مبارك الآتي باسم الربّ

 

روى سفر الملوك الثاني كيف مُسح ياهو ملكًا على مملكة إسرائيل، في الشمال. جاءه نبيٌّ شابٌّ لا يُقال اسمه. »قام ودخل البيت، فصبَّ الزيت على رأسه (رأس ياهو) وقال له: «قال الربُّ إله إسرائيل، مسحتك ملكًا على شعبي إسرائيل« (2مل 9: 4-6). ولمّا عرف قادة الجيش بذلك، »أسرع كلُّ واحد منهم وخلع عباءته عنه، وفرشها تحت قدمَيْ ياهو عند أعلى الدرج. ونفخوا جميعًا في البوق: »يحيا الملك ياهو« (آ13). هكذا أراد الناس أن يستقبلوا يسوع الذي اعتبروه ذاك الملك الآتي إلى مدينته لكي يملك فيها.

وروى سفر الملوك الأوَّل ما فعلوا لسليمان بأمرٍ من الملك داود: »أركبوه على بغلة الملك داود، وساروا به إلى جيحون. وأخذ صادوق وعاء الزيت من خيمة الاجتماع ومسح سليمان. فهتف الشعب بالبوق: »ليحيَ الملك سليمان«. وصعدوا وراءه وهم يعزفون بالناي ويهلِّلون فرحًا، حتّى تصدَّعت الأرض من أصواتهم«. هكذا فعل الناس في دخول يسوع إلى أورشليم حين هتفوا له: »تبارك الآتي باسم الرب« (يو 12: 13).

 

1- خرجوا لاستقباله

هكذا كانوا يستقبلون الملوك الآتين إلى مدينة من المدن، سواء في العالم الساميّ، أو في العالم اليونانيّ. حين أحسَّ يوآب جيش يهوذا أنَّ ربَّة عمُّون سوف تسقط قريبًا، »أرسل إلى داود من يقول: »هاجمتُ ربَّة واستوليتُ على مياه المدينة. فاجمع الآن بقيَّة الجيش واهجم على المدينة وخذْها أنت حتّى لا آخذها أنا فتُدعى باسمي« (2صم 12: 27-28). وفعل داود كما قيل له: »جمع الجيش كلَّه وسار إلى ربَّة، فهاجمها واستولى عليها. وأخذ التاج من رأس الإله ملكام... فوضعه على رأسه« (آ29-30).

وروى المؤرِّخ فلافيوس يوسيفس، كيف خرجت أنطاكية لاستقبال الإمبراطور تيطس: »ولكن حين أُخبر شعب أنطاكية أنَّ تيطس اقترب من المدينة، فرحوا جدٌّا بهذا الخبر، فما استطاعوا البقاء داخل الأسوار، بل أسرعوا إلى استقباله وراحوا ما يقاربثلاثين فرسخًا من أجل هذا الهدف. وما الرجال فقط، بل أيضًا عدد كبير من النساء مع أولادهنَّ فعلن الشيء عينه. وحين رأوه (= تيطس) آتيًا إليهم، وقفوا على جانبي الطريق. ومدُّوا أياديهم اليمنى وحيُّوه وأطلقوا نحوه كلَّ أنواع الهتافات. ثمَّ عادوا أدراجهم معه (7/5: 2).

وتروي الأخبار أيضًا كيف استقبلت برغام (القلعة المحصَّنة)، الواقعة في ميسية (من أعمال تركيّا) الملك أتال الثالث، الذي تحدَّى الرومان (138-133 ق.م.) ودخل تلك العاصمة العريقة. وقدَّم المؤرِّخ يوسيفس أيضًا رواية عن دخول الإسكندر المقدونيّ إلى أورشليم (العاديّات 13/4: 9).

