الحرّاس على القبر

 

 

متّى 62:27 - 66

كان يمكن أن ينتهي كلّ شيء مع صلب يسوع وإعلان قائد المئة وجنوده بأنّ هذا الرجل كان بالحقيقة ابن الله (27:54). ولكن متّى الذي يكتب سنة 80 ب.م. يحتاج أن يربط كنيسته بالتاريخ، فيبيّن أنّ الجماعة التي هزّها مثار الصليب، قد عادت فالتامت من جديد عند القبر، وخصوصًا بعد القيامة.

1) خاتمة الخبر

تتكوّن خاتمة خبر الآلام من مقطعين متميّزين: دفن يسوع على يد يوسف الرامي (27:57 - 61)، والاجراءات التي اتّخذها الفرّيسيُّون ليحرسوا القبر حتى اليوم الثالث (27:62 - 66). ونحن نستشفّ لدى قراءة هذين المقطعين أنّ القيامة صارت قريبة، بل هي بدأت منذ الآن، والفرّيسيُّون يخافون يسوع »ميتًا« أكثر ممّا خافوه وهو حيّ.

ليس الرسل ولا التلاميذ هم الذين دفنوا يسوع، بل رجل مجهول من قرية الرامة. وما يفعله يذكّرنا بنصّ أش 53:9: »جُعل دفنه بين الأشرار، ولكن في موته كان مع الأغنياء«. فإنّ متّى يقول إنّ القبر كان جديدًا وقد هيّأه يوسف لنفسه.

دُفن يسوع وارتاح أعداؤه. أتراهم ينتظرون شيئًا؟ لا شكّ في ذلك. لو كان مشروح يسوع من الناس لكان مات بموته، كما قال غملائيل للمجلس حول التلاميذ (أع 5:38 - 39). ولكنَّ هذا المشروع هو من عند الله. بل الله نفسه هو الذي يقوده. لقد خاف الفرّيسيُّون وقد تذكّروا كلمات يسوع حول معجزة يونان: »لن يكون لهذا الجيل سوى آية يونان. فكما كان يونان في بطن الحوت ثلاثة أيّام وثلاث ليالٍ، هكذا يكون ابن الإنسان ثلاثة أيّام وثلاث ليالٍ في جوف الأرض«. ما حصل ليونان سيحصل ليسوع الذي سيخرج من جوف الأرض كما خرج يونان »من جوف الحوت«. لهذا اتّخذ الرؤساءُ الاحتياطاتِ اللاّزمة، فدلّوا على كفرهم وعدم إيمانهم. كان يسوعُ قد قال لهم في مثل لعازر والغني: »حتّى وإن قام واحدٌ من الموتى لا يصدّقونه« (لو 16:31). وهذا ما سيكون. سيعلن الجنود ما حدَث عند القبر، ولكنهم سيجمعون الكذب إلى الكذب، والرشوة إلى الرشوة. اشتروا يوضاس فباع معلِّمه، وسيشترون الجنود ليُخفوا واقع قيامته: سرقه الناس ونحن نيام.

2) دفن يسوع

إعتبر بعض الشرّاح أنّ يوسف الرامي كان واحدًا من أعضاء المجلس الاتقياء والمتشدّدين في المحافظة على الشريعة. لهذا لم يرضَ أن يبقى الجسد على الصليب ساعة يبدأ السبت (تث 2:22 - 23). ولكن الإنجيليّين لا يكتفون بهذا القول »اليهودي«. يقول مرقس (15:43) إنّه كان من المتعاطفين مع يسوع، »من الذين ينتظرون ملكوت ا؟«. ويقول لوقا (23:50 - 51) عنه إنّه »رجل تقيّ وصالح، وقد عارض رأي المجلس وتصرّفه«. ويقول يوحنّا (19:38) إنّه كان »تلميذًا ليسوع في السرّ خوفًا من اليهود«، شأنه شأن نيقوديموس (آ 39).

جاء الليل، وظهرت أوّل نجمة في السماء. وسوف يبدأ السبت. فجاء يوسف، ذلك الغنيّ، الذي يستطيع أن يدخل إلى بيلاطس، الذي يستطيع أن يحفر لنفسه قبرًا خلال حياته. كان يوسفُ الأوّلَ في بداية حياة يسوع، وهو خطيب مريم، وقد اهتمّ به طفلاً حتّى بلوعه. وسيكون يوسف الأخيرَ في نهاية حياة يسوع فيؤمّن له دفنة لائقة. وهكذا بدا يسوع منذ بداية حياته حتّى نهايتها، إنسانًا حقيقيٌّا، من لحم ودم، لابسًا الضعف، ومحتاجًا إلى ذراع بشريّة تهتمّ به. لا شكّ في أنّه ابن الله، ولكنه لاشى نفسه في البداية والنهاية. كان طفلاً من الأطفال في بيت لحم، وصار في أورشليم عبدًا طائعًا حتّى الموت على الصليب (فل 2:8).

يقول مرقس إنّ يوسف الرامي أنزل الجسدَ عن الصليب. أمّا متّى فيقول: أخذه، تسلّمه. كما نأخذ نحن جسد المسيح في أيدينا من أجل المناولة، ونتقبّله في قلوبنا. يبدو يوسف قريبًا من سمعان القيرواني. هذا حمل صليبَ يسوع، حمل الصليب وسار وراء يسوع. وذاك تشيّه بالتلميذ الحبيب الذي أخذ مريم إلى بيته. ماذا فعل؟ أخذ جسد يسوع ووضعه في »منزله الأبدي«، في قبر هيّأه لنفسه. وكم سيكون شرف هذا القبر عظيمًا، وكم سيُعرف اسمُ صاحبه في الكون كلّه وعلى مرّ الأجيال على مثال ما حدّث لتلك المرأة التي سكبت الطيبَ على رأس يسوع. قال عنها يسوع ما نستطيع أن نقوله عن يوسف الرامي: »حيثما تُعلن هذه البشارةُ في العالم كله، يُحدَّث أيضًا بعملها هذا، إحياء لذكرها«. ونحن نذكر يوسف الرامي كل سنة حين نتذكّر آلام يسوع ودفنه.

