من أراد أن يتبعني

 

 

متّى 24:16 - 28

جعل متّى في هذا الموضع خمسة أقوال ليسوع نجدها أيضًا عند مرقس ولوقا. وهكذا يرتبط متّى ولوقا بمرقس. بعد الأقوال الثلاثة الأولى المركّزة على فكرة التجرّد والألم مع يسوع، يأتي إعلانان ليسوع حول مجده القريب.

حاول الإزائيون الثلاثة (أي متّى ومرقس ولوقا) أن يجمعوا هنا أقوالاً بدت في الأصل متفرّقة، فربطوها بأداة العطف. هناك قول أوّل (مَن أراد أن يتبعني) تتبعه أربعة أقوالٍ تبدو بشكل شروح أو استنتاجات. نحن أمام أسلوب تربويّ لا أسلوب منطقيّ. نحن أمام سلسلة نداءات تتوخّى تحريك الارادة في خطّ واضح جدًا.

وترتدي هذه الأقوال الخمسة تماسكًا لاهوتيٌّا حقيقيٌّا. فالعبارات »كفر بنفسه، حمل صليبه، خسر نفسه، وجد نفسه«، والإشارة الأخيرة إلى الدينونة، كلّ هذا يعود بنا إلى شخص يسوع. لسنا أمام تخلٍّ عن الذات، أمام ألم وتجرّد ننظر إليه في ذاته. كلّ هذه العبارات التي قرأناها في مواضع أخرى تخضع لعبارة أساسيّة: اتّباع يسوع.

وهكذا تكون هذه المقطوعة التي ندرس، حقٌّا في مكانها. فبعد أن بيّن يسوع (كما في إنجيل متّى) ضرورة (آ 21: يجب، ينبغي) آلامه، طلب من تلاميذه أن يتبعوه في هذا الطريق المؤلم. وهذا التحريض يتوجّه إلى المسيحيّين في كنيسة متّى حوالي سنة 80، كما يتوجّه إلى التلاميذ المتحلّقين حول يسوع بعد حوار قيصريّة فيلبس.

1 - نتبع يسوع (آ 24)

وجّه يسوع كلامه إلى تلاميذه. لا ننسَ هذا الوضع. ففي كلّ هذا السياق، تقف حلقةُ التلاميذ في المستوى الأوّل من الخبر. والتلاميذ ليسوا الرسل الاثني عشر فقط. ويجب أن لا نجعل من هذه التعليمات نصائح محفوظة لنخبة مسيحيّة تبحث عن الكمال. كلّ مَنْ (مهما كان) يريد أن يتبع يسوع، عليه أن يسمع هذه الأقوال ويخضع لها، لأنّ فيها الحياة المسيحيّة بكلّ بساطتها. ولقد أبرز لوقا هذه السمة فقال: »أخذ يسوع يقول للجميع« (9: 23)، لا لفئة معيّنة من الناس.

لسنا هنا أمام جملة شرطية (إن شئت). بل أمام تأكيد لا بدّ منه. فالمسيحِ يتوجّه هنا إلى أناس بدأوا يتبعونه منذ بعض الوقت، ولكنهم لم يقدّروا حتّى الآن بُعدَ مسيرتهم في خطى يسوع. وفعل »أراد« في متّى لا يصوّر فقط شبه إرادة أو إرادة ضعيفة، بل التزامًا إيجابيٌّا يفعل في الإنسان.

إذن، نستطيع أن نفهم تسلسل الافعال الثلاثة (كفر، حمل، تبع) بشكلين رئيسيين: إما تصوّر الشروط التي يقدّمها يسوع لتلميذه. وإمّا تصوّر بما تقوم فعلاً حياةُ التلميذ هذه. إنّ نداء يسوع يفتح للمسيحيّين طريقًا قاسية، ولكنها تقودهم إلى المثل الأعلى فترسم فيهم المثال الإلهي. وهذا ما تفهمه النفوسُ السخيّة.

