بين ولادة وولادة

 

في إحدى الليالي زار يسوعَ شخص اسمه نيقوديمس. جاء في الليل خوفًا من أن يُقال عنه شيء. اسمه يونانيّ ويعني الشعب المنتصر. هو فرّيسيّ، ويريد أن ينفصل عن بقيَّة الشعب. هو ليس »مثل سائر الناس الطامعين الزناة« (لو 18: 11). ويتميَّز بممارسات التقوى: يصوم، يوفي العشور. ويعتبر أنَّه يعرف لأنَّه قرأ الكتب المقدَّسة. ما عرف أن يأتي مثل طفل، فكان الليل رمزًا له، سيُقال عنه في نهاية إنجيل يوحنّا: »جاء نيقوديمس، وهو الذي ذهب إلى يسوع ليلاً من قبل« (يو 19: 39). جاء إلى النور، ولكن يبدو أنَّه ما استفاد من النور. أراد أن يفرض نفسه على يسوع مثل أشخاص »أنصاف متعلِّمين« يريدون أن يحكموا على الأناجيل باسم معرفة هي في النهاية جهالة، كان جواب يسوع له قاسيًا: »أنت معلِّم في إسرائيل، ولا تعرف؟« لا شكَّ في أنَّه لا يقدر أن يعرف انطلاقًا من علم لم يصل إلى العهد الجديد، لم يصل إلى فوق. أمّا الموضوع فهو الولادة من فوق أو الولادة الثانية.

 

1- ولادة ثانية، ولادة من فوق بدأ يسوع كلامه فتحدَّث عن الولادة في ثلاثة أبعاد: ولادة ثانية، ولادة من فوق، ولادة من الماء والروح.يُولَد إنسان، يعني يأتي إلى العالم. ويبدأ حياة خاصَّة به. أمّا الولادة الأولى، فكلُّ إنسان يعرفها. يخرج من حشا أمِّه وينطلق في نموٍّ لا يشبه في الخارج نموَّ أيِّ كائن حيّ. يهتمُّ به والداه بانتظار أن يهتمَّ هو بنفسه فينمو كما قيل عن يوحنّا ويسوع: »وكان ينمو« (لو 1: 80)، »وكان ينمو في القامة« (2: 52).

لا حاجة للكلام عن هذه الولادة الأولى. أمّا الولادة الثانية، فعثر بها نيقوديمس، بسبب أفكاره المسبقة، على ما سوف يقول الربُّ خلال مسيرتهإلى بيت عنيا لإقامة لعازر: »أما النهار اثنتا عشرة ساعة؟ فمن سار في النهار لا يعثر، لأنَّه يرى نور هذا العالم. ومن سار في الليل يعثر لأنَّ لا نور فيه« (يو 11: 9). فإذا أراد الإنسان أن لا يعثر بكلام الإنجيل، لا يتوقَّف عند الكلمة، بل يسير في نور المسيح. وإذا أراد التلميذ أن يعمل، فهو يستفيد من النهار، لأنَّه »متى جاء الليل لا يقدر أن يعمل« (يو 9: 4). وواصل يسوع: »أنا نور العالم، ما دمتُ في العالم« (آ5). ولكنّه يبقى معنا إلى نهاية العالم (مت 28: 20). هذا إذا أردنا أن نسير في نوره ولا نطلب أنوارًا خافتة هي أقرب إلى الظلمة من النور، وإذا أردنا أن نمضي إلى النبع ولا نبحث عن آبار مشقَّقة لا تحتفظ بماء (إر 2: 13).

لبث نيقوديمُس أعمى، شأنه شأن سائر الفرّيسيّين، فما خرج من العهد القديم. وطرح سؤالاً بدا بشكل نكتة: »كيف يُولَد الإنسان وهو كبير السنّ؟ أيقدر أن يدخل بطن أمِّه ثانية ثمَّ يُولَد« (يو 3: 4). ومعنى كلامه: هذا مستحيل. فلا ولادة ثانية بعد الأولى.

ولكنَّ الولادة الثانية تعني الولادة من فوق. الولادة من الروح في مياه المعموديَّة. مضى الأعمى منذ مولده إلى بركة سلوام »فذهب واغتسل، فأبصر« (يو 9: 7). وهكذا وُلد من جديد، لا بالماء فقط، بل الماء والروح (يو 3: 5). وسار الأعمى مسيرته على هدي الروح، وأخذ ينمو »في الحكمة والنعمة« (لو 2: 52).

