قام من بين الأموات

 

 

متّى 1:28 - 10

يعتبر كتّاب العهد الجديد أنّهم شهود أحداث تندرج في لحمة التاريخ البشريّ. أحداث عاشوها وهي تشكّل مآثر الله وأعماله العظيمة. فما يوردون هي وقائع كان الله صاحبها. فلا نستطيع أن نُنكر صحّتها دون أن نُنكر في الوقت عينه إمكانيّة تدخّل الله في التاريخ. ما رأوه وسمعوه هو ما حصل ليسوع الناصريّ. وما رأوه وسمعوه لا ينفصل عن الإيمان الذي يرتبط به. والوقائع التي يتحدّثون عنها هي »وقائع إيمانيّة«. أي لا نصل إلى عمقها إلاّ بالإيمان، وإلاّ بقينا عند سطحيّة الأمور. وهكذا نفهم أنّ شهادة الرسل عن قيامة يسوع لا تختلف في جوهرها عن الشهادة التي يؤدّونها لحياته السابقة، لأقواله ومعجزاته، لموته ودفنه. تحدّثوا عن القبر الفارغ، عن ظهورات يسوع، وهكذا ربطوا خبرتهم للقيامة بالخبرة التي عاشوها حين رافقوا يسوع على طرقات الجليل والسامرة واليهوديّة.

1 - القبر الفارغ

نتحدّث هنا عن القبر الفارغ، لا عن القيامة بحصر المعنى. فالأناجيل لا تتحدّث عن واقع القيامة وساعة حصولها، فحين يتكلَّم الملاك عن القيامة، فهو يشير إلى واقع مضى. لقد قام، سبق له وقام. نحن في صيغة الماضي، لا في الحاضر ولا في المستقبل.

هنا نلاحظ اختلافًا بين الأناجيل الإزائيّة وإنجيل يوحنّا، يقول الإزائيّون (أي متّى، مرقس، لوقا) إنّ القيامة قد أعلنت للشهود الأوّلين »بأفواه« الملائكة. لا يكفي أن ترى النسوةُ القبر فارغًا. فهذا »الفراغ« سيفسّر لهم فيما بعدُ، مع بعض اللّوم والعقاب خصوصًا في لو 24:5. أمّا في يوحنّا، فوحدها رواية القبر الفارغ أقنعت التلميذ الآخر: »رأى وآمن« (يو 20:9).

تبع متّى ما كتبه مرقس، ولكنّه تخلّى عن تفاصيل ليجعل تأثير الخبر أعمق. لم يذكر شراء الأطياب، كما لن يذكر الساعة المبكّرة لمجيء النسوة إلى القبر، ولا قلقهنّ حول الحجر الكبير. كما ترك تصوير الملاك بشكل شاب »عليه ثوبُ أبيض«. ولكنّه تفرّد فذكر الزلزال العظيم، ونزول »ملاك الربّ«، ومنظره البرّاق، والرعب الذي حلّ بالحرّاس. وحدّثنا متّى عن لقاء يسوع بالنسوة، وأمره لهنّ بأن يُعلنّ قيامته لاخوته الذين ينطلقون إلى الجليل لكي يروه هناك، نحنَ هنا قريبون من الظهور لمريم المجدليّة في يو 20:11 - 18.

نشير في هذا النصّ إلى موقع الملائكة، فنتذكّر ما في إنجيل الطفولة حسب إنجيل متّى. نجد »ملاك الربّ«، وهذا الملاك يلعب هنا الدور الذي لعبه في ميلاد يسوع: يهتمّ بشهود الحدث، يقدّم لهم مدلوله، ويحمّلهم مهمّة محدّدة، ويطيعه حالاً الشخصُ الذي أُرسل إليه. لسنا هنا على مستوى العالم الجلياني كما في سفر الرؤيا. ولا مع الملائكة الذين يحيطون بابن الإنسان حين ظهوره المجيد لجميع البشر فيدين الأحياء والأموات. بل نحن في خطّ ميلاد يسوع وتعليمه وآلامه وموته. من هذا القبيل تبدو نهاية الخبر المتّاوي لافتة للنظر، بحيث لا تُعلن القيامةُ إلاّ للإخوة. ويسوع سيعرّف بنفسه إليهم وحدهم، لا في أورشليم، بل في الجليل. إنّهم مجموعة، إنّهم »كنيسة«، إنّهم »أمّ يسوع وإخوته« (12:49)، إنّهم إخوة يسوع الصغار (25:40).

