم أورشليم، القدس، نقرأه في النصوص المصريّة التي وُجدت في تل العمارنة في القرن الرابع عشر. هذه النصوص تعود إلى السلالة الثانية عشرة، خلال القرنين التاسع عشر والثامن عشر. أ و ش ل م م (أ و ش ل م م) في المصري. وفي الأكاديّ ''أوروشليم''. قلبت اللام إلى راء، كما قال العلماء(2)، قُرئ الاسم في مراسلات بين ملك أورشليم عبدي حبا (أو عبدي حافه، هو اسم صوريّ) والفرعون أمينوفيس الرابع (أو أخناتون). ماذا تقول هذه الرسالة (290 بين رسائل تل العمارنة)؟ أخبر الملك الخاضع لسلطة مصر أنّ ''ب ي ت. ش ل م ن''، عاصمة منطقة أورشليم، ارتدّت عن طاعته. و''بيت شلمن'' التي سيقابلها ''ب ي ت. ي ه و ه'' (بيت الربّ) في هو 8: 1؛ 9: 8، 15؛ إر 12: 7) هي معبد الإله الوطنيّ، كما هي اسم المدينة(3).

ما هو أصل الاسم؟ هو مؤلّف من مقطعين: ''ي ره'': أسّس. ثم ''ش ل م'' الذي هو اسم إله، عُرف في النصوص منذ النصف الأوّل للألف الثاني ق.م. أوروسليم تعني: تأسيس شليم(4). فهذا الإله اتّخذ طابعًا شاملاً لدى الأموريّين (قبائل قديمة أقامت في فلسطين، في الألف الثالث). هو ''العليّ''. ''خالق السماء والأرض''. هكذا ورد في نصوص أوغاريت (نصوص الشرق القديم). وهكذا دعاه ملكيصادق حين استقبل إبراهيم بعد حرب مع الملوك (تك 14: 18ي). فرأى إبراهيم في هذا الإله ذاك الذي دعاه ليترك أرضه وعشيرته وبيت أبيه (تك 12: 1). في القسم الثاني من الألف الثاني، كانت تأثيرات جديدة حوّلت ''ش ل م ن'' إلى ''ش ل ي م''، ولكنّ المدينة حافظت على اسمها على مرّ العصور، وما عُرفت باسم يبّوس إلاّ في حقبة محدّدة، وذلك حين أقامت فيها قبيلة ارتبطت بالكنعانيّين(5).

منذ احتلّ داود المدينة، وجب عليه أن يبدّل الاسم(6) بحيث يزول الأصل الوثنيّ. لم تعد ''تأسيس شليم'' بل ''مدينة داود'' (2 صم 5: 9). نشير هنا إلى أنّ اسم المدينة وُجد محفورًا على عدد من الجرار تعود إلى القرنين السادس أو الخامس ق.م. ''ي رو ش ل م''. هي ''المدينة'' (ه ع ي ر) على مثال أور، الواقعة قرب البصرة في العراق، أي المدينة. وقد دعاه أش 29: 1: أريئيل أي مدينة إيل (الله)، ليلغي ارتباطها بالإله ''شليم''.

يتضمّن سفر يشوع (10: 1-4) أوّل ذكر صريح لأورشليم (ي ر و ش ل م). ملكها هو أدوني صادق، الذي كوّن حلفًا ليقف في وجه يشوع. انتصر يشوع ولكنّه لم يأخذ المدينة. فداود هو الذي يحتلّها (2 صم 5: 6-7) ويجعلها عاصمة المملكة، لأنّها محايدة، فلا تقع في هذه القبيلة ولا في تلك.

وتماهى اسم أورشليم مع يبّوس في سفر يشوع: ''يبّوس وهي أورشليم'' (15: 8؛ رج 18: 28) وفي سفر القضاة حيث نقرأ عن لاوي جبعة: ''وانصرف حتّى وصل إلى قبالة يبّوس التي هي أورشليم'' (19: 10؛ رج 1 أخ 11: 4-5).

وكانت صهيون أيضًا اسم أورشليم. وهو يرد قرابة 150 مرّة في العهد القديم. في العبريّ: ص ي و ن الذي يعود إلى صان: حمى. في الأصل، صهيون هي التلّة المقدّسة التي بُني عليها الهيكل وقصر الملك. إذا عدنا إلى العهد البيزنطيّ، نفهم أنّ صهيون هي التلّة الواقعة إلى الجنوب الغربيّ من المدينة القديمة.

وماذا عن موقع المدينة(7)؟ تقع على تلّتين ترتفعان قرابة 800 متر فوق سطح البحر. تتاخمها بريّة يهوذا، بحيث تبتعد عن الطرق الرئيسيّة. وهكذا تميّزت عن السامرة التي كانت عاصمة القسم الشماليّ من فلسطين، عاصمة إسرائيل. أحاطت بها التلال من ثلاث جهات، فصعب اقتحامها. ولكن هذه السمات الطبيعيّة كانت لها عائقًا على مستوى التجارة، بعد أن تكوّنت المراكز الكبرى على الشاطئ، لا على رأس التلّة(8).

أورشليم اليبّوسيّة ومدينة داود كانت مدينة صغيرة، شرقيّ تلّة أورشليم. لم تتعدَّ مساحتها 1500 متر مربّع. أمّا السور فيعود إلى القرن الحادي عشر ق.م. في ذلك الوقت لم يكن عدد السكّان يتجاوز الألف نسمة(9). مع داود، اتّسعت المدينة لألفي نسمة بل تضاعفت مساحتها ثلاث مرّات فوصل عدد السكّان إلى 5000 نسمة. ومع الملك حزقيّا، صارت المدينة تعدّ قرابة 25000 نسمة، مع 12500 متر مربّع (125 آر). بعد سقوط أورشليم تراجع عدد السكّان إلى 4500 نسمة. أمّا الحقبة القديمة التي فيها ازدهرت المدينة، فهي الحقبة الحشمونيّة (بدأت في القرن الثاني ق.م). امتدّت المدينة إلى 250 آر مع 40000 نفس. وسوف تتضاعف أورشليم في أيّام الرومان سكّانًا ومساحة. وحين دخل العرب إلى أورشليم، كان قرابة 50000 – 60000 شخص يقيمون في المدينة بأسقفها صفرونيوس.

