فسّر لنا مَثَل الزؤان

 

متّى 36:13 - 43

نحن هنا في الخطبة الثالثة من خطب متّى: خطبة الأمثال (ف 13). تحدّثت الخطبة الأولى (ف 5 - 7) عن البرّ في الملكوت. والثانية (ف 10) تحدّثت عن إعلان هذا الملكوت في العالم. والثالثة عن سرّ الملكوت.

حين نعود إلى متّى نرى أنّه يكتُبُ أو يعلِّم لمجموعتين من السامعين: من جهة إلى التلاميذ أي كنيسة سوريّة - لبنان - فلسطين التي انتمى إليها الإنجيليّ الأوّل حوالي سنة 80. ومن جهةٍ ثانيةٍ إلى الفرِّيسيّين (والكتبة) الذين يُجادل معهم، وهم يُمثِّلون العالَم اليهوديّ بعد دمار إورشليم سنة 70 وانفصاله التّام عن المسيحيّة. في هذا المنظار تأتي أمثال الملكوت (ف 13) بعد جدالات عنيفة في ف 12. فَسَّرَ متّى للتلاميذ لماذا لم يسطَع الملكوتُ في كلِّ مجده بعد أن دشّنه يسوع. ولماذا حُرمت بداية رسالة يسوع من العظمة والقوّة. أمّا الذين في الخارج (13: 11؛ نر 4:11) وبعد الانقطاع المصوّر في (12: 38 - 50)، فَيَرون الملكوت من الخارج، وهذا ما يثبتهم في رفضهم الإيمان بالمسيح. هذا جزء من السرِّ، أي مخطّط الله من أجل ملكوته.

1 - مثل الزؤان

قدّم متّى سبعة أمثال (علامة الكمال) وشرح اثنين منهما: مَثَل الزّارع ومَثَل الزؤان. مَثَل الزؤان هو خاصّ بمتّى وهو في امتداد مَثَل الزّارع. في هذا المثل، نعرف أنّ نموَّ الملكوت الأخير لا يتمّ من دون فَشَلِ مؤلم. ويتابع مَثَل الزؤان فيطرح السؤال: هذا الفشل، هذه المقاومةُ للملكوت، هذا العملُ الذي هو عمل الشريّر، أما يُمكن أن نُزيلَه الآن وبسرعة؟ يُحارب هذان المثَلان قلّة الصبر عند المؤمنين الذين ينتظرون مجيء المسيح الثاني. يعلن الأوّل أنّ جزءًا كبيرًا من الزّرع سيهلك. ويؤكِّد الثاني أنّنا لا نستطيع أن نسبق الزمن وندمّر عمل الشرّير قبل ساعة الحصاد.

جاء مَثَل الزّارع في مقدّمة الأمثال. وجُعل مَثَل الزؤان مع سلسلة من الأمثال هي: حبّة الخردل، الخميرة، الكنز، اللؤلؤة، الشّبكة. وجُعلَ مَثَلَي حبّة الخردل والخميرة بين مَثَل الزؤان وتفسيره. أيكون متّى استعمل مَرجَعين مستقلَّين، واحدًا يتضمّن المثَلَ وآخر يتضمّن تفسيرَ المَثَل؟ أَوَ تَكون كنيسة متّى تأمّلت في مُجمل أقوال يسوع فقدّمت تفسيرًا يُفهمها أنّ عليها أن تنتظر وقتَ الحصاد لكي تفصل الزرع الجيّد عن الزؤان؟

هنا نُقابل بين المثل وتفسيره. هل مدلولهما الأساسيّ واحد؟ هل معناهما واحد؟ هل نجد الألفاظ عينها والنظّرة الواحدة؟ هل يعودان إلى الوسط التاريخيّ عينه؟

نذكُر هنا معنى مَثَل الزؤان: حرب على قلّة الصبّر المسيحانيّة قي أيّام المسيح: »لن يوجد وسط شعبك إلاّ الأبرار« (أش 6: 21). كم نحن قريبون من جماعة قمران الباحثة عن »نقاوة« شعب الله الذي لا يضمّ في وسطه أيّ خاطئ! يؤكِّد مَثَل الزؤان أنّ زمن الملكوت قد حلّ، وأن الحصاد الأخير صار قريبًا، ولكن ساعة الديّنونة لم تدقّ بعدُ. كما أنّ الديّنونة لا تخصُّ »التلاميذ« (آ 36) ولا »عبيد« ربّ البيت (13: 27).

