عطيَّة الله الحقيقيَّة

 

ترك العبرانيّون مصر، ونهر النيل يحمل إليها الحياة. فحيث تصل مياهه، هناك الخضار والغلاّت والثمار. وحيث لا تصل، هي الصحراء التي تمتدُّ امتداد النظر وأبعد من النظر. وأتوا إلى أرض كنعان التي اعتادت أن تنتظر الماء من السماء. فكان سكّان المكان يرفعون الصلوات إلى بعل، إله المطر والخصب. فتصدّى الأنبياء لهذه النظرة، واعتبروا القحط والجفاف عقابًامن الله، لا عاملاً من عوامل الطبيعة. قال إيليّا التشبيّ من سكّان جلعاد للملك آخاب: »حيٌّ هو الربّ الذي أعبده. لا يكون في هذه السنين المقبلة ندى ولا مطر إلاّ حين أعلنُ ذلك« (1مل 17: 1). وحين يفهم الشعب أنّ »الربّ هو الإله« (1مل 18: 39) وأنَّ البعل ليس بشيء، يأتي المطر. قال إيليّا لآخاب: »اذهب الآن، كلْ واشرب، فها صوت دويّ المطر« (آ41). ومضى إيليّا إلى رأس الكرمل وسجد إلى الأرض مصلّيٌّا. »فلم يمضِ وقتٌ حتّى اسودَّت السماء بالغيوم، وهبَّت الرياح، وسقط مطر غزير« (آ45). في هذا الإطار، نقرأ لقاء يسوع بالمرأة السامريَّة (يو 4)، والحوار يدور حول الماء الذي يعطيه الله للأبرار وللأشرار (مت 5: 46). فقال المرتِّل في مز 104 ينشد الربُّ الخالق: »فجِّر الينابيع أنهارًا، فتجري الأنهار بين الجبال، لتسقي جميع وحوش البرّ، وبها تكسر الفراء عطشها« (آ10-11).

 

1- امرأة سامريَّة

شخصان التقيا عند البئر: يسوع والسامريَّة. السامريَّة أتت من قريبة قريبة اسمها سوخار، قرية في منطقة السامرة. وسبب مجيئها الحاجة إلى الماء. جاءت تستقي. حملت جرَّتها على كتفها، واعتبرت أنَّ هذه الساعة مؤاتية لكي تملأ جرَّتها. فالنساء يأتين عادة في الصباح أو في المساء. ولكنَّها لن تكون وحدها. فهناك شخص ينتظرها. هي لا تعرفه. أمّا هو فيعرفها، لأنَّه يعرف ما في قلب الإنسان (يو 2: 25). عرف ما في قلب نيقوديم، وجعله يفهم أنَّ معرفته ما زالت على مستوى اللحم والدم. فالولادة عنده خروج من حشا أمِّه. أمّا الولادة الثانية فتتعدّى إدراكه. وقدَّم جوابه في »مزحة« دلَّت على تهرُّب سيكون قاتلاً بالنسبة إليه. هو ما صار تلميذ يسوع مثل يوسف الرامي (يو 20: 38). جاء في الليل وذهب في الليل (آ39). قال في حواره مع يسوع: »كيف يُولَد إنسان وهو كبير السن؟ أيقدر أن يدخل بطن أمِّه ثانية ويولد؟« حسب أنَّه يعرف (يو 3: 2)، فإذا يسوع يقول له: »أنت معلِّم في إسرائيل. ومع ذلك لا تعرف« (آ10).

