كونوا مستعدّين

 

 

متّى 32:24 - 44

بعد أنّ أجاب يسوع على السؤال المتعلّق بالعلامات، عاد إلى موضوع الوقت والزمان الذي أشار إليه التلاميذ (آ 3). كلّ هذا التوسيع هو تفسير للآية 25: »سبقتُ وأخبرتكم«. فالذي أخبر مسبقًا، عرف ما ينتظره قبل مجيء الربّ. فالسؤال »متى« (يكون هذا) لا يَستطيع أن يُطرح من بعدُ. إنّ المؤمن يعرف أنّ مجيء ملكوت الله يرتبط بمشيئة الله. هو أكيد ونحن ننتظره كما ننتظر مجيء الصيف (آ 32). وهو فجائي ونحن لا نتوقّعه، على مثال الطوفان، أو اللصّ الذي يأتي ليلاُ.

قال يسوع: »حين ترون هذه الأشياء...«. عن أيّة رؤية يتكلّم النصّ؟ إنّ هذه العلامات يراها الجميع، ولكنهم لا يقرأونها كلّهم بالشكل عينه، ولا يتقبّلونها على أنّها آيات تدلّ على مجيء الملكوت. إنّ ملكوت الله لن يفاجئ إلاّ أولئك الذين لا ينتظرونه، أولئك الذين لم يهتمّوا لتنبيهاته ولم يخضعوا لها منذ الآن.

1 - من التينة تعلّموا (آ 32 - 36)

هذه الآيات في رؤية القدّيس متّى، قريبة جدٌّا مما نجد عند مرقس. قام متّى ببعض التحويلات البسيطة (على مراجعه) التي لا تحمل بُعدًا لاهوتيٌّا. أدخل مع مرقس ولوقا كلمتين ليسوع وجدهما في مكان آخر وبشكل مختلف.

هناك أوّلاً مَثَل صغير (آ 32 - 33) هو مَثَل التينة. لا نجد هنا تحريضًا ولا هجومًا، بل قيدًا وتحديدًا: كما أنّ الفلاح لا يفقد صبره لأنّه لا يرى الصيف قادمًا قبل أن تنبت أوراق التين، كذلك يجب على التلاميذ أن لا يحلموا بمجيء ابن الإنسان ولا يضطربوا قبل أن يروا هذه العلامات التي ذُكرت أعلاه. نحن دومًا أمام الفكرة عينها: لا اضطراب قبل التأكّد من علامات النهاية.

بعد المثَل تأتي الكلمة الأولى: »إنّ هذا الجيل لا يزول إلى أن يتمّ هذا كلّه« (آ 34). نقرّب هذه الآية من 16:28 (من لا يذوقون الموت حتّى يروا ابن البشر) و10:23 (لن تتمّوا مدن إسرائيل حتّى يجيء ابن البشر). بما أنّ لا أحد يعلم (آ 36)، فلا نحاول أن نحدّد زمن المجيء. ثمّ إنّ الإنجيليّ جعل على شفتي يسوع إعلان نهاية قريبة جدٌّا من عصره، نهاية لم تتحقّق. هل يتحدّث يسوع عن نهاية أورشليم؟ وهذا الجيل، هل يعني عصره هو أم عصر شعب إسرائيل الذي قد يمتدّ إلى نهاية العالم؟ أما الموقف البسيط والموافق لفكر متّى فقد يقول: ما يهمّ من الزاوية اللاهوتيّة في كرازة اقتراب ملكوت الله، هو تأكيد ضمنيّ يعلن أنّنا منذ مجيء المسيح نعيش في عهد جديد، وأنّ النهاية صارت قريبة بعد أن بدأت في موت يسوع وقيامته.

ونقرأ الكلمة الثانية في آ 35: »السماء والأرض تزولان وكلامي لا يزول«. لسنا هنا أمام تنبّؤ عن انحلال السماء والأرض، عن انحلال العالم كلّه. فالمسيح يعلن هنا كما في 5:18 أنّ كلامه أبديّ سرمديّ ولا شكّ في صحته. فمن تعلّق بهذا الكلام، حفظ نفسه لزمن الدينونة والملكوت الآتي. كلامه يدعو إلى الثقة والطمأنينة في قلب انتظار النهاية.

ونجد كلمة »الابن« بشكل مطلق في آ 36. كما نجدها أيضًا في 11: 27 (ليس أحد يعرف الابن إلاّ الآب)، وفي أماكن عديدة من إنجيل يوحنّا. ينسب النصّ إلى يسوع »جهل« اليوم والساعة. لا شيء هنا يعارض معطيات الكرستولوجيا (معرفتنا ليسوع المسيح). فهذا »الجهل« لا يؤثّر في مهمّة الوحي التي يحملها يسوع. إنّه يؤثّر فقط في معرفته البشريّة الشخصيّة.

