مفــــــهوم العــــرب عن الله

 

 يلزمنا أولاً معرفة تحديد معين لهذه الكلمة " دين " عند عرب الجاهلية ، وأيضاً إسلامياً وهو تعريف موحد بينهما تقريباً ، وذلك قبل أن نتعرف على مفهوم العرب عن الله

تعريف الدين :

 الدين إيمان وعمل ، إيمان بوجود قوى خارقة فوق طبيعة البشر العقلية ، ولهذه القوى تأثير في مجرى حياة الإنسان . وعمــل ، في أداء فرائض وشعائر وطقوس معينة ، تفرضها الأديان السماوية ، والأرضية (لعبادة الأصنام والأوثان ) لاسترضاء الآلهة [ جواد على - المفصل في تاريخ الجزيرة العربية قبل الإسلام 6/ 28 ] . والإيمان قبل العمل . وحتى تقوم بعمل ما فرضته عليك الأديان ، لابد وأن تكون مؤمناً وقبل القيام بهذا العمل ، كل الإيمان بوجود إله انصرفت إليه ذاتك ، واعتبرته حامياً لك قديراً عليك يُسأل فيُجيب ويُنادى فيلبى . فالعمل تابع لهذا الإيمان وهو حصيلة مؤثراته في النفس الإنسانية .

: والدين كما جاء في اللسان [ لسان العرب : مادة ( دين ) ] هو الطاعة . ومن الدين جاءت لفظة ديان . وهى من أسماء الله ، ومعناها الحكم والقاضي والقهار وفى ذلك يقول " ذي الإصبع العدواني "

! لاه ابن عمك ، لا أفضلت في حسب فيــنا ، ولا أنت دياني فتخزيني

ويوم الدين هو يوم الجزاء ، أي يوم الحساب وفى المثل : كما تدين تُدان ، أي كما تجازى تُجازى .

و " دان " أسم عبري يعنى " قاض " [ قاموس الكتاب المقدس ]. و"دان " خامس أبناء يعقوب من زوجته بلهه [ سفر التكوين 3.: 6 ]، وقد تنبأ يعقوب بشأنه قائلاً : " دان يدين شعبه كأحد أسباط إسرائيل "[ سفر التكوين 16:49 ] . فالدين إذاً هو الطاعة والخضوع لحكم حاكم " قاض " ومجاز يفرض الجزاء في يوم الحساب .

وقد يأتي الدين بمعنى الجزاء وهذا ما قصد إليه السيد المسيح بقوله : " لا تدينوا لكي لا تدانوا . لأنكم بالدينونة التي بها تدينون تُدانون . وبالكيل الذي به تكيلون يُكال لكم ..الخ "

. [ الإنجيل بحسب متى 7: 1- ... ] وورد أيضاً في الكتاب المقدس :" وأما على دينونة فلأن رئيس هذا العالم قد دين " [ الإنجيل بحسب يوحنا 11:16 ]

. وقد يأتي الدين بمعنى الحساب كما جاء في القرآن :{ الرحمن الرحيم . مالك يوم الدين }[الفاتحة :4 ] . وقالوا يا ويلنا هذا يوم الدين [ الصافات : 2. ] . {وإن عليك لعنتي إلى يوم الدين }[ ص: 78] .{ وما أدراك ما يوم الدين }[ الانفطار : 17 ] ..أنظر المعجم المفهرس لألفاظ القرآن مادة( د ى ن)

. فالدين إذن علاقة بين الإنسان والله ، فهو فعل ( عبادة ) ناتجة عن إيمان بعد قناعة ، أو إيمان مطلق فيه تسليم بما هو خارج عن نطاق العقل البشرى وإدراكه ، وعن عمل ملموس ، هو نتيجة هذا الإيمان . والعمل يكون بالممارسات الإنسانية من صلاة وصوم وتقديم ذبائح وفروض وارتداء ثياب معينة وقص شعر أو تركه والنذور وغير ذلك

. وقد عرف الدين علماء كثيرين وأعطوه تعريفات شتى ، اختلفت باختلاف نظرة هؤلاء العلماء إلى الدين . ولكن مها قيل في تعريف الدين فلكل دين شعائر تظهر في طرق العبادة تميز أتباعه عن بقية أتباع الديانات الأخرى وهذا ما سنبينه بمعارفنا لأديان العرب فيما قبل الإسلام

: التوحيد والشرك

 

كان العرب في جاهليتهم يدينون بأديان مختلفة ، ويذهبون في عبادتهم مذاهب شتى . ومنهم من آمن بالله الواحد الأحد الذي لا شريك له . نفهم ذلك من قول " قس بن ساعده الأيادي " :