عرف يسوع تلك المرأة الآتية لتستقي ماء. هي اعتادت أن تأتي إلى هنا. أمّا يسوع، شأنه شأن أهل الجليل، فما اعتاد أن يمرَّ في أرض السامرة، بسبب العداء المستفحل بين اليهود والسامريّين. فاليهود الآتون من الجليل، يعبرون الأردنّ، ويدورون حول السامرة، لكي يصلوا إلى أورشليم. كان بإمكان يسوع أن يفعل ذلك. ولكنَّه لم يفعل فاعتبر من واجبه أن يمرَّ بالسامرة (يو 4: 4) بل مرَّ قرب تلك البئر مع »حبيبته« هذه السامريَّة. فكما أحبَّ هوشع امرأة زانية (هو 1: 2)، كذلك فعل يسوع مع هذه المرأة التي كان لها خمسة رجال. وتستعدّ أن تأخذ السادس. قال الله لنبيِّه: »أحبب امرأة فاسقة، أحببها كما يحبُّ الربُّ بني إسرائيل« (هو 3: 1). فابن الإنسان جاء يطلب ما هلك.

هي وحدها. وهو وحده. هي تستعدُّ للزواج، ولكنَّ الذي تحبُّه ليس الآن معها. وهو وحده. »تلاميذه مضوا إلى المدينة ليشتروا طعامًا« (4: 8). وحين يعودون، يكون الحوار قد انتهى. فرجعت المرأة بعد أن تركت جرَّتها. هم لم يفهموا شيئًا. أمّا هي فدخلت في مسيرة جديدة، صيَّرتها رسولة السامريّين قبل فيلبُّس، أحد السبعة (آع 8: 4ي).

بدأ الحوار ببساطة، كما يفعل »شاب« حين يلتقي بفتاة عند البئر. مستويان. كما كان الأمر مع نيقوديم. يسوع يتحدَّث عن الولادة الثانية. يرتفع إلى ما هو سماويّ، ونيقوديم لبث على ما هو مستوى أرضيّ (يو 3: 12). وكذا نقول عن السامريَّة. قال لها: »أعطيني لأشرب«، فظنَّت أنَّه يريد أن يذهب أبعد من الشرب. فقطعت الطريق حالاً.

»أنت يهوديّ وأنا سامريَّة«. ويقدِّم لنا راوي الإنجيل الوضع الاجتماعيّ في ذلك الزمان: »اليهود لا يخالطون السامريّين« (4: 9). نتذكَّر هنا أنَّ عددًا من القبائل ارتبطت برباط دينيّ، واجتمعت تحت إمرة ملك هو داود. وبعده سليمان ابنه. ثمَّ انقسمت قسمين: مملكة الشمال مع عشر قبائل، دُعيَت مملكة إسرائيل في عودة إلى إحدى القبائل الكبيرة التي كان لها تاريخ قديم فيعود اسمها إلى الألف الثالث في وثائق إيبلا (تل المرديخ، قرب حلب). وكانت عاصمتها الأخيرة السامرة. ومملكة الجنوب دُعيَت باسم يهوذا، القبيلة التي كبرت جدٌّا بعد أن ضمَّت إليها العشائر والقبائل، وليس آخرها قبيلة شمعون وعشيرة قايين وكالب... وعاصمتها كانت أورشليم. سنة 722-721، دُمِّرت السامرة على يد الأشوريّين، فأجلوا سكّانها وجعلوا مكانهم أشخاصًا أتوا بهم من مدن لا تعرف الإله الواحد، فضاعت ديانة »يهوه«، الربّ الذي ظهر لموسى في العليقة المشتعلة. وكان بعاد بين الجنوب والشمال، كبُر حين منع حاكم السامرة أهل أورشليم من بناء هيكلهم بعد العودة من المنفى سنة 538 ق.م. ولمّا بنى السامريّون هيكلهم على جبل جرزيم، قرب نابلس، دمَّره يوحنّا هرقانوس، من سلالة الحشمونيّين التي سيحلُّ محلَّها هيرودس الكبير. وهكذا نتخيَّل العداء بين السامريّين وبين الذين دُعوا »يهودًا« في زمن الفرس، لأنَّه أقاموا في أرض »يهوذا« أو »يهودا«، إذا عدنا إلى الكلمة العبريَّة، حيث لا وجود للذال.

