الإسرائيليات في الإسلام

 

إذا ، فالإسرائيليات لم تتسرب إلى العقيدة الإسلامية عن طريق التفسير والحديث فقط ، كما رأى عدد من كبار المفسرين. فالإسرائيليات التي يحذر فقهاء المسلمين من وجودها في نصوصهم المقدسة لم يكن مصدرها "التوراة" ، بل "المشنا" و "البسيقتا" و "المدرش" و "سفر زوهر" و "سفر يصيرا". أما التوراة نفسها فهي في صلب بنيان القرآن ، وقد أقر الخطاب القرآني بذلك عندما أكد على وحدة الكتاب عند الله. وليس صحيحا أن القرآن جاء ناسخا للتوراة والإنجيل فالقرآن والإنجيل والتوراة يستندون كما رأينا في مطلع البحث إلى عقيدة جوهرية واحدة هي عقيدة التوحيد: "وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا اله إلا أنا فاعبدون" (45). والمسلمون يؤمنون بالكتاب كله ، بالذي أنزل إلى اليهود والنصارى ، ولا يمكن للوحي أن ينقض بعضه بعضا: "ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن إلا الذين ظلموا منهم وقولوا آمنا بالذي أنزل إلينا وأنزل إليكم وإلهنا وإلهكم واحد ونحن له مسلمون" (46). ولا يمكن لامريء أن يقول بأن الإسلام نسخ وابطل ما قبله فقد "شرع لكم من الدين ما وصّى به نوحا ، والذي أوحينا إليك ، وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى" (47).
وقد رأينا أن مفسري القرآن من الصحابة والأتباع ـ قبل القرن الثامن ميلادي، وتحديدا قبل خلافة عمر بن عبد العزيز ـ ما كانوا يطلعون على التوراة للإستئناس بها عند شرحهم للآيات القرآنية ، ولا سيما في ما يختص بأخبار الأولين ، بل كانوا يلجأون إلى "أهل الكتاب" من اليهود، لا سيما من دخل منهم في الإسلام ، فكان هؤلاء يضلّونهم بما يعرفونه من "المشنا" وغيره. وهي أضاليل لا أساس لها في التوراة. حتى أن المفسرين في القرنين التاسع عشر ، والعشرين للميلاد كانوا يحملون على المفسرين الذي أغرموا بالإسرائيليات ، ويكشفون ذلك عند مقارنة هذه الإسرائيليات بأسفاره التوراة. ومن بين الذين عابوا على سابقيهم من المفسرين تورطهم في الإسرائيليات: الشيخ محمد رشيد رضا صاحب "تفسير القرآن الحكيم" الشهير ب "المنار" (48) فقد كان الشيخ رضا يقارن هذه الإسرائيليات بما ورد في التوراة فيردها ، وكانت صحبة الصحابي لا تحميه عنده إذا تأكد له صحة نسب واحدة من الإسرائيليات إليه. وهو أحيانا يضرب صفحا عن ذكر الإسرائيليات ويكتفي بالإشارة إليها وبيان بطلانها ، ومن ذلك مثلا أنه عندما فسر الآية 69 من "سورة الأعراف" نجده يفسر قوله: "وزادكم في الخلق بسطة" بأنه زادهم في المخلوقات بسطة وسعة في الملك والحضارة ، أو بسطة في خلق أبدانهم ، إذا كانوا طوال الأجسام ، أقوياء الأبدان... حتى يقول: "وفي التفسير المأثور روايات إسرائيلية الأصل في المبالغة في طولهم وقوتهم ، لا يعتمد عليها ولا يحتج بشيء منها" (49). 
كذلك فإنه يعرض لتفسير قصة نوح في القرآن فيقول: "وأما ما حشا المفسرون به تفاسيرهم من الروايات في هذه القصة وغيرها عن الصحابة والتابعين وغيرهم، فلا يعتقد بشيْ منه (50) ويضرب مثلا في ذلك الحديث المروي عن عائشة في صنع السفينة ، وأم الولد الكافر الذي رفعته لينجو فغرق معها. ويضيف قوله: "وأنكر منه ما رواه ابن جرير عن ابن عباس عن إحياء عيسى عليه السلام بطلب الحواريين لحام بن نوح وتحديثهم إياه عن السفينة في طولها ، وعرضها ، وارتفاعها ، وطبقاتها ، وما في كل منها. ودخول الشيطان فيها بحيلة احتال بها على نوح ، ومن ولادة خنزير وخنزيرة من ذنب الفيل ، وسنّور وسنّورة من منخر الأسد ، وكل ذلك من الأباطيل الإسرائيلية المنفرة وقد رواه من طريق علي ابن زيد ابن علي (51).
وعلى الأغلب نجد صاحب "تفسير المنار" يذكر الروايات الإسرائيلية التي تناقلها المفسرون ، ثم يعرضها على التوراة متخذا من ذلك دليلا على كذبها. فالتوراة عنده هي الأصل المعتمد ، بل هي المحك الذي يعرض عليه روايات المفسرين المسلمين ، فما وافقها فهو حق وما خالفها فهو باطل.
ومن ذلك تفسيرة للآية القرآنية التالية: "قالوا يا موسى إن فيها قوما جبارين وانا لن ندخلها حتى يخرجوا منها ، فان يخرجوا منها فإنا داخلون" (52). 
ويقول صاحب تفسير المنار في ذلك: "أما ما روي في التفسير المأثور من وصف هؤلاء الجبارين ، فأكثره من الإسرائيليات الخرافية التي كان يبثها اليهود في المسلمين ، فردّدوها من غير عزو إليهم ، كقولهم إن العيون الإثني عشر الذين بعثهم موسى إلى ما وراء الأردن ليتجسسوا ويخبروه بحال تلك الأرض ومن فيها قبل أن يدخلها قومه ، رآهم أحد الجبارين فوضعهم كلهم في كسائه، وفي رواية: كان أحدهم يجني الفاكهة ، فكان كلما أصاب واحدا من هؤلاء العيون وضعه في كمه مع الفاكهة. وفي رواية: أن سبعين رجلا من قوم موسى استظلوا في خف رجل من هؤلاء العماليق (53).
ثم يقول صاحب "المنار" في تعليق على التفسير: "وهذه القصة مبسوطة في الفصل الثالث عشر والرابع عشر من سفر العدد ، الذي هو السفر الرابع من أسفار التوراة. وفي أولهما أن الجواسيس تجسسوا أرض كنعان كما أمروا ، وأنهم قطعوا في عودتهم زرجونة (كرمة) فيها عنقود عنب واحد ، حملوه بعتلة بين اثنين منهم ومعه شيء من الرمان والتين. وقالوا لموسى وهو في ملأ بني إسرائيل: قد صرنا إلى الأرض التي بعثنا فيها ، فإذا هي بالحقيقة تدرّ لبنا وعسلا ، وهذا ثمرها ، غير أن الشعب الساكنين فيها أقوياء ، والمدن حصينة عظيمة جدا ، ورأينا ثم أيضا بني عناق – "إلى أن قال الكاتب " - وكان كالب يسكت الشعب عن موسى قائلا: نصعد ونرث الأرض فانا قادرون عليها. وأما القوم الذين صعدوا معه (أي للتجسس) فقالوا لا نقدر أن نصعد إلى الشعب لأنهم أشد منا ، وشنعوا عند بني إسرائيل على الأرض التي تجسسوها وقالوا هي أرض تأكل أهلها ، وجميع الشعب الذين رأيناهم فيها طوال القامات ، وقد رأينا ثم من الجبابرة جبابرة بني عناق، فصرنا في عيوننا كالجراد، وكذلك كنا في عيونهم".