أوّل موقع للمدينة هو ''عوفل'' فوق نبع جيحون، حيث وُجدت فخّاريّات تعود إلى الحقبة الكلكوليتيّة (أي الانتقال من العصر الحجريّ إلى العصر البرونزيّ)، حوالي سنة 3500 ق.م. وما بقي من بناء يعود إلى البرونز الأوّل والبرونز الثاني (3000-2800). وقد اكتشفت كنيوس، الباحثة الأميركيّة، السور اليبّوسيّ والبرج المحاذي له. ولبث نبع جيحون خارج الأسوار. ولكنّه سوف يدخل فيها فيما بعد.(10)

في الأصل، كانت شعوب محليّة، أصليّة، وُلدت في الأرض. وذلك في إطار سكن واسع امتدّ من سهل البقاع فوصل إلى البحر الميت(11). يبدو أنّ الحقبة الرابعة في تكوين الأرض، أي حقبة ذوبان الثلوج لم تؤثّر على السكّان بسبب المناخ الحار. فأقام السكّان، لا في المغاور، بل في العراء، أو في خيام من أغصان الأشجار وجلود الحيوانات. واعتاشوا من الصيد البرّيّ والبحريّ ومن القطاف، وذلك قبل استنباط الزراعة، ولا سيّما القمح الذي سوف يأتي من بلاد الرافدين مع الحقبة السومريّة. وهكذا لم يُوجد في ذلك الوقت سوى أدوات مصنوعة من الصوّان.

ولكنّ هؤلاء السكّان الأصليّين حلّ محلّهم شيئًا فشيئًا العنصر الساميّ، منذ بداية الألف الرابع. مع سلاح مصنوع من المعادن، لا من الحجر أو الخشب. وممّا اكتشفه ''باركر'' وفريقه بين سنة 1909 و1911، سلسلة من الفخّاريّات في المدافن وذلك على تلّة الضبّورة (عوفل) والكميّة الكبيرة من هذه الموجودات دفعت العلماء إلى الكلام عن عدد كبير من السكّان.(12)

وجاء التحرّك السكّانيّ في نهاية الألف الثالث فترك بصماته في مدينة أورشليم(13) امتدّت المدينة خارج حدودها الأولى، فوصلت إلى الشمال. بسبب ما وُجد من شقفات خزف، تجعل زمن البناء في الحقبة الأولى من البرونز الثاني (حوالي 1800) أو بين القرن 18 – 16 ق.م.

وسقطت أورشليم بيد الحثّيين في القرن الرابع عشر مع أمير ذكرنا اسمه، هو أبو حافّه الذي كتب إلى أمينوفيس الرابع.

 

2- أورشليم على مدّ التاريخ

بعد هذه النظرة إلى أورشليم، إلى اسمها وموقعها، وتاريخها القديم القديم، نعود إلى الكتاب المقدّس، في عهده القديم، فنرافق هذه المدينة المقدّسة من مرحلة إلى مرحلة.

* في القرن الثالث عشر ق.م، يبدو أنّ جيش يشوع عبر الأردنّ وقام بحملتين صاعقتين، إذا نحن استندنا إلى ما قاله سفر يشوع في ف 10-11. فبقي على كلّ قبيلة أن تأخذ ''حصّتها'' من الأرض. أمّا أورشليم فوقعت بين قبيلة يهوذا وقبيلة بنيامين. تنطلق المدينة من عين روجل (بئر أيّوب) عبر وادي هنّوم، فتسير بمؤازاة وادي الرفائيم. جاءت أورشليم حيث أقامت قبيلة بنيامين (يش 18: 28). ولكن نقرأ في يش 15: 63: ''وأمّا اليبّوسيّون سكّان أورشليم، فلم يقدر بنو يهوذا على طردهم. فأقام اليبّوسيّون مع بني يهوذا إلى هذا اليوم''. وفي الواقع، حين يأخذ داود المدينة، أبقى على كاهنها صادوق مع كاهنه أبياتار. ومع سليمان، سوف يختفي أبياتار ولن يبقى من كهنوت شرعيّ سوى أبناء صادوق.

* مع داود، صارت أورشليم المملكة السياسيّة والدينيّة والإداريّة للمملكة، بعد أن احتلّها مع جيشه المرتزق. لا نعرف كيف احتلّ داود المدينة. ولكنّه شرع حالاً يوسّعها في اتّجاه الشمال نحو جبل الهيكل. وكان للملك موطّفون إداريّون يُذكرون في 2صم 8: 15-18: يوآب قائد الجيش، صادوق وأبيمالك بن أبياتار كاهنان. سرايا كاتب في الديوان. جدّد داود الأبنية في المدينة، وبنى لنفسه قصرًا بمساعدة رجال حيرام، ملك صور. وفي النهاية، نقل تابوت العهد (2صم 6: 1ي) فكرّس الطابع السياسيّ والدينيّ للعاصمة الفتيّة، ووحّد القبائل حول المعبد. بل هو أراد أن يبني هيكلاً في عاصمته. ولكن يبدو أنّ المنيّة وافته قبل أن يحقّق قصده.

* في عهد سليمان، توسّعت أورشليم توسّعًا كبيرًا. لن نتحدّث هنا عن الهيكل. بل نشير فقط إلى أنّ ظهورًا إلهيٌّا على بيدر أرنان اليبوسيّ بيّن لداود موضع البناء (1 أخ 21: 15). ابتعد هذا الموضع قرابة 350 مترًا إلى الشمال من القلعة القديمة. كان هيكل سليمان وضيعًا: طوله ثلاثون مترًا، عرضه عشرة أمتار. ارتفاعه خمسة عشر مترًا(14). ما يقابل هذا الهيكل، اكتُشف سنة 1930 وما بعد، في تلّ تينات في وادي عميق، في سورية. هو معبد يعود إلى القرن الثامن ويتضمّن غرفة طويلة مع ثلاثة أقسام كما هو الحال في هيكل سليمان. هذا الهيكل الذي كان المعبد الملكيّ والمقام الوطنيّ، عكس الفن الفينيقيّ على مستوى البناء كما على مستوى اللاهوت. لجأ سليمان إلى حيرام ملك صور الذي قدَّم العمّال والمواد (1 مل 5: 1ي؛ 2 أخ 2: 1ي).

