توصيات يسوع في زمن الاضطهاد

 

متّى 16 :10 - 20

مع بداية ف 10، ننتقل إلى مرحلة هامّة في خبر متّى. فإذا أخذنا بالبنية التي تجعل كلّ الإنجيل الأوّل يتمحور حول خمس خطب، نرى أنّنا وصلنا هنا إلى الخطبة الثانية. في الأولى، برز »البرّ« أو الأمانة للملكوت (ف 5 - 7). وفي الثالثة سيصوّر الإنجيلي »سرّ« الملكوت في الأمثال. وفي الثانية، قدّم لنا المنادين بهذا الملكوت، والتعليماتِ التي نالوها قبل أن ينطلقوا في المهمّة التي سلّمهم إيّاها يسوع. إذا عُدنا إلى الوراء، نرى أنّ فكرة السلطة تشرف على ف 5 - 9: سلطة يسوع في تفسيره للشريعة (ف 5 - 7): قيل لكم... أمّا أنا فأقول. سلطة يسوع في علاقته مع السلطات الدينيّة كالفرّيسيّين، ومع الشياطين المتخفيّة وراء الأمراض. أمّا في ف 10، فنجد »سلطة« يسوع كما أعطاها لرسله في قيادة شعبه.

نبدأ فنقول إنّ يسوع لا ينشِّئ رسُلَه على سلطة يستطيعون أن ينالوها من الله كما نالها هو. بل هو يُعطيهم سلطةً تسلّمَها من أبيه. هي سلطة تتوجَّه كلّها نحو المهمّة الرسوليّة من طَرْد شياطين وشفاء مرضى وكرازةٍ بالملكوت. ثمّ إنّ هذه السلطة تُعطى، ولكنّها تبقى متّصلة بيسوعَ ينبوع هذه السلطة: »مَنْ سمع منكم فقد سمع منّي«. أخيرًا، إنّ هذه السلطة ستصطدم، شأنها شأن سلطة المسيح، بالرفض واللامبالاة من قِبَلِ البشر. هي تُقدَّم للناس ولا تُفرَض عليهم. هي سلطة المحبّة لا سلطة الإكراه. ستبدو في الظاهر ضعيفةً، ولكنّها تبدو قويّة في إطار ملكوت الله، والكلمة التي تحملها تبدو كسيفٍ ذي حدّين.

لقد اعطي لرسُل يسوعَ قبل كلِّ شيء أن يُعلنوا الملكوت الذي دشّنه يسوع. فسلطتُهم والآيات المرتبطة بهذه السلطة، تعود إذن إلى حدث تاريخيّ محدّد. وسيكون دورهم بأن يدعوا الناس إلى التوبة، بأن يكون تعليمهم امتدادًا لتعليم يسوع، وعملهم امتدادًا لعمله. وسوف نرى في ف 18 ما ستكون عليه القواعد التي توجّهُ هذه الجماعة: قاعدةُ التواضع والخدمة، البحثُ عن الخروف الضالّ، التسامح الأخويّ، الوحدة في الصلاة المشتركة على ما نقرأ في أع 2:46: »كانوا يلتقون كلّ يوم في الهيكل بقلب واحد، ويكسرون الخبز في البيوت... ويسبِّحون الله وينالون رضى الناس«.

1 - ها أنا أرسلكم (آ 16)

تشكّل هذه الآية صلة الوصل بين ما يسبق (10:1 - 15) وما يلي (10:17 - 25)، بين وداعة الحمام وبساطة الخراف، وبين فطنة الحيّات وحكمتها.

إنّ صورة الخراف هنا غير ما كانت في آ 6 التي شدّدت على تبدّد الشعب كخراف لا راعي لها. أمّا هنا، فالنصّ يشير إلى الوضع الخطر الذي عرفه التلاميذ المرسَلون بلا سلاح وسط خصوم أقوياء، وأعداء سوف يضطّهدونهم.

مَن هم هؤلاء الخصوم؟ لا شكّ في أنّ متّى ينطلق من كلام السيّد المسيح ليصوّر الوضع الذي تعيشه كنيسته حوالي سنة 80 - 85، في مناطق فلسطين وسوريّة. هؤلاء الخصوم هم ذئاب. وصورة الحيوان تدلّ دومًا على الشرّ المتربّص بملكوت ا؟. ثمّ إنّ الذئاب تُوضَع تجاه الحملان فتدلّ على شراسةٍ ما بعدها شراسة. هذا ما يعرفه يسوع، وهو ينبّه جماعته. هو يعرف أنّ الشرّ حاضر، ولكنّه يعلم أنّ هذا الشرّ يبقى داخل مخطّط الله، وبالتالي يؤول لخير الذين يحبّون ا؟ (روم 8:28). تتحدّث النصوص القديمة عن الذئاب الخاطفة (إر 5:6؛ حب 1:8؛ حز 22:27). في العهد الجديد، تدلّ الذئاب على الأنبياء الكذبة (7:15؛ أع 20:29)، أو على تهديد يبقى غامضًا كما في يو 10:12: »أمّا الأجير فإذا رأى الذئب مقبلاً«.