والتجنّد في خطى يسوع يقوم بأن ينكر الإنسان نفسه فيحمل صليبه ويتبع يسوع. فمَن أراد أن يتبع يسوع، وجد محورًا جديدًا لحياته. لم تعد علّة وجوده في ذاته. إنّه يتبع مشيئة أخرى غير مشيئته الخاصّة. يتبع مصيرًا آخر غير مصيره الخاصّ. لسنا أمام مجهود نسيطر فيه على ذواتنا، ولا أمام تخلٍ عن خطيئة أو ميل سيِّئ. الإنسان يبقى هو هو، ولكنّه لم يعد ملك نفسه. فالإنسان كلّه قد »أصيب«. والتلميذ تحرّك ليسير على خطى المسيح.

قد تكون عبارة »حمل صليبه« اتَّخذت على شفتي يسوع شكلاً آخر ولم تلمّح بشكل مباشر إلى موته. فجاء متّى وجعلها في إطار مسيحيّ ساعة صار الصليب العلامة المسيحيّة البارزة. ولكن في سياق هذا النصّ، ارتدى حمْلُ الصليب مفهومًا واضحًا جدٌّا. إنّه ليس نداء لتحمّل الألم والعزلة بصبر، ولا هو تحريض لقبول المعاكسات والشدائد، ولا هو نصيحة للتجرّد عن الذات في إنكار شخصيتنا، ولا هو دعوة لقبول الذات كما هي؛ نحن أمام قول يوجّه إلى التلاميذ الذين يتبعون يسوع فينبّههم إلى أنّ معلّمهم سيُرذل ويُهان بيد شعبه، وإلى أن عليهم أن ينتظروا الخطر إذا أرادوا أن يكونوا له أمناء.

بَعد هذا نفهم بوضوح ماذا يعني »نكران الذات«: هو التخلّي عن كلّ »تأمين« شخصي على المستوى الخلقيّ والاجتماعيّ والدينيّ، لكي نتبع معلّمًا يقودنا إلى لاطمأنينة جذريّة، إلى الموت، بعد أن يتركنا الأهلُ والأصدقاء. إن عبارة »تبع معلّمًا« تعني الانتماء إلى مجموعة تلاميذ. نأخذ »بدروس« معلّم، ونخدمه. غير أنّ هذا المعلّم (يسوع) لا يكتفي بأن يجمع حوله بعض رجال يسمعون له ويُعجَبون به. فمصيره مع ما يحمل من قلق يؤثّر على مصير الذين يتبعونه.

2 - نخلّص نفوسنا (آ 25)

إذا كانت آ 24 تعلن نداء خاصٌّا لنتبع يسوع في آلامه التاريخيّة، فإنّ آ 25 تقدّم لنا نتيجة ملموسة لهذا النداء: نخلّص نفوسنا، أيّ نتخلّى عن يسوع في طريق الصليب، وبالتالي لا نعود نشاركه في الخلاص الذي يحمله. ولكننا نضيع نفوسنا (نخسر نفوسنا) حين نخاطر حتّى في الموت لكي نبقى مع المسيح. وهكذا نجد نفوسنا.

ونقدّم الملاحظات التالية. الأولى: لا نجد قول المسيح هذا فقط في مر8:35 (الذي زاد: من أجل الإنجيل)، بل في متّى 10: 39 ولو 17: 33. هذا التعبير الأخير الذي نجده في يو 12: 25 لا يتضمّن عبارة »من أجلي ومن أجل الإنجيل«. ولكنه يوجّه أنظارنا إلى يسوع المسيح.

الملاحظة الثانية: يلعب هذا القول على معنيين مختلفين للفظة »نفس« (نسمة الحياة، الحياة). تدلّ هذه اللفظة أوّلاً على الشخص المحدّد الذي نحاول أن نخلّصه حين نرفض الاستشهاد. وتدلّ أيضًا على الحياة الأبديّة (كما في إنجيل يوحنّا) التي يجدها الشهيد في سبيل المسيح. لا تعارض هذه الآيةُ بين مدلولين، وكأنّنا نستطيع أن نكسب الحياة الأبديّة دون الاهتمام بالحياة اليوميّة. بل إذا أردنا أن نكسب الحياة الأبديّة، وَجَبَ علينا أن نخاطر بنفسنا، بدمنا، بحياتنا. فالحياتان تتضامنان تضامنًا وثيقًا.

الملاحظة الثالثة: كيف نفهم لفظة »من أجل«؟ لكي يشهد المؤمن لي ولإنجيلي. طاعة لشخصي ولإنجيلي. نقرأ في 10: 18: »تُساقون إلى الولاة والملوك من أجلي«.