ويعلق صاحب "المنار" بعد أن يعرض رواية المفسرين المسلمين على رواية التوراة فيقول:
“فأنت ترى أنه ليس في الرواية المعتمدة عند بني إسرائيل تلك الخرافات التي بثوها بين المسلمين في العصر الأول ، وإنما فيها من البالغة: أنهم لخوفهم ورعبهم من الجبارين ، احتقروا أنفسهم حتى رأوها كالجراد ، واعتقدوا أن الجبارين رأوهم كذلك، وأما حمل زرجون العنب والفاكهة بين رجلين فلا يدل على مبالغة كبيرة في عظمها، وقد يكون سبب ذلك حفظها لطول المسافة" (54).
مع ذلك ، فهنالك حتى الآن بين العلماء المسلمين من يرفض هذه الحقيقة، حقيقة أن التحريف كان في تسريب الشريعة غير المكتوبة التي كان يتداولها اليهود في صدر الإسلام والدليل أن التوراة التي بين أيدينا اليوم والتي كانت بين أيدي صاحب "المنار" خالية من هذه الخرافات التي اعتمدها المفسرون المسلمون الأوائل. والطريف في الأمر أن المفسرين المعاصرين للقرآن يقبلون بهذه الخرافات الإسرائيلية الفاضحة ويتهمون التوراة بالتحريف مع أنها جاءت خلوا من هذه الخرافات. ومن ذلك مثلا أن الشيخ الدكتور محمد السيد حسين الذهبي يأخذ على صاحب "المنار" احتكامه للتوراة فيعلق بقوله: "ولست أرى وجها للمقارنة بين ما ذكره المفسرون ، وما نقله عن التوراة ، فالتوراة دخلها التحريف والتبديل ، فالاحتكام إليها غير صحيح ، ثم لم يهوّن الشيخ من مبالغات التوراة ، وما فيها قريب مما كتب في التفسير ؟ الحق أن هذا مسلك ما كان للشيخ ـ رحمه الله ـ أن يسلكه" (55).
غريب أمر الشيخ الذهبي وأمثاله ... فهو يرى أن صاحب "المنار" يهون من مبالغات التوراة ، ويرى أن ما فيها قريب مما كتب في التفسير ؟‍ !!! فهل أن قول المستطلعين الذين أوفدهم موسى إلى أرض كنعان "فصرنا في عيوننا كالجراد" مبالغة إلى حد الخرافة؟… أو لا يقول المسلم في حياته العامة لقد صغرت في عيني كما صغرت في عيون الناس. وهل هذه الكناية قريبة من الخرافات التي وردت في تفسير القرآن كقوله "رآهم أحد الجبارين فوضعهم كلهم في كسائه" وكذلك قوله: "أن سبعين رجلا استظلوا في خف رجل من هؤلاء العماليق" ؟ !!! أبمثل هذا العقل والتفكير حكمنا على التوراة بأنها محرفة ؟! إن الذهبي يصر على اعتماد الخرافات الاسرائيلية في التفسير حتى لا يقال ان التوراة صالحة كمقياس.
وبينما يدعو الشيخ محمد رشيد رضا صاحب "المنار" إلى تحكيم العقل فيقول: "زمن أراد الاسرائيليات فليرجع الى المتفق عليه عند أهل الكتاب ليعلم الفرق بين ما عندنا وما عندهم (56) ، وبينما يقول أيضا: "إذا علمت هذا فلا يغرّك شيء مما يروى في التفسير المأثور في تفصيل هذه القصة ، فأكثره لا يصح، وهو أيضا مأخوذ من تلك الاسرائيليات المأخوذة عن زنادقة اليهود ، الذين دخلوا في الاسلام لكيد له ، وكذلك الذين لم يدخلوا فيه" (57). بينما صاحب "المنار" يقول ذلك منصفا ومنبها نجد الذهبي يقول: "ومالنا ولكون التوراة معتمدة عند أهل الكتاب ؟ المهم أن تكون عندنا حتى تكون حجة على ما سواها من المذكور في التفسير، وذلك لا يقول به مسلم فكيف إذا تصح المقارنة ؟! (58).
ونحن نقول بدورنا: إن بمثل هذا التعصب لا يمكن لعقل الذهبي بل لعقل أي مسلم أن يتبين الحقيقة، ولا أعتقد أن أحدا يخطّئنا القول بذلك!!
وأخذ "الذهبي" على صاحب "المنار" أنّ الأخير يقول عن تفسير الآية 192 من سورة الأعراف ما يلي : 
"ولا ثقة لنا في شيء مما روى في هذا التبديل من ألفاظ عبرانية ولا عربية، فكله من الإسرائيليات الوضيعة ـ كما قال الأستاذ الإمام هنالك (59)- وان خرج بعضه في الصحيح والسنن موقوفا ومرفوعا ، كحديث أبي هريرة المرفوع في الصحيحين وغيرهما: قيل لبني إسرائيل: ادخلوا الباب سجّدا وقولوا حطّه ، فدخلوا يزحفون على أستاهم وقالوا: حطة ، حية في شعرة ، وفي رواية: في شعيرة ـ رواه البخاري في تفسير السورتين (60) من طريق همام بن منبه أخي وهب ، وهما صاحبا الغرائب في الإسرائيليات ، ولم يصرح أبو هريرة بسماع هذا من النبي صلى الله عليه وسلم ، فيتحمل أنه سمعه من كعب الأحبار ، إذ ثبت أنه روي عنه" (61). 
وصاحب "المنار" هنا يورد حديثا في صحيح البخاري. وهو يعتمد أسفار التوراة وينكر المفسرين الذين حشوا تفاسيرهم بالإسرائيليات. لأن الإسرائيليات ليست من التوراة بل من وضع زنادقة يهود - كما يقول - وقد سرت منهم إلى المسلمين وهي خرافات ومفتريات صدقهم فيها الرواة ، بمن فيهم بعض صحابة نبي الإسلام عليه السلام.