وبنى سليمان أيضًا مدفنًا ملكيٌّا لأبيه داود. ونظّم التجهيزات المائيّة من أجل الاستفادة من نبع جيحون. ويبدو أنّه كانت حدائق ذكرها سفر الجامعة: ''فقمتُ (أنا سليمان) بأعمال عظيمة: بنيتُ لي بيوتًا وغرستُ لي كرومًا. أنشأتُ لي جنائن وبساتين وغرستُ فيها أشجارًا من كلّ ثمر. صنعتُ لي برك ماءٍ لأسقي الغياض النامية للأشجار'' (2: 4-6).(15)

* في أيّام ملوك يهوذا، لا تُتيحُ لنا الأسفار المقدّسة أن نتصوّر توسّع المدينة. ولكنّنا نستشفّ بعض الشيء من خلال إشارات لطيفة. وبشكل عام، نمت المدينة بسرعة بسبب التركيز الإداريّ والدينيّ في المدينة وحول الهيكل، ولا سيّما في أعياد الحجّ الثلاثة، الفصح والعنصرة والمظالّ حيث يتزايد عددُ السكّان تزايدًا كبيرًا. ففي عهد أمصيا، مثلاً، في بداية القرن الثامن، وُجد سور إلى جهة الشمال هدمه يوآش، ملك إسرائيل، من باب أفرايم إلى باب الزاوية، على أربع مئة ذراع (2 مل 14: 3؛ 2 أخ 25: 23). وبعد قت قليل، حصّن عزيّا الأسوار، فبنى أبراجًا عند باب الزاوية وباب الوادي (2 أخ 26: 9) ووضع المنجنيقات على الأبراج (آ 15). وقام خلفه يوتام بإصلاحات عديدة، وبعناصر دفاع حول عوفل (2 أخ 27: 3). ولمّا أطلّ الخطرُ الأشوريّ، جدّد حزقيّا الأسوار، ومنع العدوّ من أيّ وصول إلى الماء، وأصلح ملو (من ملأ في العربيّة) الذي هو ردمٌ جعله سليمان بين المدينة والتلّة الصخريّة التي عليها بُني الهيكل (1 مل 9: 15، 24؛ 11: 27)، وبنى سورًا خارجيٌّا جديدًا (2 أخ 32: 2-5) ليحمي الحيَّ الجديد الذي امتدّ غربيّ الهيكل في وادي تيروفيون الذي يتّصل بوادي قدرون (2صم 15: 23؛ يو 18: 1). لهذا دُعي هذا السور ''المدينة الثانية'' (ع ي ر. م ش ن ه، 2 مل 22: 14؛ 2 أخ 34: 22؛ نح 11: 14). وأكمل منسّى (687-642) هذه التحصينات في منطقة عوفل وعلى جبهتَي الهيكل الشرقيّة والشماليّة، ''حتّى باب السمك'' (2 أخ 33: 14).

سنة 587 ق.م، هجم هيش نبوخذنصّر الكلدانيّ. دخل المدينة، سلبها، وأشعل فيها النار وهدم أسوارها (2مل 25؛ 2 أخ 36: 17ي): ''جاء نبوزردان قائد حرسه (= نبوخذنصّر) وكبير حاشيته إلى أورشليم، وأحرق فيها هيكل الربّ وقصر الملك وجميع بيوت الأشراف، وهدم جنودُه كلَّ أسوارها''. رأى إرميا كلّ ذلك، فسيطر الحزن على قلبه. ولكن في يوم من الأيّام استنارت عيناه فرأى الفجر الذي يبشّر بقيامة ساطعة: ''وستأتي أيّام تُبنى فيها مدينة الربّ أورشليم، من برج حنتئيل إلى باب الزاوية... ويكون كلُّ وادي الجثث... موضعًا مقدّسًا للربّ، فلا يُقلَع ولا يُهدم إلى الأبد'' (إر 31: 38-40).

* ذكر يوسيفوس في كتابه ''الحرب اليهوديّة'' ثلاثة أسوار. الأوّل يبدأ في الشمال ويصل إلى بداية الهيكل. ومن الجهة الثانية، في الغرب يمتدّ إلى باب الأسيانيّين. ثمّ يتّجه إلى الجنوب حتّى عين شيلوحا، ويعود نحو الشرق باتّجاه حوض سليمان إلى عوفل وباب الهيكل الشرقي'' (الحرب 5/4: 2). تابع هذا السور طبيعة الأرض، فصعُب اقتحامُه بسبب الوديان التي تحيط به من الغرب والجنوب والشرق.

وانطلق السور الثاني من باب الجنّات الذي يخصّ السور الأوّل، غطّى المنطقة الشماليّة وتوسّع إلى قلعة أنطونيا (الحرب 5/4: 2). وانطلق السور الثالث من البرج تيبيكوس، وامتدّ من هناك إلى الشمال حتّى برج بسيفينا، ووصل إلى ضريح هلّينة، ملكة حدياب (على الفرات).

* الحقبة الفارسيّة. بعد أن احتلّ كورش بابلونية سنة 539 ق.م، سمح سكّان يهوذا بأن يعودوا إلى أرضهم. كما سمح لهم بإعادة بناء الهيكل. وصارت مملكة يهوذا ''يهودا'' (= اليهوديّة)، مقاطعة فارسيّة. فما عاد لأورشليم من دور سياسيّ، بل دور دينيّ وحسب برعاية عظيم الكهنة. وبدأ العمل منذ سنة 520 في بناء الهيكل بتشجيع من حجّاي وزكريّا. قال الشعب: ما حان بعدُ وقتُ بناء بيت الربّ (حج 1: 2). ''فكانت كلمة الربّ على لسان حجّاي النبيّ، قال: كيف لكم أن تسكنوا في بيوتكم المسقّفة، فيما بيت الربّ هذا خرب'' (آ 3-4)؟

في البداية، خضعت أورشليم للسامرة. ومع نحميا، صارت عاصمة يهودا (اليهوديّة) الإداريّة والدينيّة. صار نحميا حاكم المدينة بعد أن أرسله أرتحششتا (465-425). وصل إلى أورشليم سنة 445، وشرع في بناء الأسوار. عارضه سنبلط السامريّ وطوبيّا العمّونيّ وجاشم العربيّ (نح 2: 19؛ 4: 7). خلال 52 يومًا، لم يعُد من ثغرات (نح 6: 15). ولكن أكّد يوسيفوس أنّ العمل امتدّ سنتين وأربعة أشهر (العاديات 11/5: 8). ما أعادوا بناء المدينة العليا، بل حصروا عملهم في مدينة داود وجبل الهيكل. لم يبقَ آثار أركيولوجيّة من الزمن الفارسيّ(16) سوى القليل فدلّت على مدينة صغيرة لا يقطنها الشعب العديد. وسيعمل نحميا على جلب الناس ليُقيموا في أورشليم. ''فبارك الشعبُ جميع الذين قدّموا أنفسهم طوعًا ليسكنوا في أورشليم'' (نح 11: 2).

