الولاء والبراء والتتريس في الفكر التكفيري

 

قضية الولاء والبراء واحدة من أخطر القضايا التي ترتكز عليها إيديولوجية الجماعات الأصولية المتشددة، ولأنها تقوم على التعصب والعنصرية وتدعو للكراهية والعدوان فإن كثيرا من أحزاب الإسلام السياسي تنبذ هذا المبدأ وترفضه وتعتبره من مخلفات عصر الإنحطاط، وإن كان هذا الرفض على المستوى الإعلامي إلا أن بعض ممارساتها في بعض الأحيان تنطلق من هذا المبدأ.
وفي موضوع الولاء والبراء كتب أحد أبرز منظري الجماعات الأصولية وهو "أبو محمد عاصم المقدسي" في كتابه: "ملة إبراهيم ودعوة الأنبياء والمرسلين" ضمن سلسلة كتبه التي تنشرها مجلة أقلام الثقافية، وعرّف الولاء والبراء بأنها: " وجوب موالاة المسلم الملتزم وعدم جواز البراءة الكلية منه إذا أقدم على معصية، وإنما يجب البراءة من معاصيه .. وتحرم مولاة الكافر أو نُصْرَتِه على المسلمين أو إطْلاعه على عوراتهم .. بل تجب البراءة منه وبُغْضِهِ ولا تجوز موادته ".
أي أنه حسب "المقدسي" يجب على المسلم أن يعلن ولائه وتضامنه مع أخيه المسلم بغض النظر عما يكون عليه، وهذا الكلام يبدو للوهلة الأولى جميلا، ولكن مع متابعة الجملة سنجد أن شرط الولاء للمسلم هو أن يكون ملتزماً، الأمر الذي سيدخلنا مرة ثانية في دوامة تعريف الإلتزام وحدوده ودرجاته ومن له الحق في الحكم على صحته .. ثم نجد صراحة الدعوة للبراءة من معاصي المسلم الملتزم، فأي ممارسة من قبل الآخر قد تُحسب على أنها معصية ليكون الإجراء المترتب عليها هو التبرؤ من صاحبها بالنتيجة، ويستكمل " المقدسي " قوله بالدعوة للبراءة بشكل صريح وواضح من "الكافر" مهما كان هذا الكافر. 
وفي مجال البراءة من الشرك وأهله، يقول الإمام محمد بن عبد الوهاب: " أصل دين الإسلام وقاعدته أمـران: الأول: الأمر بعبادة الله وحده لا شريك له والتحريض على ذلك والموالاة فيه وتكفير من تركه، أما الثاني: فهو الإنذار عن الشرك في عبادة الله والتغليظ في ذلك والمعاداة فيه وتكفير من فعله".
أي أن مؤسس الوهابية يؤسس لدين جديد مختلف في بعض جوانبه عن الذي نعرفه عن الإسلام، فابن عبد الوهاب يضع للدين قاعدتان، لا نختلف نهائيا مع الشق الأول منهما أي الشق الذي يدعو لوحدانية الله وعبادته والنهي عن الشرك به، بينما نرى أن الشق الثاني يدعو لتكفير كل من لا ينطبق عليه شرط ابن عبد الوهاب في تعريفه للتوحيد أو الشرك ثم التحريض عليه والتغليظ في معاداته.
فيما يقول ابن القـيّم: " لما نهى الله تعالى المؤمنين عن موالاة الكفار اقتضى ذلك معاداتهم والبراءة منهم ومجاهرتهم بالعدوان في كل حال" ويقول الشيخ حمد بن عتيق في معرض تفسيره للآية "
) قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْراهِيمَ وَالّذيِنَ مَعَهُ إذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إنّا بَرءاؤا مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدونَ مِنْ دُونِ اللهِ كَفَرْنا بِكُمْ وَبَدا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ الْعَداوَةَ وَالَبَغْـضاءَ أَبـداً حَـتّى تُـؤْمِــنوا بِاللهِ وَحْـدَهْ ( [الممتحــنة: 4]: " فقوله: ) وَبَدا ( أي ظهر وبان، وتأمل تقديم العداوة على البغضاء، لأن الأولى أهم من الثانية، فإن الإنسان قد يبغض المشركين ولا يعاديهم فلا يكون آتياً بالواجب عليه حتى تحصل منه العداوة والبغضاء، ولا بد أيضاً من أن تكون العداوة والبغضاء باديتين ظاهرتين بيّنتين، واعلم أنه وإن كانت البغضاء متعلقة بالقلب، فإنها لا تنفعه حتى تظهر آثارها وتتبين علاماتها، ولا تكون كذلك حتى تقترن بالعداوة والمقاطعة، فحينئذ تكون العداوة والبغضاء ظاهرتين " . 