أوَّلاً اكتشف أنَّ الذي شفاه هو الذي أمرَه: »اذهب واغتسل« والنتيجة: »ذهبتُ واغتسلتُ فأبصرت«. سبب إلهيّ. معجزة. قام بها يسوع، ولا يزال الأبرار في أيّامنا يقومون بها، بعد أن قال يسوع لتلاميذه، لا في زمان حياته على الأرض، بل في كلِّ زمان: »تعملون هذه الأعمال، بل تعملون أعظم منها، لأنّي ماضٍ إلى الآب« (يو 14: 12).واكتشف الأعمى ثانية أنَّ يسوع هو »نبي« ويتكلَّم باسم الله ويعمل بقدرة الله مثل إيليّا وإليشاع. وإذ أراد أن يقنعوه بأنَّ يسوع خاطئ لأنَّه لا يراعي السبت، كان له هذا الجواب البسيط ولكنَّه مليء بحكمة الأطفال والبسطاء (مت 11: 25): »عجبًا كيف يفتح عينيّ ولا تعرفون من أين هو. نحن نعلم أنَّ الله لا يستجيب للخاطئين« (يو 9: 30-31). ولمّا التقى ذاك الأعمى مع يسوع وجهًا لوجه، لم يبقَ له سوى السجود قائلاً: »آمنتُ سيِّدي« (يو 9: 38).

تلك هي الطريق التي وجب على نيقوديمس أن يأخذها ليكون »تلميذًا ليسوع« مثل يوسف الرامي (يو 19: 38). عندئذٍ كانت له الولادة الثانية، الولادة من فوق. طرح سؤالاً على يسوع: »كيف يكون هذا؟« (يو 3: 9). ولكن يبدو أنَّه لم ينتظر الجواب. أو بالأحرى لم يفعل مثل هذين التلميذين اللذين تبعا يسوع. قالا له: أين تقيم؟ وأقاما معه ذلك النهار »حتّى الساعة العاشرة« أو الرابعة بعد الظهر (يو 1: 39). أمّا نيقوديمُس فجاء في الليل ومضى في الليل. مثل الكثيرين منّا، الذين يعتبرون أنوارهم غير أنوار المسيح، ومعرفتهم تساوي معرفة المسيح. يسمّونه المعلِّم وهم المعلِّمون. فبماذا يختلف عنهم؟

 

2- ختانة الجسم وختانة القلب

يا ليت نيقوديمُس عاد إلى الكتاب المقدّس! لكان اكتشف كيف تكون الولادة الجديدة، من خلال عمل بسيط هو جرح في الجسد. هو الختان. هو نزع الغشاء.

وُلد قايين، فقالت أمُّه: »رُزقتُ ولدًا من عند ا؟« (تك 4: 1). ولادة على مستوى الجسد. ما قيل إنَّه خُتن ليدلَّ على انتمائه إلى الربِّ والعمل بوصاياه. لهذا، لم يرضَ ا؟ عن تقدمته (آ5). ووُلد لإبراهيم من هاجر: إسماعيل الذي قيل فيه: »ويكون رجلاً كحمار الوحش (يعيش في البرّيَّة، شأنه شأن عيسو العائش من صيده)، يده مرفوعة على الجميع، ويد الجميع عليه، ويعيش في مواجهة جميع إخوته« (تك 16: 12). لا شكَّ في أنَّه يُختتن، ولكن ذاك الختان كان استعدادًا للزواج فقال الكتاب: »وكان إبراهيم ابن تسعٍ وتسعين سنة، وإسماعيل ابنه في الثالثة عشرة عند اختتانهما« (تك 17: 24-25).

أمّا الختان الذي يعني الانتماء إلى الربِّ والعهد والوصايا، فقد مارسه إسحاق أو بالأحرى إبراهيم مع إسحاق. نقرأ في سفر التكوين: »فحملت سارة وولدت لإبراهيم ابنًا في شيخوخته... وختن إبراهيم إسحاق ابنه، وهو ابن ثمانية أيّام« (تك 21: 2-4). تلك كانت البداية. والختانة الحقيقيَّة ستكون على جبل موريّا حين يأخذ إبراهيم ابنه ليقدِّمه ذبيحة على الجبل. لا نتوقَّف عند عادة ذبح الأطفال التي وقع إبراهيم فيها ليدلَّ على أنَّه ليس أقلَّ سخاء من عابدي الآلهة حوله، ولا نبرز إيمان إبراهيم واستسلامه للربِّ حين طلب منه ابنه بعد أن أعطاه إيّاه في شيخوخته. وسوف يربط الترجوم ذهاب إسماعيل بحيث لم يبقَ لإبراهيم سوى إسحاق »ابنه، وحيده، الذي يحبُّه« (تك 22: 2). بل نتطلَّق إلى إسحاق. هو »مات« على الجبل

ووُلد من جديد، لم يَعُد لوالده، إذ قال الكتاب: »ثمَّ رجع إبراهيم إلى خادميه، فقاموا وذهبوا معًا إلى بئر سبع، وأقام إبراهيم هناك« (تك 22: 19). فأين هو إسحاق؟ لم يُذكَر هنا.