بهذه الطريقة دوَّن الإنجيل الرابع دخول يسوع إلى أورشليم. »وفي الغد«. هو يوم الأحد بالنسبة إلى ما نقرأ في 12: 1: »وقبل الفصح بستَّة أيّام«. »سمعت الجمع«. كلُّنا يعرف العدد الكبير من الناس الذين يأتون إلى أورشليم للاحتفال بالأعياد. في هذا المجال قال يوحنّا: »واقترب الفصح عند اليهود. فصعد كثيرٌ من أهالي القرى إلى أورشليم ليقوموا بفريضة الإطِّهار قبل الفصح« (يو 11: 55) كانت تقديرات عن الآتين إلى العيد: بين 85000 وبين 125000، حسب الباحث الألمانيّ يرامياس. وهذا العدد يُضاف إلى سكّان أورشليم البالغ عددُهم 25000 نسمة. هذا يعني قرابة 100000 من المشاركين في العيد. أمّا يوسيفس فتحدَّث عن مليونين ونصف المليون من الآتين إلى أورشليم في وقت العيد، وذلك بحسب رواية قستيوس: »والآن، كان عددُ الذين أُخذوا أسرى خلال الحرب كلِّها، سبعة وتسعين ألفًا. وإذ كان عددُالذين هلكوا خلال الحصار كلِّه، إحدى عشر مئة ألف (أي: مليون ومئة ألف)، والقسم الأكبر منهم كان من الأمَّة عينها (مع مواطني أورشليم) ولا ينتمون إلى المدينة عينها. فقد أتوا من جميع المناطق إلى عيد الخبز الفطير (الفصح)، وهاجمهم الجيش فجأة... فمات العديدون بالوباء وآخرون بالجوع« (الحرب 6/9: 3).

جموع جاءت إلى العيد. نتذكَّر أنَّه كانت أعياد ثلاثة كبيرة، فيها يحجُّ المؤمنون إلى الهيكل في أورشليم. عيد الفصح والخمير. يقع في بداية حصاد الشعير، على ما نقرأ في سفر الخروج: عيِّدوا لي ثلاث مرّات في المدينة: عيِّدوا عيد الفطير» وكلوا فطيرًا سبعة أيّام كما أمرتُكم، في وقت معيَّن من شهر أبيب (الشهر الأوَّل من السنة كما أُخذت عن البابلونيّين هي تبدأ في الربيع وتوافق آذار- نيسان)، لأنَّكم فيه خرجتُم من مصر، ولا تحضروا أمامي ولا شيء في أيديكم« خر 23: 14-15).

والعيد الثاني هو عيد الحصاد، حصار القمح. ودُعي عيد الأسابيع، لأنَّه يقع سبعة أسابيع بعد عيد الفصح. لهذا دعوه عيد الخمسين في العالم اليونانيّ، وعيد العنصرة، أو الاجتماع المفرح، في العالم العبريّ والآراميّ. قيل: »وعيِّدوا عيد حصاد بواكير غلاّتكم التي تزرعونها في الحقل« (آ16أ).

وفي آ16ب، يتكلَّم سفر الخروج عن العيد الثالث. عيد المظالّ، لأنَّ المؤمنين يقيمون تحت المظالّ، كما كان في البرِّيَّة يقيمون تحت الخيام، أو عيد القطاف، لأنَّ فيه »جمعُ غلاَّتكم من الحقل عند نهاية السنة«، أي في فصل الخريف.

عيد بعيدين. عيد الفصح أو الفطير، وعيد مجيء يسوع إلى أورشليم. هو الملك يأتي. ملك إسرائيل الذي يعيد السيادة إلى شعبه والاستقلال إلى أرضه والحرِّيَّة إلى عاصمته أورشليم. فالحامية الرومانيَّة تقيم في قلعة قرب الهيكل. وهي تراقب الداخلين والخارجين. وهي التي نراها مثلاً حين قُبض على بولس. يروي سفر الأعمال كيف »هاجت المدينة كلُّها، وتجمَّع الناس على بولس، فأمسكوه وجرُّوه إلى خارج الهيكل (لئلاّ يتنجَّس المكان المقدَّس إذا سقط الدم هناك)، وأغلقوا الأبواب في الحال. وبينما هم يحاولون قتله، سمع قائدُ الحامية الرومانيَّة أنَّ أورشليم كلَّها في هيجان. فأخذ في الحال جنودًا وضبّاطًا وجاء مسرعًا إليهم. فلمّا شاهدوا القائد وجنوده، كفُّوا عن ضرب بولس« (أع 2: 30-32).

