نقص القرآن

قال في (مطلب دعواهم نقص القرآن):

ومنها ما ذكروه في كتبهم الحديثية والكلامية: أن عثمان نقص من القرآن، فانه كان في سورة (ألم نشرح) بعد قوله تعالى: (وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ) وعلياً صهرك، فأسقطها بحسد اشتراك الصهرية، قالوا: وكانت سورة الأحزاب مقدار سورة الأنعام فأسقط عثمان منها ما كان في فضل ذوي القربى، قيل: أظهروا في هذه الأزمنة سورتين يزعمون أنهما من القرآن الذي أخفاه عثمان كل سورة مقدار جزء وألحقوهما بآخر المصحف سموا إحداهما سورة النورين وأُخرى سورة الولاء، يلزم من هذا تكفير الصحابة حتى علي، حيث رضوا بذلك، فهي كالتي قبلها في المفاسد وتكذيب قوله تعالى (لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلاَ مِنْ خَلْفِهِ تَنْزيلٌ مِنْ حَكِيم حَمِيد)(1)، وقوله: (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإنَّا لَهُ لَحافِظُونَ)(2)، ومن اعتقد عدم صحة حفظه من الإسقاط واعتقد ما ليس منه أنه منه فقد كفر، ويلزم من هذا رفع الوثوق بالقرآن كله وهو يؤدي إلى هدم الدين ويلزمهم عدم الاستدلال به والتعبد بتلاوته لاحتمال التبدل، ما أخبث قول قوم يهدم دينهم، روى البخاري أنه قال ابن عباس ومحمد بن الحنفية: ما ترك رسول الله (صلى الله عليه وسلم) إلاّ ما بين الدفتين(3).

من المؤسف جداً أن يضطر المرء إلى الخوض في موضوع لا يجدي الكلام فيه شيئاً ولا يأتي بخير على أحد سوى أعداء الإسلام والمسلمين الذين يبحثون عن أية ثغرة ينفذون منها للطعن على الإسلام والمسلمين، وليس ثمة ثغرة ينفذون منها أفضل عندهم من موضوع تحريف القرآن، لان القرآن الكريم هو الجامع لشمل المسلمين حتى قيام الساعة، فالمسلمون مهما اختلفوا في شيء من العقائد أو الأحكام فيما يتعلّق بالأصول أو الفروع، أو في السنة النبوية، فهم لا يمكن أن يختلفوا في كتاب الله العزيز.

ولكن من المؤسف حقاً أن تتخذ بعض الجهات هذا القرآن العظيم وسيلة للطعن والتشنيع على إخوانهم المسلمين وباسم الإسلام، وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعاً، ولا يلتفتون إلى أنهم يضعون في أيدي أعداء المسلمين أمضى الأسلحة وأقواها لضرب الإسلام.

قلنا: إن اتهام المسلمين بعضهم لبعض بتحريف القرآن لا يخدم إلاّ أعداء الإسلام، وهذا السبب وحده كاف للإعراض عن هذا الموضوع لو كان الأمر يتعلّق بمقولة قالها شيخ الوهابية منذ ما يقرب من قرنين من الزمان وانتهت بانتهائه.

لكن من المؤسف إننا نجد أن هذا الاتجاه لم يقتصر على ذلك الوقت، بل هو مستمر إلى يومنا هذا، فتجد الكتّاب والمؤلّفين السائرين في هذا الركب لا يفتؤون يطلقون هذه الصيحات المتحشرجة، ويفرغون كل ما في صدورهم من حقد وضغينة على مذهب أهل البيت وأتباعهم.

وقد بزّ المدعو إحسان إلهي ظهير من سبقه في هذا المضمار، فراح يطلق الصيحات المحمومة ويبحث في بطون الكتب عن أية رواية ضعيفة أو موضوعة أو قابلة للتأويل في كتب الشيعة توحي بأن في القرآن تحريفاً أو زيادة أو نقصاً، لينسب إلى الشيعة القول بتحريف القرآن.

وكأَن هذا القول هو أحد معتقدات الشيعة التي يتعبدون بها ويعتقدون صحتها، دون الالتفات إلى ما يقول به جمهور الامامية وصفوة أئمتهم الإعلام في نفي هذه التهمة الشنيعة عن كتاب الله العزيز.

فهذا القرآن الموجود بين الدفتين ، والذي يتعبد به أهل السنة في مختلف أقطارهم، هو نفس الكتاب الموجود في أيدي الشيعة ـ على اختلاف أقطارهم ـ لا يزيد عنه حرفاً ولا ينقص، وبمختلف الطبعات، سواء منها ما طبع قديماً أو حديثاً، وسواء منها ما طبع في بلاد الشيعة أو ما طبع منها في البلاد التي أغلب أهلها على مذهب أهل السنة.