ولصاحب "المنار" العلامة الشيخ محمد رشيد رضا رأي في كعب الأحبار الذي يحيطه المسلمون على مدى عصورهم بهالة من القداسة ، فعند تفسيره للآية 187 من سورة الأعراف (يسألونك عن الساعة أيّان مرساها) يتناول الشيخ رضا مشكلة الروايات الواردة في شأن الآجال ، وذكر منها رواية عن كعب الأحبار وناقشها ، وانتهى منها بحكمه السديد على كعب فقال: "إن يد بطل الإسرائيليات الأكبر كعب الأحبار. قد لعبت لعبها في مسألة الدجال (في كل واد أثر من ثعلبة)" (62).
وهو ـ أي صاحب "المنار" ـ يأتي برواية أخرى عن كعب الأحبار في شأن الدجال فيقول: "بمثل هذه الخرافات كان كعب الأحبار يغش المسلمين ، ليفسد عليهم دينهم وسنتهم ، ويخدع به الناس لإظهاره التقوى ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم" (63). 
ويلتفت صاحب "المنار" أيضا إلى دور "وهب بن منبه" الذي ترك اليهودية إلى الإسلام ، أو تظاهر في ذلك ، ففي تفسيره للآية القائلة: "فألقى عصاه فإذا هي ثعبان مبين" (64) يقول العلامة الشيخ محمد رشيد رضا: "وفي التفسير المأثور روايات في صفة الثعبان الذي تحولت إليه عصا موسى عليه السلام ، وفي تأثيره لدى فرعون ، ما هي إلا من الإسرائيليات التي لا يصح لها سند ولا يوثق بشيء منها (65).
ويضرب مثلا رواية وهب بن منبه: "إن العصا لما صارت ثعبانا حملت على الناس فانهزموا منها ، فمات منهم خمسة وعشرون ألفا ، قتل بعضهم بعضا ، وقام فرعون منهزما" (66).
ويعلق عليها بالقول: "وقد اقتصرت على هذه الرواية ، لأقول: إنني أرجح تضعيف عمرو ابن الفلاس لوهب على توثيق الجمهور له ، أنا أسوأ فيه ظنا ، على ما روي من كثرة عبادته ، ويغلب على ظني أنه كان له ضلع مع قومه الفرس الذين يكيدون للإسلام والعرب ، ويدسون لهم من باب الرواية ومن طريق التشيع، فقد ذكر الإمام أحمد: أن والده منبها فارسي أخرجه كسرى إلى اليمن فأسلم (من اليهودية ) في زمن النبي صلى الله عليه وسلم. وأن ابنه وهبا كان يختلف من بعده إلى بلاده بعد فتحها، وههنا موضع الشبهه في الغرائب المروية عنه وهي كثيرة. مثله عندي كعب الأحبار الإسرائيلي ، كلاهما كان تابعيا كثير الرواية للغرائب التي لا يعرف لها أصل معقول ولا منقول، وقومهما كانوا يكيدون للأمة الإسلامية العربية التي فتحت بلاد الفرس، وأجلت اليهود من الحجاز، فقاتل الخليفة الثاني (عمر بن الخطاب) فارسي مرسل من جمعية سرية لقومه ، وقتلة الخليفة الثالث كانوا مفتونين بدسائس عبد الله بن سبأ اليهودي والى جمعية السبأيين وجمعيات الفرس، ترجع جميع الفتن السياسية وأكاذيب الرواة في صدر الإسلام" (67).
وإذا فالإسرائيليات لم يكم مصدرها "التوراة". إنما السؤال الذي يجدر طرحه هو: كيف تسربت هذه الإسرائيليات إلى تفسير القرآن ؟!
لقد كان علماء التفسير ، وبعضهم من الصحابة وفي صدر الإسلام يلجأون إلى اليهود لتفسير ما يستعصي عليهم فهمه من آيات القرآن ، وبذلك كان اليهود يجدونها فرصة سانحة لحشو عقول العلماء المسلمين بخرافات وسذاجات غريبة. فالألوسي مثلا ينقل عن تفسير البغوي خرافات اليهود. فعند تفسيره للآية (12( من سورة المائدة "ولقد أخذ الله ميثاق بني إسرائيل وبعثنا اثني عشر نقيبا نرى البغوي يروي قصة غريبة عن عوج بن عنق وأن طوله كان ثلاثة آلاف وثلاثمائة وثلاثة وثلاثين ذراعا وثلثا ، وأنه كان يحتجز بالسحاب ويشرب منه ، ويتناول الحوت من قرار البحر فيشويه بعين الشمس، وأن ماء الطوفان طبق ما على الأرض من جبل وما جاوز ركبتي عوج، وأنه عاش ثلاثة آلاف سنة ، حتى أهلكه الله على يد موسى".
ثم يذكر كيفية هلاكه فيقول: "أنه جاء وقوّر صخرة الجبل على قدر عسكر موسى عليه السلام ـ وكان فرسخا في فرسخ ـ وحملها ليطبقها عليهم، فبعث الله تعالى الهدهد فقوّر الصخرة بمنقاره فوقعت في عنقه فصرعته ، فأقبل موسى عليه السلام وهو مصروع فقتله"………
ثم يذكر: "أن أم عوج ـ وهي عنق إحدى بنات آدم ـ كان مجلسها قريبا من الأرض ، وأن عوج بن عنق لقي بني إسرائيل ، الذين أمرهم الله أن يدخلوا الأرض المقدسه ـ وكان على رأسه حزمة من حطب ـ فأخذهم جميعا وجعلهم في حزمته ، وانطلق بهم إلى امرأته ، وقال لها: انظري إلى هؤلاء الذين يزعمون أنهم يريدون قتالنا ، وطرحهم بين يديها ، وقال: ألا أطحنهم برجلي ؟ فقالت له امرأته ، بل خلّ عنهم حتى يخبروا قومهم بما رأوا ففعل"(68).
وفي فتاوى العلامة ابن حجر، قال العماد الحافظ ابن كثير: "قصة عوج وجميع ما يحكمون عنه هذيان لا أصل له ، وهو من مختلقات أهل الكتاب ، ولم يكن قط على عهد نوح عليه السلام ، ولم يسلم من الكفار أحد. وقال ابن القيّم: من الأمور التي يعرف بها كون الحديث موضوعا: أن يكون مما تقوم الشواهد الصحيحة على بطلانه ، كحديث عوج بن عنق ، وليس من العجيب من جرأة واضع هذا الحديث والكذب على الله تعالى ، إنما العجب ممن يدخل هذا الحديث في كتب العلم من التفسير وغيره ولا يبين أمره. ثم قال: لا ريب أن هذا وأمثاله من صنع زنادقة أهل الكتاب الذين قصدوا الإستهزاء والسخرية بالرسل الكرام عليهم الصلاة والسلام وأتباعهم" (69).
