خمسة أرغفة وسمكتان

 

جمع كبير أمام يسوع، رافقوا يسوع، رأوا عجائبه، سمعوا كلامه. فماذا ينقصهم بعد؟ الخبز الذي يقيتهم لئلاّ ينهاروا في الطريق (مر 8: 3). ولكن من أين الخبز لهؤلاء »الخمسة آلاف«؟ قالوا ليسوع: »لو اشترينا خبزًا بمئتي دينار، لما كفى أن يحصل الواحد منهم على كسرة صغيرة« (يو 6: 7). سأل يسوع التلاميذ وهو العارف بما سيفعل: »من أين نشتري خبزًا لكي نطعمهم« (آ5). وبما أنَّ هذا صعب، ابحثوا. بحثوا فوجدوا صبيٌّا »معه خمسة أرغفة من شعير وسمكتان صغيرتان« (آ9). في عين البشر، ما نفع هذه الكميَّة القليلة؟ لا في عين يسوع. فالخمسة مع اثنين تعني سبعة، وبالتالي تقدَّم لنا الكمال. والجميع سيأكلون ويشبعون، بل يبقى للكنيسة المتمثِّلة بالرقم »اثني عشر« (آ13)، اثني عشر رسولاً. فهتف الجميع »هذا هو النبي« (آ14). بل أرادوا أن يجعلوه ملكًا عليهم (آ15)، لأنَّ الملك الحقيقيّ هو الذي يهتمُّ برفاهيَّة شعبه.

 

1- تكثير الأرغفة

ستّ مرّات تتحدَّث الأناجيل عن معجزة يسوع الذي كثَّر الأرغفة وأطعم الجموع الغفيرة. في متّى ومرقس، نقرأ خبرين، واحد يتوجَّه إلى العالم اليهوديّ، وآخر إلى العالم اليونانيِّ الذي يسير في بحثه إلى أن يلتقي بالمسيح من خلال الطبيعة المخلوقة والجنس البشريّ الذي يعود بشكل رمزيّ إلى »آدم« على ماقال الرسول إلى أهل أثينة: »خلق البشر كلَّهم من أصل واحد، وأسكنهم على الأرض كلِّها« (أع 17: 26).

أمّا لوقا، فقدَّم خبرًا واحدًا، فيه أطعم يسوع خمسة آلاف من الناس وراح هذا الإنجيليّ مع مرقس في خطٍّ رمزيّ بعد الحدث الواقعيّ. فأورد ما قاله يسوع للرسل: »أقعدوهم جماعة جماعة، في كلِّ واحدة خمسون« (لو 9: 15). أمّا مرقس فقال: »فقعدوا صفوفًا صفوفًا، في بعضها مئة، وفي بعضها خمسون« (مر 6: 40). هكذا ينتظم شعب ا؟، بعدأن كان مثل خراف لا راعي لها (مر 6: 34).

عرف موسى أنَّه يموت وينضمُّ إلى آبائه (عد 27: 13)، ولا يرافق الآتين معه من البرّيَّة، إلى أرض الموعد. فطلب من الربّ أن يؤكل »رجلاً على الجماعة« (آ16). فإن كانت بدون رأس، تبعثرت، ضاعت في هذه البرّيَّة الواسعة، لاسيَّما وأنَّ موسى كان يدلُّها على حضور الربِّ معها. بالغمامة في النهار، لئلاّ تضربهم الشمس. وبالنار في الليل، لكي تتحوَّل العتمة إلى نور هذا الرئيس »يخرج أمامهم ويعود بهم« (آ17). في معنى أوَّل، يخرج من أجل الحرب، ويعود بهم سالمين. فلا يخسر منهم أحد (يو 17: 12)

إلاَّ ذاك الذي يخرج من القطيع، ويرفض السير مع الراعي. وهذا الرئيس يُخرج الجماعة كما من »الحظيرة« يأخذها إلى »المرعى« ويعود بها في المساء. يشوع صورة بعيدة عن يسوع. وهذا الذي يقترحه الربّ على موسى كالراعي بعد أن تتوقَّف مسيرته هو، يشبه الراعي الصالح الذي يعرف خرافه وخرافُه تعرفه (يو 10: 15). بل يستعدُّ لكي يضحّي بحياته في سبيل الخراف.