احتقر اليهود السامريّين. هم أنجاس. فلا يمكن الاقتراب منهم، فقال فيهم يشوع بن سيراخ: »أمَّتان أمقتهما، وثالثة لا تستحقُّ أن تدعى أمَّة. الساكنون في جبل سعير، والفلسطيّون، والقوم الأغبياء الساكنون في أورشليم« (سي 50: 26). آخر كلمات ابن سيراخ قبل صلاته الأخيرة والتوقيع. تحدَّث عن أهل أدوم الذين اعتبروا إخوة نسبة إلى عيسو أخي يعقوب. ولكنَّهم جاروا على أورشليم حين أتاها المحتلّ البابليّ. والفلسطيّون عادوا العبرانيّين سنوات عديدة. والسامريوّن ليسوا أفضل منهم، لذلك يبتعد اليهود عنهم. أمّا يسوع فيكفي أنَّه قدَّم لنا شخص السامريّ الذي تفوَّق بمحبَّته لذاك الجريح، على الكاهن اليهوديّ واللاويّ (لو 10: 30-37).

في هذا الجوّ الملبَّد كان الحوار: بين سامريَّة ويهوديّ. ثمَّ: بين رجل وامرأة. فالتلاميذ تعجَّبوا حين وجدوا معلِّمهم »يحادث امرأة« (يو 4: 27) وفي شكل علنيّ: عند بئر يأتي إليها أهل القرية ليستقوا ماء. تجاوز يسوع كلَّ هذا: أعطيني لأشرب. وأراد أن يعرِّف بنفسه: »لو كنت تعرفين عطيَّة الله، ومن هو الذي يقول لك: أعطيني لأشرب« (آ10). أمّا المرأة، فاعتبرت الماء عطيَّة الله، والوصول صعب على هذا الرجل الغريب: بئر عميقة. لا دلو معك. حين زرنا الأرض المقدَّسة سنة 1952، وجدنا بئرًا يبلغ عمقها قرابة 25 مترًا مع حبل طويل يدور على بكرة. من يحسب نفسه هذا الرجل الذي يعرض مياهًا خاصَّة؟

 

2- أعظم من أبينا يعقوب

ما هو الرباط بين يسوع ويعقوب أبي القبائل الاثنتي عشرة؟ البئر. فحفر الآبار قضيَّة قديمة، معروفة في عالمنا الشرقيّ. فسفر التكوين يخبرنا مثلاً عن الصراع بين جماعة أبيمالك في جرار وجماعة إسحق، والد عيسو ويعقوب. قال: »ردم الفلسطيّون جميع الآبار التي حفرها عبيد أبيه (أبي إسحق) إبراهيم وملأوها ترابًا« (تك 26: 15). وفرضوا على رعاة إسحق الخروج من المكان. »فحفر عبيد إسحق في الوادي، فوجدوا هناك نبع ماء، فتخاصم رعاة جرار مع رعاة إسحق قائلين: «هذا الماء لنا«. وحفروا بئرًا أخرى فتخاصموا عليها، وحفروا بئرًا أخرى فما تخاصموا عليها» (آ19-22).

لا يتحدَّث الكتاب عن بئر خاصَّة حفرها يعقوب، كما فعل إسحق. ولكنَّه يذكر أنَّه أعطى شكيم ليوسف. قال يعقوب لابنه: »وأنا أعطيتك شكيم علاوة على إخوتك، وهي التي أخذتها من يد الأموريّين بسيفي وقوسي«. وهكذا تباركت هذه البئر باثنين مرُّوا بها، يعقوب الذي كان أساس القبائل الاثنتي عشرة. حين انطلق إلى البعيد، كان له لقاء بالربّ: »أنا الربُّ إله إبراهيم أبيك، وإله إسحق... ها أنا معك. أحفظك أينما اتَّجهت. وأردُّك إلى هذه الأرض. فلا أتخلّى عنك حتّى أفي لك بكلِّ ما وعدتك« (تك 28: 13-15). وفي عودته، كان له »صراع« مع الله. تبدَّل اسمه ونال البركة (تك 33: 30).

