أخوّة من أجل القتل أو الرحمة

 

يروي الكتاب المقدّس في سفر التكوين أنّ إبراهيم وابن أخيه لوط أقاما في أرض ضاقت بهما. ووقعت خصومة بين الرعاة. فقال إبراهيم للوط: ''لا تكن خصومة بيني وبينك، ولا بين رعاتي ورعاتك. فنحن رجلان أخوان. الأرض كلّها بين يديك، فانفصل عنّي، تذهب إلى الشمال فأذهب إلى اليمين، أو إلى اليمين فأذهب إلى الشمال'' (13: 8-9). فاختار لوط وادي الأردنّ. وهكذا فضّ الخلاف بطريقة حبّيّة، أخويّة. ولكن لم يكن الأمر كذلك بالنسبة إلى قايين وهابيل. قتل الأوّل أخاه لتكون له الأرض كلّها. وهذا ما يحدث اليوم عند تقاسم الميراث، مع الخلافات التي تقود إلى البغض وابتعاد الواحد عن الآخر، وربّما إلى أكثر من ذلك. فهل يقيم الأخ قرب أخيه ليكون له عونًا أو عدوٌّا يبحث عن مصالحه؟ إذا كان الأخوان خرجا من رحم واحد، رحم والدتهما، أما ينبغي أن يعيشا الرحمة؟ وفي أيّ حال، خرجت البشريّة كلّها من رحم الله: كلّ واحد أخ للآخر. وكلّنا أبناء وبنات أب وحيد نستطيع أن ندعوه أبانا. ونقرأ المقطع الأهمّ في خبر قايين وهابيل:

''وقال قايين لهابيل: ''هيّا لنخرج إلى الحقل''. وبينما هما في الحقل، هجم قايين على هابيل أخيه فقتله. فقال الربّ لقايين: ''أين هابيل أخوك؟'' قال: ''لا أعرف. أحارسٌ أنا لأخي؟'' فقال له الربّ: ''دمُ أخيك يصرخ إليّ من الأرض. والآن، فملعون أنتَ من الأرض التي فتحت فمها لتقبل دم أخيك من يدك. فهي لن تعطيك خصبها إذا فلحتها، طريدًا شريدًا تكون في الأرض'' (تك 4: 8-12).

 

1- ولادة قايين وهابيل

يبدأ هذا الفصل الرابع من سفر التكوين كلامه فيقول: عرف آدم امرأته. ها قد بدأت الحياة الزوجيّة. فالرجل والمرأة اللذان هما على صورة الله، ولدا ولدًا على صورتهما، أي على صورة الله ومثاله، وذلك رغم الخطيئة التي جعلت المرأة تلد في الأوجاع والرجل يأكل خبزه بعرق جبينه.

حبلت حواء، أم الأحياء، وولدت قايين. فقالت كما تقول النساء بنفحة من الافتخار وعرفان الجميل: ''رزقني الربّ ابنًا.'' أجل، الولد هو عطيّة الله. ورغم تقدّم الطبّ، ما زالت المرأة التي لم تلد تقول: ''الله لم يعطني ابنًا.''

قايين هو الحدّاد، وجدّ القينيّين الذين أقاموا شمالي سيناء، واشتهروا بصناعة الأسلحة. وحامل السلاح يرافقه العنف وما يتبعه من سرقة وقتل. وقايين هو صاحب القنية والملك. فالأرض كلّها له. وإن جاء أحد، طرده بعيدًا، كما هو الأمر بالنسبة إلى بعض الوحوش التي تتملّك منطقة. وقايين هو الحسود. والحسد قاده إلى قتل أخيه. ما رضي أن يقبل الربّ ذبيحة أخيه ويهمل ذبيحته. وأخيرًا، قايين هو ابن القنّ. فيه وضعت الحيّة بيضها، فكأنّه وُلد من الحيّة التي جرّبت حوّاء. هي أرادت أن تكون إلهًا، فأكلت من الثمرة وتجاوزت وصيّة الله، وضربت عرض الحائط وصاياه. وقايين هو سيّد الأرض، فلا يسمح لأحد أن يسأله عمّا يفعل، ولو كان الله نفسه. فكان جوابه الوقاحة، جواب الرافض بأن يحاسبه على أعماله.