»فقال الربُّ لموسى: «خذ يشوع بن نون، فهو رجل فيه روح الرب« (عد 27: 18). الربُّ يلهمه. يمنحه الصفات اللازمة، بحيث لا يكون مثل آخاب، كما رآه النبيّ ميخا بن يملة: »أرى شعب (مملكة)إسرائيل مبعثرين على الجبال كغنم بلا راعٍ. والربّ يقول: هؤلاء لا قائد لهم. فليرجع كلُّ واحد منهم إلى بيته بأمان« (1مل 22: 17). ومن يرجعهم؟ الربّ بنفسه. وهكذا جمع يسوع هؤلاء »الجائعين« حوله. قال لهم بأن يجلسوا على العشب الأخضر. ذاك هو عمل الراعي، كما يقول مز 23: 1: »الربُّ راعيّ فلا يعوزني شيء، في مراعٍ خُضر يريحني، ومياهًا هادئة يوردني«. فالغنم يحتاج أوَّل ما يحتاج إلى الطعام والشراب. والراعي الحقيقيّ يؤمِّن لخرافه الكلأ والماء. ويسوع أمَّن لها الشعب من الخبز والسمك، بحيث إنَّ الجميع أكلوا وشبعوا.

سمعوا كلام الربّ. أكلوا من خبز الربّ، فلا يمكن أن يلبثوا مبعثرين، كلٌّ واحد يبحث عن طعام له وشراب. بل صاروا جماعة. أخذوا شكلاً مربَّعًا إذا اصطفّوا خمسين بخمسين. أو مستطيلاً، إذا اصطفوا خمسين بمئة. نقرأ في سفر الخروج كيف علَّم يترو، حمو موسى، صهره، لكي ينظِّم هؤلاء الفارّين من مصر، والذي دعاهم هارون »الرعاع« (خر 32: 22). قال: »واخترْ من الشعب كلِّه، رجالاً اكفّاء يخافون الله وأمناء يكرهون الرشوة، وولِّهم على العشب، رؤساء ألوف ومئات وخماسين وعشرات« (خر 18: 21). اعتبر موسى أنَّ هذا التقسيم إلهام من الروح، فاختار رجالاً... وولاّهم على الشعب رؤساء ألوف ومئات وخماسين وعشرات« (آ25).

ذاك يكون الترتيب المثاليّ في شعب الله. وقد عمل به يهوذا المكابيّ، ذاك القائد الذي اختاره الربّ لكي يقف في وجه حاكم غريب يحارب المؤمنين الذين يمارسون شعائر إيمانهم. نقرأ في سفر المكابيّين الأوَّل(3: 55): »وبعد ذلك، قسَّم يهوذا رجاله فئات من عشرة وخمسين ومئة وألف«. كان عمل يهوذا على المستوى الحربيّ. أمّا الأسيانيّون (الذين يعتبرون نفوسهم حاملين الشفاء، الذين يوآسون الناس) الذين أقاموا في خرائب قمران (قرب البحر الميت)، فعملوا على المستوى الروحيّ. قالوا في نظام الجماعة: »ويعبر جميع الشعب في الدرجة الثالثة (بعد الكهنة واللاويّين)، وبترتيب، الواحد بعد الآخر، ألوفًا ومئات، خمسينات وعشرات« (2: 21-22). وهكذا تُعرَف »جماعةُ ا؟، جماعة المجلس الأبدي« التي تشبه تنظيم الملائكة: »وإليك رؤساء الملائكة وأسماؤهم، قواد المئة، قوّاد الخمسين...« (أخنوخ الأوَّل 69: 3). وكلُّ واحد يأخذ مكانه.

ويسوع رتَّب الآكلين فنال كلُّ واحد ما يحتاج إليه من خبز وسمك. هنا أذكر خبرة رائعة عشتها في جماعة في فرنسا. آلاف يأكلون. وقفوا في صفوف. في مدَّة قصيرة كانت صحونهم ملأى بالطعام. فالخير كثير، فلماذا الخوف والتزاحم والتقاتل من أجل لقمة خبز وبعض طعام؟ فالذين كانوا في البرّيَّة، أكلوا »فشبعوا« (يو 6: 12). ونطرح السؤال على نفوسنا: نحن الذين نشارك في عشاء الربّ، في الإفخارستيّا، سمعنا كلمة الله، أخذنا الخبز والخمر، جسد المسيح ودمه. فيا ليتنا نكون الشعب الكامل، المنتظم، المرتَّب، كالأعضاء في الجسد وكالأغصان في الكرمة!