كلا بل هو الله إله واحد ليس بمولود ولا والد

. والتوحيد : هو الإيمان بإله واحد أحد لا شريك له ، منفرداً بذاته في عدم المثل والنظير . لا يتجزأ ولا يثنى ولا يقبل الانقسام .[ تاج العروس مادة ( وحد )]

. والشرك : هو أن يُجعل لله شريكاً في ألوهيته ، غير الله مع عبادته ، والإيمان بالله وبغيره [ تاج العروس: مادة ( شرك ) ]. ومن الشرك أن تعدل بالله غيره ، فتجعله شريكاً له . ومن عدل به شيئاً من خلقه فهو مشرك ، لأن الله وحده لا شريك له ولا ند له ولا نديد [ لسان العرب : مادة ( شرك )]

. والدين في جزيرة العربية قبل الإسلام أخذ أشكالاً مختلفة متنوعة ونحن هنا نستعرض البعض لا الكل

الوثنيون عبدة الأصنـــــام والأوثان

 

. كانت الوثنية نوعاً من الدين الذي يُستمد من الطبيعة ، وهى تشبه في الكثير من نواحيها الأشكال البدائية جداً للدين التي يرد ذكرها في العهد القديم

تعــريـف : صنــم - وثـــن - نـــصب

صنــم

. قال ابن سيدة في تعريف الصنم : هو ما ينحت من خشب ويصاغ من فضة ونحاس ، والجمع أصنام . وقيل عن الصنم : هو ما كان له جسم أو صورة ، وما لم يكن له كذلك فهو وثن . وقد روى ابن عباس عن الأعرابي : الصنمة والنصمة الصورة التي تعبد . وقال ابن عرفة : ما اتخذوه من آلهة فكان غير صورة فهو وثن . وروى عن الحسن أنه قال : لم يكن حي من أحياء العرب إلا ولهم صنم يعبدونه [لسان العرب: مادة( صنم )]

 . وكلمة صنم لا ترد في القرآن إلا على صيغة الجمع ، وفى خمس آيات فقط [الأعراف : 138 ، إبراهيم : 35 ، الأنعام : 74 ، الشعراء : 71 ، الأنبياء : 57].مما يدل على أن عبادة الأصنام كانت مستشرية في ما قبل الإسلام 

. وقد عرفه ابن الكلبي : ما كان معمولاً من خشب أو ذهب أو فضة صورة إنسان ، فهو صنم ؛ وإذا كان من حجارة ، فهو وثن [الأصنام لأبن الكلبي ]

 . والكلمة كما وردت في المعاجم العربية ، يقال إنها معربة عن " شمن " [ لسان العرب ] على أن بعض علماء اللغة من الأوربيين يرجع كلمة " شنم " التي عُربت عنها كلمة " صنم " العربية إلى SELEM بمعنى صورة في العبرية و S - L - M أسم ورد ذكره في نقوش آرامية بتيماء [ محمود الحوت - الميثولوجيا عند العرب ]

 ويذهب بعض الباحثين إلى أنها لم تكن تصنع داخل الجزيرة العربية ، وإنما كان يؤتى بها من بلاد مجاورة ، أو تصنع تقليداً لأصنام موجودة خارج الجزيرة [ حسن إبراهيم حسن - التاريخ الإسلامي العام ] .

 . ويقال أن عمرو بن لحى هو أو ل من نصب الأصنام في مكة ، الذي قدم بصنم يقال له : هبل من هيت من أرض الجزيرة ، فنصبه على بئر في بطن الكعبة وأمر الناس بعبادته ، وجاء في كتاب الأصنام أن أول من نصبه هو خزيمة بن مدركة .... بن مضر

 : وثن

يقول ابن الكلبي : فإذا كانت تماثيل دعوها الأصنام والأوثان .

 ومن هنا نرى أن كثيرين قد خلطوا بين تعريف الوثن والصنم . ولقد قيل الوثن هو الصنم الصغير . كما قيل سمى وثناً لانتصابه وثباته على حاله واحدة ، من وثن بالمكان ، أقام يه وثن [ تاج العروس : مادة ( وثن )]. وقد قال ابن عرفة : ما اتخذوه من آلهة فكان غير صورة فهو وثن . وقيل الفرق بين الوثن والصنم أن الوثن ما له جثة من خشب أو حجر أو فضة أو ذهب ينحت ويعبد ، والصنم الصورة بلا جثة [ لسان العرب :مادة (صنم )]. وقيل إذا كان معمولاً من خشب أو ذهب أو فضة صورة إنسان ، فهو صنم ، وإذا كان من حجارة ، فهو وثن [ ابن الكلبي:الأصنام].

