الشاب الغنيّ

 

متّى 19: 16 - 22

 

كما في التعليم عن الزواج (19:3 - 12) انتقل يسوع من سؤالٍ خاصّ حول التعليم الخُلٌقي إلى تعليمٍ عامّ حول مصير الإنسان بالنظر إلى ملكوت السماوات. نجد في هذا الخبر، الحركة عينها التي وجدناها في حوار يسوع مع الفرّيسيّين. كان سؤالٌ خاصّ حول سلوكٍ عمليٍّ في الحياة: ماذا يجبُ أن أعمل؟ فأجاب يسوع عائدًا إلى كلمة الله كما هي في الكتاب المقدّس: الوصايا. ثم بيّن أن الحلّ الأخير لكلِّ المسائل الخُلُقيّة، يرتبط بانتظار الملكوت الذي يُعلِنه يسوع فيفرض علينا أن نتّخذ موقفًا تجاهه. وأخيرًا، كان الحدث مناسبة تعليمٍ أُعطي للتلاميذ وحدهم فأثار دهشتهم: إنّه لَيَعْسُرُ على الغنيِّ أن يدخلَ ملكوتَ السماوات. »بُهتوا جدًا وقالوا: من يستطيع إذن أن يخلص«؟

1 - خطر الغنى

تُشكِّلُ آ 16 - 30 مجموعة مركّزة على موضوع واحد، سنجد مثلها مرارًا في إنجيل متّى. هذا الموضوع هو خطر الغنى. نقرأ أوّلاً خبرًا قصيرًا (آ 16 - 22) ثم إعلانًا يقدِّمه يسوع على الموضوع. يتبع ذلك ملاحظاتُ التلاميذ وجوابُ يسوع (آ 23 - 26). بعدها يتدخّل بطرس فيُبرز التضحيات التي قام بها التلاميذ ليتبعوا يسوع. فسُرّ يسوع حالاً بهذا التدخُّل (آ 27 - 29)، ثمّ قال قولاً (آ 30) نجدُ ما يُوازيه في مر 10:31: كثيرون أوّلون يصيرون آخرين، وآخرون يصيرون أوّلين.

إنّ التعليم الذي يقدِّمه متّى هنا لا يتوجّه فقط إلى شخصٍ غريبٍ عن الكنيسة (آ 16 - 22)، بل بوجهٍ خاصّ إلى التلاميذ أنفسهم. يعني إلى أعضاء الجماعات التي كَتَبَ لها متّى في أيّامه. فكما في 16:13ي، بطرس هو الذي يتلفَّظ باسم التلاميذ بالكلمات التي تُمثِّل الجماعة وتطرح أسئلة مُقلقة على هذه الجماعة.

2 - تقدّم إنسان (آ 16)

تقدّم إنسانٌ من يسوع. بَسّط متّى المشهد فتحدّث عن شاب (آ 22). أمّا لوقا فجعل أمامنا شخصًا وجيهًا (18:18). وألغى متّى أيضًا عبارة مرقس: »أيها المعلِّم الصّالح (10:17). وهذا ما جعله أيضًا يحوِّل جواب يسوع في آ 17. شدّد مرقس على تواضع يسوع أمام الله. أمّا متّى فأبرز بالاحرى سُلطانه كمعلِّمٍ ومفسِّرٍ للشّريعة.

هذا الاختلاف الذي أراده الانجيليّون الثلاثة، لا يُقلِّل من تماسك الأخبار الثلاثة المتوازية حول سُلطة يسوع. فالثلاثة يوردون أمرَه القاطع: إتبَعْني، في شكل واحد. وهذه السُلطة تتكوّن من خضوعِ متواضعٍ ؟.

الحياة الأبديّة هي عبارة تُميِّز إنجيل يوحنّا، وهي تدلُّ على حياة يوافق عليها الله، فتنال وَعْدَ الدخول إلى الملكوت. كان المعلِّمون اليهود يقولون: الحياة في الدّهر الآتي (7:14: الطريق التي تؤدّي إلى الحياة). أمّا هنا فيقول متّى: الحياة الأبديّة، يرى اليهوديّ أنّ السؤال الحاسم يعني ما يجب أن نفعل لا ما يجب أن نكون. فمصير الإنسان يرتبط بطاعته للشريعة، لا بصفاته الذاتيّة.

3 - أجاب يسوع (آ 17)

إختلف جواب يسوع في متّى عمّا نجد في نصّ مرقس، ولكنّه احتفظ بالعنصرين الرئيسيّين: لا وجود للصلاح في حدّ ذاته. فالصالح هو ما يريده ا؟. هذا من جهة؛ ومن جهة ثانية، قد كُشِفت إرادة الله في الشريعة. إذن، لا يبقى للإنسان إلاّ مسألة الطاعة ؟ ولشريعته.

لم يُلبس يسوع معطياتِ سؤالٍ طُرِح في لُغةٍ يهوديّة، لباسًا روحيٌّا خاصٌّا؛ لقد ظلّ على مستوى التعليم القويم كما تقدِّمه الكتب المقدّسة. كان محاوره يطلب وحيًا ساميًا، سرّيًا، فتشبّه بأحد الاسيانيين الذين يبحثون عن معرفة جديدة. أجاب يسوع: إحفظِ الوصايا. أي تذكَّرْها لكي تعمل بها. نحن بعيدون عن معنى نجده في العالَم الغنوصي (يشدِّد على المعرفة الباطنيّة والخلاص بدون الصليب) فيشدِّد على السرّ الذي نحتفظ به ولا نَفشيه.