* الحقبة الهلّينيّة. انتهت الحقبة الفارسيّة، حين احتلّ الإسكندر الكبير أورشليم سنة 332. وامتدّت هذه الحقبة حتّى مجيء بومبيوس الرومانيّ سنة 63 ق.م. في ذلك الوقت، انحصرت أورشليم في المدينة السفلى، فضمّت جبل الهيكل ومدينة داود. ودلّت الحفريّات أنّ كثافة السكّان كانت كبيرة. ولمّا انقسمت مملكة الإسكندر بعد موته سنة 323 ق.م، كانت يهودا بين بطالسة مصر والسلوقيّين في أنطاكية. سنة 320، احتلّ بطليموس الأوّل أورشليم فنعمت فلسطين خلال قرن من الزمن (301-200) بالسلام والازدهار. لم يكن لأورشليم دور سياسيّ، بل كانت المركز الإداريّ في يهودا. ولعب هيكل أورشليم بكهنته دورًا كبيرًا كمركز للحياة الدينيّة والاجتماعيّة. وأشرف عظيم الكهنة على الأمور الدينيّة والإداريّة بحيث كان المتكلّم باسم شعبه مع الدولة الحاكمة. وهذا الوضع لا نزال نراه في عالمنا العربيّ. ولا سيّما في أيّام الحكم العثمانيّ حيث بطريرك الطائفة يمثّل الطائفة لدى الباب العالي، فيأخذ الموافقة على سلطته من يد السلطة السياسيّة. أمّا الآثار الأدبيّة والأركيولوجيّة فلا تعطينا سوى القليل عن الفترة الهلّينيّة.

وتغلّب أنطيوخس الثالث الكبير على بطليموس الخامس أبيفانيوس، وضمّ فلسطين إلى مملكته سلوقية (208-198) التي حكمت البلاد. وتسامحت مع السكّان، فقدّمت المساعدات الماديّة لإعادة بناء الهيكل وإصلاحه. وكان عظيم الكهنة حاكمَ أورشليم ويهودا، وخضع الشعب لشريعة موسى. وأعفيَ اليهود من الضرائب خلال ثلاث سنوات. ونشير هنا إلى أنّ البطالسة ولا السلوقيّين فرضوا على اليهود طريقة حياتهم. غير أنّ اليهود انقسموا بين محبّذ للحركة الهلّينيّة ورافض لها. فياسون (يشوع) الكاهن الأعظم حوّل المدينة اليهوديّة إلى مدينة هلّينيّة، ولا سيّما القسم الأعلى الذي تُرك في زمن نحميا. لسنا فقط أمام مدينة جديدة بل أمام وضع قانونيّ جديد.(17) بنى ياسون الملعب الرياضيّ (جمنازيوم) المكرّس للإلهَين هرمس وهرقلس. وبواسطة هذا الملعب، دخلت العادات الوثنيّة، فانقسم الناس بين آتين إلى الجمنازيوم وحاجّين إلى الهيكل.

وتابع أنطيوخس الرابع الحركة الهلّينيّة. فهدم أسوار أورشليم (1مك 1: 31) وبنى قلعة لجنوده (يوسيفوس، العاديات 12/5: 4)، في أرشليم السفلى، كما قال يوسيفوس، بجانب الهيكل قرب أبواب حلدة.(18)

* وانطلق الحشمونيّون من عظيم الكهنة الذي كان الملك في الوقت عينه، من عائلة متتيا فحكموا البلاد من سنة 142 إلى سنة 63 ق.م، فجعلوا من أورشليم العاصمة الدينيّة والسياسيّة والاقتصاديّة. نعمت المدينة بالازدهار، وعرفت الأمان في أسوار جديدة وضمّت السلالةُ الجديدة المدينةَ العليا إلى جبل الهيكل بواسطة جسر يقطع وادي تيروفيون. اكتشف المنقّبون بقايا هذا الجسر بمحاذاة الحائط الغربيّ لجبل الهيكل. وبنى الحشمونيّون أيضًا قلعة دعوها بَريس للدفاع عن الجهة الشماليّة للهيكل. ولكن لمّا وصل بومبيوس، احتلّ المدينة العليا، ودخل قدس الأقداس، ودمّر أسوار أورشليم، ولكن لبث الحكم في يد الحشمونيّين بحماية رومة، حتّى مجيء هيرودس الكبير سنة 37 ق.م.

* حقبة هيرودس. حين وُلد يسوع في نهاية حكم هيرودس، كانت أورشليم عاصمة اليهوديّة التي كانت جزءًا من مقاطعة سورية الرومانيّة. وكان هيرودس خاضعًا لرومة. كان حكمه الذي دام ثلاثًا وثلاثين سنة، فترة ازدهار كبير على المستوى الاقتصاديّ كما على المستوى البنائيّ. وعرفت المدينة العليا أوجّها مع إقامة الطبقة الغنيّة فيها، وتُركت المدينة السفلى للفقراء. أمّا الغنى فجاء المدينة من مشاريع هيرودس ومن ضريبة النصف الشاقَل التي تُرسلها الجماعات إلى الهيكل، من كلّ أنحاء العالم.

* قام أبيغاد (حاشية 16) بالحفريّات في المدينة العليا، فاكتشف مساكن أرستوقراطيّة، مع طابقين أو ثلاثة طوابق مع الرسوم في الجصّ. وكانت الفخاريّة برسومها، من أفضل الأنواع، مع الطاولات والأطباق والجرار، ممّا دلّ على الغنى في الحقبة الهيروديّة. أعاد هيرودس بناء الهيكل، وسّعه، جمّله. بدأ العمل سنة 20 ق.م، ودشّن الموضع سنة 10 ق.م، وامتدّ العمل حتّى سنة 63 ب.م. قال يسوع: ''اهدموا هذا الهيكل، وأنا أبنيه في ثلاثة أيّام'' (يو 2: 19). فأجاب اليهود: ''بُني هذا الهيكل في ستٍ وأربعين سنة'' (آ 20). هذا يعني أنّنا سنة 27-28ب.م. غير أنّ البناء لم يكن انتهى بعد (يوسيفوس، العاديات 15: 380). وافتخر اليهود بهيكلهم ''فوجّهوا نظر يسوع'' وقالوا له: ''يا معلّم، أنظر ما أروع هذه الحجارة وهذه الأبنية'' (مر 13: 1). بعدما نظر يسوع إلى الأبنية العظيمة، أعلن أنّها لن يبقى منها حجر على حجر'' (آ 2).

كان طولُ هذا المعبد الضخم 446 مترًا من الشمال إلى الجنوب، وعرضه 296 مترًا من الشرق إلى الغرب. وضاعف هيرودس الساحات مع جدران دعم لا تزال آثارها حاضرة إلى اليوم. وهكذا كانت مساحة الساحة 144000 متر مربّع. لم يبقَ الآن شيء من هذا الهيكل، كما لم يبقَ من قصر هيرودس مع القلعة، الذي تراوح طوله بين 300 و350 مترًا، وكان عرضه 60 مترًا.