 . وقد ذكر القرآن الأوثان على صيغة الجمع كما ذكر الأصنام [ الحج: 3. ، العنكبوت: 17 ، 25 ] وعلى ما يبدو فإن معناها في هذه الآيات هو نفس المعنى في كلمة الأصنام في الآيات الأخرى

 : النـــــصب

. كل ما عبد من دون الله ، والجمع أنصاب . وهكذا عرفه الجوهري أيضاً . وقال الفراء : كان النصب الآلهة التي كانت تعبد من أحجار . وقال ابن سيدة : الأنصاب حجارة كانت حول الكعبة ، تنصب فيُهل عليها ، ويذبح لغير الله [ لسان العرب : مادة ( نصب ) ]

ويقول ابن الكلبي : إن من لم يتخذ صنماً ولا يقدر على بناء بيت ، نصب حجراً أمام الحرم وأمام غيره ، ثم طاف به وسموها الأنصاب .

 . ولعل تعريف ابن الكلبي هو أوضح ما ذكره الأقدمون عن الأنصاب والأصنام والأوثان يقول : " وكانت للعرب حجارة غير منصوبة ، يطوفون بها ويعترون(يذبحون) عندها

 : ولم تحدد الوثنية الأشياء التي على الفرد أن يتقدم بها إلى آلهته .وإنما ترك ذلك للمرء نفسه فهو يتقرب بكل ما يختار ويشاء، وكل حسب مقدرته وقابليته وتقسم ( ما يتقدم به المرء إلى ربه ) إلى قسمين

إجباري ، ويجب الوفاء به بسبب النذر مثلاً

تطوعي ، أي اختياري مثل المنح والذبائح في المواسم وسائر الأيام

وكان العربي يؤدى صلاته البدائية موجهاً إياها إلى الإله أو الروح الذي كان يظن أنه يسكن هذه القطع الحجرية أو الصخرية أو الأشجار أو الآبار . وكانت هذه الأحجار مذابح تلطخ بدم الضحية أو كان يصب عليها دم الضحية بينما يرقص أفراد القبيلة . ويذكر " هيرودوت " أن العرب تعودوا أن يؤكدوا أخوتهم ( أخوة الدم ) بهذه الطبقة . وكان المتعبدون يلعقون هذا الدم في بعض الأحيان أو يغمسون أيديهم فيه . وبهذا يوجد بينهم ميثاق مشترك يربط أحدهم إلى الآخر ويربط الجميع بالإله ، وبعض هذه المراجع [ جواد على : المفصل في تاريخ الجزيرة العربية قبل الإسلام ج 6]تذكر أن العرب كانوا يضحون بالبشر لهذه الآلهة وبخاصة في دومة والحيرة.

 

ولقد كانت الآلهة تُقبل تكريماً لها أو يربت عليها باليد ، وكانت الفكرة التي تكمن وراء هذه التصرفات أن يحصل المتعبد على شئ من البركة عن طريق اللمس .

 : ويظهر أن العربي قد عبد الحيوان الحي نفسه ، ولم ينحت الصنم على صورة الحيوان ، لأنه كان جاهلاً بصناعة الرسم والنحت ، وكان معظم الأصنام التي وجدت على صورة الحيوان في شبه الجزيرة العربية ، مجلوبة من البلاد المجاورة ، وعددها ثلاثة

 النســــر : وكان على صورة النسر ، ولقد ورد ذكره في النقوش القتبانية والسبئية ، ويظهر أن

عبادته قد دخلت جزيرة العرب من مصر ، ويرى فلهوزن أن عبادته كانت متصلة

 . بالكواكب القريبة من المجرة

 . يـغــوث : وكان على هيئة الأسد

. يـعــوق : وكان على هيئة الفرس

. ولقد قدس العربي الحيوان وعبده ، تحصيلاً للبركة وشكراً ، لسبب استفادته منه ، جرياً على عادة الرعاة قديماً ، أو لاعتقادهم أنها تشترك مع الإنسان في بعض الصفات الشخصية ، ومن أجل ذلك كانوا يمتنعون عن أكل لحومها

أصنــــام العرب

 

لا شك في كثرة أصنام العرب وأوثانهم وأنصابهم ، التي انتشرت بينهم في عصور الجاهلية ، غير أنه من الصعب جداً على الباحث حصر عدد ومقدار اهتمامهم بها .