أترى يسوع أعظم من أبينا يعقوب الذي توسَّعت التقاليد في أخباره؟ قال فيه ترجوم نيوفيتي (وُجد في رومة، في القرن العشرين): خمس معجزات صُنعت لأبينا يعقوب، ساعة خرج من بئر سبع ليمضي إلى حاران. المعجزة الأولى: قصرت ساعاتُ النهار، وغابت الشمس قبل وقتها، لأنَّ »الكلمة« (الله) تشوَّق أن يتكلَّم معه. المعجزة الثانية: الحجارة التي أخذها أبونا يعقوب وجعلها وسادة لرأسه، حين نهض في الصباح وجدها حجرًا واحدًا: هو الحجر الذي رفعه نصبًا، وصبَّ على رأسه زيتًا. المعجزة الثالثة: حين انطلق أبونا يعقوب ماضيًا إلى حاران، تقلَّصت الأرض أمامه، فوجد نفسه في حاران. المعجزة الرابعة: الحجر الذي اجتمع الرعاة كلُّهم لكي يدحرجوه عن فم البحر، ولم يستطيعوا، حين وصل أبونا يعقوب رفعه بيد واحدة وسقى قطيع لابان، أخي أمِّه. المعجزة الخامسة: حين رفع أبونا يعقوب الحجر عن فم البئر، أخذت البئر تفيض، وصعد الماء أمامه، ولبثت تفيض عشرين سنة، وهو الزمن الذي قضاه في حاران«.

مياه مادّيَّة. تأتي إليها المرأة كلَّ يوم. فاضت عشرين سنة. أمّا الماء الذي يعطيه الربُّ فيصير في المؤمن »نبعًا يفيض بالحياة الأبديَّة« (يو 4: 14). وأخذت المرأة تفهم أنَّ هذا الواقف أمامها أعظم من يعقوب. كما هو أعظم من يوسف الذي خلَّص إخوته وأولاده، سبعين شخصًا من الجوع. أمّا يسوع، فحمل الخلاص إلى البشريَّة، لا من موت مادّيّ، بل من موت روحيّ. أعطاها الحياة الأبديَّة.

هذا الرجل الذي يكلِّم السامريَّة، يعرف خطاياها. ما هو مؤمن بسيط. هو نبيّ. وكان اليهود ينتظرون »نبيٌّا« كلَّ مرَّة استعصت عليهم الأمور، بعد أن غاب الأنبياء. هذا النبيّ يفهمها أمرًا يُشغل بال السامريّين الذين يطلبون ا؟: أين يصلّون؟ هل يذهبون إلى أورشليم، إلى هيكل بناه سليمان؟ أم يقدِّمون عباداتهم على جبل جزريم، جبل البركة (تث 27: 12): »يبارك ثمر بطونكم، وثمر أرضكم، وثمر بهائمكم، ونتاج بقركم وغنمكم. يبارك سلالكم ومعاجنكم. يبارككم أنتم في رواحكم وفي مجيئكم« (تث 28: 3-6). أين تكون العبادة الحقَّة التي يريدها الله؟ نتذكَّر هنا أنَّ المعابد كانت كثيرة لدى العبرانيّين: شكيم، حبرون، شيلو، بئر سبع... وأورشليم كان آخر معبد يُبنى. ولكن بما أنَّه في العاصمة، صار الأوَّل بين المعابد. بانتظار أن تنحصر فيه شعائر العبادة، بحيث لا يكون كهنة يذبحون الذبائح إلاّ في هيكل أورشليم. كان هذا الإصلاح في زمن يوشيّا الملك في نهاية القرن السابع، أي ثلاثة قرون بعد موت سليمان، باني الهيكل.