ويُطرح سؤال: لماذا لا يتضمّن التقليد الإنجيلي خبرًا عن خروج يسوع من القبر؟ اعتبرت القيامة واقعًا ماديٌّا كما في حدَث قيامة لعازر من بين الأموات. خرج كما دخل. »خرج الميّت مشدود اليدين والرجلين بالأكفان، معصوب الوجه بمنديل« (يو 11:44). أمّا يسوع فهو الحيّ. وهو سيترك الأكفان في القبر ويخرج. حين ظهر يسوع على النسوة لم يكن آتيًا من القبر، من عالم الموت، بل من السماء. لم يخرج كما خرج لعازر وحافظ على جسده الذي كان له في حياته على الأرض، وإلاّ عرفته مريم المجدلية وتليمذا عمّاوس ولم يحتاجوا إلى نعمة خاصّة لكي يفهموا أنّه يسوع.

وما يلفت النظر هو أنّ الزلزال العظيم وتدخُّل الملاك لا يتوخّيان »تأمين الطريق« لكي يخرج يسوع من القبر، بل »فتْحَ الطريق« أمام النسوة ليدخلن إلى القبر ويلاحظن أنّه فارغ. إنّهما يدلاّن بالأحرى على حضور الله في هذا المكان، والله هو إله أحياء لا إله أموات. الله هو الحيّ. فلماذا يطلب التلاميذُ »الحيّ بين الأموات«؟

2 - خبر القيامة

ونتوقّف هنا عند تفاصيل الخبر. في آ 1 نفهم أنّ السبت قد مضى وجاء اليوم الأوّل، يوم الأحد. نحن أمام يوم جديد، بل بداية جديدة. مضى السبت وزال، وحلّ محلّه يوم الأحد بعد أن ارتبط بظهور المسيح القائم من الموت. ونحن في كلّ أحد نذكر موت الربّ ونعترف بقيامته.

جاءت النسوة. مريم المجدليّة. ومريم الأخرى أمّ يعقوب ويوسف كما في متّى 27:56. لماذا جاءت النسوة إلى القبر؟ لينظرن إلى القبر. لزيارة »يسوع«. هكذا ستكون العادة في الكنيسة الأولى: يأتي المؤمنون إلى قبر يسوع من أجل الاحتفال الأسبوعيّ.

لا نجد في آ 2 - 4 »تصويرًا« لقيامة يسوع. كان الزلزال، الهزّة الأرضيّة، فانفتح القبر وخرج منه يسوع. كأنّ يسوع يحتاج إلى كلّ هذا: أما دخل إلى العلّية حيث كان التلاميذ ودخل والأبواب مغلقة، موصدة؟ ولا يأتي الملاك ليوقظ يسوع كما أوقظه تلاميذه في السفينة التي نام فيها. كما لا يأتي ليفتح له باب القبر، بل ليستقبل النسوة، ويدلّهن على القبر، ويعطيهنّ تعليمات المعلّم، تعليمات الربّ. يرتدي هذا الملاك شارات المجد الإلهي، المجد السماويّ. فاللون الأبيض هو لون المجد السماويّ (متّى 17:2)، كما يمكن أن يكون لون الفرح ولون النقاء. وهو بشكل خاصّ لون الغلبة والانتصار اللذين حازهما يسوع حين قام من القبر: غلب الخطيئة والشرّ. غلب الموت والجحيم ودكّ أبوابهما. بعد قيامة المسيح، صرنا أقوى من الخطيئة إذا شئنا. بعد قيامة المسيح، لم يعد الموت موتًا ونهاية، بل رقادًا بانتظار أن نستيقظ في صباح القيامة، قيامة يسوع وقيامتنا.