 . فأبن الكلبي يقول : لما تكاثر أولاد إسماعيل وملأوا مكة وضاقت بهم أرضها ووقعت بينهم الحروب والعداوات ، أخرج بعضهم بعضاً فتفسخوا في البلاد التماس المعاش ،والسبب الذي ساقهم إلى عبادة الأوثان والحجارة ، أنه كلما ظعن ظاعن احتمل معه حجراً من حجارة الحرم ، تعظيماً " للبيت " وصبابة بمكة ، وحينما حلوا وضعوه وطافوا به تيماً بالكعبة . ثم تباعد بهم الزمن فعبدوا ما استحبوا من الأوثان ، ونسوا ما كانوا عليه من دين إبراهيم وإسماعيل [ ابن الكلبي: الأصنام ، وأيضاً يتفق معه ابن هشام في سيرته : السيرة النبوية ج1/ص 77]

 . وما يهمنا نحن من روايات ابن الكلبي وابن هشام والمسعودى وغيرهم من أصحاب الروايات ، ليس إثبات وقت محدد لدخول عبادة الأوثان إلى عرب الجاهلية ، بل التأكد من أن عرب الجاهلية كانوا قد ألهوا الأوثان والأصنام والأنصاب وعبدوها ، وكما أننا لا ندخل في جدل غير مثبت عن الشخصية التي أدخلت مثل هذه العبادة إلى الجزيرة العربية لعلمنا أن العرب القدامى ، وقبل كل شئ ، كانوا على اتصال دائم بمن حولهم ، من شعوب العالم القديم ، وكان لهذا الاتصال سبل عديدة نذكر منها : التجارة ، وهجرة القبائل وإقامتها في أرض متاخمة للفرس والرومان ، والبعثات اليهودية والمسيحية التي تتغلغل في جزيرة العرب تدعو إلى دينها ونشر تعاليمها [ الأغاني : 2./ 23 في خبر لقيط ونسبه ]

 أشهر الآلهة( الأصنام) عند العـــرب

 

: قلنا أن آلهة العرب كثيرة ، ولكن أشهرها أربعة [ وقد ذكرها القرآن في سورة النجم آية 2.]و هي

 . مناة : أقدم أصنام العرب ، نصب على ساحل البحر من ناحية الشمال بقديد ، بين مكة المدينة . وكانت الأوس والخزرج ومن ينزل المدينة ومكة وما حولهما ، وكل العرب ،ويذبحون ويهدون له .وهى القدر أو آلهة المصير التي تتحكم في مصير الفرد.وقد تسموا بـــ " عبد مناة " و " زيد مناة " وبقى هذا الصنم معظماً عند العرب حتى عام ثمانية للهجرة حتى بعث محمد علياً بن أبى طالب فهدمه ، وأخذ ما كان له، وكان فيما أخذ سيفان كان الحارث بن أبى شمر الغساني أهداهما ( له ) ، وقد وهب محمد السيفين إلى على

 . اللآت : إلهة عربية أخرى ، غاص البحاثون في معناها ورموزها وصفاتها . وقد ورد ذكرها في القرآن [ سورة النجم آية 19] مما يشير إلى أن عبادتها بقيت حتى ظهور الإسلام .ويقول ياقوت [ معجم البلدان ج 4 ، ص 336- 337] أنها صخرة بيضاء مربعة تعبدها ثقيف في الطائف ، وكانوا اتخذوا له بيتاً به فطافوا به وجعلوا له سدنة

 والأب لويس شيخو في دراسته القيمة [ النصرانية وآدابها بين عرب الجاهلية ص 1. ] يقول : " لقد أجمع الأثريون على أن اللات هي الزهرة . ولنا على ذلك شهادة

 هيرودتس المؤرخ ، قال في تاريخه ( ك 1 ف 131 ) : أن العرب يعبدون الزهرة

السماوية وهم يدعونها أليتا ، وقد اصطلح أسمها في محل آخر ( ك 3 ف 3 ) فدعاها اللات وهو اختصار الالاهت كما اختصروا الاسم الكريم الإله فقالوا الله . ثم اختصروا الالات فقالوا اللات .