 

2- الجوع في البلاد

وننتقل من موسى إلى النبيّ إليشاع، مع موسى (وهارون) تذمَّر الشعب الداخلُ إلى البرّيَّة: »ليتنا متنا بيد الربِّ في مصر، فهناك كنّا نجلس عند قدور اللحم، ونأكل من الطعام حتّى نشبع. فلماذا أخرجتمانا إلى هذه البرّيَّة لتميتا هذا الجمع كلَّه بالجوع؟« (خر 16: 3). فأعطاهم الربُّ خبزًا من السماء. قال: »أمطر لكم خبزًا« (آ4) وهكذا فعل يسوع. »رفع عينيه إلى السماء وبارك وكسر الأرغفة« (مت 14: 18).

ومع إليشاع، »الجوع يعمُّ الأرض« (2مل 4: 38). فجاءه »جماعة الأنبياء« وكانوا »جالسين أمامه«. فلا بدَّ من إطعامهم. قال النبيّ لخادمه: »هيئ الطنجرة الكبيرة واطبخ لجماعة الأنبياء«. ولكن ماذا يطعمهم؟ بعض البقول المقطوف في الحقل. ولكن »لمّا سكب الرجال ليأكلوا من الطبيخ، صاحوا: «هذا طبخ مميت«،

ولم يقدروا أن يأكلوا (آ40). وهنا جاءت المعجزة. قال إليشاع: »هاتوا دقيقًا« (آ41). فجاؤوا بالدقيق. حينئذ قال النبيّ لخادمه: »اسكب للقوم ليأكلوا«. فأكلوا وكان الطعام لذيذًا.

وماذا فعل يسوع؟ أعطيَ سمكتين فأعطى السمك الكثير، »ما يُجمَع من سمك البحر كلِّه«، كماقال سفر العدد (11: 22). لا سمكًا قليلاً، بل »أمسكوا (التلاميذ) سمكًا كثيرًا جدٌّا، بحيث كادت شباكهم تتمزَّق. فأشاروا إلى شركائهم في القارب الآخر أن يجيئوا ويساعدوهم. فجاؤوا وملأوا القاربين حتّى كادا يغرقان«. فا؟ لا يعطي القليل. فينشد، صاحب المزامير: »خبزًا عميمًا أمطرت يا الله، وشعبك في ضعفه قوَّيته. رعيَّتك وجدت مقامًا هناك، وبجودك يا ا؟، هيّأت للمساكين« (مز 68: 10-11). مطره ليس على فئة دون أخرى. بل »على الأبرار والظالمين« (مت 5: 45). أي على الجميع. كذلك شمسه يطلعها على الأشرار والصالحين«.

وأُعطي يسوع سمكتين صغيرتين، كما يقول الأصل اليونانيّ. أمّا هو فأعطى السمك الكبير الذي يكفي الجماعة. تحدَّث إنجيل يوحنّا عن كثرة السمك (21: 6). وأضاف أنَّ الشبكة »امتلأت بمئة وثلاث وخمسين سمكة كبيرة« (آ11). فما أعظمك يا ربّ، وما أكرمك! »تفجَّر الينابيع أنهارًا، فتجري الأنهار بين الجبال، لتسقي جميع وحوش البرّ وبها تكسر الفراء عطشها... تسقي الجبال من علاليك ومن ثمرة أعمالك تشبع الأرض. تُنبت العشب للبهائم، والخضرة لخدمة البشر« (مز 104: 10-14).

وبعد ذلك، أيكون جوع في البلاد؟ القوت يخرج من الأرض، والخبز الذي يُسند به الإنسان قلبه، الأشجار تشبع مطرًا من عند الرب، والوحوش يلتمسون من الطعام لدى خالقهم. ومع ذلك، يبقى جائعون، يبقى فقراء بسبب النظام الذي يسود الأرض. مع أنَّ الكتاب قال في سفر التثنية: »لأنَّ الربَّ إلهكم يبارككم في الأرض التي يعطيكم إيّاها نصيبًا تملكونه حتّى لا يكون فيما بينكم محتاج« (تث 15: 4). ومع ذلك، تقسّون قلوبكم وتبخلون على إخوتكم المحتاجين فيما بينكم» (آ7). وكان الأحرى أن تفتحوا لهم أيديكم، وبهذا يبارككم الربُّ إلهكم في كلِّ أعمالكم وفي جميع ما في متناول أيديكم« (آ10).

