»السلام عليكِ يا ممتلئةً نعمةً«

 

 

لوقا 1: 26 - 38

يرجع عيدُ البشارة إلى القرن الرابع، وقد تنظّم فيما بعدُ بالنسبة إلى عيد الميلاد. تسعة أشهر تفصل 25 آذار عن 25 كانون الأوّل. والكنيسة المارونيّة تعيده أيضًا في الآحاد السابقة للميلاد وتقرأ لو 1: 26 - 38: في الشهر السادس أرسل جبرائيل الملاك من لدن الله.

إنّ بشارة الملاك لمريم العذراء تتوازى مع بشارة الملاك لزكريّا بمولد يوحنّا المعمدان. هذه الطريقة أخذها لوقا من العالَم اليوناني حيث يقدّم الكاتب سِيرتَيْن متوازيتَين، فيُبرز سموّ السيرة الثانية على الأولى. ليس المطلوب للوهلة الأولى أن نبحث عن التشابهات، بل عن الفروقات. إنّ رسم هاتين البشارتين يجعلنا نلاحظ المسافة التي تفصل يسوع عن المعمدان. هذا هو الخادم في البيت، أمّا يسوع فهو الابن. الأول هو النبيّ، أمّا الثاني فهو ابن الله.

جرى مشهد البشارة لزكريّا في إطار الهيكل مع ما فيه من هيبة وعظمة. أمّا مشهد بشارة مريم فكان في بيت خاص. في قرية صغيرة من قرى الجليل. تحرّك المرسَلُ السماويّ. دخل لدى مريم (آ 28). وبعد أن أتمّ المهمّة، »انصرف من عندها« (آ 38). وَصَلَ الوحي إلى الأم المنتظرة، لا إلى الأب، وهذا ما يميِّزها عن البشارة الأولى. ولكنّ لا ننسَ أنّ البشارة بشمشون بدأت مع أمّه التي أخبرت أباه. غير أنّ الاختلاف الذي له معناه العميق، هو بتوليّة مريم. هي »عذراء مخطوبة على رجل اسمه يوسف«.

مارست إليصابات فعل الزواج فحبلَتْ بابن من زوجها زكريّا. أمّا مريمُ فهي لا تزال مخطوبةً وهي لم تعش بعدُ الحياة الزوجيةَ مع يوسف. ما زالت في بيتها وقد حبلَتْ بابنها دون أن يعرفها يوسف. كان مولد يوحنّا عجيبًا. ولكنّ مولد يسوع كان أعجب بكثير.

إنّ بتوليّة مريم تدلّ على اختلاف أساسيّ في رسمة البشارة. فالصبيّة قدّمت اعتراضًا للمرسَل السماويّ، طرحت سؤالاً يشبه بعض الشيء سؤال الكاهن: »كيف يكون هذا وأنا لا أعرف رجلاً«؟ هذا يعني أنها لم تعرف العلاقات الجنسيّة بين الرجل وامرأته. غير أنّ الملاك لن يكتشف، كما مع زكريّا، قلّة إيمان لدى مريم. قدّم جوابًا على السؤال، وأعطى لمريمَ علامةً لم تكن عقابًا كما في وضع زكريّا. العلامة هي: نسيبتُكِ إليصابات هي حبلى بابنٍ في شيخوختها.

إنّ مريم توِاجهُ وضعًا جذريًا جديدًا لم تعرف مثله التوراة أبدًا. فالحبَل بيوحنّا مع والدَين كبيرين في السنّ، يشبه إلى حدّ بعيد، الحبَل باسحق مع إبراهيم وسارة. حينذاك، بدا الولد بشكل خاصّ ثمرة الإيمان والانتظار الروحيّ. لا حَبَلَ بدون علاقة زوجيّة. الشواذّ الوحيد هو حَبَل مريم بيسوع: الروح القدس يأتي، وقوّة العلي تحلّ عليك. هذا ما حَصَلَ في الخَلْق الأول (تك 1: 3). وهذا ما يحصلُ في هذه البدايةِ الثانيةَ، البداية الجديدة في تاريخ الخلاص.

والاختلاف الثالث بين زكريّا ومريم يكمن في موقف كلٍّ من زكريّا ومريم من البشارة: خرج الكاهنُ من الهيكل وهو صامت؛ ما كان يمكنه أن يتكلّم، ففهم الجميعِ أنه رأى رؤيا. أمّا مريمُ فتقبّلت بهدوء نداء الملاك، أعلنت نفسها أمَةَ الربّ، خادمة الربّ، وخضعَتْ خضوعًا كليٌّا للكلمة، للمسيح كلمة الله. بعد هذا، تمّ الحبَل. ستسمّي مريم نفسها أيضًا الخادمة الوضيعة للربّ (1: 48). لقد صارت عضوًا في الكنيسة قبل أن يؤسّس المسيحُ الكنيسةَ على الاثني عشر، شأنُها شأنُ الذين صلّوا قبل الاضطهاد فقالوا: »إمنح عبيدك (المؤمنين) أن يُعلنوا كلمتك بجرأة« (أع 4: 29).

