من خبز الأرض إلى خبز السماء

 

في قمَّة أولى من قمم إنجيل يوحنّا تنتهي بسؤال يطرحه يسوع على تلاميذه الذين أرادوا أن يتركوه (يو 6: 67) لأنَّ كلامه صعب (آ60)، نتوقَّف عند معجزة تكثير الأرغفة وما تبعها من حوار بين يسوع واليهود. أكلوا حتّى شبعوا، وفاض عنهم الكثير من خمسة أرغفة لكي يملأوا اثنتي عشرة قفَّة (يو 6: 13)، فتذكَّروا الأيّام الماضية يوم كانوا في البرّيَّة يأكلون المنّ، ذاك الخبز الآتي من السماء. عطيَّة الله في زمن موسى، ما كان لخبرة تجاريها في نظرهم. أمّا يسوع فأراد أن يخرجهم من الماضي ليفتح قلوبهم، وبالتالي قلوبنا، على أمر نعيشه اليوم وفي كلِّ أيّام حياتنا: جسدي مأكل حقيقيّ، ودمي مشرب حقيقيّ. فإذا أردنا أن تكون لنا الحياة نأكل هذا الجسد الذي هو »الخبز النازل من السماء« (آ58). في هذا الإطار، نتوقَّف عند عطيَّة الله في ثلاث محطّات: خبز الأرض هو علامة للمنّ الذي رافق الشعب في البرّيَّة. المنّ بدوره صورة عن خبز السماء الذي يمنحنا الآبُ في محبَّته.

 

1. خبز الأرض

حين نتأمَّل معجزات يسوع، ما من معجزات أثَّرت في الجماعة التي تتبعه. مثل معجزة الخبز. تتحدَّث الأناجيل الإزائيَّة، أي متّى ومرقس ولوقا، عن راحة لدى »الفقراء«: أكلوا حتّى شبعوا. مسيرة طويلة مع يسوع. ودامت ثلاثة أيّام، كما قال مرقس. وبعضهم جاء من البعيد (8: 2-3). وانتهى كلُّ شيء على هذا المستوى. ممّا حدا بيسوع لأن يقول للذين أضاعوه وراحوا يبحثون عنه: »لا تعملوا للقوت الفاني« (يو 6: 27).

أمّا في الإنجيل الرابع، فاكتشف اليهود بعد تكثير الأرغفة، أنَّ يسوع »هو النبيّ الآتي إلى العالم« (آ14). النبيّ حامل كلام الله، وما من أحد تكلَّم مثل هذا »النبي«. والنبيّ النموذجيّ هو موسى الذي كلَّم الربَّ فمًا إلى فم. وما اكتفى بالكلام، بل أعطى شعبه الطعام، منٌّا وسلوى، وأخرج لهم الماء من الصخر وذاك ما فعله يسوع حين أطعم الشعب في البرّيَّة. تحدَّث متّى عن »مكان مقفر« (مت 14: 15). كان يسوع معتزلاً فيه مع تلاميذه. وهناك أطعم الجموع.

ومن شدَّة فرح الآكلين، استعدُّوا »لاختطافه وجعله ملكًا« (يو 6: 15) وكانت ردَّة الفعل سريعة: »ابتعد عنهم ورجع وحده إلى الجبل«. في هذا الإطار، نفهم مقال مرقس ومتّى بعد معجزة الخبز. قال متّى: »وكان الذين أكلوا نحو خمسة آلاف، ما عدا النساء والأطفال« (14: 21). ولكنَّه يواصل خبره حالاً: »وأمر يسوع تلاميذه أن يركبوا القارب في الحال ويسبقوه إلى الشاطئ المقابل حتّى يصرف الجموع« (آ22). لا. يسوع ليس الملك الذي ينتظرون. وإن دُعيَ ملكًا، فمملكته ليست من هذا العالم (يو 18: 36). والعمل الذي يقوم به، لا يتوخّى الربح المادّيّ والمنفعة المادّيَّة، وهو الذي ردَّ تجربة الشيطان فقال: »لا يحيا الإنسان بالخبز وحده، بل بكلِّ كلمة تخرج من فم ا؟« (مت 4: 4). ولمّا عرض عليه التلاميذ بعض الطعام الذي جاؤوا به من المدينة: »كلْ يا معلِّم« (يو 4: 31)، كان جوابه: لي طعام لا تعرفونه أنتم» (آ32). ما فهم التلاميذ. حينئذٍ قال يسوع: »طعامي أن أعمل بمشيئة الذي أرسلني وأتمِّم عمله« (آ34).