: ويعتبر اللغويون مؤنث " الإله " ، و عرفت باسم " الربة " أي " السيدة " وهى تقابل الأم الكبرى للآلهة " عشتروت " عند الساميين الشماليين .[ جواد على / المفصل في تاريخ الجزيرة العربية قبل الإسلام 6/232] وتسمى العرب بـــ " زيد اللات " ، وتيم اللآت وأقسموا بها أيضاً ، ويحلف بها أوس بن حجر ولكنه يقر بتفوق الله عليها ، فيقول

 وباللات والعزى ومن دان دينها وبـــالله . إن الله منهن أكبر

 : وبقيت اللآت تُعظم حتى أسلمت ثقيف ، فبعث محمد المغيرة بن شعبة فهدمها وحرقها بالنار، ولكن ثقيفاً فيما يبدو ظلت على ولائها لــ " اللات " وذلك بعد هدمها ، فنهاهم شداد بن عارش الجُشمى بقوله

 لا تنصروا الـــلات إن الله مهلكها وكيف نصركم من ليس ينتصر

 إن التي حُرقت بالنار فاشتعلت ولم تقاتل لدى أحجارها . هدر

 [ الأصنام ص 16 ]

 . لقد كان العرب يعلقون القلائد والسيوف على تلك الأصنام ، وهذه عادة بقيت حتى يومنا هذا ، إذ تراهم يتقربون - حتى الآن - من الأولياء ومزاراتهم بتعليق قطع من المعادن الثمينة فيها

 العــزى : أى الكلية القدرة والعزة ، وهى آلهة أنثى فيما يبدو من كلام الرواة عنها [ الأصنام ص 17 ] ومما جاء في القرآن عنها [ سورة النجم آية 19 - 23] .وقد كانت العزى أعظم الأصنام عند قريش ، تعبد بثلاث شجرات سمرات بوادي نخلة ، حيث يشتى الرب لحر تهامة بعد أن يكون قد أصطاف في اللات لبرد الطائف [ أخبار مكة 1/ 79 ] .

 وكانوا يزورونها ويهدون لها ، ويتقربون عندها بالذبح . ويذكر لنا الأب لويس شيخو عن العزى فيقول :" وجاء ذكرها باسم كوكب الحسن في ميامر اسحق الإنطاكى

 ( ص 1: 247) من كتبة أوائل القرن السادس وصرح بأنها الزهرة . وأخبر بركوبيوس المؤرخ في القرن السادس وصرح أن المنذر صاحب الحيرة ضحى للعزى ابن عدوه الحارث ملك غسان وكان في يده كأسير . وذكر العزى قبله القديس افرام السرياني والقديس ايرونيموس . ثم روى القديس نيلوس من أشراف القسطنطينية خبر ابنه الذي أسره عرب البادية وأرادوا تضحيته لآلهتهم العزى أى الزهرة عند طلوعها صباحاً لولا أن النوم تثاقل عليهم فنجا الولد ، وذلك نحو السنة 41. للمسيح .

 . وفى تواريخ السريان أن أحد ملوك الحيرة ضحى للعزى عدداً من العذارى المسيحيات . وقد روى ابن الكلبي عن الرسول العربي ( محمد ) أنه دمرها يوما بقوله :" لقد أهديت للعزى شاة عفراء ، وأنا على دين قومي " [ الأصنام ص 19 ]

 وقد تسمى العرب وقريش بالعزى ، فقالوا : عبد العزى [ الأصنام ص 19 ] وقد

 : أقسموا بها ، يقول درهم بن زيد الأوسى

 إنى ورب العُزى السعيدة والله الذي دون بيته سرف

 [ الأصنام ص 19 ]

هـبـل : يقول ابن الكلبي : " كانت لقريش أصنام في جوف الكعبة وحولها ، وكان أعظمها عندهم هُبل - ويتابع ابن الكلبي كلامه عن هبل فيصفه لنا - بأنه مصنوع من عقيق أحمر ، ويتخذ صورة إنسان ، وكانت يده اليمنى مكسورة ، وأدركته قريش بدون يد ، فجعلوا له يداً من ذهب " [ الأصنام ص 28 ] , أم ابن أسحق فيقول :" كانت قريش قد اتخذت صنماً على بئر في جوف الكعبة يقال له هبل "[ السيرة النبوية 1/ص82 ]ويروى ابن هشام عن بعض أهل العلم قصة جلب هُبل

 . من مآب من أرض البلقاء ، إلى مكة على يد عمرو بن لحى ، وتنصيبه فيها وأمر الناس بعبادته وتعظيمه [ وقصة جلبه وتنصيبه هي محل خلاف كبير ، راجع على سبيل المثال ، تاريخ التمدن الإسلامي : 3/ 276 - جرحى زيدان]