هناك واقعان يلفتان الانتباه بشكلّ مباشر. إنّ آ 36 - 43 ليست في العمق تفسيرًا للمّثّل، فهي تترك من دون جواب سؤالين حاسمين لكلِّ سامعٍ في القرن الأوّل المسحيّ: من هو ابن الإنسان هذا (آ 37ب) الذي يقوم بالحصاد في آخر الأزمنة (الحصاد الاسكاتولوجيّ)؟ ثمّ، مَتى تأتي نهاية العالَم هذه التي يحدّثوننا عنها؟

إذن، نحن بالأحرى أمام تكرار للمَثَل. والتوّضيحات التّفصيليّة تكتفي بإبراز الأسئلة الحاسمة. والبرهان على ذلك نجده في الكلمات الأخيرة: ما كان السّامع يتلقّى تحريضًا على السمّاع لو قَدّمت له هذه الآياتُ المعنى الكامل للمثل. أمّا الجديد في هذه الآيات (بالنسبة للمَثَل) فهو أنّ الزّرع الجيّد ليس الملكوت بل بَنو الملكوت. وأنّ الزؤان ليس الشرّ بشكلٍ عامّ، بل بنو الشرّير (آ 38)، أو فاعلو الإثم (آ 41ب). إنّ مضامين المَثَل تُطبّق على مسائل بشريّة وخُلُقيّة، لا على مسائل كنسيّة: فالخطأة يُطرَدون من الملكوت، ولكنّهم لا يُطرَدون من الكنيسة.

2 - وجاء إلى البيت (آ 36)

يتحدّث النصّ عن البيت كما في 13:1. هذا البيت هو قبل كلِّ شيء الموضع الذي فيه يكون يسوع وحدَه مع تلاميذه. فيه يَردُّ يسوع على أسئلة التلاميذ (13: 10). وعلى أسئلة كنيسة متّى التي يمثّلها هنا التلاميذ الذين دنوا من يسوع (آ 36؛ 13: 10). البيت سيصير في الجماعة، الكنيسةَ التي يجتمع فيه المؤمنون لكسر الخبز والاستماع إلى تعليم الرسل والذين جاؤوا بعدهم.

وطلب الرسُل من يسوع أن يُطلعهم على معنى المَثَل، طلبوا تفسيرًا وإيضاحًا. لا شكّ في أنّ المَثَل كان واضحًا، ولكنّ جماعة متّى طلبت تفسيرًا يتوجّه إليها في وجودها اليوميّ حوالي سنة 80. وستفهم الزؤان في صيغة الجمع، لا في صيغة الفرد. الزؤانات هم البشر، وكذلك الزرع الجيّد.

3 - تفسير المَثَل (آ 37 - 39)

فأجابهم يسوع دون أن يلبيّ فضولهم الديني والمسيحانيّ. الزّارع هو ابن الإنسان. هو يسوع نفسه. ما زالت الشكوك هنا.

لا تَرِدُ عبارة بنو الملكوت إلاّ هنا وفي 8:12. هي تدلّ على اليهود الذين هم الوارثون التقليديون للملكوت، والذي يُطرحون خارجًا بسبب عدم إيمانهم. أمّا هنا فهي ترتدي معنى مختلفًا: بنو الملكوت هم الوارثون الحقيقيّون للملكوت، المؤمنون، التلاميذ الحقيقيّون، المسيحيّون. هم يقابلون بني الشرير (راجع 13: 19) الذين هم خليقة إبليس والذين يعملون عمله. لا ترد هذه العبارةُ (بنو الشرير) إلاّ في هذا الموضع من العهد الجديد، ولكنّها تتّخذ معناها من عدّة عبارات موازية: بنو الله (5: 9). بنو العرس (9: 15). بنو جهنّم (23:15). بنو العهد (رسل 3: 25). بنو المعصيّة (أف 2:2). إنّ هذه الطريقة في قسمة البشريّة إلى مجموعتين متعارضتين، انتشرت في العالم اليهوديّ في القرن الأوّل المسيحيّ (في قُمران مثلاً). قالت جماعة قُمران: الأبرار هم داخل الجماعة والأشرار خارجها، ولا مزجَ بين الاثنين. ولكنّ تلاميذ يسوع لا يستطيعون أن يفصلوا الأبرار عن الأشرار، فالكنيسة فيها القدّيسون والخطأة، والله؟ وحده هو الذي يميّزهم. يبقى علينا أن ننتظر الديّنونة وساعة الحصاد.

