وأرسل يسوع الاثني عشر

 

متّى 10: 1 - 8

مع هذه المقطوعة نجتاز مرحلةً هامّة في إنجيل متّى، فنصل إلى الخطبة الثانية الكُبرى بين الخطب الخمس التي تتوزّع الإنجيلَ الأوّل. فبعد أن صوّر الإنجيليّ البرّ (أو الأمانة للملكوت) الجديد (ف 5 - 7)، وقبل أن يصوّر سرّ الملكوت في خطبة الأمثال (ف 13)، قدّم لنا المُنادين بهذا الملكوت مع التّعليمات التي أعطاهم إيَّاها يسوع.

كلّ هذا يَدخل دخولاً ناجحًا في نظرة متّى التربّويّة واللاهوتيّة. فالرِّباط الأدبي والفكريّ مع ما سبق واضح جدٌّا. في ف 5 - 7 وامتدادها الاخباريّ في 8 - 9، سيطرت فكرةُ سلطة يسوع في تفسيره للشّريعة، في علاقاته مع السلطات الدينيّة (مع الفرّيسيّين) والشّيطانيّة (الأمراض). وفي ف 10، نجد هذه السلطة عينها يهبُها يسوع لرسُله. نال سلطته من الآب فسلّمها إلى تلاميذه. نُقلت هذه السلطة إلى التلاميذ (9:37) أو الرُّسل (10:1).

هؤلاء الرسُل يُعلنون الملكوت الذي دشَّنه يسوع، وسلطتُهم ترتبط بحدثٍ تاريخيٍّ محدّد. هم يدعون الناس إلى التوبة أو الاهتداء. أمّا التّنظيم فسيأتي فيما بعدُ.

1 - دعا تلاميذه الاثني عشر (آ 1 - 4)

ننتقل من التلاميذ في آ 37، إلى العَمَلة في آ 38، ثمّ إلى التلاميذ الاثني عشر الذين سيُصبحون في آ 2 الرسل الاثني عشر.

إنّ الرقم 12 يشير إلى الأسباط الاثني عشر في مَعَنيين ممكنين: إنّ هؤلاء الاثني عشر يشيرون إلى شعب ا؟ الجديد كلّه (رقم 12 هو رقم الكمّال). أو إنّ هؤلاء الاثني عشر سيعملون لدى الأسباط الاثني عشر المشتَّتين.

والكلمة عينها التي تصوّر سُلطة يسوع (7:29: يعلِّم كمن له سلطان) تصوّر هنا سُلطة التلاميذ أو الرسل. وموهبة السلطة هذه ترتدي السِّمات التالية: أوّلاً، هي سُلطة موجّهة نحو المهمّة الرسوليّة: طَرْد الشياطين وشفاء المرضى (آ1)، كرازة بالملكوت (آ 7)، أشفية (آ 8). هي سُلطةٌ من أجل رسالة وحَمْل كلمة. ثانيًا، هي سُلطة يمنحها يسوع لتلاميذه مجّانًا، وهي تبقى مرتبطة به. ثالثًا، هي سُلطة تصطدم، شأنها شأن سُلطة يسوع، بالرّفض واللامبالاة من قِبل البشر.

وتأتي لائحة الرسل في آ 2 - 4. تختلف هذه اللائحة من نصٍّ إلى آخر (مر 3:16 - 19؛ لو 6:13 - 16؛ أع 1:13). فالتّقليد اهتمّ بالرسالة ومفهومها، أكثر من اهتمامه بتعدادٍ دقيقٍ للرسل أنفسهم. تبدأ كلّ اللوائح مع بطرس وتنتهي مع يهوذا (أو يوضاس). وينضمّ إلى بطرس أندراوسُ ويعقوبُ ويوحنّا.

في القسم الأوّل من سفر الأعمال، في الأناجيل الإزائية وفي سفر الرؤيا، يُعطى لقب رسول للاثني عشر فقط. أمّا في الرسائل البولسيّة، فالمدلول يتوسّع.

وتختلف عبارة المقدّمة بين نصّ وآخر. في متّى، دعا يسوع الاثني عشر وأعطاهم في الحال سُلطانًا على الأرواح النجِّسة... في مر 3:13 ي، دعا يسوع الذين أختارهم وأقام منهم اثني عشر لكي يكونوا معه. في لو 6:13، إختار يسوع اثني عشر رجلاً من بين التلاميذ، ثمّ سمّاهم رُسُلاً. الفكرة المسيطرة في هذه التعابير، ليست فقط في أنّ هؤلاء الرسل سوف يتابعون عمل المعلِّم. بل هم سيكونون مع يسوع ليساعدوه في عمله المباشر وسط الجموع. هم يشاركونه الآن في مهمّته، بانتظار أن تكون رسالتهم امتدادًا لرسالته.