 ولعل أبرز ما عرف به هبل عند العرب أنها كانت تستسقم عنده بالقداح في أكثر من مناسبة كختان الأولاد وإقامة حفلات الأعراس والمآتم . وعند هبل كانوا يميزون صريح النسب من المشكوك في نسبه . يحصل هذا بعد أن يقدموا بين يديه مائة درهم ، وجذورا تعطى كلها لصاحب القداح أي السادن الذي يقوم بضرب القداح . ويقال إن القداح التي كانت عند هبل سبعة يستسقم باثنين منها لمعرفة صريح النسب أو ملصقه . ويقال أن عبد المطلب جد محمد ضرب عنده بالقداح على ولده عبد الله ، فخرجت القداح على الإبل فنحرت عندها ثم تركت [ تفاصيل ذلك وأكثر ، أرجع إلى أخبار مكة المكرمة للأزرقى ج 1 ص 73)

 وللعرب صنف آخر من الشرك شاع عند أمم كثيرة وهو تكريمهم لمواليد الطبيعة من جماد ونبات وحيوان . فمن آثار تعظيمهم للجماد إكرامهم لحجارة بيضاء أو سوداء كانوا يوقعونها موقع التجلى للقوات العلوية ، كانت تُكرم في بعض جهات اليمن والحجاز وبلاد النبط . وكان ذلك شائعاً عند غيرهم من أهل الشرق . فإن هيكل الشمس في حمص كان محتوياً على حجر أسود يمثل إله الشمس كان هليوغبل سادناً له قبل أن يتولى التدبير كقيصر روماني .[ النصرانية وآدابها بين عرب الجاهلية ص 12 ]

 ومن آثار إكرامهم للجماد " الأنصـــاب " وهى حجارة كانوا ينصبونها في أنحاء بلادهم ذكراً لآلهتهم ويصبون عليها الزيت أو السمن أو يلطخونها بدم الذبائح . وكذلك كانوا يقيمون المناسك لبعض الأشجار كالنخل ، وقد روى الكتبة " كياقوت ، وأبن خلدون " أن العزى كانت تكرم في نجران على صورة النخلة . وكذلك نخلة اليمانية مكان قرب مكة [ ياقوت 4: 77.] ومنها ذات أنواط ، قال ياقوت [ 1: 393 ، وأنظر أيضاً الأزرقى 1: 82- 83 ] " أنها شجرة خضراء عظيمة كانت الجاهلية تأتيها كل سنة فتعلق عليها أسلحتها وتذبح عندها وكانت في جوار مكة " .

المقامات الدينية ..

 

. العرب أما أهل وبر وإما أهل مدر فكان يصعب على القسم المتبدى منهم أن يتخذوا أمكنة ثابتة لإقامة عباداتهم ومن ثم كانت الفرائض عندهم بسيطة يقيمونها حيثما حلوا أما بتوجيه نظرهم إلى الأجرام الفلكية مع ذكر آلهتهم وأما ببعض أعمال تقوية من سجود ودعاء وتقادم لا سيما في بعض أطوار حياتهم المهمة كمولد بنيهم وتزويجهم ودفن موتاهم ، وفى بعض أمكنة عالية يدعونها " المشارف ". وكان إكرامهم لمواليد الطبيعة يوافق أيضاً حالتهم البدوية فيجدون منها أينما ساروا كالأنصاب ، وبعض الأشجار ، والطيور التي يعيفونها ويزجرونها على مقتضى حركاتها يميناً أو شمالاً . وكان الأب في عائلته والشيخ في قبيلته يقومان مقام الكهنة ويتوليان إجراء المشاعر الدينية باسم ذويهم

 . أما أهل المدر وبالأخص الذين بلغوا منهم درجة راقية من التمدن كالحميريين والنبطيين ودول الحيرة وكندة وغسان فما كانوا ليكتفوا بهذه العبادة البسيطة ، وإنما خصصوا لديانتهم أمكنة كانوا يفردونها لذلك إما بمضارب يزينونها بأصناف الجلود والأقمشة على شكل خيمة العهد في بنى إسرائيل وإما بتشييد بعض الأبنية لهذه الغاية .وربما دعوا هذه الهياكل بالمساجد فإن لفظة المسجد قديمة ، وردت في كتابات النبط المكتشفة حديثاً