وعادت حوّاء فولدت هابيل. حرفيٌّا: أضافت إليه، زادت. لماذا هذه الزيادة التي تمنع قايين من أن يكون وحده مالك كلّ شيء؟ أمّا اسم هابيل فهو: باطل، من لا نفع منه، نسمة، دخان يمضي ولا يعود. ارتبط قايين بالله، بعد أن كان عطيّة الله. أمّا هابيل فارتبط بقايين. هو أخو قايين. فيجب أن يخضع له لكي يحيا. فحياة هابيل ترتكز على مشيئة قايين. وهكذا أُبعد الله عن البشر، صاروا خارج الجنّة بعد الخطيئة، فما عاد الله ''يراهم''. وإن هو رأى، فلا يفعل. أما هكذا قال الوثنيّون للمؤمن: ''أين إلهك''؟ (مز 42: 4) فكان الردّ: ''ارتجي الله، يا نفسي''. ويقول سفر الحكمة: ''نفوس الأتقياء هي في يد الله... ورجاؤهم أكيد أنّهم خالدون'' (3: 1-4)

 

2- الأخوان

ارتبط قايين بعالم الزراعة والحياة في المدن، وهابيل بالبريّة ورعاية المواشي. عالمان مختلفان ومتصارعان مرارًا. ولكنّ هذين العالمين يستطيعان أن يتصادقا من أجل سعادة الجميع. أزال قايين هابيل فصار وحده، والكتاب يقول: ''الويل لمن هو وحده، لأنّه إذا وقع فلا أحد يقيمه'' (سفر الجامعة 4: 10). وتوزّع العمل بين الاثنين. واحد يزرع، ويسعى أن يحوّل الأرض إلى جنّة عدن بعد أن وُعدت بالشوك والعوسج (تك 3: 18) على أثر الخطيئة. والآخر يرعى الغنم، يحرس القطيع. أمّا قايين فيرفض أن يكون حتّى حارس أخيه.

وكان الخلاف. فالأخ لا يجتمع إلى أخيه إلاّ تحت نظر الربّ. وحين تكون البشريّة بعيدة عن الربّ، تبدأ المصالحُ الخاصّة تلعب لعبتها، والقويّ يقتل الضعيف. فالذي يمتلك كلّ شيء يريد بعد. أما هذا الذي فعله داود حين خطئ؟ هو القويّ، أخذ امرأة أحد عبيده، أوريّا، زوجة له، بعد أن زنى بها. وقف أوريّا في وجهه، فبدا وكأنّه يمنعه عن بتشابع! في الواقع، لم يفعل أوريّا شيئًا. أطاع الملكَ فلبّى دعوته. وأراد أن يتضامن مع جيشه، فرفض أن ينام في بيته.

حسب داود أنّه فوق الشريعة، وأنّ كلّ شيء مباح له. فالوصايا هي للضعيف والفقير والبسيط. والملك يأمر الجميع ولا أحد يأمره، بل ينفّذ أمره بدون تردّد. ربّما على مستوى البشر. مع أنّ هناك خوفًا يشعر به الملك حين يأتي من هو أقوى منه. فقال أشعيا في أحاز، بن داود: ''اضطرب قلبه اضطراب شجر الغاب في وجه الريح'' (7: 3). وإن لم يكن من ملك أقوى، فالله هو الذي يدين الحكّام بالعدل، ويحطّ المقتدرين عن الكراسي. وكلمته كفَت لكي تفهم داود خطأه: جعلتك ملكًا على مملكتين، إسرائيل ويهوذا معًا. وإن كان ذلك قليلاً، أعطيك بعد، أضاعف. ''فلماذا احتقرت كلامي (وصاياي) وارتكبت القبيح في عينيّ'' (2 صم 12: 8-9)؟ حينئذٍ قال داود لناتان النبيّ: ''خطئت إلى الربّ.'' فقال له ناتان: ''غفر الربّ خطيئتك'' (12:13). مع أنّ الجرم كبير، فالله يغفر سريعًا. فيا ليت قايين فعل مثل داود. ومع ذلك، وضع الله له علامة تدلّ على أنّه يحميه ممّن يحاول قتله.

