الاضطهادات تنتظر الكنيسة

 

 

مر 9: 13- 13

سيلقى التلاميذ الاضطهاد. لن يكون مصيرهم أفضلَ من مصير معلّمهم. وكان يسوع قد قال لهم بعد الإنباء الأوّل بالآلام: »مَنْ أراد أن يخلّص نفسه يُهلِكْها. أمّا مَنْ يهلك نفسه من أجلي ومن أجل الإنجيل فإنه يخلّصها« (8: 35). ويستعيد يسوع الآن هذا الإعلان مع عدّة تفاصيل. لقد عرف مرقس، شأنه شأن المسيحيّين في عصره، كم كانت قاسيةً الاضطهاداتُ التي قاسَتْها الكنيسة الأولى. كما أنه عرف الوضع الخطير الذي عاشته كنيسة رومة ولا سيّما في أيّام نيرون وموت بطرس وبولس.

عرفت الكنيسة اضطهادات من قِبلَ السلطات اليهوديّة، كما عرفت اضطهادات رومة، اضطهادات الولاة والملوك. وأصعب ما عرفته هو الانقسامات التي تعشّش داخل العائلة الواحدة، داخل الجماعة الواحدة. فما يكون موقفها؟ هل تيأس؟ كلا. فهي قد سمعت كلمة يسوع: »مَنْ يصبر إلى المنتهى فذاك يخلُص«. ولهذا فهي لا تخاف، بل تنظر إلى المستقبل بثقة وطيدة، وتستند إلى ذلك الذي قال إنه غلب العالم.

1 - كونوا على حذر

ها هو يسوع يحذّر الآن أخصّاءه من الاضطهادات التي تنتظرهم. جعل متّى هذا النصّ في خطبته للاثني عشر (ف 10). أمّا لوقا فقد تبع مرقس. ويوحنّا لا ينسى مصير الاثني عشر فيورد كلام يسوع: »فإذا اضطهدوني يضطهدونكم... وهم يفعلون بكم هذا كلّه من أجل اسمي، لأنهم لا يعرفون الذي أرسلني« (يو 15: 20 - 21). ونقرأ في يو 16: 2 - 3: »سيطردونكم من المجامع، بل تجيء ساعة يظنّ فيها مَنْ يقتلكم أنه يؤدّي فريضة ؟. وهم يفعلون ذلك لأنهم لا يعرفون أبي ولا يعرفوني«.

وإنّ كلام يسوع حول الاضطهادات الذي سيكون أخصّاؤه ضحيّته، يُثبته سِفرُ الأعمال وتاريخُ الكنيسة اللاحق. ذاك ما عاشته الجماعات الأولى فاعادت قراءة كلام يسوع على ضوء خبرتها الحاضرة.

الخبرة الأولى عاشتها الكنيسة في العالم اليهودي. لهذا تحدّث النصّ عن المحافل والمجامع، وكأنه يتكلّم عن شيء واحد. عن السلطات اليهوديّة، عن رؤساء المجامع، عن القضاة الثلاثة والعشرين الذين يقيمون في ظلّ المجامع ويقضون في الناس. كان »سنهدرين« أو »مجلس أعلى« واحد في العالم اليهوديّ. أمّا المحافل أو المحاكم الأوليّة فقد توزّعت في فلسطين، بل في كل العالَم الرومانيّ، وحيث تُوجَد جماعةٌ يهوديّة منظّمة حول مجمع تلتئم فيه يوم السبت. نشير إلى أنه بعد سقوط أورشليم ودمار الهيكل وتشتُّت الكهنة واندثارهم سنة 70 ب.م.، أخذت هذه المحافل تلعب دورًا كبيرًا، وسوف تَطرد من جماعاتها كلَّ مَنْ يعترف بأنّ يسوع هو المسيح (يو 9: 22 - 24؛ 12: 42).

والخبرة الثانية التي عاشتها الكنيسة كانت في العالم الرومانيّ. لعب الملوك والولاة دورًا كبيرًا في الاضطهادات الموجّهة ضدّ المسيحيّين الذين اعتُبروا أعداء المدينة، رومة، وأعداء كلّ مدينة. فحين رفضوا عبادة الامبراطور وعبادة رومة (كان هناك تمثالان وهيكل في كل مدينة)، حين رفضوا أن يقدّموا البخور في الساحة العامّة، شأنهم شأن سائر الناس (لا شواذ في المدينة؛ على الجميع أن يكونوا كالغنم. يأكلون ويشربون ولا يفكّرون. يكونون مثل الجميع)، دلّوا أنهم لا يوالون الحكم. ولكنَّ المسيحيّ لا يعرف ربًا إلاّ ا؟ الواحد، ولا يعرف سيّدًا (كيريوس، كما في كيرياليسن) إلاّ يسوع المسيح. أمّا أباطرة رومة فهم بشر وحسب، ومثل سائر البشر يموتون.

