ما هي هذه الحكمة الخفية

 

 

من المعروف أن نحو ربع سور القرآن تبدأ بحروف هجائية منفصلة يسمونها "المقطعات" مثل: "كهيعص" ، "ألم" ، "حم" ، "ألف لام راء"…. وهي لا تعني شيئا في ظاهر اللغة مما أطلق العنان لخيال المفسرين حتى وصل الأمر بأحد الباحثين المعاصرين إلى حشد هذه الحروف في برنامج آملا أن يقوده الكمبيوتر إلى حل هذه الشيفرة الإلهية.
وواقع الأمر أن هذه الحروف لم تكن في يوم من الأيام ألغازا ، بل كانت علامات في مذهب متطرف يهودي يدعى بالقبّالة. و"القبّالة" كلمة عبرية من أصل آرامي تركز على الجذر " قبل" بمعنى ارتضى. وسنأتي على تفاصيل ذلك حلال الحديث عن مصادر الوحي. ويكفي أن نعرف الآن أن "ألقبالة" مرتبطة بالحكمة الخفية. التي نسيها الناس حتى شاعت بينهم الحروب والمجاعات مما دعا الرب إلى إعادة نشرها ضمن العهد الذي عقده مع إبراهيم ، وعلّمه بموجبه سر الحكمة الخفية ملخصا في اسم "يهوه" ، وهو اسم يذكر متصوفة اليهود أنه يتكون في صيغته العبرية من أربعة حروف تربط مقام الرحمة بالقلب ، ومقام القلب بالحكمة ثم مقام الحكمة بمقام الرحمة ثم تعود فتربط مقام الحكمة بالقلب وذلك في دائرة ذات رموز خاصة.
ومن ابراهيم ، الى ابنه اسحق ، فيعقوب ، انتقل سر الحكمة الخفية حتى انتهى إلى يوسف الذي مات مغتربا في مصر واضطر أن يحتفظ بالسر معه في القبر، مؤثرا أن يترك شعبه دون حكمة على أن يفشي سرها للمصريين. وبذلك كادت الحكمة الخفية. – أي "ألقباله" - أن تندثر لولا أن النبي ابراهيم كان قد دونها في كتاب أسماه "سفر التكوين" وأودعه في كهف. 
وهذه النسخة الوحيده احتفظ بها الرب في الخفاء متعمدا أن لا يبديها حتى يظهر الحكيم الأكبر – أو الإمام الغائب،
أو باب العلم - الذي يطلع على نبع المعرفة، ويدرك معنى الأسماء ..... وقد طال الانتظار بضعة قرون قبل أن يظهر الحكيم المطلوب وهو النبي موسى الذي تعلم من أسرار الحكمة ما يتيح له أن يحيل النيل إلى دم ، ويغرق مصر في القمل والضفادع ، ويفلق مياه البحر بعصاه.
منذ نبوة موسى الذي يتكون اسمه من ثلاثة أحرف ثمثل "ألماء" ، و "النار" ، و"الريح" ، عاد عصر الوحي المباشر ، وتم منحه كتابين مقدسين أحدهما "علم الظاهر" ملخصا في الوصايا العشر ، والثاني ملخصا في "القبّالة" أي الحكمة الخفية. وبموجب "القبّالة" فان كلمة "في البدء" التي افتتحت سفر التكوين لها معنيان أحدهما ظاهري ، وهو مفهوم الكلمة في اللغة ، والآخر باطني لا يطلع عليه الا من يعرف الغاز الأبجدية العبرية. فهذه الكلمة لها ترجمة محددة واحدة هي "براشيت التي تتكون من ستة حروف كل حرف منها له الرمز التالي:
ألباء: الكون
الراء: الشمس
ألألف: الثنائية
ألشين: الروح 
ألياء: آدم
ألثاء: حواء
ومن مجموع هذه الرموز تتكون صيغة سرية تقول: "من الكون انبثق ضوء الشمس الذي تجلت فيه الثنائية لكي تعبّر عن الروح بخلق الذكر والأنثى. ومن هذه الصيغة نشأت جميع المذاهب الباطنية في الإسلام، وظهر منهج التفسير الباطني عند الشيعة لكشف الحجاب عن الحكمة الخفية. بل إن رواة الحديث عندهم تكفلوا بتوفير النصوص الشرعية المطلوبة ومن ذلك حديث "الخرقة"(9.(
"عندما أصعدت ليلة المعراج إلى السماء ودخلت الجنة ، رأيت في وسطهم قصرا مبنيا بحجارة من الزمرد ، ففتح لي جبريل الباب ، فدخلت ، وشاهدت في الداخل بيتا مبينا بحبات اللؤلؤ ، فإذا في وسطه صندوق مصنوع من نور ومقفل بقفل من نور ، فقلت يا جبرائيل ما شأن هذا هذا الصندوق ، وماذا في داخله فقال جبريل يا حبيب الله إن فيه سر الله الذي لا يظهره إلا للذي يحبه". وكلمة سر الله ترجمة صريحة ل "الحكمة الخفية" التي لا يبديها الله (يهوه) حتى يظهر الإمام الغائب ويبقى أن الخرقة هي جبة مرقعة يزعم رواة الشيعة أن رسول الإسلام أحضرها معه من السماء في ليلة المعراج فأعطاها لعلي بن أبي طالب بمثابة رمز للولاية ، ثم إن عليا ألبسها ابنه الحسن، من بعده الحسين ، ثم ذريته الواحد بعد الآخر حتى انتهت إلى المهدي المنتظر ، وما تزال عنده حتى الآن مع قرآن الإمام . وكلمة "الولاية" هي الترجمة الإسلامية لمصطلح "صاحب السر الإلهي القادر على تغيير سنن الطبيعة" عند اليهود.
