صورة الفكر اليهودي والمسيحي إبان ظهور الاسلام

 

لم يظهر الاسلام في أرض فراغ روحي بالتأكيد؛ فالجزيرة العربية ، التي شهدت إعلان نبي العرب محمد عليه أفضل السلام ، كانت نهبا لتأثير اليهود الذين كانوا يحاولون أن يتنفسوا من جديد بعد شتات كارثي متكرر من فلسطين وكذلك لتأثير البدع النصرانية المتعددة التي اختلف أتباعها في ما بينهم باستمرار ، وهي التي دعي نبي الاسلام – بحسب القرآن – للتحكيم في ما بين اتباعها ، حتى استأثر ذلك بسورة كاملة في القرآن سميت ب "سورة الأحزاب". لكن الاسلام لم يقتصر على دور المتأثر، فقد أصبح طرفا مؤثرا فيما بعد.
والواقع أن مواطن التأثر الاسلامي بالديانة اليهودية وبالبدع النصرانية قد اتسع نطاق الكشف عنه في القرون التي أعقبت وفاة محمد عليه السلام ، حتى أن ابن خلدون. يعرض في مقدمته الشهيرة لمبدأ دخول الإسرائيليات في التفسير وتطوره ويوضح الأسباب التي دعت الى الاكثار من ذكرها فيقول التالي: "وقد جمع المتقدمون في ذلك (يعني التفسير النقلي) وأوفوا، الا أن كتبهم ومنقولاتهم تشتمل على الغث والسمين والمقبول والمردود، والسبب في ذلك أن العرب لم يكونوا أهل كتاب ولا علم ، واإنما غلبت عليهم البداوة والأمية ، واذا تشوقوا إلى معرفة شىء مما تتشوق إليه النفوس البشرية في أسباب المكونات ، وبدء الخليقة ، وأسرار الوجود ، فإنما يسألون عنه أهل الكتاب قبلهم، ويستفيدونه منهم ، وهم أهل التوراة من اليهود ، ومن تبع دينهم من النصارى وأهل التوراة الذين بين العرب يومئذ بادية مثلهم، ولا يعرفون من ذلك اإلا ما تعرفه العامة من أهل الكتاب، ومعظمهم من حمير الذين أخذوا بدين اليهودية فلما أسلموا بقوا على ما كان عندهم مما لا تتعلّق له بالأحكام الشرعية التي يحتاطون لها ، مثل أخبار بدء الخليقة ، وهؤلاء مثل كعب الأحبار ، ووهب بين منبه ، وعبد الله بن سلام ، وأمثالهم ، فامتلأت التفاسير من المنقولات عنهم، وفي أمثال هذه الأغراض أخبار موقوفة عليهم ...." (1).
واقع الأمر أن كتب التاريخ والتراث لم تصور لنا بدقة وضع اليهودية والبدع النصرانية في إبان ظهور الإسلام. ويقينا لا يمكن فهم اتصال نبي العرب محمد عليه السلام باليهودية والبدع النصرانية دون رسم لوحة للحياة اليهودية والنصرانية في الجزيرة العربية. ومن هنا مبلغ الحاحي أن أبحث في الظروف اليهودية والنصرانية لنشأة الإسلام ، إسهاما مني في تظهير الصورة المطلوبة. ومن بين المبررات لذلك أنه لا يكفي لفهم الاسلام وظروف نشأته أن نبحث في ظروف ولادة نبي الإسلام ، فالقرآن الذي ذكر تفاصيل كثيرة عن ولادة موسى والمسيح وآخرين ، لم يذكر شيئا عن ولادة محمد بن عبد الله. كذلك لا يكفي لفهم الإسلام أن نبحث في ظاهرة الوحي ، وفي مسألة القرآن إن كان معجزة بلاغية بالمعنى المعرفي ، وهل الإعجاز المعرفي يخالف ناموس الطبيعة....الخ.
صعوبة مهمتي تكمن في كتب التراث الإسلامي، وحتى ما يتعلق منها بالسيرة النبوية ، قد حجر على صورة الحياة اليهودية والنصرانية ، ولم يفرج سوى عن القليل من التفاصيل ولولا نتف وردت في ذكر يهود الأوس والخزرج وبني المصطلق ، وفي ذكر مسيحيي نجران والرهبان الذين بايعوا محمدا نبيا وآمنوا بأنه آخر الأنبياء ، لولا ذلك لاعتقد قارىء التراث الإسلامي أن اليهودية والمسيحية كانت مفقودة في تلك الآونة.
على سبيل المثال ، فان أحد الذين بحثوا في الإسلام كبدعة نصرانية كتب ما يلي:
"والعربي إجمالا يحب الكلام والمناقشة، كما عرف عنه ضعفه أمام الماورائيات ، والدخول في أي نقاش حولها ، لذلك كانت تعقد في تلك الأمسيات ندوات دينية يحضرها محمد (عليه السلام ( ويسمع ما يقال فيها ، ولربما رأى عند أولئك الرهبان أجوبة له عن أسئلته الكثيرة فارتاح اليهم ودلوه على ذلك (الشيء). ولربما حمّلوه رسائل الى ورقة بن نوفل ، القس النصراني الساكن مكة، وحمّله إليهم فكان ما كان .... وظهر الإسلام"(2).
وقد يكون ما كتبه هذا الباحث حقيقة ، وقد تكون الحقيقة أكثر مرارة ، لكنني مع ذلك أعترض على أسلوبه في الإستدلال. فالكاتب حتى يضعنا في الصورة الواضحة لما حصل يدعونا "لنغوص قليلا في كتب التاريخ لنرى ما كانت عليه المسيحية في تلك الأيام"(3) ، ومن أجل ذلك ، أي حتى نرى ما كانت عليه المسيحية في تلك الأيام ، يكتفي بدعوتنا لمطالعة قصة أولئك الرهبان (المشرورين) على طرقات مكة – الشام ، وما عندهم من تطلعات فنرى ما أخذ عنهم.
إن الكاتب هنا لا يرى سوى الرهبان ، ولا يلتفت إلى وجود أحبار اليهود وإلى توافر مدراس اليهود ولا سيما أن صورة المسيحية في تلك الأيام لا يمكن تظهيرها بعرض قصة أولئك الرهبان المعتزلين في صوامعهم على طريق مكة-الشام. والنصرانية كمجموعة بدع منتشرة في الجزيرة العربية لا يمكن عزلها عن تأثيرات اليهود الذين سكنوا الجزيرة العربية وبلاد الشام فرارا من بطش الدولة الرومانية. كما لا يمكن عزل ذلك عن الصراع البيزنطي-الفارسي آنذاك. فالظروف المؤثرة في نشأة الاسلام لا يمكن الإحاطة بها لمجرد الحديث عن الرهبان (المشرورين). 
يقينا إن ذلك يقتضي دراسة معمقة وشاملة ، وبدون ذلك لا يمكن فهم الإسلام وظروف نشأته، سيما وأن القرآن نظرية خاصة جامعة في الأديان الموحدة. فالقرآن يؤكد بصراحة وحدة الكتاب المنزل على جميع الأنبياء ، ووحدة الرسالة النبوية عند جميع المرسلين، ووحدة الدين الموحى به لجميعهم. 
نعم فالقرآن يؤكد أن أصل الكتب المنزلة واحد عند الله: "كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه"( 4 ).
وكذلك ورد في القرآن قوله: "وخفف على داود القرآن" ….وهذا يعني أن الكتاب واحد ، سواء أكان إسمه "توراة" أم "انجيلا" أم "زبورا" أم "قرآنا" أم "ذكرا" …… إنه أم الكتاب"تارة ، وهو "اللوح المحفوظ" تارة ، وهو "الكتاب المبين" أيضا.
وطالما أن القرآن نزل أولا على داود فان الذي تلاه محمد عليه السلام هو اعادة قراءة للكتاب الموحد، انما باللغة العربية ، وهذا معنى قوله: "إنا جعلناه قرآنا عربيا لعلكم تعقلون"(5). وهكذا يكون القرآن نسخة عربية عن الكتاب. ولذا يأمر القرآن الناس أن يؤمنوا إيمانا واحدا بالكتب المنزلة كلها على أنها كتاب واحد فالدين بحسب القرآن واحد في كل الكتب ، ومع جميع الأنبياء لأن الله إله واحد.
ولطالما أن النبيين ، بين موسى والمسيح مسلمون ، لقوله في القرآن: "انا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور يحكم بها النبيون الذين أسلموا للذين هادوا"(6). ولطالما أن المسيح نفسه وأنصاره الحواريين مسلمون بحسب القرآن(7)، فإن ذلك يعني أن سيرة اليهود والمسيحيين يجب أن لا تغفل عن بحث سيرة المسلمين المحمديين، وعلى الأقل في الفترة التي برز فيها نبي العرب. وإذا أغفلنا ذلك فكيف نفسر للقاريء أن في الاسلام قاسما مشتركا يجمع بين الديانات كلها ؟! كيف نبرر له إيمان المسلمين بموسى عليه السلام وتوقيرهم له. وإيمانهم بالمسيح وتكريمهم لمولده وتنزيههم لنسبته وتأكيدهم بأن الطعن في عفاف أمه أو شرف ابنها كفر ما بعده كفر ؟
لقد كانت وظيفته التعليم الجديد) الاسلام (هي تذكير الناس بما نزّل إليهم من قبل لعلهم يتفكرون (8). لا بل يأمر القرآن محمدا في سورة "يونس" اإذا ارتاب من نفسه أن يوطد إيمانه عند أهل الكتاب الأول: "فان كنت في شك مما أنزلنا اليك فسئل الذين يقرؤون الكتاب من قبلك" وفي هذا النص إشارة إلى أن سورات من الشك كانت تنتاب محمدا عليه السلام فيطلب منه القرآن أن يتغلب عليها بإرشادات أهل الكتاب.
