الجنب المطعون بالحربة

 

 

يوحنّا 31:19 - 37

اختلف يوحنّا عن متّى ومرقس ولوقا، فأرانا يسوعَ يحمل صليبه وحدَه ولا يحتاج إلى سمعان القيرواني ولا إلى غيره ليحمل صليبه، بل ليذهب إلى مكان تتويجه ملكًا. وبيّن لنا أيضًا أنّ يسوع هو سيّد الأحداث، فلا يترك لأحد مهمّة قيادة آلامه إلى نهايتها. هنا يقف يوحنّا بوجه الظاهريّين الذين قالوا إنّ يسوع لم يتألّم، بل حلّ محلّه شخص آخر في اللحظة الأخيرة، وقد يكون يهوذا نفسه. هذا ما نقرأه أيضًا في »إنجيل برنابا« المنحول الذي دُوّن في بداية القرن السادس عشر على يد شخصٍ مَرَقَ على الدين.

ويقدّم لنا يوحنّا الجلجلة تقديمًا احتفاليٌّا. إنّها موضع الجلوس الملكي ليسوع. فعذاب الصليب الذي رأى فيه الأقدمون أقسى عذاب وأشنعه، صار للمؤمن مشهدًا فيه يعرّف يسوع بنفسه أمام أحبَّائِه. فالجلجلة، أي الجمجمة، هي الموضع الذي دُفن فيه آدم الثاني. هي الموضع الذي فيه دُفن آدم الأوّل كما يقول آباء الكنيسة. فدمُ يسوع سُفك حيث كان دمُ الأوّلِ والبشريّة كلّها معه. وهكذا نال الخلاصَ جميعُ البشر منذ الإنسان الأوّل حتّى نهاية العالم. ويسوعُ، بعد موته، قد احتفظ بآثار آلامه، قد أراهم يدَيه وجنبه. ويسوعُ في مجده يبقى الحَمَل المذبوح كما يقول سفر الرؤيا. لم يكن موته لحظةً عابرةً ليعود إلى ما كان عليه سابقًا. فيسوع هو ذاك الذي نقول عنه في قانون الإيمان: تألّم ومات وقبر. لقد مرّ في الموت، شأنه شأن جميع البشر. ولكنّه يصل إلى القيامة فيحمل معه جميع البشر.

في وقت الصلب (19: 17 - 37) نجد الأحداث التالية: الكتابة فوق الصليب، يسوع الناصريّ ملك اليهود، ثمّ اقتسام الثياب، والتلميذ الحبيب وأمّ يسوع. وأخيرًا موت يسوع وتسليمه الروح القدس إلى الكنيسة. بعد هذا، يرد المقطع الذي ندرس والذي يتحدّث عن طعن يسوع بالحربة.

هذا الواقع الذي يلي مباشرة يسوع هو خاصّ بيوحنّا. طلب اليهود من بيلاطس أن يكسروا سيقان المصلوبين لكي يعجّلوا في موتهم قبل أن يبدأ عيد الفِصح، فينزلوهم عن صلبانهم. وتراجع بيلاطس أمام اليهود، مع أنّ الرومان اعتادوا أن يتركوا الأجساد على صلبانهم لكي يُلقوا الرعبَ في قلب السكّان.

دأب يوحنّا أن يدعونا إلى قراءة الأحداث على مستويين. هذا ما نجده هنا. طلب اليهود من بيلاطس وكان لهم ما طلبوا. وهكذا يستطيعون أن يحتفلوا بعيد الفصح بشكل عاديّ. هذا على مستوى. ولكنَّ هناك مستوى آخر. ففي الواقع هناك قوّة سريّة توجّههم. فتدخُّلُ الجنود الذي أقرّه، في الظاهر، الوالي الرومانيّ بناء على طلب اليهود، يحمل معنى يتجاوز الجميعَ ولا يصل إليه إلاّ المؤمنون. ظنّ اليهود أنّهم يهيّئون فِصحهم الخاصّ. ولكن المؤمنين يرَون أن الطريقَ فُتِحت أمام فعلةٍ رمزيّة هي الفِصح الجديد.