ومع ذلك علَّمنا يسوع أن نقول: »أعطنا خبزنا كفاية يومنا. أعطنا طعامًا يكفينا يومًا بعد يوم. وإن رمز اليوم والنهار إلى الحياة، فيكون يسوع يعلِّمنا طلب خبزنا ما دامت حياتنا على الأرض. قال تيودور المصيصيّ: »يسمّيه ربُّنا «الخبز« الذي يجب أن نستعمله. والناس يعتبرون الخبز أفضل شيء لتغذية الحياة الدنيا وقوامها». وأنشد يعقوب السروجيّ: »أطلب إلى الله: أعطنا خبز كلِّ يوم! وهل يتطلَّب عيشُ كلِّ يوم سوى الخبز. فالجسد لا يأكل ذهبًا، وإن أعطيتَه، ولا مقتنيات ولا حجارة كريمة. ينال الملك من ملكه خبز يومه، وينال العامل من عمله خبز يومه. ضرورة الجسد وحاجته وغذاؤه، ينالها الملك والعامل على حدِّ سواء«.

ففي أصل البشريَّة، كان الخبز هو الأساس. والرجل يتعب ويكدُّ ليحصل عليه: »بعرق جبينك تأكل خبزك«. فلا مهرب من هذه الحاجة، التي أراد إبليس أن يحرِّكها لدى يسوع، فجرَّبه: »إن كنتَ ابن االله فقلْ لهذه الحجارة أن تصير خبزًا« (مت 4: 3). رفض يسوع، وفهم أنَّ الشيطان يطلب منه أن لا يكون إنسانًا شبيهًا بنا في كلِّ شيء ما عدا الخطيئة. فأساس الحياة هو الخبز، وهو يوجز كلَّ ما يمكن أن يؤمِّنه الواحد لنفسه من طعام.

ذاك ما عرضه إبراهيم على ضيوفه الثلاثة: »أقدِّم لكم قليلاً من الماء فتغسلون أرجلكم وتستريحون تحت الشجرة، وأقدِّم لكم كسرة خبز، فتسندون بها قلوبكم« (تك 18: 4-5). وحين عاد أبو الآباء من »حرب الملوك« لاقاه ملكيصادق، كاهن ا؟ العليّ بالخبز والخمر (تك 14: 18) وكأنَّه يتطلَّع، من حيث لا يدري، إلى ذلك الذي قدِّم له الخبز فيقدِّم لنا جسده، أي ذاته بكلِّيَّتها. ونقدِّم له الخمر فيقدِّم لنا دمه أي حياته. هي يعطي ذاته لنا، لا جثَّة هامدة كماأنزلت عن الصليب، بل جسدًا حيٌّا ممجَّدًا، كما خرج من القبر.