فكيف كان وضع أهل الكتاب ، وكيف آل بهم الحال الى ما أصبحوا عليه في إبان ظهور الإسلام؟…. يقينا هذا ما اقتضانا أن نبحث في طبيعة الظروف اليهودية والنصرانية المرافقة لظهور ونشأة الإسلام. وسنبدأ بأهل الكتاب من اليهود.

لم تكن فتنة باركوزيبا (132ـ135م) آخر الجهود التي بذلها اليهود ليستعيدوا حريتهم التي قضى عليها تيطس الروماني. فقد أعادوا الكرة لاستخلاصها في عهد أنطونينوس بيوس (135ـ161م) ، وأخفقوا في محاولتهم وحرّم عليهم أن يدخلوا المدينة المقدسة إلا في يوم تلك الذكرى المؤلمة ، ذكرى تدمير معين ، فقد كان يسمح لهم نظير مبلغ معين أن يأتوا اليها ليندبوا ويبكوا أمام جدران الهيكل المهدم. ويذكر "ول ديورانت" في كتابه "قصة الحضارة" (عصر الأيمان (أن فتنة "باركوزيبا" قد محت 985 بلدة من الوجود في فلسطين ، كما نقص عدد السكان الفلسطينيين إلى نصف ما كانوا عليه سابقا اإذ قتل منهم نحو 580 ألف رجل وامرأة. وأما الباقون من السكان اليهود فقد انحطوا اإلى درجة من الفاقة اضمحلت معها الحياة الثقافية. ولكن لم يكد يمضي على ذلك جيل واحد حتى أنشىء في طبريا "بيت الدين"، أي المجلس اليهودي القومي ، وهو هيئة مؤلفة من واحد وسبعين من الأحبار والمشترعين ، وافتتحت المعابد والمدارس.
غير أن انتشار المسيحية أدى إلى متاعب جديدة لليهود. فبعد أن اعتنق قسطنطين المسيحية فرض عليهم قيودا صارمة ونفى أحبارهم عام 337م وفرض شقيقه جانوس عليهم من الضرائب الفادحة فاضطر الكثير منهم أن يبيعوا أبناءهم. وكان اليهود قد انتفضوا عام 332 فأخمدت حركتهم ، ودكت صبورة دكا ، ودمرت أجزاء من طبريا ، حيث مجلسهم القومي ، كما خرّبت مدن أخرى ، وقتل آلاف من اليهود واستعبد آلاف آخرون. وبلغ الإتصال بينهم وبين غيرهم من الجماعات اليهودية درجة من الصعوبة اضطر معها حاخامهم هليّل الثاني أن يتخلى عما كان ليهود فلسطين من حق أن يحددوا لجميع اليهود تواريخ أعيادهم، وأصدر لهم تقويما يحددون هم بمقتضاه تواريخ هذه الأعياد مستقلين عن يهود فلسطين ، ولا يزال هذا التقويم الذي أصدره هليّل معمولا به إلى اليوم لدى اليهود في كافة أرجاء العالم.
فلما ارتقى يوليان الجاحد عرش الإمبراطورية أنقذ اليهود الى أجل قصير فألغى قوانين التمييز المفروضة ضدهم وخفض الضرائب المفروضة عليهم ، وأمر بإعادة بناء الهيكل من مال الدولة. وأعيد فتح القدس لليهود فهرعوا اإليها من جميع أنحاء فلسطين ومن كل ولاية في الإمبراطورية واستعدوا لتأثيث الهيكل الجديد (عام 361م). ولكن فيما كانوا يحفرون الأرض لوضع الأساس خرج من باطنها لهيب أحرق عددا من العمال القائمين بالعمل ، غير أن اليهود عادوا إلى العمل من جديد، فعادت الظاهرة مرة أخرى ، ولعل سببها العلمي كان انفجار بعض الغازات الطبيعية، فتوقف العمل، وكان واضحا للمسيحيين أن الرب غير راض عن إعادة بناء الهيكل ، وكان الإمبراطور يوليان الجاحد قد مات فجأة فحبست عنهم أموال الدولة، وسنّت من جديد القوانين المقيدة لهم فكانت أشد صرامة من سابقتها. وحرم على اليهود من جديد دخول أورشليم القدس ، فعادوا إلى قراهم وفقرهم. وكتب جيروم المؤرخ بعد ذلك بقليل فذكر أن أهل فلسطين من اليهود لا يزيدون على عشر ما كانوا عليه من قبل.
وفي عام 425م ألغى تيودوسيوس الثاني الحاخامية الفلسطينية ، وحلت الكنائس المسيحية اليونانية محل المعابد والمدارس اليهودية. ثم تخلت فلسطين عام 614م عن زعامة العالم اليهودي.
ولم تكن الضغوط التي واجهها اليهود في أوروبة بأخف وطأة من الحياة الكارثية التي عاشوها في فلسطين. ومن ذلك أن قانون تيودوسيوس (439م) .
ومجلس كليرمنت (535م) ، وكذلك مجلس طليطلة (589) قد حرّمت كلها تعيين اليهود في المناصب التي من حق شاغلها أن يوقع عقوبة ما على غيره. وأمر مجلس أورليان عام (538م) جميع اليهود أن لا يخرجوا من بيوتهم طوال الأسبوع المقدس. يمكن القول أن الأباطرة البيزنطيين واصلوا خطة تنكيل جستنيان باليهود لنحو مائتي عام.
وربما كان ذلك بسبب مناصرة اليهود للفرس في خلال الحروب البيزنطية-الفارسية المتكررة. ومن الثابت أن هرقل طردهم من أورشليم القدس عقابا لهم على ما قدموه من معونة للفرس ، بل إنه بذل كل ما في وسعه لإبادتهم. لذلك كله، أمل اليهود أن تكون حالتهم أفضل في بلاد لا تسود فيها المسيحية سيادتها في البلاد التي يخضعون لسلطانها ، فمنهم من انتقل نحو الشرق اإلى أرض النهرين ، وإلى بلاد الفرس ، وقاموا بتقوية العنصر اليهودي البابلي الذي لم ينعدم من تلك البلاد منذ الأسر الذي حدث عام 597ق.م وظل اليهود ، في أثناء ذلك الوقت ، ينتشرون في جميع البلاد المحيطة بالبحر المتوسط، فمنهم من استقر في بلاد الشام ، ومنهم من ذهب اإلى القسطنطينية رغم عداء أباطرة الروم. ومن الثابت أن قسما كبيرا منهم اتجه من فلسطين جنوبا إلى الجزيرة العربية. وكان دأبهم منذ ذلك الوقت الحيلولة دون انتشار التعاليم المسيحية في بلاد الشام والعراق وجزيرة العرب. فلجأوا لتحقيق ذلك إلى تحديم الخلافات العقائدية بين الرهبان. ونجحوا في تحويل البنى المسيحية إلى موزاييك من البدع النصرانية ثم تطلعوا الى ظهور دين جديد يوحد البدع النصرانية على قاعدة قومية معادية للروم وبطاركتهم وأباطرتهم.
ولقد احتلّوا في الجزيرة العربية أقاليم برمتها مثل خيبر. وكان عددهم في يثرب (المدينة) يتجاوز عدد البقية. واستمالوا إلى دينهم عددا من الأهلين. إنما كانت مهمتهم الأخطر تتجلى في تهيئة عقول العرب لما جاء به الإسلام من عقائد ، وكانوا إلى ذلك عاملا أساسيا في انجاح هجرة نبي الإسلام محمد عليه السلام من مكة إلى يثرب (المدينة.(
وإذ نكتفي برسم هذه اللوحة لليهود في الحقبة التي سبقت ظهور الإسلام فلأن غايتنا هي ربط الجواد بالعربة والانطلاق بها للكشف عن مواطن التأثر والتأثير بين الدينين القديم والجديد.


تشابه الظروف والنتائج

إن "أهل الكتاب" كما ورد في القرآن يقصد بهم اليهود وأصحاب البدع النصرانية كما رأينا سابقا. إلا أن اليهود كما نعلم لم يكونوا أهل توراة وحسب، بل كانت لديهم شريعة غير مكتوبة. والواقع أن الكتبة ورجال الدين اليهود الذين أقاموا في المعابد والمدارس البابلية والفلسطينية هم الذين ألّفوا أسفار الشريعة الضخمة المعروفة ب "التلمود الفلسطيني" و "التلمود البابلي" وكان أهم ما ثار حوله الجدل بين الفريسيين والصدوقين هو إن كانت هذه الشريعة الشفوية ملهمة من عند الله. وهل هي لذلك واجبة الطاعة أم لا ؟….. ولما اندثر الصدوقيون عام 70م وورث الأحبار تقاليد الفريسيين ورواياتهم، قبل جمع اليهود الشريعة الشفوية وآمنوا بأنها أوامر من عند الله وأضافوها إلى أسفار موسى الخمسة. لقد استغرق تجميع الشريعة الشفوية مدة ألف عام ، واتخذت هذه الشريعة اسم "المشنا". أما شروح هذه المشنا فقد استغرق تجميعها ثمانية قرون. وهذه الشروح تجمعت فيها ثمار الجدل ، والأحكام والتفسير ، وتنقسم إلى جمارتين فإذا انضمت "المشنا" إلى أقصر هاتين الجمارتين وجدنا التلمود الفلسطيني ، أما إذا انضمت إلى أطولها فإننا سنتعرف إلى التلمود البابلي. وكان الأحبار في القرون الستة الأول بعد ميلاد المسيح يسمون التنآم ب "معلمي الشريعة" ولأنهم هم وحدهم المتضلعون فيها فقد كانوا هم وحدهم المعلمين والقضاة بين يهود فلسطين بعد تدمير الهيكل.
