ترون السماء مفتوحة

 

 

بعد مطلع إنجيل يوحنّا (1: 1-18) وشهادة المعمدان، دعا يسوع التلاميذ الأوَّلين.

وما نقرأه هنا يختلف عمّا في الأناجيل الإزائيّة. مع متّى ومرقس، أتى يسوع إلى شاطئ البحر. وجد أندراوس وسمعان. ثمَّ يعقوب ويوحنّا: إتبعوني، فتركوا كلَّ شيء وتبعوه. في إنجيل لوقا، أراد منهم يسوع أن يكونوا صيّادي ناس. فتركوا صيد السمك بعد ذلك الصيد العجيب، وراحوا يصطادون الناس من أجل الخلاص. أمّا في يوحنّا، فيسوع يبدأ السلسلة، والمدعوّ يكمِّلها. أقام أندراوس النهار مع يسوع، وفي الغد أخبر أخاه سمعان بطرس. دعا يسوع فيلبُّس الذي من بيت صيدا، فدعا فيلبُّس بدوره نتنائيل: »وجدنا الذي ذكره موسى في الشريعة، والأنبياء في الكتب، وهو يسوع بن يوسف من الناصرة (1: 45). وتمَّ اللقاء بين يسوع ونتنائيل في حوار انتهى في كلام الربّ: »سترون السماء مفتوحة وملائكة الله صاعدين نازلين على ابن الإنسان« (آ51).

 

1- سماء مغلوقة فُتحت

هكذا اعتبر المؤمنون الوضع قبل زمن المسيح. موسى مضى. ووعدهم بنبيّ يكون مثله، فيسمعون له (تث 18: 15-18). ولكنَّه تأخَّر. فهتف المؤمنون في ساعة الضيق: »لا نرى علامة ولا بقيَ نبيّ، ولا عندنا من يعرف إلى متى« (مز 74: 9). وفي كتاب المكابيّين، عاد الشعب إلى النبيّ إرميا الذي ذكَّرهم بأنَّ رمز حضور الربِّ يبقى مجهولاً إلى أن يجمع ا؟ شمل شعبه ويرحمهم« (2مك 2: 6-7). ولمّا دشَّن مقاومو الحكم السلوقيّ الآتي من أنطاكية، الهيكل الذي تنجَّس بفعل الاجتياح الوثنيّ، أقاموا الحجارة المنجَّسة ليجعلوا مكانها حجارة طاهرة. ولكن أين يضعون هذه الحجارة التي كانت في بيت الربّ؟ لا يعرفون. ولكنَّهم »وضعوها في مكان لائق، على تلَّة الهيكل« إلى أن يظهر نبيٌّ يُبدي رأيه في شأنها» (1مك 4: 46).

انتظر المرتِّل: »إلهنا يجيء ولا يصمت، قدّامه نار آكلة، سعيرها يشتدُّ حوله. ينادي السماء من فوق، والأرض حتّى يدين شعبه« (مز 50: 3-4). ولكن نقرأ تساؤلاً مؤلمًافي مز 77: 9: »أعلى الدوام انقضت رحمته، وكلمته انقطعت مدى الأجيال؟« وكان هتاف النبيّ أشعيا: »ليتك تشقُّ السماوات وتنزل« (أش 63: 9). وها هي السماء انشقَّت وانفتحت بمجيء ابن الله.

هذا ما صوَّره الأناجيل الإزائيّة في عماد يسوع فوق الأردنّ. قال مرقس: »انشقَّت السماوات« (مر 1: 10). تمزَّقت مثل قطعة قماش، على مثال ما سيحدث لحجاب الهيكل يوم موت يسوع (مر 15: 38). هكذا صار الله منظورًا. وقال مت 3: 16: »انفتحت السماوات« بعد أن كانت مغلقة أمام عيونهم. ومثله قال لوقا في 3: 21، وجاء الفعل في صيغة يونانيّة تدلُّ على استمراريّة هذا الانفتاح. هو ما حصل في وقت محدَّد وانتهى. فاستطاع سفر الرؤيا الذي أبصر »بابًا مفتوحًا في السماء« (رؤ 4: 1) أن يلاحظ أنَّ هذا الباب فُتح على مصراعيه وإلى الأبد. فأنشد مع المنشدين: »قدُّوس، قدُّوس، قدُّوس الربّ الإله القدير« (آ8).