أما إذا كانت الحجة التي يتذرع بها أُولئك المتعصبون هي وجود مثل هذه الروايات في بعض كتب الشيعة، فنقول:

إن مثل هذه الروايات موجودة وبأعداد مضاعفة عما في كتب الشيعة في كتب أهل السنة، بل وفي أوثق كتبهم والتي عندهم الصحاح كما يسمونها وفي مقدمتها البخاري ومسلم، ومع ذلك فان الشيعة لا يتهمون إخوانهم من أهل السنة بالقول بتحريف القرآن لمجرد وجود هذه الروايات في كتبهم وصحاحهم، لسبب بسيط وهو ـ كما قلنا سابقاً ـ أنّ الشيعة لا يؤمنون بوجود كتاب صحيح تماماً غير كتاب الله العزيز الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وما عداه فلا يمكن أن يكون صحيحاً تماماً.

فهذا كتاب ( الكافي ) مثلاً، وهو من أهم المصادر الحديثية لدى الشيعة، ويحوي أكثر من ( 16 ) ألف رواية وبالتحديد ( 16199 ) حديثاً، فانهم لا يصححون منها سوى ( 5072 ) حديثاً، ويضعفون ( 9480 ) حديثاً ويحسّنون ( 144 ) حديثاً، والباقي عندهم من الأحاديث يسمون بعضه موثّقاً، والأخر قوياً(4).

ولو أننا نظرنا إلى روايات التحريف في كتب الشيعة لوجدناها في الأعم الأغلب قابلة الحمل على التأويل، وغير القابلة الحمل على التأويل أكثرها من النوع الضعيف الذي لا يعتمده جمهور الشيعة ولا يبنون عليه حكماً، وإن أكثر روايات التحريف مسندة إلى رجال من أمثال:

أحمد بن محمد السياري، الذي يقول فيه الشيخ النجاشي: ضعيف الحديث فاسد المذهب(5).

أو يونس بن ظبيان، الذي يقول فيه النجاشي: ضعيف جداً لا يلتفت إلى ما رواه كل كتبه تخليط، ويقول عنه ابن الغضائري: ابن ظبيان كوفي غال كذاب وضَاع للحديث(6).

أو منخل بن جميل الكوفي ، الذي قال فيه علماء الشيعة: ضعيف فاسد الرواية، وإنه من الغلاة المنحرفين(7).

وغير أولئك من نصّ علماء الجرح والتعديل على تضعيفهم والطعن فيهم ونسبتهم إلى الكذب والغلو.

 

روايات أهل السنة:

أما فيما يتعلق بالروايات الموجودة في كتب أهل السنة وصحاحهم حول تحريف القرآن، فهي كثيرة جداً لا يسعنا الإحاطة بها في هذا المبحث، ولكننا سنذكر طرفاً منها على وجه الاختصار، وإن كان يؤسفنا ذلك، مع التنبيه إلى أننا نحن الشيعة لا نعتقد بصحة هذه الروايات، لأننا لا نعتقد بصحة كل ما جاء في صحاح أهل السنة، ونحن محقون في هذا الاعتقاد، وإلا لاستلزم الأمر منا القول بوقوع التحريف في القرآن، وهذا ما لا نقول به ولا نعتقد أن أحداً من المسلمين بكافة مذاهبهم وطوائفهم يرضى بالقول به.

وإن غرضنا من إيراد هذه الشواهد ليس إلاّ إقامة الحجة على المتعصبين الذين يفترون على الشيعة ويتخذون وجود هذه الروايات الضعيفة في كتب الشيعة دليلاً على قولهم بالتحريف، وإنا لله وإنا إليه راجعون:

1 ـ عن علقمة: دخلت في نفر من أصحاب عبد الله الشام، فسمع بنا أبو الدرداء، فأتانا فقال: أفيكم من يقرأ؟ فقلنا: نعم، قال: فأيكم أقرأ؟ فأشاروا إلي، فقال: إقرأ، فقرأت: والليل إذا يغشى والنهار إذا تجلى والذكر والأنثى، فقال: أنت سمعتها من فيّ صاحبك؟ قلت: نعم، قال: وأنا سمعتها من فيّ النبي وهؤلاء يأبون علينا(8).

وفي رواية مسلم والترمذي: أنا والله هكذا سمعت رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يقرؤها وهؤلاء يريدونني أن أقرأها: وما خلق ، فلا أُتابعهم(9).

