الروح القدس والعالم

 

 

يو 7:16 - 11

1- خطبة بعد القيامة

هذه هي الخطبة الثانية في ما يسمّى خطب الوداع. بدأت الخطبة الأولى بعد غسل الأرجل، وانتهت بنداء يسوع إلى تلاميذه: »قوموا نذهب من هنا« (14: 31). ومع بداية ف 15، بدأت الخطبة الثانية. وسيكون ف 17 الخطبة الثالثة أو الصلاة الكهنوتيّة.

أمّا الخطبة الثانية (ف 15 - 16) فتبدو خطبة تلفّظ بها يسوع بعد قيامته. لذلك تقرأها الليتورجيّا في ما بعد القيامة، بل بعد العنصرة. قد يكون يسوع ألهمها خلال ظهوره الأوّل (20:19 - 23). نجد المقدّمة في 13:31 - 32، 34 - 35، أمّا الخاتمة فصلاة (ف 17).

ما هو بُعْدُ هذه الخطبة التي يعتبر الشرّاح أنّها وُجّهت بشكل خاصّ إلى جميع تلاميذ المسيح؟ في الواقع، هي تعني بالتحديد الرسل الاثني عشر.

في القسم الأول (15: 1 - 17) ورغم بعض الظواهر، يتوجّه المعلّم إلى الرسل. فيدعو الذين أقامهم لكي يحملوا ثمرًا. ثمرًا روحيٌّا يكون في قلب كلِّ مؤمن. بل أكثر من ذلك، لأنّ الإنجيل الرابع لا يتوقّف فقط عند الثمار الروحيّة الباطنيّة. فعلى المستوى الداخليّ، العمل الذي يفرضه الله وينميّه فينا هو الإيمان (6:29). فبعد هذا، يُنتج يسوع في المؤمن النورَ والحياة، بما أنّه ينبوع الحياة الحيّة، والخبز ونور الحياة، والراعي الذي يعطي الحياة. وهذه الحياة التي يتسلّمها المؤمن تُعتبر لا كثمرة، بل الكمال الجوهريّ في المسيحيّ.

والقسم الثاني (15: 18 - 16: 4) يعني بشكل خاصّ التلاميذ كرسل، كشهود رسميّين لمعلّمهم (15: 27). وإذ أراد يسوع أن يستبق عندهم كلّ شكّ ساعة المحنة، صوّر أمامهم الاضطهادات القاسية التي تنتظرهم في مهمّتهم: سيُبغضهم العالم ويرذلهم. بل يقتلهم بدون سبب. سيُفعَل بهم ما يُفعل بغضًا بمعلّمهم الذي يمثّلونه.

ويحافظ القسم الثالث (16: 5 - 15) على الخطّ الرسوليّ عينه. فالنظرة إلى الاضطهاد لا يجب أن تبلبل أولئك الذين يُرسلهم يسوع لاحتلال العالم: فهو يؤكّد لهم مساندة الروح القدس. هذا الروح ينيرهم حول سرّ يسوع، ويتيح لهم أن يقفوا تجاه هجمات العالم وينتصروا عليها. كما يربطهم رباطًا متينًا بمعلّمهم وربّهم فلا تقوى قوّات الشرّ عليهم. أجل هم مع الربّ قد غلبوا العالم.

2 - همّ المعلّم

إنّ همّ المعلّم الكبير هو إيمان التلاميذ به، وتعلّقهم بشخصه. بعد أن حرّك هذا الإيمان، ها هو يحاول أن يقوّيه. فالمحن القاسية التي تضرب المعلّم كما تضرب التلاميذ أنفسهم، قد تُزعزعُ أو تحطّم هذا الإيمان، خصوصًا إن جاءت فجأة وكانت عنيفة. أمّا يسوع فأخبرهم مسبقًا بهذه المحن لئلاّ يُصدموا فيشكّوا. وهكذا يُنبئهم اليوم باضطهادات تنتظرهم، كما سبق له وأخبرهم مسبقًا بالآلام التي سوف يتحمّلها (13: 19). من خلال آلام يسوع، ترى الكنيسة اليوحنّاويّة آلامها الخاصّة التي تدخل في مخطَّط الخلاص، وتكمِّل في جسدها ما ينقص من آلام المسيح من أجل جسده الذي هو الكنيسة.

إنّ جرأة الأعمى منذ مولده ليشهد ليسوع، كلّفته الطرد من المجمع، من الجماعة الدينيّة والوطنيّة، فاعتبروه جاحدًا لدينه وخائنًا لأمّته (9: 22 - 34). وستنال شهادةُ الرسل الجريئة العقاب نفسه من قِبَل اليهود. فحين أعلنوا لاهوت يسوع اعتُبروا مجدِّفين، فاستحقّوا الموت من قِبَل الذين أرادوا أن يحافظوا على كرامة الله (هذا ما حدث لإسطفانوس، أع 7:56 - 58).