والواقع أن القرآن لم يستشهد بأي من التلمود البابلي أو الفلسطيني بل جاء فيه ذكر التوراة. وعندما كان أحبار اليهود يروون شاهدا من الشريعة الشفوية التي هي التلمود كان المسلمون يظنون أنها من التوراة. فإذا قارنوها مع التوراة ولم يجدوا لها أصلا جزموا بأن التوراة قد طرأ عليها التبديل والتحريف.
وتشابه الظروف خلق تشابها في النتائج. فكما أن عند اليهود شريعة شفوية تم تدوينها ، كذلك فإن عند المسلمين شريعة غير منزلة كتابة هي سنة محمد عليه السلام وقد حض على اتّباعها. وحرص "الخلفاء الراشدون" على عدم تدوينها فمنعوا الرواة من تدوين الأحاديث المأثورة عن نبي الإسلام. وما لبث علماء المسلمين في عهد عمر بن عبد العزيز أن لجأوا إلى التدوين.... فكان هناك التفسير والحديث.
عند اليهود كثرت قرارات الأحبار وتضاعفت اجتهاداتهم فأصبحت مهمة استظهارها شاقة غير معقولة ، ولذلك حاول الأحبار: هليّل وعقيبا ومائير مرارا عدة أن يصنفوها ويستعينوا على استظهارها ببعض الأساليب والرموز. ولكن هذه التصانيف لم تلق إقبال جمهرة اليهود وكان نتيجة هذا أن أصبح الإضراب في نقل الشريعة هو القاعدة العامة. 
وحدث الأمر نفسه لدى المسلمين ، فقد وضع الوضاعون على لسان نبي الإسلام نحو ستمائة ألف حديث إختار منها البخاري أقل من ستة آلاف. ومع ذلك لم يسلم صحيحه من طعن الطاعنين ، وأما حفاظ القرآن فقد نقص عددهم إلى درجة خطيرة مما استدعى تدوينه في الوقت الذي لم يأمر محمد عليه السلام أصحابه بفعل ذلك وكان نتيجة ذلك كله أن أصبح الإضراب في نقل الشريعة هو القاعدة العامة لدى المسلمين كما كان لدى اليهود.
وواقع الأمر أن الشريعة الموسوية غير المكتوبة تشبه السنة عند الإسلام فالأولى مكملة للتوراة والثانية مكملة للقرآن ، ومن اللافت أن تدوين "المشنا" 
والحديث النبوي بدأ في القرن الثامن الميلادي نفسه. وهناك من العلماء من يؤكد بأن الحبر "يهودا" (9) فيما أعاد عام 189 ميلادية عمل عقيبا ومائير ، وأعاد ترتيب الشريعة الشفوي ودوّنها وزاد عليها إضافات من عنده ، إلا أنها ظلت تسمى "مشنا الحبر يهودا" فيما يرى مؤرخون آخرون أن يهودا لم يدون مشناه ، بل أخذت تنتقل من جيل إلى جيل حتى القرن الثامن الميلادي. ويشتمل التلمود البابلي على 2049 ورقة من القطع الكبير أي نحو 6000 صفحة في كل منها 400 كلمة. وتنقسم المشنا إلى ستة أبواب (سدريمات). وينقسم كل سدريم إلى عدد من) المسكتات) الفصول ، ويبلغ مجموعها ثلاثا وستين مسكتة (فصلا) ، وتنقسم كل واحدة منها إلى عدد من المقالات (البرقيمات) ، وكل مقال (برقيم) إلى تعاليم (مسنيوتات).
ولكن إذا كانت الشريعة الشفوية لم تدون قبل القرن الثامن للميلاد ، فقد يتسائل المرء: إذا ، كيف تسنى للتأثر والتفاعل أن يتم بين الشريعة غير المكتوبة والتعاليم الإسلامية غير المكتوبة أيضا، فهذا يعني أن التأثر لم يتم قبل القرن الثامن الميلادي والقرن الثاني والثالث للهجرة. والجواب على هذه المسألة يجب أن يراعي أمرين:
أولهما: أن الشرائع غير المكتوبة أقدر على التأثير في بعضها سيما وأنها تعتمد في حفظها على الذاكرة الشعبية. والذاكرة الجماعية في الجزيرة العربية تستند إلى ذاكرة اليهود وأتباع البدع النصرانية ، وأتباع محمد نبي الإسلام عليه السلام.
وثانيهما: أنه إذا كانت هذه الشرائع غير مكتوبة ، فإن ثمة شيئا آخر كان مكتوبا ، وهو "المدرش" أي التفسير. وهذا "المدرش" يتألف من خطب ألقاها - على حد قول العلماء اليهود – "التنآم" أو "الأمورائم"، ولكن هذه الخطب ، كما هو ثابت ، قد دونت خلال الفترة المحصورة بين القرنين الرابع والثاني عشر للميلاد. وهي تشرح في أسلوب شعبي كتبا مختلفة من الكتب العبرية التي يقدسها اليهود. 
وفي هذه الحال ، فإن "المدرش" كان متداولا قبل رسالة نبي العرب بنحو مائتي عام وكان تدوينه مستمرا حتى عهد الخلافة الفاطمية ، وبالإضافة إلى "المدرش" كان يهود الجزيرة العربية بشكل خاص يتداولون "البسيقتا" وهذه تحتوي على عظات ذات صلة بفقرات من التوراة (10).
ويجب أن لا ننسى أن المعلمين اليهود الجدد (وهم الذين كان يطلق عليهم في الجزيرة العربية لقب "رابيون" ومفردها "رابي" كانوا قد فعلوا بمشنا يهودا هذا ما فعله التنآم بالعهد القديم (التوراة (فتناقشوا في النصوص وحللوها وفسروها ، وكانوا كثيرا ما يلجأون إلى التعديل والتبسيط لمواجهة الظروف الجديدة. والرسالة المحمدية ولا شك كانت من جملة الظروف الجديدة التي واجهت الرابيين في الجزيرة العربية.
كذلك ظل الأحبار "السبورائم" (ألمنا قطة) طيلة 150 عاما (بين 500 إلى 650م) يراجعون الشروح الضخمة بغية صقل التعاليم ومواءمتها مع الظروف الجديدة. وإن ذكرنا أن ما تسرب إلى التعاليم الإسلامية إنما هو من "المشنا"
و "المدرش" وليس من "الجمارا" فلأن لغة الجمارا البابلية والفلسطينية هي الأرامية ، بينما لغة "المشنا" و "المدرش" هي العبرية الجديدة التي تتخللها ألفاظ كثيرة مستعارة من اللهجات العربية. ولكن من المرجح أن وسيلة التأثير الأكبر كان "المدرش" و "البسيقتا" في بلاد الشام ، تحديدا لأن جستنيان كان أصدر قرارا بتحريم التلمود لأنه "خليط من الصغائر ، والخرافات ، والمظالم ، والإهانات ، والسباب ، والكفر والتجديف" (11). وكان طبيعيا أن تتمتع "المشنا" بحرية أكبر ومجال أوسع في الجزيرة العربية نتيجة انحسار نفوذ جستنيان عنها.
إن كل ما ذكرناه آنفا يوضح لماذا كان المسلمون منذ صدر الإسلام وحتى اليوم يتهمون اليهود بتزوير وتحريف التوراة. فعندما كان الصحابي المسلم يسأل واحدا من الرابيين عن حكم في مسألة ما من خلال كتابه ، كان هذا الرابي يجيبه من خلال "المدرش" ، "البسيقتا" و "المشنا" عموما ولم يكن يجبه من "التوراة" وإذا طرح هذا الحكم على أحد المسلمين ممن كان أحد أحبار اليهود سابقا ، كان هذا الأخير يقطع بأن الفتوى افتراء على التوراة وتحريف لها. ولكنه في الوقت نفسه لا يتورع ـ لكونه أسلم ولو ظاهريا – أن يسرّب خرافات "المدرش" إلى الإسلام. ومثال ذلك "كعب الأحبار" الذي أسلم أو تظاهر بالإسلام ، فقد سئل عن تفسير الآية الواردة في القرآن والتي تقول: "الذين يحملون العرش ومن حوله يسبحون بحمد ربهم"(12). فكان جواب كعب هو ما أورده عنه القرطبي في تفسيره من "أن حملة العرش أرجلهم في الأرض السفلى ، ورؤوسهم قد خرقت العرش"(13). وكذلك ما روي عنه في الموضع نفسه حيث قال: "لما خلق الله تعالى العرش قال: لن يخلق الله خلقا أعظم مني، فاهتز فطوقه الله بحية ، للحية سبعون ألف جناح ، وفي الجناح سبعون ألف ريشة ، في كل ريشة سبعون ألف وجه ، وفي كل وجه سبعون ألف فم ، في كل فم سبعون ألف لسان يخرج من أفواهها في كل يوم من التسبيح عدد قطر المطر وعدد الشجر والورق وعدد الحصى والثرى ، وعدد أيام الدنيا ، وعدد الملائكة أجمعين ، فالتوت الحية بالعرش، فالعرش إلى نصف الحية ، وهي ملتوية عليه" (14).