ونلاحظ هنا أن ابن القيم لا يكتفي بإعلان البراءة ممن يعتبرهم كفارا بل يطالب بمعاداتهم والمجاهرة بهذا العداء، ويضيف على ذلك ابن العتيق الذي يؤكد على تقديم العداوة على البغضاء، بمعنى أنه لا يكتفي بكُرْهِ الآخر الذي يُكَفِّرُه، بل يدعو قبل ذلك للتعبير عن هذا الكُرْه بالعداوة، ويصرّ على أنه يجب أن تكون هذه العداوة بيّـنة ظاهرة وليست فقط في النفوس بل لا بد للسيوف أن تترجمها. 
ويقول الشيخ إسحاق بن عبد الرحمن: "ولا يكفي بغضهم بالقلب، بل لا بد من إظهار العداوة والبغضاء"، ويقول الشيخ محمد بن عبد اللطيف في الدرر السنية: "اعلم وفقنا الله وإياك لما يحب ويرضى أنه لا يستقيم للعبد إسلام ولا دين إلا بمعاداة أعداء الله ورسوله، وموالاة أولياء الله ورسوله ".
أي أن هؤلاء المشايخ لا يكتفون بالدعوة للكره والبغضاء وإطلاق أسوأ ما في النفس البشرية، بل يدعون صراحة لإظهار هذا الكُـرْه ! والسؤال هو كيف يكون إظهار الكره والبغضاء والتعبير عن العداوة ؟؟ وهل هنالك طريقة أخرى لا تُستخدم فيها السيوف والحراب أو المتفجرات، تماشيا مع التطور التكنولوجي ؟! وهل هنالك ما هو أبلغ وأوضح من هذه الدعوة للحقد والقتل والإقصاء والعدوان؟
ويعود أبو محمد المقدسي للحديث عن الولاء والبراء قائلاًُ: " فملة إبراهيم من حيث أنها إخلاص للعبادة لله وحده وكفر بكل معبود سواه، لأن ذلك هو تماماً ما تحويه كلمة لا إله إلا الله من النفي والإثبات وهو أصل الدين وقطب الرحى في دعوة الأنبياء والمرسلين، ولأجل أن يزول عنك كل إشكال فهاهنا قضيتان: الأولى: وهي البراءة من الطواغيت والآلهة التي تعبد من دون الله عز وجل والكفر بها، فهذه لا تؤخر ولا تؤجل.. بل ينبغي أن تظهر وتعلن منذ أول الطريق، أما الثانية فهي البراءة من الأقوام المشركين هم أنفسهم إن أصروا على باطلهم". 
وفي هذا الكلام إعادة لما قاله معلمه الأول ابن عبد الوهاب وتأكيدٌ عليه، فهو يدعو لتصنيف الناس على أساس قناعاته، ويدعو كل من يخالفه الرأي أن يتنحى جانبا عن الطريق ومنذ البداية، ليكون بعدها في الجانب الآخر الذي يستحق التبرؤ منه وكرهه وإظهار العداوة له. 
ويقول أيضا: "فمعاداة أهل الحق للباطل وأهله، ومفارقتهم لهم قضية قديمة جداً افترضها الله منذ أن أهبط آدم عليه السلام إلى هذه الأرض.. وشاءها الله قدراً وشرعاً ليتميز أولياؤه من أعدائه والخبيث من الطيّب ويتخذ من المؤمنين شهداء".
