عقيدة الولاء والبراء بين الشريعة والحياة

 

المتتبع لما يقوله السلفيون المتشددون حول عقيدة الولاء والبراء يجعلنا عرضة للشك في معتقدنا ، بل ويجعلنا في مصف الكفار والنفاق والضلال ؟؟؟ ، وهو ما يحشر جل المسلمين بين فكي الرحى ، أو بين مطرقة الشريعة وسندان الحياة المعاصرة . 
** ما تقوله الشريعة :
يفهم من الولاء حب المسلمين المؤمنين ، ونجدتهم ونصرتهم في مختلف الظروف والأحوال ، أما البراء فهو كره الآخر من ذميين وكفرة ومنافقين الذين يخالفوننا المعتقد والهوية ،وقد ورد في القرآن الشيء الكثير عن الولاء والبراء ، كقوله: 
(لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ )[الكافرون : 6]، (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاء مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَتُرِيدُونَ أَن تَجْعَلُواْ لِلّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَاناً مُّبِيناً )[النساء : 144]،( وَإِن كَذَّبُوكَ فَقُل لِّي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ أَنتُمْ بَرِيئُونَ مِمَّا أَعْمَلُ وَأَنَاْ بَرِيءٌ مِّمَّا تَعْمَلُونَ) [يونس : 41]... الخ. وقد نهى الرسول الكريم التشبه بغير المسلمين ( من تشبه بقوم فهو منهم )، ويسعى بعض الخوارج إلى تكفير المتعاملين مع أهل الكفر وتحريم التعامل معهم نهائيا ، ويرى فريق آخر معتدل بأن المقصود بالولاء والبراء هو التعادي مع الدين الآخر ، وليس مع أصحاب الدين الذين يجوز محبتهم والتعامل معهم .
** في الولاءات الإسلامية الإسلامية عبرة ؟
بالرغم من صراحة آيات الولاء للمسلمين حبا وتصديقا ، وحسن معاملة ، ونصرة ، ونجدة،... الخ ، إلا أن تطبيقاتها وإن كانت ، فهي شحيحة وباهتة قديما وآنيا ، فالصراع بين الفرق والمذاهب قائم ، والتكفير جار ، وكل يرى نفسه الناجي والباقي ضال وكافر ،فلعب حديث الفرقة الناجية[1] مبلغة في التمزيق والتناحر بين أهل الملة الواحدة ، سُنة ضد الشيعة ، وشيعةً فيما بينها ، وتعددت فرق السنة ، وأطل علينا بعبع الوهابية الذي يريد إسقاط الماضي على الحاضر وتوقيف حركة الأرض [2] بجعلها ثابتة لا حراك لها ،وما نسمعه ونشهده حاليا من حرب ضروس يمنية سعودية على الحوثيين بمساعدة الأمريكيين ( أهل البراء) في صعدة وجبل دخان ، وما نتابعه من حقد دفين بين دول الخليج وشيعة إيران ، وسعيُ السنة الوهابية لإيقاف ما يسمى الإختراق الشيعي، ( البحث عن الإستئثار المذهبي )، زاد الخطر تصعيدا بين الطرفين نجاحات حزب الله الشيعي ، ووقوف السنة متفرجين على ما وقع ويقع للسنة في غزة ، التي مُنع عن أهاليها التزود بالمؤن من أهل الولاء المصريين( أرض الكنانة) الذين منعوا مرور قافلة الإغاثة الغربية العلمانية بقيادة جورج جالاوي المتزامنة مع أعياد ميلاد المسيح المتسامحة ، وإقامة شعائر مقتل الحسين الدموية في كربلاء ذات عام من أعوام الولاء الإسلامي لأهل البيت سنة 61 للهجرة ؟ وها هي مصر الملة والكنانة تسعى لإقامة جدار حديدي قد يكون مكهربا ؟ لحصار غزة الإسلامية التي يحرص أهل البراء الأنجليز بأغاثتها وبالمجان ؟ 
** ما يقوله الواقع المعيش :
المتتبع لتطبيقات عقيدة الولاء والبراء بين المسلمين وغيرهم يُعد انتكاسة حقيقية للعقيدة ، إن كانت عقيدة وليست فريضة ، لأن الفقهاء قد يكونون قد وقعوا في سوء التقدير ، أومارسوا مبدأ الإنتقاء والترجيح في اختيار الآيات ، وغضوا الطرف عن الآيات الدالة على التسامح مثل ( ... أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ، فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً ،وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً ...) [المائدة : 32] ،( لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِّلَّذِينَ آمَنُواْ الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُواْ وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَّوَدَّةً لِّلَّذِينَ آمَنُواْ الَّذِينَ قَالُوَاْ إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَاناً وَأَنَّهُمْ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ) [المائدة : 82].