لماذا هذا التدخُّل الرومانيّ في قضيَّة داخليَّة؟ متى نعود أحرارًا في تصرُّفاتنا الموافقة للشريعة ولتقاليدنا الخاصَّة؟ فماذا ينتظر يسوع لكي يفعل؟ مرَّة أولى أراد أن يعلنوه ملكًا، وذلك بعد تكثير الأرغفة. قال يوحنّا: »فلمّا رأى الناس هذه الآية التي صنعها يسوع، قالوا: »بالحقيقة، هذا هو النبيّ الآتي إلى العالم!« وعرف يسوع أنَّهم يستعدُّون لاختطافه وجعْله ملكًا. فابتعد عنهم ورجع وحده إلى الجبل» (يو 6: 14-15).

ولكنَّ يسوع قال بصريح العبارة: »ليست مملكتي من هذا العالم« (يو 18: 36) مع أنَّ تلميذي عمّاوس، مثلاً، قالوا: »وكنّا نأمل أن يكون هو الذي يخلِّص إسرائيل« (لو 24: 21). فهو »القدير في القول والعمل« (آ39) بل التلاميذ، سألوا الربَّ يوم الصعود: »يا ربّ، أفي هذا الزمن تُعيدُ الملك إلى إسرائيل؟« (أع 1: 6).

واليوم حين وصل يسوع إلى أورشليم، أرادوا أن ينادوا به ملكًا. من أجل هذا »خرجوا لاستقباله« (يو 12: 13) حملوا أغصان النخل. فالأغصان الخضراء وبشكل خاصّ »أغصان النخل« تعتبر العلامة عن النصر والغلبة والحياة الجديدة. فالنخل موجود بكثرة في أرض فلسطين بحيث دُعيَت أريحا »مدينة النخل« (تث 34: 3). وأغصان النخل تشكِّل حماية من حرِّ الشمس في عيد المظالَّ. ذاك ما قال الربُّ لموسى: »وعندما تجمعون غلَّة الأرض، تعيِّدون عيدًا للربِّ في الخامس عشر من الشهر السابع (أيلول – تشرين أوَّل) مدَّته سبعة أيّام. في اليوم الأوَّل عطلة، وفي اليوم الثامن عطلة. وخذوا لكم في اليوم الأوَّل، ثمار أشجارٍ خضيرة وسعفَ نخل، وأغصان أشجار كثيفة وصفصافًا نهريٌّا، وافرحوا أمام الربِّ إلهكم سبعة أيّام« (لا 23: 39-40). بدا العيد في النصِّ الإنجيليّ عيدين: عيد الفصح الذي يأتي بعد ستَّة أيّام، وعيد المظالّ (أو: القطاف) الذي يتميَّز بالأغصان وأوَّلها أغصان النخل. بحيث نستطيع القول إنَّ هذا الاستقبال ليسوع جمع السنة كلَّها، من بدايتها إلى ذروتها في الشهر السابع (والعدد 7 يدلُّ على التتمَّة والكمال).وما أمر به الربُّ في سفر اللاويّين، تحدَّث عنه سفر نحميا: »وفي اليوم الثاني (من أيّام العيد)، اجتمع رؤساء عشائر الشعب، والكهنة واللاويّون، إلى عزرا (الكاهن) العالِم بالشريعة ليتفهَّموا كلام الشريعة. فوجدوا في كتاب الشريعة التي أمرَ بها الربُّ على لسان موسى أنَّ على بني إسرائيل أن يسكنوا المظالّ (أو: الخيمات) في عيد المظالّ، في الشهر السابع. فأذاعوا ونادوا في جميع مدن إسرائيل (أي القبائل الاثنتي عشرة) وفي أورشليم (العاصمة الروحيَّة) قائلين: «اخرجوا إلى الجبل، واجلبوا أغصانًا من الزيتون والصنوبر والآس والنخيل وكلّ شجر كثيف، واعملوا المظالّ كما هو مكتوب«. فخرج الشعب وجلبوا ذلك وعملوا لهم مظال» (نح 8: 13-16).