انفتحت السماوات، وجاء

ابن الإنسان على السحاب. هذا ما وعدنا به دانيال. »ورأيتُ في منامي، ذلك الليل، فإذا بمثل ابن إنسان آتيًا على سحاب السماء«، وتحقَّق في شخص يسوع. أورد متّى مقاله: »ويرى الناس ابن الإنسان آتيًا على سحاب السماء« (مت 24: 30). في النهاية، يأتي »في كلِّ عزَّة وجلال« ولكنَّه يأتي الآن، إنسانًا بين الناس، شبيهًا بنا في كلِّ شيء ما عدا الخطيئة. وها هو يكلِّمنا بفم بشريّ، ويلمسنا كما تلمس الأمُّ ابنها، وينظر إلينا كما ننظر نحن ويسمعنا بأذن بشريّة. وها هو ينتقل من أندراوس إلى سمعان، ومن فيلبُّس إلى نتنائيل، وصولاً إلى كلِّ واحد منّا. فهو من يدعونا، ونحن نمضي إليه.

ولكن، من يقول لنا إنَّ هذا الإنسان وابن الإنسان، هو في الوقت عينه ابن الله؟ وجود الملائكة. هم حاضرون هنا كعلامة تسبق ذلك الآتي، الله. في هذا قال القدّيس أوغسطين: »الوعّاظ الصالحون الذين يعلنون حقٌّا يسوع المسيح، همملائكة الله. ينزلون ويصعدون على ابن الإنسان. على مثال القدّيس بولس الذي صعد إلى السماء الثالثة ونزل ليعطي اللبن طعامًا للأولاد الصغار. قال يسوع لنتنائيل: »سترى أعظم من هذا«. فتبرير الذين دعاهم الربُّ إلى الإيمان، معجزة أكبر».

 

2- سلَّم بين السماء والأرض

ونتابع قراءتنا في أوغسطين حول هذه السلَّم: »نتذكَّر خبرًا قديمًا عن يعقوب: رأى في السماء سلَّمًا وُضعت على الأرض، ولمس رأسُها السماء وملائكة ا؟ يصعدون وينزلون عليها. فهِم يعقوب المدلول السرّيّ لهذه الرؤية، فأخذ حجرًا كان قد وضعه تحت رأسه وصبَّ عليه زيتًا... فجاء عملُه صورةً رمزيّة. في هذه المسحة إعرفوا المسيح. هو الحجر الذي رذله البنّاؤون. بما أنَّ يعقوب الذي دُعيَ إسرائيل، رأى هذه السلَّم في الحلم، وبما أنَّ نتنائيل إسرائيليّ لا غشَّ فيه، كما شهد يسوع، فالمخلِّص أراد أن يبيِّن له حلم السلَّم وكأنَّه يقول له:

حلم الذي تحمل اسمه يتحقَّق لك. ترى السماء مفتوحة وملائكة الله صاعدين ونازلين على ابن الإنسان. نزلوا عليه وصعدوا أيضًا إليه، لأنَّه في أعالي السماء، كما على الأرض. هو في العلاء في طبعه، وهو على الأرض في شخص أحبّائه«.

وأضاف الذهبيّ الفم: »أنظروا (إلى يسوع) كيف رفعه (= نتنائيل) فوق الأرض، وجعله يعرف أنَّ المسيح ليس إنسانًا فقط. فكيف يكون إنسانًا فقط ذاك الذي تخدمه الملائكة؟ إذًا، عرَّف نفسه على أنَّه سيِّد الملائكة.

الإشارة إلى السلَّم تعيدنا إلى ما حصل ليعقوب، حين كان في طريقه إلى بلاد الرافدين، إلى شمال العراق، في حاران عند خاله لابان. قال الكتاب: »وخرج يعقوب من بئر سبع (جنوب فلسطين) وذهب إلى حاران. فوصل عند غياب الشمس إلى موضع رأى أن يبيت فيه، فأخذ حجرًا من حجارة الموضع ، ووضعه تحت رأسه ونام هناك. فحلم أنَّه رأى سلَّمًا منصوبة على الأرض، رأسها إلى السماء، وملائكة الله تصعد وتنزل عليها، وكان الله واقفًا على السلَّم« (تك 28: 10-13).