 . ومن مقاماتهم الدينية الكعبات وهى بيوت مربعة مرتفعة على شكل الكعاب ، كانوا يفرزونها لديانتهم ، منها ذو الكعبات في شمالي الجزيرة لبنى أياد ، ومنها كعبة نجران ، والكعبة اليمانية حيث كان بنو خثعم يعبدون صنمهم المسمى ذا الخلصة مع غيره من الأصنام .وأشهر منها الكعبة الحجازية في مكة ، وأول ذكرها في التاريخ ديودورس الصقلي في القرن الأول قبل المسيح [ النصرانية وآدابها ص 14 ] . وكثر عدد هذه الهياكل في بعض الأمكنة حتى أن بلينيوس الطبيعي في القرن الثاني للمسيح عد منها 6. في مدينة سبأ حاضرة اليمن و 65 في تمنة مدينة بنى غطفان

 . وكانوا يتخذون لهذه المقامات حرماً أي يجعلون لها دائرة تحفظ حرمتها ولا يجوز لأحد انتهاكها ، وكان حرم مكة أشهرها . وكذلك كان يخدم هذه المقامات رجال يدعونهم كهنة ، أو كهاناً ، ويريدون بهم الخبيرين بالأحوال الماضية والعرافين ، وقد دعوهم سدنة أي خدماً للمقدس ، لقيامهم بحاجاته وحاجات زواره . ومنهم من تسمى باسم هذه الأماكن ، كعبد الكعبة ، وعبد الدار

 وكانوا يزينون تلك الهياكل بالتصاوير المنقوشة على جدرانها أو ينصبون فيها التماثيل للأصنام على هيئات شتى . منها حجارة منحوتة بيضاء أو سوداء ومنها صخور من العقيق كهبل ، وبعض الحجارة الكريمة أو الصخور العادية كسعد معبود بنى كنانة الذي فيه يقول الشاعر :

 أتينا إلى سعد ليجمع شملنا فشتتنا سعد فلا نحن من سعد

 وهل سعد إلا صخرة بتنوفة من الأرض لا تدعو لغى ولا رشد

 . ويقول الأزرقى [ أخبار مكة 1: 11. - 113 ] في تزيين الكعبة الحجازية :" وزوقوا سقفها وجدرانها من بطنها ودعايمها وجعلوا في دعايمها صور الأنبياء وصور الملايكة ، فكان فيها صورة إبراهيم خليل الرحمن شيخ يستسقم بالأزلام وصورة عيسى بن مريم وأمه وصورة الملايكة عليهم السلام أجمعين ، فلما كان يوم فتح مكة دخل رسول الله البيت فأرسل الفضل بن العباس بن عبد المطلب فجاء بماء زمزم ثم أمر بثوب فبُل بالماء وأمر بطمس تلط الصور فطمست ، قال ووضع كفيه على صورة عيسى بن مريم وأمه عليهما السلام وقال امحوا جميع الصور إلا ما تحت يدي ، فرفع يديه عم عيسى بن مريم وأمه ..."

الكهان

 

. وبما أننا قد تناولنا خبر المقامات ، فهنا نتكلم عن الكهنة ، والكهانة .والكهان هم وسطاء بينهم وبين الآلهة ، فهم المطلعون على الأسرار ، وهم العالمون بالغيب وهم الذين اختصوا بالمعرفة بين سائر الناس . يقضون بالأمر ، ويزينون للناس أعمالهم أو ينهونهم عنها ويخاطبون أرواح الأشجار والأحجار ، وينطقون باسم الأوثان والأصنام التي كثيراً ما كانوا سدنتها وحفظتها . ولا غرو إذا ما نظر إلى الكهنة نظرة ملؤها الإكبار والتقدير والاحترام ، وربما نظرة التعظيم والتقديس على أنهم آلهة أو أنصاف آلهة ، خصوصاً إذا ما راحوا يستنطقون الأرواح ويستلهمون الحكمة والوحى ثم يزجونه كلاماً مرصوفاً مسجعاً ذا فواصل صوتية متشابهة متناغمة تبعث على الإعجاب والدهشة والرهبة

: ومن ألوان هذا السجع الديني ، جاء في وصف ( ربيعة بن ربيعة) ليوم النشور، بقوله

 . " يوم يجمع فيه الأولون والآخرون ، يسعد فيه المحسنون ، ويشقى فيه المسيئون"

 . وهو ذات الرجل الذي يقسم بصدق قوله :" والشفق والغسق ، والفلق إذا اتسق ، إن ما أنباءك به لحق ".أما ( شق بن صعب ) فيصف ذات اليوم بقوله :"يوم تجزى فيه الولايات ، يدعى فيه من السماء بدعوات ، يسمع منها الأحياء والأموات ، ويجمع فيه الناس للميقات ، يكون فيه لمن اتقى الفوز والخيرات "