»ستُسلمون، ستُجلَدون من أجلي«. من أجل يسوع. هذا ما سبق لمرقس وقاله في 8: 35 »من أجلي ومن أجل الإنجيل«. وفي 10: 29، يقدّم يسوعُ وعدَه لبطرس وسائر الرسل: »مَنْ يترك بيتًا لأجلي ولأجل الإنجيل... تكون له الاضطهادات مع أطيب المجازاة«. وسيقول بطرس للمؤمنين في رسالته الأولى: »فإنها لَنعمةٌ أن يكابد المرء المشقّات ويحتمل الظلم لأجل الله« (2: 19). أنّ نتألّم بسبب ذنب اقترفناه، فأيّ مفخرة في ذلك؟ ولكن أن نصبر على العذاب ونحن فاعلو خير، فذلك نعمة لدى الله (آ 20). إذا كان المسيح قد تألّم من أجلنا، فهو قد أبقى لنا قدوة لكي نقتفي آثاره (آ 21).

2 - شهادة لهم

إنّ توقيف التلاميذ ومثولهم أمام السلطات، سيكونان شهادة لهم، شهادة للمضطهِدين. هذا ما عاشه بولس حين كتب إلى أهل فيلبي: »صارت قيودي في المسيح مشهورة في دار الولاية كلّها، وسائر الأنحاء« (1: 13). دافع بولس عن قضيّة الإنجيل، فكان دفاعُه مناسبة لإعلان هذا الإنجيل أمام الملوك والولاة. ولقد نجح رسول الأمم في هذا الدفاع إلى درجة كاد يقنع بها الملك أغريبا الذي هنف: »إنك بقليل ستُقنعني أن أصير مسيحيٌّا« (أع 26: 28).

استعمل مرقس مرتين هذه العبارة (شهادة لهم): مرّة أولى، حين شَفَى الأبرص: أرسله إلى الكهنة »شهادة لهم« (1: 44). لسنا فقط أمام شهادة ماديّة تعلن أنّ الأبرص شُفي وتطلب من الكهنة أن يتحقَّقوا من هذا الشفاء (لا 14: 1ي)، بل أمام شهادة من نوع آخر. لقد ذهب الأبرص يشهد ليسوع بأنه المسيح، وتطهير البرص جزء من المهمّة المسيحانيّة بحسب أشعيا. ومرّة ثانية، حين أعطى يسوع توصياته لرُسُله، قال لهم: »وأي موضع لا يقبلونكم فيه... انفضوا الغبار العالق بأرجلكم شهادة لهم« (6: 11). ينفضون الغبار عن أرجلهم، فيدلّون على أنّ هذه المدينة لم تكن أهلاً لتقبُّل الإنجيل، وهي بالتالي لا تستحقّ أن يقيم فيها رُسُل الإنجيل. وهكذا تكون هذه الشهادةُ حُكمًا على المدينة الوثنيّة، كما كانت حُكمًا على الكهنة في الهيكل، وعلى الشعب اليهودي بأكثريته.

شهادة ضدّ المضطهدين، وشهادة من أجل الإنجيل. قد يقسّي المضطهدون قلبهم فيرفضون. وقد ينفتحون على الإنجيل كما فعل بولس. فشهادة الكلمة، وشهادة الشجاعة، وشهادة الأمانة ترتبط بالشخص الذي تظهر أمامه. إن تقبّلَها، كانت له شهادة خير. وإلاّ كانت له دينونة. هنا نقابل بين مرقس ولوقا. إنّ الشهادة تلعب دورًا رئيسيًا في إنجيل لوقا؛ وهكذا نقرأ في لو 21: 13: »فيؤول لكم ذلك للشهادة«، أي يكون الدفاع »مناسبة للشهادة«. تلك هي وظيفة الاثني عشر واسطفانوس وبولس. أما في إنجيل مرقس، فالشهادة تقف في خط الأنبياء (عاموس مثلاً) وكلامهم عن يوم الربّ الذي سيكون يوم ظلمة هي سلبيّة، بمعنى أنها لا تُقبل، فتكون لدينونة أولئك الذين أُرسلت إليهم. أتراها هنا ذات وجهَين: حُكْمٌ على المضطهدين، ونداءٌ إلى الخلاص؟

3 - ينادى بالإنجيل

قد نتساءل: متى ينتهي العالم؟ ساعة تقوم أمّة على أمّة ومملكة على مملكة؟ هذا ما لا يقوله الإنجيل. نقرأ مثلاً في متّى 24:6: »ستسمعون بأخبار الحروب، فإيَّاكم أن تفزعوا. فهذا لا بدّ منه، ولكنّها لا تكون هي الآخرة«. فمتى تكون الآخرة؟

نقرأ في متّى 24: 14: »وتجيء النهاية بعدما تُعلن بشارة ملكوت الله هذه في العالَم كله«. تجيء النهاية بعد أن تصل الشهادة الإنجيليّة إلى جميع الأمم. هذا ما يجعلنا في إطار شامل، ويُخرجنا من سجن العالم اليهوديّ الذي كاد يجعل من الكنيسة شيعةً منغلقة في كهف ومغارة، شيعة مثل الفرِّيسيّين والصادوقيِّين الذين يريدون أن يستعبدوا الناس لآرائهم، لا أن يخدموهم باسم الإنجيل كما فعل المسيح. فالمسيح جاء ليَخدُم لا ليُخدَم ويبذل حياته من أجل الكثيرين.