كان جدال بين قايين وهابيل رواه الترجوم كما يلي: ''أجاب قايين وقال لهابيل: ''أرى أنّ العالم لم يُخلق برحمة (أو: بمحبّة)، وأنّه لا يدبَّر حسب ثمر الأعمال الصالحة، وأنّ في الدينونة محاباة للوجوه (أي: تفضيل شخص على آخر لسبب ثانويّ). لماذا قُبل قربانك برضى، وقرباني لم يُقبل برضى''؟ ولما رفض هابيل مقال قايين، أردف هذا فقال: ''لا دينونة، ولا ديّان، ولا عالم آخر، وليس من يعطي الأجر للأبرار والعقاب للأشرار.'' وتواصل الجدال، إلى أن قام قايين على هابيل أخيه فقتله. أما هكذا قتل سليمان أخاه أدونيّا الذي زاحمه على الملك. ونابوت، جار الملك آخاب، قُتل رجمًا لكي يوسّع الملك ساحات قصره. ولكن صوت الربّ هو هنا في فم إيليّا. وسيكون مع قايين: ''دم أخيك يصرخ إليّ من الأرض.'' وحلّت اللعنة بقايين. الأرض تخسر خصبها فلا تعطي سوى القليل. وقايين نفسه يُقتلع من الأرض فيصبح طريدًا شريدًا. يطارده أهل القتيل فيهرب، ويبتعد عن الأماكن الآهلة.

في الواقع، لم يفعل هابيل شيئًا لكي يُقتل. بل لم يقل كلمة واحدة، على ما نقرأ في الكتاب المقدّس. أمّا في الترجوم، فدافع عن كرامة الله الذي خلق العالم بمحبّة، ويجازي البشر بعدل واستقامة. هنا نفهم ما يقوله العهد الجديد عن إيمانه: ''بالإيمان قدّم هابيل لله ذبيحة أفضل من ذبيحة قايين، وبالإيمان شهد الله له أنّه من الأبرار عندما رضي بقرابينه، وبالإيمان ما زال يتكلّم بعد موته'' (عب 11: 4). في سفر التكوين، دم هابيل تكلّم، وهو الذي قُتل ظلمًا. أمّا هنا، فهابيل نفسه يتكلّم. هو ''الصدّيق'' كما قال يسوع في كلامه إلى الكتبة والفرّيسيّين (متّى 23: 35). ويقول التقليد: ''لم يكتفِ هابيل بأن يقدّم أفضل ما عنده، بل قدّم ذاته، فكان صورة بعيدة عن الابن الذي أعلن: ''ما أردت ذبيحة ولا قربانًا... فقلت: ها أنا أجيء، يا الله، لأعمل بمشيئتك'' (عب10: 5-7). وهكذا قدّم المسيح نفسه ليزيل خطايا الكثير من الناس (9: 28).

 

3- أخوّة في الرحمة

خبر قايين وهابيل خبر شعبيّ معروف. كان المؤمنون اليهود يروونه على أولادهم وهم أطفال. وطلب الذهبيّ الفم من كلّ ربّ عائلة أن يخبر به ابنه لكي يبعده عن الشراهة والحسد، ويعلّمه مخافة الله والإيمان بالآخرة وبالقيامة. وذكرت الأخبار اليهوديّة سبع خطايا ارتكبها قايين فنال عليها عقوبات سبعًا. وقابل فيلون اليهودي، فيلسوف الإسكندريّة، بين قايين محبّ ذاته وهابيل حبيب الله، فتبعه آباء الكنيسة.

ونعود إلى العهد الجديد، مع رسالة يوحنّا الأولى، التي تتكلّم عن قايين في معرض الكلام عن المحبّة... ''من لا يحبّ بقي في الموت. من أبغض أخاه فهو قاتل، وأنتم تعرفون أنّ القاتل لا تثبت الحياة الأبديّة فيه.'' (3: 14-15). وكانت الرسالة سبقت فقالت: ''فالوصيّة التي سمعتموها من البدء، هي أن يحبّ بعضنا بعضًا، لا أن نكون مثل قايين الذي كان من الشّرير فقتل أخاه. ولماذا قتله؟ لأنّ أعماله شرّيرة وأعمال أخيه كانت صالحة'' (3: 11-12).