ذاك كان الوقت المناسب لإعلان يسوع ملكًا والهتاف له، على مثال ما فعل اليهود حين دخل سمعان المكابيّ إلى أورشليم واحتلَّ القلعة: »بتسابيح الحمد وسعف النخل والكنّارات والصنوج والأعواد والغانِّين احتفاء بتدمير عدوِّ لدود وإخراجه من أرض إسرائيل» (1مك 13: 51). وخلال حصار السامرة، »كان ملك إسرائيل عابرًا على السور، إذا بامرأة صرخت إليه تقول: »هوشعنا. أغثني يا سيِّدي الملك« (2مل 6: 26). ولكنَّ هذا الملك أضعف من أن يغيث نفسه، فأجابها: »لم يَغثْك الربّ، فمن أين أغيثك؟ أمِن البيدر أم من المعصرة« (آ27). ولكنَّ الصرخة إلى يسوع تحمل الخلاص. لا ذاك المادّيّ من سلطة غاشمة تسيطر على البلاد، بل الخلاص الروحيّ على مثال ما هتف أعمى أريحا: »يا ابن داود ارحمني« (مر 10: 47-48). فردَّدت الجموع كلماته (مر 11: 9).

نتذكَّر هنا أنَّ الإنجيل الرابع (يوحنّا) اختلف عن الأناجيل الإزائيَّة (متّى، مرقس، لوقا). فدخول يسوع إلى أورشليم، يمثِّل المرَّة الأولى التي فيها أتى يسوع إلى المدينة المقدَّسة، وطهَّر الهيكل. وهذا الحدث الذي امتزج بالعودة إلى داود، أعطى المشهد وجهة دخول الفاتحين للملك المسيحيّ الآتي ليضع يده على مدينته وهيكله. أمّا في يوحنّا، فالإطار مختلف. فيسوع سبق وكان له أن يزور أورشليم أكثر من مرَّة. وهذه المرَّة تحرَّك الحماس والاندفاع لدى الجموع التي شاهدت إقامة لعازر من القبر، بعد أربعة أيّام على موته. لا نستطيع القول هنا بشكل صريح أنَّ يسوع »دخل« إلى مدينته، وإن كان المعنى ضمنيٌّا. ثمَّ لا نجد تطهير الهيكل بعد هذا الدخول، لأنَّ يوحنّا جعل هذا المشهد في بداية إنجيله ممّا يمكن أن يكون التفسير لهذا »الدخول«؟

ما يلفت نظرَنا هو أنَّ يوحنّا أخذ الاستقبال بالنخل والهتاف من مز 118، وجعله في بداية الخبر، وهذا أمر مهمّ لتفسير ما صنع يسوع.

24 هذا يوم صنعه الربّ

فلنبتهج ونفرح به.

25 آه، يا ربّ، خلِّص (هوشعنا)

آه، يا ربّ، أحسن إلينا.

26 تبارك الآتي باسم الربّ،

فبارككم من بيت الربّ

27 الربُّ هو ا؟ الذي أنارنا

زيِّنوا الموكب (أو: تحلَّقوا) بالأغصان المورقة

إلى قرون (زوايا) المذبح.