كان إبراهيم وابنه في الطريق. سأل إسحاق: »أين الحمل للمحرقة؟« أجاب الأب: »أمام الربّ هُيِّئ حمل له من أجل المحرقة« وإلاّ فأنت حمل المحرقة». نستطيع هنا أن نتطلَّع إلى حمل آخر، يسوع المسيح »الذي رفع خطيئة العالم« (يو 1: 39) كما قال عنه يوحنّا المعمدان.

في سفر التكوين، إسحاق طفلاً، صبيٌّا، لا يُعرَف ما يُعَدُّ له. أمّا في الترجوم الذي هو قراءة وعظيَّة للنصِّ الكتابيّ، فنفهم أنَّه كان شابٌّا، عارفًا إلى أين يمضي. قال لأبيه: »قيِّدني جيِّدًا لئلاّ أرفسك فتصبح ذبيحتك غير مقبولة وأرمى أنا في هاوية الهلاك في العالم الآتي«. ويواصل الترجوم: »كانت عينا إبراهيم على عيني إسحاق، وعينا إسحاق متَّجهتين نحو الملائكة في العلاء. وإيراهيم لا يراهما«. عينا الإيمان وحدهما تريان ما لا يُرى. وإسحاق افتخر وقال: في العادة تُذبَح الحيوانات إكرامًا لك، يا ربّ. وأمّا اليوم، فأردتني أنا ذبيحة لك. يا لسروري.

وهكذا انتقل إسحاق من ختان إلى ختان. هو ابن أبيه إبراهيم بالجسد. ونال الجرح الذي يجمعه مع الذين خُتنوا فصاروا شعبًا خاصٌّا با؟. ولكن هذا ليس بكافٍ. أما افتخر الآتون إلى يوحنّا المعمدان بأنَّهم أبناء إبراهيم؟ فماذا يحتاجون بعدُ؟ فكان جواب يوحنّا قاسيًا: »إنَّ الله قادر أن يجعل من هذه الحجارة أبناء لإبراهيم« (مت 3: 9). أبناء إبراهيم يعملون أعمال إبراهيم، عندئذٍ يكون ختانهم ختانًا، لا غرلة فيبدون وكأنَّهم لم يُختنوا ولم يعلنوا انتماءهم للربّ بالحقّ والعمل لا بطقس خارجيّ لا يصل إلى القلب.ذاك هو الختان الذي طالب به الأنبياء مرارًا وصولاً إلى بولس الرسول. لم يعد عملاً خارجيٌّا يلبث في الخارج، بل عمل باطنيّ يدلُّ على عهد بين المؤمن وربِّه. على ما قيل مرارًا للجماعة: تكونون شعبي وأكون إلهكم. أو كما تقول عروس نشيد الأناشيد لربِّها: »أنا لحبيبي وحبيبي لي«.

اعتبر الكثيرون أنَّ الختان يكفي لكي ينعم الإنسان بمواعيد العهد. فبيَّن إرميا بأنَّ الختان في اللحم لا قيمة له. فشعوب عديدون يمارسونه. لا في آسية فقط، بل في أفريقيا، أي في البلاد الحارَّة. »وستأتي أيّام، يقول الربّ، أعاقب فيها المختونين بالجسد (بالغرلة) مع غير المختونين (إر 9: 24-25). الأمم غير مختونين بالجسد، أمّا بنو إسرائيل »فغير مختونين بالقلب، لأنَّهم لم يحفظوا عهد الرب«. إذًا، لاافتخار بالختان، بل معرفة الربّ. حينئذٍ يفهم المؤمن »أنّي أنا الربُّ مصدر الرحمة والحكم والعدل في الأرض. بهؤلاء أرضى يقول الرب« (آ23).