2 ـ عن عمر بن الخطاب: إن الله بعث محمداً بالحق، وأنزل عليه الكتاب، فكان مما أنزل الله آية الرجم، فقرأناها وعقلناها ووعيناها، رجم رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ورجمنا بعده، فأخشى إن طال بالناس زمان أن يقول قائل: والله ما نجد آية الرجم في كتاب الله، فيضلوا بترك فريضة أنزلها الله، ثم إنا كنا نقرأ ـ فيما نقرأ من كتاب الله ـ أن لا ترغبوا عن آبائكم....

فالرجم في كتاب الله حق على من زنى إذا أحصن من الرجال والنساء إذا قامت عليه البينة.

وعن سعيد بن المسيب ـ وهو من أكابر التابعين ـ عن عمر قوله: إياكم أن تهلكوا عن آية الرجم أن يقول قائل: لا نجد حدّين في كتاب الله، فقد رجم رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ورجمنا، والذي نفسي بيده لولا أن يقول الناس: زاد عمر في كتاب الله لكتبتها: الشيخ والشيخة فارجموهما البتة، فانا قد قرأناها(10).

3 ـ عن أنس بن مالك (رضي الله عنه)، قال: دعا النبي (صلى الله عليه وسلم) على الذين قتلوا ـ يعني أصحابه ببئر معونة ـ ثلاثين صباحاً حين يدعو على رعل ولحيان وعصيّة عصت الله ورسوله (صلى الله عليه وسلم)، قال أنس: فأنزل الله تعالى لنبيّه (صلى الله عليه وسلم) في الذين قتلوا أصحاب بئر معونة قرآناً قرأناه حتى نسخ بعد: بلغوا قومنا فقد لقينا ربنا فرضي عنا ورضينا عنه(11).

4 ـ عن البراء بن عازب، قال: نزلت هذه الآية: حافِظوا عَلى الصَّلواتِ وَصَلاةِ العَصْرِ، فقرأناها ماشاء الله، ثم نسخها الله، فنزلت: (حَافِظُوا عَلى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاَةِ الْوُسْطَى)، فقال رجل كان جالساً عند شقيق له: هي إذاً صلاة العصر؟ فقال البراء: قد أخبرتك كيف نزلت وكيف نسخها الله، والله أعلم(12).

5 ـ عن أبي يونس مولى عائشة أُم المؤمنين عن عائشة: أنها أمرته أن يكتب لها مصحفاً، فلما بلغت (حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ) قال: فأملت علي: حافِظوا عَلى الصَّلواتِ وَالصَّلاةِ الوسطى وَصَلاةِ العَصْرِ، قالت: سمعتها من رسول الله (صلى الله عليه وسلم)(13).

6 ـ عن أنس قال: ما وجد رسول الله (صلى الله عليه وسلم) على سرية ما وجد عليهم ، كانوا يسمّون القراء، قال سفيان: نزل فيهم: بلغوا عنا أنا قد رضينا ورضي عنا ، قيل لسفيان: فيمن نزلت؟ قال: في أهل بئر معونة(14).

7 ـ عن زر عن أبي بن كعب (رضي الله عنه) قال: قال لي رسول الله (صلى الله عليه وسلم): ( إن الله أمرني أن أقرأ عليك القرآن، فقرأ: لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين ومن نعتها لو أن ابن آدم سأل وادياً من مال فأعطيته سأل ثانياً وإن أعطيته سأل ثالثاً ولا يملا جوف ابن آدم إلاّ التراب ويتوب الله على من تاب وإن الدين عند الله الحنيفية غير اليهودية ولا النصرانية ومن يعمل خيراً فلن يكفره(15).

8 ـ عن عائشة قالت: نزلت آية الرجم ورضاعة الكبير عشراً، ولقد كانت في صحيفة تحت سريري، فلما مات رسول الله (صلى الله عليه وسلم) وتشاغلنا بموته، دخل داجن فأكلها.

كان فيما أنزل الله من القرآن ثم سقط: لا يحرم إلاّ عشر رضعات أو خمس معلومات(16).

9 ـ عن أبي موسى الاشعري أنه قال لقراء أهل البصرة: إنا كنا نقرأ سورة كنا نشبهها في الطول والشدة ببراءة، فنسيتها غير أني حفظت منها: لو كان لابن آدم واديان من مال لابتغى وادياً ثالثاً ولا يملا جوفه إلاّ التراب، وكنا نقرأ سورة نشبهها بإحدى المسبّحات أولها: سبح لله ما في السماوات، فانسيتها غير أني حفظت منها: يا أيها الذين آمنوا لا تقولوا ما لا تفعلون فتكتب شهادة في أعناقكم فتسألون عنها يوم القيامة(17).