فمن تكون الذئاب في النصّ الذي ندرس؟ ربّما أناس منشقّون، وبالأحرى خصومٌ يهود (ولا سيّما الفرّيسيّين) ليسوع ولرسُله. قاسى منهم يسوع وقاست منهم كنيسته حوالي سنة 80 - 85.

والحيّات كانت كثيرة في أرض فلسطين. وهي تمثّل لدى الرابينيين اليهود والحكماء العرب، الفطنة والحكمة، بل الحيلة والخبث. هنا نتذكّر الحيّة الأولى (تك 3) التي أضلّت الإنسان وخدعته. يقابل النصّ بين فطنة الحيّات ومهارتها (14:45؛ 25:2) وبساطة الحمام ووداعتها. هناك نقاوة النيّات، بل صورة عن القلب الصريح وغير المقسّم، كما نقرأ في روم 16:19 حيث يُدعى قرّاء بولس لكي يكونوا حكماء في الخير، أنقياء (سليمي الطويّة) في الشرّ. وعلى تلاميذ يسوع أن يكونوا في نشاطهم الرسوليّ فطناء، حكماء، لا ملتوين ولا معوجّين. عليهم أن لا يفكِّروا بشرٍّ يعملونه حتّى لخصومهم، فيكونوا أبناء أبيهم الذي يُشرق شمسه على الأشرار والأخيار.

2 - الآلام التي تنتظر الرسُل (آ 17 - 18)

في 10:1 - 16 سيطرَ موضوع السلطة المعطاة للتلاميذ لكي ينادوا بالملكوت. ولكن لا إشارة واضحة إلى الآلام التي تنتظرهم. كان هناك تلميح في آ 13 - 15 إلى أناس يرفضون التلاميذ فيتركون هؤلاء المكانَ نافضين الغبار عن أرجلهم. ونبّهتنا آ 16 إلى الذئاب التي ستهاجم مرسلي الربّ. ولكن الحديث عن مقاومة تعترضهم ظلّت غامضة، كما سيطرَ جو$ من النصر على نشاطهم الرسوليّ. أمّا بعد آ 17 فتبدّل الوضع. سيكون التلاميذ مبغَضين. ويصوّر النصّ مِحَنَهم القريبة بحيث نستطيع أن نحدّد طبيعتها ووسطها الجغرافيّ. فالناس الذين تتحدّث عنهم آ 17 هم اليهود، وهم يتميَّزون عن الوثنيّين (آ 18). إنّهم قريبون من الرسُل، هم الأخ والأب كما تقول آ 21. ومع ذلك، سيكون البغض عامٌّا، سيأتي من جميع الناس(آ 22). سيكون بغضٌ في كلِّ مدن إسرائيل (آ 23).

ماذا تكون تعزية الرسُل في تلك الساعة؟ لن تكون بذكر الانتصارات التي يحوزونها. ستكون تعزيتهم بأن يعرفوا أنّ معلِّمهم قاسى قبلهم الآلام التي يقاسونها. فيجب أن لا يتعجّبوا من ذلك!

إنّ الكلمات الأولى في آ 17 تستعيد موضوع الفطنة الذي قرأناه في آ61، مع تعابير جديدة. »انتبهوا، إحذروا«. أي إحفظوا نفوسكم، أبعدوا، أرفضوا شيئًا. كما في 7:15: »إحذروا الأنبياء الكذّابين«. أو في 16:6: »إحذروا خمير الفرّيسيّين«. وفي معنى ثانٍ، كونوا على حذر لأنّ الوضع صعب ويتطلّب التنبّه. كما في 6:1: »إيّاكم أن تعملوا الخير أمام الناس«. فيسوع لا ينصح تلاميذه بأن يبتعدوا عن المجتمعِ، عن البشر، بل أن يأخذوا حَذَرَهم في لقائهم مع البشر فلا يُخدَعوا. يجب أن لا ينسوا أنّ هؤلاء الناس أنفسهم قد أذلّوا معلّمهم. قال بولس عنهم: »فهم الذين قتلوا الربّ يسوع والأنبياء واضطهدونا« (1 تس 2:15). فماذا تنتظرون أنتم منهم؟