"والخازن"، وهو علاء الدين أبو الحسن علي البغدادي الشافعي يعتمد هو نفسه على أحد من اليهود الذين أسلموا ، وذلك في تفسيره لكثير من آيات القرآن. وهذا اليهودي الذي أسلم أو تظاهر بالإسلام ليس غير وهب بن منبه الذي حذر منه صاحب "تفسير المنار" الشيخ محمد رشيد رضا. ففي تفسيره للآيتين: "وأيوب إذ نادى ربه أني مسّني الضر وأنت أرحم الراحمين. فاستجبنا له فكشفنا ما به من ضر وآتيناه و وأهله ومثلهم معهم رحمة من عندنا وذكرى للعابدين " (70 (يروي الخازن عن وهب بن منبه ما يمس العقيدة الإسلامية نفسها، إذ يقول: "قال وهب بن منبه كان أيوب رجلا من الروم ، وهو أيوب بن أموص ، بن تارح بن روح بن عيص بن اسحق بن إبراهيم. وكانت أمه من ولد لوط بن هاران ، وكان الله قد اصطفاه ونبأه وبسط له الدنيا ، وكانت له البثينة من أرض البلقاء من أعمال خوارزم مع أرض الشام كلها ، سهلها وجبلها ، وكان له فيها من أصناف المال كله ، من الإبل والبقر والغنم ، والخيل والحمير ، ما لا يكون لرجل أفضل منه في العدد والكثرة وكان له خمسمائة فدان ، يتبعها خمسمائة عبد ، لكل عبد امرأة وولد ومال ، ويحمل له آلة كل فدان أتان ، لكل أتان من الولد اثنان ، أو ثلاث ، أو أربع ، أو خمس وفوق ذلك ، وكان الله تعالى قد أعطاه أهلا وولدا من رجال ونساء ، وكان برّا تقيا ، رحيما بالمساكين ، يطعمهم ويكفل اليتامى والأرامل ، ويكرم الضيف ، ويبلّغ ابن السبيل ، وكان شاكرا لأنعم الله ، مؤديا لحق الله ، قد امتنع من عدو الله إبليس ، أن يصيب منه ما يصيب من أهل الغنى ، من العزة والغفلة والتشاغل عن أمر الله بما هو فيه من أمر الدنيا" ………… 
"وكان إبليس لا يحجب عن شيء من السموات ، وكان يقف فيهن حيثما أراد ، حتى رفع الله عيسى فحجب عن أربع ، فلما بعث محمد صلى الله عليه وسلم حجب عن السموات كلها ، إلا من استرق السمع. فسمع إبليس تجاوب الملائكة بالصلاة على أيوب ، وذلك حين ذكره الله وأثنى عليه ، فأدرك إبليس الحسد والبغض فصعد سريعا حتى وقف من السماء حيث كان يقف، وقال: الهي، نظرت في أمر عبدك أيوب فوجدته عبدا أنعمت عليه فشكرك ، وعافيته فحمدك ، ولو ابتليته بنزع ما أعطيته لحال عما هو عليه من شكرك وعبادتك ، ولخرج من طاعتك. قال الله تعالى: انطلق فقد سلطتك على ماله ، فانقض عدو الله حتى وقع على الأرض ، فجمع عفاريت الجن ومردة الشياطين وقال لهم: ماذا عندكم من القوة ؟ فقد سلطت على مال أيوب ، وهو المصيبة الفادحة ، والفتنة تأتى لا تصبر عليها الرجال".
وبعد أن يذكر أقوالا غريبة في إفناء أموال أيوب ، يضيف قوله: "فلما رأى إبليس أنه قد أفنى ماله ولم ينج عنه بشيء صعد سريعا حتى وقف الموقف الذي يقف فيه ، وسأل الله أن يسلطه على ولده، فقال الله له: "انطلق فقد سلطتك على ولده" 
ويذكر بعد ذلك الكثير عن العذاب والهلاك الذي وقع بولده ، ثم يذكر أن إبليس جاء إلى أيوب بعد ذلك وقال له: "لو رأيت بنيك كيف عذبوا ، وكيف انقلبوا منكوسين على رؤوسهم ، تسيل دماؤهم وأدمغتهم ، ولو رأيت كيف شققت بطونهم فتناثرت أمعاؤهم لتقطع قلبك عليهم ، فبكى أيوب وقبض قبضة من التراب فوضعها على رأسه وقال: ليت أمي لم تلدني ، ثم لم يلبث أن تاب إلى ربه فوقف إبليس خاسئا ذليلا ، وسأل الله أن يسلطه على جسد أيوب ، فقال له عز وجل: انطلق فقد سلطتك على جسده ، ولكن ليس لك سلطان على لسانه وقلبه وعقله. فانقض عدو الله إبليس سريعا فوجد أيوب ساجدا ، فعجل قبل أن يرفع رأسه ، فأتاه من قبل وجهه ، فنفخ في منخريه نفخه اشتعل منها جسده ، فخرج من قرنه إلى قدمه تآليل مثل اليات الغنم ، ووقعت فيه حكة ، فحك بأظافره حتى سقطت كلها ، ثم حكها بالمسرح الخشنة حتى قطعها ، ثم حكها بالفخار والحجارة الخشنة حتى قرح لحمه وتقطع وتغير وأنتن ، فأخرجه أهل القرية حتى جعلوه على كناسة لهم، وجعلوا له عريشة ، ورفضه خلق الله كلهم غير امراته".
ثم ذكر وهب بن منبه كلاما طويلا في حوار أيوب مع بعض خلصائه ، وفي تضرعه إلى الله ، كي يكشف عما به من بلاء وضرّ ، وما كان من كلام له وكشفه الضر عنه ، ثم نقل عن الحسن البصري: "أن أيوب مكث مطروحا على كناسة لبني إسرائيل سبع سنين واشهر يختلف فيه الدود ، ولا يقربه أحد غير رحمة (اسم زوجته) ثم إن صبر أيوب على بلائه أعيا إبليس ، فاستشار أعوانه ، فأشاروا عليه أن يأتيه من قبل زوجته ، فانطلق إبليس حتى أتى رحمة امرأة أيوب ، فتمثل لها في صورة رجل وقال لها: أين بعلك يا أمة الله ؟ قالت: هو ذاك يحك قروحه ويرد الديدان في جسده ، فأخذ يوسوس لها ويذكرها بجمال أيوب وشبابه وما هو فيه من الضر ، وأن ذلك لا ينقطع عنه أبدا ، فصرخت ، فعلم أنها جزعت ، فأتاها ساخطة وقال: ليذبح لي هذه أيوب ويبرأ ، فجاءت تصرخ: يا أيوب ، حتى متى يعذبك ربك ؟ أين المال ؟ أين الولد ؟ أين الصديق ؟ أين لونك الحسن ؟ أين جسمك الحسن ؟ اذبح هذه السخلة واسترح. فقال لها أيوب: أتاك عدو الله فنفخ فيك، ويلك ... ... والله لئن شفاني الله لأجلدنك مائة جلدة، أمرتني أن أذبح لغير الله.... وطردها..." (71).
والخازن ينتهي من هذه القصة ولا يعقب عليها بشيء. فهي من قصص القرآن وهكذا فسرها صحابي جليل هو: وهب بن منبه. أفلا يخطر ببال المسلم أنها إعادة قراءة للتوراة! 