في زمن هيرودس، كانت أسوار المدينة تحيط بصهيون، بتلّة عوفل، بالإضافة إلى المنطقة الجنوبيّة من المدينة القديمة كما تبدو في وقتنا الحاضر. تحدّث يوسيفوس (الحرب 5: 4) عن ثلاثة أسوار. الأوّل، في الداخل، يعود إلى الحقبة الحشمونيّة. وانطلق السور الثاني من القلعة فوصل إلى باب دمشق وقلعة أنطونيا، عند زاوية الهيكل الشماليّة الغربيّة، وبني السور الثالث لحماية الجهة الشماليّة من أورشليم مع تسعين برجًا، بهمّة هيرودس أغريبّا (41-44 ب.م). ولكن خاف أن يزيد التحصينات فتتّهمه رومة بمحاولة الثورة والاستقلال عنها.

ولكن دمّرت أورشليم وأحرق الهيكل سنة 70. هاجم تيطس المدينة من الجهة الشماليّة فسقطت أوّلاً المدينة السفلى، ثمّ المدينة العليا. ولمّا أعاد هدريانس، الإمبراطور الرومانيّ، بناء المدينة بدّل اسمها فصارت ''أياليا'' (اسمه أياليوس) كابيتلونيا (نسبة إلى الكابيتول حيث يُعبد جوبيتر وجوفون ومينرفا، المثلّث الإلهيّ) وبنى هيكلاً إكرامًا لجوبيتر على جبل الهيكل. وشيّد أيضًا، حيث تقوم اليوم كنيسة القيامة، هيكلاً للإلاهة الرومانيّة أفروديت.(20)

 

3- بعض المعالم القديمة في أورشليم

كانت مسرتنا طويلة في رفقة أورشليم. منذ الألف السادس ق.م حتّى القرن الثاني ب.م، كان بالإمكان أن نتحدّث عن الحقبة البيزنطيّة وبناء كنيسة القيامة بشكل خاصّ، والحقبة العربيّة مع استلام المدينة للخليفة عمر سنة 638 وبناء قبّة الصخرة والجامع الأقصى. اضطهد الفاطميّون اليهود والمسيحيّين، ودمّروا المعالم المسيحيّة ولا سيّما كنيسة القيامة. وبعد الصليبيّين جاء العرب مع صلاح الدين الأيّوبيّ، بانتظار سيطرة العثمانيّين على المدينة سنة 1517 بعد أن دخلوها. رمّموا الأسوار، بنوا الأبواب السبعة كما تُعرف اليوم.

إنّما نودّ في هذا القسم الثالث، أن نتوقّف عند بعض المعالم القديمة في أورشليم.

* أنطونيا: قصر وقلعة. بناهما الملك هيرودس الكبير حيث كانت القلعة القديمة التي دُعيت البيرة (ه. ب ي ر ه)(21). رج نح 2: 8 والكلام عن أبواب القلعة، 7: 2 والكلام عن قائد القلعة. أمّا لماذا سُمّيت أنطونيا. فتيمّنا بأنطونيوس مزاحم أوكتافيوس عشيق كليوباترا. فأنطونيوس هذا جعل هيرودس على عرش اليهوديّة.

وقعت هذه القلعة عند الزاوية الشماليّة الغربيّة لحائط الهيكل. وقد توخّت أن تراقب ساحة الهيكل وقمع كلّ تمرّد في المكان. خلال الاحتلال الرومانيّ، كانت مركزًا مستمرٌّا كحامية مهمّتها حراسة رواق الهيكل. هذا ما نقرأه في سفر الأعمال حين هاجت المدينة كلّها تجمّع الناس على بولس وأمسكوه وجرّوه خارج الهيكل'' (أع 21: 30). عند ذاك ''سمع قائد الحامية الرومانيّة أنّ أورشليم كلّها في هيجان، فأخذ في الحال جنودًا وضبّاطًا'' (آ 31-32). وحين صاح اليهود بأصواتهم: ''أزيلوا هذا الرجل''. أمر ''قائد الحامية بأن يُدخلوا بولس إلى القلعة'' (أع 22: 24).

يبدو أنّ بيلاطس كان يقيم في تلك القلعة حين يأتي إلى أورشليم، حين أتوا بيسوع إليه. قد نكون هنا في ''جباتا'' (أو: غباتا حسب اليونانيّ): المرتفع كما في اللغة الآراميّة (الجبهة في العربيّة. دُعي في اليونانيّة ''ليتوستروتوس'') أي البلاط ببلاط حجريّ (ليتوس) خاصّ. قال يو 19: 13: ''فلمّا سمع بيلاطس هذا الكلام، أخرج يسوع وجلس على كرسيّ القضاء في موضع يُسمّى ''البلاط''. وبالعبريّة (أو الآراميّة) جباتا''. وهناك علماء(22) يظنّون أنّهم اكتشفوا الرواق الداخليّ لقلعة أنطونيا وهو يقع في دير راهبات صهيون ودير الجلد. إنّه يمتدّ على 2600 متر مربع. ورأوا أيضًا ''دار الولاية''(23) في قلعة أنطونيا. فالإنجيل يتكلّم أكثر من مرّة عن ''القصر''، عن موضع إقامة الوالي (يو 18: 28، 33؛ 19: 9). والذين جعلوا دار الولاية في قصر هيرودس القديم، يرون أن ''جباتا'' هو موضع ذاك القصر، وأنّ الساحة أمامه كانت مبلّطة. فدُعيت ليتوستروتوس.

 

* بيت زاتا. بيت الزيت أو الزيتون. هي ترتبط بما نقرأ في يوسيفوس، الحرب اليهوديّة، 2: 328، 530؛ 5: 149، 151، 246) وفي 1 مك 7: 19: ''وبعد ذلك، رحل بكيديس (= صديق الملك أنطيوخس الرابع) عن أورشليم، وعسكر ببيت زيت أو ''بيت زيتا'' التي تبعد 6 كلم عن أورشليم، وشمالي بيت صور. دلّت الحفريّات هناك على بئر بدرجات سلّم. وهي اليوم حيّ من أحياء شمال أورشليم – القدس. بما أنّ هذا الموضع قريب من بيت صور، اعتبره بعضهم بيت صيدا التي هي في الواقع عند بحيرة طبريّة.(24)

دُعيت أيضًا بيت حسدا، بيت اللطف والرحمة. هي بركة تقع قرب باب الغنم، في أورشليم، شماليّ الهيكل. في يو 5: 1-18، هذا المكان هو مسرح شفاء مخلّع. ''وكان هناك رجل مريض منذ ثماني وثلاثين سنة. فلمّا رآه يسوع مستلقيًا، عرف أنّ له مدّة طويلة على هذه الحال، فقال له: ''أتريد أن تُشفى'' (آ 5-6)؟

وصف كيرلّس، أسقف أورشليم، وتيودورس، أسقف المصيصة، هذه البركة منذ القرن الرابع، على ما قال الإنجيل: ''بركة لها خمسة أروقة''. تمّت حفريّات سنة 1888 فأكّدت الوصف المعطى: أحاط بالبركة أربعة أروقة، وقُسّمت إلى حوضين، يفصلها رواق خامس، وفي الجوار، وُجدت أحواض أخرى، أصغر حجمًا. كانت كلّها تُملأ بحسب الحاجة، وكانت الماء تفور، فاشتهرت هذه البركة أنّها تحمل الشفاء بمياهها. ولكن يُشفى فقط ذاك الذي يسبق الآخرين إلى الماء (يو 5: 7).