2 - أرسلهم يسوع (آ 5 - 8)

إنّ هذه الآيات الخاصّة بمتّى (ما عدا آ 7) تستعيد تعليمه (آ 1) بعد أن تُحوّله بعض الشيء. نستطيع القول إنّ آ 1 تصوّر السمّاح للرسل بأن ينطلقوا. وإنّنا هنا أمام إرسالهم. بعد هذا، سوف يصيرون رسلاً.

ونبدأ في آ 5 - 6: لا تسلكوا... لا تدخلوا... بل انطلقوا إلى الخراف الضالّة. ماذا تعني هذه التوصية؟

أوّلاً: إنّ عبارة طريق الوثنيّين تشير إلى الوجهة التي يتَّخذها الرسُل والتي ليست باتّجاه الوثنيّين. إنّ يسوع يمنع تلاميذه من الخروج من حدود شعب إسرائيل: إمّا في معنى الحدود السياسيّة، وإمّا في المعنى الاجتماعي. فقد كان هناك عدد كبير من اليهود في المدُن الوثنيّة الواقعة في تلك المناطق.

ثانيًا: نفهم كلمة وثنيّ (أُمم وثنيّة) في المعنى البيبليّ كما نجده في الرسالة إلى أهل رومة: هي الأُمم الوثنيّة ككلّ، لا هذا الفرد أو ذاك العابد الأصنام.

ثالثًا: إنّ مدينة السّامريين تعني مقاطعة السّامرة. هذه النِّقاط الثلاث ستجد امتدادًا لها في آ 23: لن تتمّوا مدن إسرائيل حتّى يأتي ابن الإنسان.

إذن، نستطيع القول إنّ يسوع خلال حياته، لم يُرسل تلاميذه إلاّ إلى إسرائيل. وهذا الواقع يلفت النّظر، لا سيّما وإنّ متّى لم يكن غريبًا عن فكرة يهوديّة تتحدّث عن مشاركة الوثنيّين في الملكوت الإسكاتولوجيّ. في 8:5 - 13 نرى إيمانًا عند الضّابط الوثنيّ لا نجد مثله عند أحد في إسرائيل. في 15:21 - 28 سيُعجب يسوع بإيمان المرأة الكنعانيّة فيفعل لها ما تشاء (راجع 8:28 - 34).

نجد عبارة الخراف الضالّة من بيت إسرائيل (كما في 9:36)، وهي ترتدي معنى تقليديٌّا واجماليٌّا (لا فرديٌّا). إنّ مجمل شعب إسرائيل يُقابَل بالنِّعاج المشتّتة على التِّلال.

وتزيد هذه الآيات على التعليمات السابقة أمرًا بإقامة الموتى وتطهير البرص. المعنى الأساسيّ يُشبه ما في آ 1. ستكون هذه المعجزات علامة تؤكِّد على واقع ملكوت ا؟ الذي بدأ يظهر في أرض فلسطين. والكلمات الأخيرة في آ 8 حول مجّانيّة النشّاط الرسوليّ، هي خاصّة بمتّى. ما الذي ناله التلاميذ مجّانًا؟ لقد اختارهم ا؟ مجّانًا، وأعطاهم سلطتهم مجّانًا. من يسوع نالوا بشرى الملكوت مجّانًا. وبالمسيح شاركوا في هذا الملكوت. إذن، لا تلمِّح هذه اللفظة فقط إلى نشاط الرسل في طرد الشياطين وإجراء الأشفية، بل إلى كلّ حياتهم. لهذا هم سيُعطون كلّ ما لهم مجّانًا. نجد هنا ملاحظة ضدّ بعض المعلِّمين الذين اهتمّوا بالمادّة ونسوا مجّانيّة العطاء الذي يكتفي بالقوت والملبس.

خاتمة

ليس من سببٍ ظاهرٍ يبرِّر اختيار الاثني عشر. فاسم بعضهم يردُ في العهد الجديد مرّة واحدة وأخيرة. والدّور الذي لعبه نصفُ الرسل ظلّ مجهولاً. ويبدو أنّ تقليد الكنيسة الأوّل لم يهتمّ كثيرًا بشخصيّة وهويّة أوّل الشهود للإنجيل. فالاهتمام ينصبّ لا على ما هم كأفراد، بل على أنّ يسوع اختارهم ليشكّلوا حلقة مرسلين يذهبون اثنين اثنين فيكوِّنون ستّ فرق.

بعد اليوم، هم الاثنا عشر الذين جعل منهم يسوع رسُلاً. سيسمّون مرارًا بهذا الاسم، وتكون رسالتهم تواصلاً لرسالة معلِّمهم. هي رسالة محدودة في الزّمان والمكان، شأنها شأن رسالة يسوع. ولكنّها أيضًا رسالة شاملة وأبديّة، لأنّها تتعدّى إطار مُهمّة فرضتها ظروف خاصّة. رسالة تبدأ في أرض إسرائيل ولكنّها تهيِّئ رسالة الكنيسة في العالم.