حتى ابن كثير ، نجده في تفسيره المعروف باسمه يستند إلى كثير من الروايات الإسرائيلية الغريبة ، مع أنه في أحيان كثيرة يحذر في تفسيره من الروايات الإسرائيلية ، فمثلا ، عند تفسيره للآية (258) من سورة البقرة: "ألم تر إلى الذي حاجّ إبراهيم في ربه أن آتاه الله الملك" … …… نجده بعد أن يذكر بأن الذي حاجّ إبراهيم عليه السلام هو ملك بابل " نمرود بن كنهان ، أو نمرود بن فالخ يقول التالي: "وروي عن عبد الرزاق، عن معمر ، عن زيد بن اسلم: أن النمرود كان عنده طعام ، وكان الناس يفدون إليه للميرة ، فوفد إبراهيم في جملة من وفد للميرة ، فكان بينهما هذه المناظرة ، ولم يعط إبراهيم من الطعام كما أعطى الناس، بل خرج وليس معه شيء من الطعام ، فلما قرب من أهله عمد إلى كثيب من التراب فملأ منه عدليه ، فقال: أشغل أهلي عني إذا قدمت إليهم ، فلما قدم وضع رحاله ، وجاء فاتكأ فنام ، فقامت امرأته سارة إلى العدلين فوجدتهما ملآنين طعاما طيبا ، فعملت طعاما ، فلما استيقظ إبراهيم وجد الذي قد أصلحوه ، فقال: أنّى لكم هذا ؟ قالت: من الذي جئت به ، فعلم أنه رزق رزقهم به الله عز وجل. قال زيد بن اسلم: وبعث الله إلى ذلك الملك الجبار ملكا يأمره بالإيمان بالله ، فأبى عليه ، ثم دعاه الثانية فأبى ، ثم الثالثة فأبى ، وقال: اجمع جموعك ، واجمع جموعي ، فجمع النمرود جيشه وجنوده وقت طلوع الشمس ،فخرجت اليه البعوض، وسلطها الله عليهم ، فأكلت لحومهم ودماءهم ، وتركتهم عظاما بادية ، ودخلت واحدة منها في منخري الملك ، فمكثت في منخري الملك أربعمائة سنة عذبه الله بها ، فكان يضرب رأسه بالمرزاب في هذه المدة حتى أهلكه الله بها" (72).
وابن كثير في القصة السابقة يذكر روايته عن عدد من الرواة لا تجد بينهم يهوديا واحدا أو مسلما كان يهوديا.... ومع ذلك فان القصة عن الإسرائيليات كما هو واضح ولكن ابن كثير مع ذلك لا يأنف أن يعتمد في تفسيره على روايات وهب بن منبه الصحابي الذي كان أبوه يهوديا فأسلما أو تظاهرا بالإسلام. ففي تفسيره للآية. "ألقاها فإذا هي حية تسعى نجده يذكر ما يلي: "وقال وهب بن منبه في قوله (فألقاها فإذا هي حية تسعى) قال: فألقاها على وجه الأرض ، ثم حانت منه نظرة ، فإذا بأعظم ثعبان نظر إليه الناظرون ، يدب يلتمس ، كأنه يريد شيئا يريد أخذه ، يمر بالصخرة مثل الخلفة من الإبل فيلتقمها ، ويطعن بالناب من أنيابه في أصل الشجرة العظيمة فيجتثها، عيناه تتقدان نارا ، وقد عاد المحجن منه عرفا ، قيل: شعره مثل النيازك ، وعاد الشعبتان غما مثل القليب الواسع ، فيه أضراس وأنياب لها صريف ، فلما عاين ذلك موسى ، ولّى مدبرا ولم يعقّب ، فذهب حتى أمعن ، ورأى أنه قد أعجز الحية ، ثم ذكر ربه فتوقف استحياءا منه ، ثم نودي: يا موسى إن أرجع حيث كنت ، فرجع موسى وهو شديد الخوف ، فقال: (خذها بيمينك ولا تخف سنعيدها سيرتها الأولى) وعلى موسى حينئذ مدرعة من صوف... فلما أمره بأخذها لف طرف المدرّعة على يده، فقال له الملك: 
أرأيت يا موسى لو أذن الله بما تحاذر ، أكانت المدرعة تغني عنك شيئا ؟ قال: "لا، ولكني ضعيف ، ومن ضعف خلقت ، فكشف عن يده ، ثم وضعها على فم الحية حتى سمع حس الأضراس والأنياب ، ثم قبض فإذا هي عصاه التي عهدها ، وإذا يده في موضعها الذي كان يضعها إذا توكأ بين الشعبتين ، ولهذا قال تعالى: (سنعيدها سيرتها الأولى) أي إلى حالها التي تعرف قبل ذلك" (73).
وفي تفسير محمد بن جرير الطبري المسمى "جامع البيان في تفسير القرآن" نجد أمثلة أكثر من أن تحصى على خرافات يهودية. ومن الأسانيد التي تلفت النظر ، ذلك الذي يسوقه عند تفسيره للآية (94) من سورة الكهف:: "قالوا ياذا القرنين إن يأجوج وماجوج مفسدون في الأرض" ……… قال: حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، قال: حدثنا محمد ابن اسحق قال: حدثني بعض من يسوق أحاديث الأعاجم من أهل الكتاب ممن قد أسلم مما توارثوا من علم ذي القرنين: إن ذا القرنين كان رجلا من أهل مصر ، اسمه: مرزبا ابن مردبة اليوناني من ولد يونان بن يافث بن نوح" (74).