* يبدو أنّ هذا المكان كان في الأصل مركز عبادة إله وثنيّ يحمل الشفاء. منذ القرن الثاني ق.م. ويمكن أن يكون خبر الشفاء بتحرّك الماء من بقايا عادات العالم الوثنيّ. لهذا سقط يو 5: 3-4 من عدد من المخطوطات، هذا مع العلم أنّه لم يعد من وجود لإله شاف، مثل سرابيس أو غيره. فالنصّ أحلّ محلّه الملاك الذي ينزل إلى البركة ويحرّك الماء. حلّ هنا كنيسة بيزنطيّة. ولمّا جاء الفرنج بنوا فوقها كنيسة ذات فنّ رومانيّ وكرّسوها للقدّيسة حنّة، والدة العذراء مريم. في هذا المكان يقيم اليوم الآباء البيض، الذين رافقوا الإكليروس الملكيّ في تربيته اللاهوتيّة حتّى سنة 1967.(25)

* الجلجثة. في الآراميّة ''ج ل ج ل ت ا''. من هنا، قيل في العربيّة: الجلجلة. ثمّ الجمجمة. في السريانيّة: ج ج و ل ت ا: ما هو في شكل دائريّ. ذُكرت ''الجمجمة'' ( ه. ج ل ج ل ت) في 2 مل 9: 36، في معرض الكلام عن إيزابيل الملكة، زوجة أخاب: فذهبوا ليدفنوها، فلم يجدوا منها إلاّ جمجمتها ورجليها ويديها''.

نقرأ في إنجيل متّى (27: 33): ''ولمّا وصلوا إلى المكان الذي يقال له الجلجثة (في اليونانيّ ) أي موضع الجمجمة، أعطوه خمرًا''. ونقرأ الشيء عينه في مر 15: 22 (رج لو 23: 33؛ يو 19: 17). على الجلجلة صُلب يسوع. وهو مكان نجهل اسمه. ارتبط بالجمجمة بسبب شكله. أمّا أوريجانس، فربطه بجمجمة آدم: انتقل آدم وحواء من مكان إلى مكان، وفي النهاية دُفنا حيث صُلب يسوع. فسال دمه عليهما. وبالتالي على البشريّة جمعاء. وقال إيرونيموس، مترجم النسخة اللاتينيّة الشعبيّة للكتاب المقدّس: هناك كان يُصلب الأشخاص الذين يتمرّدون على الحكم الرومانيّ. وهناك كانوا يُدفنون، لهذا وُجدت الجماجم وهي أمتن ما في الجسم البشريّ.

وقعت الجلجلة خارج أسوار أورشليم كما قال يوحنّا: ''لأنّ المكان الذي صلبوا فيه يسوع، كان قريبًا من المدينة''. وقالت الرسالة إلى العبرانيّين: ''ولذلك مات يسوع خارج المدينة، ليقدّس الشعب بدمه'' (13: 12). هناك المعنى الطبيعيّ حيث الجلجثة تلّة من تلال أورشليم. والمعنى الروحيّ الذي يرتبط بعيد التكفير: كما أنّ الذبيحة كانت تحمل خطايا الشعب وتمضى إلى الصحراء، إذن تخرج من المدينة لئلاّ تنجّسها، كذلك يسوع الذي صار خطيئة عنّا (2 كور 5: 21) صُلب خارج المدينة.

منذ الإمبراطور قسطنطين، حُدّد موقع الجلجلة حيث تقوم الآن كنيسة القبر المقدّس، كنيسة القيامة. ففي ذلك الموضع، أو في جواره، كانت مدافن يهوديّة لا تزال نجد آثارها إلى اليوم، تحت كنيسة القيامة.

* صهيون. في العبريّ: ص ي و ن (مع الشدّة على الياء). في اليونانيّة Sion. أمّا الاسم العربيّ، فارتبط بالسريانيّ (وربّما الآراميّ): ص ه ي و ن. هو الاسم القديم لقلعة أورشليم، تقع على هضبة صخريّة بين قدرون وتيروفيون.

أمّا قدرون (المظلم والمعكّر) فهو اسم الجبل والوادي الذي يجري بين السور الشرقيّ لأورشليم وجبل الزيتون. وفي النهاية يصبّ في البحر الميت. ذُكر الاسم أكثر من مرّة في العهد القديم. مثلاً، في ثورة أبشالوم، ''عبر الملك وادي قدرون، ومرّ أتباعه كلّهم أمامه نحو البريّة'' (2 صم 15: 23). وفي تهديد شمعي الذي جدّف على الملك داود، أراد سليمان أن يعزله في أورشليم، بحيث يتّصل مع أحد من عشيرته. قال له: ''واعلم أنّك يوم تخرج وتعبر وادي قدرون موتًا تموت، ويكون دمك على رأسك'' (1 مل 2: 37). وهكذا يشكّل هذا الوادي حدود أورشليم. ويُذكر ''قدرون'' في يو 18: 1، في بداية خبر الآلام: ''قال يسوعُ هذا الكلام وخرج مع تلاميذه، فعبر وادي قدرون، وكان هناك بستان، فدخله هو وتلاميذه''. وهكذا كان قدرون الوادي الذي فيه انتقل يسوع من أورشليم إلى جبل الزيتون. هذا يعني أنّه لم يكن عميقًا جدٌّا.

في البداية، كانوا يرمون في وادي قدرون الأغراض الدينيّة المكرّسة لعبادة الأصنام، والتي كانت تنجِّس بحضورها المدينة والهيكل. هذا ما فعله آسا، ملك يهوذا: ''أزال جميع الأصنام التي صنعها أبوه أبيام'' (1 مل 15: 13). ومثله فعل يوشيّا فأزال ''الأصنام وجميع الأرجاس التي كانت في أرض يهوذا وفي أورشليم'' (2مل 23: 4-12). ولكن هذا الموضع سيتحوّل إلى وادٍ مكرّس للربّ في هذا يقول إرميا، في معرض كلامه عن عهد جديد: ''ويكون كلّ وادي الجثث والرماد، وكلّ الحقول إلى وادي قدرون، إلى زاوية باب الخيل شرقًا، موضعًا مقدّسًا للربّ، فلا يُقلع ولا يهدم إلى الأبد'' (إر 31: 40). بما أنّ هذا الوادي يحدّ أورشليم، فهذا يعني أنّ المدينة التي ستُبنى، وتكون المدينة المقدّسة، القدس، لا يصل إليها العدوّ إلى الأبد فيجتاحها. في القرن الرابع ب.م، تماهى وادي قدرون مع وادي يوشافاط (ع م ق. ي ه و ش ف ط)، أو وادي الله يقضي، يدين. لهذا، كثُرت المدافن في ذلك الموضع.