تجاوز يسوع في جوابه كلَّ الأمكنة. فالإله لا يرتبط بمدينة من المدن، فيصبح صنمًا فيها يثبتونه ساعة يشاؤون، ويحملونه إذا احتاجوا إليه طلبًا للنصر أو درءًا لخطر. ففي مسيرة الخروج، كان في خيمة متنقِّلة، يرافق شعبه. ولمّا عزم داود على بناء معبد في أورشليم، مدينة الملك، أرسل الربُّ إليه ناتان النبيّ: »هذا ما يقول الربّ: أأنت تبني بيتًا لسكناي؟ ما سكنتُ بيتًا من يوم أخرجت بني إسرائيل من مصر حتّى الآن، بل في خيمة كنتُ أنتقل معهم على الدوام. وفي كلِّ ارتحالي مع جميع بني إسرائيل، لم أسأل أحدًا من رؤسائهم: لماذا لم تُقم لي بيتًا من الأرز؟« (2صم 7: 5-7).

فالربُّ لا يُحصَر في مكان محدَّد، بعد أن عرف سليمان فقال: »هل تسكن يا الله حقٌّا على الأرض؟ حتّى السماوات وسماوات السماوات لا تسعك« (1مل 8: 27). لا في أورشليم ولا على جبل جرزيم. أرادت المرأة أن تبقي يسوع يهودًا بين اليهود (يو 4: 20: أنتم اليهود). وأن تجعله بجانب أورشليم وضدَّ جبل جرزيم. رفض يسوع هذه الجدالات بين السامريّين واليهود. فقال: «العابدون الصادقون يعبدون ا؟ بالروح والحق« (آ23). هي عبادة روحيَّة، لأنَّ الله؟ روح. فعطيَّة الروح تتيح للمؤمن أن يعرف الله أبًا، ويؤدّي له العبادة. ذاك ما يكون في زمن النهاية الذي بدأ على صليب المسيح ويتواصل: في ذلك الوقت، لم يعد من مكان لاحتفالات تُقام في هيكل أورشليم. »فالله العليّ لا يسكن بيوتًا صنعتها الأيدي، كما قال النبيّ: يقول الربّ: السماء عرشي والأرض موطئ قدميّ. أي بيت تبنون لي؟ بل أين مكان راحتي؟« (أع 7: 48-49).

هذا الرجل أعظم من يعقوب، من الآباء؟ بل هو أعظم من ذاك النبيّ الذي انتظره الناس شبيهًا بموسى (تث 18: 15، 18). وخطت المرأة الخطوة الأخيرة: »أعرف أنَّ الماسيّا (أي المسيح) سيجيء، ومتى جاء أخبرنا بكلِّ شيء« (يو 4: 2). مسيرة طويلة سارتها السامريَّة مع يسوع: من رجل يهوديّ، معادٍ للسامريّين، شأنهم شأن جميع اليهود، إلى يعقوب »الذي أعطانا هذه البئر وشرب منها هو وأولاده وماشيته« (آ12). وها السامريَّة وصلت إلى النبيّ. فتجاوزه يسوع. وها هي تتلمَّس الطريق التي تعطيها الجواب المنشود. فقدَّم يسوع لها الجواب: »أنا هو، أنا الذي يكلِّمك« (آ25). في معنى أوَّل، أعلن يسوع أنَّه المسيح المنتظر. وحين يُقرّ اليهودي (أو السامريّ) بأنَّ يسوع هو المسيح (يو 9: 23)، صار مسيحيٌّا. لهذا كان اليهود يطردونه من المجمع. هذا كان كافيًا للسامريَّة، التي مضت تخبر أبناء القرية بلقائها بيسوع: »ذكر لي كلَّ ما عملت. أما يكون المسيح؟« (يو 4: 29). وانتظرت الجواب بالإيجاب. أجل، هو المسيح. فخرج أهل المدينة »وجاؤوا إلى يسوع« (آ30). واكتشفوا فيه »مخلِّص العالم« (آ42).

