إقامة الآب والابن معنا

 

 

يو 21: 14 - 26

أعلن يسوعُ عن مجيء البارقليط بناء على طلب يسوعَ من الآب. غير أنّ المعلِّم الذي ينطلق، سيعود إلى تلاميذه فيحيَون من حياته على مثال الرباط الذي يوحِّده بالآب. هل ظَنَّتِ الجماعة أنّها امتلكت الروح فدخلت في عالَم جديد، واعتبرت أنّ دور يسوع الناصريّ قد تعدّاه الزمن؟ لهذا عرض يوحنّا عرضًا رفيعًا دور الابن الممجّد الذي يظلّ نشاطُ الروح خاضعًا له.

1) مَن عنده وصاياي (21: 14 - 24)

هذا المقطع الذي يُتوِّج الخطبة الأولى، يوضح إعلان المجيءالفصحيّ. حلّت صيغة الغائب محلّ صيغة المخاطَب. نقرأ في آ 15: »إذا كنتم تحبّوني (أنتم) عملتم (أنتم) بوصاياي«. أمّا هنا فنقرأ: »مَن كانت عنده« أو »مَن يحبّني«. هذا يعني أنّ كلّ إنسان يستطيع إن شاءَ أن يصير تلميذًا للابن ويشاركه في حياته. فاللقاء مع المسيح الحيّ ممكن لمن يحبّ. وبعد تزاوج فعل أحبّ مع فعل حفظ (عمل)، نجد فعل أحبَّ. الآب يحبّ. الابن يحبّ. ترك النصّ فعل عرف الذي يرد في آ 20 (تعرفون أني في أبي)، وأبرز علاقة الحبّ التي توحّد التلميذ بالابن، بل توحّد الآب والابن بالتلميذ: »أبي يحبّه، وإليه نأتي، وعنده نصنع منزلاً«.

قال يهوذا ليسوع: »كيف تُظهر نفسَك«؟؛ أمّا يسوع فلم يتحدّث عن »ظهور«، بل عن مجيء. مجيئه هو مجيءُ الآب إلى المؤمنين. فهدفُ رسالة يسوع هو إشراك المؤمنين في حياته. وهذا الهدف يتحقّق حين يُرفع عن الأرض، إن بالصليب أو بالصعود إلى السماء والجلوس عن يمين الآب. غير أنّ ارتفاعَ يسوعَ بالمجد لا يعني ابتعاده النهائي. فقد غابت الصورة المنظورة، لكي يأتي إلينا بشكل واقعي وإن غير منظور. »نأتي إليه«. يجيء يسوع مع الآب، فهو والآب واحد. يأتيان ليجعلا منّا منزلاً لهما. يصبح كلّ واحد منّا هيكلاً يدلّ على حضور الله في العالَم. وهكذا يظهر يسوع للعالَم بواسطة تلاميذه على مدّ الأجيال.

في 14: 2 - 3، أراد يسوع أن يحمل تلاميذَه إلى أبيه: »أرجعُ وآخذُكُم لتكونوا حيث أكون«. أمّا هنا فانعكست الحركة: الآب هو الذي يأتي إلى التلميذ الأمين: »إليه نأتي«. هذا يعني أننا نقبل كلمة مرسَل الله. ولكن مَن يرفض مرسَل الله يرفض الآب أيضًا، ويستبعد نفسه من كلّ لقاء لاحق؛ يصبح من العالَم، ويطرد نفسه من جماعة يسوع. فالعالَم يتميّز عن الجماعة على مستوى الحبّ. يغيب الحبّ فنكون في العالَم. يحضر الحبّ فنكون في الجماعة، ونشارك في حياة الآب والابن.

أمّا كيف تكون الأمانة؟ على مستوى الوصايا. هنا نجد عبارة وردت في آ15 وتكرّرت ثلاث مرّات: »مَن قَبِل وصاياي وعمل بها« (آ 21)، »مَن أحبّني حفظ كلامي« (آ 23)، »مَن لا يُحبّني لا يحفظ كلامي« (آ 24). كلام يسوع هو وصاياه، ونحن نُدان على هذا المستوى: نحفظ كلام الله أو لا نحفظه، وإلاّ كانت محبّتنا كذبًا ورياءً، حبٌّا بالقول والكلام لا بالعمل والحقّ.

2) الروح ويسوع (14: 25 - 26)

إنّ المواعيد التي تحدّثت عن الأعمال، وتلك التي أشارت إلى حضور الله، قد ارتبطت بوضع الإيمان الذي هو »حفظ الكلمة«. والكلام الذي يلي، يعني فَهْم هذه الكلمة لدى المؤمنين على مرّ العصور. يفضل الروح الذي يرسله الآب، يستطيع التلاميذ أن يَلِجُوا معنى كلمات يسوع ويجعلوها في وجودهم.

