يسوع صديق الخطأة

 

 

لوقا 15: 11 - 32

خلال الصوم المقدّس، اعتادت الكنيسة المارونيّة على قراءة عدد من المعجزات تدلّ على ضعف الإنسان وحاجته إلى الله . ولكن، من خلال شفاء الجسد، نستشفُّ شفاءً من نوع آخر في تطهير الأبرص أو معجزة النازفة. وفي شفاء المخلّع، سيظهر بشكل ساطع هذا التشديدُ على غفران الخطايا. غير أنّ هذه المغفرةَ لا تتمّ إلاّ إذا تحرّك الخاطئ. هو ميِّت موتَ الجسد (المجاعة). وميِّت موتَ الروح (يعيش مع الخنازير). عليه أن يقوم ويمضي إلى أبيه. يكفي أن »يتطلّع« إلى أبيه، إلى الآب السماويّ لكي تبدأ قيامتُه من الموت.

نجد في لو 15 - 19 عددًا من تعاليم يسوع ترد بشكّل خاصّ في أمثال تدلّ على نظرة الله إلى المحتقَرين، إلى الذين ينبذهم المجتمع الدينيّ. عنيتُ بهم العشّارين والخطأة. سوف نرى في ف 15 محبّة الله تجاه الذين لا يحبّهم أحد، وقساوة الذين يعتبرون نفوسهم »أبرارًا« بالنسبة إلى هؤلاء الناس. الأفضليّة في نظر الربّ هي لمَنْ يترك تسعة وتسعين بارٌّا ويلحق بالخاطئ؛ لمَنْ يولم أعظم وليمة لابنه الذي كان مائتًا، ويكاد ينسى »ذاك العابد الذي لم يخالف له أمرًا«.

هاجم الفرِّيسيُّون ومعلّمو الشريعة يسوع (15: 2)، فقدّم ثلاثة أمثال تدلّ على فرح الله بعودة الخاطئ إليه. بعد مثلَي الخروف الضائع والدرهم المفقود، يأتي مثل الابن الضالّ، الابن الشاطر: كان لرجلٍ ابنان...

نحن هنا أمام مشهدين يتقابلان: مشهد يكون الأب فيه مع الأصغر. ومشهد يكون فيه مع الأكبر. وفي الحالتين يلعب الأب دورًا حاسمًا. ونلاحظ أنّه حين يكون في المثل خاتمتان، فالخاتمة الثانية هي الأهم، وهي التي يريد أن يشدّد عليها الإنجيليّ: يجب أن ننعم ونفرح لأنّ أخاك هذا كان ميتًا فعاش، وضالاً فوُجِد.

يصوّر المشهد الأوّل الابن الأصغر في صورة غير مشرِّفة (آ 11، 24). هو لا ينتظر موت أبيه ليتصرّف بحصّته من الميراث. بل هو يبدّد ميراثه بدون أيّ حساب. صار أجيرًا عند انسان وثنيّ فأرسله يرعى الخنازير. وهذه قمّة النجاسة عند اليهوديّ. كاد يخسر حياة الجسد بعد أن صار إلى المجاعة. وها هو يخسر حياة النفس في عَيْشه »الوثنيّ«. كلّ همّه أن لا يموت جوعًا مهما كانت الوسائل. وسيأكل الخرنوب الذي تأكل منه الخنازير، لو استطاع. تلك كانت كلّ رغبته.

سمع الفرّيسيُّون هذا الكلام يتلفّظ به يسوع، فرأوا أنّ تلك هي حالة الخاطئين الذين يعاشرهم. ولكنّ يسوع لم يأت من أجل الاصحّاء بل من أجل المرضى. لم يأت من أجل الأبرار (هكذا ظنّ الفرّيسيُّون أنفسهم) بل من أجل الخطأة. ويتبدّل الجوّ حين يعود الابن الضالّ إلى نفسه (آ 17 - 19). هو جائع ويحتاج إلى طعام. فَلْيذْهَبْ إلى أبيه. هو أجير لدى إنسان وثنيّ، لماذا لا يكون أجيرًا في بيت أبيه؟ صار مستعدٌّا لكل شيء بعد أن كان الابنَ في البيت الوالديّ. استعدّ أن يدفع الثمن لقاء ما فعل، استعدّ أن يكون أجيرًا شرط أن يكون في البيت الوالديّ. إنه يشبه ذلك الضابط الذي قال ليسوعَ إنه لا يستحقّ... ولكنّ يسوع جعله يستحقّ. لأنّ الآب لا يستفيد من الظرف ليُذلّنا. بل نحن أبناؤه ونبقى أبناءه رغم خطيئتنا، وهو مستعدّ لأن يستقبلنا ساعة نعود إلى نفوسنا، نعود إليه. ما إن بدأ الابن يفكّر بأبيه حتى بدأت قيامته من موت الخطيئة.

موقف الأب هو موقف المعطي. هو »المبذّر« الحقيقيّ. يعمل ما ليس بمعقول في منطق البشرّ. شطر ماله، قسّم ماله بين إبْنَيه. أجل، إنّ الله يرافقنا بنعمه حين نتركه، هو لا يتخلّى عنّا حين نبتعد عنه. هذا هو معنى الصورة البشريّة. وإذا أردنا أن نقرا النصّ في أخبار كنيسة لوقا سنة 85، نفهم، أنّ الابن الأصغر يمثّل الشعب الوثنيّ. والابن الأكبر يمثّل الشعب اليهوديّ. فالابن »الضالّ« له مركزه في البيت الأبويّ. وهو عندما يعود يدلّ على اهتداء الوثنيّين وتمتّعهم بالميراث الذي حملَه يسوعُ إلينا.