والمعنى الثاني. قال يسوع للمرأة: أنا هو. هذه العبارة تذكِّرنا باسم الربّ (يهوه) كما وصل إلى موسى. سأل كليم الله: »إن سألوني: ما اسمه؟ فماذا أجيبهم؟ فقال ا؟ لموسى: «أنا هو الذي هو. هكذا تجيب بني إسرائيل: هو الذي هو أرسلني إليكم« (خر 3: 13-14). وصار »يهوه« في اليونانيَّة »كريوس« أي الربّ، فتنشد الجماعة المصلّية: كيرياليسون: يا ربّ ارحم. إذًا، ما اكتفى يسوع بأن يعلن مسيحانيَّته، بل أعلن ألوهيَّته. ولم تكن هي المرَّة الأولى في إنجيل يوحنّا يعلن: أنا هو. فحين كان يمشي على الماء، بعد تكثير الأرغفة، رآه التلاميذ فخافوا. فقال لهم: »لا تخافوا. أنا هو« (ثو 6: 20). فالله وحده يمشي على المياه، يسيطر عليها، يسكتها، لأنَّها كانت ترمز إلى الشرّ.

وفي جدال يسوع مع اليهود، في الفصل الثامن، أعلن أكثر من مرَّة أنا هو. في آ24 قال: »ستموتون في خطاياكم إن كنتم لا تؤمنون أنّي أنا هو«. أي يهوه. أي الربّ الإله. فإن كان اليهود يرفضون الإيمان بابن الله،

لن ينالوا الخلاص. وفي آ28، ربط يسوع ألوهيَّته بالصليب: »متى رفعتم ابن الإنسان، عرفتم أنّي أنا هو«. ذاك الإنسان الضعيف في الخارج، هو ابن الله »الذي مات معذّبًا عنّا فوق الصليب«. ما استوعب اليهودُ بعد ما يقوله يسوع. فحسبوا عبارة »أنا هو« عبارة عاديَّة: أنا هو فلان. أنا هو القاضي. أنا هو الوزير. ولكن في آ58، أدركوا ما يقول لهم. قال يسوع: »تشوَّق إبراهيم أن يرى يومي، فرآه وابتهج« (آ56). غريب هذا الرجل. مات إبراهيم من مئات السنين والمئات. قالوا له: »كيف رأيتَ إبراهيم وما بلغت الخمسين بعد؟« (آ57). فكان جواب يسوع إعلانًا إلهيٌّا. وفي لهجة احتفاليَّة: »الحقّ الحقّ أقول لكم: قبل أن يكون إبراهيم، أنا هو« (آ58). هذا تجديف في نظرهم: فأخذوا حجارة ليرجموه» (آ59).

 

3- الماء الذي أعطيه

لو كان يسوع يهوديٌّا تجاه سامريَّة، فكان حصل لهذا اللقاء ما حصل بين رعاة عيسو ورعاة أبيمالك: خصومة على الماء. تُردَم بئر، وتُحفر بئر« (تك 26: 15، 19) ولو كان مثل يعقوب، لقدَّم ماء يستقي منها الناس، وتأتي السامريَّة مع جرَّتها. ولو كان نبيٌّا، لكان تكلَّم باسم الله. فهتف مع إرميا: »تركوني أنا ينبوع المياه الحيّة، وحفروا لهم آبارًا مشقَّقة لا تمسك الماء« (إر 2: 13). أو مع أشعيا: »تعالوا إلى المياه، يا جميع العطاش، تعالوا يا من لا فضَّة لهم وكلوا« (أش 55: 1). هي دعوة إلى الوليمة المسيحانيَّة. تدعو الحكمة المؤمن فتقول له: »تعالَ، كُلْ من طعامي، واشرب الخمر التي مزجت« (أم 9: 5).