وتحدّثت آ 39 عن الشيطان الذي هو العدو، عن الحصاد الذي هو نهاية العالم، عن الملائكة الذين ينفِّذون الديّنونة (13: 41؛ 24: 31؛ 25: 31). الملائكة هم في خدمة ا؟. وفي هذا المَثَل هم في خدمة ابن الإنسان. إنهم لا يسحقون عظماء الأرض كما تقول الكتب الجليانيّة، بل ينقّون الملكوت من المعاثر والخاطئين.

4 - تطبيق المَثَل (آ 40 - 43)

مع آ 40 يبدأ الشقّ الثاني من المقطوعة. تألّفت آ 37 - 39 من سلسلة من سبعة تحديدات (عدد الكمال). أمّا آ 40 - 43 فهي تًصوّرُ في الألفاظ الجليانيّة التقليديّة، الديّنونةَ الأخيرة. مُنتهى المَثَل يقول لنا إنّ الديّنونة تأتي في وقتها فلا حاجة إلى العَجَلة.

لا تردُ عبارة ملكوت ابن الإنسان في كلّ العهد الجديد إلاّ هنا وفي 16: 28 (حتى يروا ابن الإنسان آتيًا في ملكوته). عرف لوقا فكرة ملكوت المسيح (1: 33؛ 22: 30؛ 23: 42؛ متّى 20: 21). وعبارة كلّ المعاثر، أو: الشكوك، وفاعلي الإثم، تجعلنا نفكّر في صف 1: 3 (المعاثر وجميع المنافقين) الذي انطلق منه متّى ليصل بنا إلى الذين يتجاوزون الشريعة.أمّا لفظة معثرة فتَردُ هنا في معنى خُلقي كما في 5: 29 وتدلُّ على الحاجز، على الفخّ والشرك (18: 8).

أتون النّار: موضوع معروف في دا 3:6: يلقي نبوكد نصّر كلّ عاصٍ في أتون نار متقّدة. هذا هو أقسى عِقاب. أمّا البكاء وصريف الأسنان فَقَد سبقَ متّى وذكره في 8:12 كما سيذكره في 24:51 و25:30. نحن أمام عبارة تدلُّ على غيظ الأشرار وغضبهم حين يرون سعادة الأبرار (مز 35: 16؛ 37: 12).

الصدِّيقون أو الأبرار يقابلون فاعلي الاثم. لقد مارسوا بأمانةٍ شريعة الله هذه الشريعة التي أعاد يسوع تفسيرها (9: 13؛ 13: 49؛ 23: 28). هؤلاء الأبرار يضيئون (دا 12: 1 - 3) مثلَ الشمس (ملا 4: 2؛ متّى 17: 2). أي يشعُّون بشعاع ينبوع الخلاص، بشعاع الله المخلِّص والملك.

خاتمة

إن لم يكن وقت إعدام الشرِّ والأشرار قد حلّ بعد، إلاّ أنّه سيأتي بشكل أكيدٍ في يومٍ من الأيّام. وها قد حرّره متّى بصوَرٍ عرفها الأدب الجليانيّ عند اليهود.

إنّ القسمة بين الأخيار والأشرار، بين الصدّيقين والمنافقين، بين المؤمنين واللامؤمنين لن تتمّ قبل الوقت المحدّد. ولن نستطيع قبل نهاية الأزمنة أن نرى الملكوت ونتميّز »القائمين« فيه. هذا هو وضع الكنيسة في العالم وحياتها مخفيّة مع المسيح في الله (كور 3:3). والربّ يعررف الذين يخصّونه (2 تم 2: 19). إنّ الكنيسة تعيش في العالم وهي تنتظرظهور دينونة الله. يبقى عليها السهر وحياة الأمانة التي يطلبها الله منها يومًا بعد يوم.