ومثل هذا الإسناد يدلنا أن ابن جرير الطبري كان يهتم بأن يكون مصدره في رواية الإسرائيليات من له بها علم ومعرفة. فهو ينبه على أن الذي ينسب إليه ما يروي رجل من أهل الكتاب الذين يسوقون أحاديث الأعاجم ، وهو يروي في تفسيره غرائب كثيرة ثم لا يتعبقها بنقد مكتفيا بذكر أسانيدها. فذو القرنين ثبت عنده أنه من أهل مصر مع أنه الاسكندر المقدوني، واكثر من ذلك انه يروي من الخرافات ما يمس العقيدة ومن تفسيره في ذلك ما يحطم من نبوة سليمان. وورد ذلك في تفسيره للآية (34) من سورة "ص" : "ولقد فتنا سليمان وألقينا على كرسيه جسدا ثم أناب "فقال: "حدثنا قتادة: إن سليمان أمر ببناء بيت المقدس ، فقيل له: إبنه ولا يسمع فيه صوت حديد ، قال: فطلب ذلك فلم يقدر عليه ، فقيل له: إن شيطانا في البحر يقال له صخر المارد ، قال: فطلبه ، وكانت عين البحر يردها في كل سبعة أيام مرة ، فتبدل ماؤها ، وجعل فيها خمر، فجاء يوم وروده ، فإذا هو بالخمر فقال: انك لشراب طيب ، إلا انك تصيبين الحليم ، وتزيدين الجاهل جهلا ، قال: ثم رجع حتى عطش جهلا، قال ثم شربها حتى غلبت على عقله ، قال: فأري الخاتم ، أو ختم به بين كفيه فذل ، قال: فكان ملكه في خاتمه ، فأتى به سليمان فقال: أنا أمرنا ببناء هذا البيت ، وقيل لنا: لا يسمعن فيه صوت حديد قال: فأتى ببعض الهدهد فجعل عليه زجاجة، فجاء الهدهد فدار حولها ، يرى بيضه ولا يقدر عليه ، فجاء بالماس فوضعه عليه ، فقطعها به حتى أفضى إلى بيضه ، فأخذ الماس فجعلوا يقطعون به الحجارة ، فكان سليمان إذا أراد أن يدخل الخلاء أو الحمام لم يدخله بخاتمه ، فانطلق يوما إلى الحمام وذلك الشيطان صخر معه ، وذلك عند مقارفة ذنب قارف فيه بعض نسائه ، قال: فدخل الحمام وأعطى الشيطان خاتمه ، فألقاه في البحر فالتقمته سمكة ، ونزع ملك سليمان منه ، فألقى على الشيطان شبه سليمان ، قال: فقعد على كرسيه وسريره ، وسلّط على ملك سليمان كله غير نسائه ، قال: فجعل يقضي بينهم، وجعلوا ينكرون منه أشياء حتى قالوا: لقد فتن نبي الله ، وكان فيهم رجل يشبهونه بعمر بن الخطاب في القوة فقال: والله لأجربنه ، قال: فقال له: يا نبي الله ـ وهو لا يرى إلا أنه نبي الله ـ أحدنا تصيبه الجنابة في الليلة الباردة ، فيدع الغسل عمدا حتى تطلع الشمس ، فاقبل فجعل لا يستقبله فبينما هو كذلك أربعين ليلة حتى وجد نبي الله خاتمة في بطن سمكة ، فاقبل فجعل لا يستقبله جني إلا سجد له ، حتى انتهى إليهم (وألقينا على على كرسيه جسدا) قال: هو الشيطان صخر" (75).
شبه سليمان ألقي على شيطان ، وسبق أن ألقوا في تفاسيرهم شبه يسوع على يهوذا. والله يمكّن شيطانا من التسلط على ملك نبيه ، وهناك نظير لعمر بن الخطاب يجرب الشيطان صخر فيسأله عن الجنابة في الليلة الباردة. ومعروف أن عمرا كان يرفث إلى زوجته أيام رمضان حتى وردت في القرآن آية تحلل ذلك: 
"أحلّ لكم الرفث إلى نسائكم" ……… وكل القصة التي رواها الطبري من أجل تفسير آية من أربع كلمات: "وألقينا على كرسيه جسدا" !!!
ولقد روى البخاري عن نبي الإسلام ما يمكن أن تحمله الآية من معنى من غير أن نقول زورا أو نرتكب محظورا ؟ فروى بسنده إلى أبي هريرة (ولننتبه هنا إلى ما يقوله أبو هريرة (قال: "قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: قال سليمان بن داود عليه السلام: لأطوفنّ الليلة على مائة امرأة أو تسع وتسعين ، كلهن يأتين بفارس مجاهد في سبيل الله ، فقال له صاحبه: قل إن شاء الله ، فلم يحمل منهن إلا امرأة واحدة جاءت بشق رجل ، والذي نفسي بيده لو قال إن شاء الله لجاهدوا في سبيل الله فرسانا أجمعون" (76).
وهنا نجد حتى البخاري يترك لأبي هريرة (رضي الله عنه)) أن يزري بالأنبياء ويسخر منهم.
ومن هذا القبيل الذي يشكك في نبوة الأنبياء ما رواه ابن جرير لتفسير الآية (8) من سورة مريم: (قال ربّ أنّي يكون لي غلام وكانت امرأتي عاقرا وقد بلغت من الكبر عتيا) قال: "حدثني موسى بن هارون قال: حدثنا عمرو، قال: حدثنا أسباط عن السدي قال: نادى جبرائيل زكريا: إن الله يبشرك بغلام اسمه يحيى لم نجعل له من قبل سميّا ، فلما سمع النداء جاء الشيطان ، فقال: يا زكريا إن الصوت الذي سمعت ليس من الله ، إنما هو من الشيطان يسخر بك ، ولو كان من الله أوحاه إليك كما يوحي إليك غيره من الأمر ، فشك وقال: أنى يكون لي غلام" (77).
الدكتور محمد السيد حسين الذهبي يستدرك على ابن جرير فيقول: "ليس بخفي أن ما ذكره السدي باطل لا أصل له ، لأنه لا يجوز على نبي - مطلقا - أن يشك فيما يوحى به إليه ، وآلا لذهبت الثقة فيه وفيما يدعيه وحيا" (78).
والذهبي لا يلفته في الرواية سخفها بل يخترع قاعدة تفيد بأنه لا يجوز لنبي أن يشك في ما يوحى به إليه: ألم يسأل الله إبراهيم الخليل - بحسب القرآن _ : "أو لم تؤمن. قال بلى ولكن ليطمئن قلبي" ؟!!!!
ولقد امتد تأثير الإسرائيليات إلى أتباع التابعين من الصحابة ، فها هو محمد بن السائب الكلبي قد اشتغل بالتفسير ، وكانت له معرفة بالأنساب والأخبار ، ومن أجل كونه أخباريا كثرت رواياته الإسرائيلية في التفسير والحديث، ولعل سبب إكثاره منها أنه يهودي النزعة فهو من أتباع عبد الله بن سبأ اليهودي. قال ابن حبان: "كان الكلبي سبئيا من أولئك الذين يقولون: إن عليا لم يمت ، وأنه راجع إلى الدنيا ويملأها عدلا كما ملئت جورا ، وان رأوا سحابة قالوا: أمير المؤمنين فيها" (79).
وعن ابن عوانة قال: "سمعت الكلبي يقول: كان جبرائيل يملي الوحي على النبي صلى الله عليه وسلم، فلما دخل النبي صلى الله عليه وسلم الخلاء جعل يملي على علي" (80).
والواقع أن الخرافات اليهودية التي تسربت إلى الإسلام يمكن عزوها إلى عدد من أحبار اليهود وعلمائهم ممن أسلموا أو تظاهروا بالإسلام. واشهر هؤلاء: كعب الأحبار ، ووهب بن منبه ، وأخوه نبهان ، وعبد الله بن سلام ، وعبد الله بن سبأ ، إضافة إلى أبي هريرة الذي جاء إسلامه متأخرا ، وهؤلاء خاصة كانوا ينسبون إلى التوراة ما ليس فيها.