وكما في المعنى الباطني تكمن الحكمة الخفية، كذلك عند الشيعة ، فإن اعتماد التأويل بحثا عن المعنى الباطني لآيات الخطاب القرآني تغنيهم عن قبول المعنى الظاهري على ما فيه من تعارضات قد تخالف عقيدتهم. ومثال ذلك ، أنهم يجدون عودة الإمام الغائب في اعتماد المعنى الباطني للآية القائلة: "ويوم نحشر من كل أمة فوجا ممن يكذب بآياتنا فهم يوزعون"(10.(
فقد جاء في "تفسير القمي" : عن ابن أبي عمير عن حماد عن أبي عبد الله جعفر الصادق قال: ما يقول الناس في هذه الآية "ويوم نحشر من كل أمة فوجا" ؟ قلت: يقولون إنه في يوم القيامة قال: ليس كما يقولون ، إنها في الرجعة. أيحشر الله من كل أمة فوجا ويدع الباقين؟‍ وإنما آية القيامة: وحشرناهم فلم نغادر منهم أحدا"(11).
ويتحدث علماء الشيعة عن الحديث فيرفضونه لأنه من وضع الوضاعين ، وقد رأينا رأي علمائهم في صحيح البخاري ومثله صحيح مسلم، وحتى لو صح أن الحديث لم يوضع، وصحت نسبته إلى أحد الصحابة فان الصحابة عندهم غير ثقاة فيما عدا نفر قليل منهم مثل أبي ذر الغفاري ، ومثله كان مقلا في رواية الحديث أو أنه لا يرويه اصلا.
يتساءل الدكتور محمد سعيد رمضان البوطي عن الوحي الذي جاء بالقرآن فوضعه بين يدي محمد عليه السلام فيقول:(12)
"أهو نوع من الإلهام النفسي ؟، أم هو حركة فكرية داخلية ؟ أم هو إشراق روحي جاءه عن طريق الكشف التدريجي ؟ أم هو ضرب من الصرع والجنون كان ينتابه كما قيل ؟ أم هو استقبال لحقيقة ذاتية مستقلة عن كيانه يتلقاها من خارج فكره وشعوره" ؟
ويضيف قوله : ونحن لا نملك سبيلا علمية صحيحة إلا بالرجوع إلى حقائق التاريخ الثابتة الواصلة إلينا عن طريق النقل الصحيح ، واذا رجعنا نسأل حقائق التاريخ فإنها تضعنا أمام حديث قصة بدء الوحي الذي رواه البخاري ومسلم وغيرهما"(13).
ودعونا هنا نضع خطا تحت "البخاري" و "مسلم". فالرجلان دونا الحديث في القرن الثامن للميلاد ، وفي عهود الخلافة الأموية. واعتراض فقهاء الشيعة على البخاري ومسلم فيه الكثير من الحق إن لم يكن الحق كله. وحتى لو صح الإسناد المتصل إلى صحابة نبي الأمة ، فإن معظم هؤلاء الصحابة عندهم غير ثقاة ، ويروون أسبابهم التي تبرر نزع الثقة منهم من خلال البخاري نفسه.
وهنا يبرز المأزق الفكري عند المسلم عامة. فان انحاز إلى المنهج الشيعي يصل إلى الارتياب بالقرآن للعلة التي يذكرها علماء السنة ، وهم على حق في هذه المسألة ، وان انحاز إلى المنهج السني يصل الى الارتياب بالقرآن للعلة التي يذكرها علماء الشيعة أنفسهم ، وهم أيضا على حق هنا لأن مبرراتهم تستقى كلها من صحاح السنة) لبخاري ومسلم). 
هل الله عاجز عن إيصال شريعة نبيه إلى أجيال المسلمين، وإذاً ، كيف يكون دينا صالحا كل زمان ومكان ؟!
وكيف نثق بأبي بكر وعمر وعثمان بعد ما ثبت من صحاح السنة نفسها خروجهم عن طاعة نبي الأمة. وإذا لم نثق كما يرى علماء الشيعة فكيف نثق بالقرآن وقد جمع ودوّن بترتيب منهم، مع أن محمدا لم يأمر بجمعه ولا بتدوينه ؟!
نعم إن الطعن بالصحابة الأولين لا يعني الطعن بالحديث فقط ، فان القرآن ـ مثله مثل الحديث ـ وصل عن طريقهم أيضا ، ولا سيما عن طريق عثمان بن عفان الذي رفض أهل السنه أن يدفنوه في مدافنهم فواروه في مدافن اليهود. إن الصحابة الذين يقول عنهم فقهاء الشيعة أنهم تسببوا في ضلالة أغلب المسلمين، إنما وصل القرآن عن طريقهم ، فإذا رفضنا ما روى عنهم بالإسناد المتصل ( في البخاري ومسلم ) من تعاليم السنة فان ذلك سيكون لعلة أنهم غير ثقاة. وفي هذه الحال ، كيف نقبل بالقرآن وقد وصلنا عن طريقهم ؟...