ولقد كانت بعض قرارات الأحبار تتعارض تعارضا صريحا مع قوانين أسفار موسى الخمسة ، أو تفسرها تفسيرا يبيح مخالفتها ، ومن هنا اتهام نبي العرب لهم بالتحريف والتبديل في كتاب الله. وهذا كان مأخذ ورقة بن نوفل على أحبار اليهود فقد كان يجيد العبرية ، وكان يرى أنهم يدرسون التلمود أكثر من التوراة. لكنه كان متفائلا بأن نبي العرب محمدا عليه السلام سوف يصحح المسيرة. 
ومع أن كثيرا من علماء المسلمين قد التفت إلى الإسرائيليات في الشريعة الإسلامية ومنهم أصحاب التفاسير المشهورة للقرآن فانهم ينزّهون كعب الأحبار عن دسّ الروايات في الإسلام. وها هو أحد فقهاء المسلمين المعاصرين وهو الدكتور محمد السيد حسين الذهبي (رحمه الله) يدافع عن كعب الأحبار في كتابه "الإسرائيليات في التفسير والحديث" فيقول: "أسند من هذه الإسرائيليات المنكرة شيء ليس بالقليل إلى نفر من سلفنا الصالح ، الذين عرفوا بالثقة والعدالة ، واشتهروا بين المسلمين بالتفسير والحديث ، واعتبروا من المصادر الدينية الهامة عند المسلمين، فاتهموا من أجل نسبة هذه الإسرائيليات إليهم بأبشع الاتهامات ، وعدّهم بعض المستشرقين ومن مشى في ركابهم من المسلمين مضللين مدسوسين على الإسلام وأهله ، ومن أكثر هؤلاء السلف نيلا منه وتحاملا عليه: أبو هريرة ، وعبد الله بن سلام ، وكعب الأحبار ، ووهب بن منبّه ممن لهم في الإسلام قدم راسخة"(15).
ولكن الدكتور محمد السيد حسين الذهبي (رحمه الله) يعترف من جهة ثانية بأن تسرب الإسرائيليات إلى التفسير والحديث مسبوق بتسرب الثقافة الإسرائيلية إلى الثقافة العربية في الجاهلية.
والأمر ليس بالمستغرب ، فقد حمل اليهود معهم إلى جزيرة العرب ما حملوا من ثقافات كتبهم الدينية المدونة وغير المدونة ، وما يتصل بها من شروح ، وما توارثوه جيلا بعد جيل من أنبيائهم وأحبارهم. وكانت لقريش ـ كما يحدثنا القرآن ـ رحلتان: رحلة الشتاء إلى اليمن ، ورحلة الصيف إلى الشام وفيهم كثير من أهل الكتاب ومعظمهم من اليهود وكانت تتم بينهم لقاءات سواء في الجزيرة العربية أو خارجها. ولا شك أن هذه اللقاءات كانت عاملا قويا من عوامل تسرب الثقافة اليهودية إلى العرب الذين كانت ثقافتهم حينئذ ، بحكم بداوتهم وجاهليتهم ، محدودة ضيقة. 
إن كل ما ذكرناه آنفا يوضح ويثبت أن أقنية التأثر مفتوحة. لكن ما نحن بصدده ليس مسألة قابلية واحتمال وإنما نبحث في الحدث ذاته فهل وقع التأثير والتسرب فعلا أم لا.... وإذا وقع فأين مواطن التأثر في الشريعة الإسلامية. 
حسنا ، دعونا نقارن بين الشريعة الإسلامية المكتوبة وبين المشنا اليهودية مضافا إليها "المدرش" و "البسيقتا" وسنكتشف ما يلي:
دراسة الشريعة عند اليهود كما عند المسلمين صالحة لكل زمان ومكان. فيقول رجال الدين اليهود: "إن واجب الإنسان وهو منهمك في دراسة الشريعة أن يقول لنفسه كل يوم: كأنّا في هذا اليوم تلقيناه من طور سيناء"(16). وواضح في شريعة الإسلام أن عملية التوفيق بين الشريعة وبين الأحداث المعاصرة تستند إلى قاعدة شهيرة هي أن "الإسلام صالح لكل زمان ومكان".
والله بحسب "المشنا" إله عاقل قادر على كل شيء ولكن "المشنا" تصفه أحيانا بصفات البشر تارة وبصفات إزائية تحده تارة أخرى ، فهو يحب ويبغض ويغضب ويضر وينفع ، وينتقم ويمكر ، ومثل هذه الصفات وغيرها نجدها في القرآن والحديث. ويكفي لذلك أن نراجع "أسماء الله الحسنى في القرآن". ثم إن "المشنا" تصور الله جالسا على عرش يحيط به طائفة من الملائكة المختلفي الدرجات يقومون على خدمته. ويعترف الأحبار كما يعترف فقهاء المسلمين بأن الصفات البشرية والإزائية لله قائمة على الافتراض إلى حد ما فيقولون: إننا نستعير له صفات من خلقه نصفه بها لنيسّر بذلك فهمه ، فإذا لم يكن في مقدور العامة أن يفكروا إلاّ على أساس الصور المادية فليس الذنب واقعا عليهم ، وقد جعل القرآن نفسه للذات الالهية صفات البشر المحدودة، فهو يسمع: قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها" ، ويستفسر: "أأنت قلت للناس اعبدوني وأمي إلهين من دون الله" ويكلم البشر ، فقد كلم موسى ومن قبله ابراهيم. وحتى محمد عليه السلام سيرى الله متجسدا يوم القيامة. ففي صحيح البخاري: "إن المؤمنين لما يتشفعون ربهم يوم القيامة فيأتون الى محمد. قال: فأنطلق فاستأذن على ربي فيؤذن لي عليه. فاذا رأيت ربي وقعت له ساجدا. "بل ان الله يتجسد يوم القيامة . فعن أبي سعيد كما أخرج البخاري – "قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: 
يكشف ربنا عن ساقه فيسجد له كل مؤمن ومؤمنة. ويبقى من كان يسجد رئاء وسمعة فيذهب يسجد فيعود ظهره طبقا واحدا". ولكنه في حديث قدسي يروي عن محمد عليه السلام أن الله لا يمكن أن يراه أحد حتى الأنبياء إلا من دخل الجنة فهو يقول: "يا موسى لن تراني. إنه لن يراني حي إلا مات ، ولا يابس إلا تدهده ، ولا رطب إلا تفرق. إنما يراني أهل الجنة الذين لا تموت أعينهم ولا تبلى أجسادهم" (17). ومن عجيب أن البخاري أورد في صحيحه - كما أسلفنا قبل قليل - أن محمدا يستأذن على ربه فيؤذن له ويراه ويقع له ساجدا. ولا يمكن أن يفسر هذا التناقض إلا بقبول أن الله يتجسد ، وإلا كيف يراه محمد عليه السلام ويقع له ساجدا..... وكيف يكشف ربنا عن ساقه إلا إذا كان متجسدا. أو كان الحديث القدسي المنسوب إليه كذبا في كذب !!! 
وكما في المشنا ، فإن الله ، في الأحاديث القدسية عند المسلمين ، يخجل ويستحي لقوله: "إني لأهم بأهل الأرض عذابا فإذا نظرت إلى عمّار بيوتي والمستغفرين بالأسحار صرفت عذابي عنهم" (18). وهذا ما رواه البيهقي عن أنس بن مالك.
والله إن كان يندم ويغضب في المشنا فإنه يغضب إلى درجة النزق في الأحاديث القدسية عند المسلمين ، فقد روي عنه قوله: "من لم يرض بقضائي ولم يصبر على بلائي فليلتمس ربا سواي" (19). رواه ابن حيان والطبري وأبو داود وابن عساكر عن الدارمي. وكذلك قوله: "يا محمد من آمن بي ولم يؤمن بالقدر خيره وشره مني فليلتمس ربا غيري" (20) - رواه الشيرازي.
وهم في "المشنا" يصورون الله أيضا بأنه روح الكون غير المنظورة السارية فيه كله ، تمد الكون بالحياة وتسمو عليه وتلازمه في وقت واحد تعلو على العالم ولكنها مع ذلك حالّة في كل ركن من أركانه وكل جزء من أجزائه. والحضرة الإلهية الكونية المسماة ب "السّكينا" (السكينة) تكون حقيقية في الأشخاص 
المقدسين عند اليهود والأتقياء الورعين عند المسلمين ، وهم الذين يدعوهم المسلمون ب "أولياء الله الصالحين ، وقد ورد في القرآن قوله: "وأنزلنا عليهم السكينة....."