وهذا "أبورية" وهو أحد فقهاء المسلمين يقول عن كعب الأحبار "أنه أظهر الإسلام خداعا ، وطوى قلبه على يهوديته ، وأنه سلط قوة دهائه على سذاجة أبي هريرة لكي يستحوذ عليه ويلقنه كل ما يريد أن يبثه في العقيدة الإسلامية من الخرافات والأوهام ، وأنه طوى أبا هريرة تحت جناحه حتى جعله يردد كلامه بالنص ويجعله حديثا مرفوعا إلى النبي صلى الله عليه وسلم" (81). وكان كعب الأحبار قد أسلم في عهد خلافة عمر بن الخطاب ، وسكن المدينة، وصحب عمرا وروى عنه (82). ونتوقف عند نقطة أساسية في سلوك كعب الأحبار فهو لم يشارك في قتال المرتدين في الجزيرة العربية إنما كان متحمسا لقتال الروم وقد شارك في غزواتهم في خلافة عمر. ومن المعروف أن أحبار اليهود في الجزيرة العربية كانوا يكنون حقدا تاريخيا على الروم ، وكانوا يجترونه كل يوم ، ولأسباب طرحناها في مطلع هذا البحث. أما الذين دافعوا عن كعب فكانت حجتهم أنه صديق عمر، ولا يعقل لعمر أن يصادق ويساكن كعبا في المدينة ويشركه في جيش المسلمين لغزو الروم وهو مخدوع فيه وفي إسلامه!!! وكانت حجتهم أيضا أنه ثقة لما ثبت من رواية أعلام الصحابة عنه كأبي هريرة، وعبد الله بن الزبير، وعبد الله بن عمر، وقد أخرج له في صحيحه مسلم ، وأبو داود ، والترمذي ، والنسائي ، ويعتبر الدكتور "محمد السيد حسين الذهبي" أن روايات كل "الأعلام" الذين ذكرنا أسماءهم عنه "شهادة كافية لرد كل تهمة تلصق بهذا الحبر الجليل" (83).
ولكن "ابن كثير" وهو علامة ثقة عند الدكتور الذهبي ، كان يروي أن عمر بن الخطاب نهى كعب الأحبار عن التحديث ، وقال له: "ولتتركن الحديث عن الأول أو لألحقنّك بأرض القردة" (84).
ولقد هدد عمر أبا هريرة بمثل ما هدد به كعب الأحبار فقال له: "لتتركن الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، أو لألحقنّك بأرض دوس" (85).
وإن عالما مسلما جليلا من مصر هو محمد أمين يلاحظ ما لاحظه الكثيرون أن بعض "الثقات" كابن قتيبة والنووي لا يروي عنه أبدا ، وان ابن جرير الطبري يروي عنه قليلا. "ولكن الثعلبي والكسائي ينقل عنه كثيرا في قصص الأنبياء كقصة يوسف" ………
ولكن الدكتور الذهبي - رحمه الله - ينسى أن ابن جرير الطبري روى عنه فيما رواه أنه (أي كعب الأحبار) جاء إلى عمر بن الخطاب قبل مقتله بثلاثة أيام وقال له: "اعهد فانك ميت في ثلاثة أيام. قال (عمر): وما يدريك؟ قال: أجده في كتاب الله عز وجل في التوراة. قال عمر: انك لتجد عمر بن الخطاب في التوراة ؟ قال: اللهم لا، ولكن أجد صفتك وحليتك وأنه قد فني أجلك" (86).
ويعلق الأستاذ أحمد أمين على ذلك بالقول: "وهذه القصة إن صحت دلت على وقوف كعب على مكيدة قتل عمر ، ثم وضعها هو في هذه الصيغة الإسرائيلية ، كما تدلنا على مقدار اختلافه في ما ينقل "ثم يضيف: "وعلى الجملة، فقد دخل على المسلمين من هؤلاء وأمثالهم - يريد كعبا ووهبا وابن سلام وغيرهم - في عقيدتهم وعلمهم كثير كان له أثر غير صالح" (87).
ولقد رأينا كذلك الشيخ محمد رشيد رضا ، صاحب "تفسير المنار" يقطع بكذب كعب الأحبار وبأن علماء الجرح والتعديل اغترّوا به وبوهب بن منبه وعدلوهما حيث يقول في مقدمة تفسيره بعد أن ذكر كلاما لابن تيمية ما نصه: 
"فآنت ترى أن هذا الإمام المحقق ـ يريد ابن تيمية ـ جزم بالوقف عن تصديق جميع ما عرف أنه من رواة الإسرائيليات ، وهذا في غير ما يقوم الدليل على بطلانه في نفسه ، وصرح في هذا المقام بروايات كعب ووهب بن منبه ، مع أن قدماء رجال الجرح والتعديل اغتروا بهما وعدلوهما ، فكيف لو تبين له (لإبن تيمية) ما تبين لنا من كذب كعب ووهب وعزوهما إلى التوراة وغيرها من كتب الرسل ما ليس فيها شيء منه ولا حومت حوله" (88).
الأطرف من ذلك كله أن الشيخ الدكتور الذهبي رحمه الله يتسائل: "فمعاوية ـ رحمه الله ـ قد شهد لكعب بالعلم وغزارته وحكم على نفسه بأنه فرط في علم كعب ، فهل يعقل أن معاوية يشهد هذه الشهادة لرجل كذاب؟" (89).
الشيخ الدكتور الذهبي يأخذ بشهادة معاوية لكعب الأحبار………!! ولا أدري كيف ـ رحمه الله ـ يرتضي لعلمه أن يأخذ برأي لمعاوية مع أن معاوية أراد دفن ذكر محمد نبي العرب عليه السلام ؟..
لقد روى الزبير بن بكار عن مطوف بن المغيرة بن شعبة الثقفي قال: دخلت مع أبي على معاوية فكان أبي يأتيه يتحدث عنده ثم ينصرف ألي فيذكر معاوية وعقله ويعجب مما يرى منه ، إذ جاء ذات ليلة فأمسك عن العشاء فرأيته مغتما فانتظرته ساعة وظننت أنه لشيء حدث فينا أو في عملنا فقلت له: ما لي أراك مغتما منذ الليلة؟"
"قال: يا بني ، إني جئت من عند أخبث الناس ، قلت له وما ذاك ، قال: قلت لمعاوية وقد خلوت به: انك قد بلغت مناك يا أمير المؤمنين ، فلو أظهرت عدلا ، وبسطت خيرا ، فانك قد كبرت ، ولو نظرت إلى إخوتك من بني هاشم فوصلت أرحامهم فوالله ما عندهم اليوم شيء تخافه. وان ذلك مما يبقى لك ذكره وثوابه. فقال لي: هيهات هيهات! أي ذكر أرجو بقاءه! ملك أخو تيم فعدل وفعل ما فعل ، فما غدا أن هلك فهلك ذكره ، إلا أن يقول قائل: أبو بكر ، ثم ملك أخو عدي فاجتهد وشمّر عشر سنين فوالله ما غدا أن هلك فهلك ذكره، إلا أن يقول قائل: عمر ، ثم ملك أخونا عثمان ، فملك رجل لم يكن أحد في مثل نسبه فعمل ما عمل وعمل به ، فوالله ما غدا أن هلك فهلك ذكره وذكر ما فعل به ، وان أخا هاشم يصرخ به في كل يوم خمس مرات: أشهد أن محمدا رسول الله. فأي عمل وأي ذكر يبقى مع هذا لا أم لك ؟ .. والله إلا دفنا دفنا" (90). فإذا كان معاوية يريد على هذا المنوال دفن ذكر نبي الإسلام ، فكيف يرتضي الشيخ الدكتور الذهبي أن يرجع إلى رأيه في كعب الأحبار ؟!!.