 . ويقسم ( أبن صعب ) لسائله بأنه يقول الحق :"ورب السماء والأرض ، وما بينهما من رفع وخفض ، أن ما أنبئك به لحق، ما فيه أمض"

 والكاهن هو الذي يشرف على الاحتفالات الدينية وينظم الطوافات الاستعراضية ، ويشهد تقديم القرابين للآلهة الأصنام . هذا فضلاً عن استشارة القوم له في بعض الأمور الخاصة والعامة ، ورجوعهم إليه في الأحداث الجسام والأمور العظام . ففي المنافرات والمنازعات كان الكاهن يحكم فيؤخذ برأيه وينصاع الجميع إلى حكمه . ولقد ذكروا أن أمية بن عبد شمس ، وكان حسد عمه هاشماً على ماله ، فدعا هاشماً إلى المنافرة فرضى هذا الأخير مكرهاً على أن يتحاكما إلى الكاهن الخزاعى . وكان ذلك ، فغلب الكاهن هاشماً على أمية ، مصدراً قراره سجعاً يقول:" والقمر الباهر ، والكوكب الزاهر، والغمام الماطر، وما بالجو من طائر ، وما اهتدى بعلم مسافر ، من منجد وغائر ، قد سبق هاشم أمية إلى المفاخر". أما هاشم فأخذ إبل أمية فنحرها وأطعمها من حضره ، وأما أمية فخرج إلى بلاد الشام فأقام بها عشر سنين تنفيذاً لحكم الكاهن .[ جواد على : المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام 4: 71] .

. ولما كان الكاهن هو صاحب الرؤية النافذة والروح الشفافة القادرة على الامتزاج بروح الملاك والجني والهاتف ، فإنه جمع إلى صفة الكهان صفة السيادة بل الربوبية كما هو الحال مع زهير بن جذيمة " رب " بنى عيسى ، وكان تابعه من الجن ، ومع زهير بن جناب " سيد " كلب [ الأغاني 1.: 38 ] على أنه ربما كانت كلمة " رب " مأخوذة من " رب البيت " الذي هو الأساس رب القبة أ ى صاحب القبة التي كانت تضم في داخلها الإله المعبود

 - وكان من الكهان المعدودين سواد بن مقارب ، والمأمون الحارثى كاهن بنى الحارث بن كعب وعزى بن سلمة ، وعوف بن ربيعة كاهن بنى أسد .....الخ

. - ومن الكاهنات الزرقاء ابنة زهير ، وفاطمة الخثعمية بمكة ، وكاهنة ذي الخلصة ، وقطبة كاهنة الحجر في خيبر ، وهى التي جاءها عبد المطلب جد محمد ليأخذ مشورتها في مسألة النذر المتعلق بذبح ولده عبد الله [ ابن الأثير : الكامل في التاريخ 2: 3 ] . ومنهن أيضاً امراءة من سهم يقال إن صاحبها جاءها ذات ليلة فأنقبض تحتها وقال :" أدر . يوم عقر ونحر " . ثم إنه جاءها صانية فقال :" شعوب شعوب ، تصرع فيه كعب لجوب ". ويقولون إن قريشاً لم تستطع فك رموز هذا السجع حتى كانت وقعة بدر ووقعة أحد بالشعب [ جواد على : المفصل في تاريخ العرب 4: 71 ]

 * ونقترح لمن يريد الاستزادة الرجوع إلى كتاب

 . [ الشرك الجاهلي وآلهة العرب المعبودة قبل الإسلام / الدكتور يحي شامي ]

 . وبالإضافة إلى جميع هذه الآلهة أعتقد العرب بإله خالق الكون ، هذا الإله هو الله . وليس من شك في أن العرب كانوا أول الأمر يؤدون الشعائر الدينية إلى تلك الآلهة التي كانت أقرب إليهم من الله ، رب العالمين العظيم ، حتى ظهر الإسلام في مكة ، أخذ الله يحتل شيئاً فشيئاً محل هبل ، الإله القمري القديم ، كرب للكعبة

. لهذا السبب لم يتردد أحد الشعراء المسيحيين في الحيرة ، وهو " عدى بن زيد " في أن يدعوه بعد المسيح شاهداً على قسم . وكان يعتبر بصورة خاصة ولى الضيوف الغرباء ، وإن قدمت واجبات الفرد نحو قريبه على واجباته نحوه ( أي نحو الله )

. والبدوي يعتبر القضاء المحتوم إرادة الله الثابتة التي لا مبدل لها