3) حراسة القبر

هذا المقطع خاصّ بمتّى (27:62 - 66)، وهو يشبه (27:3 - 10) الذي يتحدّث عن »ندامة« يهوذا وردّه الفضّة إلى رؤساء الكهنة. فهذان انصّان يرويان حدَثًا يتعلّق بمواضيع أورشليميّة وأشخاص عائشين في المدينة المقدّسة أو في جوارها. قد نكون هنا أمام صدى لجدالات يهوديّة في قلب الجماعة المسيحيّة الأولى في أورشليم. أمام اعتراضات تهمّ العالَم اليهوديّ، لا العالَم اليونانيّ. وهي تفترض أنّ كلّ حياة بعد الموت (وكلّ قيامة) تستقلّ عن الجسد، غير معقولة. ونستطيع أن نعبّر عنها كما يلي: إذا كان القبر قد وُجد فارغًا، فهذا يعني أنّ يسوع لم يمُت حقًا، وهذا ما يمكنه أن يحدث بالنسبة إلى إنسان مصلوب. وإن كان قد مات، فقد يكون تلاميذه سرقوه.

أمّا هذه المقطوعة فلم تتوخّ أن تقدّم البرهان على قيامة يسوع، بل أن تؤكّد فقط أنّ الجسد لم يُسرق. هذا التفصيل مهمّ من أجل فَهْمنا لفكر متّى حول القيامة. فالحرّاس لن »يلاحظوا« القيامة، بل »ارتعبوا وصاروا مثل الأموات« (28:4). فالحديث سيتوجّه إلى النسوة بفم الملاك (28:5 - 7)، ثمّ بفم القائم من الموت (28:9). وهكذا تكون قيامة يسوع واقعًا أُوحي إلى التلاميذ، لا وضعًا فُرض على أعدائه أو أشخاص لا مبالين.

خبرٌ معقول هو خبرُ حراسة القبر. قد يكون عظماء الكهنة والفرِّيسيُّون قد علموا بإنباءات يسوع حول القيامة، أو بانتظارات التلاميذ الغامضة. هيّأوا ما يلزم من أجل السبت، فاستطاعوا أن »يتفرّغوا« لقضيّة يسوع. لهذا ذهبوا إلى بيلاطس.

ظهر الفرّيسيُّون بعد أن غابوا مدّة طويلة، بل غابوا كلّيٌّا عن خبر الآلام. كانوا وجه المعارضة على مدّ إنجيل متّى، ولن يصبحوا نموذجًا عن عدم الإيمان إلاّ فيما بعد، وساعة دوّن متّى إنجيله.

وما يُقلق رؤساء الشعب دومًا هو ما يحدث في الشعب. قد يسرق التلاميذُ الجسدَ ويقولون للشعب: قام من بين الأموات. كان الإنجيل الأوّل، في معرض إيراده للإنباءات بالآلام، قد تحدّث عن اليوم الثالث. أما الفرّيسيّون فأوردوا »كلام« يسوع، وتحدّثوا عن اليوم الثالث، ليدلّوا على أن ما »أنبأ« به يسوع غير معقول. ولهذا، سوف يطلبون أن يُحرس القبر إلى اليوم الثالث، لأن الجسد يبدأ بالتفكّك في اليوم الرابع، كما خافت مرتا أن يكون قد »حدث« ذلك لأخيها لعازر (يو 11:29).

يسوع هو »مُضِل$« في نظرهم. هو »دجّال«. خلال حياته »سحر« بعض الأشخاص الذين أختارهم، كما فعل بعضُ »الأنبياء« قبله (24:11). أمّا الآن، فالخطر يهدّد الشعب كلّه. ظنّوا أنهم إن قتلوه ارتاحوا من شرّه. ولكن خطره ازداد على اليهود وعلى الرومان. ستزول أورشليم عاصمة الشعب ويتشتّت اليهود في العالم. وستزول مملكة الرومان، أمّا يسوع فلا انقضاء لملكه.

خاتمة

حين نقرأ خبر آلام يسوع وموته، ونفهم الدور الذي لعبه العالَم اليهوديّ والوثنيّ في محاربة هذا »المضلّ«، نتساءل عن دورنا نحن في محاربة يسوع في حياتنا وفي حياة جماعاتنا. هل نترك عاداتنا وتقاليدنا تسيطر على كلمة يسوع، أم نفتح له قلوبنا. نحمل صليبه ونسير وراءه مهما كان عقاب الصليب قاسيًا. ولا نخاف أن نُدخله إلى بيتنا. فبيتُ الموت يصبح بيتَ الحياة، والقبرُ سوف يشعّ بمجد القيامة. لا بدّ لنا أن نموت بعد أن استُعبدنا للخطيئة، ولا بدّ لنا أن نُدفن كما دُفن يسوع. ولكن »الذي أقام يسوع من بين الأموات يبعث الحياة في أجسادكم الفانية بروحه الذي يسكن فيكم« (روم 8:11). هذا ما قاله بولس الرسول لجماعة رومة، وهذا ما يقوله لجماعاتنا في هذا اليوم الذي فيه نتذكّر موت يسوع ودفنه، ونترجّى قيامته.