وحتى ابن عباس وهو محل ثقة جميع الفقهاء فيما يسند إليه كان يرجع إلى رجل يسمى أبا الجلد غيلان بن فروة الأزدي (وهو من أصل يهودي) وقد أثنى الناس عليه بأنه كان يقرأ الكتب. وعن ميمونة ابنته أنها قالت: كان أبي يقرأ القرآن في كل سبعة أيام ويختم التوراة في ستة، يقرأها نظرا ، فإذا كان يوم ختمها حشد لذلك ناس ، وكان يقول: كان يقال: تتنزل عند ختمها الرحمة. وهذا الخبر المبالغ فيه من ابنته يبين لنا مكانة الأب في الاستفادة من التوراة.
ومن بين المراجع المفضلة عند ابن عباس نجد أيضا كعب الأحبار وعبد الله بن سلام وأهل الكتاب على العموم ممن حذر الناس منهم حتى أن أحمد أمين يقول في هذا الشأن: "وقد دخل بعض هؤلاء اليهود في الإسلام فتسرب منهم إلى المسلمين كثير من هذه الأخبار ودخلت في تفسير القرآن يستكملون بها الشرح. ولم يتحرج حتى كبار الصحابة مثل ابن عباس عن أخذ قولهم. وروي أن نبي المسلمين قال: (إذا حدثكم أهل الكتاب فلا تصدقوهم ولا تكذبوهم) ، ولكن العمل كان على غير ذلك وأنهم كانوا يصدقون وينقلون عنهم" (91). وابن عباس هذا هو من دعا له نبي العرب عليه السلام بقوله: "اللهم فقّهه في الدين وعلمه التأويل" (92). بل إن عليا بن أبي طالب أثنى على شفافيته في التفسير بقوله: "كأنما ينظر إلى الغيب من ستر رقيق" (93).
نعم إن أحبار اليهود اتبعوا بدهائهم العجيب طرقا غريبة لكي يستحوذوا على عقول المسلمين - كما يقول أبورية -.
وحتى عبد الله بن عمرو خدعته الخرافات الإسرائيلية وأباطيلها ، فما يضعه أحبار اليهود كان عبد الله بن سلام يصوغه في قالب لفظي لا يثير ارتيابا ثم يحكمه الداهية كعب الأحبار في صياغة أخرى لا تخالف الأولى ، لكي يستحوذ على عقول المسلمين ، وكانت الفريسة التي يستهويها حديثه هو عبد الله بن عمرو بن العاص.
وكان عمرو بن العاص قد أصاب يوم اليرموك زاملتين قيل أنهما من التوراة وأغلب الظن انهما دستا من قبل بعض اليهود الذين تظاهروا بالإسلام. ويبدو أن عبد الله بن عمرو ـ برغم ما روى عن تقواه وحرصه ـ قد وقع في شرك الزاملتين ، فكان يحدث منهما. وقد اندفع أبورية للتأكيد بأن "حديث البشارة بالنبي ـ عليه السلام ـ وذكر أوصافه في التوراة خرافة إسرائيلية سرت إلى عبد الله عمرو بن العاص عن طريق أستاذه كعب الأحبار" (94). ومن عبد الله بن عمرو بن العاص ، سرت هذه الحكاية إلى صحيح البخاري برواية عطاء بن ياسر، قال: "لقيت عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما ، قلت: أخبرني عن صفة رسول الله صلى الله عليه وسلم في التوراة ، قال: أجل، والله انه لموصوف في التوراة ببعض صفته في القرآن: يا أيها النبي أنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا وحرزا للأميين ، أنت عبدي ورسولي ، سميتك المتوكل ، ليس بفظ ولا غليظ ، ولا سخّاب في الأسواق ، ولا يدفع بالسيئة السيئة ، ولكن يعفو ويغفر ، لن يقبضه الله حتى يقيم به الملة العوجاء ، بأن يقولوا لا إله إلا الله ، ويفتح به أعينا عمينا وآذانا صما وقلوبا غلفا" (96).
تلك هي بإيجاز مواطن تأثر الإسلام بعقيدة اليهودية ، وقد عرضناها على سبيل المثال وليس على سبيل الحصر. وإنما لا بد قبل الإنتقال إلى البحث الثاني من الإشارة ولو بقليل إلى منشأ العداء القائم بين الإسلام واليهود. فلقد كانت الأسباب الرئيسية الباعثة على هذا العداء أسبابا اقتصادية. إنما الخلافات الدينية كانت على الدوام سببا في زيادة المنافسات الاقتصادية وستارا لها. لقد دعم اليهود المسلمين الأوائل في صدر الإسلام ظنا منهم أنهم يستطيعون بواسطته مواجهة الخطر المسيحي المتمثل في الدولة البيزنطية. ولكن ما أن قويت شوكة المسلمين قليلا حتى أغضبهم من اليهود عدم أيمانهم بالرسالة المحمدية وانقلبوا عليهم، وكان لا بد لليهود الذين وقعوا بين نار الدولة المسيحية ونار الدولة الإسلامية الفتية أن يفتشوا عن دور آخر من خلال الإسلام نفسه ، فتظاهر بعض أحبارهم بالإسلام واستطاعوا تسريب كثير من الخرافات إلى الإسلام عن طريق التفسير والحديث بعدما كانوا نجحوا في تشتيت المسيحية إلى بدع. وأكثر ما كان يؤلمهم أنهم فشلوا في سحب اعتراف الرسالة المحمدية بالمجيء الأول للمسيح.
ويقينا لن تكتمل الصورة إلا إذا دخلت في تفاصيلها عوامل تأثير البدع النصرانية، والظروف المسيحية عموما في أبان ظهور ونشأة الإسلام وهذا ما سنتناوله في بحث مقبل.
إنما رأيت أن استبق ذلك ببحث أتناول فيه ما دخل من العهد القديم (ولا سيما أسفار الشريعة الأولى) في الأحاديث المنسوبة إلى نبي الإسلام ، وهي الأحاديث التي وردت في مجامع المحدثين ، كصحيحي البخاري ومسلم ، وفي مجامع النسائي ، والقزويني ، والترمذي ، وقد جمعها السيوطي أساسا في كتابيه: "كنوز الحقائق" و "الجامع الصغير"، فاعتمدناه، كما اعتمدنا "شرح المفاوي" له