وكذلك فان الابتعاد عن التثليث والحماس للتوحيد من أهم القواسم المشتركة بين العقيدتين. ففي اليهودية والإسلام نجد الإله القادر على كل شيء إلها واحدا فردا صمدا. وليس بين الأفكار كلها عند اليهود والمسلمين فكرة أبغض إليهم من تعدد الآلهة وتبعيضها (مع أنهم قد يتورطون في التبعيض عن غير دراية). وهكذا نجد اليهود لا يفتأون يجهرون بوحدانية الله في حماسة قوية ، وينددون بشرك الوثنية ، وبما يبدو في الثالوث المسيحي من تثليث ، وهم يجهرون بهذه الوحدانية في أشهر صلواتهم وأكثرها انتشارا وهي المعروفة ب "شمع يسرائيل" ويعني ذلك: "اسمعي يا إسرائيل ، الله إلهنا ، الله واحد" شمع يسرائيل ، ادوناي الوهينا ، أدوناي أحد" (21). وقد عبّر الخطاب القرآني عن المعنى نفسه في "سورة الصمد" وجاء فيها: "قل هو الله أحد... ألله الصمد لم يلد ولم يولد... ولم يكن له كفوا أحد". وكذلك قوله في آية أخرى: "وإلهكم اله واحد"…. وقوله: "لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة" (22).
والواقع أن اليهود ، بوحدانية الله وحماستهم لهذا الجهر والتركيز على الوحدانية قد نقلوا عدوى ذلك إلى المسلمين. ففي الأحاديث القدسية المنسوبة إلى الذات الإلهية نقرأ الحديث التالي الذي رواه عن نبي العرب النسائي ، وابن حبان، والحاكم ، وأبو نعيم وأبو يعلى وغيرهم قال: "قال يا موسى يا ربّ علمني شيئا أذكرك وأدعوك به ، قال موسى قلّ لا اله إلا أنت يا رب. فقال موسى إنما أريد شيئا تخصني به ، قال: يا موسى لو أن السموات السبع وعامرهنّ غيري والأرضين السبع في كفة ولا اله إلا الله في كفة مالت بهنّ كفة لا اله إلا الله" (23). 
كذلك نقرأ "حديثا قدسيا" يخاطب الله فيه موسى فيقول كما رواه أبو نعيم عن أنس عن نبي الإسلام عليه السلام: "أوحى الله إلى موسى: لولا من يشهد أن لا اله إلا الله لسلطت جهنم على أهل الدنيا..."(24).
"وحديثا قدسيا" آخر يخاطب الله فيه موسى فيقول برواية الديلمي عن أنس عن نبي الإسلام: "أوحى الله إلى موسى إن في أمة محمد لرجالا يقومون على كل شرف وواد ينادون بشهادة أن لا اله إلا الله. جزاؤهم عليّ جزاء الأنبياء" (25).
وفي الحض على عدم الشرك حديث قدسي رواه الطبراني في الكبير عن سلمان الفارسي عن نبي الإسلام أن الله قال مخاطبا الإنسان: "يا ابن آدم ثلاث خصال واحدة منهن لي ، وواحدة لك وواحدة فيما بيني وبينك ، فأمّا التي لي فتعبدني ولا تشرك بي شيئا، وأما التي لك فبما عملت من خير جزيتك به ، فإن أغفر فأنا الغفور الرحيم. وأما التي بيني وبينك ، فعليك الدعاء والمساءلة ، وعلي الاستجابة والعطاء" (26).
وعند اليهود ليس ثمة مكان بجوار الله في هيكله أو عبادته ، سواء أكان مسيحا أم نبيا أم قديسا. وقد نهى أحبار اليهود العامة من الناس عن ذكر اسمه إلا في أحوال جد نادرة. ويقصدون بذلك أن يحولوا بينهم وبين تدنيسه أو اتخاذه وسيلة للسحر. ولقد انتقل هذا الحرص إلى كثير من أدبيات المسلمين فهم يبدون حرصا أن يشيروا لله بأسماء من صفاته كقولهم: "قال تعالى" ، "رب العزة" وغير ذلك.
اليهود لكي يتجنبوا النطق بهذا الاسم الرباعي "يهوه" كانوا يذكرون منه لفظ "أد وناي" أي الرب ويشيرون باستعمال بدائل منه مثل "الواحد المقدس"، "الواحد الرحيم" والمسلمون تعودوا أن البدائل هي أسماؤه الحسنى فيكتفون مثلا بمناداته ب "الرحمن" و "الرحيم". بل إن بعضا من عامة المسلمين ينادون الله باسمه "يهوه" دون أن يدروا الأصل العبري في التسمية. وكثيرا ما تسمعهم يقولون في 
دعواتهم: "يا الله ... يا هوه" وكلمة "يا هوه" أصلها "يهوه" راجع صورة رسالة السلطان العثماني ـ الوثيقة. 
صورة الصفحة الأولى من الرسالة التي وجهها السلطان المخلوع “ عبد الحميد” إلى الشيخ أبي الشامات باللغة التركية وبخط السلطان نفسه. ولاحظ في أعلاها كلمة يا هو
بل إن كثيرا من العوام في بلاد الشام يلفظ اسم "يهوه" عند شعوره بالمفاجأة أو بضرورة الاستدلال... فإذا قلت شيئا يدعو للاعتراض أو الاستغراب قيل لك "يوه" ؟! وهذه الكلمة أصلها: "يا يهوه" أي "يا الله" بالعربية.
وبحسب اليهودية فان الله قادر على صنع المعجزات وهو يصنعها فعلا، وخاصة على أيدي كبار الأحبار، ولكن يجب أن لا يظن أن هذه المعجزات خرق لقوانين الطبيعة ، إذ ليس ثمة قوانين إلا إرادة الله. وقد أفاد الإسلام من هذه القاعدة في الشريعة اليهودية. ذلك أن نبي الإسلام لم يبرهن على رسالته بمعجزات خارقة لناموس الطبيعة. فالقرآن لو صح الزعم بإعجازه، فإن إعجازه معرفي وليس خرقا لقوانين الطبيعة. وعندما قال ابن صوريا لنبي الإسلام: "ما جئتنا بشيء" رد عليه محمد عليه السلام بآية في الخطاب القرآني: "ولقد أنزلنا إليك آيات بينات ، وما يكفر بها إلا الفاسقون" (27). والمعنى هنا: آيات قرآنية معجزات. كذلك فسر المفسرون ، الآية التي جاء فيها " ……وآتينا عيسى ابن مريم البينات وأيدناه بروح القدس" (28) فقد ذكر المفسرون أن البينات هي المعجزات كإحياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص...الخ.
وليس في الإسلام من معجزة جاء بها نبي العرب غير القرآن نفسه.... وهذا ما حسمه القرآن ذاته فقد ورد في خطابه: "وإن كبر عليك إعراضهم فان استطعت أن تبتغي نفقا في الأرض أو سلما في السماء فتأتيهم بآية. ولو شاء الله لجمعهم على الهدى فلا تكونن من الجاهلين" (29).
كذلك وردت في السورة نفسها (الأنعام): "وقالوا لولا نزّل عليه آية من ربه. قل إن الله قادر على أن ينزّل آية ولكن أكثرهم لا يعلمون" (30). ومع ذلك نجد ، خلافا لما حسمه القرآن ، أن في السيرة والحديث معجزات جاء بها نبي الأمة. بعضها رافقت ولادته، وأخرى لازمت رسالته ، فمن حديث الشجر والحجر ، وتكثير الطعام ، وتدفق المياه كنبع من بين أصابع كفه الشريفة ، وانتهاءا بأول حمار ناطق في التاريخ وهو الذي تروي السيرة أن عليه السلام أسماه يعفورا، وسميت ، تيمنا باسمه ، إحدى القرى السورية. وأعتقد أن نبي الإسلام ما كان يرضى أن تنسب إليه معجزات كهذه لا سيما وأن الخطاب القرآني حسم المسألة فنفى أن يكون محمد قد جاء بمعجزة غير القرآن. وبكل الأحوال فان الإسلام هنا لا يخرج عن قاعدة الشريعة اليهودية في "المشنا" والتي توجب عدم الظن بأن المعجزات التي يصنعها الله على أيدي كبار الأحبار هي خرق لقوانين الطبيعة.
ولم تقل التوراة إلا الشيء القليل عن خلود الثواب والعقاب. ولكن هذه الفكرة أصبحت ذات شأن كبير في آراء الأحبار والتي تضمنتها "المشنا" و"الجمارا" و"المدرش" و "البسيقتا". فقد صوروا النار على أنها "جهنم" أو "شاول" وذلك تمثلا بوادي "جهنّم" والذي كان عبارة عن كومة من الأقذار في خارج أورشليم القدس ، وتظل النار متقدة فيه لمنع انتشار الأوبئة. أما شاول فقد كانت في رأيهم مكانا مظلما تحت الأرض يذهب اليه جميع الأموات. ولقد انتقل مبدأ خلود الثواب والعقاب بحذافيره إلى الشريعة الإسلامية واذ تفنن أحبار اليهود في تقسيم السموات الى سبع طبقات ، وجهنم إلى سبع طبقات تتدرج في درجات العذاب ، فقد انتقلت اللوحه بحذافيرها إلى كتب الشريعة الإسلامية فالجنة تم تصويرها في الشريعتين على أنها حديقة تحوي جميع المسرات الجسمية والروحية ، فخمرها عصرت من كروم ، والهواء فيها معطر. والله نفسه يجتمع بالناجين من العذاب في وليمة أعظم ما يسر أصحابها أن يروا وجهه. وحتى الوليمة جاء ذكرها في صحيح الحديث. فمن بين الأحاديث القدسية مثلا ما رواه ابن عساكر عن أبي هريرة عن نبي العرب قوله: "أوحى الله إلى عيسى أن انتقل من مكان إلى مكان لئلا تعرف فتؤذى ، فوعزتي وجلالي لأزوجنّك ألف حوراء ، ولأولمنّ عليك أربعمائة عام" (31).