فالغرلة أو القلفة هي جلدة تغطّي، تغلِّف. ذاك على المستوى المادّيّ.وعلى المستوى الأدبيّ، هنا غرلة أخرى تكون على الأذنين، تكون على القلب: »اختنوا وأزيلوا غرلة قلبكم« (إر 4: 4). افتحوا قلبكم على ما يطلبه الله منكم. وكانت ترجمة بديلة: افهموا واعملوا ما يطلبه الربّ. وواصل إرميا كلامه بقساوة في 6: 10: »إذانكم غير مختونة، مغلقة،فلا تقدرون أن تصغوا«. وطلب سفر التثنية أكثر من مرَّة ختانة القلب، أي الحبّ الحصريّ للربّ، وحبِّ الإخوة والأخوات: »تختنون غرلة قلبكم، ورقابكم لا تقسّون بعد« (تث 10: 16). هو انفتاح القلب والتجاوب مع نداء الله في طاعته ومخافته: هو »يحكم لليتيم والأرملة، ويحبُّ الغريب ويرزقه طعامًا« (آ18). فماذا على المؤمن أن يفعل؟ أن يعمل بالشريعة ليكون لختانه فائدة؟» ولكن إذا خالفت الشريعة صرتُ كأنَّك غير مختون، ويكون اللامختون الذي يعمل بحسب شريعة، مختونًا في الحقيقة ويحكم على اليهوديّ الذي يخالف الشريعة» (رؤ 2: 25-27).

 

3- مولود الجسد ومولود الروح

الجسد أو بالأحرى الجسم البشريّ، اللحم والدم فيما يحملان من ضعف وميل إلى الخطيئة، على ما قال الرسول: »الخير الذي أريده لا أفعله. والشرّ الذي لا أريده، إيّاه أفعل« (رو 7: 19). في العربيَّة، استعملنا لفظًا واحدًا لكلمتين يونانيَّتين، جعلت القدماء يحتقرون الجسد، مع أنَّه للقيامة، بحيث قال بولس عبارة تدهشنا كلَّ الدهشة: »الجسد للربّ والربُّ للجسد« (1كو 6: 13). الجسد هو هيكل الروح القدس. أمّا ما يجب أن نحتقر هو اللحم والدم والميل إلى الخطيئة. نستطيع القول إنَّ الجسد هو كمِّيَّة من الذهب، معها التراب والرمل وسائر النفايات. يمرُّ الذهب في النار، فيتمحَّص ويتنقّى ويصبح ذهبًا صافيًا. يكون قد تعلَّق فينا الحسد والكبرياء والأنانيَّة. هذا ما يجب أن يزول لكي تكون صورةُ الله في نقاوتها، ونكون بنعمة الله المثال الذي أراده الله منذ البدء.

هنا يقدِّم لنا بولس الرسول كيف يكون على مولود الجسد البشريّ، مولود اللحم والدم، وكيف يكون مولود الروح. قال: »اسلكوا في الروح. ولا تُشبعوا شهوة الجسد« (غل 5: 16) أي شهوة اللحم والدم. ويدلُّنا على مظاهر أعمال الجسد: »الزنى، الدعارة، الفجور، السحر، العداوة، الشقاق، الغيرة، الغضب، الدسّ، الخصام، التحزُّب، الحسد، السكر، العربدة« (آ19-21). قد نغشُّ نفوسنا فنقول نحن مسيحيّين ونعيش بحسب روح الله! هناك أمور واضحة. فلا نحاول أن نكذب على نفوسنا. بل نفحص ضميرنا لكي نرى أين نحن من وصايا الربّ. هل نترك الجسد البشريّ في فلتانه، ونعتبر أنَّ الحرّيَّة هي أساس الإنسان؟ أمّا هذه الحرّيَّة فليست تحرُّرًا، بل فلتانًا. قال الرسول في كلام عن أكل لحوم مكرَّسة لذبائح الأوثان، بلسان عدد من الناس، ما زالوا موجودين في أيّامنا: »أما أنا حرّ؟« (1كو 9: 1). »أما لنا حقّ أن نأكل ونشرب؟« (آ4). بل اعتبر بعضهم أن الرغبة في الزنى مثل الرغبة في الطعام والشراب. وهكذا نجعل العنصر البشريّ يسيطر على العنصر الروحيّ، ثمَّ نتساءل عن الحال الذي وصلنا إليها.

كلاّ ثمَّ كلاّ! مثل هذا التصرُّف الذي يجعلنا عبيدًا لأنانيَّتنا وشهواتنا، يجعل الخطيئة في قلب الجسد، لا خارج الجسد. قال الرسول في هذا المجال: »اهربوا من الزنى، فكلُّ خطيئة غير هذه يرتكبها الإنسان هي خارج جسده. ولكنَّ الزاني يذنب إلى جسده« (1كو 6: 18). هذا الجسد الذي هو هيكل الربّ، هذا الجسد الذي يقوم فيشارك المسيح بقيامته.تلك بعض أعمال العنصر البشريّ الضعيف في الإنسان.