بدأ الجنود فكسروا سيقان اللصَين اللذَين صُلبا معه. ولكنّهم لم يعاملوا يسوعَ مثل المصلوبَين الآخَرين. هذا في الخارج. أمّا في الداخل فيرى يوحنّا المعنى واضحًا حين يتذكّر حَمَلَ الفِصح الذي يأكلُه اليهود فلا يكسرون له عظمًا (عد 9: 12). مات يسوع بالقرب من حملان الفِصح، مات في الساعة التي فيها تُذبح هذه الحملان، فصار بشكل سرّي ذاك الذي به يصبح عيدُ التحرير العظيم واقعًا حاضرًا. لقد كان اليهود ينتظرون خلاصًا آتيًا بعد كلّ عيد يحتفلون به في 14 نيسان. أمّا الآن فحَمَلُ الفِصح ليس حيث يظنّون. حَمَلُ الفصح هو على الصليب، ولم يُكسر له عَظم. ماذا يبقى لهم أن يعملوا؟ وماذا يبقى لنا إلاّ أن نُعلن إيمانَنا بذلك الذي يحرّرنا معًا من الخطيئة والشرّ والموت.

لا، لم يكسر الجنود ساقَي يسوع مع المصلوبَين، وبفعلهم ينتزعون كلّ سند للمصلوب فيعجّلون في موته خنقًا. فلا حاجة إلى هذه الإهانة الجديدة لشخص قد مات. ولكن كيف التأكّد من موت يسوع؟ طعنه جنديّ بحربة في جنبه فخرج منه دمٌ وماء. لا يعتبر الإنجيليّ أنّ هذا واقعُ عجائبيّ، فلا عجائب في خبر الآلام عند يوحنّا. وقد نشرح الأمرَ حسب طبّ ذلك الزمان.

هنا نجد نفوسنا أمام تفسيرَين. تفسير ماديّ وتفسير روحيّ. على المستوى الماديّ تأكّد الجندي أنّ يسوع مات حقٌّا. وتأكّد يوحنّا وأكّد لقرّائه الذين لا يؤمنون أنّ جسد يسوع هو جسدٌ حقيقيّ، وأنّه مات حقٌّا كما يموت كلّ إنسان. فقد قال في رسالته الأولى (4: 2 - 3): »كلّ روح يعترف بيسوع المسيح أنّه جاء في الجسد يكون من الله. وكلّ روح لا يعترف بيسوع المسيح أنّه جاء في الجسد، لا يكون من الله، بل يكون معارضًا للمسيح«. وتحدّث في رسالته الثانية (آ 7) عن »المضلّلين الذين لا يعترفون بمجيء المسيح في الجسد«.

وعلى المستوى الروحيّ، خرج من القلب المطعون دمٌ وماء. لم يبقَ الإنجيليّ في عالم تشريح الأجساد، بل استخرج شهادة احتفاليّة أبرزها فأعطت الواقع معنى جديدًا. شهد أنّ التجسّد هو حقيقيّ. فالكلمة صار بشرًا، صار جسدًا وسكن بيننا (1: 14). وموت يسوع ينفتح، في واقعيّة، على سرّ الخلاص كما أعلنه (7: 38): »كما يقول الكتاب: تجري من قلبه أنهارُ ماءٍ حيّة«.

من جنب يسوع خرج دم وماء. الماء يدلّ على المعموديّة التي تلد البنين العديدين، التي تكوّن الكنيسة. لقد قال يسوع لنيقوديمس إنّ عليه أن يولد من الماء والروح (3: 5). والدم يدلّ على الافخارستيّا، على القربان المقدّس. فقد قال يسوع في خطبة خبز الحياة: »مَنْ أكل جسدي وشربَ دمي، فله الحياةُ الأبديّة، وأنا أقيمُه في اليوم الأخير. جسدي هو القوت الحقيقيّ، ودمي هو الشراب الحقيقيّ« (6: 54 - 55). وكما وُلدت حوّاء (أمّ الأحياء) من جنب آدم، هكذا وُلدت الكنيسة (عروس المسيح) من جنب المسيح. ويمثّل الكنيسةَ هنا مريمُ التي هي أمّ المؤمنين. ويمثّله التلميذُ الذي كان يسوع يحبّه والذي يمثّلنا جميعًا عند الصليب.