شدّد يوحنّا هنا على أوّل قتل ذُكر في تاريخ البشريّة، ليدلّ على التعارض بين الظلمة والنور. فقال: ''من قال إنّه في النور وهو يكره أخاه، كان حتّى الآن في الظلام. ومن أحبّ أخاه ثبت في النور، فلا يعثر في النور. ولكن من يكره أخاه فهو في الظلام، وفي الظلام يسلك ولا يعرف طريقه، لأنّ الظلام أعمى عينيه'' (2: 9-11). فأين يقيم كلّ واحد منّا؟ وهل من مكان للظلمة في قلوبنا بعد أن جاء المسيح إلى أرضنا فسمعناه ورأيناه بعيوننا؟ لهذا تعلن رسالة يوحنّا أيضًا: ''فالظلام مضى والنور الحقّ يضيء'' (2: 8).

ويتواصل التقابل بين المؤمنين والعالم الشرّير. العالم يبغضهم لأنّهم يرفضون أن يعملوا أعماله. فيسوع سبق وقال لهم: ''إن أبغضكم العالم، فتذكّروا أنّه أبغضني قبل أن يبغضكم. لو كنتم من العالم لأحبّكم العالم'' (يو 15: 18-19). وأخيرًا، هناك التعارض بين البغض القاتل، كما عند قايين، والمحبّة الأخويّة التي أعطانا يسوع عنها أجمل صورة. في هذا، قال يوحنّا في رسالته الأولى: ''ونحن عرفنا المحبّة حين ضحّى المسيح بنفسه لأجلنا، فعلينا أن نضحّي بنفوسنا لأجل أخوتنا'' (3: 16).

وكيف تكون التضحية؟ لا تقف فقط على المستوى السلبيّ. لا تكتفي بأن لا تسيء إلى القريب، بل تعامله بالرحمة، وبالرحمة العمليّة التي لا تتوقّف عند الكلام أو اللسان بل تصل إلى العمل. ويقدّم لنا الرسول مثلاً ملموسًا، فيقول: ''من كانت له خيرات العالم ورأى أخاه محتاجًا فأغلق قلبه عنه، فكيف تثبت محبّة الله فيه'' (3: 17). ويواصل القدّيس يعقوب كلام يوحنّا، مشدّدًا على أنّ الدينونة لا ترحم من لا يرحم، فيقول: ''إذا كان أخوكم عريانًا، هل يكفي أن تقولوا له: إذهب بسلام واستدفئ؟ وإذا كانت أختكم جائعة، هل تكتفون بأن تدعوها إلى أن تذهب فتشبع؟ ما هي هذه الرحمة التي لا تُعطي شيئًا ممّا يحتاج إليه الجسد؟'' (2: 13-17). أمّا الصورة الرائعة عن الرحمة التي تجلّت في أبسط الأعمال، ففي مثل السامريّ الذي تحرّكت أحشاؤه حين رأى أخاه بين الموت والحياة (لو 10: 33). دنا السامريّ من الجريح وسكب زيتًا وخمرًا على جراحه وضمّدها، ثمّ حمله على دابّته وجاء به إلى فندق واعتنى بأمره. كان الناس يقولون إنّ السامريّ عدوّ اليهوديّ، والواحد يحتقر الآخر. فصارا أخوين، بعد أن تحرّكت أحشاء السامريّ فأعاد الحياة إلى من ''تركوه بين حيّ وميت.'' وهكذا عارض كلّ المعارضة موقف قايين الذي تخلّى عن الرحمة فصار قاتلاً واعتُبر نموذج القاتل في تاريخ البشريّة.

 

خاتمة

تلك كانت مسيرتنا في الكتاب المقدّس، وهي مسيرتنا أيضًةا في العالم الذي نعيش فيه. هل نطلب الظلمة أم النور؟ مصالح هذا العالم أم وصيّة الله التي تقول: لا تقتل؟ وما الذي يحرّك تصرّفاتنا؟ هل يدفعنا حبّ المال والامتلاك إلى تجاوز ما يطلبه الله منّا، أم نترك الحبّ يسودنا والرحمة توجّه حياتنا؟ أمّا الآن، وقد عرفنا، فلنسمع كلام يسوع إلى ذاك المعلّم الذي سأله ليزداد علمًا: ''إذهب أنت واعمل.'' أحبّ قريبك مثلما تحبّ نفسك. فطوبى لك إن عرفت الرحمة، فالربّ يرحمك يوم الدينونة.