ولكنَّ المتكلِّم مع السامريَّة أكثر من نبيّ. هو المسيح وهو ابن الله لهذا يكون الماء الذي يعطيه مختلفًا عن كلِّ العطايا. لهذا هتفت السامريَّة: »أعطني من هذا الماء، يا سيِّدي، فلا أعطش ولا أعود إلى هنا لأستقي« (يو 4: 15). هذا الماء هو أكثر من رمز إلى عطايا الله. هو »ماء الحياة« (آ11).

بل هو الحياة، بعد أن سمّى يسوع نفسه بهذا الاسم: الحياة. سأله توما عن الطريق فأجاب: »أنا هو الطريق والحقّ والحياة« (يو 4: 6). هذا قاله يسوع بعد العشاء السرّيّ، وهو يستعدّ للسير في طريق الموت. هذه المياه التي صارت مياه المعموديَّة، تعطي الحياة الجديدة. خرجت من جنب المصلوب، مع الدم، فكان للكنيسة ملء الحياة في سرّيّ المعموديَّة والإفخارستيّا. إلى هذا الماء يدعونا المسيح.

»ووقف يسوع في آخر يوم من العيد (= عيد المظالّ)، وهو أعظم أيّامه. فقال بأعلى صوته: «إن عطش أحد، فليجئ إليّ ليشرب. ومن آمن بي، كما قال الكتاب،

تفيض من صدره أنهار ماء حي« (يو 7: 37-38). ويواصل الإنجيليّ كلامه: »وعنى (يسوع) بكلامه، الروح الذي يناله المؤمنون به« (آ39). هذا الروح أعطيَ للتلاميذ بعد أن تمجَّد يسوع في القيامة.

نودُّ أن نقرأ ما قاله أفرام السريانيّ عن لقاء الربِّ بالسامريَّة:

»جاء يسوع إلى العين مثل صيّاد. طلب ماء ليستطيع أن يعطي ماء. طلب ليشرب وكأنَّه إنسان عطشان ليتسنّى له أن يطفئ عطش الآخرين. طلب من السامريَّة ليقدر أن يعلِّمها، فطلبت هي بدورها. مع أنَّ ربَّنا هو الغنيّ، إلاّ أنَّه ما استحى أن يمدَّ يده كالمتسوِّل، ليعلِّم المتسوِّل أن يطلب. تجاوز الحياة البرِّيّة فما يخاف أن يكون وحده ويكلِّم امرأة، ليعلِّمنا أنَّ لا شيء يبلبل من يقيم في الحقّ. «تعجَّبوا حين وجدوه يحادث امرأة« (يو 4: 27). أبعد تلاميذه (آ8) لئلاّ يطردوا فريسته. أرسل طعمًا للحمامة، وهكذا أمل أن يصطاد رفّ حمام. افتتح الحوار بطلب. وهمُّه أن يحرِّك اعترافًا صادقًا. »أعطيني ماء لأستقي« (آ7). طلب ماء. ثمَّ وعدَ بماء الحياة. طلب ثمَّ تخلّى عن الطلب، كما المرأة تخلَّت عن جرَّتها. زالت كلُّ ذريعة، لأنَّ الحقيقة التي يُعدُّ لها، هي الآن حاضرة».

ونقرأ بعض ما ترك الذهبيّ الفمّ في العظة الحادية والثلاثين: «واجه ربُّنا بشجاعة صعوبات الطريق. كما بان لامباليًا بالطعام، لأنَّ تلاميذه لم يكونوا يحملون معهم أكلاً، كما نرى في ولْي الخبر: »مضى التلاميذ إلى المدينة ليشتروا طعامًا«. وأبرز الإنجيليّ تواضع يسوع الذي قبل بأن يتركوه وحده. كان باستطاعته، لو شاء، أن يحتفظ ببعض منهم قربه، أو ببعض خدم في غيابهم، ما قبل بذلك لكي يعلِّم التلاميذ أن يدوسوا كلَّ كبرياء بأرجلهم. وقد يقولون لي: وأيُّ عجب أن يكون التلاميذ متواضعين، بعد أن كانوا صيّادين وصانعي خيام؟ ولكن أما صاروا فجأة أجدر بالإكرام من جميع الملوك، لأنَّهم أصدقاء حميمون لربّ الكون كلِّه؟ أما نرى الذين خرجوا من وضع فقير ورُفعوا إلى بعض كرامة أكثر قربًا من الكبرياء، بحيث لا يطيقون أن يحتملوا ثقل هذه الكرامة الكبيرة؟ فالربّ الذي حفظ تلاميذه في عواطف التواضع نفسها، علَّمهم الاعتدال في كلِّ شيء.