ذاك ما قاله مز 118 فاستلهمه الإنجيليّ، متذكِّرًا عيد المظالّ، كما قلنا، أو عيد »هنوكه« (تدشين الهيكل) بعد أن نجَّسه الفاتح الأنطاكيّ سنة 167 ق.م. (1مك 4: 59: عيد يُحتفَل به بسرور وابتهاج)

: »يحملون في أيديهم غصونًا مورقة وجذوعًا خضراء وسعف نخيل، ويسبِّحون الرب« (2 مك 10: 7). وذُكر النخل حين دخل سمعان المكابيّ إلى القلعة. وفي وصيَّة نفتالي (وصيّات الأباء، 5: 4)، يُعطى النخل للاوي كرمز للسلطان على كلِّ إسرائيل. على أساس هذه الخلفيَّة، بدا عمل الجموع بحمل النخل، ذا بعد سياسيّ. فكأنَّهم يحيُّون يسوع كالمحرِّر الوطنيّ، ويسلِّمونه مقادير المدينة. أعلنوه ملكًا، كما سبق لهم وأعلنوا شاول بعد انتصاره على بني عمُّون. »قال لهم صموئيل: »تعالوا نذهب إلى الجلجال، لنجدِّد هناك المُلك لشاول«. فذهبوا جميعًا إلى الجلجال، وأعلنوا هناك شاول ملكًا أمام الرب» (1 صم 11: 14-15).

 

2- ووجد يسوع جحشًا

حين عبَّر الجموع عن حماسهم الوطنيّ وما فيه من تطرُّف، »أخذ يسوع جحشًا فركب عليه« (يو 12: 14). أجل، لم تفهم الجموع شيئًا. خلال تكثير الأرغفة، نظرت إلى ملك من ملوك الأرض. وبعد إقامة لعازر، رأوا في يسوع قوَّة لا تضاهيها قوَّة. لا شكَّ في ذلك. ولكنَّ هذه الطريق ليست طريق الربِّ الماضي إلى آلامه وموته. سبق له وقال في إنجيل متّى »إنَّه يجب عليه أن يذهب إلى أورشليم ويتألَّم كثيرًا... ويموت قتلاً، وفي اليوم الثالث يقوم« (مت 16: 21). فلم يقبل بطرس بهذا المشروع الذي لا يحتوي »مجدًا بشريٌّا«. لهذا ازدجره يسوع: »أفكارك أفكار البشر لا أفكار ا؟« (آ22).

وهنا، بدَّل يسوع النظرة وصنع كما قال زكريّا النبيّ (9: 9).

لا تخافي، يا بنت صهيون،

ها هو ملكك قادمٌ إليك

راكبًا على جحش ابن أتان.

بل نحن

أمام نصَّين نبويَّين. الأوَّل نقرأه في صف 3: 16-17

16 في ذلك اليوم يُقال لأورشليم:

لا تخافي يا صهيون،

ولا تسترخِ يداك

17 الربُّ إلهك معك

وهو المخلِّص الجبّار (أو: المنتصر)

يُسرُّ بك ويفرح.

وبمحبَّته يَحرسك

يرنِّمُ لك ابتهاجًا.

صهيون هي التلَّة المقدَّسة. في الأصل هي »ص ي و ن« أي التلَّة المصونة، المحروسة لأنَّ ا؟ يقيم فيها، في هيكله. لا مجال للخوف بعد اليوم ولا للإحباط. الربُّ معك، لا ذلك الضعيف، بل الجبّار، لا ذلك الذي لا يقدر شيئًا، بل المخلِّص (ي و ش ي ع). الذي نستطيع أن نقول له: يا ربُّ خلِّص، هوشعنا.

وكيف يكون هذا الخلاص؟ لا بقوَّة الجياد والمركبات. فالآتي يركب جحشًا ابن أتان. قيل إنَّ الحمار يدلُّ على الجهل والبلادة. هي نظرة ثانويَّة. فالحمار في بعض حضارات الشرق الأقصى، هو مركوب الآلهة والخالدين. أمّا في مشهد دحول المسيح إلى أورشليم، فلا نجد الحمار، بل الجحش في الإنجيل الرابع. وفي إنجيل متّى نقرأ: »تجدا أتانًا مربوطة وجحشها معها، فحُلاّ رباطهما وجيئا بهما إلي« (آ21: 2). أورد إنجيل متّى نصَّ النبيّ زكريّا (9: 9)، كما ورد:

ابتهجي يا بنت صهيون

واهتفي يا بنت أورشليم

ها ملكك يأتيك

عادلاً، مخلِّصًا، وديعًا

راكبًا على حمار،

على جحش ابن أتان.

