سيظهر مسحاء

 

 

متّى 23:24 - 31

مع بداية ف 24، يعلن يسوع الضيقات الأخيرة ومجيء ابن الإنسان. نحن هنا في متتالية واحدة تتوزّع على ثلاثة مواضيع: العلامات السابقة أو الآلام الأخيرة، وإرشاد يتعلّق بها (24: 4 - 49). الضيق في أرض يهوذا، الذي هو ذروة المحنة، ويوم ابن الإنسان (آ 15 - 28). مجيء ابن الإنسان ومثَل التينة ومسألة زمن الأحداث الأخيرة (آ 29 - 36) الذي يدعونا إلى الاستعداد الدائم (آ 37 - 44).

هناك أزمة على مستوى الكون الذي فيه سيتجلّى الملكوت الذي خفي على أعين الجميع. لقد هجم ملكوت الله في شخص يسوع. هي اهتمامات تعليميّة واهتمامات على مستوى الأحداث. فإنّ ف 24 يتسجّل في امتداد ف 19 - 23 التي دلّت على خطورة الصراع بين يسوع ورؤساء شعبه. هذا الصراع يجد ذروته في »الويلات« الموجّهة ضدّ الفرّيسيّين. إذن، هنا رباط (عند متّى) بين الكوارث الاسكاتولوجيّة الآتية، ورذْل يسوع بواسطة رؤساء أورشليم والهيكل. وهذا التداخل الوثيق بين مواضيع جليانيّة معروفة لدى اليهود ومصير يسوع التاريخيّ، بشكّل أصالة هذا الفصل. كما أنّ هناك علاقة بين نهاية أورشليم (70 ب.م.) ونهاية العالم. إنّ سقوط أورشليم هو عنصر من العناصر الأخيرة التي فيها يزول عالم قديم ويظهر عالم جديد.

1 - مجيء ابن الإنسان

ما هو المنحى الهجومي أو الفقاهي لهذه المجموعة؟ إنّه جواب على سؤال طرحه التلاميذ في 24: 3: متى تكون النهاية، وما هي علاماتها؟ ونستطيع أن نُوجز جواب يسوع في ثلاث نقاط معدّة كلّها لتهدئة هذه الحمى الجليانيّة التي تشكّك محيطه: »إحذروا أن يضلّكم أحد« (آ 4). سيكون مجيء ابن الإنسان جليٌّا بحيث يُزيل كلّ تردّد بصدده (آ 27). الآب وحده يعرف »ذلك اليوم وتلك الساعة« (آ 36).

وتُزاد على هذه النقاط الثلاث الرئيسيّة مجموعات من النصوص لا بدّ من تحديد مدلولها في النصّ الاجمالي. في المجموعة الأولى نجد صورة عن الضيقات الأخيرة (آ 5 - 14، 15 - 25، 29 - 31). لا بدّ من تجنّب الاضطرابات الجليانيّة. استعمل يسوع هذه الاشارات الجليانيّة (تظلم الشمس...)، ليدلّ على خطورة التعليم الذي وجدناه في آ 4، 27، 36. ونجد في المجموعة الثانية تحريضًا على الثبات إلى النهاية (آ 13). هذه اللفظة تعلن موضوع السهر الذي يسيطر منذ آ 42: سهر يصوّره متّى: ليس بسهر روحيّ أو داخليّ، ليس بسهر مضطرب وهائج. بل سهرٌ ناشط في تتميم المهمّة التي تسلّمناها، وفي مساعدة »الصغار« الذين هم وجه يسوع على الأرض: »كلّ ما صنعتموه لواحدٍ من إخوتي هؤلاء الصغار، فمعي فعلتموه« (25: 40).

2 - إن قيل لكم (آ 23 - 28)

إن قيل لكم... إن قيل لكم. المسيح هو هنا أو هناك. هو في البريّة... فلا تصدّقوا... لا تخرجوا وراءه... كلّهم مسحاء كذبة.

مع آ 23، ننتقل في هذه الخطبة الاسكاتولوجيَّة من موضوع إلى موضوع. فبعد الاشارات الجليانيّة في آ 15 - 22 وما فيها من إشارة إلى سقوط أورشليم سنة 70 ب.م. والضيق الذي حلّ بالشعب في ذلك الزمان، بعد هذا، يتركّز الانتباه على شخص المسيح أو بالأحرى على الأنباء الكاذبة التي ترافق تجلّيه الأخير.

نحن هنا في ذات الموضوع الذي قرأناه في آ 4 - 5. ولكن آ 5 تحدّثت عن مضلّين ينتحلون اسم المسيح. أمّا آ 23 - 28 فهي تفضح أولئك الذين يقولون لكم، أيّ لكنيسة متّى: هو هنا، هو هناك.

نشير هنا إلى ثلاثة تفاصيل في النصّ. الأوّل، ما يحمله المسحاء الكذبة والأنبياء الكذبة من خطر، هو أنهم يُجرون، هم أيضًا، آياتٍ عظيمة وخوارق. لا يقول النصّ إن كانت هذه الآيات آياتٍ صحيحةً. ولكن لا ننسَ ما نقرأ في 7: 21 - 23: »باسمك تنبّأنا. باسمك أخرجنا شياطين. باسمك صنعنا عجائب كثيرة«.