تكلّم الملاك فأعلن (آ 5 - 6). فالواقع وحده لا يكفي. لو كان كافيًا لكان فرض نفسه على الحرس. إنّه واقع إيمانيّ، لهذا ستسمع النسوةُ وحدَهنّ المدلول الحقيقيّ للفراغ الذي لاحظنه في القبر. أجل، إنّ التفسير الملائكيّ هو جزء يرتبط بحدث القيامة. ولولا كلمة الملاك، لبثت النسوة في خشية مقدّسة لا ترتبط بالقيامة. فالخبر الإنجيلي يجعلنا نشهد مرارًا هذا العبور من الرعدة المقدّسة إلى الثقة والفرح اللذين يحملهما المسيح (14:27؛ 17:6).

النسوة هنّ أوّل شهود للقيامة. هذا ما يقول الإزائيّون الثلاثة، متّى ومرقس ولوقا. أمّا إنجيل يوحنّا (ف 20) فيجعل بطرسَ والتلميذَ الحبيب أوّل الشهود بعد أن جاءت المجدليّة وأخبرتهم. المهمّ هو أن نلاحظ أنّ قيامة يسوع كُشفت أوّلاً لتلاميذه، لأصدقائه الحميمين. أمّا نتيجتها الأولى فإعادة تكوين الجماعة التي أحاطت بيسوع خلال حياته على الأرض: »أضرب الراعي فتتشتّت الخراف«، وها هو يسوع يجمعها الآن ويرسلها إلى العالم أجمع.

يجب أن تعلن القيامة للتلاميذ (آ 7 - 8). هذا ما قاله متّى. وقال مرقس: للتلاميذ ولبطرس. واختلفت تصرّفات النسوة عند متّى عمّا هو في الإنجيل الثاني. لسن مرتاعاتٍ فقط. ولكن رافق الخوفَ، عندهنّ، فرحٌ عظيم، كما في الإنجيل الأوّل.

أجل، إنّ الشهود الأوائل للقيامة ليسوا من »المتدرّجين« الذين يحتفظون »بأسرار عجيبة« لا يحقّ لأحد أن يسمعها. فما قاله يسوع في السرّ يجب أن يُكرز به على السطوح. وليسوا من »المتعصّبين« الذين يطرحون أفكارًا غريبة عجيبة. فالبساطة الإنجيليّة تفرض نفسها حتى في خبر القيامة. إنّ الشهود الأوائل حملوا التعليمات الجديدة من أجل تكوين مجموعة »الإخوة«.

وتأتي آ 9 - 10 فترتبطان ارتباطًا متراخيًا مع ما يسبق. نحن هنا أمام ترجمة متاوية لخبرة مريم المجدليّة كما رواها يو 20:11 - 18. ولكنّ هناك اختلافًا بين إنجيل وآخر. في متّى، اقتربت المرأتان وأمسكتا بقدمّي يسوع. هما تلميذتان وتظلاّن تلميذتين أمام الربّ الذي تسجدان له. أما في يوحنّا، فيسوع يمنع مريم من أن تمسكه. أرادت أن تعامله كما اعتادت أن تفعل لما كان في حياته البشريّة على الأرض. لا مجال للتوقّف، بل الذهاب إلى الرسالة. »إذهبي إلى إخوتي وقولي لهم«.

خاتمة

نستخلص من هذا المقطع ثلاث ملاحظات:

الأولى: إعتاد المسيحيّون الأولون في أورشليم أن يأتوا في حج ليكرّموا القبر الفارغ الذي حوى جثمان الربّ يسوع. واحتفظوا باسماء النسوة اللواتي اكتشفن هذا »الفراغ«. ولكنّ القبر الفارغ لا يشكّل »برهانًا« للقيامة.

الملاحظة الثانية: إن قيامة يسوع تعني انتصار الله على قوى الموت، لا عودة الحياة إلى جسد سيعرف الموت فيما بعدُ. هذا الانتصار الحاسم قد رمز إليه الإنجيليّ بنزول الملاك، ولكنه لا يستطيع أن يصوّر القيامة. إنها واقع يُفلت من التصوّرات المحسوسة.

الملاحظة الثالثة: القيامة هي موضوع إيمان، والإيمان جواب على وحي الله. وإذ أراد الإنجيليّ أن يشدّد على هذا البُعد، وضع في فم الملاك بشكل وحي إلهي، ما تُعلنه الكنيسةُ في اعتراف إيمانها. يسوعُ المصلوب قد قام وهذا الحدّثُ يشكل »اليوم الأوّل من الأسبوع«، يوم خليقة جديدة.