ذاك الخبز يرافق الحاضر، ولاسيَّما إذا عرف أنَّه لن يجد من يستقبله، يستضيفه. هكذا فعل إبراهيم مع هاجر وإسماعيل: »أخذ خبزًا وقربة ماء« (تك 2: 14). وهو أمر طلبه يعقوب من الربِّ في بداية مسيرته إلى حاران. هو لا يعرف ما يكون له في الطريق. فصلّى قائلاً: »إن كان الله معي، وحفظني في هذه الطريق التي أسلكها، ورزقني خبزًا آكله وثيابًا ألبسها، رجعت سالمًا إلى بيت أبي، يكون الربُّ لي إلهًا« (تث 28: 20-21). بل إنَّ الحاجة إلى الخبز تجعل الإنسان قريبًا من الموت، فيستعدّ أن يضحّي بكلِّ شيء تلبية لهذه الحاجة. فعيسو الذي »عاد من الحقل وهو خائر من الجوع« (تك 25: 29) طلب من أخيه أدامًا، طعامًا. ففرض عليه أخو يعقوب أن يبادل الخبز بالبكوريَّة. فتخلّى عيسو عن البكوريَّة، فقال الكتاب: »حلف عيسو وباع بكوريَّته ليعقوب. فأعطى يعقوب عيسو خبزًا وطبيخًا من العدس، فأكل وشرب وقام ومضى« (آ33-34). بدون الخبز كاد يموت. نال الخبز »فقام« وكأنَّه كان ميتًا. ذاك الخبز طلبه ابن كنعان في مصر، ولاسيَّما حين حلَّت سنوات المجاعة. فإخوة يوسف عرفوا أنَّ القمح موجود هناك، فمضوا مرَّة ومرَّتين. لا خبز في موضع من الأرض. قال الكتاب: »كان جوع في جميع البلدان، إلاّ في أرض مصر، حيث كان الخبز متوافرًا« (تك 41: 54). بل يستعدُّ الإنسان أن يقوم بأيِّ عمل شرط أن تتوافر له كسرة خبز» (1صم 2: 36). عندئذ أطلقت حنّة، أمُّ صموئيل نشيدها: »الشبعان أجَّر نفسه ليأكل خبزًا، أمّا الجوعان والمتَّكل على الربِّ فاستغنى« (آ5). وهكذا نصل إلى الخبز الذي قدَّمه الربّ إلى شعبه في البرّيَّة، فقال اليهود ليسوع: »آباؤنا أكلوا المنَّ في البرّيَّة« (يو 6: 31).

 

2. أمطر لكم خبزًا

ذاك كان كلام الربّ لموسى. وصل رفاقه الذين خرجوا معه من مصر، لا طعام ولا شراب خاصموا موسى: يوم كنّا في مصر... فقال الربُّ لموسى: »الآن أمطر لكم خبزًا من السماء، وعلى الشعب أن يخرجوا ليلتقطوا طعام كلِّ يوم بيومه« (خر 16: 4).

الآن، الربُّ يعمل الآن. لا ينتظر أن يموت أبناؤه جوعًا لكي يتدخَّل. وهو لا يعطي بعض الطعام كما تقدِّم البرّيَّة التي لا تملك الماء الكثير، بل يرسل خبزه »كالمطر«. على الجميع، على الأخيار والأشرار (مت 5: 45). هو لا يميِّز. فالجميع خلقه وصنع يديه. والجميع أبناؤه وبناته فيهتمُّ بأمرهم. وماذا يمطر الربّ؟ لا الماء فقط، بل الخبز. أتتخيَّلون ذلك؟ هذا مستحيل في نظام البشر، لا في نظام الله الذي يمنح كلَّ بشر طعامه، لأنَّ إلى الأبد رحمته. هي عطيَّة مجّانيَّة، فتكون رمزًا لعطاء أوسع من لدن الله، حين دخل مرافقو يشوع إلى غربيّ الأردنّ، نالوا بيوتًا لم يبنوها، وقطفوا ثمارًا من شجر لم يزرعوه (تث 6: 11). أعطنا خبزنا كفاف يومنا. فأعطاهم الربُّ الخبز من عنده. فأنشد المزمور: »تعطيها رزقها فتلقطه، وتفتح يدك فتشبع خيرًا« (مز 104: 28). فهذا الذي طلب من الإنسان أن يبقي يده مفتوحة لإخوته، كيف نريده أن يغلقها في وجه أبنائه. إليه تنظر عيون الجموع، فيرزقهم طعامهم في حينه، كماالأمُّ مع أولادها. »يفتح يده فيُشبع جميع أحبّائه (مز 145: 15-16).