2 - مثل أيّام نوح (آ 37 - 41)

لا تضلّوا. فالصيف على الأبواب. فالمسيح آتٍ. وهكذا تعود الطمأنينة إلى النفوس. ومع آ 37، نجد إشارة جديدة هي السهر كما في آ 42. سهر ناشط، وأمانة للمسؤوليّة، واستعداد لمجيء الربّ.

إنّ آ 37 - 41 تشكّل انتقالة بين المجيء الظاهر (لابن الإنسان) (آ 4 - 36) والمجيء غير المنتظر (آ 37 - 51)، فتهيِّئ الطريق للتعليم على السهر (آ24 ي). والتقارب بين أيّام نوح ومجيء ابن الإنسان يُبرز الجهلَ الفادح الذي عرفه الناس في هذين الجيلين وهو جهل التهديد الهائل الذي يهدّد البشر. وهكذا ارتبطت فكرة الدينونة بفكرة المجيء.

إختلف متّى عن بعض أفكار عرفها اليهود في عصره، فلم يشدّد على سوء سلوك تميّزَ به عصرُ نوح. بل لم يكن هناك شيء خاصّ يدلّ على اقتراب الدينونة. إذن، نحن أمام انشداد بين هذه »العلامات« و»أصوات الحرب« وسائر الكوارث التي صُوّرت فيما قبل. كانت فكرة مجيء غير متوقّع، مجيء مفاجئ. وزادت آ 40 - 41 قولاً بأنّ الدينونة ستكون سريعة ولا أحد يُفلت منها. كما أن لا سبيل للبشر بأن يستعدّوا لها.

هناك من يجد تلميحًا إلى دمار أورشليم وإلى عدد قليل من الناجين، على مثال البقيّة الباقية التي ظلّت على قيد الحياة في أيّام الطوفان، على مثال نوح وأهل بيته.

3 - فاسهروا إذن (آ 42 - 44)

هنا تبرز فكرة السهر التي ستُشرق على كلّ نهاية الخطبة الاسكاتولوجيّة. ولكنّنا لا نعرف بعد بمَ يقوم هذا السهر، وما يجب على التلاميذ أن يفعلوا خلال هذا السهر. فمنحى هذا المثل يعبّر عنه في هذه الكلمات: »سهر« (آ34). »كونوا مستعدّين« (آ 44).

إنّ السهر هو قبل كلّ شيء حالة من التأهب انتظارًا لابن الإنسان، ولكنّه لا ينحصر فقط في هذه الحالة. ففي آ 2، نجد بقايا مَثَل البوّاب الذي توسّع فيه مرقس (13: 33 - 37) ولوقا (12: 35 - 38)، والذي توجّه إلى الكتبة فلم يلمّح إلى عودة المسيح.

وصورة السارق الذي يأتي في اللّيل (آ 43) تبدو غريبة كصورة الجثّة في آ 38. نجدها في مقاطع عديدة من العهد الجديد وهي تدلّ على مجيء الربّ المباغت والمفاجئ والهائل. »إنّ يوم الربّ يجيء كاللصّ في اللّيل. فحين يقول الناس: سلام وأمان، يفاجئهم الهلاك بغتة... فلا يقدرون على النجاة« (1تس 5: 2 - 4). ونقرأ في 2 بط 3: 10: »ولكنّ يوم الربّ سيجيء مثلما يجيء السارق«. وفي رؤ 3:3 يعلن يسوع لملاك كنيسة سارديس: »إن كنت لا تسهر جئتك كاللصّ، لا تعرف في أيّة ساعة أباغتك«.

خاتمة

نجد في هذه المقابلات فكرة تقول إنّ الكنيسة ستظلّ حتّى النهاية عرضة للتجربة والضلال. فقد تُفاجأ وتُؤخذ على غفلة، بدلاً من أن تكون مستعدّة، متنبِّهة، ساهرة. وإنّ يسوع في لو 18: 8 يجعلنا نستشفُّ أنّه حين يأتي ابنُ الإنسان، فقد لا يجد على الأرض أيّ انتظار. فتتمّ عودته في وسط نعاس عامّ يسيطر على الكنيسة وعلى العالم. قال يسوع: »ولكن متى جاء ابن الإنسان، فهل يجد الإيمان على الأرض«؟ أجل ستبرد المحبّة في قلوب الكثيرين، ولكن مَن يثبت إلى المنتهى يخلص« (متّى 12: 24 - 13).