والملاحظة الرابعة: ماذا يعني فعل »وجد«؟ له معنى اسكاتولوجيّ معروف في العالم اليهوديِّ. وجد، أيّ: تقبّل من الله ونال، اكتشف فجأة، فَهِمَ، أدرَك. نحن نكتشف بإعجاب واقع الملكوت، نجده في نهاية الأزمنة، ونتقبّل من الله الخيرات الأخيرة التي انتظرناها منذ زمن بعيد في الرجاء.

3 - نخسر نفوسنا (آ 26)

النفس هي الحياة كما قلنا في شرح الآية السابقة. نحن لسنا أمام تعارض ثنائيٍّ بين الخيرات الماديّة والنفس الروحيّة، بل أمام تعارض موقّت بين هذا العالم الذي يزول وبين حياة المؤمن التي هي في الوقت عينه آنيّة وأبديّة. هناك معنى واحد للآيتين 25 و26: من تبع المسيح المتألّم تعرّض لخسران حياته في الاستشهاد. ولكن في نظر ا؟، يكون قد ربح حياته في الأبديّة. لسنا هنا فقط أمام »الحياة الثمينة« أو »قيمة نفس الإنسان«، بل أمام عدم الاهتمام بهذه الحياة حين يُطلب منا أن نتبع المسيح. بل أمام عدم جدوى كلِّ أموال هذا العالم حين نريد أن نربح الحياة الأبديّة التي يقدّمها يسوع للذين يريدون أن يتبعوه.

إنّ كلمة عالَم ترتدي مدلولاً معروفًا في العالم اليهوديّ: تعني مجمل الأشياء المخلوقة، ولا نيّة احتقار في نظرتنا. فكسبُ كلّ هذا الغنى ليس شرًا في ذاته. ولكنه يصير الشرّ الأكبر حين يمنع التلميذ من اتّباع يسوع. ثمّ، ليس في العالم إلاّ إمكانيّة واحدة بأن نخلِّص نفسنا أو نكسبها: حين نتبع المسيح.

4 - مجيء ابن البشر (آ 27 - 28)

تؤكّد هاتان الآيتان على التفسير الاسكاتولوجيّ الذي أعطيناه للآيات الثلاث السابقة: بما أن ابن الإنسان (يسوع) يجيء يومًا في المجد، ينبغي أن لا نتراجع أمام تضحية من التضحيات لكي نتبعه، لا نتراجع حتّى أمام الموت. إنّ مر 8:38 الذي لا نجده هنا بل في متّى 10: 33 (من يستحي بي) يدلّ على المعنى الحقيقيّ: نتبع يسوع حين لا نستحي منه ولا من كلامه أمام البشر. حين نقبل التعيير لنبقى تلاميذ أمناء له. أجل، سيأتي ابن الإنسان في مجده وملائكته معه. سيكونون شاهدين على ما فعل التلميذ خلال حياته على الأرض.

يتحدّث النصّ عن السلوك، عن العمل الأساسي، عن أعمال الإنسان التي هي أيضًا الأقوال من أجل المسيح أو ضدّه. وعمل التلميذ الأوّل هو عمل الشهادة في عالم معادٍ.

وتأتي آ 28 فتسند النداء لاتِّباع يسوع المتألّم، وتُبرز الطابعَ القريب لمجيئه في المجد. نحن نفهم هذه الآية كتوضيح للآية السابقة. ونقرأ ما يوازيها في مر 9:1 وفيها يعلن يسوع الظهور النهائيّ لملكوت الله في يوم سَيَراه فيه معاصروه. خفّف متّى التعبير فتحدّث لا عن مجيء الملكوت، بل عن مجيء ابن الإنسان في ملكه. وفتح لوقا الباب أمام تفسير روحيّ فأكّد أن المعاصرين سوف يرون أيضًا ملكوت الله.

إنتظر المعلّمون اقتراب المجيء بعد سنة 70. ورأى الشرح الحديث مجيء يسوع في التجلّي الذي يتبع حالاً هذا القول، أو في قيامة المسيح، أو في انتشار الكنيسة انتشارًا سريعًا دلّ على قدرة الله فيها.