التفصيل الثاني: إنّ نيّة هؤلاء المسحاء الذين يضعون البلبلة، يفضحها النصّ بشكل ظاهر: إنهم يريدون أن »يُضلّوا المختارين أنفسهم«. وهكذا لا يحارب متّى فقط أصحاب أحلام لا يقدرون أن يسيئوا إلى أحد، بل أشخاصًا يحملون الشرّ إلى الجماعات.

التفصيل الثالث: في آ 26 - 28، هاجم متّى نظريات جليانيّة باطنيّة سيكون بموجبها تجلّي المسيح الأخير خفيٌّا ومحفوظًا لعدد صغير من المتدرّجين (في الحياة الروحيّة). هذا الموضوع عرفه العالم الجليانيّ اليهوديّ. كان متّى قد شدّد في ف 13 (الأمثال) على الطابع السرّيّ لرسالة يسوع وما فيها من مفارقة تحيّرنا. أما هنا فهو يشدّد على الطابع الشامل لظهوره الأخير الذي يفرض نفسه على جميع البشر. وإن كتب ما كتب، فهو لا يريد أن يُرعب التلاميذ، بل أن يُعيدهم إلى الهدوء والسلام.

ونصل إلى موضوع البرق فنتذكّر زك 9: 14: »ثمّ يظهر الربّ عليهم وسهمه يخرج كالبرق«. ونتذكّر مز 97: 4: »بروقه تُنير الكون، وتراها الأرض فترتعد«. يشير النصّ الإنجيليّ إلى فكرتين: الأولى، كلّ البشر يرونه، فلا يعود التردّد حول هويّته ممكنًا. الثانية، نجدها في آ 28. نحن أمام مثل معروف: كما أن الجثة يُعرف مكانُها بسرعة، هكذا بالنسبة إلى ابن الإنسان. أتدلّ هذه الصورة على المسيح المائت أو على أورشليم المدمّرة؟ هذا ما قاله بعض الشرّاح.

3 - بعد ضيق تلك الأيّام (آ 28 - 31)

ويترك الإنجيليّ مرّة أخرى الموضوع الخاصّ بتجلّي المسيح الأخير، ليُبرز ما قال عن هذا التجلّي في سلسلة من التعابير المأخوذة من عالم الجليان كما في اليهوديّة التقليديّة (أش 13: 9 - 10؛ 34: 4؛ زك 12: 10 - 12). تبع متّى مرقس، وهدفُه أن يُبرز فكرةً هامّة ومهدِّئة قرأناها في آ 27: ليس من تردّد ممكن. إنّ مجيء ابن البشر أمر أكيد. إنّ هذه الضجّة الكونيّة لا مدلول مسيحيٌّا لها، إلا بقدر ما ترافق علامة ابن الإنسان في السماء وتجعل هذه العلامة منظورة لدى الجميع.

إنّ عبارة »علامة ابن الإنسان« هي خاصّة بمتّى، وهي تدلّ على ابن الإنسان نفسه، لا على صليب المسيح.

إذن، هناك إبراز لمجد هذا الظهور وقوّته. هنا نستبعد التفسير الذي يرى في هذه الكوارث صورًا تقليديّة تدلّ على خطورة سقوط أورشليم. نحن أمام التجديد النهائي لكلّ شيء. فرغم تساقط النجوم، يبقى الله أمينًا لخليقته. وقد تحقّقت إقامةُ الملك المسيحانيّ حين أحلّ يسوع الكنيسة محلّ الزمن الماضي. ولكنّ لا ننسَ أنّ هذه الدينونة الأخيرة تهدّد أيضًا »التلاميذ«. هم يُدعَون لانتظار يوم الربّ، ولكنّهم يحرَّضون على انتظاره في السهر والأمانة.

خاتمة

بعد مسيرة العلامات التي تصوّر ضيقَ وكآبة الأزمنة الأخيرة، نصل الآن إلى مجيء ابن الإنسان السريع والفجائيّ. إنّ هذا التصوير يستلهم العهد القديم الذي يحدّثنا عن يوم الربّ كيوم ظلمة وحزن وحداد. أصاب الضيقُ الأرضَ وسكانها. وها هي السماء نفسها تتزعزع بحيث إنّ الخليقة كلّها تشارك في الحدث الذي يضع حدٌّا لنظام العالم القديم. أما الحدث فهو »علامة ابن الإنسان« في السماء.

كان يسوع بموته وقيامته علامة خفيّة عن نفسه. وها هو في مجيئه الثاني علامة ساطعة، يفرض نفسه بقدرته السامية حين يمارس سلطانه كديّان ويجمع المختارين. وهكذا تكون علامة ابن الإنسان مُوضوعَ بكاءٍ وخوفٍ لجميع عشائر الأرض. غير أنّها تكون موضوع رجاءٍ للذين انتظروها بإيمان. فالمختارون الذين ثبتوا إلى المنتهى وشاركوا المسيح في آلامه وصلبه، لا يستطيعون إلاّ أن يفرحوا حين تحلّ الساعة، ساعة مجيء يسوع في المجد.