هذا هو مأزق المسلم المعاصر الحائر بين السنّه والشيعة.
ما هو ذنب المسلم الذي يقرأ في صحيح البخاري وفي صحيح مسلم قول نبي الأمة لأصحابه: "سيؤخذ بكم يوم القيام إلى ذات الشمال ، فأقول إلى أين؟ فيقال : إلى النار والله ، فأقول: يا رب هؤلاء أصحابي ، فيقال : إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك ، انهم لا يزالون مرتدين منذ فارقتهم، فأقول: سحقا سحقا لمن بدّل بعدي ، ولا أرى يخلص منهم الا همل النعم"(14).
وها هو ذنب المسلم الذي يقرأ الخطاب القرآني: " ما أتاكم به الرسول فخذوه ، وما نهاكم عنه فانتهوا عنه " (15) .
وهو يدرك أن سنة رسول الإسلام ما كان يمكن أن تصله لولا البخاري ؟.. تقول ذلك لأحد المشايخ ، من السنة كان أم من الشيعة فيقول لك: الفتنة نائمة ، ولعن الله من يوقظها.
والفتنة ما نامت في يوم من الأيام ، ولكن المسلمين هم النائمون، ومن استيقظ منهم وفتح عينيه يتهم بأنه أيقظ الفتنة.
وإنما المسلم المعاصر يشبه موقفه اليوم موقف أحد الصالحين إذ زار قبر الصحابي حجر بن عدي الكندي فوجد عنده رجلا يبكي ويكثر البكاء فظنه من الشيعة وسأله لماذا تبكي ؟
أجاب: أبكي على سيدنا حجر رضي الله تعالى عنه.
قال: ماذا أصابه؟
أجاب: قتله سيدنا معاوية رضي الله تعالى عنه.
قال: ولماذا قتله ؟
أجاب: لأنه امتنع عن لعن سيدنا علي رضي الله تعالى عنه.
فقال له: وأنا أبكي عليك، رضي الله تعالى عنك.
أولا يستحق المسلم المعاصر أن نبكي عليه وهو يضع القاتل والمقتول معا تحت رضوان الله ؟!
إن كل ما أدعو إليه مفكرينا هو أن يعودوا إلى ذلك اليوم الذي سبق وفاة رسول الإسلام عليه السلام ، وبالتحديد إلى مساء يوم الأحد ، آخر يوم من شهر صفر في السنة الحادية عشرة للهجرة ، الموافق السادس من حزيران) يونيو ( عام 632 ميلادية ، أدعوهم إلى القيام بهذه الرحلة في التاريخ ليسمعوا بأنفسهم ما قاله في اليوم التالي محمد عليه السلام ، وهو يطلب قرطاسا وقلما ليكتب كتابا لا تضل بعده أمته. وليعملوا عقولهم في مقولتي ابن العباس وعمر بن الخطاب … أدعوهم إلى التفكير بكل حياد ونزاهة، وأن يعلنوا دون خوف أو ملق أو نفاق نتائج تمحيصهم في الجوهر والأساس قبل أن يبنى عليهما ذلك البناء العقائدي.
غدا إذا هو يوم الاثنين، أول الربيعين ، في السنة الحادية عشر للهجرة ، وما زالت هناك ساعات ستنقضي من ليل الأحد وصبيحة الاثنين قبل أن يقبض نبي الإسلام عليه السلام ، وهي مسافة زمنية تكفي لرحلة في الفكر النزيه المجرد ، وهذا ما قصدت إليه عندما اخترت لسلسلة من كتبي عنوانا يقول: "يوم قبل وفاة محمد".
ولكن ، هل الوثيقة التاريخية التي أسلفت ذكرها، هي وحدها التي استدعتني للمراجعة ؟! بالطبع لا … فهناك الأزمة التي يعانيها المجتمع الإسلامي اليوم ، وهي تكمن في أن المشكلات الفكرية ترتبط بواقع حياة المسلم اليومية ، وهي تطرح بالتالي مشكلة القيم. أو بمعنى آخر : إنها أزمة الفكر الإسلامي في تعامله مع الواقع. وهي أيضا أزمة فكر ومفكرين بآن معا. وأهم ما يؤخذ على الفكر الإسلامي هو ذلك "التناقض" في تعاليمه ، و "التعارض" في مقولاته. فيما يؤخذ على المفكرين أنهم – في غالبيتهم – نافقوا وما زالوا ينافقون الحاكم ورجال الدين، ولذلك كان طبيعيا أن تنبع أزمة القيم في المجتمع الإسلامي من "أزمة الفكر الإسلامي نفسه". 