من أين جاءت هذه الصورة التي بها عبَّر الكاتب عمّا حلم به يعقوب؟ من أرض العراق. الزغورة أو البناء العالي. يكون سطح فوق سطح، والأدنى يكون »سطيحة« للأعلى، وقد وصل بعض الزغورات إلى 100 متر. وزغورة بابل كانت في سبع طبقات، على أن ينزل الإله في الطبقة العليا. ويمكن أن يكون برج بابل زغورة تريد أن تقف في وجه هيكل أورشليم. في سيناء، نزل الله على الجبل حيث تلتقي السماء بالأرض. وكذلك جبل حرمون، وجبل الربِّ حيث أرز الربِّ في شمال لبنان، وجبل الأقرع شمالي أوغاريت أو رأس شمرا.

في العراق، قرب بابل وغيرها من مدن السهل، لا وجود للجبال. ولهذا بُنيَت الزغورة (قد تكون زغرتا مرتبطة بهذا الاسم) كمعبد وقلعة في الوقت عينه. قال سفر التكوين: »قال بعضهم لبعض: تعالوا نصنع لنا لبنًا ونشويه شيٌّا... تعالوا فنبني لنا مدينة وبرجًا رأسه في السماء« (تك 11: 3-4).

على رأس ذلك البرج يقف الإله النازل من السماء. وهناك رأى يعقوب الله. حول الإله الكبير يكون الآلهة الصغار. أمّا حول الإله الواحد، فالملائكة يؤمِّنون التواصل بين السماء والأرض. يجب على الإنسان أن يبقى بعيدًا عن الله، الذي هو ن

ار آكلة. لهذا يكون الملائكة بشكل عازل، وهم بحسب التقليد يرون وجه الله. يُدعَون: ملائكة الوجه، »ويخدمون أمام عرش الواحد القدُّوس« (طو 12: 15).

وقف الله على السلَّم، وكلَّم يعقوب: »أنا الربُّ إله إبراهيم أبيك« (تك 28: 13). ماذا قالت التفاسير اليهوديّة؟ »استيقظ يعقوب من نومه، حرفيٌّا: من وسنه، سنة (م ش ن ن ت و). وكان تلاعب على الكلام: من وسط دروسه. اعتبر بعضهم أنَّ يعقوب نعِم بنوم هادئ. ثمَّ استيقظ خلال الليل وأخذ يدرس التوراة لهذا، كان ظهور ا؟ له رؤية نبويّة حقيقيّة. وقال آخرون: نفس البارّ، وإن نعم جسده بنومٍ يستعيد قواه، تواصل الارتقاء في الكمال الخلقيّ تحت جناحي الحضور والسكنى الإلهيّة.

وقرأ الترجوم، أي الترجمة الموسَّعة تك 28: 12: »كان حلم وها سلَّم غُرست في الأرض، فوصل رأسها إلى قمَّة السماوات (لهذا صعد الملائكة) وها الملاكان اللذان مضيا إلى سدوم... رافقا يعقوب حتّى بيت إيل. وفي ذلك اليوم، صعدا إلى السماوات العليا، فأعلنا، قالا: تعالوا وانظروا يعقوب البار الذي حُفرت صورتُه على عرش المجد، فاحترقتم لرؤيته«. ويتواصل الكلام في آ13: »وها مجد يهوه وقف قربه وقال له: أنا الرب«.

وتطلَّع يعقوب السروجيّ إلى يعقوب، فرأى فيه صورة بعيدة عن المسيح. أخذ يعقوب عصاه، فقال السروجيّ: »هذه العصا كانت كلَّ المهر الذي قدَّمه لعروسه... والصليب هو أيضًا الكنز الوحيد الذي كشفه ابنُ الله للعالم. من الصليب، أفاض كلَّ غنى على الخلائق ومع الصليب خطب كنيسة الأمم التي كانت متروكة. إذًا، نام يعقوب على عصاه، وجعل رأسه على حجر بشكل مخدَّة ونام. هكذا رقد ابن الله حين خطب الكنيسة ومات على الصليب. نام يعقوب فقيرًا. واستيقظ غنيٌّا بالوحي الذي ناله. في المساء، لاحقه الليل الذي يجتاح الأرض. في الصباح، استيقظ وشرع يبني الكنيسة.

 

3- رأيتك، سترى

هنا نعود إلى الإنجيل ولقاء يسوع مع نتنائيل. ما شرح له فيلبُّس شيئًا . لا قدَّم له البراهين التي طلبها الشعب اليهوديّ من يسوع ليدلَّ على أنَّه مرسَل الآب الحقيقيّ. بل ما قال له شيئًا عن الكتاب المقدَّس وما يمكن أن يُشير إلى المسيح المنتظر. دعاه لكي يختبر ما اختبر هو. أنارأيت، وأنت تعالَ ترَ. تعال وانظر. فأتى نتنائيل ليرى. ولكنَّ يسوع سبقه، كما يسبق كلَّ واحد منّا. رأى يسوع نتنائيل مقبلاً إليه. رآه مستعدٌّا للإيمان به، لا في الكتب كما يفهمها.