فبعد زمن وَحي يسوع الناصريّ، يأتي زمنُ ذاك الوحي عينه بواسطة الروح القدس، البارقليط، المحامي والمعزّي. وهو زمن يكشف كشفًا تامًا عن وَحي الإنجيل. لقد انتهت رسالة يسوع على الأرض: »قلت لكم هذا كلّه وأنا معكم« (آ 25). ولكن بفضل الروح القدس، تحملُ كلماتُ يسوع نورًا لتلاميذه، لم يصلوا إليه حين سمعوه للمرّة الأولى. أجل، لن يفهم التلاميذ سرّ يسوع في العمق إلاّ بعد أن ينالوا الروح القدس، هذا ما أشار إليه الإنجيل الرابع، هذا ما عرفناه بواسطة أعمال الرسل وحضور الروح الفاعل منذ يوم العنصرة.

»قلت لكم هذا (الكلام) كلّه«. هذا ما يذكِّرنا بكلام يسوع في نهاية حياته العامّة. »بعدما قال يسوع هذا الكلام، مضى، اختفى عنهم، ابتعد عن أنظارهم« (12: 36). في 12: 36، نحسّ وكأنّنا أمام نهاية إقامة يسوع على الأرض. أمّا هنا، فنحن أمام بداية. الروح القدس سيبدأ تعليمه، وكلّ الكلام الذي قاله يسوع، سيردِّده الروح القدس ويجعله في ذاكرة التلاميذ.

ويتأسّس دور الروح القدس حين ينير ويعلِّم. فالآب هو الذي يرسله باسم يسوع. كما أرسل الابنَ (آ 24)، كذلك أرسل الروح. جاء يسوع باسم الآب فلم يتكلّم من عنده (آ 10)، بل بحسب التعليم الذي تلقّاه من الآب. والروح القدس بدوره لا ينقل تعليمًا خاصٌّا به، بل تعليمًا سمعَه من يسوع. لا مزاحمةً بين الروح ويسوع المسيح، بل مشاركة كتلك التي نجدها بين الآب والابن في عمل الوَحي.

الروح يعلّم. الروح يذكّر. فتعليمه هو تذكير. وتعليم الروح يقوم بأن ينعش لدى التلاميذ تذكّر كلمات يسوع. ففعل علّم يعني أيضًا فسرّ الكتاب المقدّس تفسيرًا صحيحًا، وأوَّنه من أجل الحاضر والمستقبل. الروح ينقل حقيقة علويّة. الروح يُدخل المؤمنين في الحقيقة كلّها.

يعلّمنا الروح هذا الوحي في داخل قلوبنا. يجعلنا نتذكّره. لسنا فقط أمام واقع سابق يعود في حرفيّته، بل أمام وعي لمدلوله. هكذا دعا يسوع التلاميذ ليتذكّروا ما عمله على الخبزات (متى 16: 9). وحين ذكّر الروحُ التلاميذَ بكلمات يسوع، لم يتوقّف عملُه عند ذاكرة ضعيفة. بل جعلَهم يُدركون معناه الخفي ويفسّرونه على ضوء الفِصح. هكذا فهموا كلمته حول دمار الهيكل (2: 21 - 23)، ودخوله إلى أورشليم (12: 15).

خاتمة

نحن هنا أمام مستقبل الجماعة، مستقبل جماعاتنا. فبعد أن أعلن يسوع الأعمال العظيمة التي سيقوم بها تلاميذُه، كشف لهم حضورًا إلهيٌّا، يحوّل وَضعْهم في العالم إن هم حفظوا كلمتَه. هذا الحضور هو حضورُ الروح القدس الذي يعلّم ويذكّر. لن يتركنا يسوع يتامى، وسيبقى مع كنيسته حتّى نهاية العالَم. أمّا حضور الروح فهو امتداد بحضور، ونور في قلب التلاميذ ليفهموا كلامه ويصلوا إلى الحقيقة كلّها.

المؤمن صار هيكل الله. والجماعة صارت هيكل الله. وبهما يكون الله حاضرًا في الكون، وبواسطتهما يُظهر يسوع نفسه للكنيسة وللعالَم. ولكن قد يصبح النور (نور المسيح) الذي فينا ظلامًا حين لا نسمع كلام يسوع، حين لا نحفظ كلامه. حينئذٍ لن يجيء الله ولن يقيم فينا. أترى نورنا البشريّ يكفي العالَم؟ أما نكون في ذلك الوقت آبارًا مشقّقة لا تحتفظ بالماء، بينما العالَم ينتظر ينبوع الماء الحيّ؟

الينبوع هو يسوع ونحن نوصل مياهه إلى الآخرين. النور هو يسوع ونحن نكون امتداد نوره في العالَم، والشرط واضح: حفْظُ كلمته.