وثمة من يعيد الأزمة في القيم الإسلامية إلى اختلال في البناء الاجتماعي والإقتصادي. ومن الأمثلة التي تطرح في هذا الصدد وضع المرأة المسلمة التي تعتمد اقتصاديا على الرجل ، ووضع المجتمع ككل ، وهو الذي يتحول باستمرار من الإنتاج إلى الاستهلاك. ولكن القيم الهابطة في الواقع هي انعكاس لفشل الفكر وخوائه ، ذلك أن الظروف الإجتماعية نفسها محكومة بهذا الفكر. والفكر الإسلامي نفسه ، يتيح في كثير من الحالات للقيم الهابطة أن تتحول إلى قيم يتم الإيمان بها وقوننتها يوما بعد يوم ، كما مسألة حجاب المرأة.
والمشكلة أنه لا سبيل إلى تحقيق المناعة ضد فساد القيم ، والحد من تيارات القيم السلبية في ظل فكر يؤمن بضرورة التسليم المطلق، ولا يتيح حرية الكلمة والنقد ، ولا يظهر أهمية احترام الرأي الآخر. وهكذا ، فان فرض هذه القيم من الأعلى ، كثيرا ما أشاع الرياء والنفاق والفوضى ، وجعل عامة المسلمين ينظرون إلى الفكر على أنه بضاعة غير مطلوبة ، أو بضاعة غالية الثمن ، يدفع صاحبها ثمنا باهظا. وهذا بالتالي أدى إلى تخلف الفكر عن الممارسة ، وعوّد المسلمين أن ينتظروا دائما قرار السلطة بصرف النظر عن أي اعتبار.
إن العامل المسلم المتقن لعمله ، سرعان ما يفقد الثقة في قيمة العمل ، ما دام يتقدم عليه المنافق والوصولي. والمسلم يؤمن بالعلم ، ولكن ، إلى أي حدّ تطبق النظرة العلمية في حياته الإسلامية ؟! … ما قيمة أن تخرج المرأة للعمل والإنتاج ، ثم تكبل من كل الجهات بما يشدها إلى الوراء دوما ، ويسلّط عليها سيف التهديد باسم القيم الإسلامية ؟! وهناك من يتصدى لهذه الرؤية فيقول: إن أزمة القيم تكمن أولا في عدم ممارسة المبادئ الأخلاقية التي توجه سلوك وتصرفات المسلم. وأنا أقول: إن هذه المبادئ الأخلاقية في حاجة إلى إعادة نظر. فلو أن الفكر الإسلامي بمنأى عن أسباب التخلف والجمود لأمدّ القيم الأخلاقية للمسلمين بكثير من الصلابة والرسوخ.
ثم إن الإسلام ، في الواقع ، أصبح الإيديولوجية الرسمية للقوى المتخلفة في دول العالم الإسلامي ، في حين أصبح عكازا تتكئ عليها بعض الأنظمة "التقدمية"، في سبيل تهدئة الجماهير أحيانا، وفي سبيل تغطية عجزها وفشلها أحيانا أخرى.
وإذا كان كثير من مفكري العالم الإسلامي قد تصدى، في إثر كثير من الهزات والنكسات إلى نقد بعض جوانب البنيان الفكري والإجتماعي لحياة المجتمعات الإسلامية ، فان هذا النقد بقي هزيلا بعيدا عن معالجة الذهنية الإسلامية، واكتفى على الغالب بترديد تعميمات واسعة وتنديدات ب "الذهنية الغيبية"……. إلى آخر "الكليشيهات" المعروفة.
ويصعب أن نجد بين المسلمين إنسانا ، يتمتع بقسط ولو متواضع من الذكاء والثقافة ، ولم يعان من القلق الذي تثيره شكوكه في بعض نصوص القرآن وأحكامه ، وفي الأحاديث المنسوبة إلى نبي المسلمين محمد عليه السلام ، لكن المشكلة أن فئة من هؤلاء لا يستطيعون تحديد المشكلة التي كانت سبب اضطرابهم الفكري. في حين أن فئة ثانية تبحث بصورة لا شعورية ، عن حل لهذه المشكلة عن طريق التقوقع في موقع ديني إسلامي متطرف ومتعصب ومبالغ في التمسك بدقائق الفرائض الدينية ، وكأنما تعمل هذه الفئة بقول الشاعر: "وداوني بالتي كانت هي الداء".
وثمة فئة ثالثة اتجهت اتجاها معاكسا ، فانفتحت على الأفكار الإلحادية. ولكن حتى أفراد هذه الفئة لم يجرؤوا على الإفصاح عن آرائهم.
وفئة رابعة يشعر أفرادها بالمشكلة ، ولكنهم يخشون إرهاب السلطة الدينية ، فيهربون إلى موقع اللامبالاة والتناسي.
والمفارقة الطريفة ، أن الطالب في دول العالم الإسلامي ، يردد لأستاذ الديانة المعلومات التي تلقاها منه ، ولأستاذ التاريخ الآراء التي استوعبها منه ، وكذلك لأستاذ الفلسفة ولأستاذ العلوم. أما التفكير الجدي بالمتناقضات بين هذه المعلومات والآراء فلم تكن مسألة واردة بالنسبة للأساتذة. وتكون النتيجة: انفصاما في شخصية الطالب، وشللا فكريا يمنعه عن أن يكون منتجا وفعالا. وذلك يفسر ، إلى حد ما ، حالة التخلف التي وصل إليها العالم الإسلامي خلال القرون الماضية.