وماذا يجب على الشعب أن يعمل؟ أوَّلاً، أن يخرج من المحلَّة. يخرج من خنوعه وانغلاق الواحد على نفسه. يخرج إلى حيث عطيَّة الربّ. ثانيًا: يلتقط. يلتقط حاجته. فلماذا الإكثار والجمع والتكديس؟ قال الكتاب: »فمنهم من أكثر ومنهم من أقلّ. ولمّا كالوه بالغمر، وجدوا أنَّ الذي أكثر لا يفضل له، والذي أقلّ لا ينقص عنه. فكان ما التقطه كلُّ واحد لا ينقص عن حاجته ولا يزيد« (خر 16: 17-18). فالله أبٌ يؤمِّن لأولاده حاجتهم. فالذي يهتمُّ »بطيور السماء التي لا تزرع ولا تحصد ولا تخزن« (مت 6: 26)، أما يهتمُّ بأبنائه ويوزِّع عليهم حاجاتهم؟ والذي يُلبس »زنابق الحقل التي لا تغزل ولا تتعب« (آ28)، يقول لأحبّائه: »فكم أنتم أولى منها، يا قليلي الإيمان!« (آ30).

وكيف يلتقطون؟ »غمر واحد لكلِّ إنسان من أهل بيته« (خر 16: 16). فالغمر وعاء صغير. وفي العربيَّة: قدح صغير. وإذا عدنا إلى أصل اللفظ، نقول: الغمر هو ما يستطيع الواحد أن يأخذه بين بيده. فالطفل يحمل قدرَ يديه، وكذلك الشابّ. ولكنَّ البعض أراد أن يكون له أكثر من غمر، معتبرًا أنَّ الله ربَّما لا يعطيه في اليوم الثاني. أمّا الله فقال لموسى: »أعطي الإنسان طعام كلَّ يوم بيومه«. ما اقتنعوا، مع أنَّ موسى نبَّههم: »لا تُبقوا منه شيئًا إلى الصباح« (آ19). لا إيمان عندهم. وبالتالي اعتبروا أنَّ أمانة الله يمكن أن لا تدوم إلى الأبد. لهذا يواصل الكتاب شرحَه: »فلم يسمعوا له، وأبقى منه بعضهم إلى الصباح،

فدوَّد وأنتن« (آ20).وهكذا نالوا درسًا أوَّل: الاتِّكال على ا؟، والاستسلام إلى عنايته. هو يهتمُّ بأولاده يومًا بعد يوم. تحدَّث عنه »موسى« في سفر التثنية بالنسبة إلى يشوع: »لا يهملك ولا يتركك، إذًا، لا عليك أن تخاف ولا أن ترهب« (تث 3: 8). واستعادت الرسالة إلى العبرانيّين هذا الكلام واصلت: »الربُّ عوني فلا أخاف. فماذا يمكن للإنسان أن يصنع بي؟« (عب 13: 6). وكيف يمكن للظروف أن يؤثِّر عليَّ؟ إذًا، يقول يسوع: »لماذا الاهتمام بالغد؟ فالغد يهتمُّ بنفسه، وكلّ يوم يكفي شرّه« (مت 6: 34).

والدرس الثاني، هو أنَّ ما نكدِّسه يكون خسارة لنا، بل حكمًا علينا. ذاك كان وضع ذلك الغنيّ الجاهل، الذي اعتبر أنَّ كلَّ شيء يقوم بالاقتناء. نسيَ الله، فما عاد يهتمُّ سوى بأهرائه. »أخصبت أرضه، فقال في نفسه: لا مكان عندي أخزن فيه غلالي، فماذا أعمل؟ ثمَّ قال: أعمل هذا: أهدم مخازني وأبني أكبر منها، فأضع فيها كلَّ قمحي وخيراتي« (لو 12: 16ي). ولكنَّ ذلك الغبيّ نسيّ أنَّ نفسه تستردُّ منه في هذه الليلة.