ترك الأب ابنه حرٌّا في تصرّفه. هكذا يعاملنا الله. ولكنّ العظمة تبرز في استقبال الأب لابنه. هذا ما يشكّك الفرّيسيّين ويشكّكنا نحن أيضًا، خصوصًا إذا قُلنا مثل الأخ الأكبر إنّ الضالّ بدّد ماله مع الزواني. لم يعامل الأبُ ابنه كأجير. لم يطلب منه أن يعوّض له ماله. رقّ له أبوه. تحرّكت أحشاؤه كالأمّ تجاه ابنها. فالله هو أبٌ وأُمُ عًا. وركض الأب إلى ابنه وأظهر له علامات حبّه قبل أن يقول الابن »خطابه« الذي هيّأه وهو مع »خنازيره«. في هذا المجال، لا حاجة إلى الكلام، فالقلب يتكلّم. لا شكّ في أن حبّ الابن لأبيه لم يكن على المستوى المطلوب. ولكنّ حبّ الأب يعوّض. ذاك هو حبّنا للآب أيضًا. ولكن حبّ يسوع يحمله فيصبح حبّ الأبناء لأبيهم السماويّ، لا حبّ العبيد والأجراء.

في المشهد الثاني نكتشف الابن الأكبر مع عواطف الغضب والحزن، مع الروح العدوانيّة وربّما الانتقاميّة (آ 25 - 32). إنه يشبه الفرّيسيّين الذين »يصومون في الاسبوع يومين ويعشّرون أموالهم«، ويعتبرون، بعد ذلك، أنّ لهم حقًا على الله. ولكنّ يسوعَ يقول لهم ولنا: مهما عملتم قولوا: نحن عبيد عاديّون، صنعنا ما طُلب منّا. غضبَ الأكبرُ على أبيه ورفضَ أن يدعو هذا العائد »أخاه«. هو لا يريد أن يشارك في الفرحة العائليّة. إعتبر أنّ أخاه مات. أمّا بالنسبة إلى الأب، فالابن الأصغر مات وها هو قد عاد إلى الحياة. استعاد الحياة في قلب والده. فلو رفضَ الوالد، لا سمح الله، أن يستقبل ابنه، لكان هذا الابنُ مات مرّتين. ولكنّ الله لا يريد موت الخاطئ، بل أن يعود عن ضلاله ويحيا. هذا ما قاله الربّ في النبيّ حزقيال.

دعا الأب ابنه البكر لكي يدخل إلى الوليمة. رفض وأبى أن يدخل. لا شكّ في أنّ هناك المعنى الماديّ. ولكنّ المعنى الروحيّ يدعونا إلى أن نفكّر في وليمة أخرى هي الافخارستيّا. هناك يجلس على المائدة الواحدة الخطأة و»الأبرار« الذين يعتبرون أنّ هناك أناسًا لا يحتاجون إلى خلاص الله وغفرانه. في بداية الكنيسة، رفض اليهود أن يجلسوا مع الوثنيّين من أجل المحبّة والأخوّة، من أجل الافخارستيّا. هم الخاسرون. فالربّ يقف دومًا مع الخاطئين. في خبر المرأة الخاطئة التي جاءت إلى بيت سمعان الفرّيسيّ (7: 36 - 50)، لم يكن يسوع بجانب سمعان، بل بجانب الخاطئة التي تفوّقت على سمعان بحبّها فكان لها الغفران الكبير. وهذا ما حَدَثَ للابن الأصغر. أمّا الأكبر فرفض أن يفتح قلبه لحبِّ الأب، فظلّ خارج الفرحة التي شملت الجميع.

ونتسائل: هل اقتنع البكر بكلام أبيه؟ هل قرّر أن يقاسم الجميع الفرح كما فعل الأصدقاء والجيران مع صاحب الخروف الضائع والدرهم المفقود؟ (15: 1 - 10). هل قَبِلَ أن ياكل مع أخيه »النجس« الذي عاش مع الوثنيّين وبدّد ماله مع الزواني؟ السؤال مطروح علينا. ويبقى المثل مفتوحًا. لهذا لم يعطِ المثلُ جوابَ الابن الأكبر. نحن نعطيه. نقبل في جماعتنا أولئك الذين يُعتَبرون »غير محبوبين«: يسمّيهم الإنجيل »المساكين، الجدع، العميان، العرج« (14: 21) الذين يملأون ساحات المدينة وشوارعها.

البيت الوالدي، بيت الله، هو ينبوع بركة وحياة. فيه يشبع حتّى الأجراء خبزًا، هذا إذا كان عند الله أجراء. أما هم كلُّهم أبناءلله والبُعد عن البيت الوالدي هو موت. فالمجاعةُ في اسفار الأنبياء أحدُ أسباب الموت مع الوباء والحرب.

يحسّ المؤمن بجوع إلى الخبز، بل يجوع إلى عطف الآب وحبّه. ولكن، كيف للإنسان أن يكتشف حبّ الله السماويّ إن لم يجد مثله على الأرض، لا في والدين وحسب، بل في إخوة وأخوات يعرفون أن يستقبلوا العائد أو العائدة مهما كان الذنب الذي اقترف. استقبالنا لإخوتنا وأخواتنا في ضعفهم هو أكبرُ برهان على أن الله يستقبل كلّ واحد منّا، ولا سيّما خلال هذا الصوم المبارك. واستعدادُنا لاستقبال إخوتنا علامةٌ لا تخطئ بأنّنا مستعدّون لأن نتقبّل من الله الغفران الذي يقدّمه إلينا. وحدَه مَنْ يعرف أن يغفر، يستطيع أن يستفيد من غفران الله؛ وحدَه مَنْ يفتح قلبه لإخوته، يعرف أن يفتح قلبه على عطايا الله وحنانه.