يقينا ، إن اختيار الجلوس في "المقعد الثالث" عند مراجعة ونقد الفكر الإسلامي ، - أعني المقعد الوسط غير المنحاز "إلى" أو "ضد" – يتيح تبين أوجه القصور والتخلف ، بل هو كفيل بالكشف عما لا يتوقع الدارس كشفه. وهذه هي دعوتي الثانية ، فيما كانت الأولى دعوة للتواجد العقلي في اليوم الذي سبق وفاة نبي الإسلام محمد عليه السلام. وما من شك لدي ، أن ما عانيته قد عاناه غيري، ممن تأثرت ثقافته تأثرا جذريا بالثقافة العلمية، ولا ريب عندي أن كثيرين غيري قد واجهوا مثلي ذلك السؤال الأساسي: هل باستطاعتي أن أتقبل بنزاهة وإخلاص ما يأمرني به الإسلام دون أن أخون أمانة الفكر ، ودون أن أخون الكلمة ؟!
المأساة ، كما أراها ، تكمن في أن الإسلام يحوي آراء ومعتقدات تشكل جزءا أساسيا منه ، وتتناول نشوء الكون وتركيبه وطبيعته ، وتاريخ الإنسان وأصله، والرسل والأنبياء، ومسيرة حياة كل منهم. وهذه الآراء والمعتقدات تناقض ما تعلمناه. بل إن التناقض يجري إلى أعمق من ذلك بكثير ، عندما يمس مشكلة المنهج الذي يجب اعتماده في الوصول إلى قناعاتنا ومعارفنا. فالمنهج القويم للوصول إلى هذه المعارف والقناعات هو الرجوع إلى آيات القرآن ، أو الرجوع إلى كتابات المفسرين والشراح وكتاب السيرة ورواة الأحاديث المنسوبة إلى نبي الإسلام محمد عليه السلام. ولا لزوم ، بحسب هذا المنهج ، للملاحظة ، والاستدلال والتجريب.
ثم إن من الأمور التي يشدد عليها الإسلام أن الحقائق الأساسية التي تمس حياة الإنسان في صميمها قد كشفت في تاريخ معين وحاسم هو "نزول القرآن" وهكذا نجد أنظار المسلمين موجهة دائما إلى الوراء ، إلى تاريخ هذا النزول ، وينتج عن ذلك أن وظيفة المسلم والحكيم والعالم والمؤرخ ليست اكتشاف حقائق جوهرية جديدة ، أو اكتساب معارف لم تكن معروفة من قبل ، وإنما هي في التوفيق بين النصوص "المنزلة" وبين واقع مكتشف عن طريق الغير ، وذلك يقتضي الاستغراق في ربط النصوص بعضها ببعض، وتأويلها ،ثم تأويل التأويل....وهكذا! 
أنا شخصيا ، اخترت الجلوس في المقعد الوسط ، وهو اختيار مؤقت ، ريثما أتمكن من الحكم بنزاهة على معتقدات ترسخت في فكري طيلة العقود التي انقضت على ولادتي الأولى. وأعني ب "المؤقت" أنه لا يمكن إلغاء المقعدين الباقيين ، إذ لا بد أن أكون "مع" و "ضد" بآن واحد ، لأنه لا بد من الانحياز إلى جانب الحقيقة والدفاع عنها. وأدرك مسبقا أن ثمة من سيتهمني بموالاة جهة ما. إنما اتهاماتهم لي سيكون تهربا من الفكر والتفكير ؛ فلقد تعودنا في شرقنا القديم – وللأسف – أن نهرب من التفكير والجدل المستمر بإلقاء الإتهامات جزافا ، وذلك لتدمير سمعة من يخالفنا ، فالخلاف حول مسألة ما تعني لدينا عدم الاحترام ، مع أن هذا الخلاف شرط لتبيان الحقائق الغامضة. وهكذا ، إذا ما أراد كاتب أن يسفّه آراء كاتب آخر اكتفى بتصنيفه سياسيا أو طائفيا أو مذهبيا لإلقاء الشبهة عليه ، دون أن يكلف نفسه عناء مناقشة آرائه. وقديما كان يطلق على من يتصدى لنقد الفكر الإسلامي لقب "الزنديق". وهناك ، في تاريخنا القديم ، أسماء عديدة لأشخاص جلدوا. أو قطعت رقابهم، أو أحرقوا لأنهم كانوا معتزلة أو متصوفة، وفي عصرنا الحالي يمكن تصور اتهامات كثيرة مثل: "عميل للاستعمار والإمبريالية" ، "عميل للصهيونية العالمية" ، واحد من أعضاء (شهود يهوه (، "ماركسي" ، أو "ضحية جماعية تبشيرية مسيحية"….. وهكذا! 
وبكل صفاء وصدق ، أقول مسبقا أنني لم ولن أكون مواليا لغير الحقيقة. وكل ما أتحفظ عليه الآن إنما هو نتيجة حرصي أن أقرأ أو أسمع ردودا تناقش أفكاري ، ولا مانع بعد ذلك أن يتطرف البعض فيلجأ إلى اتهامي وتصنيفي ، وربما إلى قتلي.