وإذا ما فكر اليهود في النجاة كان تفكيرهم فيها أنها نجاة شعب لا نجاة فرد، لكن نبي الإسلام جعل كل فرد مسؤولا عن نجاته.
ولم تكن العقيدة وحدها تستطيع أن تحفظ على اليهود وحدتهم ولذلك اهتموا بجماعية الشعائر. وذلك ما تلقفه المسلمون الأوائل الذين ركزوا على الصلوات الجماعية والحج. والشعائر عند الطرفين هي ، أولا وقبل كل شيء ، قانون العبادة. ولما أن حلت المعابد اليهودية محل الهيكل المدمر استبدلت الأضاحي الحيوانية بالقرابين والصلوات. وكما أن اليهود لم يجيزوا وضع صورة رمزية لله أو الآدميين كذلك فعل المسلمون لأن هؤلاء الآخرين حرصوا حرص اليهود ، على تجنب كل ما يشتم منه عبادة الأوثان. ومع أن الموسيقى الآلية كانت مباحة في الهيكل ، إلا أنها حرّمت في المعابد وحرّمت كذلك في مساجد المسلمين وفي بيوتهم.
ولقد كانت الصلاة تجربة دينية يمارسها اليهودي المتدين كل يوم ، بل يكاد يمارسها في كل ساعة. وكانت صلوات الصباح تتلى من علب صغيرة تحتوي على فقرات من الكتاب المقدس مثبتة على الجباه والأذرع. أما صلوات المسلمين التي تدخّل النبي موسى نفسه من أجل تخفيفها عن المسلم …… فإنها وان كانت تختلف شكلا عن صلوات اليهود إلا أنها تتفق معها. فاليهود والمسلمون لا يكتفون بالصلوات المنزلية، لأن الناس لا يرتبطون ويتماسكون إلا إذا اشتركوا معا في القيام بأعمال واحدة. وكان أحبار اليهود يحاجّون بما عرف عنهم من مبالغة بأن "الله لا يستجيب لصلاة الإنسان إلا إذا قام بها في الكنيس" (32) وحرّض الإسلام من جانبه المسلم على الصلاة الجماعية في المسجد.
إنما تفترق طقوس صلوات اليهود عن الصلوات الإسلامية من حيث أن الأولى تتضمن "الشمونة عسرا " والتي استبدلها الإسلام بالصلوات الإبراهيمية في خاتمة كل صلاة. والسبب أن صلاة "الشمونة عسرا" (33) وهي أهم قسم في صلوات اليهود اليومية تحوي دعاءا بمجيء ابن داود ، الملك المسيح الذي يجعل اليهود كما 
كانوا أمة متحدة ، حرة ، يعبدون الله في هيكلهم بشعائرهم وترانيمهم القديمة. ولم يكن بإمكان المسلمين لأن ينزلقوا تقليدهم فيها لأنهم يعترفون بالمجيء الأول للمسيح فيما ينكر ذلك اليهود.
أما من حيث مضمون بقية الصلوات فإنها متقاربة جدا. فالصلوات اليهودية والإسلامية تتضمن تلاوة فقرات من الكتاب المقدس ، وعلى أدعية حمد وبركة للأحياء والأموات، إضافة إلى دعاء ختامي.
وكما ورد في وصية "العازر"…… لا تتكلم في أثناء الصلاة ، وردد الإستجابات ، واعمل الخير بعد الصلاة"، كذلك اعتبر الشرع الإسلامي أن الكلام في أثناء الصلاة من بين مبطلاتها. وحض نبي الإسلام على ترديد الاستجابات وعمل الخير بعد الصلاة.
وتكاد قواعد الطهر والنظافة تكون واحدة في الدينين فكلاهما يرى أن الصحة البدنية تعين على سلامة الروح. لقد كان الأحبار يحرمون على بني دينهم أن يعيشوا في مدينة ليس بها حمام، ويعينون للاستحمام قواعد تكاد تبلغ مرتبة الأوامر الطبية. فنبي الإسلام قرر أن "النظافة من الأيمان" لكن أحبار اليهود تشددوا في قواعد الغسل كقولهم: "إذا اغتسل الإنسان بماء ساخن ولم يغتسل بعده بماء بارد كان مثله كمثل الحديد الذي يحمى في تنور ثم لا يوضع بعدئذ في ماء بارد" (34) وتشدد نبي الإسلام في قواعد أخرى تتعلق بغسل السبيلين "والاستبراء" و "الاستنجاء" وسوى ذلك، إلا أن الشريعتين تلتقيان عند ضرورة غسل أعضاء الجسم قبل الصلاة العامة، وقبل القيام بكل شعيرة دينية ، بالنسبة لليهود) وقبل مسّ القرآن (بالنسبة للمسلمين. وبحسب الشريعتين معا فان جثث الموتى، والاتصال الجنسي ، والحيض ، والولادة ، والخنازير نجس يستوجب الطهر منه. فيما تشددت اليهودية وحدها في الأمراض الجلدية. والمرأة في الشريعة اليهودية تعتبر نجسة فلا يقترب منها زوجها أربعين يوما بعد أن تلد ولدا. ويطبق المسلمون هذه القاعدة حتى اليوم. فتستحم المرأة المسلمة في اليوم الأربعين من ولادتها لتطهر من نجسها. وهذا ما يسميه عوام المسلمين في بلاد الشام ب "الفسخ".
وتقضي الشريعتان كذلك بعملية الختان. ومع أن الشريعة الموسوية تعتبر الختان قربانا ليهوه وعهدا بينه وبين عباده ، ومع أن الشريعة الإسلامية تقتضي ذلك على أنها "أمر من رسول الله" فإن انتشار هذه العادة بين المصريين الأقدمين والأحباش والفينيقيين ، والعرب عموما ، يوحي بأنها كانت إجراءا صحيا يحتمه الجو الذي يساعد على النضوج والإهتياج الجنسي المبكرين أكثر مما هو وسيلة من وسائل النظافة. 
وحتى طريقة الذبح تكاد تكون واحدة في الشريعتين فهما تجمعان معا على وجوب ذبح الحيوان بطريقة تضمن أن تقل آلامه إلى أقصى حد ، وبحيث يخرج الدم من اللحم. لأن أكل اللحم بما فيه من الدم رجس. ومن أجل هذا يجب أن يعهد إلى أشخاص مدربين بذبح الحيوان فيتأكدوا من سلامته من الأمراض. ويجب أن يقوم الناحر بذكر اسم الله عند الذبح. ولحم الخنزير محرم ممقوت وكذلك الميتة والموؤدة. وفي "المشنا" يجب الامتناع عن تناول الطعام في غير أوقاته: "لا تنقر طوال النهار كالدجاج" ، وكذلك نجد كثيرا من الأحاديث المروية عن نبي الإسلام وفيها يدعو المسلم إلى الاقتصاد في أكله وشرابه.
ويحتفل اليهود بعيد رأس السنة وبهلال الشهر مع بداية الإعتدال الخريفي فيكون بداية شهر تشرين الأول / اوكتوبر. وينفخون في قرن الحمل (الشفار أو الصفارة) إحياءا لذكرى نزول التوراة ، ودعوة الناس إلى التوبة من الذنوب ، واستعجالا لذلك اليوم "السعيد" حين يدعى جميع يهود العالم ليعبدوا الله في أورشليم. ومن مساء رأس السنة إلى اليوم العاشر من تشرين الأول ، تكون أيام توبة وتكفير عن الذنوب. وكان أتقياء اليهود في هذه الأيام جميعها يصومون ويصلون. فإذا جاء يوم الغفران (هاكيريم) لم يكن يجوز لهم فيه أن يأكلوا أو يشربوا أو يحتذوا نعالا، أو يقوموا بعمل أو يستحموا أو يقربوا النساء من مطلع الشمس إلى مغيبها.
والإسلام كذلك أمر بصوم المسلمين في شهر رمضان على اعتباره الشهر "الذي نزل فيه القرآن" وورد ذلك صراحة في الخطاب القرآني لقوله: شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن" …… وأما عيد الغفران (هاكيريم) فتقابله في الإسلا "ليلة القدر". والصوم اليهودي الإسلامي يبدأ يوميا من شروق الشمس إلى غروبها.
وبينما يحتفل اليهود في الرابع عشر من آذار (مارس) كل عام بعيد "بوريم" الذي أنجى فيه موردكي واستير "الشعب" من مكر الوزير الفارسي هامان .... نجد أن هامان قد ورد ذكره في القرآن وزيرا لفرعون في مصر وليس وزيرا فارسيا كما في "سفر استير" وقد طلب منه فرعون أن يقوم له بعمل ما "قال يا هامان ابن لي صرحا لعلّي أطّلع إلى إله موسى" ………
ونرى المؤرخ ول ديورانت يحكم في كتابه (قصة الحضارة) بأن "التلمود هو أولا وقبل كل شيء قانون أخلاقي ، وأن هذا القانون الأخلاقي شديد الاختلاف عن القانون الأخلاقي المسيحي، وعظيم الشبه بالقانون الإسلامي" (35).