وكلّ هذا يتمّ بفعل الروح الحاضر منذ موت يسوع. فالنصّ يقول في (19: 30): »حنى يسوع رأسه وأسلم الروح«. في معنى أوّل يعني أنّه مات. وفي معنى ثانٍ، سلّم الروح إلى الكنيسة لئلا تبقى يتيمة أو بالأحرى سلّم الكنيسة إلى عناية الروح القدس. وهكذا جاءت ساعة التمجيد في موت يسوع على مثال ما قال الإنجيلي في عيد المظالّ (7: 39): »وعنى يسوع بكلامه الروح الذي سيناله المؤمنون به، فما كان الروح أعطي حتّى الآن، لأنّ يسوع ما تمجّد بعدُ«.

»ذاك الذي رأى يشهد، وشهادته توافق الحقيقة«. شهادته صحيحة. فالشاهد هو الذي يعرفُ معرفةً مباشرةً بالحدث الذي يتكلَّم عنه ويدلّ على معناه. مَنْ هو الشاهد؟ هناك مَنْ يقول إنّه يوحنّا الرسول، التلميذ الحبيب، الذي يتأسّس التقليد اليوحنَّاوي على شهادته (21: 24). ولكنْ بما أنّنا أمام سلطة لها مكانتها الرفيعة في هذا الوقت الاحتفاليّ، رأى البعض الآخر أنّ الشاهد هو الله أو بالأحرى يسوع المسيح نفسه.

وتبع يوحنّا التقليد اليهوديّ (5: 31؛ 8: 13)، فتطلّع إلى شاهد ثانٍ يثبت صحّة ما قاله الأوّل. نحن أمام المسيح الممجّد الذي يدلّ عليه الإنجيل الرابع مرارًا بأداة الإشارة كما في 3: 28. بما أنّ يسوع يمتلك الشهادة التي يؤدّيها له الآب، هكذا يعرف التلميذ الذي يشهد أنّ المسيح الذي يرسله يوافق على عمله ويثبّته.

وفي النهاية، توخّى الإنجيليّ أن يجذّر قرّاءه في الإيمان، ويقول لهم إنّ موت يسوع هو ينبوع خلاص. وكان إيرادان يدلاّن على أنّ فيه تمّت الكتبُ المقدّسة. الأوّل قرأناه في آ 36 (لم يكسر له عظم) فعاد إلى ثلاثة مقاطع في العهد القديم: الأوّل نقرأه بمناسبة تنظيم حمل الفِصح في خر 12: 46. والثاني نقرأه في عد 9: 12 حول تشريع يقول: »لا يبقوا منه شيئًا إلى الغداء، وعظمًا لا يكسروا منه. بحسب كلّ رسوم الفِصح يصنعونه«. وطبّق يوحنّا هذين النصّين: إنّ يسوع لم يُكسر له عظم، شأنه شأن حمل الفِصح الذي يعيّده الشعب في هذه الأيّام. أمّا النصّ الثالث الذي نجده في مز 34: 21 (يحفظ عظامه كلّها فلا ينكسر منها واحد) فيدلّ على أنّ يسوع، شأنه شأن البار المؤمن، يصل إلى القيامة.

والايراد الثاني يعود إلى زك 12: 10: »فينظرون إليّ أنا الذي طعنوه، وينوحون عليه كما يُناح على الوحيد، ويتفجّعون عليه كما يتفجَّع على البكر«. نشيرُ أوّلاً إلى أنّ زكريا الثاني (ف 9: 14) كان ينبوع إلهام مهمّ بالنسبة إلى خبر الآلام. أمّا النصّ الذي ترد فيه الآية الواردة في الإنجيل، فيشير إلى موت مأساويّ وخلاصيّ. لقد أصيب الله نفسه في هذه الطعنة. وهو سيتماثل مع ذاك المائت الذي ينوحون عليه. أمّا في الإنجيل، فالابن المطعون بالحربة هو والآب جوهرٌ واحد. ولهذا حَمَلَ موتَه الخلاصيّ إلى البشر.

وهذه النظرة إلى المصلوب تعني فئتين من »المشاهدين«: أولئك الذين رذلوه، فدُعوا إلى التوبة، ومجموعة المؤمنين الذي كانوا حول مريم والتلميذ الحبيب فنالوا في موت يسوع موهبة الروح القدس.