وحتّى إذا أعطيتنا، يبقى فقراء، لأنَّ »الأرض لا تخلو من محتاج«، من فقير (آ11). لهذا قال يسوع: كنتُ جائعًا، كنتُ عطشان، بل هو أشبع الجموع الكثيرة. وهيّأ له الطريق النبيّ إليشاع. أمامه مئة من جماعة الأنبياء. ماذا يطعمهم؟ هناك عشرون رغيفًا من خبز البواكير، من الشعير، مع السنبل الطرئ« (2مل 4: 42). جاء هذاالخبز تقدمة من رجل يقيم في جبل إفرائيم. قدَّمه بسخاء. وما احتفظ به النبيّ لنفسه خوفًا من الجوع.

ومثله فعل ذاك الصبيّ الذي كان بين الذين يرافقون يسوع. معه »خمسة أرغفة من شعير« (يو 6: 9). هو فقير والشعير طعام الفقراء، ساعة كان الأغنياء وحدهم يأكلون الحنطة.

ومع ذلك، قدَّم خبزاته، وما أراد أن يحتفظ بها ليعود إلى أمِّه. منذ »ثلاثة أيّام« (مر 8: 2) الناس يرافقون يسوع. لا طعام لهم. »ومنهم من جاء من مكان بعيد« (آ3). ما حسب ذلك الصبيّ حساب شيء من هذا. بل أعطى كلَّ ما له، مثل تلك الأرملة (مر 12: 44).

وفي أيِّ حال، حين يطلب يسوع، فمن »يجسر« ولا يعطيه! أعطانا حياته. وماذا يطلب منّا؟ كم نحن تعساء حين نمضي في الحزن، نرفض أن نعطي مع أنَّنا »نملك أموالاً كثيرة« (مر 10: 22).

أعطى النبيّ عشرين رغيفًا، فأطعم مئة رجل. قال لخادمه: »أعطِ القوم ليأكلوا« (2مبل 4: 43). كيف نعطي؟ »هذا قليل، فكيف أضعه أمام مئة رجل« لا شكّ، في نظر البشر، هذا لا يكفي. لا في نظر الله، وإليشاع »رجل الله«، »زلمة« الله الذي يأتمر بأوامره مهما كان الوضع. فقال لخادمه أيضًا: أعطِ القوم ليأكلوا، لأنَّ الربَّ قال: يأكلون ويفضل عنهم« وهكذا تمَّت المعجزة بقدرة الله. »أكلوا وفضل عنهم، كما قال الرب« (آ44).

 

3- أكلوا فشبعوا

وقدرة الله فعلت في يسوع، فكانت معجزة باهرة، لا تُقابل بما فعله إليشاع. خمسة أرغفة لخمسة آلاف. عدد كبير جدٌّا قبالة خبزات قليلة. ما فضل ووُضع في السلال تفوَّق على ما أعطاه ذاك الصبيّ الذي لا يُذكر اسمه، وكأنَّه يمثِّلنا جميعًا. فحين نعطي يجري الخير حولنا، لأنَّنا لن نكون يومًا أكثر سخاء من الله. وما الذي جمع التلاميذ؟ »اثنتي عشرة قفَّة من الكسر التي فضلت من أرغفة الشعير الخمسة« (يو 6: 13). يسوع فقير يأكل طعام الفقراء يأكل مع الفقراء، وهو من ليس له موضع يُسند إليه رأسه (لو 9: 58).

قال بعض المشكِّكين بألوهيَّة المسيح: لم يكن هناك معجزة تكثير الأرغفة، بل معجزة مشاركة عامَّة: كلُّ واحد قدَّم ما في يده. ففعل مثل الصبيّ الذي قدَّم خبزاته. ما احتفظ أحد بما عنده. هي نظرة من عالم الخيال، والأنانيَّة متأصِّلة في الإنسان منذ صغره. وفي أيِّ حال، الإنجيل واضح. ما من أحد بيَّن ما معه من زاد. ما من أحد فعل مثل السامريّ الصالح. وحده ذاك الصبيّ يستطيع أن يسمع كلام يسوع: كنتُ جائعًا فأطعمتني. بل أطعمت إخوتي الذين حولي. لا شكّ في أنَّه أعطى القليل، ولكنَّ القليل يصبح كثيرًا في يد الربّ. هي معجزة وأيُّ معجزة ملأت الناس دهشًا وحماسًا. أمّا الإنجيليّ، فأضاف إلى الواقع الذي عاشته الجموع، نظرة روحيَّة. فالرقم خمسة هو رقم القداسة التي تعمُّ الأرض. يتألَّف من واجد، أي من الإله الواحد الذي خلق السماوات والأرض، ويُشرق على كلِّ ما فيها. والأربعة هي أربعة أقطار الكون. فحين كثَّر يسوع الأرغفة، لم يكن هناك فقط عدد محدَّد، بل البشريَّة كلّها التي جاءت تطلب الطعام من يسوع. والعدد ألف هو مكعَّب عشرة. أمّا العدد عشرة فيدلُّ على الجماعة التي يحقُّ لها أن تبني مجمعًا. أمّا تبني »كنيسة« في العالم اليهوديّ. لهذا كان عدد الحاضرين (حول بطرس والرسل) نحو مئة وعشرين» (أع 1: 15). هذا يعني أنَّه كان مع كلِّ رسول عشرة أشخاص. ولكنَّ العشرة صاروا ألفًا، أي عددًا كبيرًا لا يحصى.