4 - الشاب والوصايا (آ 18 - 20)

إنّ سؤال الشابّ كشَفَ القلق الدينيّ الذي تُثيرُه كثرة الوصايا والفرائض. كانت تتعدّى الستّ مئة. وسؤاله يعني أنّه يطلب أكثر من الوصايا العشر التي عرفها وردّدها مرارًا كما وردت في سفر الخروج (20:12 - 16).

أورد متّى بعض الوصايا وأسبقها بأل التعريف فدلّ على أننا أمام عبارة تعليميّة في الكنيسة الأولى، كما تقول »الأبانا« فتدلّ على الصلاة الربيّة. أورد يسوع بعض الوصايا فكأنّه ذكر مُجمَل الوصايا. هو لم يقم بعمليّة اختيار مفكِّرًا بنفسيّة محاوره، بل بدأ بالوصيّة الخامسة، ثم السادسة، ثم السابعة والثامنة، وعاد إلى الرابعة وإكرام الوالدين. وتفرّد متّى عن مرقس ولوقا فذكر وصيّة محبّة القريب كما ترد في سفر اللاويِّين (19:18) »أحبب قريبك كنفسك«.

هذه أمور عرفَها الشاب وحفظها منذ زمنٍ بعيد. الشاب الذي يحدِّثنا عنه متّى قد يذكِّرنا بالموعوظين في كنيسته، بهؤلاء الذين يستعدّون لقبول سرّ العماد. لم يدلّ على فرحه لأنّه حفظ الوصايا ولا على اعتداده بنفسه حين قال: »كلّ هذا قد حفظته«. إنه يهودي ممارس. وككلِّ يهوديّ حاول أن يكون أمينًا للشريعة. ولكنه تشبّه بعددٍ كبير من أُناس عصره، فطلب شيئًا آخر. هو لا يكتفي بحفظ الوصايا، ولهذا جاء إلى يسوع وفي قلبه جوعٌ وعطشٌ إلى البرّ الذي يرافقُ مجيء الملكوت. »إن لم يزِد برّكم على برّ الكتبة والفرِّيسيِّين...« (5:20).

5 - إن شئت أن تكون كاملاً (آ 21 - 22)

تطرح هاتان الآيتان ثلاثة أسئلة بها يرتبط تفسيرُ الخبر كلّه. الأوّل: هل الكمال الذي يطلبه يسوع يحلّ محل الطاعة للوصايا التقليديّة؟ هل يكمِّلها؟ هل تكمّله حسب ما نقرأ في 5:17؟ نحن نفضِّل الشرح الثالث: حين يتبع الشابّ يسوعَ تَتِمُّ الشريعة. فيسوع جاء يكشف بساطة الشريعة وسلطتها الساطعة. وحين يتقبّل الخاطئ فهو يتيح له أن يتبعَه، يساعده على تتميم إرادة الله.

السؤال الثاني: ما هي العلاقة بين الأمر ببيع المقتنيات والأمر: اتبَعْني؟ هل يرتبط الواحد بالآخر: بِعْ لكي تتبعني؟ هل هما متساويان في الأهميّة؟ بِعْ ما تملك، وفوق هذا اتبعني؟ أو هل إنّ عملية البيع واختيار الفقر تأتي في الدرجة الأولى، وبعد هذا تتبعني بصورة طبيعيّة؟ يبدو أنّ الخيار الأوّل يفرض نفسه. القرار الأوّل: نتبع يسوع. والتّخفّي عن الأموال هو شرط يتبع ظروف حياتنا، والتصرُّف للمساكين هو نتيجة هذا التَخفّي. نحن نتخفّى عن المال لكي نعطيه. ولا يكون التّخفّي كاملاً إلاّ بحضور المسيح.

السؤال الثالث: هل فهم متّى الأمر بطلب الفقر كقاعدة عامّة تسري على جميع الذين يريدون أن يتبعوا يسوع؟ الجواب هو كلاّ. والبرهان نجده في حالات عديدة لم يُرافق فيها نداء يسوع هذه المتطلِّبة المتقدِّمة. ومع هذا، فإنّ هذا المقطع كلّه يبيّن أنّ الغنى في الفكر الإنجيليّ هو من الامتلاكات التي تعارض أكثر ما تعارض الحياة المسيحيّة.

خاتمة

ما طلبه الشاب من يسوع هو وسيلة يُبرِّر بها نفسه أمام الله، هو وصفة تؤمِّن له الحياة الأبديّة. هو يطلب الكمال، ولكنّه يطلبه في ذاته الشخصيّة، يطلبه كمِثال يحقِّقه بقواه. ولكنّ الصلاح هو في الله وحدَه، وقد تحقّق في شخص يسوع. يتبع يسوع فيحصل على الكمال. فبعد أن قال له يسوع ما قال أنهى كلامه: »تعال اتبعني«.

سمع الشاب الأمر ولكنّه لم يدرك الوعد: »يكون لك كنزٌ في السماء«. حينئذٍ بدت كلمة يسوع له وكأنها مُتطلِّبة مستحيلة، متطلِّبة لم يفكّر فيها أبدًا. حينئذٍ انتصب بينه وبين الله صنمٌ سرّيَ يملأ حياته. وهذا الصنم هو الغنى. فرفْضُه وابتعاده الفجائي وحزنه، كلّ هذا يدلّ على تعلّقه بهذا الصنم الذي ملأ له حياته، فلم يترك له بأن يرى شيئًا آخر غيره.

قال له يسوع: اتبَعْني، ففرض عليه خيارًا حاسمًا. ولكنّه سبق له واختار المال على الله. عَبَدَ المال لا الله،فكان كأنّه رفض الوصايا كلّها بعد أن رفض الوصيّة الأولى: لا يكن لك إلهٌ غيري.