لقد أعلم يسوعُ التلاميذَ بما ينتظرهم. حتّى الآن، لم يحتَجْ إلى تحذيرهم لأنّه كان معهم، وكان يُسندهم في الصعوبات. أمّا الآن فهو يذهب، فعليهم أن يتجاوزوا هجمات العالم القاسية. لا شكّ في أنّ الربّ هو معهم وهو لا يتخلّى عنهم. ولكنّ حضوره خفيّ، ومن نقصَه الإيمانُ العميق أحسّ به غائبًا وبعيدًا. أمّا إذا كنّا مؤمنين، فالاضطهادات لا تُضعف تعلّقنا بمعلّمنا، بل تقوّي إيماننا به. ذاك كان شأن المؤمنين في زمن الرؤيا: أحبّوا المسيح أكثر مما أحبّوا حياتهم، فوصلت بهم الشهادة إلى الاستشهاد والموت من أجل المسيح.

بعد أن شعر التلاميذ بفرح عظيم حين رأوا معلِّمهم خارجًا من القبر ومن الموت (16: 23)، ما عادوا يشعرون بحزن عميق ساعة أعلن لهم ذهابه القريب... هذا الذهاب سيحرمهم من حضوره الفائق. ولكن، إن كانوا يحبّونه حقٌّا، عليهم أن ينسوا منفعتهم الخاصّة ويتطلّعوا إلى »منفعة« مَنْ يحبّون. عليهم أن ينسوا ألمهم تجاه الخير الذي يناله يسوع وهو ملء المجد الإلهيّ

يفرحون لأنّه يذهب. يفرحون من أجله. ويفرحون من أجل نفوسهم. فبعد أن يحرمهم هذا الذهابُ من حضور المعلّم بالجسد، سيقدّم لهم يسوع الحضورَ الخفيّ والمستمرّ للروح القدس. حتّى الآن، لم يكن الروح بعد قد أُعطي، »لأنّ يسوع لم يكن بَعْدُ قد تمجّد« (7: 39). ولكن بما أنّ ذهاب يسوع يؤمّن وحده مجيء الروح، فخيرٌ للتلاميذ أن يذهب يسوع لأنّهم يحتاجون كلّ الاحتياج إلى الروح، إلى البارقليط المدافع والمعزّي ليكونوا شهودًا حقيقيّين للمسيح (15: 26 - 27). أعلِموا بالحقيقة كلّها، فصاروا جديرين بأن يشهدوا شهادةً مقنعةً في وجه العالم الذي يرفض النور لأنّ أعماله شرّيرة.

3 - عمل الروح

سيأتي الروح أوّلاً ويعطي لشهادة الرسل قوّة لا تقاوَم علىمستوى الإقناع. فبهم سيشهد هو نفسه ليسوع. كانت الأحداث القريبة قد زعزعت يقينهم حول المعلّم، وحطّمت فيهم كلّ شجاعة بحيث أغلقوا على نفوسهم في العليّة، فبدوا كالمغلوبين الخائفين من العالم (20:9 - 19). وحين يجيء البارقليط، فهو يجعل منهم شهودًا جريئين لا يخافون الموت.

بهم يُقنع الروحُ العالم، يوبّخه على خطيئته، لأنّه لم يؤمن بيسوع. فالعمل الذي طالب به الله كلّ إنسان هو أن يؤمن بابنه ومرسله (6: 29). وهكذا، يشكِّل اللاإيمانُ الإراديّ الخطيئة العظمى (8: 21 - 24). لا شكّ في أنّ العالم يحاول أن يبرّر رفضه للإيمان. فاليهود يرون في يسوع شخصًا يسكنه الشيطان، لأنّه يجترح المعجزات يوم السبت ويجدّف معتبرًا نفسه ابن الله. ويرى اليونانيّون أنّ تعليم الصليب جهالة، وأنّ اعتبار هذا المصلوبِ الذليلِ اللّهَ، هو جنون ما بعده جنون (1 كور 1 :17 - 31).

كشف الأعمى منذ مولده النوايا السيِّئة لدى العالم. وهكذا يفعل الرسُل الذين ألهمَهُم الروح. يتذكّرون البراهين الثابتة عن لاهوته، يذكرون أقوالَه وأعماله وخصوصًا قيامته. فيدعون اللامؤمنين إلى نَزْع القناع عن كفرهم: هذا العمى الإراديّ ليس بشرعيِّ وليس بمقبول (3:19 - 20). إنّه بغضٌ لا عذرَ له، إنّه الخطيئة الكبرى. وستأتي قوّة براهينهم لا من منطق بشريّ، ولا من مهارة بلاغيّة، بل من الروح على مثال ما قال بولس الرسول: »لم يكن كلامي وكرازتي بما لكلام الحكمة من بلاغة، بل ببيان الروح وقدرة الله« (1 كور 2:4). مثلُ هذه البراهين تحرّك الاهتداء والإيمان لدى البعض، ولدى البعض الآخر عداوة متزايدة وبحثًا عن الظلمة.