والتقى يسوع بنتنائيل للمرَّة الأولى. فدلَّ أنَّه يعرفه في الأعماق. »لا غشَّ فيه«

لا يتعامل بالحيلة مثل جدِّه يعقوب. لا يتهرَّب من يسوع بأعذار وأعذار، فيطرح السؤال بعد السؤال وهو لا ينتظر الجواب. سبق وتساءل: »أمِنَ الناصرة يخرج شيء صالح؟« وبما أنَّ يسوع هو من الناصرة، فما الإفادة في الاقتراب منه؟ تلك كانت خطوة أولى لدى الجالس »تحت التينة« يقرأ الكتب المقدَّسة، شأنه شأن الأتقياء في محيطه. ولكن تبدَّل كلُّ شيء. نظرة يسوع: رأيتك. كلام يسوع سبق كلام فيلبُّس. ليس فيلبُّس هو من يدعو نتنائيل، بل يسوع. قال: »لستم أنتم اخترتموني، بل أنا اخترتكم وأقمتكم«.

وأعطى نتنائيل يسوع ثلاثة أسماء. هو المعِّلم. لا يجاريه معلِّم. قال فيه الجمع: ما تكلَّم إنسان مثله، تعليمه جديد، ويلقِّبه بسلطان (مر 1: 27). كم هو بعيد هذا المعلِّم عن »معلِّمي الشريعة«! (مت 7: 29). ثمَّ هو »ملك إسرائيل« أي المسيح المنتظر. هكذا سوف ينشده الجمع عند الدخول إلى أورشليم: »تبارك الآتيباسم الربّ، تبارك ملك إسرائيل« (يو 12: 13). وأخيرًا، هو ابن الله في معنى أوَّل، هو الملك أيضًا. تبنّاه ا؟ وقال: »قال لي: أنت ابني. أنا اليوم ولدتُك« (مز 2: 6-7). فيوم يعتلي الملك عرشه، يعتبره الله ابنه. تلك هي نقطة الانطلاق هنا كما في العماد في الأردنّ. ولا يستطيع اليهوديّ أن يرتفع فوقها. أمّا المسيحيّ، فيرى في هذه التسمية ذاك الذي هو ابن الله حقٌّا. الأقنوم الثاني في الثالوث الأقدس.

تبع يسوع تلميذان بعد كلام المعمدان: هذا حمل الله. سألاه: أين تقيم؟ أجاب: تعاليا وانظرا. وأتيا فكشف لهما يسوع أين يقيم. وقضيا النهار كلَّه معه. ماذا مع نتنائيل؟ هل يكتفي بأنَّه رأى فيه المعلِّم؟ هل يكتفي بأنَّه اكتشف فيه المسيح، على مثال بطرس في مرحلة أولى من إنجيل مرقس (مر 8: 29).. رأيتَ. وهذا لا بأس به. ولكن سوف ترى. عليك أن تتجاوز ما تقوله الأسفار عن »الملك المسيح«. كان بالإمكان أن يكتفي نتنائيل بما قال، ويبقى صامتًا بعد ذلك. هو ينتظر المسيح كما انتظرته السامريّة. إلى السامريّة قال: »هو الذي يكلِّمك«. وإلى نتنائيل، بل هو يدعو شعبه كلَّه لكي يرى. لم يقل يسوع: »أنت، يا نتنائيل سوف ترى، بل قال في صيغة الجمع: »سوف ترون جميعًا«. هذا إذا شئتم.

»الحقَّ الحقَّ أقول لكم«. أو: آمين، آمين أقول لكم» (يو 1: 51). هو كلام احتفاليّ. وهو يتجاوز خبرة يعقوب. رأى يسوع في الحلم، أمّا نتنائيل والآتون إلى يسوع، فسوف يرون في الحقيقة. يسمعون بآذانهم. يلمسون بأيديهم. يأكلون مع يسوع، يشربون معه. يرافقونه في تعليمه وحتّى موته وقيامته، إذا شاؤوا.