أجل، يجب أولاً أن يُكرز بالإنجيل، حتى في قلب الاضطهادات. ولن نهتمّ ماذا نقول. وكيف نقول ما يجب أن نقوله. فالروح حاضر هنا. هذا الروح الذي سمّاه إنجيل يوحنّا البارقليط، المحامي، المساعد، العون، المدافع، الشفيع، الذي لا يسمح أن نبقى أيتامًا. هذا الروح الذي أعطى القوّة للرسل منذ زمن العنصرة فانطلقوا بلا خوف. هم الأُمِّيُّون صاروا فصحاءَ وخطباء. وأُرسلوا إلى البشريّة كلّها مهما اختلفت أجناسها وأعراقها ولغاتها. وأُرسلوا بصورة خاصّة إلى العالم الوثنيّ. هذا ما عرفه مرقس وهو الذي كتب إنجيله من أجل جماعة رومة.

ولكن لا ننسى أنّ عطيّة الروح (وظهوره)، هذه العطيّة الخارقة، لن تكون من خارج التلاميذ، بل هي تعمل فيهم. وهي ترتبط بالشهادة، بل هي لا تعمل إلاّ داخل هذه الشهادة. الروح يعمل في الداخل، ويصبح عمله محسوسًا وملموسًا إن نحن حملناه إلى الخارج. ولكن مثل هذه الشهادة سوف تقود إلى الاستشهاد والموت من أجل المسيح. هذا ما عرفته الكنيسةُ الأولى على مدّ أربعة قرون من الزمن، وما زالت اليوم تعيش حالة الاضطهاد في أبنائها، في جماعاتها. وهي اليوم مدعوّة إلى الصبر والرجاء. فالربّ الحاضر فيها لا يتخلّى عنها، وهو يحمل الخلاص إليها وإلى أولادها، شرط أن يكونوا ثابتين، غير متزعزعين.

خاتمة

إنّ كلمات يسوع هذه تريد أن تساعد التلاميذ في هذا الوضع الحرج الذي يعيشون فيه.

أوّلاً: لا نعطي هذا الوضع من الاهتمام أكثر ممّا يستحقّ. فمهما كانت الصعوبات والاضطهادات، فهي لا تسطيع أن تمنع الإنجيل من الانتشار. بل عكس ذلك. ففي حقبات السلم، كما في الساعات الصعبة، سينتشر فيصل إلى أقاصي الأرض، فيدرك جميعَ أمم العالم.

ثانيًا: لا نتّكل على قوانا وحدها كي نواجه هذا الوضع. فعون الروح القدس مكفول، مؤكَّد للذين يمثُلُون أمام السلطات المعادية من أي جهة أتت. يكفي أن نعطي فمنا، فيجعل فيه الروح الكلمات التي يجب أن نقولها. بل هو يتكلّم فينا دائمًا فيعطينا فمًا وحكمة لا يستطيع جميع خصومنا على مقاومتها. هذا ما حصل لاسطفانوس: أخذ اليهود يجادلونه، »ولكن الروح أعطاه من الحكمة ما جعلهم عاجزين عن مقاومته« (أع 6: 10).

ثالثًا: ومهما كان الوضع، نصبر حتى المنتهى. نثبت ولا نخاف على ما قال الربّ لإرميا: »جعلتك سورًا من نحاس وبابًا من حديد. يحاربونك فلا يقوون عليك، لأني معك« (إر 1: 18). فمهما قويتْ الاضطهادات، فهي لا تتغلّب إلاّ على حياة الجسد. وقد قال لنا يسوع: لا تخافوا ممّن يقتل الجسد، بل مَنْ يهلك النفس والجسد في جَهنَّم، أي الإنسان كلّه، أي الحياة الحقيقيّة. من أجل هذه الحياة نحن مستعدّون للتضحية بكلّ شيء. ونحن نعرف أنّنا إن اعترفنا بيسوع اعترف بنا، وإن أنكرناه أنكرَنا. وفي كل الحالات يبقى أمينًا لأنه لا يستطيع أن يخون نفسه. ويطلب منّا هذه الأمانة قائلاً لنا: »مَنْ يثبت إلى المنتهى فذاك يخلص«.