فالأتان ترمز إلى الوداعة والتواضع، والجحش إلى ذاك الذي يُذَلّ ويكبَّس. قال أحد الكتّاب: »يحتاج الإنسان أن يفهم المعنى المعطى للأتان، ليدخل في التواضع فيصبح محتقرًا في عينيه«. وقال كاتب آخر: »إذا كان المسيح أراد أن يركب على

مثل هذه المطيَّة، فلكي يبيِّن ضرورة التواضع. في هذا المجال، قال سفر الأمثال: على من يستقرُّ روحي إلاّ على المتواضع. على الهادئ، الذي يهاب كلماتي«. يركب الحمارَ الإنسانُ الذي يجدُّ في ممارسة التواضع الحقيقيّ، الباطنيّ، قدّام ا؟. وحين يركب على جحش ابن أتان، يدلُّ على أنَّه متنبِّه إلى واجبات الوداعة الحقيقيَّة، الخارجيَّة، قدّام القريب«.

ابن الأتان هي رمز السلام والفقر والتواضع والصبر والشجاعة. والكتاب المقدَّس ينظر إليها نظرة عطف. فأتان بلعام عرفَتْ ما لم يعرفه صاحبُها: »رأت ملاك الربِّ واقفًا في الطريق... فمالت عن الطريق وسارت في الحقل، فضربها بلعام ليردَّها إلى الطريق« (عد 22: 23). والأتُن التي أضاعها شاول كانت فأل خير، لأنَّها قادت إلى صموئيل ذاك الملك العتيد. »أمّا الأتن التي ضلَّت لك منذ ثلاثة أيّام، فلا ينشغل بالك عليها لأنَّها وُجدت، والآن لمن ستكون كلُّ ثروة في إسرائيل إن لم تكن لك ولكلِّ بيت أبيك؟« (1 صم 9: 20). ويوسف أخذ مريم ويسوع ومضى إلى مصر (مت 2: 14) على ظهر أتان، كما يقول التقليد.أمّا الجواد فهو يرمز إلى القوَّة الحربيَّة. قال الربُّ في هو 1: 7: »ولكن لا أخلِّصهم (= بيت يهوذا) بالقوس ولا بالسي

ف ولا بالخيل ولا بالفرسان ولا بأدوات الحرب كلِّها«. طرق الله في حمل الخلاص غير طرق البشر. قال: »نعال العدوِّ في المعركة، مع كلِّ ثوب ملطَّخ بالدماء، أحرقتُها مأكلاً للنار« (9: 4). بل يحوِّل الله ما هو للحرب لفائدة الناس: »الربُّ يحكم بين الأمم، ويقضي لشعوب كثيرين، فيصنعون سيوفهم سككًا، ورماحهم مناجل ولا ترفع أمَّةٌ على أمَّة سيفًا ولا يتعلَّمون الحرب من بعد« (أش 2: 4).

الجواد ليس غريبًا عن عوائد شعب ا؟. ولقد حكم سفر الملوك الأوَّل على الملك سليمان الذي استورد الجياد والمركبات الحربيَّة. قال: »وجمع سليمان مركبات وخيلا« (1 مل 10: 26). مع أنَّ سفر التثنية قال: »لا يُكثر من الخيل« (تث 17: 16). وأشعيا ندَّد بهؤلاء المستندين إلى القوَّة، الذين »لهم مركباتم والخيول« (مز 20: 8): »ويل للنالين إلى مصر من بني يهوذا طلبًا للمعونة، المعتمدين على الخيل، المتوكِّلين على كثرة المركبات وجبروت الفرسان. الويل لهم!« (أش 31: 1).

أما يسوع فما أراد الدخول إلى أورشليم كما كان يتمنّى اليهود في أيّامه، بحيث يسحق الرومان، ويردُّ على القوَّة بالقوَّة. مع أنَّه هو الذي قال: »من تحرَّك ميلاً، امشِ معه ميلين، ومن طلب منك شيئًا فأعطه« (مت 5: 42).