»الزنى، الدعارة، الفجور« أمور سارية في زمن الرومان. وأضحت أكثر شيوعًا في القرن الحادي والعشرين حيث لم يعد ضوابط في المجتمع، وحيث الغنيّ يشتري ما يشاء والفقير يقبض، فيزداد ماله مالاً ولو على حساب قيم رفيعة، هي قيم الروح. ومع الزنى هناك كلُّ ما يجرح المحبَّةالأخويَّة: الشقاق، العداوة، الخصام، التحزُّب... تجاه ذلك قال الرسول: »الشريعة كلُّها تكتمل في وصيَّة واحدة: أحبب قريبك مثلما تحبُّ نفسك« (غل 5: 14). ولكن ماذا يحصل في الواقع؟ »تنهشون وتأكلون بعضُكم بعضًا، فانتبهوا أن لا يُغني واحدكم الآخر« (آ15). والنتيجة: »الذين يعملون هذه الأعمال، لا يرثون ملكوت الله« (آ21).

المحبَّة! هي أوَّل ثمار الروح. روح الله الذي فينا فيعطينا حياة جديدة. هذا الروح الذي يحلُّ في مياه المعموديَّة، فيجعلها قوَّة حياة بعد أن كانت قوَّة الموت. يجعلها حشا جديدًا يلد الأولاد العديدين. هذا ما لم يفهمه نيقوديمس حين قال له يسوع: يجب أن يُولَد ثانية. بل إنَّ الكتبة والفرّيسيّين ورفضوا حتّى عماد يوحنّا في الماء للتوبة، فهل يتقبَّلون عمادًا يقدِّمه يسوع في الماء والروح؟ طرحوا على يسوع سؤالاً حول السلطة التي تسمح له أن يقوم بهذه الأعمال. فقال لهم: »معموديَّة يوحنّا كانت من الله أم من الناس؟« (مت 21: 25).

المحبَّة أوَّل ثمار الروح. وهي تكون ملموسة، كما كانت ملموسة ثمار الجسد البشريّ. »الفرح، الصبر، السلام، اللطف، الصلاح، الأمانة، الوداعة، العفاف« (غل 5: 22-23). وكيف يقدر المؤمن أن يحيا بالروح، أن يسلك طريق الروح؟ (آ25). حين يصلب (اللحم والدم فيه) جسده لكلِّ ما فيه من أهواء وشهوات (آ24). مثل هذا المؤمن هو حرٌّ بحرّيَّة أبناء الله منذ الآن بدأ الحياة من فوق، ووُلد الولادة ثانية. منذ الآن صار من أبناء الملكوت.

 

الخاتمة

بين ولادة وولادة. ذاك كان موضوعنا.

ولادة بحسب الجسد، بحسب العنصر البشريّ ولكن ما هو للجسد يبقى للجسد. وبما أنَّ الجسد يرتبط بالأرض، فما يأخذه الإنسان عن الأرض يبقى على الأرض. هو لا يأخذ معه جمال الوجه، ولا سحر العينين ولا القامة الطويلة. لا يأخذ معه الطعام والشراب، لأنَّ الملكوت برٌّ وسلام،كما يقول الرسول. ولا يأخذ معه اللباس ولا رغبات اللحم والدم وحاجات الحياة الزوجيَّة. ففي السماء يكون الأبرار مثل الملائكة، فلا يزوِّجون ولا يتزوَّجون، بل يتركون هذه الأعمال على الأرض للإنسان والحيوان على السواء. إذا كان الإنسان لا يموت في السماء، فكيف نريده أن يتزوَّج ويلد الأولاد. ولكنَّ عددًا من الناس في أيّامنا، يلبثون على مستوى الجسد. بل إنَّ بعض البدع تعتبر الحياة على الأرض أبديَّة، فيشابه فيها الإنسان الخروف والنعجة والهرَّة والدجاجة. لا شكَّ في أنَّهم ما زالوا في الليل. وإذ يحدِّثهم يسوع كما حدَّث نقوديمس عن »أمور السماء«، لا تهمُّهم سوى »أمور الدنيا« (يو 3: 12). والنهاية: »جاء النور إلى العالم، فأحبَّ الناس الظلام بدلاً من النور« (آ18). فأين يكون موقعنا ممَّن هو نور العالم، ربِّنا يسوع المسيح؟