والدرس الثالث، يجب أن يلقطوا حاجتهم »في كلِّ صباح«. فإذا حميت الشمس، كان يذوب« (خر 16: 21). فالربُّ يطلب من عباده النهوض باكرًا، من أجل عملٍ جادّ.

وفي أيِّ حال، طبيعة الشرق تفرض على العامل أن ينهض باكرًا ينهي عمل قبل أن تضربه الشمس. بالإضافة إلى ذلك، النهوض الصباحيّ استعداد لطاعة الله والعمل بوصاياه. طلب الربُّ من إبراهيم أن يقدِّم له ابنًا، ما تأخَّر إبراهيم، بل »بكَّر في الغد، وأسرج حماره، شقَّق حطبًا للمحرقة« (تك 22: 3). وكذا نقول عن يوسف، خطّيب مريم. قال له الملاك: »لا تخف أن تأخذ مريم امرأة لك« (مت 1: 20). ماذا فعل يوسف؟ ما تباطأ. ولكن »لمّا قام من النوم، عمل بما أمره ملاك الرب« (آ24).

والدرس الرابع، فيه تعلَّم المؤمن أن يرتاح يومًا في الأسبوع. اليوم السابع. الذي دُعيَ أيضًا السبت، وفعل »سبت« يعني في الأصل استراح. بل راح في السبات والنوم. فشريعة السبت أمرٌ خاصّ بالكتاب المقدَّس، لم يعرفه حضارة من الحضارات. فا؟ نفسه استراح بعد أن خلق الكون، فكيف لا يستريح الإنسان. والعبريّ لم يكن يعرف السبت حين كان عبدًا في مصر. ولكنَّه تحرَّر الآن، فطلب منه »أن لا يقوم بعمل ما، هو وابنه وابنته وعبده وجاريته« (خر 20: 10)، بل البهيمة وترتاح.

وفي خبر المنّ، طبَّق موسى المبدأ على الشعب. الشغل ممنوع في اليوم السابع. قال موسى: »ستَّة أيّام تلتقطونه، وفي اليوم السابع سبت لا تجدونه فيه« (خر 16: 26). خاف بعضهم من أن يصيب المنُّ في يوم السبت ما يصيبه في سائر أيّام الأسبوع. ولكن لا. »فلمّا كان اليوم السادس، التقطوا طعامًا مضاعفًا، غمرين لكلِّ واحد« (آ22). فما أنتن وما دوَّد (آ24). فجاء جميعُ رؤساء الجماعة وأخبروا موسى» وبدوا كأنَّهم يسألونه عن السبب. فجاء الجواب: غدًا يوم عطلة، سبت مقدَّس للرب« (آ23).

قال لهم موسى: لا تذهبوا، فذهبوا. قال لهم لن تجدوا. »فلمّا جاء اليوم السابع خرج بعضهم ليلتقطوا فما وجدوا« (آ27). حين كدَّسوا »المن«، »غضب عليهم موسى« (آ21). وحين دنَّسوا السبت، صرخ الربُّ فيهم: »إلى متى ترفضون أن تعملوا بوصاياي وشرائعي؟« (آ28). ولكن قد نجوع في يوم السبت، لأنَّ من لا يشتغل لا يجد له ما يأكل! فأجاب الربّ: »أعطيكم في اليوم السابع طعام يومين« (آ29). عندئذ، فهم الشعب »وامتنع عن العمل في اليوم السابع« (آ30).