وكما أنَّ الذين أكلوا مع يسوع كانوا خمسة آلاف، كانوا الجماعة الشاملة، الكاملة، المقدَّسة، المشاركة في حياة يسوع. كذلك كان التلاميذ الذين اهتدوا إلى الإيمان تجاوبًا مع الرسالة. على أثر العظة الأولى »يوم العنصرة« وبعد حلول الروح القدس، قال سفر الأعمال: »فالذين قبلوا كلامه تعمَّدوا، فانضمَّ في ذلك اليوم نحو ثلاثة آلاف نفس« (أع 2: 41). بعد ذلك، قال سفر الأعمال »وآمن كثير من الذين سمعوا الكلمة، فبلغ عدد المؤمنين من الرجال خمسة آلاف« (أع 4: 4). ظنَّ البعض خطأ أنَّ العدد توقَّف هنا. وما ازداد بعدُ عدد المؤمنين. فالمعنى الرمزيّ واضح. والكتاب نفسه يقول: »كثر عدد التلاميذ« (أع 6: 1). فما عاد الرسل يستطيعون أن يكفوا خدمتهم. ثمَّ في آ7: »وكان كلام الله ينمو (وينتشر) وعدد التلاميذ يزداد كثيرًا في أورشليم، واستجاب للإيمان كثير من الكهنة«. اكتمل العدد »المقدَّس: في أورشليم، التي هي إحدى بطريركيّات الكنيسة منذ القديم. فانطلق التلاميذ ليؤسِّسوا »بطريركيَّة« أخرى في أنطاكية حيث »تسمّى التلاميذ أوَّل مرَّة مسيحيّين« (أع 11: 26).

هؤلاء الخمسة آلاف كانوا »يتذمَّرون« لأنَّ »أراملهم لا يأخذن نصيبهنَّ من المعيشة اليوميَّة« (أع 6: 1). فهم الرسل ذلك وما أرادوا أن يتهرَّبوا. كما حاولوا من قبل. طرح يسوع السؤال وتحدَّث عن الشراء: »كيف نشتري الخبز لنطعمهم؟« (يو 6: 5). هو يجرِّبهم. وضاعوا في قضيَّة المال. نحتاج إلى مائتي دينار (آ7). والدينار أجار العامل في ذلك الزمن. فهل يستطيع الرسل الآتون من محيط فقير أن يؤمِّنوا هذه الكميَّة من المال؟ وفي أيِّ حال، ما سوف يشترون لا يكفي وهكذا

أرادوا أن يبعدوا يسوع عن مشروعه. في إنجيل متّى، أعطى الرسل يسوع نصيحة: »قل للناس أن ينصرفوا إلى القرى ليشتروا لهم طعامًا« (مت 14: 15). فبدا يسوع وكأنَّه يقول لماذا تصرفونهم؟ بحيث يتمُّ فيكم كلام الكتاب: »الأطفال يطلبون خبزًا ولا من يعطيهم كسرة« (مرا 4: 4). »أعطوهم أنتم ما يأكلون« (مت 14: 14). ولكنَّهم لا يقدرون. لهذا، بارك يسوع الأرغفة، »أعطى تلاميذه، والتلاميذ أعطوا الجموع« (آ19). وهكذا فعل الرسل في بداية الكنيسة: اهتمّوا خصوصًا بالأرامل، اللواتي هنَّ مع اليتامى الفئة المحرومة في المجتمع. »فاختاروا لهم سبعة رجال مشهود لهم بحسن السمعة« (أع 6: 3).