وربما سيتساءل من يعرفني شخصيا عن الدافع الذي حدا بي إلى نقد الفكر الإسلامي وأنا ابن رجل مسلم عرف عنه تقواه ، وحفظ القرآن وعلّمه، على القراءات السبع، والعشر، وتفقه في "علم الحديث" ؟ …. ثم …..
والجواب ببساطة ، أنني وجدت في منهج التفكير الإسلامي السائد علة التخلف الأولى. ولا مجال لتطور أو تقدم ما دمنا مشدودين إلى الوراء ، إلى عبادة السلف ، وما دمنا نقدس بالجهل تراثنا.
يقينا ، إن إخضاع الفكر الإسلامي لمنهج علمي دقيق ، عملية شاقة تستنفد الكثير من الوقت والجهد ؛ ولكن ذلك ضروري طالما يتجه الرأي بنا إلى أن هذا الفكر أفضى إلى تخلف نحو مليار من البشر وعلى مدار أربعة عشر قرنا.
والقاعدة التي تلخص المنهج العلمي للبحث عند المسلمين تقول: إن كنت ناقلا فالصحة ، أو مدعيا فالدليل. وتفصيل الأمر ، كما يراه واحد من أبرز المفكرين الإسلاميين المعاصرين ، وهو الدكتور محمد سعيد رمضان البوطي ، أن موضوع البحث لا يخلو دائما من أن يكون:
"خبرا والبحث فيه ينبغي أن يكون محصورا في تحقيق النسبة بينه وبين مصدره بشرط أن يكون ذا دلالة قطعية"
وإما ما يكون منه الإدعاء ، فإن البحث فيه يجب أن يتجه إلى الأدلة العلمية والتي من شأنها أن تكشف مدى صدق هذا الادعاء. ولكل نوع من الدعاوى نوع يناسبها من الأدلة العلمية ، أي لا بد من انسجام في الطبيعة والنوع ، بين الإدعاء والدليل العلمي".
مشكلة الدكتور البوطي ، أنه توفيقي خطابي لا يفطن إلى شذوذ الجوهر عندما يستغرق في إثبات صحة الدعاوى عن طريق ثلاثة فنون هي:
1. فن مصطلح الحديث
2. فن الجرح والتعديل
3. تراجم الرجال
ولا أدري ماذا يقول أصحاب هذا المنهج في الخبر المتواتر، وكيف يعتبرونه أرقى أنواع الثبات دون تدقيق في مضمون الخبر. أو لم يتفق الرواة على أن عمر سلمان الفارسي يتجاوز المائتي عام ؟! بل ذهب بعضهم إلى أنه قد يكون أدرك السيد المسيح ؟! أو ليس مثل هذا المتن شاذا ؟! ثم إن الكثير ممن يعتبرهم الدكتور البوطي والشيخ متولي شعراوي ، وقبلهم الدكتور الشيخ صبحي الصالح ثقاة يعوّل على إجماعهم وعلى تواتر الخبر عن طريقهم كانوا قد راءوا ونافقوا للخليفة أو الأمير أو الوالي أو الملك ، كما ينافق أمثالهم في عصرنا الحالي، وذلك إما تقية أو طمعا في مال. وشواهد ذلك كثيرة في من عاصرنا ، وفيمن سبقهم ، فكيف نقبل بتواتر الخبر عنهم وتاريخنا على امتداده مليء بشواهد الظلم والاستبداد؟... وهل ضروري أن نذكّر بطبائع الاستبداد في عصر الخلافة الأموية، وما أريق من دماء على يدي الحجاج بن يوسف الثقفي ، وما تلاه من فواحش الظلم في العهد العباسي ؟ وهل ضمن عهد من العهود (التي توالت على المسلمي بعد هذين العصرين( حرية الكلمة ؟
كيف إذن ، نعتدّ بقواميس لتراجم الرجال ونحن أعلم بما فيها من أخطاء فادحة ؟ وهل ننسى أن اتهام بعض متصوفة الإسلام وفلاسفتهم بالزندقة قد جعل الكثير من المفكرين والكتاب يداري ويماري ويتظاهر فيعلن غير ما يبطن؟ … بالأحرى كيف يستقيم التواتر ميزانا دقيقا مع وجود "التقية" التي أبيحت في غالبية المذاهب الإسلامية ؟! في ما يتعلق ب "القرآن" فإن مشكلة المفكرين المسلمين أنهم يجزمون بصحته لمجرد أنه وصل إليهم من نبي الإسلام محمد بيقين، فقبلوا بمتنه دون عرضه على العقل والفكر المجرد ، ولم يشككوا بطريقة جمعه واعتبروه محصنا لقوله: إنا أنزلنا الذكر وأنا له لحافظون" .... وهكذا أصبح القرآن لديهم في رأس المدركات اليقينية.