ذاك هو المنّ الذي أراد اليهود به أن يزاحموا الخبز الذي أعطاهم يسوع حين كثَّر لهم الأرغفة. هذا المنّ الذي هو العطيَّة في المعنى المطلق، الذي هو عطيَّة العطايا. فمع أنَّ الشعب تذمّر على الربّ، وتساءلوا: »أيقدر الله أن يهيئ لنا مائدة في هذه البرّيَّة؟«(مز 78: 19) ومع أنَّهمجرَّبوا ا؟ طالبين طعامًا يشتهونه» (آ18). ثمَّ قالوا: »أيقدر الله أن يعطي خبزًا، أو يهيئ لحمًا لشعبه؟« (آ20). ومع ذلك، فالربّ يعرف أنَّ أولاده في تلك البرّيَّة المقفرة، لا يدرون ماذا يقولون. بهذا يواصل المزمور: »أمر الغيوم من فوق، وفتح أبواب السماء، فأمطرت منٌّا ليأكلوا، حنطة أعطاهم من السماء. فأكل الإنسان خبز الملائكة، زادًا أرسله للشعب« (آ23-25).

المنّ مصنوع من »الحنطة«. بل هو خبز الملائكة. ثمَّ هو يشبع الإنسان، على ما فعل يسوع حين كثر الأرغفة. وقال فيه سفر الخروج: »هو أبيض، كبزر الكزبرة، وطعمه كطعم القطائف بعسل« (خر 16: 31). لا نتوقَّف عند المعنى الحقيقيّ لثمر يكون وتكون الكميَّة التي يمكن أن توجد هناك قليلة. وفي أيِّ حال، لا يمكن أن ترافق الشعب حتّى الوصول إلى أرض الموعد. في هذا قال سفر يشوع: »وفي اليوم الذي تلا الفصح، أكلوا من غلَّة الأرض فطيرًا وفريكًا. ومنذ أن أكلوا من غلَّة الأرض، انقطع عنهم المن«. في تقليد روحيّ، اعتبر أنّ الصخر الذي خرج منه الماء بضربة من عصا موسى، رافقهم في البرّيَّة وكأنَّه »خزّان ماء«. فقال عنهم بولس الرسول: »وكلُّهم أكلوا طعامًا روحيٌّا، وكلُّهم شربوا شرابًا روحيٌّا من صخرة روحيَّةترافقهم« (1كور 10: 3-4).

 

3. خبز السماء

أمطرت السماء. أعطاهم الربُّ حنطة من السماء. صار المنُّ »خبز الملائكة«. ذاك هو تقليد الكتاب المقدَّس. أمّا العالم اليهوديّ فتحدَّث عن حارس الأرض الذي يأكل »منَّ السماء وندى الأرض«. وخبر يوسف وأسنات ربط المنَّ بقطعة من عسل. »دخلت أسنات إلى غرفتها، فوجدت قطعة عسل على المائدة، لونها أبيض ومليء بالعسل، ورائحتها مثل رائحة الحياة«.

في هذا الإطار نفهم حوار اليهود مع يسوع. هم يفتخرون بالمنّ الذي »من« به الله؟ عليهم في مجّانيَّة مطلقة، ويسوع يحدِّثهم عن خبز آخر. متى صار يسوع أعظم من موسى؟ ذاك سؤال مطروح. في نظرهم، هو أعطاهم خبزًا مرَّة واحدة. أمّا موسى، فأعطاهم أربعين سنة، طوال المسيرة في البرّيَّة، يسوع أعطى الجمع بعض الخبز وبعض السمك، فما يكون هذا بالنسبة إلى المنّ الذي طعمه طعم العسل، وإلى السلوى ذاك الطائر الذي يرتمي تعبًا على الرمل، بعد أن يكون قطع البحار. وما يكون العدد 5000 تجاه الذين خرجوا من البرّيَّة بقيادة موسى: 600000 (خر 38: 26)؟ »ما عدا النساء والأطفال« (خر 12: 37). ففي نظر اليهود، لا يمكن أن يكون أفضل من موسى. ولا أقدم من إبراهيم، مع أنَّه قال لهم: »«قبل أن يكون إبراهيم أنا هو» (يو 8: 58). أنا حاضر. أنا موجود. فوجود الابن أزليّ، أمّا الإنسان فمحدود في الزمان وفي المكان.