أي أن تصنيف الناس إلى فسطاطين لا يتم فقط بميزان الإيديولوجيا التي يؤمن بها "المقدسي" حاليا، إذ أنها حديثة العهد مقارنه بالتاريخ الطويل لعمر البشرية أي منذ أن هبط آدم على هذه الأرض، بل هو ميزانٌ عمره من عمر البشرية، يُفرّق بين الناس على أساس الحلال والحرام، حسب ما يره المقدسي وبأثر رجعي، وما دعوته للولاء والبراء إلا استكمالا لما بدأ في عهد آدم.
أما الشيخ حمد بن عتيق فيقول عن سورة (البراءة من الشرك): "فأمر الله رسوله
e أن يقول للكفار: " دينكم الذي أنتم عليه أنا بريء منه وديني الذي أنا عليه أنتم براء منه، والمراد التصريح لهم بأنهم على الكفر، وإنه بريء منهم ومن دينهم، فعلى من كان متبعاً للنبي e أن يقول ذلك، ولا يكون مظهراً لدينه إلا بذلك، ولهذا، فلا بد أن يقف أصحاب الدعوة من قومهم موقف المفاصلة الكاملة.. ويوم تتم هذه المفاصلة يتحقق وعد الله بالنصر لأوليائه والتدمير على أعدائه.. "
وقد نسي الشيخ بن عتيق أن الرسول
e كان يزور أهل الكتاب ويعود مرضاهم، بل أنه أقام مع اليهــود في المدينة تحـــالفا منذ وصـــوله إليها، وأن الله ســبحانه قال: ) وَلا تُجَادِلُـوا أَهْـلَ الْكِتابِ إِلاّ بِالّتي هِيَ أَحْسَنْ (، وقـال تعـالى ) وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَ النّاسِ مَوَدّةً لِلّذينَ آمَنُوا النّصَارَى ( كما أنه (e) لم ينقطع عن قومه وهم على كفرهم، ولم يدعو لقتلهم ولا للإنتقام منهم رغم الأذى الذي ألحقوه به، إلا أن ابن العتيق بدعوته هذه يدعو للقطيعة الكاملة مع العالم الآخر، والسؤال هو: كيف تكون رسالة الإسلام لكل البشر إذا قاطع المسلمون بقية العالم وعادوهم وجاهروا بعدائهم وكرهوهم وعبروا عن كرههم وبغضوهم وأظهروا بغضهم وكفروهم ودعوا لقتالهم !!! 
وعن التعامل مع الدولة الحديثة بمؤسساتها وأشخاصها يقول المقدسي: " ما يؤسسه كثير من الطواغيت من برلمانات ومجالس أمة وأشباهها.. ليجمعوا فيها خصومهم من الدعاة وغيرهم فيجالسونهم فيها ويقاعدونهم ويختلطون بهم حتى يميعوا القضية بينهم، فلا تعود المسألة مسألة براءة منهم أو كفر بقوانينهم ودساتيرهم أو انخلاع من باطلهم كله.. بل تعاون وتآزر ومناصحة وجلوس على طاولة الحوار لأجل صالح البلاد واقتصادها وأمنها و... و... و... لأجل الوطن الذي يتحكم به الطاغوت ويحكمه بأهوائه وكفرياته..، ".
فالمقدسي يعتبر أن كافة مؤسسات الدولة – أي دولة عربية أو إسلامية - وأنظمتها وقوانينها ودستورها وبرلمانها وحكوماتها .. إنما هي الطاغوت والباطل، وأن قياداتها وكوادرها هم من الكفرة الذين يتوجب البراء منهم ومعاداتهم ... 