كلّ هذا نجد صورة عنه في أعمال الرسل. فمنذ العنصرة عمل الروح فيهم، فنبّه بطرس اليهودَ إلى عدم إيمانهم تجاه يسوع، ودعاهم إلى التوبة. وهكذا فعل إسطفانوس (أع 7: 51). ولقد كان برهانه من القوّة بحيث عجزوا عن مقاومة الحكمة والردّ على الروح الذي جعله يتكلّم.

بالرسل يُقنع الروحُ العالم أيضًا، يبكِّته على البرّ، ويُظهر له قداسة المسيح وهو الذي عاد إلى الآب. عاند العالمُ، فما رأى في المعلّم خلال حياته الأرضيّة سوى إنسان الخطيئة والكذب والضلال والشيطان والتجديف. وتأكّد العالم من صدق اتهامه حين رأى يسوع مصلوبًا، وفي الظاهر ملعونًا من الله (غل 3: 13).

وعَمِلَ الروحُ، فبرهن الرسل بشجاعة لا تقاوم أنّ معلّمهم هو البارّ والقدّوس، رغم حُكم السلطات الرسميّة عليه، ورغم ما ظنّوا من لعنة الله له بعد أن عُلِّق على خشبة: حين أقامه الله، بيّن بشكلٍ حاسم أنّ هذا المصلوب هو موضوع رضاه. هذا ما قال عنه منذ المعموديّة: »هذا هو ابني الحبيب، عنه رضيت«. وسيقول فيه بطرس: »إنّ إله إبراهيم مجّد فتاه يسوع الذي أسلمتموه. حكمتم على القدّوس والبارّ وطالبتم ببراءة لصّ وقاتل. أَمَتُّمْ سيّد الحياة، ولكنّ الله أقامه من بين الأموات« (أع3: 5 - 15؛ راجع 2: 27؛ 7: 52؛ 13: 28 - 30).

إنّ هذا البرهان الذي يحرّكه الروحُ بحضوره والربُّ بقدرته، يُقنع العالم ببراءة يسوع. من جهة، تحصل التوبة عند البعض، وعند البعض الآخر تحصل تقسيةُ قلوبٍ ترفض أن تسمع أيّ كلام عن المسيح القائم من الموت. وأخيرًا، بالرسل يُقنع الروحُ العالم، يحدّثه عن الدينونة، عن الحكم على سيّده الذي هو الشيطان. كان يسوع قد أعلن قبل آلامه أنّه بموته وقيامته سوف يكبّد العالم والشيطان سيّدَهُ هزيمة حاسمة. »الآن دينونة العالم. الآن يُلقى سيّدُ هذا العالم خارجًا« (12: 31).

حين أمات الشيطانُ القاتل يسوعَ بمشاركة العالم (8: 44؛ 13: 2)، ظنّ أنّه يحتفظ به إلى ما لا نهاية في عالم الموت. ولكنّ الرسُل سوف يُقنعون العالم بفشل الشيطان: سيعلنون دومًا أنّ المسيح قد انتُزع من عالم الأموات وقام بقدرة أبيه (2: 22 - 36). وسيُثبتون كلامهم بآيات ومعجزات يقومون بها باسم يسوع وقدرته. قال بطرس: »باسم يسوع المسيح الناصريّ الذي صلبتموه وأقامه ا؟ من بين الأموات، باسمه وُجد هذا الإنسان معافى« (أع 4: 10).

وسيكون برهانهم دامغًا بحيث يُقرّ العالمُ غصبًا عنه بهزيمته وهزيمة سيّده. قال رؤساء اليهود: »ماذا نصنع بهذين الرجلين؟ لقد جرت على أيديهما آية مشهورة... ولكن لئلاّ يزداد الأمر شيوعًا بين الشعب، فَلْنَتَهَدَّدْهُما أن لا يكلّما أحدًا من بعدُ بهذا الاسم« (أع 4: 16 - 17).

واجه يسوع الشيطان فخرج منتصرًا، وهو سينتصر بعدُ بواسطة كنيسته، بواسطتنا نحن مؤمنيه. وسار الشيطان بعد فشله الأوّل من هزيمة إلى هزيمة، ويسيرُ إلى أن يُسحق سحقًا تامًا في نهاية الأزمنة. إنّ سيّد العالم هو مهزوم، وقد حُكم عليه بالهلاك الأبديّ.