»وهذه المرأة وجدت في كلمات المخلِّص «أعطيني لأشرب» مناسبة طبيعيَّة لتطرح عليه هذا السؤال: «كيف وأنت يهوديّ، تطلب أن تشرب منّي أنا السامريَّة؟» استشفَّت أنَّه يهوديّ من وجهه ولهجته. ولكن انظروا احتراز هذه المرأة. كان وجب على يسوع أن يتحفَّظ من أيِّ حوار معها، فلم تكن أسبابها مشابهة لأسبابه فتتجنَّب كلَّ علاقة به. فما قال الإنجيليّ: لا يخالط السامريّون اليهود. بل قال: اليهود لا يخالطون السامريّين. فمنذ العودة من المنفى، تجنَّب اليهود السامريّين، واعتبروهم غرباء وأعداء، لأنَّهم لا يتقبَّلون الأسفار المقدَّسة كلَّها: كانوا يقبلون فقط بأسفار موسى الخمسة، ولا يهتمّون كثيرًا بكتب الأنبياء. كما كانوا يظنُّون نفوسهم شرفاء مثل الشعب اليهوديّ الذي مقتهم كما مقت سائر الأمم اللامؤمنة«.

 

الخاتمة

حوار طويل بين يسوع والسامريَّة. قرأنا فيه المقاطع العديدة من العهد القديم.

أوَّلاً شخصيَّة يعقوب في امتدادها اليهوديّ، أي أبعد من سفر التكوين. ثمَّ تاريخ العلاقات بين السامريّين واليهود، بعد أن صاروا فئتين مختلفتين كلَّ الاختلاف في الحقبة الفارسيَّة. فالدولة الحاكمة تتعامل مع المؤمنين عبر الرئيس الدينيّ: رئيس الكهنة في العالم اليهوديّ، وما يقابله لدى السامريّين. حوار انطلق من شخص يهوديّ، فوصل إلى يعقوب. اكتشفنا مع هذه المرأة ذاك النبيّ المنتظر، بل الماسيّا، ذاك الملك الداوديّ المنتظر. وفي النهاية قال يسوع لهذه المرأة: أنا هو. كشف عن لاهوته. ففهمنا أنَّ الماء الذي يعطيه، لا يُوضع في دلو ولا يصعد من بئر. يسوع صار ذاك الماء. وهو العطيَّة الحقيقيَّة التي يمكن أن ينتظرها البشر. بدت المعادلة بارزة: من يشرب من الماء. من يؤمن بيسوع المسيح. الشارب يصبح ينبوعًا والمؤمن يُفيض فيه الروحُ القدس عطاياه. وصلت السامريَّة إلىالإيمان. ومعها أهل مدينتها. وهذا الماء يقدَّم لنا. هل نحن متخمون؟ لا سمح الله. هل نكتفي بماء نأخذه هنا وهناك؟ كلاّ. بل نجيء إلى مياه الحياة لنشرب. وحين نقول للربّ، كما قالت السامريَّة: أعطنا من هذا الماء، لا نطلب ما طلبت السامريَّة، بل نتطلَّع إلى الماء الحيّ، إلى ذاك النبع الذي يفيض بالحياة الأبديَّة.