ويقول في كتابه الثاني "كشف النقاب عن شريعة الغاب" عن القوانين المدنية والشرعية في البلاد الإسلامية: "فقوانينهم هدمٌ لدين الإسلام وملة التوحيد فهي ألغت حد الردة، وحمت المرتدين وتوالي الشرك والمشركين على اختلاف صورهم، وتحمي معتقداتهم الباطلة وتبيح لهم الجهر بها، وبالتالي الدعوة إليها ونشرها، وليس هذا لليهود والنصارى وحسب، بل لكل ملة ونحلة خبيثة، وواقعهم النجس، وموالاتهم الواضحة وعلاقات المودة والصداقة والمحبة والعمالة التي تربطهم بأعداء الله الشرقيين منهم والغربيين، وقوانينهم هي حرب على التوحيد الحق ومعول هدم لأركانه وأيدٍ بنّاءة للشرك والوثنية، وقوانينهم كذلك تتلاعب بالنفوس والدماء، فبينما هي تحمي أرواح المشركين والمرتدين وتجعل ( الحرب الهجومية محرمة)، كما أنها تحمي كل من أمر الله تَعَالى ورسوله بقتله من مرتد أو زنديق أو زان ثيب أو لوطي أو غير ذلك، وليس بخاف حال كثير من الكفرة الزنادقة المتسمين بأسماء إسلامية ممن يطعنون في صحافتهم ليل نهار بشرائع الإسلام ويستهزؤون بأوامر الله ونواهيه.. فهل هناك نص قانوني يعاقبهم على هذا..؟ أم أن في نصوص القانون اللعين ما يحميهم ويكفل حرياتهم ويحرم دماءهم ويعصمها بل يبيح دم من استحلها..؟ ثم أليس صاحب القانون هو الذي يمنحهم التراخيص ويدعم صحافتهم بالعطايا المالية الضخمة.. ويبارك أعمالهم؟؟ "
والإسلامويون يسمون دساتير الدول العربية بالياسق في إشارة ساخرة منهم لتشبيه هذه الدساتير بالنظام الذي وضعه التتار حينما حكموا البلاد العربية باسم الإسلام وصاغوا قوانينهم التي اختلطت بها مفاهيم مسيحية ويهودية وإسلامية مع عادات التتر وقيمهم ضمن إطار واحد أسموه الياسق وبشروا به على أنه دستور الدولة الإسلامية، وفي شرح المقدسي هذا الذي بدأه بتشبيه الدستور بالياسق، قولٌ بليغ وواضح يدعو لتطبيق حد الردة، أي قتل كل من يعتقد بما لا يؤمن به المقدسي وجماعته، وفي موضع آخر يصف الطوائف والأديان الأخرى بقوله " ملة خبيثة "، ثم يستغرب كيف تحرم هذه القوانين الحرب الهجومية على بلاد الكفار ! وفي آخر النص يتهجم على حرية الصحافة ويدعو لسفك دم كل من تجرأ على مخالفة رأيه بوصفه زنديقا كافرا ...
أما القضية الأخرى والتي لا تقل خطورة عن سابقتها، فهي قضية التتريس أو التترّس، والذي يعني استباحة قتل المدنيين في حالات معينة لتحقيق مصالح "جهادية" معينة، وهو من المفاهيم التي تعتمد عليها الجماعات الأصولية في تبرير قتلها للمدنيين الذين يروحون ضحايا التفجيرات العشوائية، وفي هذا المجال كتب الباحث مشاري الذايدي في جريدة الشرق الأوسط مقالة واعتبر فيها أن مفهوم التترس من المفاهيم الحاكمة للعمل العسكري لدى الجماعات المسلحة الإسلامية، والتي ترتكز في أعمالها على الحجة الأخلاقية لقتل الأبرياء من "المسلمين"- فهي لا ترى غضاضة في قتل المسلمين "المرتدين" ولا "الكفار" من الديانات والملل الأخرى التي يصفونها بالملل الخبيثة ولا يجدون حاجة لتبرير قتلهم - وفي أمر مقتل مدنيين مسلمين أثناء المواجهات مع الأعداء يعتبر الإسلاميون أن التترس يبيح لهم ذلك، ويقيسون ذلك على بعض الآراء الفقهية القديمة التي تجيزه، أي في حالة كان أعداء المسلمين قد تترّسوا بأسرى مسلمين بحيث لا يستطيع المسلمون الوصول إلى أعدائهم إلا بعد قتلهم الأسرى المسلمين، وقد اشتهر الفقيه الحنبلي ابن تيمية بفتوى التترس، وعلى فتواه هذه بنت الحركات الأصولية موقفها .
يقول ابن تيمية " وقد اتفق العلماء على أن جيش الكفار إذا تترس بمن عنده من أسرى مسلمين، وخيف على المسلمين الضرر إذا لم يقاتلوهم فإنهم يقاتلون وإن أفضى ذلك إلى قتل المسلمين الذين تترسوا بهم" وهذا ما أكد عليه أيضا الفقيه الحنبلي عبد الرحمن بن قاسم.