فيتساءل المسلم بحرقة عن كيفية التعامل مع آيات القرآن الكريم الموجبة والسالبة ، المحفزة والرادعة ؟ وهل الولاءُ والبراءُ عقيدةٌ إيمانية سادسة ، مثلها مثل الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله ، واليوم الآخر ، والقدرخيره وشره ، أم أنها عبارة عن حكم شرعي وجانبهُ العقدي مستمدٌ بتصديق المسلم بفرضيته مثل الصلاة فهي (حكم شرعي ) مفروض ، والتصديقُ بأن الصلاةَ ركنٌ من أركان الإسلام عبادةٌ لله ( عقيدة ) ، والتباين قائم وجلي بين ما هو عقيدة، و أحكام شرعية مطالبون بتأديتها ، ولقد ننجر إلى القول : لوكان الولاءُ والبراءُ عقيدةً، لما أحل اللهُ للمسلمين الزواج من كتابيات ؟ 
**تطرف الخطاب الديني ولد كراهية :
الخطاب الديني السلفي المدعوم بأجندة محكمة للسلفيين الجدد ( الوهابية) والتي زاد عنفوانها بعد شعورهم بانسحاب البساط بين أرجلهم ، ولد احتقانات داخل البيت الإسلامي وخارجه ، وأدى هذا الخطاب المتطرف إلى فتح جبهات عدائية ضد الإسلام الذي فهمه الغرب العلماني خطأ لأنهم فهموه وقرأوه على لسان ابن لادن والظواهري ، وعايشوه في أحداث العشرية الدموية السوداء في الجزائر ، وتفجيرات العراق ، ،و برجي مركز التجارة العالمي في 11 سبتمبر بنيويورك ، وجهاد الطالبان، فهم لا يقتنعون بسهولة ولا يفهمون النيات ،قدر اقتناعهم وفهمهم للممارسات والأفعال ، وقد يكون الخلل في من يُمثل الإسلام والمسلمين ،لا في الإسلام نفسه . لأن الدعاة بأكثريتهم لم يوظفوا بما فيه الكفاية الجانب الأملس واللين من الدين ،بقدر ما كشروا وأبرزوا جوانب العنف والشدة والجهادية والترهيب ، وهي أمور منفرة أكثر مما هي محفزة ، خاصة أذا علمنا أن خمس المسلمين وصلهم الإسلام سلما لا جهادا ، فكان الصينيون والأندونيسيون والماليزيون مسلمين بلا عراك ؟ فهل نقتدي ببعض الأسلاف لتحقيق التناغم والمحبة مع أهالينا ( بعد إنساني)في هذا العالم الذي أصبح قرية ،ومصائرنا مترابطة معهم شئنا أم أبينا ، بقوة فعل التكنولوجيا ، و غزو الفضاء ،والكوارث الطبيعية ،واتساع ثقب الأُوزون ؟كما أن تصحر الفكر عند بعض أهل الحديث والفتوى تُعرض الاٍسلام لهجمات عقلية منطقية قلما يُرد عليها بذات المنطق الفكري الصائب المبني على الحجة والدليل العقلي . وهو ما أورث الدعاة وهنا دائما وعثرات مستمرة أثقلت كاهل الدين والملة على حد سواء .
**بين كراهية عقيدة الآخرين وحبهم !
الفقهاء حريصون أن أكون عدائيا عدوانيا مع أهل الديانات الأخرى ، فلا سلام معهم ولا كلام ، لا تعامل ، ولا اتفاقات ثنائية ولا جماعية ، فهم كفار وأهل باطل ( هل يستوي أصحاب النار وأصحاب الجنة) و( ...هل يستوي الخبيث والطيب ...) ، ولا أدري ما موقفهم مني كمسلم لو سألتهم ؟ فسيجيبون حتما و بديها بأنني كافر كذلك ؟ فالكفر يغير موقعة دائما وأبدا ، فالمسلم كافر بالنسبة لغير المسلم ، وغير المسلم كافر بالنسبة لنا معشر المسلمين . 
أما الحديث عن البراء والعداء من غير المسلمين ففيه كلام ، وأهل ملتنا وجدوا الولاء والنصرة في بلاد الغرب أفضل مما وجدوه عند ذويهم ووطنهم وأهل ملتهم ، فغدت لندن مرتعا ومعتصما للمسلمين الذين اضطهدوا من أهل الولاء ، وأُنجدوا من أهل البراء بقلب الآية كلها ، والزواج المختلط قائم ، والتعاملات الفردية والجماعية قائمة بين المسلمين والغرب الكافر ، والتقليد لباسا ولغة وممارسة جار على قدم وساق ، بين أبنائنا فأصبحت كثير من شعوبنا نسخا باهته لكل ما هو غربي علماني .
الخاتمة :
قضية الولاء والبراء ، ، هدفهما هو الاعتزاز بالنفس وتقوية الذات ، و رسم معالم النصرة والنجدة ، وغرس روح المحبة والإخاء بين المسلمين (كالبنيان المرصوص يشد بعضه بعضا ) والإحتراس من أعداء ديننا الذين لا يرضون عنا حتى نتبع ملتهم ، غير أننا نجد تنافرا وتباعدا بين المطلب والممارسة ، وهو ما تظهره تجارب الأمس البعيد والقريب ، ونعايشه حاضرا وآنيا ،سمعا وبصرا ، في تعاملات المسلمين فيما بينهم ومع غيرهم ، وهما ما ينذر بأن خلالا ما يعكر التطابق بين الشريعة والحياة ؟وبين المطامح والمعاملات ؟، وبين التنظير والتطبيق...؟؟؟.
---------------------------------------------------
[1]-حديث الفرقة الناجية هو حديث معاوية بن أبي سفيان أن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال : (إن أهل الكتاب افترقوا في دينهم على اثنتين وسبعين ملة وإن هذه الأمة ستفترق على ثلاث وسبعين ملة ، كلها في النار إلا واحدة وهي الجماعة ). 
[2]- فتوى الفقيه العالم ابن باز في تكفيروتضليل القائلين بدوران الأرض حول نفسها وحول الشمس