تحدّث النصّ عن المجامع، عن هؤلاء »الشيوخ« المحليّين الذين اتّخذوا بعد سقوط أورشليم (70 ب.م.) أهمّيّة كبرى (5:22: حكم القاضي؛ 26:29: يطلبون شهادة زور على يسوع ليقتلوه). كانت هناك قاعة خاصّة يُجلد فيها مَن يُحكم عليه. كان الجَلد يتمّ بالعصا (تث 25:2). ولكن تأثّر اليهود بالرومان فاستعملوا السياط والمجالد (2 كور 11:25؛ أع 16:22).

هؤلاء الولاة (مثل بيلاطس 27:2 - 11 - 14) والملوك في المقاطعات، لن يتّخذوا مبادرة اضطهاد المسيحيّين لولا سخط اليهود الذين سيطلبون الحكم على هؤلاء »المنشقّين«. يسميّهم يوحنّا في سفر الرؤيا: الوحش الثاني (النبيّ الكاذب) الذي يُقنع الوحش الأوّل، أو السلطة السياسيّة، باضطهاد المسيحيّين.

ستضطهدون »من أجلي«. لا بسبب عملي الخفيّ فيكم، بل لأنّكم تلاميذي (5:11). ولكن لهذا العنف معنى يجب على المسيحيّين أن لا ينسوه. سيكون مناسبةَ شهادة للمسيح وللملكوت. سيسمع الجميعُ بالبشارة. والملوك يسمعون بوجود ملكوت آخر ليس من هذا العالم.

3 - موقف التلاميذ (آ 19 - 20)

»لا تهتمّوا«، لا ينشغل بالكم. لا تضطربوا. هذا ما قاله يسوع في خطبة الجبل: »لا يهمّكم لحياتكم ما تأكلون وما تشربون« (6:25). مثلُ هذا الهمّ يجعل الإنسان بعيدًا عن عطايا ا؟، بعيدًا عن عطاياه الماديّة من طعام أو شراب ولباس (6:24 ي)، بعيدًا عن كلام مُلهَم يساعدهم على إعلان إيمانهم بكلام يشهد لمعلّمهم. هذا هو الاهتمام الذي يتحدّث عنه النصّ هنا. إذن، لن يردّد الرسُل أمثولة حفظوها عن ظهر قلبهم عن يسوع وملكوته. بل يُعطون الكلمة التي »تُفحم« (هنا نتذكّر الشهداء). ثمّ لن يهتمّوا بالدفاع عن أنفسهم (لو 12:11: لا يهمّكم كيف تُدافعون عن أنفسكم)، بل بالشهادة التي يؤدّونها لمعلِّمهم. ستُعطى لهم الكلماتُ اللازمة من أجل هذه الشجاعة. قال أش 50:4: »الربّ أعطاني لسان التلاميذ«. وبولس الرسول: »في دفاعي الأوّل لم يحضر أحد للدفاع عنّي... ولكنّ الربّ كان معي وقوَّاني لتُعلن البشارةُ على يدي على أحسن وجه ويسمعها جميعُ الوثنيّين« (2 تم 4:16 - 17؛ فل 1:19).

إنّ آ 20 تجعلنا نفكِّر بادئ ذي بدء في إلهام آليّ يُلغي كلّ مشاركة لدى الشاهد. كلاّ ثمّ كلاّ. فالله لا يشهد عنّا. فقد شهد شهادة حسنة في عهد بنطيوس بيلاطس (1 تم 6:13). بل هو يكون معنا. يُعطى لنا. يتكلّم فينا الروح القدس. فالإنسان لا يكون في ملء ذاته، إلاّ حين يُمنح له روح الآب عطيّة مجّانيّة. تكلّم لو 21:15 عن الكلام والحكمة اللذين سيُعطيان للتلاميذ فيعجز خصومهم أمامهم. أمّا متّى فتحدّث عن الروح الذي يُعطى للرسل فيشهدون شهادة تصل بهم إلى الاستشهاد، إلى الموت. هذا ما حدث لهم في أع 4:31 بعد التهديد لبطرس ويوحنّا، بل للكنيسة: »بينما هم يصلّون اهتزّ المكان الذي كانوا مجتمعين فيه. وامتلأوا كلّهم من الروح القدس. فأخذوا يعلنون كلمة الله بجرأة«.