وفي مقالة أخرى في الشرق الأوسط كتب محمد الشافعي عن التترس وبالذات عن موقف أبو مصعب الزرقاوي زعيم تنظيم القاعدة في العراق وتبريره مقتل المئات من المدنيين العراقيين في أعمال التفجير العشوائية، حيث برّر الزرقاوي قتلهم قائلاً:" حِفظ الدين مقدم على حفظ النفس"، وأن " دفع الضرر العام مقدم على دفع الضرر الخاص"، "قتل المتمترس أقل ضررا من شيوع الكفر"، كما استند إلى فهمه المشوه لآية: "الفتنة أشد من القتل"، وفي النهاية اعتبر أن الذين يُقتلون على يديه شهداء ! "إذا قُتل المتمترسون كانوا شهداء"، "وعلى نياتهم يُبعَثون يوم القيامة" !!
أي أننا من خلال هذا العرض السريع لمفاهيم الولاء والبراء والتترس لاحظنا كيف تقيم الجماعات الأصولية علاقتها مع الآخر، وكيف تفهم حرية الإنسان وقيمته، وإلى أية درجة وصل فيها رُخص الإنسان وتفاهة حياته في نظرهم، وكيف تدعو لتكفير كل من شذ عن قاعدتها، بل وتحرض على كرهه أولاً ثم إظهار هذا الكره والتعبير عنه بالقتل والإرهاب، وكيف أنها لا تجد غضاضة ولا يرف لها جفن من مقتل العشرات والمئات من المدنيين الأبرياء. 
وقد قال تعالى في محكم التنزيل:
) وَلَوْلا دَفْعُ اللهِ النّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضْ لَفَسَدَت الأرْضْ (، ) وَلَوْلا دَفْعُ اللهِ النّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضْ لُهُدِّمَتْ صَوامِعَ وَبِيَعٌ وَصَلواتٌ وَمَسَجِدَ يُذْكَرُ فِيها اسْمُ اللهِ كَثِيرا ( بمعنى أن الحياة الإنسانية تقوم على مبدأ الإختلاف والتعدد والتباين، والذي هو ضمانة الاستمرار والتطور، فلو كان الناس على عقل رجل واحد يتناقل أفكاره من جيل إلى آخر لفسدت الأرض وتوقفت الحياة ولبقينا متوقفين عند اكتشاف النار أو اختراع الزراعة .. قال تعالى: ) وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لجََعَلَ النّاسَ أُمّةً وَاحِدَة (، ) وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لآمَنَ مَنْ فِي الأرْضِ كُلّهمْ جَمِيعاً (، ) وَلَوْ شَاءَ لَهَداكُمْ أَجْمَعيِنْ (، إلا أن أبو مصعب والمقدسي والظواهري وغيرهم يريدون فرض رؤاهم على العالمين بقوة السيف وبالبطش والإرهاب، ويعطون لأنفسهم الحق بتكفير الآخرين وهو الأمر الذي لم يعطه الله لأنبيائه ومرسليه، ) إِنّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْت وَلكِنَّ اللهَ يَهدي مَنْ يَشاءْ (، إذا كان الأنبياء أنفسهم لا يقدرون أن يهدوا أحدا بالقوة وهم غير مطالبين بذلك ) إِنَّ عَلَيْكَ لَلْهُدى ( فبأي منطق يعطي هؤلاء لأنفسهم الحق بهداية الآخرين أو بعبارة أدق الحق بتكفيرهم ؟!

محاولة لفهم التجربة الإسلامية

ليس كل ما يمارسه المسلمون هو من أصل الإسلام، وهذه بديهية، فلو صحّت العلاقة بين ممارسات جماعات التكفير والتفجير وبين الإسلام، لكانت الطامة الكبرى، ولبدا دين الله الحنيف السمح على أبشع ما يكون، ولكن حاشى لله، وسبحانه عما يصفون، ولكن هل الإسلام شيء والمسلمون شيء آخر مختلف تماما؟ إذا كان هذا صحيحا فهذا يعني أن الإسلام دين نظري معلق في الفضاء وحالة افتراضية حالمة تعيش في الفراغ وتتجسد على صفحات الكتب ، وليس لها من ترجمة عملية حقيقية إلا في ما تحفظه الذاكرة عن حالة مثالية -كما لو أنها خارج سياق التاريخ - مثلتها تجربة النبي (ص) وصحابته في أوائل القرن السابع الميلادي. 