وإذا سألت عن سر الإجماع على "القرآن" أجابك الكثيرون ، ومنهم الدكتور محمد سعيد رمضان البوطي ، بأنه تم نتيجة الإجماع على "الوحي"………وإذا سألت عن سر الإجماع على الوحي "قيل لك أنه تم نتيجة الإجماع على "القرآن". وهذا يذكرني بمشكلة واجهتها في إحدى القواميس مرة. فقد بحثت في المعجم الوسيط عن معنى كلمة "الضأن" فوجدت أن الضأن هو "ذو الصوف من الغنم". ثم بحثت عن معنى كلمة "الغنم" فوجدت أنه "القطيع من المعز والضأن" وكما يدور بنا المعجم المذكور يدور بنا المفكرون المسلمون. فالإجماع على القرآن سببه الإجماع على الوحي.... والإجماع على الوحي سببه الإجماع على القرآن.
وهم أيضا ينسبون إلى أنفسهم التيقن عن طريق الإستقراء التام ، فيما الاستقراء لديهم تم بناء للدلالة التي تعرف بملازمتها الدائمة لملزوماتها .... وهكذا ، فانهم يتأملون في ظاهرة ما شاهدوها أمامهم ، فان رأوا - عن طريق دلالة الاستقراء - أن تلك الظاهرة تستلزم حقيقة معينة ، وجدوا أنه من الطبيعي في ميزان العقل أن يؤمنوا بها حتى ولو لم يجدوها ماثلة أمام أعينهم.
مشكلة أصحاب هذا المنهج أنهم يعزلون طرائقهم في الاستدلال عن الظروف المحيطة ، عن أزمة القيم مثلا. إن واحداً من أصحاب هذا المنهج مثل د. البوطي ، يجد من الطبيعي لمن "يرى سيارة الإسعاف وهي تنهب الأرض بصفيرها المتواصل أن لا يشك بأن مريضا يعاني من حالة خطيرة ، وان لم يكن يراه بعينه (16) ، فما باله - وأزمة القيم قائمة ومستمرة ومتفاقمة- أن سيارة الإسعاف نهبت الأرض بصفيرها ليتخلص سائقها من الزحام فيما هو مسرع للعودة إلى زوجته وأطفاله ؟!
ومع اعتراف غير واحد من أصحاب هذا المنهج بأن التلازم لايورث اليقين دوما ، ومع تقسيمهم دلالة اللزوم إلى أقسام ثلاثة ، ترتقي في القوة من الأدنى إلى الأعلى ، فان أحدا منهم على الغالب لم يستخدم قاعدتي اللزوم غير البيّن ، واللزوم البيّن بالمعنى الأعم.
وأما القياس عندهم فذلك يعني أنه إذا رأى الباحث اشتراك كل من المعلوم والمجهول في علة واحدة قاس الثاني على الأول. ولكن العلاقة هنا تعرّض تراثا كاملا من الأحكام القياسية لخطر الإنهيار ، ذلك أن المعلوم ، قد يتبين بعد زمن طويل أنه خطأ ، وكل ما قيس عليه إذ ذاك ينهار ولا تقوم له قائمة.
ويزعم أنصار هذا المنهج الفكري الإسلامي (17) "أن علماء المسلمين إنما يتبعون المنهج الاستقرائي في كل يمكن إخضاعه للتجربة والمشاهدة " فهل لهذا اختلفت شروح المفسرين لمعاني آيات القرآن"؟ وهو – "كما يقول المصدر نفسه- أبعد ما يكون عن الاستنتاجات الغبية والتأملات المجردة" (18). فلماذا يتهرب الشارح والمفسر من توضيح المعنى الكلي فنجده يشغل نفسه والقارئ معا في إعراب النص ؟ … معنى ذلك… أما أنه يريد شرح المعنى مداورة فلا يتحمل مسألة الشرح المباشر، وإما أن فلسفة النص استعصى فهمها عليه. وهو في كل الأحوال ينهي شرحه بعبارة “والله أعلم بمراده".
ثم لا أدري كيف يزعمون بقاء هذا المنهج واستمراريته برغم الإنقلاب السياسي الذي أطاح بمبدأ "الشورى" القرآني في اثر وفاة محمد عليه السلام. فقد حلت نظرية "الخلافة" أو "الإمامة" التي تؤكد قوامة "الفرد" على "الكل" ، وتجعل من الإنسان صنما يعبد من دون الله ، وسبب هذا الإنقلاب هو تلك الآفة الثنائية بين الفكر واللغة في الدراسات الإسلامية. 
يقول "الشهرستاني بأن " أعظم خلاف بين الأمة هو خلاف الإمامة ، إذ ما سلّ سيف في الإسلام على قاعدة دينية مثلما سلّ على الإمامة في كل زمان"(19) ، وانني لأقف عند تعبير "قاعدة دينية" في مقولة الشهرستاني الآنفة الذكر ، فذلك يعني أنه لا يمكن المساس بها ، فهي ليست "قاعدة وضعية" أي أنها ليست من صنع العرف أو المجتمع ، وانما هي مفروضة من الدين ، واذا كانت كذلك فإنه من الكفر والإلحاد والزندقة قيام أي جدل بشأنها. ومع ذلك فان القاعدة زالت كأي شيء عارض قابل للزوال ، ومن هنا السؤال: اذا كانت " الخلافة" في الإسلام مسألة عارضة عرضت لتاريخ الاسلام بعد وفاة نبي المسلمين محمد عليه السلام ، فكيف أن المنهج الفكري الإسلامي لم يكفل مناقشة هذا العارض ، مع أن المناقشة تكليف لكل مسلم " له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد" وهي- أي مناقشة عارض الخلافة - تعتبر من التكليف الديني "فرض عين"؟!!