10 ـ عن زر بن حبيش قال: قال أبي بن كعب : يا زر، كأيّن تقرأ سورة الأحزاب؟ قلت: ثلاث وسبعون آية، قال: إن كانت لتضاهي سورة البقرة أو هي أطول من سورة البقرة، وإن كنا لنقرأ منها آية الرجم، وفي لفظ: وإن في آخرها: الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة نكالاً من الله والله عزيز حكيم، فرُفع فيما رُفع [ عب ط ص عم وابن منيع ن وابن جرير وابن المنذر وابن الانباري في المصاحف، قط في الإفراد، ك وابن مردويه ص ](18).

11 ـ قرأ أبي بن كعب : ولا تقربوا الزنا إنه كان فاحشة وساء سبيلاً إلاّ مَن تاب فان الله كان غفوراً رحيما، فذُكر لعمر فأتاه فسأله عنها، فقال: أخذتها من فيّ رسول الله (صلى الله عليه وسلم) وليس لك عمل إلا الصفق بالأسواق . [ ع ابن مردويه ](19).

12 ـ عن أبي إدريس الخولاني قال : كان أُبي يقرأ: إذ جعل الذين كفروا في قلوبهم الحمية حمية الجاهلية ولو حميتم كما حما لفسد المسجد الحرام فأنزل الله سكينته على رسوله، فبلغ ذلك عمر فاشتدّ عليه، فبعث إليه فدخل عليه، فدعا ناساً من أصحابه فيهم زيد بن ثابت فقال: من يقرأ منكم سورة الفتح؟ فقرأ زيد على قراءتنا اليوم، فغلّظ له عمر ، فقال أُبيّ: لاتكلّم، قال: تكلم، فقال: لقد علمت أني كنت أدخل على النبي (صلى الله عليه وسلم) ويقرؤني وأنت بالباب، فإن أحببت أن أُقرئ الناس على ما أقرأني أقرأت وإلاّ لم أُقرئ حرفاً ما حييتُ، قال: بل أقرئ الناس [ ن وابن أبي داود في المصاحف ك وروى ابن خزيمة بعضه ](20).

13 ـ عن بجالة قال: مرّ عمر بن الخطاب بغلام وهو يقرأ في المصحف: النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم وأزواجه أُمهاتهم وهو أبٌ لهم، فقال: يا غلام حكّها، قال: هذا مصحف أُبَيّ، فذهب إليه فسأله، فقال: إنه كان يلهيني القرآن ويلهيك الصفق بالأسواق(21).

14 ـ عن المسور بن مخرمة قال: قال عمر لعبد الرحمن بن عوف: ألم نجد فيما أُنزل علينا: أن جاهدوا كما جاهدتم أول مرة؟ فانا لم نجدها، قال: أُسقط فيما أُسقط من القرآن(22).

15 ـ عن عائشة أنها قالت: كانت سورة الأحزاب تُقرأ في زمن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) مائتي آية، فلما كتب عثمان المصاحف لم يقدر منها إلاّ على ما هو الآن(23).

16 ـ قال السيوطي: أَخرج إبن أبي شيبة والطبراني في الأوسط وأبو الشيخ والحاكم وابن مردويه عن حذيفة، قال: التي تسمّون سورة التوبة هي سورة العذاب، والله ما تركت أحداً إلاّ نالت منه، ولا تقرؤون مما كنا نقرأ إلاّ ربعها. وأخرج أبو الشيخ عن حذيفة (رضي الله عنه) قال: ما تقرؤون ثلثها ، يعني سورة التوبة(24).

17 ـ عن ابن مسعود قال: أقرأني رسول الله (صلى الله عليه وسلم): إني أنا الرزاق ذو القوة المتين(25).

هذا بعض ما ورد في كتب أهل السنة وصحاحهم من روايات تنسب النقص والتحريف إلى القرآن الكريم، وهي كثيرة جداً كما اعترف بذلك الالوسي(26).

والملاحظ أن المحدثين والحفاظ من أهل السنة يصححون هذه الأحاديث ـ كما مر في أقوال الحاكم والترمذي والذهبي ـ كما أن وجود هذه الروايات في صحيحي البخاري ومسلم يقتضي صحتها عند أهل السنة، لأنهم يقولون بأن كل ما في الصحيحين ينبغي أن يكون صحيحاً، بل لقد صرّح بعض علماء أهل السنة بذلك، كما يتبين من كلام الرافعي: فذهب جماعة من أهل الكلام... إلى جواز أن يكون قد سقط عنهم من القرآن شيء(27).