أمّا صهيون، فلم يعد محصورًا في تلّة واحدة. بل تسمّت به المدينة كلّها. هذا ما تفهمه من المقابلة بين جزئي الجملة: ''فمن أورشليم تخرج البقيّة، ومن جبل صهيون يخرج الناجون'' (2 مل 19: 31). نشير إلى أنّ ''صهيون'' هو أقدم جزء في المدينة، مع القلعة والهيكل. وقد اتعبر التقليد أنّ جبل موريّا، حيث أراد إبراهيم أن يذبح ابنه اسحق، هو تلّة صهيون. ونحن نقرأ في 2 أخ 3: 1: ''وبدأ سليمان ببناء هيكل الربّ في أورشليم، في جبل الموريّا الذي تراءى الربّ فيه لداود أبيه''.

ولفظة صهيون قد تعود إلى العربيّة: صهوة. فالصهوة هي البرج في أعلى الجبل. كما تعود في أصلها إلى ''ص ي ه'' الذي يعني القحط والجفاف. في السريانيّ ''ص ه ا'': عطش وظمئ. أمّا ''ص ي ه'' العبريّ، فيرتبط مع ''ص ه ه'' أو ص ح ه'' وفعل ''صحا'' في العربيّة يدلّ على سماء لا غيم فيها، بحيث تكون حرارة الشمس شديدة. وهناك ''صوى'' في العربيّة أيضًا ''يبس''. والفعل يقال عن النخل. كلّ هذا يدلّ على الأبحاث حول كلمة صهيون (ص ي و ن) في العبريّة. وكنّا قد أشرنا إلى معنى الصيانة والحماية، في ما قبل. ولكنّنا لا نستطيع أن نختار معنى ونفضّله على آخر.

ودلّ ''صهيون'' أيضًا على جبل الهيكل. فحضور الله يميّز تمييزًا جوهريٌّا بالمدينة المقدّسة فقال أشعيا منشدًا سلامًا يعمّ البشريّة كلّها، فينطلق من صهيون، من أورشليم، من جبل الربّ: ''يكون في الأيام الآتية أنّ جبل بيت الربّ يثبت في رأس الجبال ويرتفع فوق التلال. إليه تتوافد الأمم، ويسير شعوبٌ كثيرون. يقولون: ''لنصعد إلى جبل الربّ، إلى بيت إله يعقوب، فيعلّمنا أن نسلك طرقه. فمن صهيون تخرج الشريعة، ومن أورشليم كلمة الربّ'' (2: 2-3). وفي الخطّ عينه يقول عا 1: 2: ''الربّ يزأرُ من صهيون، ويُطلق صوته من أورشليم''.

* وترد مرارًا عبارة ''بنت صهيون''. تعني مدينة صهيون أو أورشليم. كما تعني شعب صهيون لأنّ المرأة تدلّ على الشعب كلّه. في الأصل ''بنت صهيون'' دلّت على حيّ جديد تكوّن في زمن الملك حزقيّا، وأقام فيه المهجّرون من مملكة الشمال، بعد أن سقطت السامرة بيد الأشوريّين سنة 722-721 ق.م. قال أش 1: 8: ''ابنة صهيون بقيت وحدها. كخيمة في كرم، ككوخ في مزرعة، كمدينة تحت الحصار''. تلك كانت حالة أورشليم سنة 701، بعد أن اجتاح الأشوريّون البلاد، وتركوا النار والدمار وراءهم، ووضعوا الحصار على العاصمة.

يبدو التمييز واضحًا بين صهيون وبنت صهيون، بين بنت صهيون وبنت أورشليم، في صف 3: 14-15: ''ترنّمي، يا ابنة صهيون، واهتف، يا إسرائيل، إفرحي، إضحكي بكلّ قلبك يا بنت أورشليم. الربّ ألغى عقابك وأفنى معاديك''. وأضاف النصّ: ''في ذلك اليوم يُقال لأورشليم: ''لا تخافي، يا صهيون، ولا تسترخِ يداك'' (آ 16). غير أنّ هذا التمييز يزول سريعًا بحيث تدلّ ''بنت صهيون'' على شعب المدينة كلّها (أش 52: 2؛ 62: 11؛ زك 9: 9: ابتهجي، يا بنت صهيون، واهتفي يا بنت أورشليم).

* في الأجيال الأولى للمسيحيّة، طبّق التقليدُ اسم صهيون على التلّة الجنوبيّة الغربيّة لأورشليم، حيث العليّة (هناك أكل يسوع فصحه الأخير مع تلاميذه. مر 14: 15؛ لو 22: 12). منها انطلقت الكنيسة في عيد العنصرة. لهذا بُنيت كنيسة منذ القرن الرابع على اسم مريم القدّيسة على جبل صهيون.

 

خاتمة

أورشليم في التاريخ، أورشليم في الجغرافيا، أورشليم على مرّ العصور. ستّة آلاف سنة ق.م، وحتّى أيّامنا مرورًا بالشعوب التي دخلت إليها وأرادتها لها، ساعة هي لا تخصّ أحدًا، بل نحن نخصّها. فبنوها كُثُر. فيهتف لها أشعيا: ''وسّعي أرجاء خيامك، وانشري ستائر مساكنك... فإلى اليمين وإلى الشمال تمتدّين'' (أش 54: 2-3). كلّنا ولدنا فيها، كما قال مز 87. ذكر مصر وبابل وشعوب فلسطيّة وصور وكوش، وأعلن: ''كلّ الأمم وُلدوا فيها، لأنّ العليّ هو الذي كوّنها'' (آ 4-5).

يروشلم كما في النصوص المصريّة وفي التوراة، أورشليم في المسيحيّة، القدس في العالم العربيّ. ذاك كان عنوان مقالنا: أورشليم المدينة المقدّسة. إليها يحجّ اليهود. وكانوا في القديم يعيّدون فيها الفصح والعنصرة والمظالّ، وما زالوا يحنّون إليها: ''إن نسيتك يا أورشليم، فلتنسني يميني. ليلتصق لساني بحنكي إن كنتُ لا أذكرك، إن كنت لا أعلي أورشليم على ذروة فرحي'' (مز 137: 5-6). وإليها يحجّ المسيحيّون، ففيها تمّت مسيرة الخلاص التي دشّنها يسوع طفلاً في بيت لحم، وأنهاها على الصليب، على جبل الجلجلة. والمسلمون يدعونها القبلة الثالثة.