ومعروف أن "الانقلاب السياسي" يستمد شرعيته وسلطانه من التأويل المذهبي لآية تعرف في عالم تفسير القرآن ب "آية الاستخلاف" والتي جاء فيها: "اني جاعل في الأرض خليفة"، فقد أصبحت قضية الخلافة تستمد شرعيتها عند المفكرين من القرآن مباشرة ، واستقر إجماع الفقهاء طيلة أربعة عشر قرنا من الزمن على أن سلطان الحاكم من سلطان الله وهذا الإستخلاف مستمد من الخلافة العامة التي للإنسان على الأرض. 
ودعونا لا نفرق بين "الإسلام القرآني" و "إسلام الناس" حرصا على المنهج الفكري الإسلامي نفسه ، وسنجد إذ ذاك أن الإسلام القرآني قد سوغ للناس شهوات السلطه ، بكل ما تفرضه السلطة من تأويل لآيات القرآن. أما إذا فرّق الباحث بين "الإسلام القرآني" و "إسلام الناس" فإن أقطاب الإنقلاب العتيد سيقولون له: إنك تعمل على إسقاط الدين باسم النظام السياسي الذي يدعو إلى الفوضى والغوغائية!! وعلى الباحث أن يتخير الإتهام الذي يناسبه إذا ما خرج على المنهج الفكري الاسلامي: فهو امّا بقية من الخوارج المارقين عن الدين ، أو من ضحايا العقل عند المعتزلة ، أو هو أحد تلاميذ "المستشرقين الحاقدين على الإسلام"، أو هو أساسا زنديق يغري الناس بركن أساسي من أركان الدين وهو الخلافة. أو يقال عنه: "أفّاك خراص ، اشتهى أن يعرف فلم ير وسيلة أهون عليه وأوفى بغرضه من الإلحاد في الدين بتحريف كلام الله عن مواضعه ليستفز الكثير من الناس إلى الحديث في شأنه".
ولقد جعل بطش الخلفاء في الدولة الأموية والعباسية، والفاطمية ، وكذلك السلاطين في الدولة العثمانية ، والملوك والأمراء والرؤساء في الدولة المعاصرة، جعل بطش هؤلاء أكثر المفكرين الإسلاميين يصطنعون مسألة " التقية" التي أشرت اليها في ما سلف ، وهم يكتبون ما يكتبون في ظل نظم تحكم بالحق الإلهي أو تتكىء على هذا الحق بطريقة من الطرق. ولذلك فإن فكرة "التقية" هذه قد جعلت الوثائق العلمية التي يراجعها الباحثون غير مأمونة الجانب ، بالاضافة الى أن كل فرقة تلعن أختها ، وكل مذهب يسفه قرينه.
كيف يتحدث إذا أصحاب الفضيلة من مشايخ الإسلام عن منهج محكم أساسه التواتر والاستقراء وفن الجرح والتعديل وتراجم الرجال مع وجود علة التقية؟!
تلك هي خلاصة سريعة لما يؤخذ على المنهج الفكري للبحث عند المسلمين، ولم أفصّل في هذا المدخل ، لأنني تعمدت أن ألقي مزيدا من الضوء علىتلك المآخذ من خلال الأبحاث التي ستلي وهي التي خصصتها لتظهير صورة الفكر الديني، الموسوي والنصراني والوثني إبان ظهور الإسلام.


الهوامـــــــش

1. صحيح البخاري - الجزء الثالث - "باب قول المريض قوموا عني"
2. صحيح مسلم - الجزء الخامس - في آخر كتاب " الوصية"
3. مسند الامام أحمد - الجزء الأول - ص 355 ، والجزء الخامس ص 116
4. سورة النجم (3 و 4)
5. طبقات ابن سعد - الجزء الثاني - ص 190. كذلك "تاريخ ابن الأثير" الجزء الثاني - ص 317. والسيرة الحلبية - الجزء الثالث - ص 201. وتاريخ الطبري - الجزء الثالث - ص 226.
6. المصدر السابق نفسه
7. سورة الحشر
8 . تاريخ الطبري - الجزء الرابع - ص 204. وابن الأثير - الجزء الثالث - ص206. ولسان العرب – الجزء الرابع عشر – ص 193. وتاج العروس ـ الجزء الثامن – ص 141. والعقد الفريد – الجزء الرابع – ص 290.
9. أوردها الصادق النيهوم في كتايه "إسلام ضد الإسلام" ص 115ـ مطبوعات كتاب الناقد - الطبعة الثانية
10. سورة النمل (83)
11. سورة الكهف (47(
12. "من روائع القرآن" الدكتور محمد سعيد رمضان البوطي – ص 26 و 27
13. المصدر السابق
14. صحيح البخاري - الجزء السابع - ص 209. وصحيح مسلم - الجزءالسابع - ص 66
15. سورة الحشر (7) 
16. "كبرى اليقينات الكونية" للدكتور محمد سعيد رمضان البوطي (ص41)
17. المصدر السابق
18. المصدر السابق
19. " الملل والنحل" - الشهرستاني - ص 31 .