والتحيّة التي وجّهها الملاك إلى مريم (آ 28) تدلّ على أنّنا في مستوى لم يصل إليه زكريّا. السلام عليك يا ممتلئة نعمة. إفرحي وابتهجي يا مَنْ غمرها ا؟ بعطاياه. الربّ معك. منح الله نعمته لهذه الصبيّة فاختارها لتكون أمّ المسيح. أمّا عبارة »الربّ معك« فقد وجّهها إلى جدعون (قض 6: 12) ليدلّ على حماية خاصّة تجاه مَنْ يختاره من أجل مهمّة. وأيُّ مهمّة أعظمُ من مهمّة مريم؟ من أجل هذا اضطربت مريم وتساءلت عن موضوع هذه التحيّة. وحين تحدّث الملاك عن مولد ابن الله (آ 35)، عرفت مريم أنها أمّ الربّ، كما ستقول لها إليصابات (1: 43). وفي عودة إلى الوراء ستتّخذ عبارة التحيّة معنى آخر بالنسبة إلى قارئ الإنجيل: هذا المسيح ليس ذاك الذي انتظره اليهود وحسب، هذا المسيح هو حقًا ابن الله.

أُعطي اسمُ الملاك للقارئ منذ البداية، هو جبرائيل. أُرسل في بشارة زكريّا كما في بشارة مريم. أُرسل إلى تلك المخطوبة لرجل »من بيت داود«. هذا يدلّ على تتمّة الوعد المسيحاني، غير أنّ مريم تجهل هويّة »المرسَل«، وهذا ما يُبرز إيمانَها وثقتها بما حمله إليها من كلام.

أمّا البلاغ السماويّ حول الولد الذي سيُولد، فهو يرد في زمنَين يفصل بينهما سؤال مريم. القسم الأوّل (آ 30 - 33) يتحدّث عن وظيفة يسوع: سيكون عظيمًا، سيملك. عاد النصّ إلى العهد القديم حول المسيح الداوديّ، فدلّ على أنّ هذه الولادة تُتمّ نبوءتين هامّتين بالنسبة إلى كنيسة لوقا كما بالنسبة إلى كنيسة متّى. الأولى، نبوءة أشعيا 7:14 (آ 31): فالأم هي التي تعطي ابنها اسمًا: يسوع أي الله يخلّص، وهذا ما نكتشفه ليلة الميلاد. قال الملاك للرعاة: وُلِدَ لكم مخلّص (8: 11). الثانية هي نبوءة ناتان، أعلن الله لداود: تكون لي ابنًا... عرشُك يكون ثابتًا إلى الأبد (2 صم 7: 14، 16). لهذا، سيكون الولد ابنَ داود وابن العلي في الوقت عينه. ويأتي الحبّل البتوليّ فيصحّح نظرتنا إلى الأمور: لن يكون يسوع ابن داود بواسطة يوسف الذي هو ابن داود. فمُلكه عطيّة من الله وحده.

واعترضَتْ مريم. فوَضْعها الحاضر لا يسمح بهذا الحبَل. فجاء القسم الثاني من البلاغ (آ 35 - 37) فألقى أوّلاً الضوء على الحبَل البتوليّ. وقدّم بالتالي جوابًا يدلّ على كرستولوجيا معمّقة، على نظرة إلى يسوع المسيح الذي هو قدّوس وابن الله (آ 35). أجل، لا يكون يسوعُ فقط ابنَ العليِّ الذي يمنحه السلطةَ الملكيّة الداوديّة. بل يُدعى ابن الله بفعل قدرة الله وعمل الروح القدس. سيكون ابنَ الله لأنّه يعودُ في أصله إلى الروح القدس. وسيكون القدّوس الذي وضعه الله جانبًا وكرّسه ليكون له.

وتثبِّتُ هذه الكرستولوجيا اختلافًا جوهريًا بين الولدَين: بين يوحنّا المعمدان وبين يسوع. سيكون يوحنّا السابق، ويسوع المسيح الداوديّ. بل أكثر من ذلك. صار يوحنّا بقدرة الروح ذاك النبيّ الفريد (7: 26). أمّا يسوع فجعل الروح منه كائنًا جديدًا في جدّة جذريّة بالرباط الذي يربطه بالله.

نستطيع أن نقدّم هذا الإنجيل في ثلاث نقاط:

يسوع هو الإنسان الذي حبلت به مريم، فبدا طفلاً من أطفالنا بانتظار أن يكون شابًا من شبّاننا... لما تمّ الزمان، أرسل الله ابنه مولودًا من امرأة.

* يسوع هو ابن العليّ، ابن داود. كان الله يسمّي الملك ابنه ساعة يعتلي العرش. »أنت ابني، أنا اليوم ولدتك، تبنيّتك«. الملك هو ابن العليّ بالرمز، أمّا يسوع ففي الحقيقة. الملك هو ابن داود، أمّا يسوع فليس فقط ابن داود، إنّه ربّ داود.

* يسوع هو ابن الله. هذا ما يتجاوب مع ابن الإنسان. هنا تظهر حقيقة التجسّد. هذا الذي هو في صورة الآب، صار بشرًا وسكن بيننا وقد أبصرنا مجده.

يبقى على مريم أن تسير مسيرة الإيمان، لكي تعرف في النهاية، شأنها شأن كنيسة لوقا سنة 85، أن هذا الإنسان الذي مات وقام هو حقًا ابن الله. وهكذا لا نكون في إنجيل البشارة أمام خبر من الأخبار المتفرّقة، بل أمام تأمّل لاهوتيٍّ توصّلت إليه الكنيسة على ضوء القيامة. لسنا فقط أمام حَدَثٍ من سيرة يسوع، وقد حُبل به من الروح القدس، بل أمام نظرة لاهوتيّة إلى يسوع المسيح، كما تأمّلت فيه الجماعةُ المؤمنة وتيقّنت من هذا الحبَل العجيب، الذي حافظ على بتولية مريم، قبل الولادة، وفي الولادة، وبعد الولادة