ويتفق الدينان اليهودي والإسلامي في كثير من قواعد الأخلاق ولا سيما ما يتعلق منها بحرمة الأسرة والمسكن وطاعة الأبوين وإجلال وتكريم كبار السن ومحبة الأبناء والعطف على الأطفال وإيثار الزكاة والصدقات. والإمتناع عن الزواج عن قصد يعتبر من الآثام في اليهودية كما في الإسلام ثم إن إنشاء البيت وتكوين الأسرة من الأمور الشرعية التي يحتمها الدين اليهودي وتنص عليه القاعدة الأولى من قواعد الشريعة البالغ عددها 613 قاعدة. وفي ذلك يقول أحد المعلمين اليهود: "إن من لا ولد له يعد من الأموات. ويتفق نبي الإسلام مع استراتيجية هذا المعلم اليهودي في ضرورة التكاثر حتى روي عن محمد عليه السلام حديث شهير بين المسلمين إذ يقول: "تكاثروا وتناسلوا فإني مفاخر بكم الأمم" (36).
ولقد ورث العرب في جاهليتهم عن اليهود كرههم أن يلدوا بنات ، وفرحهم بإنجاب الذكور. ذلك أن الذكر لا الأنثى هو الذي يحمل إسم أبيه وإسم الأسرة ، ويرث أملاكه ، أما البنت فتتزوج في بيت غريب. ولا تكاد تتم تربيتها حتى يفقدها أبواها. وهذا المفهوم قد عكس نفسه في قواعد الشريعتين، اليهودية ومن بعدها الإسلامية. إنما خفف نبي الإسلام على المرأة مما كان يصيبها في الجاهلية ، وحصّل لها بعض الحقوق ، إنما بقيت مع ذلك ناقصة العقل والدين ولا تعدل شهادتها شهادة الذكر فكما أن عقلها نصف عقل الذكر كذلك فان شهادة من امرأتين تعدل شهادة رجل وترث نصف ما يرثه الذكر إن كانت شقيقة له.
ولم يندد اليهود وعلماؤهم بالشهوة الجنسية وإن كانوا يدعون إلى كبح جماحها بالزواج وبتعدد الزوجات. والعزة عند اليهودي (الرجل) تمنعه أن يسير خلف امرأة حتى ولو كانت زوجته. وتقول قاعدة "المشنا" : "خير للإنسان أن يمشي خلف أسد من أن يمشي خلف إمرأة" (37). ولا يزال المسلمون المتشددون حتى اليوم يأنفون من السير خلف زوجاتهم ، وبعضهم ممن يقود سيارته بنفسه يأنف أن تجلس زوجته بجانبه ، لا سيما إن كان بين الركاب رجل آخر.
ويشير أحبار اليهود بالزواج المبكر للشاب والفتاة. ومن الأحبار من كان يقول إن على الرجل أن يثبت دعائم مركزه الإقتصادي قبل أن يقدم على الزواج. "على الرجل أولا أن ينشيء البيت ثم يفرشه بكرمه ، ثم يتزوج"(38). واختصر محمد نبي الإسلام هذه الوصية بكلمات قليلة ، فقال: "من استطاع منكم الباءة فليتزوج" (39).
وكان الأحبار اليهود ينصحون الشاب بألا يختار زوجته لجمالها وحسب بل لصفاتها التي سوف تجعلها في المستقبل أمّا صالحة. وقد صاغ نبي الإسلام مثل هذه الوصية في ما روي عنه، بالحديث القائل: "تنكح المرأة لثلاث ، لجمالها ومالها ودينها. فاظفر بذات الدين تربت يداك".
وأجاز العهد القديم كما أجاز التلمود والقرآن تعدد الزوجات. ومن أقوال أحد أحبار اليهود في هذا المعنى: "يستطيع الرجل أن يتزوج أي عدد من النساء يشاء". ولكن فقرة ثانية في مقاله هذا تحدد عدد الزوجات بأربع ، ونجد لهذه القاعدة مثيلا في القرآن ففي مطلع إحدى الآيات نقرأ قوله: "وانكحوا ما طاب لكم من النساء" …… ولكن في فقرة ثانية من الآية حدد عدد الزوجات بأربع فاستكمل الآية بالقول …… "مثنى وثلاث ورباع".
وجملة القول أن قوانين التلمود بوجه عام من وضع الرجال وأنها لذلك تحابي الذكور محاباة بلغ من قوتها أن بعثت في نفوس أحبار اليهود الفزع من قوة المرأة وكيدها. وصحيح أن الأحبار كانوا يرون فيها خفة العقل ولكنهم يقرّون بأن لديها حكمة غريزية لا وجود لها في الرجل وهذا عبّر عنه القرآن لدى المسلمين بالقول: "إن كيدهن عظيم" ولقد أنصف القرآن المرأة أكثر مما أنصفها الشرع اليهودي فان كانت شهادتها بحسب النص القرآني تعدل نصف شهادة الذكر، فإن الشرع اليهودي ـ بحسب قول الأحبار ـ جعل "شهادة مائة امرأة تعدل شهادة رجل واحد".
ومكان المرأة في الشريعتين وآدابهما هو البيت ، ويقول أحد الأحبار المتفائلين أن المرأة في عصر المسيح الثاني ستلد طفلا في كل يوم "وتتردد في الآداب الإسلامية حتى اليوم عبارة تقول: "مكان المرأة هو بيت زوجها".
وظل اليهود طوال العصور القديمة والوسطى يجمّلون نساءهم بفاخر الثياب ، لكنهم حرموا عليهن أن يظهرن أمام الجماهير عاريات الرأس. بل وأمر اليهودي أن لا يصلي في حضرة إمرأة يرى الناس شعرها. ولم ينتقل عدوى الحجاب إلى الإسلام إلا بعد مضايقة المنافقين لزوجات نبي الإسلام فخاطبت واحدة من الآيات نبي العرب محمدا عليه السلام بالقول: "يا أيها النبي قل لأزواجك وأزواج المؤمنين 
يدنين من جلابيبهن عليهن. ذلك أدنى أن يعرفن فلا يؤذين" (40). وكان وثيق الصلة بكعب الأحبار، فقد أخرج البخاري في صحيحه عن أنس قال: "قال عمر وافقت ربي في ثلاث. قلت يا رسول الله لو اتخذنا من مقام إبراهيم مصلى ، فنزلت واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى. وقلت يا رسول الله إن نساءك يدخل علبهن البر والفاجر فلو أمرتهن أن يحتجبن فنزلت آية الحجاب. واجتمع على رسول الله صلى الله عليه وسلم نساؤه في الغيرة فقلت لهن: عسى ربه إن طلقكن أن يبدله أزواجا خيرا منكن....."(41).
وتقول إحدى قواعد "المشنا" إن من قلة الذوق والوقاحة أن تجرأ الفتيات على أن يبدين هواهن أو خيارهن بالنسبة للزوج. ومع ذلك فإن الزواج لا يكون إلا برضاء الزوجين. ولكن من حق الوالد أن يزوج ابنته لمن يشاء وهي صغيرة السن حتى وان كانت في السادسة من عمرها. وهذا ما فعله الصحابي الجليل أبو بكر الصديق عندما زوج ابنته عائشة من نبي العرب عليه السلام ، ولم تكن تتجاوز السابعة حتى أنها نفسها تقول: "تزوجني في السابعة وأهديت له وأنا في التاسعة".
وثمة عاقد يوقع عقد زواج اليهوديين ويسمى العقد "كتوبة" ويسمى عند زواج المسلمين ب "الكتاب". ويحدد في العقدين بحسب الشريعتين بائنة الزوجة مهرها ومؤخر الصداق. ولم يكن مؤخر الصداق عند اليهود يقل عن مائتي زوزا ، وهو ما يكفي لشراء بيت ، وهو في الشريعتين يقتطع من مال الزوج إذا طلقها ومات عنها.
وفي الشريعتين نجد مركز المرأة منحطا من الوجهة القانونية ، عاليا من الناحية الأخلاقية ، ولكن الرجلين اليهودي والمسلم يحمدان الله كما حمده أفلاطون لأنهما لم يولدا أنثيين. والمرأة اليهودية تجيب عن ذلك في تواضع جم: "وأنا أحمد الله الذي خلقني كما أراد" ، فيما المرأة المسلمة تجيب بقولها: "الحمد لله الذي خلقنا إناثا ولم يخلقنا ذكورا".
وللنساء في المعابد اليهودية والمساجد الإسلامية موضع منعزل في الرواق أو خلف الرجال أو في علّية خاصة ، وتلك تحية سمجة لمفاتنهن التي تلهي العابدين من الرجال عن العبادة.
وبعد أن يسرت الشريعتان اليهودية والإسلامية للرجل إشباع غريزته الجنسية عن طريق السماح له بتعدد زوجاته والتسري بما ملكت يمينه. جعلت الشريعتان الزنى من الجرائم التي يعاقب عليها مرتكبها بالإعدام رجما (إن كان متزوجا). ولكننا نجد بعض الأحبار ترق قلوبهم فيأمرون بجلد الزاني ، بل إن رب ايكا يقول: "يجد الإنسان في كتاب سيئاته يوم الحشر كل شيء رآه بعينيه وأبى أن يستمتع به".