»آمين، آمين«. هو وحي هامّ، وحي جديد، كلَّ مرَّة يظهر هذان اللفظان في إنجيل يوحنّا. هي عبارة سرّيَّة يجب أن ندخل في عمق غناها. لقد كشف يسوع في آ51، سرَّ شخصه ودوره. وبواسطته يتمُّ اتِّصال المؤمنين بالله بشكل متواصل. لن يتوقَّف بعد اليوم. بل يستمرُّ إلى يوم نراه وجهًا لوجه.

في خبر سفر التكوين، حدَّثنا الراوي عن اتفتاح السماء (تك 28: 12). أمّا في إنجيل يوحنّا، فيسوع يحدِّثنا عن انفتاح السماء. لسنا أمام تمنٍّ يمكن أن يتحقَّق أم لا. بل أمام واقع. يسوع هو الانفتاح. هو الباب الذي به ندخل ونخرج. بدا الله صامتًا، فلم يعد كذلك، بعد أن جاء الكلمة إلى أرضنا وصار بشرًا. صار إنسانًا مثلنا. بدا الله بعيدًا. ولكنّنا نؤمن أنَّه معنا، أنَّه عمانوئيل. بدا العهد وكأنَّه نقض، ولكنَّ كلام يسوع في 1: 51 أعلن أنَّ فيه صار العهد حاضرًا على الأرض. العهد الجديد والنهائيّ، الذي لا عهد بعده. شخص يسوع المسيح هو الموضع الذي فيه يتجلّى الله للبشر ويتَّصل بهم.

بيت إيل حيث كان يعقوب، يعني: بيت الله. لهذا أخذته الرهبة، كما يحصل للإنسان في حضرة الله. والآن، صار يسوع بيت إيل الجديد، بيت الهل وهيكله. ذاك ما قاله لليهود بعد أن طرد الباعة من الهيكل: »أهدموا هذا الهيكل، وأنا أبنيه في ثلاثة أيّام« (يو 2: 19). وتابع الإنجيليّ شارحًا: »وكان يسوع يعني بالهيكل جسده« (آ21).

احتاج يعقوب إلى »سلَّم« كوسيط بين الله وبينه، مع الملائكة الصاعدين والنازلين. ولكن مع يسوع، لا حاجة إلى سلَّم، فهو الوسيط بين الله والبشر. والملائكة لا يصعدون على السلَّم وينزلون، بل على ابن الإنسان. وهكذا يدلُّون أنَّ هذا الإنسان الذي يسير في طرقات الجليل والسامرة واليهوديّة، هو ابن الله معنا. وبين ابن الإنسان والآب، حياة مشتركة وعمل مشترك. بابن الإنسان هذا يتحقَّق مشروع الله.

 

الخاتمة

تلك هي الخبرة التي عرفها التلاميذ الأوَّلون، حين أتوا ورأوا. ونتنائيل ما رأى يسوع فقط كمعلِّم من المعلِّمين، أو الملك المنتظر المسيح الذي يخلِّص شعبه من عبوديَّتهم. بل رأى أكثر من ذلك. في الأصل، جهل يعقوب أنَّ الله؟ نفسه حاضر في هذا الموضع.

والتلاميذ حول يسوع ما كانوا يعرفون. أمّا يسوع فعرف، وتهلَّل فرحًا لهذه العلاقة المستمرَّة بين السماء والأرض، بين الله والبشر. »أحمدك يا أبي، يا ربَّ السماء والأرض، لأنَّك أظهرت للبسطاء ما أخفيتَه عن الحكماء والفهماء« (مت 11: 25). وواصل يسوع كلامه في آ27: »أبي أعطاني كلَّ شيء. وما من أحد يعرف الابن إلاّ الآب. ولا أحد يعرف الآب إلاّ الابن«. وينهي: »ومن شاء الابنُ أن يُظهره له«. أظهر ذاته لأندراوس ولرفيقه، لفيلبُّس ونتنائيل. ويظهر ذاته لكلِّ واحد منّا. وإن هو عاد إلى تقليد الآباء، فلكي يدلَّ على استمراريّة مشروع الله، ويكشف للتلاميذ دوره الحاسم والنهائيّ. مع يسوع انفتحت السماء ورأى المؤمنون عرش الله والحمل (رؤ 22: 1)، فما عادوا، يحتاجون إلى ضوء مصباح أو شمس، لأنَّ الربَّ الإله يكون نورهم، وهم يحصلون عليه إلى أبد الدهور» (آ5).