من أجل هذا، كانت أورشليم مهمّة، لا بحجارة أسوارها وحسب، ولا بقداسة معابدها فقط، من حائط المبكى لدى اليهود، إلى كنيسة القيامة لدى المسيحيّين، إلى قبّة الصخرة والجامع الأقصى لدى المسلمين. هي مهمّة لأنّ اسمها جاء يعني السلام، وما زالت منذ ألفي سنة مدينة الحرب. هي مهمّة لأنّها تدلّنا على أورشليم السماويّة. نزلت من السماء، من عند الله، وعليها هالة مجد الله (رؤ 21: 10-11).

قيل إن كانت هناك عشر درجات القداسة، فللعالم درجة واحدة، ولأورشليم تسع درجات. فهي وُلدت يوم وُلد العالم. وحين خُلق آدم. فيها قدّم أوّل ذبيحة على الأرض، بانتظار آدم الثاني الذي قدّم الذبيحة الجديدة والنهائيّة.

تلك هي أورشليم الأرض التي تتطلّع إلى أورشليم السماء، بل إنّ أورشليم الأرض تمتدّ فتلتقي بأورشليم الآتية من السماء. حضور الله على الأرض انطلق من الهيكل، فالتقى بالحضور الآتي على سحاب السماء. وكلّ هذا وجد كماله في يسوع المسيح ابن الأرض وابن السماء.

 

 

الحواشي:

(1) بولس الفغالي، المحيط الجامع في الكتاب المقدّس والشرق القديم، بيروت، 2003، ص 181-184.

(2) R. DUSSAUD, Syria, VIII(1972), p. 216-283. W. F. ALBRIGHT, Journal of Palest. Oriental Society, VIII(1928), p. 245ss.

(3) J. LEWY, The Sulman Temple in Jerusalem dans Journ. bibl. Liter, LIX(1940), p. 519-522.

(4) P. VINCENT, Les noms de Jérusalem in Memnon VI(1913), p. 104ss.

(5) J. LEWY, Les texts paléo-assyriens et l'Ancien Testament dans Revue hist. des religions, t. CX(1934),  p. 60ss. نشير هنا إلى أنّ اسم أورشليم ورد في النصوص الأشوريّة، حين حاول سنحاريب أن يحتلّ المدينة سنة 701 ق.م. ولكن دبّ الوباء في جيشه فتراجع قبل أن يموت بعد أن تآمر عليه ابناه. رج 2 مل 18: 25-19: 4 حيث يقال إنّ ملك النوبة (مصر) تحرّك لمهاجمة ملك أشور. فقال أشعيا قوله الشهير: ''تزدريك وتسخر منك البكرُ ابنةُ صهيون، تميل برأسها عنك ابنة أورشليم'' (أش 37: 22).

(6) مثلاً: قرية أربع صارت حبرون (تك 23: 3؛ 35: 27). ولايش صارت دان (قض 19: 29).

(7) P. J. KING, Jerusalem in The Anchor Bible Dictionary, vol 3 (Doubleday, 1992), p. 747-766.

(8) I. W. J. HOPKINS, Jerusalem: A Study in Urban Geography, Grand Rapids, 1970, p. 11-12.

(9) حاشية 7، ص 735.

(10) L. H. VINCENT, Jerusalem in Dict Bibl Suppl, fasc 21 (Paris, 1948), col 897-966. Ici col 899-905.

(11) GERMER- DURAND, L'age de Pierre en Palestine dans Revue Biblique, 6(1897), p. 439-449; M.R. NEUVILLE, Le préhistoire de la Syrie, RB, 1946, p. 104-110.

(12) H. VIENCENT, Jérusalem sous terre. Les récentes fouilles d'Ophel, Londres, 1911, p. 30ss.

(13) R. de VAUX, La Syrie et la Palestine de 2000 à 1700 dans R B, 1946, p. 336ss.

(14) A. PARROT, Le Temple de Jérusalem (Cah Arch Bibl, 5), Paris, 1962; M. OTTOSSON, Le Temple de Jérusalem: l'histoire et le Symbole, Monde de la Bible, 13, 1980.

(15) L. H. VINCENT et A. STEVE, Jérusalem de l'A.T, Paris, 1956.

(16) N. ABIGAD, Discovering Jerusalem, Nashville, 1983.

(17) A. D. TCHERIKOVER, Hellenistic civilization and the Jews, Philadelphia, 1966, p. 165.

(18) M. MAZAR, The Mountain of the Lord, Garden City, New-York, 1975; Id. Herodian Jerusalem in the Light of Exavations South and South-West of the Temple Mount, dans Israel Exploration Journal (Jerusalem), 28(1978), p. 230-237.

(19) M. AVI-YONAH, Word History of the Jewish People, vol 7, p. 228-231; Id, The Holy Land from the Persian to the Arab Conquests, Grand Rapids, 1966

(20) J. WILKINSON, Jerusalem as Jesus Knewit, London, 1978

(21) تقابل هذا اللفظ مع السريانيّ ''ب ي رت'' وهو يعني القصر والقلعة. يبدو أنّه يعود إلى الفارسي بارو Baris. وصار في اليونانيّة. رج نح 1: 1؛ أس 1: 2.

L. H. VINCENT, L'Antonio, palais primitive d'Hérode, R B, 61(1954), p. 87-107; M. A. de SION, La fortresse Antonia à Jérusalem et la question du prétoire, Jérusalem, 1956; P. BENOIT, L'Antonia d'Hérode le Grand et le forum oriental d'Aelia Capitolina, The Harvard Theological Review, 64(1971), p. 135-167.

(22) L. H. VINCENT, L'Antonia et le Prétoire, R B, 42 (1933), p. 83-113; Id. Jérusalem antique, vol II, Paris (1912), p. 562-563.

(23) اللفظ الأصل هو لاتينيّ، أخذت به اليونانيّة praitorion رج مت 27: 27؛ مر 15: 16؛ يو 18: 18، 23؛ 19: 9؛ أع 23: 35؛ فل 1: 13.

L. H. VINCENT, Le lithostrotos évangélique, R B, 59(1952), p. 513-530; J. BLINZLER, Le procés de Jésus, Paris, 1962, p. 273-278; P. BENOIT, L'Antonia d'Hérode le Grand et le forum oriental d'Aelia Capitolina, Harv. T R, 64(1971), p. 135-167.

(24) C. C. Mc COWN, The Problems of the Site of Bethsaida, Journal of the Palestine Oriental Institue, 10(1930), p. 32-58; J. F. BAUDOZ, Monde de la Bible, 38(1985), p. 28-31.

(25) J. M. ROUSEE, R B, 96(1962), p. 80-109.