وطالما أن الإسلام ليس فكرة خيالية حالمة، وليس فقط مُثل عليا وقيم أخلاقية مجردة، وطالما أن التجربة الإسلامية على امتداد أربعة عشر قرنا من تاريخ الإسلام لم تكن تشبه المدينة الفاضلة، وأن التطبيق الفعلي للإسلام كان مشوها وبعيدا عن جوهره في كثير من الأحيان، فأين هو الإسلام إذن ؟! 
وما نعتقده من صواب، يكمن في فهم التجربة الإسلامية برمتها فهما تاريخيا علميا، يمكنّنا من رؤية النزعات المادية واللمسات البشرية الكامنة في كل زاوية من زواياه، والتي كانت تظهر في كل مرحلة من التاريخ، وتتجلى بوضوح في لحظات الصراع والتشابك، وما أكثرها .. 
والحقيقة أن الإسلام من الناحية النظرية يشبه في مضمونه كل الديانات السماوية والدعوات البشرية الأخرى وحتى دساتير الدول، حيث أن جميعها يدعو إلى الخير والعدل والجمال والمثل العليا وينبذ الشر والظلم والفواحش ... بالرغم من أن الإسلام انفرد عن سائر الأديان وتميز عنها بجوانب كثيرة، ولكنا لسنا هنا بصدد إجراء أية مقارنة بين الديانات، بل ما نسعى إليه هو التأكيد على أن كل دعوة للخير والهداية لها جانب نظري مثالي لابد أن يكون على أفضل وجه وأجمل صورة، ولكن تطبيقها على يد البشر لا يكون بنفس المستوى، وهذا طبيعي ينسجم مع طبيعة البشر القائمة على الخطأ والضعف، فالمُثُل العليا تصبح نداءات يصعب استجابتها إذا لم تكن جزء من تجربة حية وتفاعل ديناميكي مع البيئة التي تحيطها، وهذا التفاعل بين النظرية والتطبيق أو بين الدين وأتباعه يمكّننا من فهم التجربة ضمن سياق تاريخي حقيقي، ويضع الأمور في سياقها الطبيعي.
فلو نظرنا للتجربة الإسلامية بمنطق الفلسفة المثالية وبحثنا عن الجانب الإيجابي فيها فقط، لوجدنا الإنجازات والفتوحات وعدل عمر بن الخطاب وزُهد عمر بن العزيز وانتصارات صلاح الدين ... ولو نظرنا للتجربة من زاوية أخرى لوجدنا مكر معاوية وظلم الحجاج ومجازر أبو العباس السفاح وجواري الرشيد وقمع الشيعة وتخلف العثمانيين ... ولو بحثنا عن الجانب النظري المتعلق بفهم النصوص وتأويلها، سنجد الخلافات والتناقضات على أشدها، حيث الخلافات بين الأزهر والنجف الأشرف وقم ومكة المكرمة والزيتونة والقدس الشريف ... والخلافات بين الفقهاء والتيارات الفكرية التي برزت في صدر الإسلام، والصراعات بين تيارات الإسلام السياسي اليوم ... وفي النهاية قد نفقد البوصلة.
إذا من أجل فهم التجربة الإسلامية فهما صحيحا، لا بد لنا أولاً أن ننزع هالة القداسة عن كل من لهم علاقة بها، وأن ننظر لها كتجربة تاريخية، حتى لو كانت منزلة من السماء إلا أن تطبيقها كان على يد البشر، وبالتالي فإنها ستخضع لقوانين التاريخ ونواميس الطبيعة، وأنه يسري عليها ما يسري على كل التجارب الإنسانية الأخرى من تأثر بالبيئات والعوامل التي تحيط بها بنفس القدر الذي تحدث فيه تأثيرا وتغييرا.