كان تباين بين اليهود وبين يسوع. هم عادوا إلى المكان »الذي أكلوا فيه الخبز« (يو 6: 26). فكأنَّهم يريدون أن يكرِّر يسوع المعجزة نفسها. أو يحاولون أن يتجمَّدوا في الماضي. وبَّخهم يسوع. ماذا تطلبون؟ نسيتم عالم السماء والتصقتم بالأرض. جئتم »لأنَّكم أكلتم الخبز وشبعتم« (آ26). هو خبز مادّيّ وشبع مادّيّ. ولكنَّهم سوف يجوعون قريبًا، لهذا جاؤوا يطلبون الخبز مرَّة ثانية، كما المرأة السامريَّة التي اعتادت أن تأتي كلَّ يوم وتملأ دلوَها. هي تتطلَّع إلى ماء من البئر يؤخذ بالحبل» أمّا يسوع فيعدُها بماء آخر، بماء الحياة (يو 4: 10). لهذا قالت ليسوع: »أعطني من هذا الماء، يا سيِّدي، فلا أعطش ولا أعود إلى هنا لأستقي « (آ15). فما دامت عند هذا المستوى سوف تعطش. أمّا »من يشرب من الماء الذي أعطيه أنا (= يسوع) فلن يعطش أبدًا. فالماء الذي أعطيه يصير فيه نبعًا يفيض بالحياة الأبديَّة« (آ14).

ووضع اليهود لم يختلف كثيرًا عن وضع السامريَّة. قالوا ليسوع: »يا سيِّد، أعطنا كلَّ حين من هذا الخبز« (يو 6: 34). ولكن أيَّ خبز يطلبون؟ »القوت الفاني، أمّا القوت الباقي للحياة الأبديَّة« (آ27). فيسوع يقف على مستوى، وهم على مستوى. ذاك كان الوضع بالنسبة إلى السامريَّة، حتّى اكتشفت أنَّ الذي يكلِّمها هو »نبي« (يو 4: 19). هو »المسيح« (آ25) الذي ينتظر السامريّون عودته ويدعونه »تويب« أو: التائب، العائد. وفي النهاية. اكتشفت مع نيقوديمس الذي خلط بين ولادة وولادة. ولادة ثانية من الجسد، تجبره على »أن يدخل بطن أمِّه ثانية ويُولَد« (يو 3: 4). أمّا يسوع، فتحدَّث عن ولادة ثانية »من الماء والروح« (آ5).

واليهود مزجوا بين خبز يأكلونه والخبز الذي يعطيه يسوع المسيح. بل فضَّلوا المنَّ الذي أتاهم من السماء بواسطة موسى. مع أنَّ يسوع قال لهم: »ما أعطاكم موسى الخبز من السماء. أبي وحده يعطيكم الخبز الحقيقيّ من السماء« (يو 6: 32). ولكنَّهم لا يقدرون أن يتصوَّروا »أنَّ يسوع ابن يوسف« (آ42) يستطيع أن يكون »الخبز الذي نزل من السماء« (آ41). هم يعرفون أباه وأمَّه حلاٌّ ونسبًا، فكيف يقول »إنَّه نزل من السماء؟« (آ42). هذا مستحيل.

جوعهم ما زال جوعًا إلى خبز من الأرض. وعطشهم لا يتعدَّى عطش الماء. أمّا يسوع فقال لهم: »أنا هو خبز الحياة. من جاء إليّ لا يجوع، ومن آمن بي لا يعطش أبدًا« (آ35). كيف السبيل لليهود لكي ينتقلوا من مستوى إلى مستوى، من خبز الأرض إلى خبز السماء؟ من موسى إلى المسيح، من يسوع الإنسان ابن مريم ويوسف إلى ابن الله الذي يدعو الجميع إليه؟ الإيمان. نترك المواقف السابقة، والمعلومات العالقة في أذهاننا، وندخل في طريق جديد نرتفع فيه إلى مستوى السماء. قال لهم يسوع: »ترون ولا تؤمنون« (آ36). عين الجسد لا تكفي، لأنَّ »المولود من الجسد هو جسد، والمولود من الروح هو روح« (يو 3: 5). لهذا يحتاج اليهود إلى عين الروح، إلى عين ينيرها الروح ويرفعها فترى ما لا يُرى.