في القديم كان الحمار مطيَّة الحرب قبل أن يحلَّ محلَّه الجواد. فسفر الملوك الثاني يحدِّثنا عن الآراميّين الذين »هربوا عند المساء تاركين خيامهم وخيلهم وحميرهم، والمعسكر بما فيه، ونجوا بأنفسهم« (7: 7). وكان الحمار مطيَّة الملك قبل أن تحلَّ محلَّه البغلة. فلداود بغلة (1 مل 1: 33). ولأبشالوم بغل »عبر تحت شجرة ملتفَّة الأغصان فعلق رأسه (الكثير الشعر) بها« (2 صم 18: 9). فيسوع ما ركبَ لا الجياد ولا البغلة، بل اكتفى بأتان، بل بجحش ابن أتان، علامة التواضع والاتِّضاع. هو لا يأتي بالسلام ليخضع مدينة متمرِّدة، بل بالوداعة والتواضع، ولا يأتي بالجيش والفرسان ليحمل الموت، بل جاء لكي يموت من أجل شعبه. »فما من حبٍّ أعظم من حبِّ من يبذل نفسه من أجل أحبّائه« (يو 15: 13).

كلُّ هذا لم يفهمه التلاميذ، وهم المأخذون بالصور الحربيَّة، شأنهم شأن أهل العالم في كلِّ زمان. انتظروا أن يستعمل يسوع قدرته، فما استعملها. أين هي فيالق الملائكة؟ (مت 26: 53). أين هي الجيوش التي يستطيع أن يأتي بها يسوع لكي تدافع عنه (يو 8: 36). كما قال يسوع لبيلاطس؟ ولكنَّهم سيفهمون على ضوء القيامة: تذكَّروا ما صنعت له الجموع. واتَّخذ هذا الحدث معنى جديدًا على ضوء الكتب المقدَّسة بل العهد القديم كلِّه وجد كامل معناه في شخص يسوع المسيح. وحده المخلِّص، لا ملوك الأرض، سلاحه التواضع لا الكبرياء الملوكيَّة. قدرته في ضعفه بعد أن صار الصليب علامة الفخر والانتصار، فحمل إليه الناس النخل، بل الشهداء في سفر الرؤيا، جاؤوا »من كلِّ أمَّة وقبيلة وشعب ولسان، وكانوا واقفين أما العرش والحمل. يلبسون ثيابًا بيضاء ويحملون بأيديهم أغصان النخل، وهم يصيحون بصوت عظيم: «النصر لإلهنا الجالس على العرش وللحمل!« (رؤ 7: 9-10).

 

الخاتمة

تلك هي خاتمة دخول يسوع إلى أورشليم ورفقة الناس له. لا أورشليم الأرض فقط، بل أورشليم السماويَّة. وهذا التواضع الذي عاشه الربُّ على الأرض يجد قبالته في السماء. فذاك الذي أخذ صورة العبد وصار طائعًا حتّى الموت والموت على الصليب، رفعه الله جدٌّا وأعطاه الاسم الذي يفوق كلَّ الأسماء. ففي النهاية، تسجد ليسوع كلُّ ركبة في السماوات والأرض وتحت الأرض، ويعترف كلُّ لسان أنَّ يسوع ربٌّ لمجد الله الآب (فل 2: 7-11). مجيء أوَّل في الألم انتهى في مجيء ثانٍ في المجد. مسيرة أولى نحو الموت تنتهي في مسيرة ثانية نحو القيامة. موكب أوَّل مع الجموع، مع التلاميذ الذين أُمروا أن يسكتوا (لو 19: 39)، ولكن لو سكت هؤلاء لهتفت الحجارة» (آ40). أمّا الموكب الثاني فيكون «ظافرًا« بعد أن »يخلع أصحاب الرئاسة والسلطة« (1 كو 2: 15) وتهتف له: »أفواه الصغار والأطفال« (مت مت 21: 16): »أيُّها الربُّ ربُّنا، ما أعظم اسمك في كلِّ الأرض« (مز 8: 2).