كما نسب بعض العلماء إلى بعض الصحابة القول بأن في القرآن لحناً.

قال ابن جزي: (والمقيمين) منصوب على المدح بإضمار فعل، وهو جائز كثيراً في الكلام، وقالت عائشة: هو من لحن كتّاب المصحف(28).

وقال الالوسي: أُسقط زمن الصديق ما لم يتواتر وما نسخت تلاوته... (29).

وإضافة لهذا وذاك فاننا لو راجعنا صحاح أهل السنة في كيفية جمع القرآن، لوجدنا أن رواياتهم تثبت أن القرآن قد جُمع بطريق الآحاد وليس بطريق التواتر، حتى أن بعض الآيات قد أُخذت عن شخص واحد فقط هو خزيمة بن ثابت ذو الشهادتين، ولا أريد الإفاضة في هذا الموضوع، فمن أراد التحقق فليراجع روايات جمع القرآن في الصحاح.

خلاصة القول: إننا لو حاسبنا أهل السنة على هذه الروايات التي في كتبهم وصحاحهم لاستوجب ذلك إتهامهم بالقول بعدم صحة حفظ القرآن، وفي هذا تكفير لهم، وهي التهمة التي يحاول شيخ الوهابية أن يلصقها بأتباع مذهب أهل البيت (عليهم السلام)، وصدق القائل: رمتني بدائها وانسلت.

 

رأي علماء الشيعة في التحريف:

بعد أن تبين لنا بطلان التهمة التي يُرمى بها الشيعة بالقول بتحريف القرآن، أجد من المناسب هنا أن أنقل بعض كلمات علمائهم الأعلام حول هذا الموضوع، حتى يتبين الحق الصريح لكل ذي بصر وبصيرة:

1 ـ الفضل بن شاذان ، المتوفى سنة ( 260 هـ ):

نجده في كتابه الإيضاح ينص على بعض أهل السنة القول بتحريف القرآن، مما يدلل على عدم اعتقاده بصحة القول بالتحريف(30).

2 ـ الشيخ الصدوق، محمد بن علي بن بابويه القمي، المتوفى ( 381 هـ ):

يقول: اعتقادنا أن القرآن الذي أنزله الله تعالى على نبيه محمد (صلى الله عليه وسلم) هو ما بين الدفتين، وهو ما في أيدي الناس ، ليس بأكثر من ذلك... ومن نسب إلينا أنا نقول أكثر من ذلك فهو كاذب(31).

3 ـ الشيخ المفيد، محمد بن محمد بن النعمان ابن المعلم ( 336 ـ 413 هـ ):

قال: وقد قال جماعة من أهل الإمامة: انه لم ينقص من كلمة ولا من آية ولا من سورة، ولكن حذف ما كان مثبتاً في مصحف أمير المؤمنين (عليه السلام) من تأويله وتفسير معانيه على حقيقة تنزيله، وذلك كان ثابتاً منزلاً وإن لم يكن من جملة كلام الله تعالى الذي هو القرآن المعجز... وأما الزيادة فيه فمقطوع على فسادها من وجه ويجوز صحتها من وجه: فالوجه الذي أقطع على فساده أن يمكن لأحد من الخلق زيادة مقدار سورة فيه على حدّ يلتبس به عند أحد من الفصحاء، وأما الوجه المجوّز فهو أن يزاد فيه الكلمة والكلمتان والحرف والحرفان وما أشبه ذلك مما لا يبلغ حدّ الإعجاز ويكون ملتبساً عند أكثر الفصحاء بكلم القرآن، غير أنه لابدّ متى وقع ذلك من أن يدلّ الله عليه، ويوضح لعباده عن الحق فيه، ولست أقطع على كون ذلك، بل أميل إلى عدمه وسلامة القرآن عنه(32).

 

الهوامش:

1- سورة فصلت : 42 .

2- سورة الحجر : 9 .

3- رسالة في الردّ على الرافضة : 14 ـ 15 .

4- دراسات في الحديث والمحدثين ; هاشم معروف الحسني 136 ـ 137 .

5- رجال النجاشي 1/211 ـ 212 .

6- رجال النجاشي 2/423 .

7- دراسات في الحديث والمحدثين 198 ، رجال النجاشي 2/372 .

8- صحيح البخاري 6/210 .