المنُّ خبز أكله الآباء في البرّيَّة وماتوا (آ49). أمّا »من يأكل من هذا الخبز النازل من السماء، فلا يموت« (آ50). وهكذا سقطت قيمة المنّ. عظمته أنَّه عطيَّة الله، ومنَّة من الله. أمّا هذا »الخبز الجديد« فهو شخص الابن. هو الكلمة الذي أعطانا الآب فأعطانا فيه كلَّ شيء. وسيّان ما بين عطيَّة فاني، لأنَّها بنت الأرض، وعطيَّة باقية، أو بالأحرى معطي العطايا كلِّها، يسوع المسيح. لهذا، عاد يسوع وقال: »أنا هو خبز الحياة« (آ48)... أنا هو الخبز الحيّ الذي ينزل من السماء. من أكل من هذا الخبز يحيا إلى الأبد. والخبز الذي أعطيه هو جسدي (هو أنا الإله الحيّ). أبذله من أجل حياة العالم» (آ51).

تذمَّر اليهود. تضايقوا من »هذا الرجل« (آ52). هل يبدِّل يسوع مقاله: كلاّ ثمَّ قال: »إن كنتم لا تأكلون جسد ابن الإنسان (أي المسيح بما هو إنسان) ولا تشربون دمه فلن تكون فيكم الحياة« (آ53).

كلام صعب. رفضه اليهود. والتلاميذ أنفسهم ما استطاعوا أن يحتملوه. لبثوا على مستوى الجسد. ما صعدوا إلى مستوى الإيمان، ففضَّلوا أن يتركوا يسوع على أن يتركوا أفكارهم المسبقة. ومع ذلك لبث يسوع يقول حتّى النهاية: »جسدي هو الطعام الحقيقيّ، ودمي هو الشراب الحقيقيّ. من أكل جسدي وشرب دمي، يثبتُ هو فيَّ،وأثبتُ أنا فيه« (آ55-56). أجل جسد الربِّ هو وحده »الخبز النازل من السماء« (آ58) ليرفع الأرض إلى السماء.

 

خاتمة

وهكذا وصلنا إلى الإفخارستيّا، إلى الخبز الذي صار جسد المسيح، والخمر التي صارت دمه. غير أنَّ الطريق كانت طويلة. من الخبز الذي هو أساس حياة الإنسان القديم، إلى المنّ الذي رافق الشعب في الصحراء، فأوجز العطايا التي نالها شعب التأم حول جبل سيناء. عطيَّة النار في الليل، والسحاب في النهار. عطيَّة الماء التي كانت مرَّة ثمَّ صارت حلوة بتدخُّل من موسى. والعطيَّة التي بها خرج الماء من الصخر الصلب، لأنَّ لا شيء يقف تجاه قدرة الله. من سفر التكوين وخبز الإنسان الأوَّل على المستوى اللاهوتيّ إلى إنجيل يوحنّا الذي عاد بنا إلى البدايات يدعونا إلى الإيمان بمن هو خالق السماوات والأرض. فالكلمة الذي كان في البدء، به خُلق كلُّ شيء. وبدونه ما كان شيء ممّا هو موجود. ومع ذلك، فالعالم رفض أن يعرفه، لأنَّ فلسفته غير فلسفة الإنجيل. بل شعبه، أهل بيته، رفضوا أن يقبلوه. أجل، ما قبله اليهود ولا قبلوا هذا الخبز الذي يقدِّمه لهم. أمّا الذين قبلوه فأعطاهم أن يكونوا أبناء الله. ونحن، ماذا نختار؟