وقد أبيح الطلاق في الشريعتين برضا الطرفين. فأما الزوج (الرجل) فلا يمكن أن يطلق إلا برضاه. وأما الزوجة فيجوز للرجل أن يطلقها بغير رضاها. 
لكن هناك من الأحبار اليهود من أصر على اتباع أسفار موسى الخمسة في التوراة بنصها الحرفي وأبرز هؤلاء الحبر "عنن" الذي احتج على ما أدخله علماء التلمود من تبديل في الشريعة الموسوية ، وما يحاولونه في تفسيرهم وشرحهم من توفيق بينها وبين الظروف القائمة في أيامهم ولذلك سمي أتباعه ب "القرائين" وكان منهم البعض في صدر الإسلام. وانتقلت قناعتهم بأن التلمود تحريف للتوراة إلى المسلمين الأوائل الذين قالوا بذلك أيضا. "والقرّاء" هو المتمسك بالنصوص. واللفظة آرامية أصلها قرا (بدون همزة على الآخر) وتعني النص. ومنه أيضا "القرآن".
والواقع أن الحبر "عنن" كان مقبولا في الفكر الديني الإسلامي ولا سيما من الشيعة الذين يطالبون بنبذ السنة واتباع القرآن وحده. فهو متمسك بالنصوص ويرفض تأويلات وشروح التلمود ويعتبرها تحريفا. كما أنه يمتدح يسوع ولكن بعد أن يقلب اسمه إلى "عيسى" ويرى فيه أنه رجل صالح لم يرغب في نبذ شريعة موسى المدونة بل كل ما كان يطلبه أن ينبذ الناس قوانين الكتبة والفريسيين الشفوية. ويرى "عنن" أن عيسى لم يكن يرغب في وضع دين جديد ، بل كان يرغب في تطهير الدين اليهودي وتدعيمه. وبالطبع لا يخفى على القارىء المسلم أن يرى أثر تعاليم القرّاء "عنن" في الشريعة الإسلامية حيث يسوع هو عيسى وهو مجرد نبي أراد تصحيح مسيرة اليهودية بتكليف من الله، وحيث الفريسيون والكتبة قد حرفوا التوراة بوضعهم التلمود. بل إن الحبر "عنن" كان له أيضا التأثير الواضح في فكر مارتن لوثر الذي طالب بنبذ التقاليد الكاثوليكية والعودة إلى الأناجيل.
ومن يقرأ سعديا بن يوسف المولود في أحد قرى الفيوم المصرية عام 892م. ويطالع شرحه لأسفار التوراة ولا سيما في "كتاب الأمانات والاعتقادات" المطبوع عام 933م. يتأكد لديه أن الشريعة الإسلامية شأنها شأن اليهودية تقوم على الوحي والتواتر معا. ومع أن الشريعتين تؤمنان أيضا بالعقل ، وتطالبان بأن يثبت استنادا إلى العقل صدق الوحي والتواتر. فإننا نادرا ما نجد فقهاء الشريعتين يطبقون ذلك.
إن فلسفة سعديا وابن ميمون كما هي فلسفة الغزالي وابن رشد والرازي ، فيها كلها أن نظام العالم وقوانينه هو ما يدل على وجود خالق مدبر عاقل. وليس من العقل في شيء أن يظن المرء بأن الله العاقل المدبر يعجز عن أن يثبت على الفضيلة. ولكن الفضيلة في الفكر اليهودي والإسلامي، كما هو واضح ، لا يثاب عليها دائما في هذه الحياة. ومن ثم لا بد أن تكون هناك حياة أخرى تعوض ما يبدو في هذه الحياة الدنيا من ظلم ظاهري. ولعل آلام الصالحين في هذه الدنيا ليست إلا عقابا لبعض ما ارتكبوه من ذنوب حتى يدخلوا الجنة من فورهم بعد موتهم ، كما أن ما يظفر به الأشرار من نعم إنما هو مثوبة على أعمالهم الصالحة العارضة.
نعم إن سعديا وابن ميمون ونظراءهما من فلاسفة العرب يكرسون ربط الحاضر بالماضي والأحياء بالأموات. وقد انتشرت ، من مظاهر ذلك ، في بيوت ومحال اليهود والمسلمين تزيين الجدران بآيات من التوراة عند اليهود وبآيات من القرآن بل ومن الأحاديث النبوية عند المسلمين. ففي بيت اليهودي كانت تعلق على باب الحجرة أنبوبة يقال لها بالعبرية "مزوزا" وتحتوي ملفا من الرق كتبت عليه فقرتان من سفر تثنيه الاشتراع (الآيات 4 - 9 من الصحاح السادس و 13 - 21 من الصحاح الحادي عشر) وهي تذكر اليهودي بأن ثمة إلها "واحد يجب عليه أن يحبه من كل قلبه وروحه وبكل قوته. وأما على جدار بيت المسلم أو متجره فكثيرا ما تقرأ عبارات قالها نبي الإسلام مثل: "خيركم من تعلم القرآن وعلمه" ومقاطع من آيات قرآنية مثل: "إن مع العسر يسرا" ، وكذلك: "ألم نشرح لك صدرك"...
ولقد ظهر في وقت ما في القرن الأول بعد الميلاد كتاب من تلك الكتب التي تتحدث عن الأسرار الخفية ويعرف باسم "سفر يصيرا" ـ أي كتاب الخلق. وكان الأتقياء والمتصوفة من اليهود ومنهم "يهودا هليفي" يقولون أن واضعه هو إبراهيم الخليل ، أو الله نفسه ، ومما جاء فيه أن عملية الخلق قد تمت بواسطة عشر "سفروتات" (أي إعداد أو أصول) وهي: روح الله. وفيوض ثلاثة منها: الهواء والماء والنار ، وثلاثة أبعاد مكانية إلى اليسار ، وثلاثة أبعاد زمانية إلى اليمين، وهذه الأصول هي التي حددت محتويات العالم.
والواقع أن "سفر يصيرا" هو ما يسميه القرآن ب "صحف إبراهيم" ولأن عملية الخلق قد تمت بواسطة عشرة سفروتات ، انتقلت أهمية هذه المناسبة إلى العقيدة الإسلامية وسميت ب "عاشوراء" وتحولت إلى مناسبة للصوم فيما أثر عن نبي الإسلام. فقد روي عن ابن عباس "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صام يوم عاشوراء وأمر بصيامه" (42). وهذا الحديث متفق عليه. بل إن نبي الإسلام كان يصوم أيام العشر. وقد وصفها بحسب ما روي عن ابن عباس بقوله: "ما من أيام العمل الصالح فيها أحب إلى الله من هذه الأيام" (43). والواقع أن "سفر يصيرا" يكاد أيضا يشرح فلسفة العدد (7) في الإسلام التي هي عبارة عن فيض.
روح الله وثلاثة أبعاد مكانية إلى اليسار وثلاثة أبعاد زمانية إلى اليمين. وأما فلسفة العدد (10) فتكون بإضافة فيوض روح الله الثلاثة إلى سابقتها وهي: الهواء والماء والنار (44).
ولقد اقتبس الشيعة عند المسلمين مناسبة عاشوراء فكانت موعد حدادهم على استشهاد الحسين ابن علي. ولكنهم اقتبسوا وحدهم دون غيرهم شيئا آخر من "سفر زوهر" أو ما يسمى بكتاب المجد. وهذا يعزى تأليفه إلى شمعون بن يوحاي أحد علماء القرن الثاني للميلاد. وفيه يذكر شمعون أن الملائكة قد ألهمته وألهمت السفروتات العشرة أن يكشفوا لقرائه المستترين الأسرار التي كانت من قبل محفوظة إلى أيام المسيح المنتظر.
ولقد جمعت في الزوهر كل عناصر القبالة: فكرة الإله الشامل لكل شيء والذي لا يعرف إلا عن طريق الحب. والحروف الأربعة المكونة لأسم يهوه ، والأوساط الخالقة ، والفيوض الربانية ، والاستعارات الخاصة بالعالم الكبير والعالم الصغير. وتاريخ ظهور المسيح وكيفية ظهوره، وأزلية الروح وتنقلها ، والمعاني الصوفية للطقوس الدينية ، والأعداد والحروف والنقط والشرط واستعمال الكتابات الجفرية. وقراءة الكلمات عكسا لا طردا ، ومثل ذلك قراءة اسم يسوع التي أصبحت عوسي ثم انقلبت إلى عيسى.
وأهم ما في هذه المسألة أن عبد الله بن صوريا اليهودي الأصل قد نقل إلى بعض شيعة الإسلام شيئا من تعاليم "سفر زوهر" فعلمهم فلسفة الأعداد والحروف وطريقة استعمال الكتابات الجفرية. حتى أصبح للشيعة فيما بعد "جفر" خاص. وتاريخ ظهور المسيح وكيفية ظهوره باتت لديهم تاريخا لظهور المهدي المنتظر وهو الحسين بن علي ، أو أبوه ابن أبي طالب. والواقع أن مفكري الشيعة ومحدثيهم ينكرون وجود عبد الله بن صوريا أساسا ، ويقولون أنه شخص وهمي.