لا يمكن أن يقبل الربّ بأن يبقى جائع في الأرض. والمسؤوليَّة صارت مسؤوليَّتنا، مسؤوليَّة كلِّ واحد منّا، والويل لنا إن صرفنا نظرنا عن إخوتنا المحتاجين وما أعطيناهم. »يصرخون إلى الربّ عليكم، فيحسب ذلك (الإهمال وصمّ الآذان) عليكم خطيئة« (تث 15: 10). وفي الكنيسة الأولى، وجَّه الرسول كلامًا قاسيًا إلى أبنائه: »من كانت له خيرات العالم ورأى أخاه محتاجًا فأغلق قلبه عنه، فكيف تثبت محبَّة الله فيه« (1يو 3: 17). وواصل كلامه: »لا تكون محبَّتنا بالكلام أو باللسان، بل بالعمل والحق« (آ18) وينبِّهنا يعقوب، أخو الربّ، والمسؤول في كنيسة أورشليم بعد ذهاب بطرس: »فلو كان فيكم أخ عريان أو أخت عريانة لا قوت لهما، فماذا ينفع قولكم لهما: إذهبا بسلام. استدفئا واشبعا، إذا كنتم لا تعطونهما شيئًا ممّا يحتاج إليه الجسد؟« (يع 2: 16). والجواب: »لا ينفع شيئًا. وإيماننا كلام بكلام. فنشبه الفرّيسيّين الذين يقولون ولا يعملون (مت 23: 3). فيأتي علينا الحكمُ القاسي: «ما كلّ من يقول لي: يا ربّ، يا ربّ! يدخل ملكوت السماوات، بل من يعمل بمشيئة أبي الذي في السماوات« (مت 7: 21). لن ينفع الكلام في ذلك الوقت، فنسمع في أعماق قلوبنا القاسية: »ما عرفتكم قطّ. ابتعدوا عنّي يا فعلة الإثم« (آ23). يا أشرار! أعطيتم المال فاحتفظتم به لنفوسكم، فصار مال الظلم. نحن نظلم إخوتنا حين نحتفظ به ولا نعطيه. ويصير مال الحقّ والغنى الحقيقيّ الذي يقدِّمه من هو الطريق والحقّ والحياة، عندما نعطيه. فيكون لنا أجمل استقبال في »المساكن الأبديّة« (لو 16: 9). فالمال الذي نكدِّسه يدعوه يسوع: المال الباطل. المال الذي لا نفع منه. يأكله الصدأ. يسوقه السارقون (مت 6: 19). فكلَّم يعقوب الأنبياء مهدِّدًا: »أموالكم فسدت، وثيابكم أكلها العثّ. ذهبكم وفضَّتكم يعلوها صدأ يشهد عليكم ويأكل أجسادكم كالنار« (يع 5: 2-3).

 

الخاتمة

قراءتنا للكتاب المقدَّس غنى كبير لنا. ننتقل من العهد الجديد إلى العهد القديم، ومن العهد القديم إلى العهد الجديد. فالجديد يعطي ملء الضوء للقديم، ويمنحه كامل معناه. ولولا العهد الجديد، لبقي العهد القديم ناقصًا، ومعناه مبتورًا كأنّي به يوقّفنا في منتصف الطريق، فنبق على عطشنا. لهذا يجب أن يصبّ العهد القديم في العهد الجديد، كما النهر في البحر، وإلاّ يغور في الأرض مستنقعات لا يمكن الإفادة من مائها. أمّا الجديد فيجد جذوره في القديم، لأنّ الذين دوَّنوا العهد الجديد، استقوا اللغة والصور من العهد القديم كما وصل إليهم في النسخة اليونانيَّة السبعينيَّة. فإن قطعنا الجديد من جذوره، خاطرنا وما عرفنا أن نكتشف الورق والزهر والثمر: من أجل كلّ هذا، وفي قراءة لخبر تكثير الأرغفة، عدنا إلى فعله إليشاع حين أصلح الطعام وما فيه من سمّ، ثمَّ أكثر الخبزات العشرين، فكفت مئة شخص. ما فعله إليشاع كان رسمة سريعة، ناقصة. والكمال كان مع يسوع حين كثَّر خمسة أرغفة وسمكتين، فأطعم خمسة آلاف. فأكلوا كلُّهم وشبعوا. وتركوا لكنائس العالم الكسر التي تكفيهم حتّى نهاية العالم. أيحقُّ بعد الآن أن نتكلَّم عن جوع، سوى جوع إلى كلام الله، وعطش إلى البرّ الذي هو عيش بحسب مشيئةالله؟